Return to Article Details “Haratin in Mauritania”: To What Extent Does Social Origin Determine Opportunities for Social Mobility and Status Change?

"حراطين موريتانيا": إلى أي مدى يتحكّم الأصل الاجتماعي في فرص الحراك وتغيير المكانة؟

"Haratin in Mauritania": To What Extent Does Social Origin Determine Opportunities for Social Mobility and Status Change?

محمد يحيى حسني| Mohamed Yahya Hasni *

الملخّص

يجلب هذا البحث شريحة اجتماعية هامشية هي "شريحة الحراطين في موريتانيا" إلى نطاق البحث الاجتماعي، عبر مدخل سوسيولوجي مهم هو بردايمات الحراك الاجتماعي، بعدما بقيت هذه الشريحة عقودًا طويلة موضوع تناولات سياسية وحقوقية غير معرفية بالجملة. ويهدف في مرحلة ثانية إلى تسليط الضوء على المتغيرات المتحكّمة في التراتبية الاجتماعية داخل المجتمع الموريتاني، التي جعلت بنية الماضي تحافظ على صلابتها في الحاضر. ثم يرصد في مرحلة ثالثة المتغيرات التي ساهمت إلى حدٍ ما في خلخلة تلك البنية وفتحت المجال لتحوّلات في المكانة، ندّعي أنها محدودة ومبرمجة ولا تعبّر عن تكافؤ حقيقي في الفرص، ليعود البحث في نهاية المطاف إلى تأكيد صلابة الدور الذي يقوم به الأصل الاجتماعي والمحدِّدات الأوّلية السابقة على الدولة الوطنية بمدرستها الجمهورية ومواطنتها المساواتية في التحكّم في الحراك الاجتماعي.

Abstract

Abstract: This paper examines the marginalized Haratin people of Mauritania, utilizing a sociological approach grounded in the paradigms of social mobility. For decades, the Haratin social group has been at the center of political and human rights debates. This paper underscores the variables that govern social hierarchy within Mauritanian society and argues that these variables reinforce their deep- rooted historical structures. Consequently, opportunities are pre-programmed and lack equity, highlighting the pivotal role of social origin in determining social mobility.

الكلمات المفتاحية:
  • الحراطين
  • المجتمع الموريتاني
  • الحراك الاجتماعي
  • المكانة
  • التراتبية
Keywords:
  • Haratin
  • Mauritanian Society
  • Social Mobility
  • Status
  • Hierarchy

"Haratin in Mauritania": To What Extent Does

Social Origin Determine Opportunities for Social

Mobility and Status Change?

ملخص: يجلب هذا البحث شريحة اجتماعية هامشية هي "شريحة الحراطين في موريتانيا "

إلى نطاق البحث الاجتماعي، عبر مدخل سوسيولوجي مهم هو بردايمات الحراك

الاجتماعي، بعدما بقيت هذه الشريحة عقودًا طويلة موضوع تناولات سياسية وحقوقية

غير معرفية بالجملة. ويهدف في مرحلة ثانية إلى تسليط الضوء على المتغيرات المتحكّمة

في التراتبية الاجتماعية داخل المجتمع الموريتاني، التي جعلت بنية الماضي تحافظ على

صلابتها في الحاضر. ثم يرصد في مرحلة ثالثة المتغيرات التي ساهمت إلى حد في ما

خلخلة تلك البنية وفتحت المجال لتحولّات في المكانة، ندّعي أنها محدودة ومبرمجة

ولا تعبّر عن تكافؤ حقيقي في الفرص، ليعود البحث في نهاية المطاف إلى تأكيد صلابة

الدور الذي يقوم به الأصل الاجتماعي والمحدِّدات الأوّلية السابقة على الدولة الوطنية

بمدرستها الجمهورية ومواطنتها المساواتية في التحكّم في الحراك الاجتماعي.

Abstract: This paper examines the marginalized Haratin people of Mauritania, utilizing a sociological approach grounded in the paradigms of social mobility. For decades, the Haratin social group has been at the center of political and human rights debates. This paper underscores the variables that govern social hierarchy within Mauritanian society and argues that these variables reinforce their deep- rooted historical structures. Consequently, opportunities are pre-programmed and lack equity, highlighting the pivotal role of social origin in determining social mobility.

Professor of Sociology at the University of Nouakchott, Mauritania. Email: medyaah@gmail.com

مقدمة

إنّ الملاحظات الأولية المستندة إلى دراسة ميدانية، سنتعرّض لتفاصيلها لاحقًا، قادتني إلى

افتراض تأسيسي مفاده أن مقاربة الحراك الاجتماعي/  الحركية الاجتماعية تشكّل مدخلً علميًا مهمًّا لتفسير دينامية تطوّر المجتمع الموريتاني وتتبّعها، وتحليل البنى المادية والذهنية والرمزية

المتحكّمة فيه على صعيد إنتاج وإعادة إنتاج المكانة الاجتماعية التي ترتّبت عليها تراتبية صلبة، شبّهها

فرانسيس دي شاسيه Chassey de Francis بالطبقية المغلقة الموجودة في الهند. واعتبرها كونستان هامس أيضًا نموذجًا فريدًا من الأنظمة الطبقية المغلقة، تضاهي قوة النظام الطبقي في الهند. لذلك

يمثّل الحراك الاجتماعي موضوعًا شائكًا في موريتانيا، نظرًا إلى مجموعة من الأسباب، لعل أكثرها

وجاهة: التركيبة التراتبية للمجتمع الموريتاني بحسب الشريحة والإثنية والعِرق. يأتي اختيارنا شريحة الحراطين نموذجًا لأسباب علمية وعملية، لعل من أهمها الثقل الديموغرافي

لشريحة الحراطين في المجتمع الموريتاني، حيث يمثلون، بحسب إحصاءات غير رسمية، نسبة تصل في أقصى تقدير إلى 45 في المئة من مجموع السكان، ومكانة هذه الشريحة باعتبارها فئة مستعبدة وتابعة سابقًا، ووقوعها في أسفل هرم التراتبية الاجتماعية، ومعرفة التغيرات التي شملت محددات الحراك الاجتماعي قبل ميلاد الدولة الوطنية في عام 1960 وبعده، بأيديولوجيتها الوطنية المساواتية، وبمدرستها الجمهورية وقطاعاتها المهنية والوظيفية الحديثة التي من المفترض أن تكرّس

مبدأ تكافؤ الفرص من ناحية وتؤسس لتراصف طبقي جديد على أسس مختلفة عن تراتبية المجتمع التقليدي، وبروز حركة حقوق مدنية صُلب مجتمع الحراطين تدعو إلى تصفية العبودية وإنصاف هذه

الشريحة وتمكينها من حقوقها السياسية والاقتصادية بما يتناسب وحجمها الديموغرافي. نقترح من أجل القيام بهذه الدراسة خطةً تقوم على نقاشٍ نظري بين بردايمين في سوسيولوجيا الحراك الاجتماعي: الأول بنيوي نقدي يوظّف السببية البنيوية في فهم الحراك الاجتماعي وتفسيره، وهو بذلك

(((ثمة من يترجم sociale Mobilité بالحراك الاجتماعي، وثمة من يترجمها بالحركية الاجتماعية، ونحن لا نجد غضاضة في الترجمتين، وعليه، فإني أستخدم الحراك الاجتماعي قاصدًا به حركة الأفراد أو الوحدات العائلية داخل نظام الفئات الاجتماعية –

المهنية أو نظام الطبقات الاجتماعية للذين يفضّلون الوصف الأخير. وبعبارة أخرى الأواليات التي ينتقل الأفراد بوساطتها من الموقع

الاجتماعي الأصلي إلى الموقع الاجتماعي المتحقق بعبارة بتريم سوروكين. (((فرانسيس دي شاسيه، موريتانيا من 1900 إلى 1975، ترجمة محمد بوعليبة الغراب (نواكشوط: جسور للنشر،.)2013

(3) Constant Hames, "La société maure ou le système des castes hors de l`Inde," Cahiers Internationaux de Sociologie , vol. 46 (1969), pp. 163–177.

(((لا تقدّم الجهات الرسمية في موريتانيا إحصاءات حول السكان استنادًا إلى انتمائهم الإثني والعرقي والشرائحي، بل تعتبر ذلك

خطًا أحمر، على الرغم من تنصيص الدستور الموريتاني على التعددية اللغوية في البلد والاعتراف بها، ولذلك فإن الإحصاءات

الخاصة بالتمثيل العرقي والشرائحي هي إما تقديرات من مصادر خارجية، وإما  استنادًا إلى دراسات ومسوح سكانية أُنجزت في فترة

مبكرة من استقلال موريتانيا. ((("موريتانيا: 'السيف مسلّط على رقابنا': قمع النشطاء المجاهرين بانتقاد ممارسات التمييز والرق في موريتانيا"، منظمة العفو الدولية، 2018/3/22، شوهد في 2023/7/5، في: https://tinyurl.com/48wntv67 (((روزماري كرومبتون، الطبقات والتراصف الطبقي، ترجمة محمود عثمان حداد وغسان رملاوي (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.24

يتناول الحراكات الاجتماعية في بعدها العام، بمعنى الحركية الطبقية أو حركية الطبقات لا الأفراد، ومن هذا المنطلق تؤدي الأصول الاجتماعية أدوارًا حاسمة لأنها بمنزلة شروطِ إنتاجٍ للنسق الاجتماعي

بما هو نسق قائم على التفاوت وقادر على إعادة إنتاج التفاوتات الطبقية. أما البردايم الثاني، فهو بردايم فرداني ليبرالي، يرى أنّ الفرد صانعٌ مصيره، ويمتلك من الذكاء والقدرة ما يحرّره من "إكراهات الأصل

الاجتماعي"، وبذلك يُنسّب هذا المنظور من المتغيرات المتحكمة في الحركية الاجتماعية، ويركّز على

الحركية الجيلية بدلً من الحركية الطبقية. ونتوسّل في الوصول إلى نتائج ذات قيمة علمية في تفسير

الحراك الاجتماعي في المجتمع الموريتاني منهجيةً مركّبة جمعت بين الطريقتين الكمية والكيفية، حيث استندت الدراسة إلى مقابلات واستمارات وُزّعت على 400 مشارك ينتمون إلى ثلاثة أجيال

مختلفة. في الشق الآخر، توسّلت الدراسة مجموعة عناوين، جانب منها يتعلق بالأبعاد التاريخية لمسألة

الحراطين في المجتمع الموريتاني وتحولّات المكانة الاجتماعية بالنسبة إلى هذه الشريحة قبل نشوء

الدولة الوطنية وبعده، بمدرستها الجمهورية ومواطنتها المساواتية. وفي مستوى آخر سلّطت الدراسة الضوء على حضور الحراطين في بيروقراطية الدولة وتكوّن النخب داخل هذه الشريحة والقضايا

التي رفعتها هذه النخب وناضلت من أجلها، ومنحت شريحةَ الحراطين في الحصيلة نمطًا من "هوية جماعية"، ارتأينا تصنيفها ضمن "الهويات الناعمة غير الخشنة". في المبحث الأخير من الدراسة، قدّمنا نتائج منوّعة عن استراتيجيات الحراطين في تحقيق الحراك

الاجتماعي وتغيير المكانة الاجتماعية والتخلص من الفقر، أو بالأحرى التخلّص من هابيتوسات الدونية الاجتماعية، وذلك بكسر الحواجز الاجتماعية نحو الفرص والموارد بصورة عامة، متمثلة في الوظائف والمنافع الاقتصادية والرمزية والاعتبارية.

أولا: علاقة الأصل الاجتماعي بالحراك الاجتماعي

يعني الحراك الاجتماعي حركة الأفراد أو الوحدات العائلية داخل نظام الفئات الاجتماعية – المهنية أو نظام الطبقات الاجتماعية للذين يفضّلون الوصف الأخير. وبعبارة أخرى الميكانيزمات التي ينتقل الأفراد بوساطتها من الموقع الاجتماعي الأصلي إلى الموقع الاجتماعي المتحقق بعبارة بتريم سوروكين. أما بالنسبة إلى مفهوم الأصل الاجتماعي، فنعي بأنه مفهوم فضفاض، فبيير بورديو يربطه بالطبقة الاجتماعية "برجوازية، أرستقراطية، فلاحون، بروليتاريا" وأحيانًا بالانتماء المكاني "ريف/ حضر"، وفي الحالتين هو وثيق الصلة برأس المال الاجتماعي والثقافي واللساني الخاص بالشخص، وبعبارة أخرى الهابيتوس الذي يحمله، وهناك من يذهب إلى الحديث عن شكلين من الهابيتوس: هابيتوس

(((ريمون بودون وفرانسوا بورّيكو، المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ترجمة سليم حدّاد (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،

1986)، ص.277

الدونية الاجتماعية، وهابيتوس الفوقية الاجتماعية. أما ريمون بودون، فيحدد الأصل الاجتماعي في متغيرات الأسرة والجيل، من دون أن يتحدث عن الطبقة. ونحن هنا نرصد أهمية البعدَين في الأصل الاجتماعي: البعد القريب، والبعد البعيد إذا جاز التعبير. بناءً عليه، فإن مفهومنا للأصل الاجتماعي لا يعني المرجعية الطبقية فحسب، بل يشمل أيضًا الأسرة

والجيل، بالمعنى الميكروسوسيولوجي، حيث يجري عقد مقارنات جيلية، على مدى أجيال داخل السلالة الواحدة. وفي هذا الإطار تجري في العادة مناقشة ثلاثة متغيرات: الأسرة والمدرسة والجيل. وفي كلتا الحالتين تبدو العلاقة بين الأصل الاجتماعي الطبقي أو الأسري أو الجيلي، والحراك الاجتماعي وطيدة، فظاهرة الحراك الاجتماعي كما يلاحظ جلال أمين "شديدة الصلة ببعض من أقوى النوازع الاجتماعية كالرغبة في اكتساب احترام وتقدير الآخرين، أو الرغبة في التفوّق على الآخرين، أو الرغبة في إشباع الميل إلى السيطرة، أو الخوف من فقدان كل ذلك". وتقودنا ملاحظة أمين هذه إلى القول إن مضمون الحراك الاجتماعي هو "مضمون مقارن" بين وضعيات متعيّنة قائمة وأخرى ممكنة

أو مشاهدة. ولذلك فكل حراك اجتماعي طبقي صعودًا أو هبوطًا يستدعي ممارسات سلوكية وتمثلّات وقيمًا جديدة. ولعل ذلك ما دفع أمين إلى القول إن "الحراك الاجتماعي، هو العامل الأساسي الذي حكم تطور المجتمع المصري" خلال نصف القرن الماضي. من هنا نتبيّن الأهمية التي يكتسيها الحراك الاجتماعي، نظرًا إلى الأصل الاجتماعي، فالحراك

الاجتماعي الصّاعد يمثّل حًّلًّ شخصيًّا لمشكلات المكانة المتدنّية وتبعاتها النفسية والاجتماعية.

وعلى النقيض من ذلك، يقود الحراك النازل وانسداد فرص الانتقال من وضعية اجتماعية إلى أخرى أحسن منها، إلى التوترات وانتشار الجريمة وربما الحروب. في مستوى آخر، ترافقت أزمة الحراك الاجتماعي في سبعينيات القرن الماضي في البلدان الأوروبية، بوجهها الاقتصادي المتمثل في استفحال الفقر وارتفاع معدلات البطالة وشحّ الفرص، مع صعود مسائل التعددية الثقافية والإثنية والمساواة باعتبارها أحد أوجه أزمة الحراك الحادة، وقاعًا سحيقًا لظاهرة التفاوت في المجتمعات. أخيرًا، أعاد تحكّم متغيرات الأصل الاجتماعي والرمزية الاجتماعية في الحراك الثقيل، موضوع علاقة

الحراك بالأصل إلى صلب اهتمامات السوسيولوجيا الحديثة. فمن اللافت أن الحراك الاجتماعي أصبح

(((المرجع نفسه، ص.282–281 (((ج لاا أمين، ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1995–1945 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، ص.8 (1((المرجع نفسه. (1((كرومبتون، ص.272

(12) Brian Bary, Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism (Cambridge: Polity Press, 2008).

حراكًا مبرمجًا غير مفتوح، تتحكّم فيه معايير الزبونية والتبعية، أكثر من معايير الجدارة والاستحقاق.

وتعتبر هذه الظاهرة مميزة، إلى حدٍ بعيد، للمجتمعات والدول الموصوفة بالنامية. في هذا المستوى لا يخفى على الباحثين أن سوسيولوجيا الحراك تمارس نوعًا من "الفضح" المعرفي للآليات الزبونية والشّللية في الأنظمة السلطوية والسياسية بصورة عامة، ولاستراتيجيات "التوارث" المُقَنّعة بشعارات الجدارة والكفاءة والاستحقاق، وغيرها من مقولات التبرير التي بذل عالم الاجتماع

بيير بورديو جهده كله لإزالة أقنعتها الاجتماعية. يقع هذا البعد النقدي في دراسة الحراك عبر آليات إعادة الإنتاج والتوارث والهيمنة وإعادة إنتاج الهيمنة، في صميم إشكاليات دراستنا لموضوع الحراك بالنسبة إلى شريحة تابعة في المجتمع الموريتاني، هي "الحراطين" بماضيهم مع العبودية وتموقعهم في أسفل هرم التراتبية الاجتماعية في النظام القبلي الموريتاني التقليدي وتشكيلهم غالبية الفقراء والأميين، مع الانتقال من القبيلة إلى الدولة، ومن البداوة إلى المدينة. ومن ملاحظاتنا الميدانية ومقابلاتنا مع نخب من شريحة الحراطين، يتّضح أن الحراك الاجتماعي يمثل بالنسبة إليهم الوسيلة الفعّالة لتغيير نظرتهم إلى أنفسهم، ونظرة الغير إليهم، وبعبارة أخرى التخلّص من هابيتوس الدونية الاجتماعية ومتعلقاته التي كرّست فقرهم وتهميشهم. من فضاء الإشكاليات السابقة وغيرها، اكتسبت سوسيولوجيا الحراك الاجتماعي مشروعيتها كاختصاص جديد، وصل إلى ذروة عطائه في سبعينيات القرن المنصرم، مع كل من المدرستين الأنكلوسكسونية والفرنسية، مع اختلاف في المقاربة والقراءة وآليات التحليل، وفي بعض الأحيان رهانات التحليل. نناقش هنا في الأساس منظورَين مركزيَين في أدبيات الحراك الاجتماعي، أحدهما "بنيوي نقدي" والآخر "ليبرالي". الأول منهما يعتبر الحراك الاجتماعي مبرمجًا، بينما يعتبره الثاني حقيقة موضوعية

في ظل الدول الحديثة. يمثّل بورديو الرأي الأول القائل ببرمجة الحراك الاجتماعي وخضوعه لمبدأ إعادة الإنتاج حتى في سياق المجتمعات الحديثة التي يُفتَرض أن الفرد فيها هو من يحدّد مصيره في ظل تكافؤ غير مسبوق في الفرص وتراجع تأثير الأصول الاجتماعية والمكانة الموروثة في "تحديد ما يكون أو ما سيكون عليه الشخص مستقبلً"، وذلك نظرًا إلى عمليتين أساسيتين ميّزتا المجتمعات الحديثة: عملية "التصنيع

والتعليم"، إضافة إلى ظاهرة تفجر مصادر الحراك الاجتماعي التي لم تعد مرهونة بمحدد أو بمسار بعينه، في ظل وفرة وتعدّد الأنشطة التي تعود بمنافع قياسية في وقت وجيز نسبيًا، وهي أنشطة مرتبطة

أساسًا بالمهارات التي تتفوّق أحيانًا على الشهادات الجامعية (الرياضات، التسويق عبر مواقع التواصل

الاجتماعي، الفنون... إلخ).

(1((ينظر: حافظ عبد  الرحيم، الزبونية السياسية في المجتمع العربي: قراءة اجتماعية سياسية في تجربة البناء الوطني بتونس (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2006

(14) Pierre Bourdieu, La Noblesse d’État: Grandes écoles et esprit de corps (Paris: Les Editions de Minuit, 1989).

أما المقاربة الثانية فارتأينا تسميتها المقاربة الليبرالية في مجال الحراك الاجتماعي، وممثّلها الأبرز هو عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون الذي رسم ملامحها في كتابه لاتكافؤ الفرص، فهو على النقيض من بورديو، لا يعتبر الحراك الاجتماعي مبرمجًا أو متحكّمًا فيه، ولا يعتبر الأصل الاجتماعي محددًا نهائيًا لفرص الأشخاص في الترقي الاجتماعي، بل يربط قابلية الحراك الاجتماعي بالفرد أولً،

لناحية مهاراته وذكائه واستراتيجياته الشخصية. من شأن هذه الإشكالات كلها أن تقود إلى مساءلة نموذج الدولة الحديثة التي قدّمت نفسها عبر خطاباتها المختلفة باعتبارها راعية للمجتمع وضامنة لفرص العيش الكريم والمساواة. ويزداد نطاق المساءلة أكثر عندما نضع ضمن نطاق رؤيتنا العملية التربوية والتعليمية ودورها في الحراك، وإخفاقها الملاحظ، بحسب العديد من الباحثين، في ضمان فرص متساوية، وإخفاقها مؤخرًا في أن يستلزم

النجاح المدرسي بالضرورة النجاح المهني، وإذا وضعنا ضمن حقل الرؤية هذا قضايا التعددية الثقافية والإثنية واستحكامها في منطق عملية الحراك الاجتماعي من ناحية، وتجذير اللامساواة العرقية والثقافية من ناحية أخرى، فإننا نكتشف أن مبحث الحراك، بتعدد قضاياه وإشكالاته، لا يزال مبحثًا راهنًا، وتقع إشكالاته في صميم أزمات المجتمع الحديث؛ وهو يعبّر عن راهنية تنطلق دائمًا من خصوصيات

المجتمعات وتطوّراتها.

ثانيًا: المدونة الإمبريقية وأدوات البحث

تتبنى هذه الدراسة خياراتٍ منهجيةً منوعة، يتقاطع فيها التحليل الكمي مع التحليل الكيفي للمعطيات، حيث يقتضي موضوع الدراسة التنويع المنهجي.

1. التحليل الكمي

أما الطرائق المتّبعة لتجسيد الخطاطة المنهجية، فتتمثل في: الطريقة الكمية القائمة على جمع معطيات إحصائية ذات طابع كمّي، وذلك بناءً على جملة من الأسئلة في استمارة البحث، موجّهة أساسًا

لاستخلاص نتائج إحصائية، تتعلق بمعطيات ومتغيرات تفسيرية مهمة للبحث، مثل متغيرات الدخل والعمر والجنس ودرجة الحراك وعقد المقارنات الجيلية... إلخ. والطريقة الكيفية القائمة على مقاربة الأسئلة والإشكالات التي يصعب تكميمها، ورصّها ضمن جداول إحصائية. ولتنفيذ خطّة هاتين الطريقتين لجأنا في الدراسة الميدانية إلى أداتين أو تقنيتين منهجيتين مأخوذتين من الطريقتين الكمية والكيفية.

(15) Raymond Boudon, L’inégalité des chances la mobilité sociale dans les sociétés industrielles (Paris: Armand Colin, 1973), p. 22. (16) Pierre Rosanvallon, La Crise de l’Etat–providence (Paris: Édition du Seuil, 1981). (17) Romy Sauvayre, Les méthodes de l’entretien en sciences sociales (Paris: Dunod, 2013), p. 6. (18) Alain Blanchet & Anne Gotman, L’enquête et ses méthodes: L’entretien (Paris: Nathan, 1993).

اعتمدنا في إنجاز الدراسة على بناء استمارة مكوّنة من 40 سؤ لً، تمثّل الأسئلة المغلقة فيها نسبة 35

في المئة، والأسئلة المفتوحة نسبة 65 في المئة، موجّهة إلى عيّنة إحصائية مكوّنة من 400 مشارك،

موزعين على فئاتٍ عمرية وجنسية واجتماعية وتعليمية مختلفة.

2. التحليل الكيفي

في إطار إنجاز هذه الدراسة وجدنا أنفسنا في حاجة إلى إجراء مقابلات نوعية، وذلك مع مجموعة من النخب في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد والإدارة. فالنخب داخل الحراطين تشكّل حالةً مهمّةً للبحث، وذلك من جهة معرفة المسارات التي اتّبعتها هذه النخب، واستطاعت عبرها الوصول

إلى المكانة الاجتماعية التي وصلت إليها. وفي هذا الإطار التقينا بعشر شخصيات، من بينهم وزراء سابقون، ومن بينهم رؤساء أحزاب ومنظمات حقوقية ورجال أعمال. وتنبّهنا أعمال غوفمان حول

المقابلة باعتبارها أداة منهجية إلى أهمية التعامل مع الكلام أو الرواية الواردة في المقابلة، ليس لناحية دقة محتوياتها، بل لناحية تعقيداتها والتناقضات التي تتضمّنها، وبقدر ما يمثل هذا الأمر

صعوبة منهجية حقيقية، تسمح المقابلات من خلال عملية التفاعل بين الباحث والمشاركين وتتبع تكرار كلمات بعينها أو عبارات بعينها، بتفكيك عناصر هوية المتحدثين، ومن ثمّ، تفكيك العمليات الاجتماعية التي يشكل الفاعلون الاجتماعيون ركنًا أساسيًا فيها. إنّ المقابلات التي تضمّنتها هذه الدراسة هي في جزء كبير منها مقابلات تفهمية وتفاعلية. حاولنا من

خلالها الإلمام بأربعة أبعاد: البعد الإمبريقي المتعلق بأحداث ومنعطفات كبيرة في الحياة الاجتماعية للأشخاص، والبعد النفسي الدلالي، من قبيل تسليط الضوء على الكيفية التي عاش بها الشخص والكيفية التي يتحدث بها وتمثله للأشياء؛ ثم ثالثًا البعد الخطابي المبني والمشكّل لهويات سردية والمعجم المستخدم في بنائها؛ وأخيرًا البعد الشبكي، أي شبكة العلاقات الاجتماعية للشخص ومدى

تأثيرها في صنع هويات الأشخاص وتمثلاتهم وانتظاراتهم وحتى وصولهم إلى ما هم عليه.

3. العيّنة الكميّة: تركيبتها وتمثيليّتها

اخترنا عينةً مقيّدة عمدية، للقيام بالبحث الميداني، وذلك نتيجةً لغياب دليل اسمي وافٍ لشريحة

الدراسة، ومن ثم، من الصعب الحديث عن تمثيلية قوية في عيّنة الدراسة نسبةً إلى مجتمع الدراسة

العام. لقد شملت عيّنة بحثنا 400 مشارك، جرى اختيارهم بناءً على مجموعةٍ من المواصفات والمعايير

(19) Sauvayre, p. 8.

2(((بيير بونت، "روائح الرمل"، في: بيير بونت، أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء (الرباط: مركز الدراسات الصحراوية، 2017)، ص.42–41

(21) Jean–Claude Kaufmann, L’entretien compréhensif (Paris: Armand Colin, 2004). (22) Alain Blanchet, Dire et faire dire: L’entretien (Paris: Armand Colin, 2015) p. 65; Blanchet & Gotman.

(2((العيّنة العمدية هي التي لا  يكون الباحث فيها مهتمًا بتمثيلية العيّنة. ينظر: شارلين هس وبيير باتريشيا ليفي، البحوث الكيفية

في العلوم الاجتماعية، ترجمة هناء الجوهري (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص.125

المنهجية التي تتناسب وطبيعة إشكالية البحث؛ وتبيّن الجداول ((12) و (3) و) توزيع العيّنة بحسب

متغيرات العمر والجنس والمستوى التعليمي والاقتصادي. الجدول (1) توزيع العينة بحسب العمر

النسبة المئويةالعددالفئة العمرية
8.253385–60
4718859–40
44.7517939–25
100400المجموع

المصدر: من إعداد الباحث.

لم يكن اختيارنا هذه الفئات العمرية الثلاث اعتباطيًا، إنما كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بغايات البحث

وطبيعة الأجيال المستهدفة، فالفئة العمرية (85–60)، هي الفئة التي رافقت نشوء الدولة الوطنية، وهي أيضًا الفئة التي رفعت مطالب الحراطين بالعدالة والمساواة والحرية، وكان سبعة أفراد من هذه العينة من مؤسسي حركة تحرير الحراطين وانعتاقهم المعروفة بالحر، وهي أول إطار تنظيمي أسّسه أبناء هذه الشريحة، حيث مثّلوا نخبتَها التي تلقّت تعليمًا في المدارس الحديثة، واستطاعت

نسبيًا أن تتخلّص من أوضاع الفقر والخصاصة والدونية الاجتماعية والوعي الاجتماعي المرتبط

بجملة تلك الظواهر التي كانت، في نظرهم، عائقًا أمام ميلاد "الوعي المتمرّد" لدى الحراطين طوال

العقود الماضية. أما الفئة العمرية الثانية (59–40)، فتتشكّل أساسًا من الجيل الثاني لحركة الحقوق

المدنية، إضافة إلى كونها تضم قطاعًا واسعًا من النخب التي تمكّنت من تحقيق مستوى تعليم

عالٍ، ثم تقلّدت بناءً على ذلك وظائف متوسطة، إلى سامية، فكان بينها الطبيب والأستاذ الجامعي

والخبير المحاسبي والمهندس والقاضي والمدير والوزير... إلخ، حيث كانت الشهادة المدرسية المتوسطة أو العليا ذات قيمة في التوظيف، لكون المدرسة لا تزال في حينها تمثل المصعد الاجتماعي الوحيد تقريبًا، قبل تراجع قيمتها في تحقيق الحراك الصاعد في منتصف التسعينيات،

وما رافقها من انتشار واسع للتمدرس، مع تراجع مستوى التعليم من جهة وتضاؤل قدرة الدولة على التوظيف مع سياسات الإصلاح الاقتصادي الهيكلي وعدم وجود سوق عمل موازية حقيقية في القطاع الخاص، من جهة أخرى. أما الفئة العمرية الأخيرة (35–29)، فتمثل جيل الشباب المعاصرين من الحراطين، الذي يتميز بخصائص سوسيولوجية ينبغي تسليط الضوء عليها، فهو جيل أزمة، نظرًا إلى ثقل الماضي الذي

بمرور الوقت.

المجموعالمستوى التعليميالفئة العمرية
جامعيثانويابتدائيأمي
1791655783039–25
18861126010059–40
33312130585–60
400801939235المجموع
1002048.25238.75النسبة المئوية

ما يخص وضع الدخل والوضع الطبقي بالنسبة إلى الأسر والأفراد.

يتعايش مع مخلّفاته، وبسبب صعوبات تغيير الوضع الاجتماعي الموروث بفعل انسداد قنوات الحراك الاجتماعي وتحكّم العلاقات الولائية والزبونية، ولا سيما في الحراك الثقيل الذي أصبح حراكًا مبرمجًا

الجدول (2) توزيع العينة بحسب المستوى التعليمي

المصدر: المرجع نفسه.

بناءً على استبيان داخلي شمل جميع المشاركين في العيّنة، تمكنّا من الوصول إلى النتائج التالية في

الجدول (3) مستوى دخل الأسرة والوضع الطبقي لعيّنة الدراسة

النسبة المئويةالعددالوضع الطبقي والدخل شهريًا بالدولار الأميركي
7.6910عال 3000) ٍ (أكثر من
69.2390متوسط (1000–750)
23.0730متدننٍّ (أقل م 300)
100130المجموع

المصدر: المرجع نفسه.

الجدول (4) خصائص العيّنة الكيفية

الاسمالوظيفةالصفة
العلمية
النشاطمكان المقابلة
وتاريخها
ب. م.رائيس منظمة "نجدة العبيد"مهندسحقوقيتونس، 2015/4/1
م. ب.رئيس المجلس الاقتصادي
والاجتماعي حاليًا
سياسينواكشوط،
2017/7/22
ب. ه.وزير مالية سابق وبرلمانيجامعيسياسينواكشوط،
2017/7/18
ص. م.وزير أول سابقجامعيسياسينواكشوط،
2017/7/25
ب. ع.أستاذ جامعي وزير سابق للتعليم
العالي
جامعيأكاديمينواكشوط،
2017/9/11
ح. إ.مهندس وبرلمانيمهندسسياسيتونس، 2015/4/28
ب. د.نائب في البرلمانجامعيسياسينواكشوط،
2018/2/26
إ. ب.أستاذ تعليم ثانوي ورئيس هيئة
الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان
ودعم التعليم
جامعيحقوقينواكشوط،
2018/2/24
عا. إ.إعلامي ورئيس منتدى الأواصرجامعيحقوقينواكشوط،
2018/2/14
م. أ.أستاذ تعليم ثانويجامعيحقوقيتونس، 2017/6/20
م. م.رئيس منظمة بيت الحريةجامعيحقوقينواكشوط،
2018/2/29
ذ. ن.وزير سابقجامعيسياسينواكشوط،
2018/2/28
م. س.أستاذ ثانويجامعيالنعمة، 2018/2/1
ك. م.معلمجامعيسياسيالنعمة، 2018/2/1

المصدر: المرجع نفسه.

الصفة

مكان المقابلة

ثالثًا: الحراطين: الهوية والتاريخ والتموقع الاجتماعي

يمكن الحديث عن أربعة مصادر لمعالجة تاريخ المجال الموريتاني، تتمثل في: الآثار الأركيولوجية، والنصوص العربية القديمة، والوثائق والشهادات الأوروبية والإنتاج المحلي بمكتوبه ومروياته الشفهية وحتى الفقهية. مع ضعف البحوث الأركيولوجية وتوقفها في موريتانيا في ثمانينيات القرن العشرين، بقيت المصادر الأساسية هي المصادر المكتوبة والمروية، وبالعودة إلى هذه المصادر للعثور على تاريخ لشريحة الحراطين، نكتشف حالة من غياب التأريخ لهذه الشريحة، في ما عدا بعض الحضور الهامشي عند تناول تجارة الرق وفقه الرقيق في النوازل والفتاوى الفقهية، أما  النصوص المكتوبة بالفرنسية فعلى الرغم من اهتمامها بالمجموعات الاجتماعية في المجال الموريتاني بمختلف تشكيلاتها، فإنها، لعوامل سياسية واستعمارية، اهتمت أكثر بمجموعات نخبوية ذات النفوذ والمكانة، ولم تول التأريخ لماضي الجماعات التابعة أهمية تذكر. أما بالنسبة إلى المرويات الشفوية فقد انصبّ التدوين

أساسًا على تدوين مرويات الجماعات المهيمنة تقليديًا، من طرف أبناء تلك الجماعات أولً، من

أنثروبولوجيين فرنسيين بارزين. ونعتقد أن العامل الرئيس في تهميش مرويات الحراطين عائد في جانب منه إلى كون مجتمع الحراطين قديمًا مجتمعًا أمّيًا لا يمتهن الكتابة والتدوين، وإلى هامشيتهم التي لم تغرِ الرحّالة والمستكشفين من

الفرنسيين وغيرهم للكتابة عنهم.

1. الحراطين: التسمية والأصل

تسمية الحراطين مثار جدل كبير، بين من يربطها بمهنة الحراثة وزراعة الأرض، التي عُرف "الحراطين" بممارستها، بوصفها هوية مهنية ميّزتهم تاريخيًا، ومن يعتبر هذه التسمية حاملة لمدلول سوسيولوجي

يفرّق بين فئات هذه الشريحة نفسها، على اعتبار أن جذر الكلمة مركب من كلمتين: "حرٌّ وطارئ"،

أي حر جديد، متميز من وضع العبد الذي لا يزال تحت العبودية. مع أن هذه الحرية الطارئة المميِّزة،

تتضمن وصمًا بالدونية يلاحق حاملها، ولذلك ينفر كثيرون من الحراطين من هذه التسمية، ويميل

كثيرون منهم إلى تسميات أخرى بديلة، مثل "الخُضر أو الخضّارة". وهو ما يطرح إشكال ما إذا كانت تسمية الحراطين جامعة؟ خاصة في ظل الانقسامات والانشطارات التي تعرفها هذه المكوّنة، وانعدام

(2((محمدو بن  محمذن، وثائق من التاريخ الموريتاني: نصوص فرنسية غير منشورة (نواكشوط: منشورات جامعة نواكشوط،

2000)، ص 17؛ محمد المختار ولد السّعد، الفتاوى والتاريخ: دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال فقه النوازل

(تونس: دار الغرب الإسلامي،.)2000 (2((يحيى ولد البراء، المجموعة الكبرى الشاملة لفتاوى ونوازل وأحكام أهل غرب وجنوب غرب الصحراء (نواكشوط: مولاي الحسن ولد المختار الحسن،.)2010 2(((ينظر مثلًالمرويات التي تناولها بيير بونت في كتابه الضخم: بيير بونت، روايات أصول المجتمعات البيضانية: مساهمة في

دراسة ماضي غرب الصحراء، ترجمة محمد بوعليبة الغراب (نواكشوط: جسور للنشر،.)2015 (2((وعلى هذا الرأي يكون أصل الكلمة الحرّاثين وجرى تحريفها بشكل طفيف لتصبح الحراطين.

رابط ثقافي اجتماعي متين وعميق يجمعها، كما هي الحال بالنسبة إلى أبناء القبيلة الواحدة الذين تجمعهم العصبية والأصل الواحد المتخيّل. الجدول (5) هل تسمية الحراطين جامعة بالنسبة إلى عيّنة الدراسة؟ نسبة الحراطين

ناسبة الحراطين
المجموعلاناعمبحسب الدخل
1122290عالٍ
23017213متوسط
581444متدنٍّ
40053347المجموع
10013.2586.75النسبة المئوية

المصدر: المرجع نفسه.

الرابط الأساسي الذي يوحّد الحراطين، بحسب معظم الأدبيات، هو المعاناة ومرارة ماضي العبودية. لكن هل في الإمكان صوغ هوية موحّدة من تراث المعاناة؟ إن حالة الحراطين، كما يقول بونت "هي حالة أكثر تعقيدًا"، فالحراطين لا يشكلون قبائل قائمة بذاتها، لكنهم ظلوا مرتبطين بعلاقات زبونية، تميل إلى حد ما إلى مصلحتهم، مع قبائل أسيادهم السابقين. وقد يختلف تصنيف مكاناتهم الاجتماعية إلى حدٍ بعيد: فهناك "الحراطين" المحاربون في الإمارات، وهناك "الحراطين" "تلاميذ" tlamÎd كبار المشايخ، وهم في الغالب مزارعون أو عمال بالواحات، لكنهم جميعًا بقوا مستبعدين من التنظيم الجنيالوجي [المتعلق بالنسب] للقبائل والطبقات الاجتماعية. وبناءً على ذلك، بقوا يحملون وصمة عار العبودية التي يعبّر عنها على نحو أخص حرمانهم من

الانتساب إلى الأصل المشترك. كما أنهم في الغالب يبقون خارج النظام الرعوي البدوي، وهو النشاط السائد المفضّل لدى السكان ويختصون في الزراعة وغرس النخيل. بيد أن هذه الحرفة ليست محايدة: فبمقدار التكامل الضروري الذي توفّره للحراطين لولوج أنظمة الإنتاج الرعوية، فإنها تسهل ديمومة السيطرة الاجتماعية عليهم عن طريق التحكم في الملكية العقارية التي يمارسها "البيضان" في إطار النظام القبلي. ميزة الحراطين إذًا في النظام الاجتماعي التقليدي الموريتاني هي تموقعهم خارج التنظيم في بعده المزدوج الطبقي والقبلي. فهم لا  يشكّلون قبيلة، بل هم مرتبطون بقبائل وأسر مختلفة بوصفهم

(28) Pierre Bonte, "'L’ordre' de la tradition. Évolution des hiérarchies statutaires dans la société maure contemporaine," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée , vol. 54, no. 1 (1989), pp. 118–129.

تابعين. وتعود فروق المكانة الموجودة بين الحراطين إلى مجموعة من المحددات، لخّصها بيير بونت في حراطين وُلدوا داخل الأسرة والقبيلة، وحراطين محاربين داخل الإمارات الحسانية، وحراطين

تلاميذ لكبار المشايخ، وهم في الغالب مزارعون أو عمّال في الواحات، وحراطين جرى شراؤهم،

وحراطين يؤدّون وظائف منزلية، وحراطين يسعون وراء الماشية ويمارسون الرعي والحراثة. من هذا المنطلق، يشكّل الحراطين شريحة اجتماعية، غير مهيكلة حول أملاك مشتركة، ولا يفترض الانتماء إليها واجبات وحقوقًا سياسية للشريحة على الأفراد المنتمين إليها، ومع ذلك فثمة مجموعة من المحدّدات، تجعل مسمّى الحراطين د لًّ على انتماء اجتماعي سوسيولوجيًا، ود لًّ على هوية

جماعية، لديها فواعل جماعية (منظمات وحركات ونخب) تدّعي تمثيلها وطرح قضاياها السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الهوية الجماعية للحراطين هي من نوع الهوية الناعمة الرخوة غير الخشنة التي "تحملها، بالمقابل، جماعة إنسانية مهيكلة ويقع على عاتق صفوتها مهمة إنتاج ونشر أيديولوجيا متناسقة".

2. كيف يجري تأسيس الرابط الاجتماعي عند الحراطين؟

لقد وضع يان سبورك في كتابه المهم أيُّ مستقبل لعلم الاجتماع؟ عنصرين محدّدين لتكوّن الرباط

الاجتماعي الذي يفسّر حالات تشابه الوضع المميز لجماعة معيّنة وانجذاب أفرادها إلى هذا الرابط

الذي يُطلق عليه بعضهم وهم الهوية الجماعية المشتركة أو المتخيّلة. فيرى يان سبورك أنّ "الرباط

الاجتماعي يتكوّن على مستويين، لا يتمتعان بنفس المنطق، ولا بنفس الطابع الزّمني، ولا بنفس

الدينامية، فمن جهة هناك الرابط الاجتماعي المجرّد، ومن جهة أخرى هناك الأشكال الملموسة للعالم

المعاش. هذان المستويان مرتبطان تكوينيًا بشكل مباشر، من دون أن يكونا مع ذلك قابلين لاختزال

الواحد إلى الآخر".

((2(ينظر على سبيل المثال رحلة مقدم مشاة البحرية جان فرانسوا كاي: جان فرانصوا كاي، "ملاحظات حول سكان موريتانيا وسكان بلاد الزنوج المتاخمين لنهر السنغال"، الوثيقة مترجمة ومحققة في: بن محمذن، ص.77 (3((المرجع نفسه. (3((يرى الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق أنّ الهوية الجماعية لدى المجموعات الصغيرة التي تمتلك بنى لاتخاذ القرار، تقوم

على المكانة السياسية في المقام الأول، ويقتضي ذلك نسقًا معيّنًا من الواجبات والحقوق والامتيازات. فالأشخاص الذين ينتمون

إلى قبيلة ما، أو جهة، أو بلد، ويقيمون في مدينة ما، يستطيعون إثبات ذواتهم وتماثلها بالرجوع إلى جماعاتهم الأصلية، لكن ما داموا يكتفون بذكر أصولهم منفردين، وما داموا هم لا يتعارفون في ما بينهم ولا ينتظمون على نحو دائم، فهم يشكلون شريحة Catégorie اجتماعية أكثر مما يشكلون زمرة Groupe اجتماعية مهيكلة. وقتئذ، تكون المرجعية إلى الهوية رخوة والأشخاص المعنيون بها يستعملونها بوصفها نظامًا تصنيفيًا، ونادرًا ما تصبح مصدرًا أو مرجعية لتسوية المسائل العملية الخصوصية (اقتراض، زواج، تبادل

خدمات... إلخ). وعندما يتعلق الأمر بالأفكار، فإن هذه الهويات الجماعية تُخْتَزل، واقعيًا، في جرد للسمات الثقافية والقوالب

النمطية. حسن رشيق، "الهوية الناعمة والهوية الخشنة"، ترجمة أحمد يعلاوي، إنسانيات، العدد  48–47 (2010)، ص.55–41 3(((داريوش شايغان، أوهام الهوية، ترجمة محمد علي مقلّد (بيروت: دار  الساقي، 1993)، ص.71 3(((بندكت أندرسن، الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب (الدوحة / بيروت: المركز العربي

للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)؛ أليكس ميكشللي، الهوية، ترجمة علي وطفة (دمشق: دار  الوسيم للطباعة،.)1993 3(((يان سبورك، أي مستقبل لعلم الاجتماع؟ في سبيل البحث عن معنى وفهم العالم الاجتماعي، ترجمة حسن منصور الحاج (أبوظبي: كلمة؛ بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2009)، ص.202

نُحاجّ من خلال استقراء تاريخي، وبناء على ملاحظاتنا الميدانية بأن ما يجمع الحراطين، ليس كونهم حرّاطين، بمعنى آخر ليس كونهم عبيدًا سابقين، أو كونهم منخرطين في نشاط فلاحي، لأن هذه الأنماط

أصبحت جزءًا من الماضي، بل ما يربط الحراطين في هوية متخيّلة جامعة، هو رباط اجتماعي مجرّد،

قوامه التراتبية الموجودة في المجتمع التقليدي والمستمرة حتى الآن في معطيات الحياة الاجتماعية: عبر النظرة التي ينظر بها البيضان (الأسياد من بني حسّان والزوايا) إلى الحراطين، ونظرة الحراطين إلى أنفسهم والآخر الذي يمثّله السيد البيضاني، هذه العلاقة الجدلية، هي التي تغذّي وجود شيء أو هوية تسمى الحراطين. أما الرباط الثاني، فهو الأشكال الملموسة للمعاش التي يعتبر الفقر والتهميش أبرز عناوينها وتقاسيمها. ويوضح الجدول (6) ذلك بصورة أكبر بناءً على آراء العيّنة حول الرباط الاجتماعي الذي "يوحّد"

الحراطين في هوية جامعة متخيّلة. الجدول (6) الرابط الاجتماعي عند الحراطين

المجموعالرابط الاجتماعي الذي يشكل هوية الحراطين
الفقر والتهميشعبيد سابقونالدونية الاجتماعية
179150524
1881601018
33022110
4003123652
10078913

الفئات العمرية

المجموع 52 النسبة المئوية 13

المصدر: المرجع نفسه.

بناءً على الجدول (6)، يمكننا أن نستنتج أنَّ نسبة 91 في المئة من العيّنة ترى أن ما يشكّل هوية الحراطين

كرباط اجتماعي هو حالة الفقر والتهميش بدرجة أولى، والدونية الاجتماعية والضيم الاقتصادي والعزلة النفسية بدرجة ثانية، في حين أن نسبة 9 في المئة فقط هي التي اعتبرت صفة الحراطين عبيدًا سابقين، وهي التي تُشكّل هويتهم.

خريطة اجتماعية لتوزيع السكان إثنيًا بحسب الولايات اعتمادًا على إحصاء عام 2013

المصدر: من إعداد الباحث، اعتمادًا على معطيات التعداد الشامل للسكان والمساكن لسنة.2013

رابعًا: إعادة إنتاج التهميش والاستبعاد في بيروقراطية الدولة

جلّ الذين تناولوا نشأة الدولة في موريتانيا اعتبروها تمثيلً سياسيًا واجتماعيًا لعلاقات القوة التي

كانت سابقة عليها، وأنها، أي الدولة الوطنية، أدّت "دور الضامن للنظام الاجتماعي، وخاصة الصلات الموضوعية مع الأرستقراطية التقليدية". وتجَسّدَ ذلك على نحو أوضح من خلال ما  سمّاه فيليب

مارشزين التمالؤ الكبير بين الإدارة والوجهاء واستحواذ التشكيلات الاجتماعية للفئات القيادية على مناصبها كلها. فعلى الرغم من تقدمية النخب الأولى التي تولّت حكم البلاد، برئاسة المحامي المختار ولد دادّاه، فإن منطق تقسيم السلطة قبليًا وجهويًا، وبمراعاة علاقات السلطة التقليدية، هو الذي

(3((فيليب مارشزين، القبائل، الإثنيات والسلطة في موريتانيا، ترجمة محمد بوعليبة الغراب (نواكشوط: جسور للنشر، 2014)، ص.429 (3((المرجع نفسه.

فرض نفسه، وذلك ما ظهر جليًّا في الحكومات التي تعاقبت منذ عام 1960، تاريخ استقلال موريتانيا

من الاحتلال الفرنسي، حتى عام 1986 تاريخ تعيين أول وزير من شريحة الحراطين. وقد كانت تلك الممارسات، المبنيّة على اللامساواة، وعلى استمرار تحكّم القسمة القبلية في الدولة، هي التي فجّرت

أحداث عام 1966 العرقية، عندما اعتبر الزنوج الأفارقة أن البيضان "العرب" يسعون لإقصائهم تدريجيًا.

وفي أثر تلك الممارسات نفسها، برزت إلى المشهد حركات احتجاج وطنية ذات أيديولوجيا ماركسية، كان أهمها الحركة الوطنية الديمقراطية، المعروفة اختصارًا ب "الكادحين"، واكتمل مشهد التمرد، على

منطق قيادة الدولة بالقبيلة، بميلاد حركة "تحرير وانعتاق الحراطين" في الخامس من آذار/ مارس 1978، أي بعد 18 عامًا، بالضبط، من نيل البلاد استقلالها، باعتبارها حركة حقوق مدنية سياسية اجتماعية معنية

بتحقيق المساواة وحصول الحراطين على حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الجدول (7) تمثيل الحراطين في وظائف الدولة السيادية والحيوية (2018–1960)

–2008
–2012
2018
–2005
2007
–1986
2005
–1978
1984
–1960
1978
الفترة الزمنية
الإدارة العمومية
30/230/22 أو 300الوزراء
12210األمستشارون في الرئاسة
10000المستشارون في الوزارة الأولى
11200األسفراء
30/230/130/300االأمناء العامون للوزارات
13/113/113/110الولاة
53/253/253/211الحكّام
151/10
157/18
البرلمان
216/15العمد
القضاء
11000رؤساء المحاكم
171/500كتّاب الضبط الرئيسون
153/40000كتاب الضبط
00000الموثقون
00000المنفذون
التعليم
20000المديرون الجهويون للتعليم
100000المفتشون المحليون
300/20أساتذة التعليم العالي
5 في المئةطلبة التعليم العالي
أ الصحة
600/501100الأطباء
11100المديرون الجهويون للصحة
القطاع العسكري وشبه العسكري
00100قيادة أركان الجيش الوطني
00000قيادة أركان الدرك الوطني
10000قيادة أركان الحرس الوطني
00210قأإادة المناطق العسكرية
00000اأإلإدارة العامة للأمن الوطني
00000الإدارة الجهوية للأمن
140/100000مفوضيات الشرطة
أ رجال الأعمال
0.1 في المئةالبنوك والأعمال الكبرى
الأوضاع الاجتماعية
80 في المئة من
فقراء الحراطين
الفقر
أكثر من 90 في المئة من الحمّالين وخدم المنازل والعمال
اليدويين الممتهنين الأعمال الشاقة والمتدنية الأجر، هم من
شريحة الحراطين
العمالة الرثة
85 في المئة من
الأميين حراطين
–أالأمّية

المصدر: ميثاق الحراطين، الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين (نواكشوط: ميثاق الحراطين، 2014)، ص 7، 8، 9؛ حركة الحر، كتاب أبيض حول ماضي وحاضر ومستقبل الحراطين في موريتانيا (نواكشوط: حركة الحر، 2012)، ص.25

على مستوى التمثيل الحكومي، في حكومات موريتانيا المتعاقبة، يبيّن لنا الجدول (7) أنه منذ الاستقلال

في عام 1960 وحتى عام 1985، لم تشهد الحكومات الموريتانية تمثيلً للحراطين، في أي منصب وزاري. واستمرت الحال على ما هي عليه حتى عام 1986، حيث جرى أول مرة تعيين أول وزير من شريحة الحراطين، في وزارة ثانوية. ولم يزد مستوى تمثيل الحراطين بعدها، في أي حكومة، على وزيرين أو ثلاثة وزراء؛ الأمر الذي كان محلّ انتقاد واسع من طرف المجتمع المدني الحقوقي المهتم بمسألة تهميش الحراطين. وذلك ما تعكسه الأرقام الواردة في الجدول (7)، فإذا أخذنا، على سبيل المثال، مناصب الأمناء العامّين والمستشارين الوزاريين والسفراء والولاة والحكّام، نجد أن معدّل تمثيل الحراطين فيها يراوح بين

1 و 2 منذ الاستقلال وحتى عام 2018. فمن بين 53 حاكمًا في مجموع التراب الموريتاني، نجد 2 من

الحراطين، ومن بين 13 واليًا في مجموع الولايات الموريتانية، نجد واليًا واحدًا فقط من الحراطين. ومن

بين جميع المستشارين في الوزارة الأولى، نجد مستشارًا واحدًا من الحراطين، والأمر نفسه تقريبًا بالنسبة

إلى المستشارين الخاصين برئاسة الجمهورية (ينظر الجدول.)7 أما في البرلمان، فقد راوحت المقاعد التي حصل عليها الحراطين بين 10 مقاعد و 18 مقعدًا من أصل 157 مقعدًا في الجمعية الوطنية الموريتانية "مجلس النواب"، وذلك على مدار الفترة 2018–2008، أي بنسبة تمثيل في البرلمان لا تتجاوز 11 في المئة. ومن بين 216 عمدة، هناك 15 عمدة فقط من الحراطين، بحسب إحصاءات عام.2012 في سلك القضاء، جرى تعيين أول رئيس محكمة من الحراطين في عام 2005، ولم تشهد الأعوام اللاحقة أيّ زيادة لذلك العدد. ومن بين 171 كاتب ضبط رئيسًا، خمسة فقط من الحراطين، بحسب إحصاءات عام

2012 أيضًا. أما بالنسبة إلى الموثقين والمنفذين في المحاكم، فلا وجود لأي تمثيل من الحراطين. وهو ما يعطي انطباعًا قويًا بأن الحراطين مُقْصون من سلك القضاء الذي يعتبر السلطة الثالثة في هرم سلطات

الدولة. وكنتيجة يمكن القول إن تمثيل الحراطين في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية يكاد يكون منعدمًا، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا الوزن الديموغرافي للحراطين، بوصفهم أكبر مجموعة سكانية

عدديًا في موريتانيا، بحسب إحصاءات غير رسمية، مثل إحصاءات وزارة الخارجية الأميركية التي تقول إن

الحراطين يمثلون ما لا يقل عن 45 في المئة من السكان الموريتانيين. أما على مستوى التعليم فإن نسبة طلاب التعليم العالي من الحراطين لا تتجاوز خمسة في المئة فقط، كما تسجّل إحصاءات الهدر المدرسي أن التسرّب المدرسي للتلامذة الحراطين في المراحل

الابتدائية يصل إلى 85 في المئة بمجرّد الوصول إلى السنة السادسة من التعليم الابتدائي؛ وأقل من

10 في المئة منهم يصلون إلى مرحلة البكالوريا في التعليم الثانوي. وأما بشأن إحصائية التعيينات في المناصب الإدارية التعليمية، فمن بين 300 أستاذ تعليم عالٍ في موريتانيا، هناك 20 فقط من الحراطين. ومن المفتشين المحليين، هناك 10، ومن المديرين الجهويين اثنان فقط. ولا يختلف الأمر كثيرًا في قطاع الصحة؛ فمن بين 600 طبيب على كامل التراب الوطني، ثمّة 50 طبيبًا فقط من

3((("موريتانيا: تقرير حقوق الإنسان"، وزارة الخارجية الأميركية، 2017، ص.16

الحراطين. ولا يتجاوز تمثيلهم على مستوى المديرين الجهويين للصحة مديرًا واحدًا من بين 13

مديرًا جهويًا للصحة. أما في ما يخص المؤسستين العسكرية والأمنية فتخبرنا الإحصاءات المتوافرة بأن شخصًا واحدًا من

الحراطين وصل إلى منصب قيادة أركان الجيش؛ وأما قيادة أركان الحرس والدرك الوطنيين فلم يصل أي شخص من الحراطين إلى قيادتهما منذ تأسيسهما، وحتى عام 2018. وينطبق الأمر نفسه على الإدارة العامة للأمن الوطني والإدارة الجهوية للأمن. ومن بين 140 مفوض شرطة، هناك 10 فقط من الحراطين (ينظر الجدول.)7 في قطاع البنوك والأعمال، نسبة رجال الأعمال من الحراطين لا تتجاوز في البلد 0.1 في المئة داخل اتحاد أرباب العمل الموريتانيين. في المقابل، يمثّل الحراطين نسبة 90 في المئة من العمال العاملين ضمن المهن الرثّة والعضلية (حمّالون في الأسواق والميناء، وخدم منازل، وغسيل وإصلاح السيارات، والمعامل... إلخ)، ويشكّل

الحراطين نسبة 80 في المئة من فقراء موريتانيا، و 85 في المئة من الأميين في البلاد. هذا الوضع الذي ميّز تجربة الحراطين مع الدولة، جعل مشكلتهم تتحوّل إلى قضية معرفية، خاصة

بالنسبة إلى الدراسات السوسيولوجية، وفي هذا الصدد، أجريت دراسة مشكلة الحراطين في إطار مقاربتين رئيستين: المقاربة الأولى تنطلق من الأعيان، لتصل إلى الأتباع، وكان التركيز فيها أساسًا على

الأعيان، وركّزت المقاربة الثانية على المهمّشين الجدد في إطار البنية الجديدة للشغل والاقتصاد،

ووصلت إلى مفارقة تتمثّل في "إعادة إنتاج الأوضاع الاجتماعية السابقة على الدولة واقتصادها الحديث ضمن الدولة الحديثة ذاتها"، وهذا شأن الدراسات ذات "النّفس الماركسي" في السياق الموريتاني. نقترح، إضافةً إلى المقاربتين المشار إليهما آنفًا، مقاربة الحراك الاجتماعي مدخلً إضافيًا لفهم طبيعة

الحراك الاجتماعي صعودًا أو هبوطًا في سلّم التراتبية الاجتماعية بالنسبة إلى مجتمع الحراطين.

خامسًا: تحولات المكانة الاجتماعية للحراطين

تحولّات المكانة الاجتماعية، هي أحد تجلّيات مظاهر الحراك الاجتماعي في المجتمع الموريتاني

عمومًا، وفي مجتمع الحراطين بصورة خاصة. فالانتقال من بيئة البادية والريف إلى بيئة المدينة أحدث

تغيّرات ملحوظة في أوضاع الحراطين الاجتماعية، وسنبرز في ما يلي العوامل التي نراها وراء النقلة

السوسيولوجية لمجتمع الحراطين على نحو خاص.

1. الهجرة الداخلية وآثارها في الحراطين

شهدت نهاية القرن العشرين موجات هجرة واسعة في صفوف الحراطين، هربًا من واقع العبودية،

ومن القبيلة، باعتبارها تنظيمًا اجتماعيًا حاضنًا للعبودية. وقد وُصفت هذه الهجرات بتمرّد العبيد على

الأسياد، لكننا نفضّل استعمال مفهوم الهجرة لوصف هذا الحراك، وذلك لأنّ الشخص أو الحرطاني

الذي قرّر مغادرة القبيلة، إنما غادرها بفعل تخلخل نظام القبيلة، وبمعنى آخر عجزها وعجز الأسياد عن

الوفاء بتوفير الحماية وخدمات الإعالة والرعاية. حالات عديدة من فرار العبيد ارتبطت بتعرّض القبائل التي يوجدون فيها للغزو والنهب، ما اضطرّ العبيد

إلى الهروب، خوفًا من الوقوع في الأسر والتعرض لرقاٍّ جديد، غالبًا م سيكون أشدّ جفاء وقسوة،

نظرًا إلى أن العبد الجديد للقبيلة مفتقد شبكة العلاقات، أو ما تسمّيه بعض الأدبيات، "وُدّ الرفقة"، هذا

فضلً عن دخوله مجال منافسين جدد، وهم "عبيد القبيلة الأصليون"، ما يجعله عرضة لعنف مضاعف، ولذلك يفضّل عبيد القبيلة المنهوبة والمنهزمة الفرار والاستقلال؛ ولو لم يكن لهم سابق عهد بالعيش مستقلين، بسبب عدم تمرّسهم على القتال، في ظل سياق قبلي قائم على نظام الغزو والنهب. والسبب

في عدم تمرّس العبيد على القتال، هو أن تقاليد القبائل الموريتانية تمنع عليهم حمل السلاح والمشاركة

في الغارات والمعارك. أما العامل الآخر وراء هجر العبيد لأسيادهم، فقد تمثّل في عمليات الإفقار التي شملت بعض القبائل، ما اضطرّها إلى التخلّص من عبيدها، بوصفها جزءًا من عملية تخفيف الأعباء. ويعتبر هذا العامل

أحد أبرز العوامل وراء تحرّر العبيد في موريتانيا. ويضاف إليه مساندة الاحتلال الفرنسي، مع دخوله

موريتانيا في عام 1902، على دعم موجة تحرر العبيد وإيوائهم في مناطق معزولة عن نطاق سيطرة القبائل، سُمّيت قرى الحرية أو "آدوابه"، لكنها تجربة لم تعمّر طويلً، بسبب تخلّي المستعمِر الفرنسي

عن دعم تحرير العبيد، خاصّة بعد أن وطّد علاقاته بمجتمع الأسياد. يمكن أن نسمّي هذا النمط الأوّل من الهجرة هجرة داخلية؛ فقد نتج منه استقلال العبيد في أماكن إقامة

خاصّة بهم، عُرفت في موريتانيا بالأدبايات، أي قرى تجمّع الحراطين والعبيد السابقين، ولا تزال ظاهرة

تجمعات الأرقّاء السابقين موجودة حتى اليوم؛ وهي ظاهرة جديرة بالدراسة؛ وذلك نظرًا إلى مستوى

الفقر والإفقار والتهميش الموجود في تلك التجمعات البعيدة عن مراكز المدن، حيث مستوى التعليم ضعيف، والخدمات الصحية والأساسية غائبة. لكن أكبر عملية من عمليات الهجرة الداخلية للحراطين، كانت في نهاية ستينيات القرن العشرين ومنتصف سبعينياته بسبب الجفاف الذي ضرب موريتانيا وأدى إلى استنزاف الريف واكتظاظ المدن، وعلى وجه التحديد العاصمة نواكشوط، بالسكان. وكان "الحراطين" غالبية المهاجرين؛ لذلك استوطنوا الأماكن الطرفية في العاصمة وشكّلوا ظاهرة أحياء الصفيح التي كانت تُعرف ب "الكبّات".

فبحسب المتخصصّين الجغرافيين والاجتماعيين، فإن ظاهرة التحضر السريع التي أدّى إليها الجفاف

في الستينيات والسبعينيات ونشأة سوق للعمل، كانت عوامل مباشرة للهجرة المكثفة للعبيد الرعاة والمزارعين والمشتغلين بالواحات الذين كانوا أول المتأثرين بتدهور الظروف الاقتصادية المحلية.

(38) Bonte, pp. 118–129.

(3((المنصف ونّاس، الجمعيات في موريتانيا (تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2022). [دراسة مرقونة]

(40) Bonte.

لقد أصبحت العاصمة نواكشوط "مدينةً مثقلةً بالسكان الوافدين من الريف، في المراحل الأولى، دون أن تكون التهيئة الحضرية قد عرفت طريقها إليها، مما أضاف تعقيدات جديدة إلى واقعها الأصلي الذي لم يضع أصحابه في الاعتبار انعكاسات النمو المستقبلي للسكان وتوزّعهم عبر المكان"، ولعل ذلك ما أدى بالخبير الديموغرافي جون آرنود إلى تشبيه نواكشوط بمدينة أشباح، "نتيجة تدنّي مستويات الحياة فيها، جرّاء تراكم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وغياب الخدمات

القاعدية الأساسية، وتكدّس مساكن المهاجرين في أحياء مبعثرة فيها". كانت هجرة الحراطين إلى المدن عاملً أساسيًا من عوامل توفير اليد العاملة للمصانع والورشات ونقل

البضائع في الموانئ والأسواق. ورافقها أيضًا ظهور مِهَن جديدة تكاد تكون حكرًا على الحراطين، مثل

مهنة اللّحامة والغسّالة والجزّارين والحرّاس، وأصبحوا بفعل ذلك يشكّلون القاعدة العريضة للجيش

الموريتاني وقوات الحرس والشرطة، باعتبارهم جنودًا.

2. الهجرة الخارجية وآثارها الاجتماعية في مجتمع الحراطين

نالت موريتانيا استقلالها عن فرنسا في عام 1960، وقبل هذه الفترة بعقد من الزمن، قامت مجموعات من الحراطين بهجرات خارجية، كانت معظمها إلى بلدان أفريقية، مثل مالي والسنغال وساحل العاج. وقد شكّلت هذه الهجرة الخارجية فرصة لتغيير الأوضاع الاجتماعية، حيث عمل المهاجرون

الأُول من الحراطين في التجارة والمهن الخدميّة، وبذلك أصبحوا، أوّل مرة، بعد تحرّرهم من العبودية

عمّلً مستقلّين، في مقابل أجر مادي معلوم. وهذا في حدّ ذاته يعتبر تغيّرًا سوسيولوجيًا مهمًّا، من جهة

تثمين عمل الحراطين، وتصنيفه في نطاق العمل المأجور. وإذا كان المهاجرون من البيضان يمارسون حصرًا التجارة، واحتكروا قطاعات تجارية بعينها في عاصمة

السنغال، داكار، على سبيل المثال، فإنّه يُعرف عن الحراطين قبولهم بأيّ عمل يتطلّب قوّة بدنية، "فغالبًا

ما يكونون مستأجرين في المسالخ، وتعمل نساؤهم في دباغة الجلود، لأنهم في العادة وحدهم من يأتون معهم بعائلاتهم، وهم أيضًا من تتراخى غالبًا روابطهم بالقبيلة الأصليّة". لا تعطينا الإحصاءات المتوافرة عن هذه الفترة معلومات دقيقة عن فئات المهاجرين وأصولهم، ومع ذلك، فإن عدد المهاجرين الموريتانيين في السنغال وحدها كان 20 ألف مهاجر في عام 1944، ووصل إلى 30 ألف مهاجر في البلد نفسه، في عام 1959. ووصلت نسبة الموريتانيين المهاجرين، قبل الاستقلال في عام 1960 إلى 40 في المئة على الأقل.

(4((سيدي عبد  الله المحبوبي، "الهجرات الداخلية والتنمية في الجمهورية الإس مااية الموريتانية"، أطروحة دكتوراه دولة في الجغرافيا، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس،.1997

(42) Jean Arnaud, Profile démographique des villes de Mauritanie d’après l’enquête urbain de 1975 (Dakar: Bulletin de L’institut fondamental d’Afrique noire, 1976), p. 619.

4(((الجمهورية الإس مااية الموريتانية: دراسة مسحية شاملة (تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛ معهد البحوث والدراسات العربية، 1978)، ص.369 (4((دي شاسيه، ص.91 ((4(المرجع نفسه، ص.90

لهذه الهجرة، كما يقول دي شاسيه، دوافع اقتصادية أساسًا، أشرنا إلى بعض أسبابها آنفًا، مثل الفقر

والجفاف والمجاعة التي لا تترك للإنسان خيارًا غير الهجرة، لكنّ هنالك دافعًا آخر مهمًّا أيضًا، وهو

"الوعي بإمكانية كسب المعاش بطريقة أيسر وأسرع، وهذا الدافع أساسًا يكون أكبر لدى سكّان

الحضر، أكثر منه لدى سكّان الصحراء البدو". المهاجر الموريتاني على صلة وطيدة بمسقط رأسه؛ ولذلك يعود عمله بالنفع على أهله الذين يتركهم في بلاده طوال فترة غيابه عنهم، بناءً عليه، فإن أيّ تحسّن في أوضاعه الاجتماعية المادية ينعكس

بالضرورة على محيطه الاجتماعي الضيّق. في المتوسّط، تستغرق هجرة الجيل الأول من المهاجرين الحراطين مدة تراوح بين 10 أعوام و 15

عامًا؛ يعودون بعدها ليستقروا في موريتانيا. وغالبًا ما يتوجّهون بعد عودتهم إلى المدينة لافتتاح مشروع

خاص، تجاري أو خدمي أو عمل مهني؛ يعود بدخل مستمر. وقد انعكس ذلك في أمرين: تملّك المنازل ودفْع أبنائهم للالتحاق بالمدارس الحديثة والاستمرار في التمدرس من دون انقطاع؛ وهذا ما ساهم في تخفيف ظاهرة الهدر المدرسي التي تنتشر بين أبناء الحراطين الذين يغادر معظمهم مقاعد الدراسة من دون إكمال المرحلة الابتدائية، وفي أحسن الأحوال المرحلة الإعدادية من التعليم.

3. التعليم

مرّت المدرسة الموريتانية بمراحل عدة: مرحلة المدرسة الفرنسية: في الفترة 1961–1902، ومرحلة

المدرسة الوطنية مطلع ستينيات القرن الماضي، ومرحلة المدرسة المختلطة وانتشار المدرسة الخاصّة

في تسعينيات القرن العشرين. جرى صوغ المدرسة الوطنية الموريتانية بناءً على نموذج المدرسة الجمهورية العمومية التي تكوّن

جميع أبناء الشعب، انطلاقًا من حاجة الدولة إلى أطر وموظفين وإداريين ومعلمين أكفاء. وكانت الخطوة الأولى والأساسية للقيام بذلك هي خلق بنية تحتية مناسبة وتحقيق الانتشار الكافي للمدرسة، حيث تغطّي جهات البلاد الأربع، وهو ما كان صعبًا للغاية، في بلد ممتد الأرجاء، ويتّسم سكّانه

بالانتقال المستمر، وبالتباعد بين تجمع سكاني وآخر عشرات الكيلومترات، وبكثافة سكّانية ضئيلة، هذا فضلً عن عدم وجود ميزانية كافية لسد حاجات التعليم الجديدة. مع ذلك، حظيت كل ولاية من ولايات موريتانيا بمدرسة وطنية توفّر التكوين الابتدائي والمتوسّط.

وشجّعت الدولة المواطنين على تسجيل أبنائهم في السجلات المدرسية والحرص على متابعة

حضورهم واستمرارهم في المدرسة. بحسب جدول إحصائي أعدّه فرانسيس دي شاسيه في الفترة 1968–1960، بناءً على الأصول الاجتماعية

(4((المرجع نفسه، ص.91

(47) Ba Oumar Moussa, Noirs et Beydanes Mauritaniens: L’école, creuset de la nation? (Paris: L’Harmattan, 1993), p. 67.

للطلاب في مرحلة السلك الثاني، يتبيّن مدى الحضور الضعيف لأبناء الحراطين الذين يغادر معظمهم

التعليم من دون إكمال المرحلة الابتدائية، وذلك في ظل المدرسة الجمهورية. الجدول (8) الجمهور المدرسي في السلك الثاني بحسب مرجعية الأصل الاجتماعي الأصل الاجتماعي التقليدي

النسبة المئوية

الأصل الاجتماعي التقليديالنسبة المئوية
أهل الشوكة "حسّان"6
الزوايا27
تاوروبي14
نبلاء آخرون
إثنية زنجية16
صيادو سوبالبي5
مجموع النبلاء68
إيكاون1
صناع تقليديون "معلمون"0
حرفي0
محرّرون "حراطين"6
مسترق/ عبد1
آخرون2
المجموع10
من دون جواب أو جواب غير دقيق22

المصدر: فرانسيس دي شاسيه، موريتانيا من 1900 إلى 1975، ترجمة محمد بوعليبة الغراب (نواكشوط: دار النشر جسور، 2013)، ص.335

كان الوصول إلى الشهادة الإعدادية وحتى الابتدائية إنجازًا في حدّ ذاته، فقد كانت تلك الشهادة تمكّن صاحبها من الالتحاق بمدرسة تكوين المعلّمين بوصفه معلّمًا. أما الشهادة الثانوية فكانت تسمح لحاملها

بالتدريس في مدارس تكوين المعلّمين، والحصول بيُسر على منصب رفيع في سلك الوظيفة العمومية،

وإذا كان أكثر حظًا، فإنه يحصل على منحة خارجية لإكمال المرحلة الأولى من تعليمه الجامعي. كانت المدرسة الوطنية في تلك الفترة مدرجًا للصعود الاجتماعي، وكانت الشهادات المدرسية كافية

لتحقيق الحراك الاجتماعي الصاعد. وذلك نتيجة لأمرين: أولهما التنافسية وصعوبة النجاح، وثانيهما حاجة القطاع العمومي وجهاز الدولة الإداري إلى الموظّفين بصورة كبيرة لسدّ فراغ خروج المستعمر. ولذلك ليس من المفاجئ أنّ جلّ المكوِّنين في مدارس تكوين الأساتذة والمعلمين والمدرسة الوطنية للإدارة

كانوا من جنسيات عربية ومغاربية خاصة. واستمرت تلك الحال حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي. لكن هذه القيمة الاعتبارية للشهادات المدرسية ستتراجع مع تشبّع الوظيفة العمومية بالموظفين، الأمر

الذي سيقود إلى ظاهرة يسمّيها خلدون النقيب "مرض الشهادات المزمن"، وهي ظاهرة تكدّس حملة

الشهادات بالمئات والآلاف مع فرص محدودة للتوظيف. وبذلك، بدأت المدرسة الموريتانية تفقد بعض قيمتها في الحراك الاجتماعي، خاصّة مع تعقد الوسائل المؤدية إلى الوظيفة. لقد استفاد قطاع معتبر من أبناء الحراطين من الفترة المتألّقة التي مرّت بها المدرسة العمومية،

واستطاعوا شقّ طريقهم نحو التميز وتحقيق الحراك الاجتماعي والاقتصادي الصاعد الذي ساهم في تغيير أوضاعهم. وبدأ هؤلاء يشكّلون أحد ملامح الطبقة الوسطى التي بدأت تتخلّق وتنمو، قبل أن تبدأ في الانكماش والتراجع لأسباب عديدة سنتطرّق إليها في مبحث قادم. لكن في المقابل بقي

قطاع عريض من أبناء الحراطين بعيدًا كلّ البعد عن التمدرس، خاصّة في الأوساط الريفية والأماكن

النائية التي لا توجد فيها مدارس، هذا فضلً عن نسبة التسرّب المدرسي بين أبناء الحراطين الذين

يلتحقون بالمدرسة، حيث لا يتجاوز أكثر من 85 في المئة منهم مرحلة التعليم الابتدائي، نتيجة أسباب مختلفة. ويمكن القول إن الفقر أبرزها، حيث تكون الأسرة في حاجة إلى جهد أبنائها، فتدفعهم إلى العمل المبكر، ما يضطرهم إلى مغادرة مقاعد الدراسة. ثمّة ظاهرة أخرى تتمثل في أن معظم الحراطين الذين وصلوا إلى مراحل تعليمية متقدّمة، ما كان لهم أن

يصلوا إليها لولا التضحية بالمستقبل المدرسي لاثنين أو ثلاثة من إخوتهم؛ وذلك بسبب تقارب حالات الإنجاب. وتؤكد هذه الحالات رغبة الأسرة في مواصلة أبنائها مشوارهم الدراسي. لكن ضغط الظروف الاجتماعية والمعيشية يحول دون ذلك، فيُبقون على أحد الأبناء في المدرسة على أمل أن يُكمل

دراسته، ويُساهم في تغيير أوضاع أسرته إلى الأحسن. وهو ما ينمّ عن ثقة كبيرة بالمدرسة باعتبارها

وسيلة للترقي والصعود الاجتماعيَين. أدّى التسرب المدرسي واستثناء أماكن وجود الحراطين من وجود مدارس مكتملة المراحل مع استفحال ظاهرة الفقر والأمية بينهم وعلوّ نبرة الاحتجاج الحقوقي والدولي على أوضاع الحراطين في موريتانيا،

إلى تبني الدولة الموريتانية سياسات التمييز الإيجابي، وقد شملت هذه السياسات التعليم، فنشأت وكالة التضامن لمكافحة آثار الرق، وتستهدف في الأساس المناطق التي يوجد فيها الحراطين بآدوابه، وما يسمّى

مناطق الظل في العاصمة نواكشوط وعواصم باقي الولايات التي تشهد وجودًا ديموغرافيًا كبيرًا للحراطين. بحسب معلومات مصدرها وزير سابق للتعليم العالي في موريتانيا "فإن ما  يربو على عشرة مليارات أوقية كانت في وقت ما  ميزانية وكالة التضامن. هذا المبلغ كافٍ لتمويل المناطق ذات الأولوية التربوية

(4((علي أسعد وطفة، "إشكاليات التربية العربية في فكر خلدون النقيب"، إضافات، العدد  21–20 (خريف وشتاء 2012)، ص.68 ((4(عبد  النور إدريس، سوسيولوجيا التمايز: ظاهرة الهدر المدرسي بالمغرب (مكناس: دفاتر الاختلاف،.)2016 ((5(ب. ع.، وزير ومستشار سابق في وكالة التضامن لمكافحة آثار الرق وأحد أهم نخب الحراطين في موريتانيا، مقابلة شخصية، نواكشوط،.2017/9/11

ومباشرة المساعي في استئصال المشكلة من جذورها: توفير تعليم ملائم لأبناء آدوابه ومناطق الظل في العاصمة والمدن الكبيرة والأرياف، بشكل يعوّض الفرق في فرص التعليم بينهم وبين نظرائهم الذين هم

أكثر حظًا". على هذا الأساس أو التقييم، فإن هذه المؤسسة المكلفة في الأساس بمكافحة آثار الاسترقاق، التي تملك موارد كبيرة لإنجاز مهمتها، عانت التسييس، وتُطلَق هذه العبارة في العادة من طرف المسؤولين الحكوميين للإشارة إلى "فساد من نوع ما". ما جعل هذه المؤسسة "تتحول منذ البداية إلى وكالة سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمعالجة آثار الاسترقاق، لتبقى مشكلة الحراطين دائمًا سلاحًا ذا حدين

وبؤرة صداع وألم لا ينتهي، مع علمنا الكامل بطبيعة الداء وتوافر الدواء". يضيف المسؤول الحكومي السابق نفسه في وكالة التضامن، فيقول: إنّ الوكالة فشلت "في معالجة آثار الاسترقاق لغياب الرؤية والتخطيط الواضح، فأين ذهبت المليارات المخصصة لوكالة التضامن"، خاصة أنها لم تفعّل بحسب ذلك المصدر "البند المتعلق بالمناطق ذات الأولية التربوية من خريطة الطريق الخاصة بالقضاء على آثار الرق". أما مرحلة المدرسة المختلطة وانتشار المدرسة الخاصّة، فقد بدأت مع تراجع المدرسة العمومية،

وذلك في بداية التسعينيات بالتحديد، حيث توجّهت الأسر الميسورة بأبنائها إلى المدارس الحرّة التي

بدأت تنتشر أولً في العاصمة نواكشوط والعاصمة الاقتصادية نواذيبو، وخاصة في الأحياء الميسورة، قبل أن تجد طريقها إلى المدن الداخلية، وتصبح منافسًا شرسًا للمدرسة العمومية التي أصبحت

للمفارقة مكانًا يرتاده أبناء الفئات الاجتماعية الفقيرة فحسب، وغالبيتهم من الحراطين؛ وذلك بسبب تدني المستويات التعليمية ومستوى الإهمال الكبير والمتعمّد فيها. أصبحت المدارس الخاصّة اليوم توفّر المستويات التعليمية كلها، بدءًا من الروضة، وصولً إلى

البكالوريا. ولا تقتصر هذه المدارس الخاصة على المدارس ذات المنشأ الموريتاني، بل أصبحت سوقًا تُنافس فيها المدارس الأجنبية التي يتوجّه إليها أبناء الوزراء والمسؤولين السامين في المؤسستين

العسكرية والمدنية. وتتميز هذه المدارس بتكلفتها العالية، وقد تمكّنت من سحب خيرة الأساتذة في المدرسة العمومية إليها، حيث يقوم الأستاذ والمعلّم فيها بجهد مضاعف؛ وفي المقابل يتساهل في الحضور إلى المدرسة العمومية، ولا يبدي حرصًا كبيرًا على المادة العلمية والتربوية التي يقدّمها فيها.

لقد تعزّزت هذه الفروق المدرسية أكثر بلجوء الدولة الموريتانية إلى تجربة مدارس وثانويات الامتياز

التي تقوم فكرتها على اختيار أفضل الطلاب في المدارس العادية، عبر امتحانات وطنية، وإعداد أقسام خاصّة بهم، والدفع بأفضل الأساتذة للإشراف عليهم، مع تقديم علاوات خاصّة لهم، ومنح طلّبها

مستحقات مالية لتشجيعهم. ومع هذه المدارس انطلقت تجربة الثانويات العسكرية. ومن الملاحظ أن

((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه.

فرص أبناء الضباط للالتحاق بالمؤسسة العسكرية أعلى بكثير من نسبة التلامذة القادمين من أوساط مدنية في هذه المدارس. وأما بالنسبة إلى ثانويات الامتياز، فوجود الحراطين فيها محدود، ولا يمثّلون إلّ نسبة 3 في المئة تقريبًا. تطرّق أحد وزراء التعليم العالي السابقين إلى ظاهرة مدارس الامتياز وإرسال الطلاب للدراسة في

الخارج، معتبرًا أن ثمة خاصية مشتركة بينهما، "فكلاهما إفقار لمنظومتنا التعليمية الوطنية، في الوقت

الذي نحتاج فيه إلى تعليم أساسي يمنح حظوظًا متساوية للجميع وتعليم عالٍ يتلاءم مع خصوصياتنا وحاجاتنا التنموية". تتعارض تجربة مدارس الامتياز من هذا المنظور، بحسب المهتمين بالشأن التعليمي والتربوي في موريتانيا، "مع نمط التعليم الذي نحتاج إليه في الوقت الراهن وهو التعليم الجمهوري الذي يمنح حظوظًا متساوية للجميع، ومع الهدف الذي يجب أن يكون هو الأهم للمدرسة في هذه المرحلة، ألا وهو الاندماج الاجتماعي في ظل التمزّقات الحالية التي يشهدها النسيج الاجتماعي للبلد". يعتبر هذا المسؤول السابق نفسه، أنه: "ما دامت مدارس الامتياز قائمةً، فلن تقوم للمدرسة الجمهورية قائمةٌ، لأنها في الواقع إفقار للتعليم وتجذير للفوارق الاجتماعية: حضور شبه مطلق لمكونة اجتماعية واحدة من مكونات المجتمع، بل لمكوّن فرعي واحد من تلك المكونة ذاتها بنسبة قد تزيد على 98 في

المئة". لا يخفي قطاع كبير من المنتسبين إلى المؤسسة التربوية قلقهم من تجربة مدارس الامتياز، بل يعتبر بعضهم أنها أنشأت بالفعل مدرسة موريتانية "ثنائية السرعات"، أي مدرسة عمومية هي الأصل بلا مستقبل ولا تواكب المستجدات ولا تلبّي التطلّعات، في مقابل مدرسة عمومية أخرى خاصة ب "المتميّزين"،

تسخّر لها الإمكانيات ويحظى منتسبوها بعناية خاصة. ويزيد هذا الشرخ من ضعف المدرسة العمومية بعد منافستها من طرف المدارس المحلّية والدولية الخاصة، وبعد اعتماد نظام ثنائي الدراسة: عربي وفرنسي، بعد ما يسمى إصلاح عام 1999 الذي قام بفرز الطلاب على أساس عرقي أولً، ثم على أساس مادي ثانيًا، فأصبح أبناء الأغنياء يدرسون في المدارس الفرنسية، بينما خُدع أبناء الفئات الفقيرة

والمتوسطة بالتعريب الذي لم يكن إلّ شكليًا، فبقيت الإدارة فرنسية اللسان والقلم، وبقيت الأولوية

في التوظيف لمن يتقنون الفرنسية، بينما تعرّض المتعربون لنوع من الإقصاء الممنهج، وبعد استفحال

الخطر عادت الدولة لتلافي الخلل إلى نظام مزدوج، تدرّس فيه مواد العلوم والرياضيات بالفرنسية

والمواد الأدبية بالعربية، وهو ما فاقم المشكلة أكثر بشهادة التربويين، فلم يتقن الطلاب اللغة العربية، ولا أتقنوا الفرنسية؛ وهو ما يدق ناقوس الخطر، وينذر بأزمة كبرى في التعليم الذي اتّسع خرقه على الإصلاحات الترقيعية والترميمية.

((5(البكاي عبد المالك، أستاذ جامعي ووزير سابق للتعليم العالي، مقابلة شخصية، نواكشوط،.2017/9/11 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه.

بقيت الحسابات السياسية تؤدي دورًا خطرًا على التعليم، بسبب الصراع العرقي بين مكوّنة عربية، تحاول

تعريب المناهج لمصلحة ما تعتبره الأكثرية، ومكوّنة زنجية أفريقية، تعتبر التعريب قضاءً على مكتسباتها

وهدرًا لمستقبل أبنائها، فلاذت الدولة بالإصلاحات الخجولة التي أنتجت نظامَ تعليم ثنائيًا لا  يلبّي

حاجات الاندماج الاجتماعي بين المكوّنات الاجتماعية، بل يزيد في تفتيتها شيئًا فشيئًا؛ ما أنتج ثنائيات

التعليم الفرنسي، في مقابل التعليم العربي، وتعليم الأغنياء "المدارس الخاصة الأجنبية والمحلية"، في مقابل تعليم الفقراء "المدارس العامة"، ثم تعليم "المتميزين" في مقابل تعليم الآخرين.

سادسًا: مقارنات جيلية لأنماط الحراك الاجتماعي لدى حراطين موريتانيا

1. التعليم والنضال أهم رافعتين للحراك الاجتماعي في موريتانيا

في المقابلات التي أجريتها مع الجيل الأول والثاني من نخب الحراطين، وجدت أنّ الحصول على شهادة متوسطة أو عليا في التعليم، إضافة إلى الانخراط في النضال الحقوقي أو السياسي، كان قاسمًا

مشتركًا وسببًا مباشرًا في تحقيق حراك اجتماعي مهم، على الرغم من العوائق التي تواجههم والتكلفة

الاجتماعية والسياسية لنضالهم الموجّه في الدرجة الأولى ضد النظام السياسي الحاكم الذي يتحكّم

في الموارد والوظائف والتعيينات. قلّة قليلة من أبناء الجيل الأول استطاعت الالتحاق بالمدرسة العمومية، وقد أدركنا في هذا البحث ستة منهم، اثنان تمكّنا من الحصول على شهادة ختم الدروس الإعدادية "بريفيه"، واثنان حصلا على شهادة جامعية، بينما حصل الاثنان الباقيان على الشهادة الابتدائية "كونكور". أحدهم أصبح زعيمًا سياسيًا

ورئيسًا لحزب سياسي، وأصبح أول فرد من الحراطين يتولّى وظيفة إدارية وينال حقيبة وزارية في عام

1984. ولم يتولَّ هذا المنصب بناءً على مؤهلاته العلمية فحسب، بل أساسًا بسبب نضاله السياسي في

حركة الحر التي أسّست في سبعينيات القرن العشرين، وتحديدًا في الخامس من آذارُ/ مارس 1978،

حيث خاضت حركة تحرير الحراطين الموريتانيين المعروفة بحركة الحُر نض لً مريرًا في ثمانينيات

القرن الماضي من أجل نيل الحراطين حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد برزت في هذا المجال مجموعة من الأسماء الفاعلة التي تنتمي إلى نخب الجيل الأول، أبرزها: مسعود ولد بلخير أول وزير من شريحة الحراطين (1988–1984)، وبوبكر ولد مسعود وهو مهندس ويرأس حاليًا منظمة نجدة العبيد، دخل المدرسة خلسةً وهو تحت العبودية ويتمتع حاليًا برمزية

حقوقية كبرى في موريتانيا. يُضاف إلى هذه المجموعة الساموري ولد بيّه وهو حاليًا ناشط سياسي

ورجل أعمال، والصغير ولد امبارك وهو أول حرطاني يعيّن رئيسًا للوزراء في موريتانيا (–2003

(57) Moktar Ould Daddah, La Mauritanie contre vents et marées (Paris: Karthala, 2003), p. 215. (58) Boudon. (59) De Chassey, p. 314.

2005) بعد أن أصبح جزءًا من النظام السياسي في فترة حكم معاوية ولد الطايع (2005–1984)،

وبعد خروجه من حركة الحر، حيث سعى النظام الموريتاني تحت وطأة مطالب الحراطين بالإنصاف والتمثيل المتكافئ في المناصب السياسية والمساواة لاستيعاب النزعة الاحتجاجية الوليدة والمتنامية من خلال منح بعض المناصب الوزارية والإدارية لبعض نخب الحراطين؛ أي استخدام التعيين في عملية استيعاب الاحتجاج من جهة، وتكريس زبونية سياسية قائمة على مقايضة الولاء بالمصالح من جهة أخرى، ويرتبط ما نسميه بالحراك الثقيل بالزبونية السياسية في سياق مجتمعاتنا العربية عمومًا، والمجتمع الموريتاني خصوصًا.

2. ديناميات الحراك والانتقال بالنسبة إلى الجيل الأول من نخبة الحراطين

بناءً على معلومات المقابلات التي أجريت مع المستجيبين، في إمكاننا الحديث عن ثلاث دينامياتُ

كانت وراء تحقيق الحراك الصاعد لجيل النخبة الأول والثاني من الحراطين. الدينامية الأولى في هذا الصدد هي الطموح الشخصي والقدرات الذاتية الفردية النابعة من التصميم والمثابرة والسعي الحثيث لتغيير الوضع الاجتماعي. أما الدينامية الثانية، فهي دينامية تعليمية، تتعلق بمراكمة المعارف وتحصيل الشهادات التي تجعل من صاحبها مؤهلً للمنافسة وقادرًا على نيل الاعتراف. أما الدينامية الثالثة، فهي دينامية سياسية، فالانخراط السياسي المبكّر لنخب الجيل الأول جعله رقمًا صعبًا يصعب تجاوزه في التعيينات وتقسيم المناصب، خاصة أنه يعتبر أيضًا بصورة عامة جزءًا

من الجيل الأول من حملة الشهادات الموريتانيين الذين كانت فرص التحاقهم بالوظائف الإدارية والتعليمية ميسّرة بفعل الحاجة الكبيرة إليها في حينها. الجدول (9) تفسير الجيل الأول لأسباب حركيته الاجتماعية بماذا تفسّر نجاحك وترقّيك الاجتماعي؟

المجموعبماذا تفسّر نجاحك وترقّيك الاجتماعي؟المستوى
االتعليمي
الكاريزما
الشخصية
الطموح
والمقومات
الذاتية
التعليم
والشهادات
الحظ
والصدفة
مكانة الأسرة
الاجتماعية
702302ابتدائي
611301إعدادي
1203702ثانوي
300201جامعي
28161506المجموع
1003.5721.4253.57021.42النسبة

المصدر: نتائج الدراسة الميدانية.

بالنظر إلى نتائج الجدول (9)، فإن الطموح الشخصي يعتبر عاملً في تحقيق الصعود الاجتماعي بالنسبة إلى المستجيبين بنسبة 46 في المئة، فكون المكانة الاجتماعية للأسرة كانت عاملً يعني أن وضع الخصاصة والمعاناة كان حافزًا نفسيًا ودافعًا قويًا لتغيير الوضع الشخصي الذي يترتب عليه في

معظم الأحيان تغيير أوضاع العائلة الممتدة للشخص الذي يحقق حراكًا اجتماعيًا ثقيلً. لكن في الآن

نفسه، فقد اعتبرت نسبة 53 في المئة أن نيل شهادات مدرسية كان عاملً حاسمًا في تحقيقهم الحراك الاجتماعي الصاعد. لكن مسألة ارتباط الحراك بالتعليم والشهادات المدرسية تثير إشكالات عدة، فبينما لاحظنا أن جميع أفراد الجيل الأول حققوا حراكًا صاعدًا بمجرد حصولهم على شهادة مدرسية مهما كانت صغيرة، فإن عددًا كبيرًا من حملة الشهادات الجامعية والمتوسطة الآن يعانون البطالة ويجدون صعوبة كبرى

في تغيير أوضاعهم الاجتماعية. فهل فقدت الشهادات قيمتها في تحقيق الحراك الاجتماعي؟ أم للأمر علاقة بدخول متغيرات جديدة؟ أم أن التعليم بمخرجاته لم يعد يلبّي حاجات السوق؟ أم للأمر

علاقة بتشبّع الوظيفة العمومية، في مقابل ركود التوظيف وضموره في القطاع الخاص؟ لاحظ عدد من الدارسين أنّ الشهادات المدرسية تكتسي قيمة عالية بالنسبة إلى الفترة المبكّرة من حياة الدولة الوطنية، نتيجة التقدير الكبير للشهادات المدرسية وللعملية التعليمية اجتماعيًا،

ونتيجة أيضًا لحاجة الدولة الناشئة إلى يد عاملة مكوّنة، لكن قيمة الشهادات المدرسية في هذا النمط من الحالات سرعان ما تبدأ في التراجع مع ارتفاع عدد المتمدرسين والملتحقين بالنظام التعليمي وتزايد عدد حملة الشهادات على نحو كبير، فقد حدثت طفرة كبيرة في حملة الشهادات في تسعينيات القرن العشرين جعلت التنافس الوظيفي عند أعلى مستوياته، خاصة مع تراجع حاجة الوظيفة العمومية إلى يد عاملة وتقلّص إمكانياتها في استيعاب عدد جديد كبير، فبحسب إحصاءات رسمية، فإن عدد الوظائف المطلوبة سنويًا لقطاع الوظيفة العمومية لا يتجاوز ال 1300 وظيفة عمومية، من دون أن تكون لدينا معلومات دقيقة بشأن الكتلة الوظيفية في القطاع الخاص سنويًا، بينما تتصاعد تدريجيًا نسبة اليد العاملة المتاحة للتشغيل، التي يمثل حملة الشهادات منها

60 ألف سنويًا، وذلك ما تدل عليه نسبة البطالة المرتفعة التي بلغت بحسب إحصاءات دولية 31 في المئة.

3. ديناميات الحراك بالنسبة إلى الجيل الثالث من الحراطين

على خلاف ما رأينا في الجيل الأول والثاني من إمكانيات لتحقيق الحراك الصاعد ومغادرة أوضاع الفقر، على الرغم من الظروف السياقية غير المساعدة، فإن الجيل الثالث يجد صعوبة أكبر في تحقيق الحراك الصاعد على الرغم من مستوياته التعليمية، وتحسّن الأوضاع المعيشة بصورة عامة بالنسبة إلى

(60) Boudon.

(6((عبد الرحيم.

المنشأ الأسري الذي ينحدر منه، فغالبية هذا الجيل من أبناء المدن التي تنتشر فيها المدارس وتستحوذ على 80 في المئة من فرص العمل في القطاعين العمومي والخصوصي. يمكن تفسير هذه المفارقة بارتفاع المنافسة على الوظيفة وسوق العمل، بفعل العدد الكبير الذي تضخه الجامعات سنويًا من الخريجين الذين تعجز سوق العمل عن استيعابهم، وهو ما تسبب في

ازدياد نسبة البطالة التي وصلت بحسب تقديرات البنك الدولي إلى 31 في المئة. لكنّ هذا التعليل لا يجعلنا نتخلّى عن افتراضنا المتمثل في أهمية الأصول الاجتماعية في تفسير حالات الحراك الصاعد والنازل. ألقت أزمة الحراك التي بدأت ملامحها منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين بظلالها القاتمة على المشهد السياسي، ومثّل عام 2012 ذروة الأزمة، في أثر اندلاع احتجاجات شبابية بسبب انتشار الفساد والبطالة والفقر. الجيل الثالث هو جيل أزمة بمعانٍ عدة؛ فهو من ناحية يمتلك تطلّعات كبرى للمستقبل بفعل انفتاحه الكبير على الخارج، وحظي بقدر لا بأس به من التعليم بصورة عامة، لكنه في الوقت ذاته يعاني انسداد فرص الحراك أمامه، ولا يجد متنفّسًا لطاقاته، ما غذّى الجريمة في أوساطه، وجعله مصدر

"قلق وخطر"، بدلً من أن يكون فاعلً في البناء والتقدم، وكثيرًا ما نجد أفرادًا من هذا الجيل يُحمّلون

واقعهم البائس للأجيال السابقة، بدعوى أنها لم تبن دولة بما في الكلمة من معنى، واحتكرت الخيرات لنفسها ومحيطها القرابي. فالحديث مع هذا الجيل يثير الكثير من الإِشكالات ويولّد حيرة كبرى، تجعل الباحث يعيد النظر في أولوياته ويزعزع قناعاته، على الرغم من كونه ينتمي إلى هذا الجيل، ومطّلعًا على جانب كبير من حيثيات حياته، إلى درجة التعاطف معه والانغماس فيه. وهذا يشكل في حد ذاته حجابًا أمام النظر الفاحص والنظر في ما "وراء" السخرية من الحياة أحيانًا، والاستعداد للقفز فوق

المواضعات الاجتماعية كلها لتحقيق النجاح الفردي مهما كلّف الأمر، ولو أدى بصاحبه إلى دخول عوالم خطرة ومجرّمة قانونيًا. دفعنا الوعي بهذه التقاطعات إلى اختيار عيّنة تمثيلية تعكس شخوص هذا الجيل الجديد وحالاته،

ولذلك نجد من بين العيّنة 30 أمّيًّا، لكن أفرادًا من بينهم تمكّنوا من تحقيق أشكال منوعة من الحراك

الاجتماعي بوسائل غير تقليدية، أو على الأصح من خارج قنوات الحراك التقليدية، وهذا في حدّ ذاته مهمّ للبحث، ومادة للفهم. ينطبق الأمر نفسه على السبعين شخصًا الذين لم يتجاوزوا مرحلة التعليم الابتدائي وكانوا عرضة للهدر

المدرسي الذي تقف خلفه أسباب وعوامل عدة، رمت بكثيرين إلى عوالم الجريمة والفقر والمخدرات. بينما 39 في المئة فقط من مجموع عيّنة الجيل الثالث البالغ عددها 179، تمكّنوا من تحقيق مستوى

تعليم متوسط وعالٍ.

(62) François Bon, "Je n’ai pas d’autre peau que la peau écrite," Magazine Littéraire , no. 409 (2002), p. 35.

المجموعالمستوى التعليميالفئة العمرية
جامعيثانويابتدائيأمي
1791655783039–25
1008.9330.7243.5716.75النسبة المئوية
المجموعما هو النشاط الذي تقوم به حاليًا؟الفئة العمرية
ما زلت أدرسعاطل عن العملعامل/ موظف
6909332732–25
11001119839–33
1791044125المجموع
1005.5824.5869.83النسبة المئوية

الأميين منهم والحاصلين على مستوى تعليم ابتدائي، 15 في المئة فقط.

مضاعفة في مغادرة حياة الفقر وتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

(6((الفارس، ص.124

الجدول (10) توزيع عيّنة الجيل الثالث بحسب المستوى التعليمي المستوى التعليمي

المصدر: من إعداد الباحث.

الجدول (11) توزيع عيّنة الجيل الثالث بحسب نوع النشاط ما هو النشاط الذي تقوم به حاليًا؟

المصدر: المرجع نفسه.

يتبيّن لنا من خلال الجدول (11) أن نسبة 24.58 في المئة من عيّنة الجيل الثالث لا تملك عملً، مع

أنهم في سن العمل؛ ما يعني أنّهم يعيشون عالةً على الأبوين، أو عالة على قرابة تربطها بهم رابطة الدم أو رابطة الولاء. ونظرًا إلى معطيات هذه الفئة الأخرى، مثل المستوى التعليمي، وجدنا أنّ30

في المئة منهم حاصلون على شهادة الثانوية، و 55 في المئة على شهادة جامعية، في حين تمثّل نسبة

مثل هذا المؤشر دال على تراجع أهمية التعليم في الحراك الاجتماعي لدى الجيل الثالث من الشباب الموريتانيين عامة، وشباب شريحة الحراطين بصورة خاصة؛ وهم الذين تعرّضوا بسبب ذلك لصعوبات

ضمن عينة الجيل الثالث نفسها، ثمّة 5.58 في المئة ما زالوا يواصلون مشوارهم التعليمي في إطار

التعليم الجامعي، وفي مراحل متقدمة لنيل درجة الدكتوراه أو شهادة الماجستير، وتعتبر هذه الشريحة مهمة، نظرًا إلى معرفة توقّعاتها لمستقبلها. أما الذين يزاولون نشاطًا – وهم مهنيون موظفون أو عمّال

(63) Bonte.

يوميون أو عمال في مجال القطاع الخاص – فيمثلون غالبية أفراد العينة بنسبة 69.83 في المئة، وهؤلاء من المهم معرفة طبيعة عملهم ومستوى دخولهم اليومية أو الشهرية ومقارنة حراكهم الاجتماعي بحراك آبائهم وأمهاتهم، ومعرفة أي قنوات الحراك الاجتماعي الصاعد أو النازل عبروا منها، ومقارنة أوضاعهم في إطار زمنين مختلفين، اخترنا أن يكون مداه خمسة أعوام لا أكثر ولا أقل. الجدول (12) النشاط المهني للعاملين من الجيل الثالث مع مستوى الدخل

النشاط المهني للعاملين من عينة الجيل الثالث مع مستوى الدخل
المجموعنشاط غير
مصرّح به
عامل
محل
إسكافيسمكريتاجربائع خبزمعلمأستاذالمدخول
16600010000عال
42304518075متوسط
37082724131متدن ٍّ
2707430850متدناٍّ جدً
330000000غير معروف
125121510153012256المجموع

المصدر: المرجع نفسه.

يبيّن لنا الجدول (12) مجموعة من الأمور، من الأهمية التوقف عندها وسبر تفاصيلها التي

لا تكشفها مجرّد الأرقام الموجودة في الجدول إجابة عن سؤال أو اثنين مغلقين. 16 شخصًا من

أفراد هذه المجموعة يمتلكون دخلً عاليًا، يمكن من خلاله ضمّهم إلى الأغنياء، في حين أن

42 فقط من المجموعة يصنّفون ضمن الطبقة الوسطى، بينما الغالبية، وهي تمثل 64 فردًا من المجموعة، تمتلك دخولً تراوح بين المتدنية والمتدنية جدًا، وتنتمي إضافة إلى آخرين في العينة نفسها إلى شريحة الفقراء. نظرًا إلى الذين حققوا حراكًا صاعدًا، والذين حققوا حراكًا نازلً، يتبيّن لنا أن ممارسي التجارة والأنشطة

غير المصنّفة أو غير المصرّح بها حققوا حراكًا صاعدًا كبيرًا، مقارنة مثلً بالأساتذة والمعلمين من

موظفي الدولة. أما الذين حققوا حراكًا صاعدًا متوسطًا بالاعتماد على تعليمهم أو جهدهم العضلي في

((6(هي الأنشطة التي يجد القائمون بها حرجًا في تسميتها، وسنعرض نماذج منها تحت مسمّيات لا تعطي حقيقتها، لكنها تؤدّي

وظيفة تفسيرية مهمة، مثل مهنة التبتيب ومهنة التيفي والسمسرة.

عمّال معامل أو باعة متجولين.

4. الاقتصاد غير الرسمي والحراك السريع

عاملين في مجال التجارة أو ناشطين اقتصاديًا في السوق غير الرسمية.

كيف كان وضعك المالي قبل 5 سنوات؟الوضع الراهن
غنيمتوسطفقير معدم
0021متوسط
1114غني
1135المجموع
2.72.794.59النسبة المئوية

والاجتماعية.

الجدول.)14(

(6((أمين، ص.50 عباس علي، سلسلة عالم المعرفة 335 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007)، ص.232

مجالات مهنية غير مصنفة، مثل مهنة السمكري والإسكافي، فيمثلون نسبة 33.6 في المئة، في حين تمثل مجموعة المتدنية أجورهم غالبية المجموعة العاملة، بنسبة 51.2 في المئة، ويتوزّعون ما بين

37 شخصًا من أفراد عيّنة الجيل الثالث حققوا حراكًا صاعدًا ملاحظًا في فترة وجيزة. ويتوزّعون ما بين

الجدول (13) الوضع المالي للجيل الثالث قبل خمسة أعوام كيف كان وضعك المالي قبل 5 سنوات؟

المجموع

المصدر: المرجع نفسه.

يوضح الجدول (13) أن نسبة 94.59 في المئة من عيّنة الذين حققوا حراكًا صاعدًا ملحوظًا كانوا قبل

خمسة أعوام فقط فقراء معدمين، وهذه النسبة تجعلنا وجهًا لوجه أمام شكل جديد من الحراك، سمّيناه

الحراك السريع، وهو طفرة في الحراك، لا  تعتبر خاصية محلية، بقدر ما تعبّر عن ظاهرة عالمية، في

ظل ازدهار سوق المضاربات، وفي ظل السوق غير الرسمية واحتمالات الثراء السريع عبر الفن أو التمثيل أو الغناء أو الرياضة أو الربح من المسابقات، أو أي مجال لا يستند إلى قوانين ثابتة. في موريتانيا تنحصر قنوات هذا الشكل من الحراك في قطاعات باتت ملمحًا مميزًا من ملامح النشاط

الاقتصادي الذي يتّسم بفوضى غير خلّقة إطلاقًا، لمصلحة الدولة والنظام، لكنها خلّقة بالنسبة إلى بعض الفئات والأفراد ممن يمتطون صهوة المغامرة والمخاطرة لتغيير أوضاعهم الاقتصادية

نستكشف بعض هذه الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الذين حققوا حراكًا صاعدًا فجائيًا من خلال

6(((هورست أفهيلد، اقتصاد يغدق فقرًا: التحوّل من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه، ترجمة عدنان

الجدول (14) مجال عمل الذين حققوا حراكًا فجائيًا في عيّنة الجيل الثالث

المجموعما هو مجال عملك الحالي؟الجنس
تاجرغير مصرّح بهتبتابتيفايسمسار
371061335ذكور
000000إناث
371061335المجموع

المصدر: المرجع نفسه.

ما يميّز ظاهرة التبتابة والتيفاية والسمسرة والنشاط غير المصرّح به هو سرعة الكسب بأقل جهد ممكن،

وتتقاطع التيفي والتبتيب مع السمسرة في بعض مظاهرها، لكنها عمليات اقتصادية سريعة، يحصل بمقتضاها الشخص على فرصة بيع لشيء بأثمان مضاعفة، وتتخذ في بعض الأحيان صفة الوساطة بمقابل، مثل ما تقوم به وكالات تأجير السيارات أو المنازل، وتعتبر "حلاوة اللسان" بالتعبير الدارج والكذب والقدرة على التزيين أهم المهارات والمواصفات التي يتطلّبها سوق التيفي والتبتيب، وحاليًا

تعتبر سوق الهواتف والإلكترونيات، إضافة إلى وكالات السيارات والتأمينات، أهمّ مجالات التيفي

والتبتيب، في ظل الحرية المطلقة وعدم وجود رقابة على مدخلات هذه السوق ومخرجاتها ومئات عمليات النصب والاحتيال التي تنتشر فيها. اعتمادًا على نتائج الدراسة الميدانية، نلاحظ أن 27 من أصل 37 شخصًا من الذين حققوا الحراك

الصاعد بصفة سريعة، يزاولون أعم لً لها علاقة ببورصة المضاربات في السيارات والعقارات والهواتف والإلكترونيات. ستة منهم لم يفصحوا عن طبيعة عملهم الذي تحفّه الخطورة بحسب شهادة معظمهم، وهو ما يشير إلى كونه ذا صلات بعمليات مجرّمة قانونيًا، يقود اكتشاف صاحبها إلى السجن.

وقد لاحظنا أن هؤلاء يزاولون أعم لً لها علاقة بالأجانب والإرشاد والترفيه السياحي، واثنان منهم أو ثلاثة على الأقل يمتلكون نزلً، وقد صرّح أربعة منهم أن بداية تغير أوضاعهم الاقتصادية كانت

مع بداية عملهم في الإرشاد السياحي للسيّاح القادمين إلى موريتانيا من دول أوروبية وخليجية.

بادرنا إلى سؤال المعنيين هل الغاية، وهي هنا الإثراء، تبرر الوسيلة؟ فكانت الإجابة "نعم"، فلا شيء يدفع الشخص إلى البقاء في وضع الخصاصة المالية والاحتقار الاجتماعي، في مجتمع لا يعترف إلّ بالمال. ارتباط الحراك الصاعد بمنح الاعتبار، يؤدي في بعض الأحيان إلى منافسة غير شريفة، كما يقود بعض الطامحين إلى نهج سُبل غير إيجابية.

((6(المقابلات الموجهة، نواكشوط، أيلول/ سبتمبر.2018 ((6(المرجع نفسه.

المباشر، فكانت النتائج كما يوضح الجدول.)15(

المجموعالوضع السابق لأسرة الأبوينأ الجنس
غني/ةمتوسط/ةفقير/ةمعدم/ة
37002116اآلأمّهات
3706283الآباء
74064919المجموع
المجموعالوضع الحالي لأسرة الأبوينأ الجنس
ميسور/ةمتوسط/ةفقير/ةمعدم/ة
374112116اآلأمّهات
37411283الآباء
74822359المجموع
10010.8129.7247.2912.16النسبة المئوية

أخذًا في الحسبان أولئك الآباء الذين كانوا يتمتعون بوضع اقتصادي شبه مريح.

(7((الفارس، ص.119

سألنا هذه العيّنة عن أوضاع الأسرة وحاولنا قياس تأثير حراكهم الشخصي في محيطهم الأسري

الجدول (15) الوضع السابق لأسرة الأبوين الوضع السابق لأسرة الأبوين

المصدر: المرجع نفسه.

مقارنةً بوضع الأبوين، فحوالى 91 في المئة من جيل الآباء فقراء ومعدمون، وستة فقط من الآباء يتمتعون بحالة اقتصادية متوسطة، وبناءً عليه، فغالبية أفراد عيّنة الجيل الثالث ممن حققوا حراكًا صاعدًا ملاحظًا،

وعددهم 37 شخصًا ينحدرون من أسر فقيرة أو معدمة. لكن ماذا عن الوضع الحالي لجيل الآباء؟ الجدول (16) الوضع الحالي لأسرة الأبوين الوضع الحالي لأسرة الأبوين

المصدر: المرجع نفسه.

نسبة 60 في المئة تقريبًا من الآباء لم يطرأ أي تغير على وضعيتهم الاقتصادية، ما يؤكد أن حراك الأبناء

كان حراكًا بنتائج إيجابية فردية، تشمل المباشرين للحراك أولً، وتاليًا الأسرة الخاصة، وعلى نحو

هامشي تصل إلى الآباء. أمّا الآباء الذين استفادوا من حراك أبنائهم بصورة مباشرة فنسبتهم 32 في المئة،

أما بالنسبة إلى الأفراد العشرة الموجودين في عيّنة الجيل الثالث من الحراطين، الذين لا يزالون يواصلون

دراساتهم العليا، فقد استطلعنا آراءهم حول مجموعة من الأمور، منها أولًالمستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة لمعرفة الحالة الاقتصادية لأسرة المنشأ ودرجة تأثير ذلك في النجاح في استمرارية التعليم، ثم ثانيًا معرفة ما إذا كانوا يحظون بأي نوع من المنح الدراسية، وطبيعة تلك المنح، هل هي

منحة حكومية أم مصدرها الأهل، والتخصصات التي يدرسونها، فمن معرفة نوع التخصص يمكن أن نعرف قابلية هؤلاء لتحقيق الحراك، نظرًا إلى الاختصاصات التي يوجد عليها طلب كبير في سوق

الشغل، وارتباطًا بهذا الأمر، سألناهم عن توقعاتهم لمستقبلهم على الأمد القريب والمتوسط والبعيد، أي مستقبلهم كما يخططون له بعد خمسة وعشرة أعوام و 15 عامًا، فكانت إجاباتهم على النحو المبيّن

في الجدول (17) إجابة عن سؤال: كيف تقيّم الأوضاع الاقتصادية لأسرة الأبوين المباشرين لك؟ الجدول (17) الأوضاع الاقتصادية للمستمرين في دراساتهم العليا من عيّنة الجيل الثالث

المجموعكيف تقيم الأوضاع الاقتصادية لأسرة الأبوين؟المستوى التعليمي
ميسورة الحالمتوسطةفقيرة
5104مرحلة الماجستير
5122مرحلة الدكتوراه
10226المجموع
100202060النسبة المئوية

المصدر: المرجع نفسه.

يوضح الجدول (17) أن 60 في المئة من أسر مجموعة أفراد العيّنة الذين لا يزالون يواصلون دراساتهم

العليا هي أسر فقيرة، بينما نسبة 40 في المئة من بقية الأسر تنتمي إلى طبقة متوسطة وميسورة الحال، وتميل هذه الطبقات بصورة عامة إلى دعم استمرار المسيرة التعليمية للأبناء ما دامت عندهم الرغبة، بل نجد أن هذه الأسر، في الكثير من الحالات، تتحمل نفقات تعليم أبنائها في الخارج، لاقتناعها بأهمية التعليم لتحقيق الحراك الصاعد من جهة، والحفاظ على مستوى الأسرة الطبقي من جهة أخرى. ولذلك نجدها أيضًا حريصة على تربية أبنائها منذ الصغر على التشبث بالتعليم وجعله أولوية الأولويات. وكان لافتًا قول أحد أفراد العيّنة لنا إن حصد الشهادات العليا مسألة مصيرية بالنسبة إليه وإلى أسرته

من ناحيتين: لناحية تحسين حظوظه الوظيفية المرتبطة مباشرةً بالشهادات التي يجري الحصول عليها، ولناحية تباهي الأسرة الاجتماعي بتقدم أبنائها تعليميًا أمام أقران الأبوين والأقارب.

(7((إدريس، ص.15

الجدول (18) تخصصات المستمرّين في الدراسة من عيّنة الجيل الثالث

المجموعما هو التخصص الذي تدرسه؟المستوى
التعليمي
فيزياء/
كيمياء
هندسةرياضياتإنسانياتقانوناقتصادطب
51011110ماجستير
51100003دكتوراه
102111113المجموع
10020101010101030النسبة المئوية

المصدر: المرجع نفسه.

اثنان فقط من المجموعة يدرسان تخصصات قانونية وإنسانية، بينما البقية ونسبتهم 80 في المئة يكملون دراساتهم العليا في تخصصات علمية، وهذه النتيجة ليست اعتباطية، إذا وضعنا في الحسبان التثمين الاجتماعي للتخصصات العلمية على حساب التخصصات الأدبية التي يُنظر إليها بوصفها تخصصات غير عملية وغير مطلوبة في السوق، ويعاني كثيرون من خريجيها البطالة، وإن كانت الإحصاءات تقول لنا عكس ذلك، حيث أصبح ذوو التخصصات العلمية الأعلى نسبة بين حملة الشهادات المعطّلين عن العمل، لكن النظرة الاجتماعية لا تزال تحبّذ أكثر التخصص العلمي على

التخصص الأدبي. مع العلم أنّ الشخصين اللذين يكملان دراستهما العليا في تخصص أدبي، يدرسان على نفقة الدولة من خلال نيلهما منحة حكومية استحقاقية، و 60 في المئة من الباقين أيضًا يدرسون اعتمادًا على منحة حكومية، بينما 20 في المئة فقط هم الذين يدرسون بمنحة أسرية في جامعات خاصة خارج موريتانيا، أحدهما يدرس الهندسة في جامعة خاصة، والآخر تخصص في المحاسبة في جامعة خاصة وكلاهما من أسرة ميسورة الحال. من اللافت تمتع أبناء الحراطين بالمنح الجامعية الحكومية التي تخضع لشروط صارمة في الانتقائية والاختيار، لأنها تتطلب أن يكون الحاصل عليها الأول على دفعته طوال ثلاثة أعوام في الجامعة، أو أن يكون بين الأوائل في مناظرة البكالوريا الوطنية بحسب الشعبة التي يترشح منها، فبينما يجري منح أكثر من 50 شخصًا بين التخصصات العلمية والتقنية، فإن التخصصات الأدبية يمنح منها ستة أشخاص فقط، وذلك في ظل التمييز "الإيجابي" للتخصصات العلمية التي تعتبر حاجة سوق العمل والشغل إليها أكثر من نظيرتها الأدبية.

خاتمة

من خلال ما سبق يتضح أن الحراك الاجتماعي لا يزال متلبسًا في المجتمع الموريتاني بالعديد من

المحددات، جانب منها ينتمي إلى ما  نسميه المحددات الأولية غير الموضوعية المرتبطة بمجتمع ما قبل الدولة، أي المجتمع الموريتاني التقليدي بنظامه القبلي الصارم وتراتبيته الصارمة على أساس النسب والأصل الاجتماعي، وتسرب هذه المحددات إلى الدولة الوطنية، وخاصة أنظمتها المسؤولة عن التعبئة.والتربية والتعليم والتوظيف، إلى حد يمكن معه الحديث عن إعادة إنتاج موسّعة للتراتبيات الاجتماعية

إلّ أنّه تحت ضغط المطلبيات وعوامل التحديث غير المتحكّم فيها تعرّض نظام التراتبية الاجتماعية

لاختراقات وتصدّعات، أضفت شكلً من أشكال "الديمقراطية على الحركية الاجتماعية"، بمعنى تراجع

القدرة على التحكم في الحراك الاجتماعي وبرمجته، وهذا ما يُفترض أن المدرسة الجمهورية، والمساواة

المواطنية، قامت به (تحت عنوان بارز وهو تكافؤ الفرص) في ظل الدولة الحديثة مدعومة في ذلك بالتصنيع والإمكانات الاقتصادية المنوعة، بل مدعومة أيضًا من العولمة، في إطار ظاهرة "تفجّر مصادر

الحراك الاجتماعي" الذي لم يعد بالضرورة مرتبطًا بالحصول على شهادات تعليمية، بقدر ما أصبح مرتبطًا بمهارات ومجالات نشاط متعددة وغير محدودة، مثل الرياضات، خاصة كرة القدم والأنشطة الفنية والترفيهية باختلافها من (غناء وفنون أداء)، عززتها شبكات وسائل التواصل الاجتماعي وما خلقته من فرص، أنتجت لنا ظاهرة "المؤثرين/رات" والتسويق الشبكي عبر الإنترنت والترويج. وأضيف إلى هذا العامل مؤخرًا انتعاش ظاهرة الهجرة، لكن هذه المرة صوب وجهة لم يعتدها الموريتانيون، وهي الولايات

المتحدة الأميركية "الحلم الأميركي"، فقد سجّلت الإحصاءات منذ عام 2019، تضاعف عدد المهاجرين

الموريتانيين، لا سيما من فئة الشباب، صوب الولايات المتحدة، عبر طرق محفوفة بالمخاطر، وتتطلب تكلفة مالية مرتفعة للوصول إلى "جدار ترامب" والقفز من فوقه. وكعادة الموريتانيين في صك التسميات للظواهر الجديدة والمؤثرة في حياتهم، فقد سمّوا ظاهرة الهجرة نحو "الحلم الأميركي" ب "ترصاف الحيط"،

في نوع من التهكّم والتندّر من الظاهرة، لكن مع اعتراف ضمني بأن "الهجرة الشرعية أو غير الشرعية"

باتت السبيل الوحيد لتغيير الأوضاع نحو الأحسن، في ظل انسداد الأبواب، أمام الشباب الموريتانيين عمومًا، في مجال التوظيف والعمل، لتغيير أوضاعهم ومغادرة أوضاع الخصاصة والفقر والتهميش والنظرة

الدونية... إلخ. فهل تكون ظاهرة تفجر مصادر الحراك الاجتماعي هي المعطى الذي تتكسّر عليه تأثيرات

الأصل الاجتماعي في حظوظ الأفراد وفرصهم في الترقي والصعود الاجتماعي؟

المراجع

References

العربية

إدريس، عبد  النور. سوسيولوجيا التمايز: ظاهرة الهدر المدرسي بالمغرب. مكناس: دفاتر الاختلاف،

أفهيلد، هورست. اقتصاد يغدق فقرًا: التحوّل من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على

نفسه. ترجمة عدنان عباس علي. سلسلة عالم المعرفة 335. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007.

أليكس، ميكشللي. الهوية. ترجمة علي وطفة. دمشق: دار  الوسيم للطباعة،.1993 أمين، جلال. ماذا حدث للمصريين؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1995–1945. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1998 إندرسن، بندكت. الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 بودون، ريمون وفرانسوا بوريكو. المعجم النقدي لعلم الاجتماع. ترجمة سليم حدّاد. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1986 بونت، بيير. روايات أصول المجتمعات البيظانية: مساهمة في دراسة ماضي غرب الصحراء. ترجمة محمد بوعليبة الغراب. نواكشوط: دار جسور،.2015 ________. أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء. الرباط: مركز الدراسات الصحراوية،.2017 الجمهورية الإسلامية الموريتانية: دراسة مسحية شاملة. تونس: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛ معهد البحوث والدراسات العربية،.1978 حركة الحر. كتاب أبيض حول ماضي وحاضر ومستقبل الحراطين. نواكشوط: حركة الحر،.2012 دي شاسيه، فرانسيس. موريتانيا من 1900 إلى 1975. ترجمة محمد بوعليبة الغراب. نواكشوط: جسور للنشر،.2014 رشيق، حسن. "الهوية الناعمة والهوية الخشنة". ترجمة أحمد يعلاوي. إنسانيات. العدد 48–47

سبورك، يان. أي مستقبل لعلم الاجتماع؟ في سبيل البحث عن معنى وفهم العالم الاجتماعي. ترجمة حسن منصور الحاج. أبوظبي: كلمة؛ بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.2009 شايغان، داريوش. أوهام الهوية. ترجمة محمد علي مقلّد. بيروت: دار  الساقي،.1993 عبد  الرحيم، حافظ. الزبونية السياسية في المجتمع العربي: قراءة اجتماعية سياسية في تجربة البناء الوطني بتونس. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 كرومبتون، روزماري. الطبقات والتراصف الطبقي. ترجمة محمود عثمان حداد وغسان رملاوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 مارشزين، فيليب. القبائل، الإثنيات والسلطة في موريتانيا. ترجمة محمد بوعليبة الغراب. نواكشوط: جسور للنشر،.2014

المحبوبي، سيدي عبد الله. "الهجرات الداخلية والتنمية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية". أطروحة دكتوراه دولة في الجغرافيا. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1997. (غير منشورة) محمذن، محمدو. وثائق من التاريخ الموريتاني: نصوص فرنسية غير منشورة. نواكشوط: منشورات جامعة نواكشوط،.2000 "موريتانيا: 'السيف مسلّط على رقابنا': قمع النشطاء المجاهرين بانتقاد ممارسات التمييز والرق في موريتانيا". منظمة العفو الدولية. 2018/3/22:. في 67 wntv /48 com. tinyurl:// https ميثاق الحراطين. الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين. نواكشوط: ميثاق الحراطين،.2014 هس، شارلين وبيير باتريشيا ليفي. البحوث الكيفية في العلوم الاجتماعية. ترجمة هناء الجوهري. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2011 وزارة الخارجية الأميركية. موريتانيا، تقرير حقوق الإنسان.2017. وطفة، علي أسعد. "إشكاليات التربية العربية في فكر خلدون النقيب". إضافات. العدد  21–20 (خريف وشتاء.)2012 ولد البراء، يحيى. المجموعة الكبرى الشاملة لفتاوى ونوازل وأحكام أهل غرب وجنوب غرب الصحراء. نواكشوط: مولاي الحسن ولد المختار الحسن،.2010 ولد السّعد، محمد المختار. الفتاوى والتاريخ: دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال

فقه النوازل. تونس: دار  الغرب الإسلامي،.2000 ونّاس، المنصف. الجمعيات في موريتانيا. تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2022. [دراسة مرقونة]

الأجنبية

Archives Nationales Nouakchott. Dossier E 33–1. Sous–dossier Adrar 1921. Arnaud, Jean. Profile démographique des villes de Mauritanie d’après l’enquête urbain de 1975. Dakar: Bulletin de L’institut fondamental d’Afrique noire, 1976. Bary, Brian. Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism. Cambridge: Polity Press, 2008. Blanchet, Alain & Anne Gotman. L’enquête et ses méthodes: L’entretien. Paris: Nathan,

________. Dire et faire dire: L’entretien. Paris: Armand Colin, 2015.

Bon, François. "Je n’ai pas d d’autre peau que la peau écrite." Magazine Littéraire. no. 409 (2002). Bonte, Pierre. 'L’ordre' de la tradition. Évolution des hiérarchies statutaires dans la société maure contemporaine." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée. vol. 54, no. 1 (1989). Boudon, Raymond. L’inégalité des chances: La mobilité sociale dans les sociétés industrielles. Paris: Armand Colin, 1973. Bourdieu, Pierre. La Noblesse d’État: Grandes écoles et esprit de corps. Paris: Les Éditions de Minuit, 1989. De Chassey, Francis. La Mauritanie de 1900 à1975. Paris: L’Harmattan, 1984. ________. L’étrier, la houe et le livre. Paris: Anthropos, 1977. Hames, Constant. "La société maure ou le système des castes hors de l`Inde." Cahiers Internationaux de Sociologie. vol. 46 (1969). Kaufmann, Jean–Claude. L’entretien compréhensif. Paris: Armand Colin, 2004. Leveau, Rémy. Le Fellah Marocain, défenseur du trône. Paris: Presse de la fondation nationale des sciences politiques, 1976. Moussa, Ba Oumar. Noirs et Beydanes Mauritaniens: L’École, creuset de la nation? Paris: L’Harmattan, 1993. Ould Daddah, Moktar. La Mauritanie contre vents et marées. Paris: Karthala, 2003. Rigaudiat, Jacques. Le nouvel ordre prolétaire: Le modèle social français face à l’insécurité économique. Paris: Édition Autrement, 2007. Rosanvallon, Pierre. La Crise de l’Etat–providence. Paris: Édition du Seuil, 1981. Sauvayre, Romy. Les méthodes de l’entretien en sciences sociales. Paris: Dunod, 2013.