Return to Article Details The Genesis of Sport as a Sociological Problem

نشأة الرياضة بوصفها مسألة سوسيولوجية

The Genesis of Sport as a Sociological Problem

نوربرت إلياس| Norbert Elias *ترجمة مجد أبو  عامر **

ويارا نصّار ***

Translated by Majd Abuamer & Yara Nassar

الملخّص

تبحث الدراسة في نشأة الرياضة ماديًا ولفظيًا في إنكلترا وانتشارها من هناك إلى بلدان أخرى، وتقارن بين ظروف نشأة الألعاب في العصور الكلاسيكية القديمة وفي القرنين التاسع عشر والعشرين. ولتحقيق هذا المسعى، تسترشد الدراسة بنظرية سيرورة التحضُّر، التي ترى أنّ تشكُّل الدولة وتكوّن الضمير، ومستوى العنف المادي المسموح به اجتماعيًا، وعتبة النفور من استخدام هذا العنف أو مشاهدته، يختلف على نحوٍ محدد باختلاف مراحل تطوّر المجتمعات. وبذلك، تزيل النظرية والسبر التاريخي للظاهرة الرياضية معًا سوء الفهم الناتج من الاستخدام المسلّم به لعتبة النفور الشخصية تجاه أشكالٍ معيّنة من العنف المادي بوصفها مقياسًا عامًا لجميع المجتمعات البشرية، بصرف النظر عن بنيتها ومستوى تطوّرها الاجتماعي.

Abstract

German Sociologist (1897–1990).

Researcher, the Arab Center for Research and Policy Studies. Email: majd.abuamer@dohainstitute.org

Researcher, the Arab Center for Research and Policy Studies. Email: yara.nassar@dohainstitute.org

Norbert Elias & Eric Dunning, Quest for Excitement: Sport and Leisure in The Civilizing Process (Oxford: Basil Blackwell, 1986), pp. 126–149.

Eric Dunning (ed.), The Sociology of Sport: A Selection of Readings (London: Cass, 1971).

الكلمات المفتاحية:
  • الرياضة
  • كرة القدم
  • الألعاب الأولمبية
  • العنف
  • الحضارة
Keywords:
  • Sports
  • Football
  • Olympic Games
  • Violence
  • Civilisation

نوربرت إلياس| Norbert Elias * ترجمة مجد أبو  عامر ** ويارا نصّار *** |

الاجتماعي *****.

والتي ظهرت نسختها الأولى عام 1971 في: ***** المترجمان Translators The.

ملخص: تبحث الدراسة في نشأة الرياضة ماديًا ولفظيًا في إنكلترا وانتشارها من هناك إلى

بلدان أخرى، وتقارن بين ظروف نشأة الألعاب في العصور الكلاسيكية القديمة وفي القرنين

التاسع عشر والعشرين. ولتحقيق هذا المسعى، تسترشد الدراسة بنظرية سيرورة التحضُّر،

التي ترى أنّ تشكُّل الدولة وتكوّن الضمير، ومستوى العنف المادي المسموح به اجتماعيًا،

وعتبة النفور من استخدام هذا العنف أو مشاهدته، يختلف على نحوٍ محدد باختلاف مراحل

تطوّر المجتمعات. وبذلك، تزيل النظرية والسبر التاريخي للظاهرة الرياضية معًا سوء الفهم

الناتج من الاستخدام المسلّم به لعتبة النفور الشخصية تجاه أشكالٍمعيّنة من العنف المادي

بوصفها مقياسًا عامًا لجميع المجتمعات البشرية، بصرف النظر عن بنيتها ومستوى تطوّرها

Abstract: This study examines the physical and verbal genesis of sports in England and compares the conditions under which game–contests emerged in classical antiquity and in the nineteenth and twentieth centuries. To this aim, the investigation

is guided by the theory of civilising processes, which posits that state formation and conscience formation, the level of socially permitted physical violence, and the threshold of repugnance against using it or witnessing it, will differ in specific ways at different stages in the development of societies. In this way, theory and empirical data together remove the misunderstanding that results from the unquestioned use of one’s own threshold of repugnance in the face of specific types of physical violence as a general yardstick for all human societies regardless of their structure and stage of social development.

أولا: كرة القدم خارج الملعب: الانتشار المادي واللفظي للّعبة الإنكليزية

يعود منشأ العديد من الرياضات Sports التي تمارَس اليوم على نحوٍ موحَّد تقريبًا

في جميع أنحاء العالم إلى إنكلترا؛ إذ انتشرت من هناك إلى بلدانٍ أخرى على نحو رئيس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ومن هذه الرياضات سباق الخيل، والمصارعة، والملاكمة، والتنس، وصيد الثعالب، والتجديف، والكروكيه، وألعاب القوى، وكذلك كرة القدم بالصيغة التي عُرفت بها في إنكلترا باسم "كرة قدم الاتحاد" Football Association، أو "الكرة " Soccer بحسب الاختصار الشائع. لكن لم تحظَ أيٌ من هذه

(((الإطار النظري في هذه الدراسة متصل اتص لً وثيقًا بنظرية سيرورة التحضُّر، بل إنّه في الواقع، إسهاب في هذه النظرية الواردة

في:

Norbert Elias, The Civilizing Process (Oxford: Basil Blackwell, 1978); Norbert Elias, State Formation and Civilization (Oxford: Basil Blackwell, 1982).

تجدر الإشارة إلى أن نوربرت إلياس كان رياضيًا متحمسًا في شبابه، حتى إن عينه اليمنى فقدت البصر في حادثة تزلّج، وظلّ سبّاحًا

متمرسًا حتى سنواته الأخيرة. وغدا كذلك أحد السوسيولوجيين الأوائل الذين رفدوا ما بات يسمى الآن بحقل سوسيولوجيا الرياضة،

وذلك بعد لقائه مع السوسيولوجي البريطاني إيريك دونينغ (2019–1936) في جامعة ليستر بإنكلترا عام 1956، والذي كان طالبًا

عنده آنذاك، ومن ثم انخراطهما في عددٍ من المشاريع البحثية المشتركة حول الظاهرة الرياضية. وقد دخل إلياس باب سوسيولوجيا

الرياضة حاملً عدسة التحضّر؛ إذ نجد في كتابه المؤسس سيرورة التحضّر (1939) إشاراتٍ إلى الكيفية التي تمثّل فيها الملاكمة

الحديثة شكلً أقل دمويةً، و"أكثر تحضرًا" بهذا المعنى، مقارنةً بالعصور القديمة. وظلّت هذه العدسة توجّه مقالاته اللاحقة حول

الرياضة التي كانت حقلً تجريبيًا لنظريته. يُعدُّ هذا المقال من أولها وأهمها. (المترجمان) ملاحظة: رُقمت أقسام المقال لاتينيًا في نسختها الأصلية من دون عناوين، على هذه الشاكلة: VIII , VII , VI , V , IV , III , II , I،

أما العناوين الفرعية الواردة في هذه الترجمة فمن اقتراح المترجمَين. (((يميز نوربرت إلياس بين "الرياضة" Sports و"الألعاب" Games و"الألعاب الرياضية" games – Sport؛ إذ تدلُّ الألعاب، في تقديره، على أنشطة لا تكون فيها المنافسة بين اللاعبين جسدية، مثل الشطرنج. أما الرياضة، فتكون المنافسة فيها جسدية دائمًا، وهي

ليست ألعابًا، إذ لا يجري "لعبها" بالمعنى الحرفي للكلمة، ومثال ذلك الملاكمة وألعاب القوى. وأخيرًا تنطوي الألعاب الرياضية

على منافسة جسدية، إلا أنّها تُلعب أيضًا، مثل كرة القدم والرغبي والبيسبول. (المترجمان) (((في حين عُرفت ألعاب ركل الكرة منذ قرون لدى حضارات قديمة عدة في الصين وأميركا الوسطى، إلا أن كرة القدم الحديثة

نشأت في إنكلترا في منتصف القرن التاسع عشر، مع إنشاء ما يسمى ب "قواعد كامبريدج" Rules Cambridge للعب كرة القدم في عام 1848، ومن ثم تأسيس اتحاد كرة القدم Association Football في عام 1863 الذي قعّد قوانين اللعبة ورعى مسابقاتها، ليرتبط

اسم اللعبة به. حتّى إن التسمية الشهيرة للعبة Soccer اشتُقت من كلمة Association. (المترجمان)

الرياضات في البلدان الأخرى بالانتشار والجاذبية السريعَين والواسعين اللذين حظيت بهما كرة القدم، ولم تكن لها شعبية كرة القدم أيضًا. اعتُمدَ المصطلح الإنكليزي "رياضة" Sport على نطاقٍ واسع في بلدان أخرى بوصفه مصطلحًا عامًا يَصف هذا النوع المحدد من التسليات الإنكليزية التي انتشرت في هذه البلدان في الفترة 1950–1850. وتشترك هذه التسليات في خصائص مميزة ربما لوحظت في البلدان الأخرى أكثر من إنكلترا نفسها، وتبرر هذه الخصائص المشتركة جمع هذه التسليات تحت تصنيف "رياضة". وقد كتب مؤلف ألماني في عام 1936: "غنيٌ عن البيان أنّ إنكلترا كانت مهد الرياضة و'أمها' الرؤوم". ويبدو أنّ المصطلحات التقنية الإنكليزية

المرتبطة بهذا الحقل قد تصبح ملكية مشتركة لجميع الأمم، على غرار المصطلحات التقنية الإيطالية في حقل الموسيقى. ولعلّ من النادر انتقال عنصر ثقافي من بلد إلى آخر بمثل هذه التغييرات الطفيفة". وثمة أمثلة كثيرة تبيّن أن "الرياضة" – بوصفها معطى اجتماعيًا ومفردة على حد سواء – كانت دخيلة بادئ

الأمر في بلدان أخرى. وفي سياق أي تشخيص سوسيولوجي، فإن زمن سيرورة الانتشار والاستيعاب معطى مهم على الدوام. ولذا كان في وسع كاتب أرستقراطي ألماني على معرفة جيدة بإنكلترا أن يقول في عام 1810 إن مفردة "سبورت" Sport الإنكليزية لا تقبل الترجمة، مثلها مثل مفردة "جنتلمان" Gentleman. وفي عام 1844، كتب مؤلف ألماني آخر، بشأن مفردة "رياضة": "ليس لدينا مفردة تعبّر عنها [الرياضة]،

ونحن شبه مرغمين على إدراجها في لغتنا". وبطبيعة الحال، ظلّ انتشار المصطلح الإنكليزي "سبورت"، بوصفه تعبيرًا يمكن أن يفهمه الشعب الألماني، انتشارًا بطيئًا حتى خمسينيات القرن التاسع عشر، وبدأ

يكتسب زخمًا شيئًا فشيئًا بالتزامن مع تنامي الأنشطة الرياضية نفسها. وأخيرًا، ترسّخت مفردة "سبورت"

بوصفها مفردةً ألمانية في القرن العشرين. وفي فرنسا، صنّف قاموس لاروس للقرن التاسع عشر مصطلح Sport على هذا النحو: "سبورت sportt – Sport – مفردة إنكليزية سُكّت من المفردة الفرنسية القديمة ' desport '، وتعني متعة، لهو [...]".

وقد احتجّ القاموس على استيراد مثل هذه المصطلحات "التي تُفسِد لغتنا [الفرنسية] على نحو جلي، إذ لا نملك حواجز جمركية تمنع استيرادها عبر الحدود". وشملت الواردات الأخرى – المادية فضلً عن اللفظية – من إنكلترا إلى فرنسا "عشب الملاعب" Turf، و"الفروسية" Jockey و"سباق الموانع"

(((لا  تتوافر مساحة كافية هنا للإجابة بمزيدٍ من التفصيل عن سؤال: لماذا كان انتشار لعبة الرغبي Rugger الكروية واستيعابها محدودين، على عكس كرة القدم الإنكليزية Soccer التي انتشرت واستُوعبت عالميًا؟ من الجدير بالذكر أنّ البحث في مسائل على

هذه الشاكلة قد يوفّر رزمةً من الإثباتات الكافية على نظريةٍ سوسيولوجية للرياضة، ويكون بمنزلة حالة تجريبية لجوانب محدَّدة منها. (((نقل المؤلف هذا الاقتباس إلى الإنكليزية عن:

Agnes Bain Stiven, Englands Einfluss auf den deutschen Wortschatz (Marburg: B. Sporn, 1936), p. 72. (6) Hermann Puechlser–Muskau, Briefe eines Verstorbenen , 9/10/1810. (7) James G. Kohl

مقتبس في:

"Article on Sport," in: Friedrich Kluge, Ethymologisches Worterbuch , 17 th ed. (Berlin: De Gruyter, 1957). (8)  Larousse du XIX ième Siècle.

Steeplechase و"المباراة" Match و"رهان سباق الخيل" Sweepstake و"الملاكمة" boxe Le. وفي عهد لويس الثامن عشر XVIII Lewis، كان سباق الخيل ورهاناته في فرنسا أكثر تنظيمًا، على غرار النماذج

الإنكليزية. وقد اختفت هذه الرياضة مع الثورة الفرنسية، ثم أعيد إحياؤها مع عودة ترسّخ طبقة عليا

(أرستقراطية بهذا القدر أو ذاك). وأسّس نادٍ للفروسية في باريس في عامُ 1833. وقبل أن تتبلور خصائص

"الرياضة" في بعض أنماط اللهو الشائعة، مثل كرة القدم، وتُرى بوصفها رياضة في إنكلترا نفسها، وتنتشر في بلدان أخرى بهذا الشكل بوصفها تسليةً خاصّة بالطبقتين الوسطى والعاملة، انتشرت أشكال أخرى

من التسليات الأرستقراطية أو "المجتمعية" – وهيمنت على معاني مصطلح "رياضة" في إنكلترا نفسها في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر – في بلدان أخرى وتبنّتها نُخبها الاجتماعية. وفي وقت مبكر

من القرن الثامن عشر، استُخدمت في ألمانيا وفرنسا بعض المصطلحات الإنكليزية التي تنتمي إلى لغة الرياضة الخاصة بالطبقة العليا. ومنذ حوالى عام 1744 فصاعدًا، استُخدم المصطلح القديم Baxen مرادفًا لمصطلح Boxen [الألماني الذي يعني الملاكمة] الذي تستخدمه الطبقات الأكثر ثقافة. ومن المفيد لفهمنا عن تطوّر المجتمعات الأوروبية، وفهم تطوّر الرياضة نفسها، ملاحظة أنّ الأنواع الأولى من الرياضة

الإنكليزية التي تبنّتها بلدان أخرى كانت سباق الخيل، والملاكمة، وصيد الثعالب، وما شابه ذلك من تسليات، وأن انتشار الألعاب الكروية، مثل كرة القدم، والتنس، و"الرياضة" عمومًا بمعناها المعاصر، لم

يبدأ إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. اتّسم تحوّل اللعبة الإنكليزية الشعبية المتعددة الأشكال إلى كرة قدم الاتحاد أو "الكرة" Soccer بتطوّر

طويل الأمد إلى حدٍ ما في اتّجاه مزيدٍ من أوجه التنظيم والاتّساق، وهو ما تُوِّجَ بتحديد قواعد اللعبة على

المستوى الوطني في عام 1863. وليس غريبًا أن أوّل نادٍ ألماني لكرة القدم يلعب وفقًا للقواعد الإنكليزية

تأسس في هانوفر عام 1878. وفي هولندا، تأسّس أوّل نادٍ لكرة القدم في عام 1880–1879، وحوالى عام

1890 في إيطاليا. وتأسست اتحادات لكرة القدم في سويسرا في عام 1895، وفي ألمانيا في عام 1900، وفي البرتغال في عام 1906؛ ما يدل على تنامي عدد الأندية في كل دولة من هذه الدول. ففي هولندا وحدها، كان ثمة خمسة وعشرون ناديًا مختلفًا لكرة القدم يضمّ كل منها أكثر من عشرة أعضاء منذ عام

1901–1900. وبحلول عام 1911–1910، ارتفع العدد إلى 134 ناديًا. ومنذ عام 1908 فصاعدًا، غدت كرة

القدم جزءًا دائمًا في الألعاب الأولمبية باستثناء بضعة انقطاعات. ومع انتشار اللعبة في البلدان الأخرى، دخل مصطلح "كرة القدم" إلى لغات أخرى، غالبًا بتبيئته، مترافقًا في

معظم الحالات لا جميعها، مع نمط كرة القدم الإنكليزية. ففي فرنسا، بقي المصطلح في صيغته الأصلية. وفي ألمانيا، تحوّل من دون صعوبة بالغة إلى Fussball. أمّا في إسبانيا، فأصبح Futbol مع اشتقاقات

خاصّة مثل Futbolero و Futbolista. وفي البرتغال، أصبح Futebol، وفي هولندا Voetbal. وحتى في

الولايات المتحدة، ارتبط مصطلح Football فترةً من الوقت بلعبة الكرة الإنكليزية، لكن معناه تبدَّل بتبدُّل قواعد اللعبة نفسها؛ إذ ابتعد الأسلوب الأميركي السائد في اللعب تدريجيًا عن نمط الكرة الإنكليزية. وعلى

(((ينبع عدم الاستغراب هنا من حقيقة أن ملوك بريطانيا وإيرلندا منذ بداية القرن الثامن عشر (الملك جورج الأول) وصولً إلى

بداية القرن العشرين (الملكة فيكتوريا)، تحدّروا من سلالة هانوفر Hanover of House، التي حكمت هانوفر وبريطانيا على حد

سواء. (المترجمان)

ما يبدو، انحرفت بعض الجامعات الأميركية البارزة عن قواعدها، متأثرةً بادئ الأمر بتنويع كندي منافس للّعبة الإنكليزية، وهو كرة "الرغبي" Rugger / Rugby، التي طوّروها لاحقًا على هواهم. ولكن مصطلح

Football ظلّ مرتبطًا بالأسلوب المختلف للّعب الذي تطوّر بالتدرج وانتظم أخيرًا في الولايات المتحدة،

بينما أصبح نمط كرة قدم الاتحاد معروفًا هناك باسم Soccer البسيط الصرف، في مقابل استمرارية استخدام مصطلحَي Futbol و Futebol للّعبة في دول أميركا اللاتينية. يمكن طرح أمثلة كثيرة أخرى على هذا الانتشار الذي بدأ من إنكلترا، وعلى تبنّي البلدان الأخرى للرياضة

والمصطلحات المرتبطة بها. وفي تناولنا الأوّلي لهذا الموضوع، تكفي هذه الأمثلة القليلة للدلالة على

المسألة.

ثانيًا: ريضنة الألعاب: تطوّر الرياضة من منظور الصناعة

ما الذي يفسر حقيقة أنّ نمطَ تسلية إنكليزيًا يسمّى "رياضة" كان نموذجًا لحركة ترفيه عالمية، بخاصة في

القرنين التاسع عشر والعشرين؟ من الجليّ أنّ تسليات من هذا النوع جاءت تلبية لحاجات ترفيهية محدَّدة

فرضت نفسها في بلدان كثيرة خلال تلك الفترة. لِمَ نشأت هذه التسليات في إنكلترا أولً؟ وما السمات

البنيوية والتنموية في المجتمع الإنكليزي التي تفسّر تطوّر الأنشطة الترفيهية فيه بسمات محددة نسمّيها

"الرياضة"؟ وما هذه السمات؟ وما التسليات البارزة التي ورثت هذه السمات من تسلياتٍ سابقة؟ أول وهلة، قد يشعر المرء أنّ هذه الأسئلة تستند إلى افتراضات خاطئة. فمن المؤكد أن المجتمعات المعاصرة ليست المجتمعات الأولى والوحيدة التي تَنعّم أفرادها بالرياضة. ألم يلعب الناس كرة القدم في إنكلترا ودول أوروبية أخرى خلال العصور الوسطى؟ ألم يكن لدى حاشية لويس الرابع عشر XIV Louis ملاعب تنس يستمتعون فيها بلعب "لعبة الراكيت" paume de Jeu؟ والأهم من هذا كله، ألم ينظّم الإغريق القدماء، روّاد "ألعاب القوى" و"الرياضات" الأخرى، مسابقات ضخمة محلية وبين الدول، كما نفعل

اليوم؟ أليس إحياء الألعاب الأولمبية في زماننا تذكيرًا كافيًا بحقيقة أنّ "الرياضة" ليست أمرًا جديدًا؟ يصعب تحديد إذا ما كان نمط الألعاب التنافسية، التي تطوّرت في إنكلترا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع

عشر تحت مسمّى "رياضة" وانتشرت من هناك إلى بلدان أخرى، أمرًا جديدًا نسبيًا أم إحياءً لنموذج قديم

توقف بلا تفسير، من دون معاينة موجزة لمسألة إذا ما كانت للألعاب التنافسية في اليونان القديمة سمات ما نعدّه الآن "رياضة". وغالبًا ما يُستخدم مصطلح "رياضة" استخدامًا فضفاضًا اليوم ليشمل ألعابًا تنافسية

من أنواع مختلفة. وكما هي حال مصطلح "صناعة" Industry، يُستخدم مصطلح "رياضة" بمعنيَيه الواسع

والضيّق؛ إذ يشير بمعناه الواسع، كما هي حال مصطلح "صناعة"، إلى أنشطة محدّدة في المجتمعات

القبلية ما قبل الدولة، وفي المجتمعات – الدول societies – State ما قبل الصناعية، وما يوازيها من أنشطة في الدول القومية الصناعية. ومع أننا نستخدم مصطلح "صناعة" بهذا المعنى الواسع، غير أننا مدركون تمام الإدراك اليوم لمعناه الضيق والأدق، كما ندرك حقيقة أنّ "سيرورة التصنيع" في القرنين التاسع عشر والعشرين أمر حديث نسبيًا، وأنّ لأنماط الإنتاج والعمل المحددة التي تطورت مؤخرًا تحت اسم "صناعة" بنى فريدة

بعينها يمكن تحديدها سوسيولوجيًا بدقّة كبيرة، وتمييزها من أنماط الإنتاج الأخرى. ولكننا لا نزال نستخدم

مصطلح "رياضة" اعتباطيًا عند ذكره في كلامنا، بمعناه الواسع المتعلق بالألعاب التنافسية والتمارين البدنية

في جميع المجتمعات، وبمعناه الضيّق المرتبط بنمط محدد من الألعاب التنافسية التي ظهرت في إنكلترا،

كما هي حال المصطلح، وانتشرت من هناك إلى مجتمعات أخرى. وتشير هذه السيرورة – التي يمكن أن نسميها "رَيْضنَة" Sportisation الألعاب التنافسية، إن لم يبدُ الاسم منفّرًا – إلى مسألة واضحة نسبيًا: هل

يمكننا أن نكتشف، في التطورات الحديثة لبنية هذه الأنشطة الترفيهية التي نسمّيها "رياضة"، وتنظيمها،

نماذجَ تكون فريدة فرادة نماذج بنية العمل وتنظيمه الذي نعنيه حين نتحدث عن سيرورة تصنيع؟ هذا سؤال

مفتوح على مزالق خطأ كبيرة. وبالنظر إلى التقييم السائد للعمل بكونه أمرًا ذا قيمةٍ أعلى من الأنشطة الترفيهية بمختلف أنواعها، ستسهل

الدلالة بأنّ أيّ تحوُّل، في الأنشطة الترفيهية عمومًا أو الألعاب التنافسية خصوصًا، في قرابة المئتي عام

الماضية، سيُفسَّر على أنّه "النتيجة" الحتمية التي كان التصنيع "سببًا" لها. وسيغلق التوقّعُ الضمني لهذه

العلاقات السببية القضيةَ قبل أن يُتاح فتحها على نحو ملائم أساسًا. يمكن مثلًالتفكير في إمكانية أن

يكون التصنيع وتحوُّل أنشطة ترفيهية بعينها إلى رياضة توجّهين جزئيَّين مترابطين داخل تحوّل شامل في

مجتمعات الدول في الآونة الأخيرة. ولا يمكننا أن نأمل توضيح المسألة التي نواجهها هنا، إلا إذا توقفنا عن التعامل مع التغيرات في الفضاءات الاجتماعية ذات القيمة الأسمى بوصفها "أسبابًا"، ومع التغيرات

في الفضاءات الاجتماعية الأدنى بوصفها "نتائج". وإن توضيح المسألة نفسها – أي نشوء الرياضة – هو المهمة الرئيسة لهذه الدراسة. وفي هذه الحالة، كما في الحالات الأخرى، سيسهل إيجاد الحلول إذا كان المرء مدركًا ماهية المشكلة.

ثالثًا: الرياضة في زماننا: ابتكار أم مزيد من الشيء نفسه؟

يمكن، على نحو ملائم، عدّ المقتطف التالي من المقالة الخاصة بألعاب القوى في إصدار حديث من

موسوعة بريتانيكا Encyclopaedia Britannica ملخّصًا وجيهًا للآراء السائدة حول هذه المسألة: "أقدم

السجلات التاريخية عن ألعاب القوى هي الألعاب الأولمبية الإغريقية (قرابة 800 قبل الميلاد) [...] التي

أوقِفَت عامُ 394 للميلاد بأمرٍ من الإمبراطور ثيودوسيوس Theodosius. إنّ تاريخ ألعاب القوى بين سقوط روما في القرن الخامس والقرن التاسع عشر، غامضٌ جدًا. وغالبًا ما كانت الاحتفالات الدينية، في العصور

الوسطى، مصحوبةً بألعاب كرة خشنة بين البلدات أو الاتّحادات المتنافسة. وكانت هذه الرياضات أسلاف الرياضات الجماهيرية العظيمة في القرن العشرين: الكرة Soccer، والبيسبول والتنس وكرة القدم، وما إلى ذلك. وقد أسهمت ولادة الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، وإدخال توماس أرنولد Thomas Arnold الرياضة نشاطًا دراسيًا إضافيًا دائمًا في المدارس العامة حوالى عام 1830، في التحفيز الذي قاد إلى

تطوّر كبير في الرياضة خلال العصر الفيكتوري في إنكلترا. وتُوِّجت النهضة الرياضية في القرن التاسع عشر

بإحياء الألعاب الأولمبية في أثينا عام 1896. ومع مطلع القرن العشرين، وصل الاهتمام بجميع الرياضات التنافسية إلى ذروته، وما زال هذا الاهتمام مستمرًا، على الرغم من اندلاع حربين عالميتين ونزاعات ثانوية

عدة". وكما يتّضح لنا، يورد هذا المقتطف الموجز عددًا من الحقائق الموثّقة جيّدًا؛ إذ يشير إلى تفسير، كما في

الفورة التي انتابت الرياضة من خلال مبادرة الدكتور أرنولد. لكن لا يُراد من هذا المقتطف فتح أعيُن القراء

على المشكلات العالقة الكثيرة المدفونة تحت سطح السرد الأملس. فعلى سبيل المثال، كيف يمكننا تفسير

أنّ الاحتفالات الدينية في العصور الوسطى صوحبت بألعاب "خشنة"، مع علمنا أن الاحتفالات الدينية في العصور القديمة في أولمبيا وأماكن أخرى كانت أقل خشونةً، وبذا، فهي أقرب إلى رياضات القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟ وكيف لنا أن نحدد أنّ هذه الأخيرة أقل خشونةً؟ وكيف لنا أن نحدد مستويات "الخشونة" في أداء الألعاب، تبعًا لمعايير التحضّر، وبدرجة دقة معقولة؟ وكيف يمكن تفسيرها؟ وكيف

يمكن تفسير "التطوّر الكبير في الرياضة"، أو "إحياء الألعاب الأولمبية خلال القرن التاسع عشر"؟ يصعب

نفي الاهتمام الكبير بالألعاب التنافسية، إذا تذكّرنا بطولات العصور الوسطى أو الألعاب الشعبية التي لا تُعدّ ولا تُحصى في ذلك العصر؛ إذ كانت غير ممنوعة، بل عصيّة على المنع فعليًا، حتى إن عارضت السلطات

وجودها، كما تشير قرارات متكررة تحظر لعب كرة القدم في إنكلترا ودول أوروبية أخرى. وهل كان الفارق بين الألعاب التنافسية التي استمتع بها الناس قبل القرن الثامن عشر وتلك التي استمتعوا بها خلال عصر "الثورة الصناعية" مجرّد اختلاف في مستوى "الخشونة" بينهما؟ وهل يرجع ذلك إلى حقيقة أنّ أناس "الثورة

الصناعية" كانوا أقل همجيةً، أو أكثر "تحضُّرًا"؟ وهل يُعدُّ ذلك من السمات المميزة ل "الرياضة"؟ ولكن

في هذه الحالة، هل من المبرَّر الحديث عن "إحياء"؟ وهل كانت حركة الرياضة في القرنَين التاسع عشر

والعشرين "نهضة" أخرى، و"إحياء" غير مفسّر لشيء كان موجودًا في العصور القديمة وانتهى في العصور

الوسطى، ثمّ وُلِدَ من جديد في عصرنا لأسبابٍ مجهولة؟ هل كانت الألعاب التنافسية في العصور القديمة

أقل "خشونةً" وهمجية؟ هل كانت تلك الألعاب، مثل ألعابنا، مقيَّدة نسبيًا، وتعكس حساسيةً عالية تجاه

الإلحاق العبثي لإصابات خطرة بالآخرين لمجرد إسعادِ المتفرجين؟ أم أن نزعة تقديم حركة الرياضة الحديثة

بوصفها إحياءً لحركةٍ مماثلة شهدتها العصور القديمة هي إحدى تلك الأساطير الأيديولوجية الخيّرة التي

استُخدمت ببراءة وسيلةً لتدعيم وحدة حركةٍ ملؤها التوترات والنزعات المتضاربة، ولتعزيز بريقها وهيبتها؟

في هذه الحالة، ألا يكون من الأفضل ربما أن ندرسَ واقعيًا الظروف المحدَّدة التي تفسّر نشأة الحركة

الرياضية في عصرنا وصعودها، لمواجهة حقيقة أنّ نمط الألعاب التنافسية الذي نسمّيه "رياضة"، مثله مثل

الدول القومية الصناعية التي تحصل تلك الألعاب فيها، ذو سمات فريدة محددة تميّزه من الأنماط الأخرى،

وأن نبدأ المهمة الصعبة المتمثلة في الوقوف على طبيعة هذه السمات المميزة وتفسيرها؟

رابعًا: العنف في الحقل الرياضي: الاختلافات والتشابهات زمانيًا

لن نلاقي صعوبة، عند التمحيص، في رؤية أنّ الألعاب التنافسية في العصور الكلاسيكية القديمة، التي

غالبًا ما تُمثَّل بكونها النموذج الأعظم للرياضة، كانت تتمتّع بعددٍ من المزايا، وأنّها نشأت في ظلّ ظروف

متباينة عن ظروف نشأة ألعابنا التنافسية اليوم. لقد اختلف "إيتوس" Ethos [أخلاقيات] المتنافسين، كما تبدّلت معايير التحكيم، وقواعد التنافس، بل إن الأداءات نفسها اختلفت اختلافًا بيّنًا في مناحٍ كثيرة

عن سمات الرياضة الحديثة. وتُظهِر العديد من الكتابات المعاصرة ذات الصلة ميلً قويًا تجاه تقليص

الاختلافات وتعظيم التشابهات. وتكون النتيجة صورةً مشوّهة عن مجتمعنا، فضلً عن المجتمع الإغريقي

والعلاقة بينهما. فالمسائل لم تشوَّش من ناحية الميل إلى عدّ الألعاب التنافسية في العصور القديمة

التجسّد الأمثل للرياضة المعاصرة فحسب، بل أيضًا من خلال التوقّع الموازي بوجود تأكيد لهذه الفرضية

في كتابات العصور القديمة، والميل إلى إغفال الأدلة التي تناقض ذلك أو التعامل معها تلقائيًا بكونها

مرجعًا لاستثناءات.

قد يكفي هنا الإشارة إلى إحدى السمات المميزة الأولية للفروق بين بنية الألعاب التنافسية خلال العصور الكلاسيكية القديمة ونظيرتها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ففي العصور القديمة، أقرّت القواعد

المتعارف عليها في مسابقات ألعاب القوى "الثقيلة"، مثل الملاكمة والمصارعة، مستوى عنفٍ جسدي أعلى بكثير مما أقرّته القواعد الخاصّة بما يناظرها اليوم من ألعاب. وعلاوةً على ذلك، فإنّ القواعد اليوم

هي أكثر تفصيلً وتمايزًا؛ فهي ليست محض قواعد عرفية بل هي قواعد مكتوبة وتخضع للنقد والمراجعة

على نحوٍ واضح. ولم يكن المستوى العالي للعنف الجسدي في الألعاب الكلاسيكية معطى استثنائيًا

في ذاته، بل كان عرَضًا من أعراض السمات المميزة لتكوّن المجتمع الإغريقي، بخاصة في مرحلة التطوّر

التي وصل إليها ما يسمّى اليوم "الدولة" ودرجة احتكار العنف المادي المتجسّد فيها. وإنّ الاحتكار

الصارم والثابت والمتجرّد نسبيًا لوسائل العنف والتحكّم فيها إحدى السمات البنيوية المركزية للدول

القومية المعاصرة. وبالمقارنة، كان الاحتكار المؤسسي والسيطرة على العنف المادي في الدول–المدن states – City الإغريقية، لا يزال بدائيًا. لن يصعب توضيح مسائل كهذه إذا استرشدت دراستها بنموذج نظري واضح مثل الذي تقدّمه نظرية سيرورة التحضُّر. وفقًا لهذه النظرية، يُعتقد أن تشكُّل الدولة وتكوّن الضمير، ومستوى العنف المادي المسموح

به اجتماعيًا، وعتبة النفور من استخدام هذا العنف أو مشاهدته، يختلف على نحوٍ محدد باختلاف مراحل

تطوّر المجتمعات. ومن اللافت اكتشاف المدى الكامل الذي تؤكد فيه الأدلة في حالة اليونان الكلاسيكية

هذه الاحتمالات النظرية. بهذه الطريقة، تزيل النظرية والبيانات التجريبية معًا إحدى العقبات الرئيسة التي تَحول دون فهم الفروق التطورية، مثل تلك الموجودة بين الألعاب التنافسية القديمة والمعاصرة، ألا وهي الشعور بأنّ المرء يفتري على مجتمع آخر، ويخفّض من قيمة المجتمع الإنسانية حين يطرح أنّ مستوى العنف المادي المسموح به قديمًا كان أكبر، حتى في الألعاب، وأنّ عتبة النفور من إلحاق الجروح، بل

القتل في تلك المنافسات من أجل إسعاد الجمهور، كانت أدنى من عتبة نفورنا. وبذلك، نجد انقسامًا في

حالة اليونان بين القيمة الإنسانية العالية المرتبطة تقليديًا بإنجازات اليونان في الفلسفة والعلوم والفنون

والشعر، والقيمة الإنسانية المتدنّية التي يبدو أنّها تُنسَب إلى الإغريق القدماء عند الحديث عن تدنّي

مستوى نفورهم من العنف المادي، أو بالإشارة إلى أنّهم "غير متحضرين" و"همج"، مقارنةً بنا. وإن إساءة فهم الطبيعة الفعلية لسيرورة التحضُّر؛ أي النزعة السائدة لاستخدام مصطلحات مثل "المتحضر" و"غير

المتحضر" بوصفها تعبيراتٍ عن أحكام قيمية متمركزة إثنيًا Ethnocentric، وأحكامٍ أخلاقية مطلقة وجازمة،

مثل: نحن "صالحون"، وهم "طالحون" أو العكس، هي تحديدًا التي تقود تفكيرنا إلى تناقضات تبدو حتمية، كهذه التناقضات. ووفقًا للتنظيم الاجتماعي المحدَّد وآليات السيطرة على وسائل العنف في الدول القومية الصناعية في عصرنا، فقد نشأنا على معايير محدَّدة لضبط النفس تجاه دوافع العنف. ونقيس أيّ تجاوزات وفق هذه المعايير

تلقائيًا، سواء حدثت في مجتمعاتنا أو في مجتمعات أخرى في مراحل مختلفة من التطوُّر. وتوفر لنا هذه

المعايير، حالَ تذويتها Internalized، الحماية، وتقوّي دفاعاتنا ضد الزلات في نواحٍ عدة. ومن أشكال هذه

الدفاعات، الحساسية المفرطة تجاه ما يتعلّق بأعمال العنف، ومشاعر النفور من العنف الذي يفوق المستوى

(10) Elias, The Civilizing Process ; Elias, State Formation.

المسموح به في الواقع، والشعور بالذنب تجاه زلّتنا، و"تأنيب الضمير". ولكنّ هذه الدفاعات المذوَّتة ضد

نوازع العنف ستبقى هشّة وغير مستقرّة في حالات العنف المتواصل في النزاعات بين الدول. وكذلك، فإن

هذه الدفاعات معرّضة دومًا لضغوطٍ اجتماعية متضاربة، فبعضها يشجّع على الالتزام بمستوى عالٍ من

ضبط النفس تجاه دوافع العنف في العلاقات الإنسانية داخل الدولة – المجتمع نفسها، وبعضها يشجّع

على التقليل من ضبط النفس تجاه دوافع العنف، بل قد يحرّض عليه في العلاقات بين الدول – المجتمعات

المختلفة. وتفسّر الضغوط الأولى درجة الأمن الجسدي العالية نسبيًا – لا الأمن النفسي وغيره من أشكال

الأمن بالطبع – الذي يحظى به مواطنو الدول القومية الأكثر تقدُّمًا داخل مجتمعاتهم. وتتعارض دومًا مع

المطالب المفروضة على مواطني هذه الدول نتيجةَ غياب أيّ احتكار فعلي للعنف المادي والسيطرة عليه

في العلاقات بين الدول. وستكون الحصيلة ازدواجية أخلاقية، وتكوُّن ضمير منقسم ومتناقض. لا شك في أنّ تناقضات من هذا النوع قد وُجِدَت في عدّة مراحل من تطوُّر المجتمعات. فخلال المرحلة

القَبلية، كان مستوى السيطرة على العنف داخل الجماعات الاجتماعية أعلى من مستوى السيطرة على العنف في ما بينها، في جميع الحالات تقريبًا. ولا يختلف الأمر بالتأكيد في حالة الدول – المدن الإغريقية.

ولكنّ تباين المستويَين ضئيل نسبيًا مقارنةً باليوم. فهناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أنّ هذا الانحدار

أكبر اليوم من ذي قبل؛ أي التفاوت بين مستوى الأمن الجسدي وضبط النفس والمجتمع تجاه دوافع العنف وما يقابله من تكوّن للضمير في العلاقات داخل الدولة اليوم، وبين مستوى الأمن الجسدي والضبط

الاجتماعي للمشاعر العنيفة الصريحة، والضبط المتقطع للأفعال العنيفة العلنية في العلاقات بين الدول. وطبيعي أن مستوى الأمن الجسدي في الدول القومية الصناعية الأكثر تقدُّمًا أعلى منه في مجتمعات الدول

الأقلّ تطوُّرًا في جميع النواحي، على الرغم من أنه قد يبدو متدنيًا بالنسبة إلى سكان الدول المتقدمة، ولكن

انعدام الأمن في العلاقات بين الدول بقي على حاله تقريبًا؛ إذ لا تزال النزاعات العنيفة بين الدول في مرحلة

التطور الاجتماعي الحالية عصية على السيطرة بالنسبة إلى المنخرطين في تلك النزاعات، كما كانت عليه الحال دومًا. وبناءً عليه، ما زالت معايير السلوك المتحضر منخفضة نسبيًا، وما زال تذويت المحظورات

الاجتماعية المناهضة للعنف المادي؛ أي تكوُّن الضمير، أمرًا عابرًا ومضطربًا نسبيًا. وتعود حقيقة أن

النزاعات والتوترات داخل الدول القومية الصناعية غدت أقل عنفًا وأكثر انضباطًا عادةً، إلى سيرورة تطوُّر

طويلة غير مخطط لها؛ وهي بالتأكيد ليست بفضل الأجيال الحالية. ولكن الأجيال الحالية تميل إلى عدّها كذلك؛ إذ تميل إلى إطلاق أحكام على الأجيال السابقة التي كان تكوُّن ضميرها، ومستوى نفورها من

العنف المادي في العلاقات بين النخب الحاكمة والمحكومين على سبيل المثال، أقلّ مما هو عليه اليوم، كما لو كان المستوى العالي للنفور من العنف محض إنجاز شخصي للأجيال الحالية. غالبًا ما يحاكم مستوى العنف المرئي في الألعاب التنافسية في العصور الماضية على هذا النحو. وغالبًا

ما نفشل في التمييز بين الأفعال العدائية الفردية مقابل معايير السيطرة على العنف داخل مجتمعنا، وبين الأفعال العدائية الفردية التي تُرتكب في مجتمعات أخرى وفقًا لمستوى العنف المسموح به اجتماعيًا

لديهم، والمتماشية مع معايير تلكالمجتمعات. لذا، غالبًا ما  تدفعنا استجابتنا العاطفية الآنية وشبه

العفوية إلى محاكمة المجتمعات بمعايير مختلفة تتعلّق بالسيطرة على العنف والنفور منه، كما لو أنّ أفراد تلك المجتمعات أحرارٌ في الاختيار بين معاييرهم وقواعدهم، وبين معاييرنا نحن، وأنهم

اتخذوا القرار الخاطئ حين اختاروا ما اختاروه. ونستمتع بشعور أنّنا "أفضل" منهم، وبتفوق أخلاقي غالبًا ما يمارَس تجاه الأفراد المجرمين في مجتمعنا؛ إذ نعبّر عن شعورنا بالتفوق الأخلاقي حين

نصف سلوكهم بأنّه "غير متحضر" أو "همجي". ونتعامل مع التزامهم بالمعايير الاجتماعية التي تسمح بأشكال العنف التي ندينها بكونها منفّرة في مجتمعاتنا، بأن ذلك الالتزام وصمةٌ في هويّتهم الأخلاقية،

ودليلٌ على دونيّتهم بوصفهم بشرًا. وهكذا نحاكم مجتمعًا آخر ونقيّمه في المجمل كما لو كان فردًا

في مجتمعنا. وكقاعدة، إننا لا نسأل، فتكون النتيجة أننا لا نعرف كيف تحدث التغيرات في مستوى السيطرة على العنف، أو في الأعراف الاجتماعية التي تنظّم العنف، أو في المشاعر المرتبطة بالعنف.

وكذلك فإننا، عمومًا، لا نسأل، وفي النتيجة لا نعرف، سبب حدوثها. بعبارةٍ أخرى، نحن نجهل كيفية

تفسيرها، أو حتى تفسير مستوى حساسيتنا المفرطة تجاه العنف المادي، على الأقل في العلاقات داخل الدولة. ونكتفي، في أفضل الأحوال، بتفسيرها عبر انتقاء تعبيرات ضبابية، بدلً من تفسير واضح ونقدي، كما حين نشير إليها، مثلً، بكونها "انجرافًا" في طبيعة الجماعات المعنية، أو بكونها سمة

عصية على التفسير في تكوينها "العِرقي" أو الإثني.

خامسًا: الألعاب الأولمبية القديمة: أيّ مسطرة للعنف؟

إن مستويات العنف المتعارف عليها والمسموح بها في الألعاب التنافسية في المجتمعات في مراحل تطور مختلفة تلقي الضوء على مسألة جوهرية جدًا. وقد تساعد بعض الأمثلة على توضيح ذلك. فلنقارن

مثلً بين المصارعة Wrestling كما تجري اليوم وكما جرت في العصور القديمة. فهذه الرياضة منظَّمة ومنضبطة جدًا اليوم؛ إذ يديرها اتّحاد المصارعة الدولي، ومقره سويسرا. وتبعًا للقواعد الأولمبية المعتمدة

في كانون الثاني/ يناير 1967، من بين حركات التثبيت المحظورة في المصارعة الحرة: المسكة الخانقة Stranglehold، والمسكة شبه الخانقة strangle – Half، وحركة نلسون المزدوجة Nelson Double المصحوبة بالضغط المُطبق على العنق نحو الأسفل أو باستخدام الساقين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللّكم

والرفس والنطح. ويشرف على النزال، الذي لا تزيد مدّته على تسع دقائق، وينقسم إلى ثلاثة أشواط مدّة كل منها ثلاث دقائق، مع فاصلَين زمنيين مدة دقيقة بين كل شوطين، حَكم وثلاثة قضاة ومراقب وقت.

وعلى الرغم من هذه الضوابط الشديدة الصرامة، تبدو المصارعة الحرة لكثيرٍ من الناس اليوم واحدةً من الرياضات "الخشنة" الفظّة. وثمة شكل أعنف قليلً من هذه اللعبة، غالبًا ما يكون مرتَّبًا سلفًا، يمارسه

محترفون بكونه رياضة فُرجة Sport Spectator، ما زالت تحظى بشعبيةٍ كبيرة. ولكنّ هؤلاء المحترفين نادرًا

ما  يُلحِقون إصابات خطرة بخصومهم. وعلى الأرجح، لن يستمتع المتفرّجون بمشاهدة تكسّر العظام أو

سفك الدماء، لكنّ المحترفين يقدّمون عرضًا جيّدًا يوهِم المتفرّجين بأنّهم يؤذون بعضهم بعضًا، ويبدو أنّ

الجمهور يحبّ هذا الإيهام. ومن بين الألعاب التنافسية في الألعاب الأولمبية القديمة نجد "البانكريشن" Pancration، وهي ضرب من ضروب المصارعة الأرضية التي مثّلت إحدى أكثر الفعاليات شعبيةً. ولكن مستوى العنف المسموح

((1(للمناقشة بشأن المصارعة المحترفة الحديثة بوصفها ضربًا من المهزلة، ينظر:

Gregory P. Stone, "American Sports: Play and Etfs–Play," in: Dunning (ed.), pp. 47–65; Gregory P. Stone, "Wrestling: The Great American Passion Play," in: Dunning (ed.), pp. 301–335.

به في منازلات البانكريشن المتعارف عليها شديد الاختلاف عن الحدّ المسموح به في المصارعة الحرة اليوم. وقد تمكّن ليونتيسكوس الميساني Messana of Leontiskos، الحائز على التاج الأولمبي للمصارعة مرّتين خلال النصف الأول من القرن الخامس، من تحقيق انتصاراته، لا بإسقاط خصومه، بل

بكسر أصابعهم. أما أريشيون الفيغالي Phigalia of Arrhachion، الذي فاز مرّتين في البانكريشن في

الأولمبيات، فقد تعرّض للخنق خلال محاولته الثالثة للفوز بالتاج الأولمبي عام 564 قبل الميلاد، غير

أنه تمكّن، قبل أن يُقتَل، من كسر أصابع قدم خصمه، الذي أرغمه الألم على الاستسلام. وبذلك، توّجَ

الحكّام جثةَ أراشيون وأعلنوه منتصرًا رغم وفاته. وقد نصب مواطنوه تمث لً له في سوق بلدتهم. ويبدو

أن هذه كانت ممارسة معتادة؛ ففي حال مقتل رجل في لعبة تنافسية خلال أحد المهرجانات الكبيرة، يُتوّج القتيل منتصرًا. ولكنّ الناجي لا يُعاقَب، باستثناء خسارته الفادحة المتمثلة في خسارة التاج. وكذلك،

فهو لن يوصم اجتماعيًا بسبب فعلته، بحسب ما لدينا من وثائق. فالقتل أو الجروح البالغة أو احتمالية

الإعاقة مدى الحياة مجازفاتٌ على مُقاتل البانكريشن توقّعها. ويمكن التمييز بين المصارعة بوصفها رياضة والمصارعة بوصفها "نزلً" Agon من الموجز الآتي: "يتقاتل المتنافسان في البانكريشن بكل عضو من أعضاء جسديهما؛ بأيديهما وأقدامهما وأكواعهما ورُكبهما وعنقيهما ورأسيهما؛ بل إن الساقين تُستخدمان في إسبرطة. يُسمح للاعبي البانكريشن بقلع أعين خصومهم [...] كما يُسمح لهم بإسقاط خصومهم، وإمساك أقدامهم وأنوفهم وآذانهم، وخلع أصابعهم وأذرعهم، واستخدام حركة القبضة الخانقة. فإذا ما نجح أحدهم في إسقاط الآخر، يحقّ له أن يجلس فوقه ويضربه على رأسه ووجهه وأذنيه، كما يمكنه أيضًا ركله والدوس عليه. وغنيٌّ عن البيان أنّ اللاعبين في هذه المنافسة الوحشية كانوا يتلقون أحيانًا أخطر أنواع

الجروح، ولم يكن القتل أمرًا نادرًا! ولعل بانكريشن مراهقي إسبرطة أعنف نوع بانكريشن على الإطلاق.

ينقل لنا بوسانياس Pausanias أنّ اللاعبين كانوا يستخدمون أسنانهم وأظافرهم حرفيًا، ويعضّون بعضهم

ويفقأ بعضهم أعين بعض". كان ثمة قاضٍ للنزال، ولكن من دون مراقب وقت أو تحديد زمن لنهاية النزال. فالنزال يتواصل حتى استسلام أحد الخصمين. وكانت القواعد عرفية وغير مكتوبة ولا تفصيلية، وأقرب إلى المرونة عند تطبيقها. ويبدو أنّ العضّ وقلع العين كانا ممنوعَين تقليديًا، غير أن الضرر كان سيقع على الأرجح قبل أن يتمكّن

الحكم من إبعاد المخالِف عن خصمه في معترك النزال. استمرت الألعاب الأولمبية القديمة أكثر من ألف عام. ويرجّح أن المعايير الضابطة لمستوى استخدام

العنف في القتال تقلّبت على طول هذه الفترة. لكن أيا تكن هذه التقلّبات، كانت عتبة الحساسية المتعلّقة بإلحاق إصابات جسدية أو حتى التسبُّب في القتل في الألعاب، وبالنتيجة إيتوس المنافسة بأكملها، شديد

الاختلاف بين العصور القديمة ونمط المنافسة الذي نسمّيه اليوم "رياضة".

(12) Hugo Förster, Die Sieger in den Olympischen Spielen (Zwickau: Druck von R. Zückler, 1891). (13) Franz Mezö, Geschichte der Olympischen Spiele (Munich: Knorr & Hirth, 1930), pp. 100–101.

مقتبس في:

Ludwig Dress, Olympia: Gods, Artists and Athletes (London: Praeger Publishers, 1968), p. 83.

وفي الملاكمة Boxing مثال آخر؛ إذ كانت، مثلها مثل مصارعة البانكريشن، ضئيلة التقيد بالقواعد، ومعتمدةً، من ثم، على القوّة البدنية وعلى روح القتال العفوي والتحمّل، بدرجةٍ أكبر ممّا تعتمد عليه رياضة الملاكمة اليوم. ولم يكن ثمة تمييز بين فئات الملاكمين المختلفة. ولم تكن ثمة محاولة لمطابقة الملاكمين بحسب أوزانهم، سواء أكان هذا في هذه اللعبة أم في أيٍّ من الألعاب الأخرى. وكان التمييز الأوحد بين الصبيان والرجال. ولم يقتصر نزال الملاكمين على القبضات فحسب؛ إذ كانت السيقان تؤدي دورًا في النزال أيضًا، كما كانت عليه الحال في جميع أشكال الملاكمة تقريبًا. كان ركل ساق الخصم حركةً

عاديةً في أعراف الملاكمة في العصور القديمة. ووحدها الكفوف والأجزاء العليا من الأصابع تُلفّ بأحزمة جلدية تُثبَّت بالساعد. وكان يُسمَح بإحكام القبضة على جسم الخصم، ولَيِّ أصابعه، واستخدام

الأظفار الحادة لخدش جسمه أو وجهه. وبمرور الوقت، استُبدِلَت الأحزمة الجلدية الليّنة بأخرى أكثر

متانةً مصنوعة خصيصًا من جلد الثور المدبوغ، ثمّ أُضيفَ إليها لاحقًا عدّة شرائح من الجلد السميك الصلب بحوافّ ناتئة حادة. ويجسّد تمثال الملاكم الجالس الذي نحته أبولونيوس الأثيني (القرن الأوّل قبل الميلاد)، الموجود الآن في متحف ديلي تيرمي Terme Delle الوطني في روما، هذه الترتيبات بوضوح كافٍ. لكن لعلّ مصطلح الملاكمة مضلِّل؛ إذ لا يقتصر الاختلاف بين هذا النوع من القتال وبين رياضة الملاكمة على الطريقة فحسب، بل يتعداها أيضًا إلى الهدف والإيتوس. واللافت أن الإيتوس القتالي لهذه المباريات التلاكمية، مثلها مثل النزالات الإغريقية عمومًا، مستقى على نحو مباشر من الإيتوس القتالي للمحاربين الأرستقراطيين، أكثر من حالة الإيتوس القتالي للمباريات الرياضية؛ إذ نبعت هذه الأخيرة من تقاليد بلدٍ طوّر تنظيمًا مميّزًا لنمط الحروب البحرية شديد الاختلاف عن نظيره في الحروب البرية أكثر

من معظم البلدان الأوروبية الأخرى؛ بلد طوّرت فيه الطبقات العليا – الأرستقراطية والنبلاء – المالكة للأرض شرعة سلوك أقلّ اهتمامًا بمبادئ الشرف العسكري لضبّاط الجيوش البرية، مقارنةً بمعظم الطبقات

الأوروبية العليا الأخرى. وقد عُدَّت "الملاكمة" الإغريقية تدريبًا على الحرب، فضلً عن كونها لعبة تنافسية، وذلك على غرار

الأشكال الأخرى لتدريب النزال وممارسته في الدول – المدن الإغريقية، لكن على عكس الملاكمة الإنكليزية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. يذكر فيلوستراتوس أنّ تكنيك القتال في البانكريشن جهّز جيوش المواطنين الإغريقية وأسهم في صمودها الجيد خلال معركة ماراثون Marathon (490 ق. م.) عندما تحوّلت إلى معترك كبير، وأيضًا في معركة ثيرموبايلا  Thermopylae (480 ق. م.) حين

(14) Philostratos, On Gymnastics [Peri Gymnastike] ([n. c.]: [n.p.], [n.d] Chapter II2.

صدر الكتاب في النصف الأول من القرن الثالث للميلاد. ((1(يذكر فيلوستراتوس Philostratos (245–170 م) أنّ الأحزمة المصنوعة من جلد الخنزير كانت ممنوعة، اعتقادًا بأن الإصابات

التي تتسبّب فيها خطرة جدًا. كما أنّه لا يُسمح للاعب لَكْم خصمه بإصبع الإبهام. ربّما يجدر ذكر هذه التفاصيل، لكي لا نعتقد أن

القواعد العرفية للألعاب في العصور القديمة لم تُظهِر أيّ اهتمام على الإطلاق بسلامة اللاعبين. لكن مثل هذه القواعد كانت تُلقَى

شفويًا فحسب، ومن ثم أفسحت مج لً كبيرًا لوقوع إصاباتٍ خطرة.

(16) Norbert Elias, "Studies in the Genesis of the Naval Profession," British Journal of Sociology , vol. 1, no. 4 (December 1950), pp. 291–309.

قاتل الإسبرطيون بأيديهم العارية بعد أن كُسِرَت سيوفهم ورماحهم. وفي زمن الإمبراطورية الرومانية التي

كتب فيه فيلوستراتوس، ما عادت الحروب تُخاض بأيدي جيوش المواطنين، بل بأيدي الجنود المحترفين من الفيالق الرومانية. ولقد اتّسعت الهوة بين التكنيك العسكري وسلوك الحرب من ناحية، وبين تكنيك النزال التقليدي في الألعاب التنافسية من ناحية أخرى. لقد تناول فيلوستراتوس الإغريقي العصرَ الكلاسيكي

بنوستالجيا مفهومة. فحتى في ذلك الزمن ربما، زمن جيوش الهوبليت Hoplites [المجالدون الإغريق]، لم تعد أساليب القتال في الحرب مرتبطة بأساليب القتال في الألعاب التنافسية، كما يدّعي فيلوستراتوس، غير أن ارتباطهما كان أقرب من الارتباط بين أساليب قتال الألعاب التنافسية وأساليب القتال الحربية في عصر الدول القومية الصناعية. ولعل فيلوستراتوس اقترب من الحقيقة جدًا عندما كتب أنّ الناس في الأيام الخوالي، كانوا يعدّون المباريات تمرينًا على الحرب، والحربَ تمرينًا على هذه المباريات. لقد عكس

إيتوس الألعاب التنافسية التي كانت تُعقَد في الاحتفالات الإغريقية الكبرى، إيتوس الأسلاف الأبطال كما صورته ملاحم هوميروس Homer، واستمرّ بقدر ما من جيلٍ إلى آخر من خلال إدراجه في مناهج

تعليم الأطفال. إذ كان لإيتوس الألعاب التنافسية تلك السمات الكثيرة لإيتوس التباهي الذي حدَّد مكانة النخب النبيلة في عددٍ كبيرٍ من المجتمعات، علاوة على تنافسهم على السلطة. وكان القتال، في الألعاب كما في الحرب، متمحورًا حول التباهي التفاخري بقيم المحارب التي تُكسِب الرجل أعلى مراتب الثناء

والشرف بين الأفراد الآخرين في جماعته، وتُكسِب جماعته – قرابته أو مدينته – أعلى مراتب الثناء والشرف بين الجماعات الأخرى. وكان قهر الأعداء أو الخصوم حدثًا مجيدًا، غير أن الهزيمة لم تكن أقل مجدًا، كما حين هُزم هيكتور على يد أخيل، بشرط أن يقاتل المرء بكل قوته إلى أن يقُتل أو يشُوَّهَ أو يصاب

بحيث يعجز عن مواصلة القتال. وكان النصر أو الهزيمة محكومَين بمشيئة الآلهة. أما الخزي والعار فهو

التخلي عن النصر من دون تبيانٍكافٍ للشجاعة والجلَد. وتماشيًا مع هذا الإيتوس القتالي، كثيرًا ما تُوِّجَ صبي أو رجل قُتِل في إحدى مباريات الملاكمة أو المصارعة

الأولمبية، محقِّقًا المجد لعشيرته ومدينته، بينما لا يُعاقَب "القاتل" الذي نجا ولا يوصَم بالعار؛ إذ لم يكن "الإنصاف" شاغلً كبيرًا في الألعاب الإغريقية. لإيتوس الإنصاف الإنكليزي جذور غير عسكرية؛ إذ تطوّر

في إنكلترا مترافقًا مع تغيُّر محدَّد جدًا في طبيعة المتعة والإثارة التي توفرها الألعاب التنافسية، وبالنتيجة

خضعت اللذة العابرة المتمثلة في نتيجة نزال رياضي، لحظة التمام أو الانتصار، لامتداد وتطويل باللذة والإثارة المساوية النابعة مما كان محض إحماء، ومن المشاركة في اللعبة التنافسية أو من مشاهدة التوتّر الناشئ فيها. وقد كان تنامي التركيز على متعة اللعبة التنافسية، وعلى التوتر – الإثارة الذي تقدّمه اللعبة، مرتبطًا بدرجة ما بمتعة الرهان الذي أدى، في إنكلترا، دورًا كبيرًا في تحويل أشكال الألعاب التنافسية

"الأخشن"، وفي تطور إيتوس الإنصاف؛ إذ كان السادة الذين يشاهدون مباريات يلعب فيها أبناؤهم أو أتباعهم أو محترفون مشهورون، يحبون المراهنة بالمال على هذا الطرف أو ذاك لزيادة عامل الإثارة الذي

(17) Philostratos, ch. 11. (18) Ibid., ch. 43.

((1(أخيل هو بطل أسطوري في الميثولوجيا الإغريقية، وهو البطل المركزي في إلياذة هوميوس الذي قتلَ هيكتور انتقامًا لمقتل

صديقه المقرّب باتروكلوس. (المترجمان)

يقدمه التنافس في ذاته، والذي كان مكبوحًا أساسًا بفعل تقييدات التحضّر. ولكن لا يمكن أن يضيف احتمال فوز المرء برهان إلى إثارة مشاهدة النزال إلا لو كانت الاحتمالات الأوليّة للفوز موزّعة بالتساوي

على نحوٍ ما بين طرفَي المنافسة، وتوفّر حدًا أدنى من إمكانية ترجيح الفوز. وقد استلزم هذا كله، وبالتالي أتاح بدوره، مستوى تنظيمي أعلى من ذاك الذي بلغته الدول – المدن الإغريقية القديمة: "لم يُصنَّف

الملاكمون ولا المصارعون في أولمبيا إلى فئاتٍ بحسب الوزن. ولم يكن ثمّة حلبة ملاكمة، بل كانت مباريات الملاكمة تدور في مساحة مفتوحة داخل المدرج. وكانت المنطقة المستهدفة من جسد الخصم الرأس والوجه [...] ويتواصل النزال إلى حين عجز أحد المتنافسين عن الدفاع عن نفسه، أو حين يقرّ

بهزيمته. وكان الإقرار يحدث إمّا برفع سبابته أو بتوجيه إصبعين صوب خصمه". عادةً ما تُظهر رسومات الأواني الإغريقية الملاكمين في وقفة تقليدية، إذ يكونان متلاصقَين؛ بحيث تكون قدم كلٍّ منهما أمام قدم الآخر إما بمحاذاتها أو خلفها. ولم يكن ثمة مجال كبير أمام حركة القدمين التي تُمَكِّن الملاكمَين الحديثَين من التحرُّك بخفّة يمنةً أو يسرةً، إلى الأمام أو الخلف. وكان التقهقر علامةً على

الجبن وفق أعراف المحاربين، وكان تفادي ضربات الخصم بالابتعاد من طريقه أمرًا مخزيًا. وكان يُتوقَّع من

الملاكمَين ألّ يتزحزحا من مكانيهما وألّ يفسح أيٌّ منهما مج لً لخصمه، كما لو كانا محاربَين متلاحمَين.

وقد تكون وسائل دفاع الملاكمين الماهرين منيعةً؛ إذ قد يُنهِك كلٌّ منهما خصمه ويفوز من دون أن يُصاب. لكن إذا طال النزال، يُمكن أن يأمر الحكم الخصمين بتبادل الضربات من دون الدفاع عن نفسيهما إلى أن تُشلَّ قدرة أحدهما على مواصلة القتال. وقد أسهم نمط الملاكمة النزالي هذا، كما يمكن أن يلاحظ المرء، في إبراز الذروة؛ أي لحظة تقرير الانتصار أو الهزيمة، بكونها الجزء الأهم والجوهري في اللعبة، ولعله أهم من اللعبة التنافسية نفسها. وتُمثّل هذه اللحظة اختبارًا للتحمل البدني والقوة العضلية المحضة واختبارًا للمهارة على حد سواء. كانت الإصابات الخطيرة في العينين والأذنين وحتى الجمجمة متكررة الحدوث؛ وكذا كان تورّم الأذنين وتكسُّر الأسنان وتهشُّم الأنوف. ونسمع عن ملاكمَين اتفقا على مناوبة الضربات،

فلما سدّد الأوّلُ لكمةً إلى رأس خصمه، تفاداها خصمه. وحين خفّف الأول من حذره، ضربه الخصم تحت أضلعه بأصابعه المفرودة، فاخترق جانب جسده بأظافره الحادّة، وأمسك بأمعائه وقتله.

سادسًا: الرياضة وجهًا للوجاهة الاجتماعية

"من بين جميع الألعاب الأولمبية، تُعدُّ الملاكمة أكثرها غرابة لنا اليوم، فبصرف النظر عن مدى الجهد الذي نبذله في المحاولة، ما زلنا غير قادرين على تصوُّر كيف لشخصٍ في غاية التهذيب، وصاحب ذائقةٍ جماليةٍ

مميّزة، أن يستلذ بهذا المشهد الهمجي الذي يتبادل فيه رجلان لكمات موجهة نحو الرأس بقبضاتهم

المدرعة الثقيلة [...] إلى أن يعترف أحدهما بالهزيمة أو يُحشَر إلى حد العجز عن مواصلة القتال. ولم يعد

هذا النوع من المنافسات رياضةً، لا في عهد الرومان فحسب، بل في عهد الإغريق أيضًا؛ كانت الملاكمة مَهلكةً بحق [...] حيث فقدَ أكثر من منافس أولمبي حياته في الحلبة".

(20) Dress, p. 82. (21) Ibid.

هذا النقد الذي قدّمه أدولف بوتيشر Boetticher Adolf 1901–1842[]، أحد أوائل الباحثين في الأولمبياد، في عام 1882، لا يزال صالحًا اليوم. ومثلهم مثل نظرائهم في المصارعة والبانكريشن، الفوز محتّم على

الملاكمين مهما كلّفَ الثمن. وعلى الرغم من أنّ الحقائق المذكورة موثوقة، فإنّ تقييمها موضع شك. ويجسّد المقتطف السابق مث لً

شبه نموذجي عن سوء الفهم الناتج من الاستخدام المُسلّم به لعتبة النفور الشخصية تجاه أشكالٍ معيّنة من

العنف المادي بوصفها مقياسًا عامًا لجميع المجتمعات البشرية بصرف النظر عن بنيتها ومستوى التطوّر

الاجتماعي الذي وصلت إليه، لا سيما المرحلة التي وصلوا إليها في التنظيم الاجتماعي والسيطرة على العنف المادي: هذا جانب تطور مجتمعي مهم بقدر أهمية تنظيم وسائل الإنتاج "الاقتصادية" والسيطرة عليها. ونجد هنا مث لً بارزًا عن الحاجز الذي يَحول دون فهم المجتمعات، والناتج من هيمنة عمليات التقييم

الاتكالية Heteronomous على حساب فهم الترابط الفاعل. ويحتل النحت الإغريقي الكلاسيكي مرتبةً عالية في سلّم قيم عصرنا. أمّا أشكال العنف الجسدي التي تتجسّد في الألعاب التنافسية الإغريقية مثل

البانكريشن، فتنال علامات متدنية جدًا في سلّم قيمنا. وتعمل حقيقة أنّنا نسبغ على أحدهما قيمةً شديدة الإيجابية، وعلى الآخر قيمةً شديدة السلبية، على جعل الأمر يبدو، لمن يسمحون لفهمهم أن يُقاد بأحكامٍ

قيمية مسبقة، كأنّ هذه المعلومات عصية على الارتباط في ما بينها. وأنها تواجه من يحكمون على الماضي باستخدام هذا النوع من التقييمات بمشكلة عصية على الحل. وعلى أيّ حال، إن كان المرء منشغلً بالتحليل السوسيولوجي للصلات بين المظاهر المختلفة في المجتمع

نفسه، فما من سبب لافتراض وجود ارتباط بين تمظهرات المجتمع المختلفة، التي يُسبغ عليها مراقبٌ

خارجي القيمةَ نفسها، إيجابيةً كانت أم سلبية. ويُمكن أن نجد ترابطات فعلية في جميع المجتمعات بين

الجوانب التي تُمنح قيمًا متضادة من جانب مراقب خارجي من ناحية، ومن جانب الناس الذين يُشكّلون

هذه المجتمعات من ناحية أخرى. ونجد مث لً في القيم الجمالية التي تُمنح للفنون الإغريقية، في مقابل ما يُمنَح من وصوف وحشية نسبية للألعاب التنافسية الإغريقية. وقد كانت هذه تمظهرات وثيقة الارتباط

بمستوى التطوُّر ذاته، وبالبنية الاجتماعية ذاتها، وأبعد ما تكون من التضاد. ستظل ولادة النحت الإغريقي من قالبه القديم، والواقعية المثالية لمنحوتات الفترة الكلاسيكية، عصيَّين

على الفهم من دون فهم الدور الذي أداه المظهر الجسدي بوصفه محددًا للمكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها الشخص بين الناس والنخب الحاكمة في الدول – المدن الإغريقية. وفي ذلك المجتمع، كان صعبًا على رجلٍ بجسدٍ وَهِن أو مشوّه أن يحتفظ بمكانةٍ ذات سلطة اجتماعية أو سياسية عليا، أو حتى

أن يصل إليها. لقد أدت القوّة البدنية، والجمال الجسدي، ورباطة الجأش، والجلَد، دورًا في المجتمع

الإغريقي أكبر بكثير من الدور الذي تؤديه في مجتمعنا اليوم بوصفها محدِّداتٍ للمكانة الاجتماعية

(22) Ibid., p. 81.

((2(لشرح هذا المصطلح ومناقشة إشكاليات الموضوعية في علم الاجتماع، ينظر:

Norbert Elias, "Problems of Involvement and Detachment," British Journal of Sociology , vol. 7, no. 3 (September 1956), pp. 226–252; Norbert Elias, Involvement and Detachment , Stephen Quilley (ed.), The Collected Works of Norbert Elias 8 (Dublin: University College Dublin Press, 2007).

للرجال. وقد لا يُدرك المرء على الدوام أنّ ترقّي رجل صاحب إعاقة جسدية إلى منصب قيادي، أو حصوله على مكانة اجتماعية كبيرة أو الاحتفاظ بها، يُعدّ ظاهرة حديثة نسبيًا في تطوُّر المجتمعات. وبما أن "صورة

الجسد" أو المظهر الجسدي يحتل مرتبةً متدنية نسبيًا، مرتبة أدنى من "الذكاء" أو "الأخلاق" مثلً، في سلّم

القيم الذي يُحدِّد، في مجتمعات مثل مجتمعاتنا، تراتبية الرجال والصورة الكلية التي نأخذها عنهم، فغالبًا

ما نفتقر إلى مفتاح فهم المجتمعات الأخرى التي أدى فيها المظهر الجسدي دورًا أكبر بكثير بوصفه محددًا لصورة الإنسان العامة. وقد كانت هذه الحال هي القاعدة في اليونان القديمة. ربّما يمكن فهم الاختلاف من خلال الإشارة إلى حقيقة أنّ المظهر الجسدي، بوصفه محددًا لصورة الفرد الاجتماعية، لا يزال يؤدي في مجتمعنا دورًا كبيرًا، ولعله دور متعاظم في حالة النساء، ولكن في حالة الرجال، وعلى الرغم من بعض

التأثير الذي يفرضه التلفاز فإنّ المظهر الجسدي، والقوّة البدنية والجمال على الأخص، لا يؤديان دورًا كبيرًا

في مكانة الرجل العامة. وثمة دلالة ضمن هذا السياق في حقيقة انتخاب إحدى أقوى الدول في عصرنا رجلً مشلولً ليتقلّد أعلى مناصبها. لقد كان الأمر مختلفًا في مجتمع الدول – المدن الإغريقية. فمنذ سن الطفولة فصاعدًا، كانوا يتخلصون من الضعفاء أو المشوّهين، بينما يُترَك الأطفال الضعفاء للموت. وكان للرجل العاجز عن القتال شأنٌ ضئيل،

كما كان من النادر جدًا لرجلٍ مشلول أو مريض أو طاعن في السن أن يحتفظ بمنصب في القيادة العامة أو حتى أن يصل إليه. وغالبًا ما تُرجِمَ مصطلح Arete الذي كان يُعدُّ مَثلً أعلى في المجتمع الإغريقي

الكلاسيكي على أنّه "فضيلة"، لكنّه في الواقع لم يُشِر، كما قد يوحي مصطلح "الفضيلة"، إلى أيّ سماتٍ أخلاقية. بل كان يشير إلى إنجازات محارب أو رجل نبيل كانت هيئته الجسدية ومؤهلّاته بوصفه محاربًا قويًا وماهرًا تؤدي دورًا مهيمنًا. وكان هذا هو المثال الذي تجسَّد في المنحوتات، فضلً عن الألعاب

التنافسية. لقد نُصِبت تماثيل لمعظم الفائزين في الأولمبيات في أولمبيا، وفي مسقط رأسهم أيضًا في بعض الأحيان. وهذا محض مظهر آخر من مظاهر السمة المميزة ذاتها في المجتمع الإغريقي خلال العصر الكلاسيكي، وهي أنّ المكانة الاجتماعية للرياضيين متباينة عن مكانتهم في مجتمعنا اليوم. إنّ "ثقافة" الجسد، المرادفة للرياضة، لم تكن تخصّصًا بالقدر الذي تكون عليه اليوم. ففي المجتمعات المعاصرة، يُعدّ الملاكم متخصّصًا؛ وإذا طبّقنا هذا المصطلح على من اكتسبوا شهرةً بكونهم "ملاكمين" في العصور القديمة، فإنّ مجرّد استخدام

المفردة سيستحضر صورة مماثلة في أذهاننا. لكن في الواقع، كان للرجال الذين أثبتوا قوّتهم البدنية وخفّة

حركتهم وشجاعتهم وجلَدهم من خلال انتصاراتهم في الاحتفالات الكبرى، التي عُقد أشهرها في أولمبيا،

((2(ربما يقصد الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت Roosevelt Franklin (1945–1933)، الذي أصيب بشلل الأطفال في آب/ أغسطس 1921، وفاز بأربعة انتخابات رئاسية متتالية. (المترجمان) ((2(لا حاجة هنا إلى مُناقشة أسباب موجة العلمنة التي تظهر، من بين جملة أمور، عند الانتقال من التصوير المهيب والرائع

والمعبّر ل لآآهة وأبطال العصور القديمة – كما  هو الحال في ميدوسا في قوصرة معبد أرتميس في كوريرا الذي يعود إلى القرن

السادس قبل الميلاد – إلى الواقعية المثالية في الفترة الكلاسيكية، حيث صُوِّرَت الآلهة والأبطال بوصفهم محاربين صغارًا أو كبارًا

بتناسب متناسق، حيث تتحدث أجسادهم، على الرغم من أنّ وجوههم تبدو فارغة قليلً، إذ أُبقِيَت العيون بارزةً وحُوفِظَ على جزء

من لونها، كما في حالة تمثال عربة دلفي.

فرصة جيّدة لاكتساب مكانة مرموقة اجتماعيًا وسياسيًا في مجتمعهم في حال لم يكونوا يمتلكونها سلفًا.

وفي معظم الحالات، كان المشاركون في الألعاب التنافسية في أولمبيا متحدّرين على الأرجح من "عائلات معتبرة"، من النخب الثرية نسبيًا في بلداتهم، أو من جماعة ملّك الأراضي، وربما من الأسر الفلاحية الأكثر

ثراء؛ إذ كانت المشاركة في هذه الألعاب تستلزم تدريبات طويلة وشاقّة لا يمكن غير الأثرياء نسبيًا تحمّل

تكلفتها. أما الواعدون من الرياضيين الشباب الذين لا يملكون المال اللازم لمثل هذه التدريبات، فليس أمامهم إلّ البحث عن راعٍ ثريّ أو مدرب محترف قد يقرضهم ذلك المال. ولكنه، في حال الفوز في أولمبيا، سيجلب الشهرة لعائلته وبلدته، ويفتح أمامه فرصًا قوية لأن يصبح عضوًا في النخب الحاكمة. ربّما يكون

ميلون الكروتوني Croton of Milon أشهر مصارع في العصور الكلاسيكية القديمة؛ إذ أحرز عددًا معتبرًا

من الانتصارات في أولمبيا وغيرها من البطولات الهيلينية. وكان يملك قوّة مذهلة بات يُضرَب بها المثل مع

مرور الوقت، كما أصبح واحدًا من أفضل تلاميذ فيثاغورس Pythagoras 495–570[ق. م.]، وقائدًا للجيش في مسقط رأسه في معركتهم التي انتصروا فيها على السيباريسيين Sybarites، والتي انتهت بقتلهم الجماعي بعد هزيمتهم. ونجد الصورة نفسها بعد قلبها حين نلاحظ أنّ الرجال الذين نعرفهم اليوم لإنجازاتهم الفكرية، غالبًا ما كانوا يُذكرون أيضًا في ماضيهم بإنجازاتهم في القتال أو الرياضة. لقد التحق كل من إسخيلوس

Demosthenes ق. م.] وديموسثينيس 399–469[Socrates ق. م.] وسقراط 455–525[Aeschilus 322–384[ق. م.] بمدرسة إعداد جنود هوبليت ذات التدريبات الشاقة، بينما حقّق أفلاطون Plato 347–428[ق. م.] انتصارات في بعض البطولات الرياضية. وهكذا، فإنّ إضفاء المثالية على المحارب في المنحوتات الإغريقية، وكذا تمثيل الآلهة وفقًا للمظهر الجسدي المثالي للمحارب الأرستقراطي، وإيتوس المحارب في الألعاب التنافسية، لم يكن ذلك متسقًا فعليًا فحسب؛ بل يُمثّل تمظهرات وثيقة للجماعة

الاجتماعية ذاتها. فأسلوب الحياة والمُثل العليا لهذه الجماعات سمتان مميزتان للمكانة الاجتماعية، غير أن فهم هذا الترابط الفعلي لا ينغّص الاستمتاع بالفن الإغريقي، بل يعزّزه في الواقع.

((2(إنّ سمات المرحلة المبكّرة من تطوّر الدولة، لا سيما في تنظيم احتكارها العنف المادي والسيطرة عليه، ومدى تأثيرها في جميع

العلاقات البشرية، يتجلى من بين جملة أمور، في تكرار الأساطير الإغريقية للنزاعات بين الأب والابن. وبقدر ما يتعلّق الأمر بالمجتمع الإغريقي، ربّما ضُلّل سيغموند فرويد Freud Sigmund 1939–1856[] في تفسيره لأسطورة أوديب، أو على الأقل، رأى جانبًا واحدًا فقط

من الصورة، وهو جانب فردٍ واحد؛ الابن. ففي سياق المجتمع الإغريقي، لا يسعنا إلّ ملاحظة التكوين الاجتماعي المحدَّد المنعكِس

في هذه الأسطورة الإغريقية وغيرها. كما لا يسعنا إلّ أن نتساءل عن العلاقة بين الابن والأب، الملك الشاب والملك العجوز، من منظور

الأب وكذلك من منظور الابن. فقد يكون الأمر، كما  قال فرويد، أنّ الابن طافحٌ بالغيرة من مِلكية الأب للزوجة، ويمكننا أن نضيف كذلك

الخوف من قوّة الأب البدنية وقدرته. أمّا من منظور الأب، كما ينعكس في الأساطير الإغريقية، فإنّ خوف الملك العجوز وغيرة ابنه

يؤديان دورًا متساويًا في العلاقة بين الاثنين، لأنّ الأب سيشيخ حتمًا ويضعف جسديًا، بينما ينمو الابن – الذي كان ضعيفًا في طفولته –

ويُصبح أقوى جسديًا وأكثر نشاطًا. في العصور القديمة، عندما لم تكُن رفاهية المجتمع بأكمله، أو حتى العشيرة أو الأسرة، مرتبطة فعليًا

ومعنويًا – في مخيال أفراد هذه المجتمعات – بصحّةِ الملك أو الزعيم وحيويّته، فإنّ الرجل العجوز كان في كثيرٍ من الأحيان يُقتَل

عندما يشيخ وتذهب قوّته وحيويّته، فيحلّ محلّه أحد أبنائه؛ الملك الشاب. وتُظهِر العديد من الأساطير الإغريقية أنّه يجب إبعاد الملك

الصغير، الوريث المستقبلي، عن غضب والده واضطهاده بينما لا يزال طفلً، وأنّه عادةً ما  يجب تعليمه من قِبَلِ الغرباء. وهكذا، "نحن

نعلم"، وفقًا لدراسة حديثة، أنّ "أطفال العائلة المالكة في المجتمعات الزراعية البدائية كانوا مُعرّضين لخطرٍ دائم بوصفهم تهديدًا محتملً

لعرش الملك، وفي أحيان أخرى لطموح زوجة الأب تجاه المصير الذي ترغب فيه لأبنائها. لقد ترعرع عدد قليل من الأمراء في الأساطير

والميثولوجيا الإغريقية في المنزل، وبينما  أُرسِلَ بعضهم للتعلم على يدِ القنطور Centaur [مخلوق إغريقي أسطوري، لنصفه العلوي هيئة

البشر وللسفلي هيئة حصان] تشيرون Cheiron [ابن الإله كرونوس وحورية البحر فيليرا]، فإنّ معظمهم تعرّضوا لمواقف في بلداتهم

دفعتهم تجاه التعلُّم على أيدي الغرباء". لقد تخلّى الملك لايوس عن ابنه أوديب خوفًا من أن يُقتَل على يده. أمّا زيوس Zeus، فقد تربّى

سابعًا: وخز الضمير: نمو الحساسية تجاه العنف الرياضي

تُظهر المقارنة بين مستوى العنف في المباريات الإغريقية الكلاسيكية أو البطولات والألعاب الشعبية في العصور الوسطى، وبين الألعاب التنافسية المعاصرة، خيطًا محدَّدًا في سيرورة التحضُّر. ولكن دراسة هذا الأمر؛ أي تحضُّر الألعاب التنافسية، يظلّ قاصرًا ومنقوصًا ما لم نربطه بجوانب أخرى لهذه المجتمعات التي تُعدّ الألعاب التنافسية أحد تمظهراتها. باختصار، سيظلّ المستوى المتقلب للتحضُّر في الألعاب التنافسية غير مفهوم إذا لم نربطه بمستوى العنف العام المسموح به اجتماعيًا على الأقل،

وبتنظيم السيطرة على العنف، وبعملية تكوُّن الضمير المرافِقة في مجتمعات معيّنة. قد تساعد بعض الأمثلة على تحديد هذا الإطار الواسع. فقد أثارت المذابح التي ارتكبها النازيون الألمان في حق الجماعات التي غزوها في القرن العشرين، حالةً من النفور في جميع أنحاء العالم تقريبًا، حيث لطّخت اسم ألمانيا اللامع بين دول العالم لبعض الوقت. وقد كانت الصدمة عظيمة؛ لأنّ الكثير من الناس عاشوا في وهم أن مثل هذه الأعمال الهمجية لم تعد ممكنة الحدوث في القرن العشرين، حيث افترضوا ضمنيًا أنّ الشعوب أصبحت أكثر "تحضرًا" و"أفضل أخلاقًا" بطبيعتها. لقد

كانوا يفخرون بكونهم أقل همجيةً من أجدادهم أو من الشعوب الأخرى التي عرفوها من دون مواجهة المسألة التي خلقها سلوكهم المتحضر نسبيًا؛ أي مسألة أنّهم هم بالتحديد، وكذا سلوكهم ومشاعرهم أصبحوا أكثر تحضرًا إلى حدٍّ ما. كانت المذابح النازية أشبه بتحذير وتذكير بأنّ القيود على العنف

على أيدي ممرّضات، وترعرع سرًا؛ لأنّ والده كروموس Kromos شعر بأنّه يمثِّل خطرًا وحاول قتله. ومثل جاهوي Jahwe، كان زيوس

نفسه خائفًا من تشارُك المعرفة السحرية مع الناس، وعاقب بعنفٍ ولده الأصغر بروميثيوس Prometheus، الذي تجرّأ على سرقة النار من

السماء وإعطائها للناس. ينظر:

Edna H. Hooker, "The Goddess of the Golden Image, in Parthenos and Parthenon," Greece and Rome , vol. X, Supplement: Parthenos and Parthenon (1963), p. 18.

قد يكون من الجائز القول إنّ تصاعُد التنافس والغيرة في العلاقة المعقّدة بين الأب والابن، هذه السيرورة الغريبة التي نجد انعكاسها في

الأساطير الإغريقية وغيرها، لم يعُد يؤدي الدور الذي كان يؤديه في المجتمعات التي كان يمكن أن يقتل الآباء فيها أطفالهم أو يتخلّوا

عنهم، فقد احتكرت الدولة الحق في استخدام العنف المادي، بحيث لم يعد الأقارب من الذكور يشكِّلون خطرًا على حيوات بعضهم

البعض داخل المجتمع. وقد يتطلب الأمر مزيدًا من الدراسات حول تكوين الآباء والأبناء من أجل معرفة إلى أيّ مدى يمثّل شعور الابن

بالتنافس والغيرة من الأب الذي اكتشفه فرويد في مرضاه، هو نفس شعور الأب تجاه ابنه بالتنافس والغيرة. وإذا ما نظرنا إلى الأساطير الإغريقية، ومن بينها أسطورة أوديب نفسها، لا يمكننا التشكيك في هذه الازدواجية؛ أي مشاعر التنافس المتبادَلة التي تؤدي دورًا في

العلاقة بين الأب والابن. إنّ استخدام هذه الأسطورة أنموذجًا نظريًا يبدو غير مكتمل طالما لم يُدرس على نحو شامل الدور الذي تؤديه

ديناميات هذا التكوين والمشاعر المتبادلة بين الابن الذي كان ضعيفًا وأصبح قويًا، والأب الذي كان قويًا وأصبح ضعيفًا. وبدلً من عدم

الوعي به، يجب أن يولى هذا التكوين أهمية كبيرة جدًا، خاصةً في المجتمعات التي أدت فيها القوة والقدرة البدنية دورًا على نحو أكبر

بكثير ممّا تؤديه اليوم في العلاقات داخل الأسرة وخارجها. وفي هذا السياق، تبدو أسطورة أوديب كأنّها مصممة لتهديد الأبناء بأنّ الآلهة

ستُعاقبهم إذا قتلوا والديهم. ومع ذلك، فإنّ النقطة البارزة في الأسطورة ربّما لا تكون في المقام الأول مَقتل الملك العجوز على يدَي

الملك الشاب أو لصالح هذا الأخير؛ بل كسر تابوه سفاح القربى المتمثّل في حظر مضاجعة الابن لوالدته، وهو بالطبع تابوه اجتماعي

أقدم بكثير من حظر قتل الأب. في هذا الصدد، من الواضح أنّ أسطورة أوديب ترمز إلى مرحلةٍ متأخِّرة نسبيًا في تطوُّر مجتمع لم يكن

فيه قتل الابن الشاب أو قتل الأب العجوز يُعدُّ جريمةً في مراحله المبكِّرة. وإذًا، يمكن أن تساعدنا هذه الأساطير على فهم نوع من

العلاقات الإنسانية التي كانت موجودة في مرحلةٍ ما من التطوُّر الاجتماعي عندما كان التنظيم الذي نسمّيه الآن "الدولة" لا يزال في مهده،

وعندما  كانت القوة البدنية للشخص، وقدرته على ضمان بقائه على قيد الحياة من خ لاا قوته القتالية، محدِّدًا رئيسًا لجميع أنواع

العلاقات الإنسانية، بما في ذلك العلاقة بين الأب والابن.

ليست أعراض تفوُّق طبيعة "الأمم المتحضّرة"، وليست مزايا أبدية لتكوينها العرقي أو الإثني، بل مظاهر

نمط محدد من أنماط التطوُّر الاجتماعي الذي أنتج المزيد من السيطرة الاجتماعية المتباينة والمستقرة

على وسائل العنف، وأنتج عملية مرافِقة تمثّلت في تكوّن الضمير. وبدهيّ أن نمط التطوُّر الاجتماعي

هذا قد يذهب في الاتّجاه المعاكس. ولا يعني هذا بالضرورة عدم وجود مبررات للقول إن نتائج هذا التطوُّر في السلوك والمشاعر الإنسانية

"أفضل" من التمظهرات الموازية في مراحل التطوُّر السابقة. إنّ الفهم الأوسع لتسلسل الحقائق يوفر

أساسًا أفضل، بل لعلّه الأساس المتين الوحيد لمثلِ هذه الأحكام القيمية، التي من دونها لا يمكننا

أن نعرف، مثلً، إذا ما كانت طريقتنا في وضع ضوابط ذاتية فردية تجاه العنف الجسدي غير مرتبطة بالتشوهات النفسية التي قد تبدو في ذاتها شديدة الهمجية في عصرٍ بات أكثر تحضرًا. علاوةً على

ذلك، عندما نقيّم كذلك الشكل الأكثر تحضُّرًا للسلوك والشعور على أنّه "أفضل" من الأشكال الأقلّ

تحضرًا، وعندما نعتبر أنّ البشرية قد أحرزت تقدُّمًا بوصولها إلى معايير النفور والاشمئزاز تجاه أشكال

العنف التي كانت شائعة في الأيام الخوالي، فإنّنا قد نواجه مسألةً تتمثّل في السبب الذي يجعلنا نقيّم

التطوُّر غير المخطط له على أنّه تقدُّم. جميع الأحكام المتعلّقة بمعايير السلوك المتحضر هي أحكام مقارَنة، فلا يمكن القول بأيّ معنى مطلق:

"نحن متحضّرون، وهُمْ غير متحضّرين"، ولكن يمكن القول بثقةٍ كبيرة إنّ "معايير السلوك والشعور في

المجتمع 'أ' أكثر تحضُّرًا، وإنها أقل تحضرًا في المجتمع 'ب'"، بشرط أن نضع مقياسَ تطوُّرٍ واضحًا

ودقيقًا. يمكن أن نجد مث لً عند المقارنة بين النزالات الإغريقية والألعاب التنافسية الرياضية اليوم، ومث لً آخر في معايير النفور العام من القتل الجماعي. إنّ الشعور العالمي تقريبًا بالنفور تجاه الإبادة

الجماعية اليوم، يشير إلى أنّ المجتمعات البشرية قد عايشت سيرورة تحضُّر، بغضّ النظر عن ضيق مداه أو اضطراب نتائجه. ويتّضح الأمر عند المقارنة بالعصور السالفة. فالمذابح في العصور القديمة الإغريقية والرومانية، حيث كان يُقتَل جميع السكان الذكور في المدينة المهزومة والمحتلة، وتُستعبَد

نساؤها وأطفالها، لم تكن تثير إداناتٍ واسعةً حتى وإن أثارت بعض الشفقة. ومع أنّ المصادر المتوافرة غير مكتملة، فإنّها تُظهِر أنّ المذابح الجماعية كانت تتكرَّر بانتظام طوال تلك الفترة. وفي بعض الأحيان، أدى غضبُ جيشٍ طالَ تهديدُه وسخطُه دورًا في ارتكاب مذابح جماعية في حق أعدائه.

ومثال ذلك، إبادة مواطِني كروتون المنضوين تحت قيادة المصارع الشهير ميلون لجميع السيباريسيين الذين وقعوا تحت أيديهم. وفي بعض الأحيان، كانت "الإبادة" فعلً مخطَّطًا له يرمي إلى تدمير القوة العسكرية لدولة منافِسة، كما جرى أثناء التنكيل الشامل بجميع الرجال في آرغوس – المنافس المحتمل لإسبرطة – الذين استطاعوا حمل السلاح، بأمرٍ من الجنرال الإسبرطي كليومينيس Cleomenes؛ ما أدّى إلى إبادةٍ شبه كاملة للقوة العسكرية لآرغوس. ونذكر أيضًا المذبحة التي وقعت على السكّان الذكور في ميلوس بأمرٍ من مجلس مواطني أثينا في عام 416 ق. م.، والتي وصفها ثوسيديدس Thucydides بوضوح بأنّها ناتجة

(27) Pierre Ducrey, Le Traitement de prisonniers de guerre dans la Grece antique: Des origines à la conquête romaine , École française d’Athènes, Travaux et Memoires Fas XVIII (Paris: E. de Boccard, 1968), p. 196 ff.

من تخطيط مشابه جدًا لتخطيط المذبحة التي أدّت إلى الاحتلال الروسي لتشيكوسلوفاكيا في عام.1968 وقد عدّ الأثينيون ميلوس جزءًا من إمبراطوريتهم، حيث تمتّعت في نظرهم بأهمية استراتيجية، خاصّة

في صراعهم مع إسبرطة. لكنّ سكّان ميلوس لم يرغبوا في أن يصبحوا جزءًا من الإمبراطورية الأثينية؛

لذلك قتل الأثينيون الرجال واستعبدوا النساء والأطفال، واستقرّ المستعمِرون الأثينيون في الجزيرة. وعدّ

بعض الإغريق أنّ الحرب هي الأمر الطبيعي في العلاقة بين الدول – المدن، وأنّ الاستثناءات تحدث

عند إبرام معاهدات لفترةٍ محدودة. قد ترفُض الآلهة، على لسان الكهنة والكُتّاب، مجازر من هذا النوع،

لكن مستوى النفور "الأخلاقي" تجاه ما نسمّيه الآن "إبادة"، وبوجه أعم، مستوى الموانع الداخلية تجاه

العنف المادي، كان حينئذ أقلّ على نحو واعٍ، كما كانت مشاعر الذنب أو العار المرتبطة بمثلِ هذه الموانع أضعف على نحو واعٍ أيضًا مقارنةً بالقرن العشرين في الدول القومية الصناعية المتطوّرة نسبيًا. ولعلّ تلك

المجتمعات افتقرت تمامًا إلى كلّ ذلك. لم يكن ثمة نقصٌ في التعاطف مع الضحايا. وقد عبّر المسرحيون الأثينيون العظماء، وعلى رأسهم

يوربيديس Euripides 406–484[ق. م.] في مسرحيته "الطرواديات"، عن هذا بوضوح؛ إذ لم يتخلله حتى ذلك الوقت نفور واشمئزاز أخلاقي. ومع ذلك، لا يمكننا التشكيك في أنّ استعباد نساء المهزومين، وفصل الأمّهات عن أطفالهنّ، وقتل الأطفال الذكور، والعديد من الموضوعات الأخرى

المتعلّقة بالعنف والحرب في مسرحياتهم، كان لها وقعٌ أكبر لدى عموم الأثينيين في سياق حياتهم أكثر

ممّا هو لدى الجمهور في سياق حياتنا المعاصرة. إجم لً، كان مستوى انعدام الأمن المادي في المجتمعات القديمة أعلى بكثير ممّا هو عليه اليوم في

الدول القومية المعاصرة. ولعل ثمة دلالة على هذا الاختلاف في أن شعراء تلك المجتمعات عبّروا

عن تعاطف أكبر مما هو نفور أخلاقي. فهذا هوميروس قد عبّر عن عدم استساغته حقيقةَ أنّ أخيل،

في حزنه وغضبه على وفاة باتروكلس Patrocles، لم يكتفِ بقتل أغنام وماشيةٍ وخيولٍ وحرقها، قربانًا

من أجل صديقه، بل زاد عليهم اثني عشر نبيلً طرواديًا شابًا. لكن مرّةً أخرى، لم يكن الشاعر ليُحاكِم أو

يدين بطلَ قصيدته، من علياء عرش أفضليته الأخلاقية وتفوّقه العالي، لمجرد أنه ارتكب فظاعةً همجيةً

متمثّلةً في "القربان البشري". لم يكن في انتقاد هوميروس لأخيل صبغةٌ عاطفية أو حنقٌ أخلاقي،

ولم يشكّك في ما نسميه "شخصية" بطله، وقيمته الإنسانية. فالبشر يقترفون "شرورًا" erga kaka أثناء

حزنهم وغضبهم. يهزّ الشاعر الملحمي رأسه، غير أنه لا يناشد ضمير مستمعيه، ولا يطلب منهم اعتبار

أخيل فاسدًا أخلاقيًا، أو ذا "شخصيةً سيئة". بل يناشد شفقتهم واستيعابهم للانفعال الذي يسيطر حتى

على أفضل الناس، حتى على الأبطال، في أوقات الغضب وتدفعهم إلى اقتراف "أمور سيئة". غير أن التشكيك لا يمسّ قيمته الإنسانية بكونه نبيلً ومحاربًا. لم يشعر الإغريقيون القدماء تجاه "القربان

البشري" بالشعور المُنفِّر نفسه الذي نشعر به في الدول الأكثر "تحضُّرًا" في القرن العشرين. فكل

تلميذ من الطبقات المتعلّمة الإغريقية يعرف غضب أخيل والقرابين والألعاب التنافسية التي شهدتها جنازة باتروكلس. وإن مباريات الألعاب الأولمبية خلَف مباشر لهذه المنافسات التي تُقام في الجنائز، غير أنّها مختلفة كلّيًا عن أسلاف الألعاب التنافسية المعاصرة.

(28) Friedrich Schwenn, Die Menschenopfer bei den Griechen und Romern (Giessen: A. Töpelmann, 1915).

ثامنًا: حول العنف والضمير في اليونان القديمة

بقدر ما يُمكن أن نرى، لم يكُن المستوى الطبيعي للانفعال والعنف لدى أبطال وآلهة هوميروس – أو

بتعبيرٍ أفضل؛ مستوى تطوُّرهم الطبيعي في ضبط النفس أو تفعيل "الضمير" – أقل من المستوى الذي

وصلت إليه أثينا خلال الفترة الكلاسيكية، إلّ قليلً. لقد ساهمت الأطلال المتبقّية والمعابد ومنحوتات الآلهة والأبطالِ الإغريقيين في تصوير الإغريق القدماء على أنهم شعب معتدل الغضب ومتوازن ومتّسق. إنّ مصطلح "كلاسيكي" نفسه، في عبارات مثل "العصر الكلاسيكي القديم"، يستحضر صورةَ

المجتمع الإغريقي بوصفه أنموذجًا للجمال الرزين والتوازن الذي لا يمكن الأجيال اللّحقة أن تأملَ

في محاكاته مرّةً أخرى. وهذا سوء فهم بطبيعة الحال. لا يمكننا هنا أن نحدّد الدقة التي تستحقها اليونان الكلاسيكية لدورها في تكوُّن "الضمير" الإنساني،

والضوابط المذوّتة تجاه العنف أو مجالات الحياة الأخرى. ويكفي القول إن اليونان الكلاسيكية لا تزال

تمثّل "فجر الضمير"، وهي مرحلة كان فيها تحوُّل الضمير الضابط للنفس – المنعكس في صورٍ شعبية

لأشخاصٍ فوق البشر، أو لآلهة شيطانية متحكِّمة وتهدّد بطريقةٍ تعسفية بشأن ما يجب فعله وما لا يجب – إلى صوت داخلي ذاتي موضوعي نسبيًا يتحدث وفق المبادئ الاجتماعية العامّة المتعلّقة بالعدالة

والظلم؛ الحق والباطل، لا يزال تحولً يمثِّل الاستثناء لا القاعدة. إنّ "شيطان" Daimonion سقراط هو أقرب مثال لتكوُّن الضمير في المجتمع الإغريقي الكلاسيكي، لكن حتى هذا "الصوت الداخلي" الفردي

جدًا لا يزال يمتلك إلى حدٍّ ما صفةَ النزعة الوصائية. وعلاوةً على ذلك، فإنّ درجة التذوّت والفردنة

للمعايير والضوابط الاجتماعية التي نجدها في تصوير أفلاطون لسقراط كانت ظاهرةً استثنائيةً جدًا في عصره بلا شك. ومن المهم جدًا أنّ اللغة الإغريقية الكلاسيكية كانت تفتقر إلى كلمة متفرِّدة ومتخصِّصة

لمفردة "ضمير". هناك عددٌ من المفردات مثل Synesis و Euthymion و Eusebia وغيرها، تُترجَم أحيانًا

إلى "ضمير". لكن عند الفحص الدقيق، نُدرِك سريعًا أنّ كل واحدة من هذه المفردات هي أقلّ تحديدًا،

وتُطلَق على طيفٍ واسع من المرادفات، مثل "التورُّع" و"التقوى" و"تبجيل الإله". لكنّ مفهومًا واحدًا على

درجةٍ عالية من التخصُّص، مثل المفهوم الحديث ل "الضمير"، يشير إلى فاعل داخلي حتمي، وتسلطي

غالبًا، يوجّه سلوك الفرد بوصفه جزءًا من نفسه، يطلب الطاعة ويُعاقِب على العصيان ب "آلام" أو "لسعات"

الشعور بالذنب، الذي – على عكس "الخوف من الآلهة" أو "العار" – يعمل من تلقاء نفسه، ويبدو أنّه يأتي من العدم، ولا يتأثر بسلطة أو سطوة أيّ مؤثِّر خارجي، بشري أو فوق بشري؛ إنّ هذا التصوّر للضمير غائبٌ

عن الأدوات الفكرية في اليونان القديمة. ويمكن عدّ حقيقة أنّ هذا المفهوم عن "الضمير" لم يتطوّر في

المجتمع الإغريقي، مؤشِّرًا موثوقًا جدًا لحقيقةِ أنّ تكوُّن الضمير في ذلك المجتمع لم يصل إلى مرحلة

التذوّت والفردنة والاستقلال النسبي بأيّ درجة مقارنةً بمجتمعنا. إذا أردنا أن نفهم المستوى الكبير من العنف المتجسد في الألعاب التنافسية الإغريقية، والمستوى المتدني من النفور تجاه العنف في المجتمع الإغريقي عمومًا، فهذا أحد الأدلة التي نحتاج إليها. وإنه

مرتبط بحقيقة أنّ الأفراد، في الإطار الاجتماعي للدول – المدن الإغريقية، كانوا لا يزالون معتمدين على العوامل الخارجية والعقوبات وسيلةً لكبح الانفعالات أكثر من اعتمادهم على التقييدات الداخلية على أنفسهم، للسيطرة على دوافع العنف مقارنةً بالمجتمعات الصناعية المعاصرة. ولا بدّ من الإضافة

هنا، أنّ المجتمعات الإغريقية، أو نُخَبها على الأقل، كانوا قادرين بقدر كبير على ضبط أنفسهم فرديًا

أكثر ممّا كان عليه أسلافهم في العصر ما قبل الكلاسيكي. ويشهد على ذلك التغيّر الصورُ المتغيرة

للآلهة الإغريقية، ونقد اعتباطيتها وبطشها. فإذا أخذنا في الحسبان المرحلةَ المحدَّدة في سيرورة التحضُّر التي يشغلها المجتمع الإغريقي في أيام الدول – المدن ذات الحكم الذاتي، فمن الأسهل عند مقارنتهم بنا إدراك أنّ الانفعال المفرط عند الإغريقيين القدماء، كان بالفعل متوافقًا على نحو مثالي مع التوازن المادي والاعتدال، والشرف الأرستقراطي والمجد، المنعكس في المنحوتات الإغريقية. قد يكون من المفيد أخيرًا، الإشارة بإيجاز إلى عاملٍ آخر في سلسلة الترابطات التي تربط مستوى

العنف المتجسّد في النمط الإغريقي من الألعاب التنافسية والحروب مع السمات البنيوية الأخرى

للمجتمع الإغريقي. ومن المهم جدًا، بالنسبة إلى المرحلة التي وصل إليها تنظيم الدولة في فترة

الدول – المدن الإغريقية، الإشارة إلى أنّ حماية حياة المواطن من هجماتِ الآخرين لم تُعامَل بالطريقة

نفسها التي تُعامَل بها اليوم بوصفها مسألة تحتكرها الدولة. ويسري هذا الأمر حتى على أثينا. فإذا

قُتِلَ مواطن أو شُو ه على يدِ مواطن آخر، يُحال الأمر إلى أقاربه للانتقام وتسوية الحساب، وكان هذا

سائدًا حتى في العصور الكلاسيكية. ومقارنةً باليوم، لا يزال الأقارب يؤدون دورًا أكبر بكثير في حماية

الفرد من العنف. وهذا يعني في الوقت نفسه، أنّ على كل ذكر سليم الجسد أن يكون مستعدًا للدفاع عن أقاربه أو، إذا تطلّب الأمر، الهجوم من أجل مساعدة أقاربه أو الانتقام لهم. وحتى داخل الدول – المدن، كان المستوى العام للعنف المادي ومستوى انعدام الأمن مرتفعَين نسبيًا. ويساعد هذا أيضًا

على إدراك حقيقة أنّ النفور من إلحاق الألم والإصابات بالآخرين، أو من مشاهدة مثل هذه الأفعال، كان أقلّ من حيث المستوى، وأنّ الشعور بالذنب تجاه أعمال العنف كان أقلّ تغلغلً في الفرد؛ إذ كان الذنب سيبدو عائقًا في مجتمع منظَّم على هذا النحو. ربّما تساعد بعض أقوال الفيلسوف الإغريقي العظيم ديموقريطس Democritus 370–460[ق. م.]

في تعميق فهم هذه الاختلافات. فهذه الأقوال متناغمة مع التجربة الاجتماعية السائدة للناس حينذاك. وتُظِهر هذه الأقوال وتبرِّر أنّ "الصواب" و"الخطأ" في مجتمعٍ قد يضطر فيه كل فرد إلى الدفاع عن

نفسه وحياته وعن أقاربه لا يمكن اعتبارهما الشيء نفسه تمامًا في مجتمعنا. يقول ديموقريطس إن من

الصواب، وفقًا للأعراف، قتل أيّ كائن حي تسبَّب في ضرر، ومن الخطأ عدم قتله. لقد عبّر الفيلسوف

عن هذه الآراء عمومًا من منظورٍ إنساني واجتماعي، من دون الإشارة إلى الآلهة أو إلى الصلاح أو

التقوى كما نجد لاحقًا في محاورة سقراط مع بروتاغوراس Protagoras 420–490[ق. م.]، إذا اعتبرنا نصوص أفلاطون موثوقةً. وكما يمكن أن نرى، ليس هناك أيّ مناشدة أو طلب للحماية موجّه إلى

المحاكم أو مؤسّسات الدولة أو الحكومات. وكانت مسألة البقاء على قيد الحياة منوطةً بالناس أكثر

ممّا عليه الأمر الآن. هذا ما يقوله ديموقريطس: 68 (ب 257) إن القاعدة بخصوص قتل الحيوانات من عدمه تكون كما يلي: إذا اقترف حيوانٌ خطأ

أو رغب في ذلك وقتله إنسان فسيُعفى من العقوبات.

من شأن هذا تعزيز المنفعة لا العكس. إذا تسبب شيء في ضررٍ مخالف للحق لا بدّ من قتله. وهذا ينطبق على جميع الحالات. إذا فعل إنسان ذلك فإنّه سيزيد من النصيب الذي يتشارك فيه الحق والأمن في أيِّ نظامٍ (اجتماعي). الحقُّ يعني فعل ما هو لازم والخطأ عدم فعل ما هو لازم ورفض فعله. إذا وقع خطأ في حقِّ الناس ثمّة حاجة إلى الانتقام من أجلهم بقدر المستطاع. لا ينبغي التغاضي عن هذا. هذا حقٌّ وخير أمّا التغاضي عنه فباطل وسوء.

((2(أقتبس هذه المقاطع التي ترجمها إريك أ. هافلوك في كتابه:

وواجبهم الانتقام لأنفسهم وقتل خصومهم.

3 (ب 258)

5 (ب 256)

6 (ب 261)

Eric A. Havelock, The Liberal Temper in Greek Politics (New Haven/ London: Yale University Press, 1964), pp. 127–

أعتقد أنّ محاولة هافلوك في نقل معاني هذه المقاطع إلى القارئ المعاصر الناطق باللّغة الإنكليزية، ناجحةٌ إلى حدٍّ ما؛ إذ يُظهِر،

ربّما  على نحو أشدّ وضوحًا مقارنةً بكُتّاب آخرين، أنّ تأكيد أف طااون وأرسطو على السلطة المركزية للدولة باعتبارها الإشكالية

الأساسية للمسائل السياسية غالبًا ما  يُنظَر إليه خطأً على أنّه سمةٌ من سمات الإغريق عمومًا. لكن في واقع الأمر، يُعدُّ هذا التأكيد

على الأغلب سِمة مرحلةٍ متأخّرة وربّما  أخيرة لتطوُّر الدول – المدن الإغريقية المستقلة. لا يمكنني أن أتّفق تمامًا مع تفسير البروفيسور

هافلوك لتعاليم الفلاسفة مثل ديموقريطس على أنّها "ليبرالية"، حيث تفترض الليبرالية بوصفها فلسفة سياسية وجودَ دولة منظّمة

ومتطوّرة جدًا على الرغم من أنّها تهدف إلى منعِ تدخُلّات جمّة من جانب ممثّلي الدولة في شؤون أفرادها. من ناحية أخرى، إنّ

اعتماد الفرد على ذاته، الذي يدعمه ديموقريطس، هو سمة من سمات مرحلةٍ ما من التطوُّر لا يستطيع فيها الفرد ومجموعة أقاربه

الاعتمادَ على حماية دولة منظّمة وفعّالة وغير مشخصنة بالقدر الكافي. في الحقيقة، ليست "ليبرالية" فكرة أنّ من حق الناس

References

المراجع

Dress, Ludwig. Olympia: Gods, Artists and Athletes. London: Praeger Publishers, 1968. Ducrey, Pierre. Le Traitement de prisonniers de guerre dans la Grece antique: Des origines à la conquête romaine. École française d’Athènes. Travaux et Memoires Fas XVIII. Paris: E. de Boccard, 1968. Dunning, Eric (ed.). The Sociology of Sport: A Selection of Readings. London: Cass,

Elias, Norbert. "Studies in the Genesis of the Naval Profession." British Journal of Sociology. vol. 1, no. 4 (December 1950). ________. "Problems of Involvement and Detachment." British Journal of Sociology. vol. 7, no. 3 (September 1956). ________. The Civilizing Process. Oxford: Basil Blackwell, 1978. ________. State Formation and Civilization. Oxford: Basil Blackwell, 1982. ________. Involvement and Detachment. Stephen Quilley (ed.). The Collected Works of Norbert Elias 8. Dublin: University College Dublin Press, 2007. Förster, Hugo. Die Sieger in den Olympischen Spielen. Zwickau: Druck von R. Zückler,

Havelock, Eric A. The Liberal Temper in Greek Politics. New Haven and London: Yale University Press, 1964. Hooker, Edna H. "The Goddess of the Golden Image, in Parthenos and Parthenon." Greece and Rome. vol. X, Supplement: Parthenos and Parthenon (1963). Kluge, Friedrich. Ethymologisches Worterbuch. 17 th ed. Berlin: De Gruyter, 1957. Mezö, Franz. Geschichte der Olympischen Spiele. Munich: Knorr & Hirth, 1930. Philostratos. On Gymnastics [Peri Gymnastike]. [n. c.]: [n.p.], [n.d.]. Schwenn, Friedrich. Die Menschenopfer bei den Griechen und Romern. Giessen: A. Töpelmann, 1915. Stiven, Agnes Bain. Englands Einfluss auf den deutschen Wortschatz. Marburg: B. Sporn, 1936.