Return to Article Details Toward a Dialogical Sociology

نحو علم اجتماع حواري

Toward a Dialogical Sociology

ساري حنفي| Sari Hanafi *

الملخّص

في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أصبح تشابك الأمراض المرتبطة بالحداثة المتأخرة يتمظهر في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. أبيّن في هذه الدراسة أن معظم ردود فعل العلوم و/ أو علم الاجتماع على هذه الأمراض يمكن وسمها بأنها ليبرالية كلاسيكية، ولكنها غير ليبرالية سياسيًا. وأعرّف هذه التركيبة الغريبة بالليبرالية الرمزية. ويجدر التوضيح أن هذه الإشكالية لا تخص علم الاجتماع فحسب، بل تتجلى في جل قطاعات الحياة العامة أيضًا، بما في ذلك وسائل الإعلام والسياسة والقانون والتعليم، وهي ليست حكرًا على الشمال الكوني، بل تخص كذلك الجنوب الكوني؛ إذ إنها نتيجة التقارب الكوني. ولمعالجة هذه المشكلات الكامنة في الليبرالية الرمزية وبديلًا منها، اقترح علم الاجتماع الحواري شكلًا من أشكال التوازن بين المشروع الليبرالي السياسي الجماعي والفردي للتصدي للتفاوت الاجتماعي تكريسًا لمبدأ العدالة، مع مراعاة تعددية التصورات لمفهوم الخير.

Abstract

Abstract: The entangled pathologies of late modernity in the political, socio–economic, and cultural spheres take the following forms: 1) a communion between authoritarianism in the Global South and populism in the Global North with increasing people moving to the political right and particularly to the populist right 2) increasing trends of inequality, precarity and exclusion, and 3) the further hierarchical polarization of society. How do the social sciences, in particular sociology, react to the pathologies of late modernity? I argue that much of the disciplineʼs responses have become characterized as classically liberal but politically illiberal – in short, I call this "Symbolic Liberalism" or the "Symbolic Liberal project". Symbolic Liberalism is not the product of sociology alone as it reflects changes in other every sector of public life including the media, politics, law, and education. Interestingly, these changes concern not only in the Global North but also the Global South under a global convergence. In response, I propose a dialogical sociology to balance between the collective and individual political liberal project.

الكلمات المفتاحية:
  • الليبرالية الرمزية
  • الليبرالية السياسية
  • جون رولز
  • الحداثة المتأخرة
  • علم اجتماع حواري
Keywords:
  • Symbolic Liberalism
  • Political Liberalism
  • John Rawls
  • Late Modernity
  • Dialogical Sociology

ملخص: في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أصبح تشابك الأمراض المرتبطة

بالحداثة المتأخرة يتمظهر في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. أبيّن في هذه

الدراسة أن معظم ردود فعل العلوم و/ أو علم الاجتماع على هذه الأمراض يمكن وسمها

بأنها ليبرالية كلاسيكية، ولكنها غير ليبرالية سياسيًا. وأعرّف هذه التركيبة الغريبة بالليبرالية

الرمزية. ويجدر التوضيح أن هذه الإشكالية لا تخص علم الاجتماع فحسب، بل تتجلى في

جل قطاعات الحياة العامة أيضًا، بما في ذلك وسائل الإعلام والسياسة والقانون والتعليم،

وهي ليست حكرًا على الشمال الكوني، بل تخص كذلك الجنوب الكوني؛ إذ إنها نتيجة

التقارب الكوني. ولمعالجة هذه المشكلات الكامنة في الليبرالية الرمزية وبديلً منها، اقترح

علم الاجتماع الحواري شكلً من أشكال التوازن بين المشروع الليبرالي السياسي الجماعي

والفردي للتصدي للتفاوت الاجتماعي تكريسًا لمبدأ العدالة، مع مراعاة تعددية التصورات

لمفهوم الخير.

اجتماع حواري.

Abstract: The entangled pathologies of late modernity in the political, socio–economic, and cultural spheres take the following forms: 1) a communion between authoritarianism in the Global South and populism in the Global North with increasing people moving to the political right and particularly to the populist right 2) increasing trends of inequality, precarity and exclusion, and 3) the further hierarchical polarization of society. How do the social sciences, in particular sociology, react to the pathologies of late modernity? I argue that much of the disciplineʼs responses have become characterized as classically liberal but politically illiberal – in short, I call this "Symbolic Liberalism" or the "Symbolic Liberal project". Symbolic Liberalism is not the product of sociology alone as it reflects changes in other every sector of public life including the media, politics, law, and education. Interestingly, these changes concern not only in the Global North but also the Global South under a global convergence. In response, I propose a dialogical sociology to balance between the collective and individual political liberal project.

Professor of Sociology at the American University of Beirut. Email: sh41@aub.edu.lb

مقدمة

"كان زمانًا من أحسن الأزمنة، وكان زمانًا من أسوأ الأزمنة، كان كذلك هو عصر الحكمة، وكان ذلك هو عصر الحماقة. كان ذلك هو عهد الإيمان واليقين، وكان ذلك فصل النور وكان ذلك هو فصل الظلمات. كان ربيع الأمل، وكان ذلك شتاء اليأس. كان أمامنا كل شيء وكان أمامنا لا شيء". بهذه المشاعر افتتح تشارلز ديكنز Dickens Charles روايته التاريخية قصة مدينتين The Tale of Two Cities (1859)، وهي المشاعر المتناقضة نفسها والأحكام المختلطة التي يمكن أن تنتاب المرء إزاء الوضع الحالي للحداثة المتأخرة، والتي تشكو من أمراض في عدة مجالات. نشهد في المجال السياسي ظهورًا متزامنًا للاستبداد خاصة في دول الجنوب، والشعبوية اليمينية خاصة في دول الشمال، وكلاهما اكتسبا حيزًا مهمًا في العقدين الأخيرين. ويأخذ هذا الاتجاه أشك لً

متعددة حيث إن الأحزاب المحافظة في الشمال أصبحت أكثر ميولً إلى الليبرالية الاجتماعية، في حين أصبحت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية أكثر ميولً إلى اقتصاد السوق وازداد عدد أحزاب اليمين واليسار، بينما تقلصت القواعد الانتخابية للأحزاب السياسية القائمة على يمين الساحة السياسية ويسارها. وعلى الرغم من هذه التطورات، فإن الأحزاب الشعبوية اليمينية تستحق اهتمامًا خاصًا؛ إذ

يبيّن يان إيريك غريندهايم في دراسة مقارنة تزايد شعبية تلك الأحزاب بين عامي 2003 و 2018 في

ثماني دول أوروبية ديمقراطية، باستثناء النرويج. وفي حين تسببت الهجرة إلى بعض الدول المستقبلة أحيانًا في ظهور شعبوية يمينية، فإن ذلك يبدو غير كافٍ لشرح هذا التحول الأيديولوجي الجوهري. نلاحظ ظاهرة انضمام الناخبين اليساريين التقليديين إلى اليمين أو الديمقراطيين في الولايات المتحدة الأميركية إلى الجمهوريين أو الماركسيين إلى الإسلاميين، لكن ذلك لا يقتصر على الديمقراطيات البرلمانية. وإن كانت المطالبة بمزيد من المشاركة في صنع القرار إشارة إيجابية، فإنها تنذر باهتراء شرعية الأنظمة الديمقراطية التمثيلية. وفي بعض الدول العربية التي نظمت انتخابات حرة في فترة الربيع العربي، كانت أغلب أصوات الناخبين لمصلحة الأحزاب الدينية عوضًا عن الأحزاب السياسية اليسارية. نشهد في المجال الاقتصادي والاجتماعي كذلك تزايد اللامساواة والهشاشة والإقصاء؛ ما أدّى إلى تدهور الأنظمة السياسية مع شعور متزايد بعدم الاستقرار. والجدير بالذكر أن هذا التفاوت المتزايد أثّر سلبيًا بصفة كبيرة في شرائح مجتمعية كانت سابقًا تنتمي إلى الطبقات الوسطى الصاعدة التي أصبح

لديها شعور بالإقصاء الاقتصادي، وأن ما يتركه المرء لأبنائه أقلّ كثيرًا مما تركه له أبوه. فاحترام القانون

والتمتع بمرتب لا يضمنان للمواطن حياة كريمة؛ وهذا ما يولد لديه شعورًا بالسخط والغضب، وقد يدفعه إلى العنف. وهناك العديد من الأمثلة التي ظهرت في فرنسا، خلال حراك السترات الصفراء في

(1) Jan Erik Grindheim, "Why Right–Leaning Populism has Grown in the Most Advanced Liberal Democracies of Europe," The Political Quarterly , vol. 90, no. 4 (2019), pp. 757–771. (2) Pénélope Larzillière, La Jordanie Contestataire. Militants Islamistes, Nationalistes et Communistes (Arles: Actes Sud, 2013).

تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، والاعتراض على إصلاحات نظام التقاعد في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2023، والاحتجاج ضد العنف البوليسي في تموز/ يوليو.2023 أما في المجال الثقافي، فيوجد استقطاب في مختلف المجتمعات يتجسد في اتساع الهوة بين مختلف النخب. ويمكن على سبيل المثال ذكر خسارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في انتخابات الولايات المتحدة، ونتائج الانتخابات البرلمانية في إسرائيل عام 2022، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية في أيار/ مايو 2023، كما أنّ الفشل السياسي للربيع العربي عكس انعدام الثقة بين النخب العلمانية والدينية. تكمن ثلاث قوى وراء التطورات المذكورة؛ هي النيوليبرالية، والرأسمالية العاطفية Emotional Capitalism، وأزمة الديمقراطية الليبرالية. وتتناول الدراسة بإيجاز النقطتين الأوليَين، وستخصص

لاحقًا مساحةً أوسع لنقاش النقطة الأخيرة.

أولا: النيوليبرالية والرأسمالية العاطفية

تعني النيوليبرالية هنا انكفاء الدولة عن توجيه الاقتصاد وتنظيمه، وتقليص الدور المتنامي للقطاع المالي في الاقتصاد. جرت على الصعيد العالمي إزالة الحواجز أمام حركة رأس المال والسلع والخدمات (فضلً عن الأشخاص). لقد أدّت خصخصة الصحة والتعليم وجميع الخدمات العامة، ولا سيّما في

دول الرفاه في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، إلى الاستغلال التجاري/ السوقنة Marketization الذي أصاب الخدمات على الصعيد العالمي، إضافة إلى تسليع Commodification حياة المواطنين الخاصة، كما سأشرح لاحقًا. اتسم هذا المسار بتناقض شديد، ونتج منه تفكك الفضاءات السياسية والثقافية والأسرية والخاصة. وأصبح الاستهلاك والنيوليبرالية الفردية المقياسين الوحيدين للنجاح الاقتصادي الاجتماعي والإنجاز الثقافي؛ ما حوّل مسؤولية الفشل من الدولة إلى الفرد. لقد أثّر التشظي الحاصل من هذا التسويق النيوليبرالي في الأشكال الاجتماعية والسياسية للفعل الجماعي. على سبيل المثال أصبح ينظر إلى النقابات والأحزاب السياسية بوصفها كيانات تنتمي إلى الماضي، ولم تعد التنشئة الاجتماعية تجري في إطار هيئات جماعية واسعة، بل من خلال صناعة الرأي واتخاذ المواقف بدلً من الحوار وتزايد النقاش بين الأفراد الذين لا يمثلون إلا أنفسهم، أي لا يمثلون هيئات جمعية. ورسّخ عالم الويب والإنترنت بطابعه الفردي هذا التشظّي. أما الرأسمالية العاطفية، فهي الاستغلال التجاري للعواطف، وإقحام الرأسمالية في الفضاء الخاص. وقد عبرت إيفا إيلوز عن ذلك ببلاغة حين قالت: "عدم اليقين العاطفي في الحب والرومانسية والجنس هو نتيجة سوسيولوجية مباشرة لكيفية جمع وترسيخ السوق الاستهلاكية وصناعة الأدوية وتكنولوجيا

(3) Mark Bernstei, "Knowledge Machines: A Complex Web of History and Technology," in: Wiebke Keim et al. (eds.), Routledge Handbook of Academic Knowledge Circulation (New York: Routledge, 2023), pp. 288–295.

الإنترنت بوساطة أيديولوجية الاختيار الفردي التي أصبحت الإطار الأساسي الذي ينظم الحرية الفردية. ساهم علم الاجتماع مساهمة كبيرة في التأكيد على أن التجارب النفسية من احتياجات وإكراهات وصراعات داخلية ورغبات وتوتر تصوغ مسرحية الحياة الجماعية وتعيد صياغتها، فهي في الواقع ملموسة ومجسدة وبنى حية، وإن تجربتنا الذاتية هي انعكاس لهذه البنى الاجتماعية". حاول البعض إيجاد إطار نظري للشرعنة الثقافية للخيارات الجنسية، باستعمال حجج مبنية على أسس عواطف ذاتية ومتعية بحتة (هيدوني)، ولكن أهذه الخيارات أمر فردي، أم ذاتي؟ صاغ ريموند ويليامز Williams Raymond، وهو كاتب اشتراكي بريطاني وأكاديمي وروائي، مصطلح "بنية الشعور" Feeling of Structure للإشارة إلى فهم تاريخي للعناصر العاطفية للوعي والعلاقات، وإلى الحاجة إلى فهم المشاعر والمزاجيات والأجواء بصفتها ظواهر تاريخية واجتماعية. وأصبحت هذه الدينامية أكثر حدة مع انتشار الشبكات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي ووسائل الإعلام الواسعة الانتشار التي تتخللها ثقافة الاستغلال التجاري والإشهار. بعد مناقشتي الموجزة للقوتين الأساسيتين اللتين تكمنان في تلك التطورات، والتي هي النيوليبرالية والرأسمالية العاطفية، سأتناول أساسًا في دراستي هذه أزمة الديمقراطية الليبرالية وما أسميه المشروع

الليبرالي الرمزي.

ثانيًا: الإشكالية

كيف تفاعل علم الاجتماع مع "أمراض" الحداثة المتأخرة التي تعرضنا لها؟ سأتناول ذلك من موقعي؛ فلا سوسيولوجيا عالمية من دون ربطها بموقع صاحبها. أنا باحث عربي فلسطيني وفرنسي؛ ولذا أستمد، بطريقةٍ ما، أفكاري والأمثلة التي سأقدمها من تجربتي، بصفتي شخصًا درس في سورية وفرنسا وعاش في بلدان عديدة في المشرق العربي. سأبين أن معظم ردود فعل علم الاجتماع أصبحت تتميز بالليبرالية الكلاسيكية، ولكنها غير ليبرالية سياسيًا، وهو ما أطلق عليه اسم الليبرالية الرمزية Liberalism Symbolic، وهذا نموذج مثالي بالمعنى

الفيبري للكلمة (نسبة إلى ماكس فيبر)، ولا يُستعمل لوصف تيار محدد من علماء الاجتماع (ولذلك لا يمكن إيجاد ليبرالي رمزي بحت؛ إذ إن لكل واحد منا بعض هذه الخصائص). ومن خلال تناولي الليبرالية الرمزية، في إطار علم الاجتماع وعلمائه، وجب التذكير بأن الأخيرة ليست نتيجة علم الاجتماع وحده، بل تعكس التغيرات في كل قطاع من قطاعات الحياة العامة، بما في ذلك وسائل الإعلام والسياسة والقانون والتعليم. وقعت هذه التغيرات في الشمال والجنوب على حد سواء، عاكسة نوعًا من التقارب الكوني. وبديلً من الليبرالية الرمزية، اقترح مصطلح علم الاجتماع الحواري logy logical Socio Dia، الذي يشكل توازنًا بين المشروع الليبرالي الجماعي والفردي، ويعمل جاهدًا ضد اللامساواة ومن أجل تصور مفهوم العدل الذي يأخذ في الاعتبار تعددية التصورات لمفهوم الخير.

(4) Eva Illouz, The End of Love: A Sociology of Negative Relations (New York: Oxford University Press 2019), p. 15.

وقبل الخوض في تفاصيل ماهية الليبرالية الرمزية وعلم الاجتماع الحواري، أريد أن أشير إلى صعوبة الخوض في هذا النقاش؛ نظرًا إلى هيمنة مناخ عدم التسامح في الحرم الجامعي، وفي وسائل الإعلام،

والفضاء العام عمومًا. وتستحق هذه المسألة بعض التوضيح. التعصب في الحوار حول المسائل السياسية والثقافية والاجتماعية نجد اليوم استقطابًا هرميًا للمجتمعات في كل مكان، بما ذلك الحرم الجامعي ووسائل الإعلام.

ويتجلّى ذلك من خلال درجات عالية من التعصب، ظهرت في الحوار حول المسائل السياسية والثقافية والاجتماعية، الذي ساد خلاله الانحياز إلى طرفٍ معيّن وتبنّي المواقف، بدلً من استعمال حجج

قوية ومقنعة. إن هذا التعصب يصدر من اليسار واليمين، ويتجلى بما يعرف ب "ثقافة الإلغاء" Cancel Culture لدى الطرفين. وبلغت هذه الظاهرة درجة غير معهودة؛ ما أثار قلق الكثير من الباحثين، وأدى إلى توقيع عدد منهم على رسالة "عن العدالة والحوار المفتوح". وتعرّف الأطراف الموقّعة ثقافة الإقصاء

ب "عدم التسامح مع الآراء المختلفة والتشهير والنبذ الاجتماعي والسعي نحو حسم المسائل السياسية المعقدة من منظور أخلاقي كلياني". كما يجري اللجوء إلى تعبيرات لتشويه وشيطنة مفرطة، ضد كل من يخالف الرأي (مثل الفيروس والمرض والجائحة و"يسار موصوم بأنه إسلامي Islamo–gauchiste " والمندسين... إلخ)؛ ما أثار حفيظة الأكاديميين والفنانين والصحافيين خوفًا على مصدر رزقهم، إذا حادوا عن الإجماع الظاهري داخل معسكرهم، أو لم يبدوا حماسًا كافيًا للخطاب المهيمن. وقد أشار كل من

ليتيسيا أتلاني ديو وستيفان ديفوا إلى أن زيادة الدعاوى القضائية لمقاضاة الباحثين بتهمة التشهير أثرت في استقلالية الأكاديميين، وجعلت الباحثين الذين يعملون على مواضيع حساسة في موضع خطر؛ ما أثر سلبيًا في حرية التعبير والكلمة اللذين هما أمران ضروريان للجامعات لتمكين الطلبة من تكوين متفتح. نتج من انتشار "ثقافة الإفراط بالسلامة" Safetyism of Culture بين المسؤولين الإداريين اتخاذ قرارات متسرعة، وعقوبات غير مناسبة، ضد بعض الأساتذة الجامعيين لمجرد استخدام بعض المراجع في الصف أو عدم تنبيه مسبق للطلاب عنها في ظل مناخ يسوده الخوف. ولن أقدم أمثلة من العالم العربي، حيث حرية البحث الأكاديمي في وضع صعب، بل سأكتفي بمثالين من بلدين ديمقراطيين ليبراليين هما الولايات المتحدة وفرنسا، لأبين مدى انتشار "ثقافة الإقصاء" في بلدان تتفاخر بالحريات الأكاديمية. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بيّنت الإحصائيات التي قدمتها مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير

FIRE أن 149 من الأساتذة الجامعيين جرى استهدافهم بسبب التعبير عن آرائهم سنة 2022 (مقابل

(5) "A Letter on Justice and Open Debate," Harpers Magazine , 7/7/2020, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/3vpns6pc (6) Ibid. (7) Laëtitia Atlani–Duault & Stéphane Dufoix, "Chercheurs à la barre. Les sciences sociales saisies par la justice," Lectures , no. 3 (2014), pp. 9–47. (8) Greg Lukianoff & Jonathan Haidt, The Coddling of the American Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation for Failure (New York: Penguin Press, 2018).

أكثر من 30 في سنة 2015)، فقد تعرضوا للتنبيه والتحقيق والإيقاف عن العمل والعزل؛ بسبب قضايا ساخنة مثل التحزب السياسي (25 في المئة من الحوادث)، والجندر (23 في المئة)، والإدلاء بآرائهم في السياسات المؤسساتية (25 في المئة). ووفقًا لمؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير، فإن ثلثي هذه العقوبات تأتي من محتجين أكثر يسارية ممن هو مستهدف من العقوبة. وجرى أيضًا إلغاء الحوار حول الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في جامعات أميركية، بحجة حماية "حساسيات" بعض الطلبة عند تناول بعض المسائل من دون ذكر هوية المحتجين؛ ومن ثمّ فهم يتجاهلون كثيرين آخرين لم تتأذّ مشاعرهم. أما بالنسبة إلى فرنسا، فأودّ أن أشير إلى التعصب الذي يظهر تجاه مسار التحرر من الاستعمار في العلوم الاجتماعية. نحن نعرف أن أدبيّات كثيرة تناولت استمرارية الإرث الاستعماري في التعليم والأبحاث،

ولكنها قوبلت باتخاذ مواقف متعصبة، كنعت هذه الدراسات بالعلوم الزائفة بدلً من تناولها بطريقة نقدية وموضوعية. لم يحصل الكثير من الجدل، بل كان هناك اتخاذ للمواقف فحسب. وقد جرى توقيع عريضة ضمت 76 أكاديميًا وكاتبًا وصحافيًا ضد الديكولونيالية، وجرى تأسيس مرصد الديكولونيالية

سنة 2023 وأصبح اسمه مرصد أيديولوجيات الهوية. وفي 8–7 كانون الثاني/ يناير 2022، انعقدت ورشة عمل بعنوان "ما بعد التفكيك: إعادة بناء العلوم والثقافة"، نظّمها معهد الفلسفة بالسوربون ومرصد الديكولونيالية ولجنة العلمانية الجمهورية، وافتتحها وزير التربية الفرنسي جان–ميشال بلانكيه. قبل بضعة أشهر، وقّع المشاركون أنفسهم في هذه الورشة عريضة، وصفوا فيها تقرير منظمة العفو الدولية

وهيومن رايتس ووتش وبعض الباحثين الفرنسيين بأنه معادٍ للسامية؛ لأن التقرير اعتبر الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية تمييزًا عنصريًا. وفي وقت لاحق، جرى نعتهم بأنهم "يسار موصوم بأنه إسلامي"، وتعرضوا لحملات عنيفة شنتها الحكومة ووسائل الإعلام الرئيسة، مستخدمة في ذلك

(9) "Free Speech Makes Free People," Fire , accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/4zuexeer; "REPORT: At Least 111 Professors Targeted for their Speech in 2021," Fire , 2/3/2022, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/44yrdfz5

بالطبع، قد تتضمن بعض هذه الحوادث عنصرية صارخة، وأنا لا أعتبر أن مؤسسة FIRE تقدم تفسيرًا كامً، لكن هناك منظمات

أخرى، مثل الرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات AAUP أو تحالف كورنيل للتحدث الحر، تؤكد تزايد ظاهرة إلغاء الثقافة بصفة عامة. (((1 لا يتعلق الموضوع بجغرافية النشر والتنظير المركزي الغربي فحسب، بل بالبيانات التي تدعي الكونية أيضًا، وهي لا تزال

مستمدة من الدول الصناعية الغربية. يوضح توماس بولت وتامسين ساكستون، على سبيل المثال، أن في بعض مجلات علم النفس،

أ 91 في المئة من الأبحاث في أوساط غربية ومتعلمة وصناعية وغنية وديمقراطية تضم 12 في المئة من سكان العالم فحسب.ُجري

Thomas V. Pollet & Tamsin K. Saxton, "How Diverse Are the Samples Used in the Journals 'Evolution & Human Behavior' and 'Evolutionary Psychology'?" Evolutionary Psychological Science , vol. 5, no. 3 (2019), pp. 357–368.

(((1 ينظر مثلً:

Anibal Quijano, "Paradoxes of Modernity in Latin America," International Journal of Politics , Culture, and Society , vol. 3, no. 2 (1989), pp. 147–177; Gurminder K. Bhambra & John Holmwood, Colonialism and Modern Social Theory (Cambridge: Polity, 2021); Stéphane Dufoix, Décolonial (Paris: Anamosa, 2023).

((1(ينظر: ساري حنفي، "السوسيولوجيا الكونية: نحو اتجاهات جديدة"، إضافات، العدد  45 (2018)، ص.25–7

(13)  Observatoire des idéologies identitaires , accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/bdcmpae9 (14) "Antisémitisme: La question israélo–palestinienne ne doit pas être l’exutoire des passions primaires," Le Monde , 3/9/2021, accessed on 1/10/2023, at: https://bit.ly/46y3K1c

أكاديميين، مثل جيل كيبيل Kepel Gilles، وفلورنس برجو بلاكلير Florence Bergeaud–Blackler. وقد حاولت المملكة المتحدة وألمانيا وبلجيكا، ودول أوروبية أخرى، تقليد فرنسا بطريقة أقل فظاظة، وبلا فعالية. وضمن هذه الحملة نلاحظ تنامي نشاط الليبراليين الكلاسيكيين، ولكنهم غير ليبراليين سياسيًا، أي ما أسميه في هذه الدراسة ليبراليين رمزيين.

ثالثًا: تحديد الليبرالية الرمزية

لتحديد معنى الليبرالية الرمزية أوضح في هذا المحور ما أعنيه بالليبرالية الكلاسيكية والليبرالية السياسية.

1. الليبرالية الكلاسيكية

اهتمت الليبرالية الكلاسيكية، منذ جون لوك، بقيم مثل الحرية الفردية والحقوق الاقتصادية الأساسية، وأقرت بسلطة الدولة التنظيمية للاقتصاد. وتعتبر الليبرالية الكلاسيكية حقوق الإنسان أساسية وعالمية، وهي تركز على الحرية المدنية والفردية، مثل حرية المعتقد والتعبير والصحافة والتجمع، وكذلك قيمة احترام الذات. وفي مرحلة لاحقة، دافع الليبراليون عن حقوق الجماعات والأقليات؛ ومن ثمّ يمكننا

القول إن الليبرالية الكلاسيكية ركّزت أساسًا على الجانب الاجتماعي أكثر من الجانب الاقتصادي،

على خلاف ما يتبادر إلى أذهان كثير من الباحثين الفرنسيين والفرنكفونيين العرب. وهي ليست عقيدة ضد الدين، كما يتصور بعض الأوساط الدينية في العالم العربي. لا تحتفي الليبرالية الكلاسيكية بالحريات المدنية والفردية فحسب، بل تعزز أيضًا مفهوم العدل في المجتمع. دافع الفيلسوف الأميركي جون رولز في كتابه نظرية في العدالةعن موضوعية العقل العملي (حجاب الجهل) ومدى أهمية الإنصاف لتحقيق العدل. وبإحداث توازن بين الحرية الأساسية والمساواة، قدّم رولز مبدأين: التوزيع العادل للخيرات الاجتماعية الأصلية بين أفراد المجتمع (مبدأ المساواة الصارم)، وإسناد الخيرات الأساسية للفئات الأسوأ ح لً في المجتمع (مبدأ الفرق أو الاختلاف). ويتميّز مفهوم رولز للعدالة بسماتٍ أساسية. أولً، الإصرار على "المساواة العادلة في

الفرص"، التي تُغني الاشتغال العلمي حول عدم المساواة. ثانيًا، الحاجة إلى الاهتمام الخاص بالناس

الأكثر فقرًا وتهميشًا. وأخيرًا، الطريقة التي يجري بها تصوّر الخيرات الأساسية، والتي تمنح الناس

فرصةً لفعل ما يرغبون في حياتهم الخاصة (مفهوم الخير). لنوضح معنى تصور الخير Good the of Conception، فهو عبارة عن مجموعة من الأهداف التي "تحدد تصور الشخص لما هو ذو قيمة في حياة الإنسان أو لما يعتبره حياة جديرة بالعيش". يشمل

(15) Sonya Faure & Frantz Durupt, "Islamo–gauchisme, aux origines d’une expression médiatique," Libération , 14/4/2016, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/yrzp7789 (16) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1971). (17) Sebastiano Maffettone, "Sen’s Idea of Justice versus Rawls’ Theory of Justice," Indian Journal of Human Development , vol. 5, no. 1 (2011), pp. 119–132. (18) John Rawls, Justice as Fairness: A Restatement , 2 nd ed. (Cambridge: Harvard University Press, 2001).

هذا التصور خيارات الشخص ورغباته فيما يتعلق باللباس والأكل واستخدام أوقات الفراغ والمثل الشخصية والصداقة والعائلة وما إلى ذلك. وباختصار، تؤكد الليبرالية الكلاسيكية على حقوق الإنسان الفردي بالمعنى الكوني، مع دور صغير للعنصر الثقافي، أكثر من تأكيدها على العدالة الاجتماعية (ينظر الشكل.)1 الشكل (1) الليبرالية الكلاسيكية

المصدر: من إعداد الباحث.

2. الليبرالية السياسية

قام العديد من الكتّاب بتطوير النظرية الليبرالية الكلاسيكية، وفي مقدمتهم رولز الذي طوّر ما سماه

الليبرالية السياسية مع مراجعة تصوره الأصلي للعدل. فمنذ أواسط ثمانينيات القرن العشرين، بيّن رولز

أن الخيرات الأساسية (الصحة والتعليم وحقوق الإنسان) لا تمثل إلا جزءًا من الخيرات، وأنه وجب

على المجتمع الحفاظ على تنوع وتعدد التصورات للخير، مع ضمان التناغم. وغالبًا ما تعتمد هذه

التصورات على مذاهب شاملة Doctrines Comprehensive كالمبادئ الدينية والفلسفية والأخلاقية. يكون المذهب شاملً، إذا احتوى بصفة منتظمة كل القيم والفضائل المعترف بها وأطّرها. ويؤكد رولز أن الأشخاص ما زالوا يتشاركون، على الرغم من وجود العديد من المذاهب الشاملة في المجتمع؛ لأنهم يتفقون على المفاهيم السياسية التي تستند إلى القواعد الدستورية. على سبيل المثال، قد يتفق الأشخاص، على الرغم من اختلاف معتقداتهم واختلاف تصورهم للأخلاق، على أخلاقية دفع الأموال للفقراء. وقد يكون مصدر ذلك روح التضامن والأخوة (تصور جمهوري) أو

واجب عقيدي (تصور ديني)، أو للحد من ظاهرة السرقة بسبب مجاعة الفقراء (تصور نفعي). ولتجاوز التصرفات الفردية، يحتاج الجميع إلى صوغ مفهوم أخلاقي وإدماجه في تصور سياسي يكون في متناول جميع المواطنين، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية أو ثقافتهم، مع إمكانية التحاور بشأن هذا التصور في المجال العام. ويُطلق على هذا النوع من التبريرات "العقل العمومي". ويمكن التوصل إلى إجماع متداخل Consensus Overlapping بهذه الطريقة، حيث يتبنى الجميع تصورًا سياسيًا من

وجهة نظرهم. يعترف رولز، على غرار العديد من الليبراليين، بأن الحوار العام هو مجموعة من التبريرات المتضاربة التي تؤدي إلى قرارات معقولة (وليس بالضرورة عقلانية). ومع ذلك، فإن مجرد الجدل يعيد بناء القوى الأخلاقية للأشخاص. ويرتبط ذلك بمدى استجابتهم ل "حس العدالة" و"تصور الخير". وهكذا، تضمن الدولة الليبرالية تبني المجتمع لتصور موحد للعدل، ولكنها تكون محايدة إزاء تصورات الأشخاص للخير. ومن خلال هذا التبني، تُعدّ الثقافة والثقافات الفرعية للأفراد مهمة لوضع تصور العدالة في سياقه، على الرغم من محاولة النيوليبرالية والرأسمالية العاطفية تقويض بعض مراحل سيرورة الليبرالية السياسية (ينظر الشكل.)2 الشكل (2) المشروع الليبرالي السياسي

المصدر: من إعداد الباحث.

ومع ذلك، تعاني ليبرالية رولز العديد من الإشكاليات، ولكنه منذ أن نشر كتابه في سنة 1993، عزّز هذا المشروع الليبرالي السياسي وعدّله العديد من الباحثين الذين – وإن انتقدوه – يبقون ضمن المدرسة الليبرالية بمعناها الواسع.

بالنسبة إلى الناشطات النسوية، تُعدّ مسألة الرعاية أساسية لفهم التعاون بين الأفراد، كما أنهم يُؤشكلون الحدود بين المجال الخاص مقابل العام (تدخل الدولة في المجال الخاص كالعنف

الأسري مثلً). وقد أشار يورغين هابرماس ومييف كوك إلى التوترات بين الدوغمائية والعقلية المتفتحة وخطورة إغلاق الفضاء العام وفتحه لمصلحة مجموعة من الآراء المعقولة، بما في ذلك التبريرات الدينية. وفي السياق نفسه، وباعتبار أن العلمانية آلية، وليست قيمة في حدّ ذاتها، تعيد سيسيل لابورد الدين إلى المجال العام، لكنّ ذلك بشروط. ومن ناحية أخرى، ينتقد بعضهم اعتبار العقل العام أنه حيادي؛ فمثلً، يتساءل رجا بهلول إن كان العقل الليبرالي ليس سوى العقل العام؛ بمعنى أنه عقل معياري. وفيما يتعلق بمفهوم العدل وآليات تحقيقه، انتقد أمارتيا سين Sen Amartya نظرية رولز للعدل مشددًا على أهمية القدرات، بدلً من الخيرات الأساسية التي اقترحها رولز. وانتقد سين أيضًا المؤسساتية المتعالية Institutionalism Transcendental، عند طرح ما يجب على المجتمع العادل تمامًا القيام

به. وهو يرى أن أهم المشكلات هي المشكلات القابلة للمقارنة، والتي تتعلق بكيفية البلوغ إلى مجتمع أقلّ ظلمًا. إضافة إلى ذلك، يختلف كل من سين ورولز في نظرتهما إلى المؤسسات. فبالنسبة إلى

الأخير، تتعلق العدالة أساسًا بالمؤسسات؛ إذ إنها تنتج توزيعًا عادلً للخيرات الأساسية. في حين يرى

سين أن العدالة تتعلق أساسًا بكيفية فاعلية الأفراد ليكونوا أغنياء أو فقراء. هذا مع أن رولز تناول في

كتابه الأخير قانون الشعوب المؤسسية المتعالية عبر توسيع إمكانية تطبيق سياسة "مصغرة" لليبرالية على دول محترمة Decent تنقلها إلى عالم من القيم لا  علاقة له بالتاريخ، ويقدّم لها تنازلات غير مبررة (مثل إعفاء هذه الدول من حرية التعبير). تدارك النزعةَ الفردانية، المفرطة في تصور رولز لليبرالية السياسية، الليبراليون الجماعاتيون، مثل مايكل ساندل Sandel Michael، وناصيف نصار وتشارلز تايلور، Taylor Charles، ومايكل والزر Michael Walzer، وعبدي كازميبور Kazemipur Abdie، الذين أحدثوا توازنًا بين الاستقلالية والتبعية وبين الحرية

(19) Elena Pulcini, "Giving Care," MAUSS International , vol. 1, no. 1 (2021), pp. 80–94. (20) Jürgen Habermas, "Religion in the Public Sphere," European Journal of Philosophy , vol. 14, no. 1 (2006), pp. 1–25. (21) Maeve Cooke, "A Secular State for a Postsecular Society? Postmetaphysical Political Theory and the Place of Religion," Constellations , vol. 14, no. 2 (2007), pp. 224–238.

((2(سيسيل لابورد، دين الليبرالية، ترجمة عبيدة عامر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2019

(23) Raja Bahlul, "Toward an Islamic Conception of Democracy: Islam and the Notion of Public Reason," Critique: Critical Middle Eastern Studies , vol. 1, no. 1 (2003), pp. 43–60. (24) Maffettone. (25) John Rawls, The Law of Peoples: With " The Idea of Public Reason Revisited" (Cambridge: Harvard University Press, 1999). (26) Loubna El Amine, "Political Liberalis, Western Histor, and the Conjectural Non–West," Political Theory , vol. 49, no. 2 (2021), pp. 190–214.

((2(ينظر: منير الكشو، "الليبرالية وحرية التعبير: قراءة في الخلفيات الفلسفية لجدل قانوني وسياسي"، تبين، مج  11، العدد 43 (شتاء 2023)، ص.40–13

والانتماء إلى الجماعة على أولوية المسؤولية على الحرية. وكما وضح منير الكشو، فإن النقد الجماعتي كان له الأثر البالغ في نظرية العدالة الرولزية، وجعله يعدل من نظريته، ولكن ليصبح أكثر انشغ لً بالاستقرار السياسي للديمقراطيات التعددية المعاصرة من انشغاله بتحقيق حيثيات العدالة التوزيعية.

رابعًا: حيثيات المشروع الليبرالي الرمزي

هل تأخذ العلوم الاجتماعية في الاعتبار الجدل المطروح في موقفها من أمراض الحداثة المتأخرة؛ أي النسخة المعدلة لليبرالية السياسية؟ أجادل في أنها لا تأخذ هذا الجدل على محمل الجد، وأجادل أيضًا في أن العلوم الاجتماعية وإن كانت تلتزم الليبرالية الكلاسيكية، فهي بذلك غير ليبرالية سياسيًا، أو هي

تتبنى ما أسميه المشروع الليبرالي الرمزي Project Liberal Symbolic. ويشوّه هذا المشروع، كما أجادل،

تعريف العدالة من خلال التقليص من أهمية مفهوم العدالة الاجتماعية، وتضخيم تصور عالمية حقوق الإنسان؛ إذ إنه يعتبر وجود تصور وحيد وممكن للخير بوصفه جزءًا لا يتجزأ من مفهوم العدالة.

1. تراجع مفهوم العدالة الاجتماعية

لا يولي الليبراليون الرمزيون عواقب اللامساواة أهميةً، بقدر ما يهتمون بالدفاع عن الحقوق. انتقد يان

كريستوف هايلنغر مثل عدم إيلائهم التحليل الطبقي على مستوى الدولة القطرية والعالم اهتمامًا.

وفي الواقع، يوجد اهتمام ضئيل بالقضايا الكونية، مثل الفقر والديناميات غير العادلة للاقتصاد في العالم. وينحصر تصور العدل في حدود الدولة. ويمتلك الليبراليون الرمزيون القوة، بصفتهم جزءًا من "رأسمالية رمزية"؛ إذ إنهم فاعلون أساسيون

للاستقطاب المجتمعي. ويعرّف السوسيولوجي الأميركي، موسى الغربي، وهو من أصل أفريقي،

الرأسمالية الرمزية بأنها "طبقة جديدة من نخبة المجتمع، لم تنجح في الحصول على موقع فيه بفضل ممتلكاتها أو تجارتها أو خدماتها. فالتجأت إلى التجارة بالرموز والخطابات والصور والروايات والبيانات والتحاليل والأفكار المجردة". ويقدّم بعض الأمثلة عن الولايات المتحدة، بقوله: "على الرغم من التزام [الرأسماليين الرمزيين] المعلن بالمساواة [...] فإن أنماط عيشهم غير الاعتيادية تعتمد أساسًا على الإقصاء والاستغلال والتعالي، حيث إن الجماعات التي يعيشون فيها والمؤسسات التي

يهيمنون عليها هي من بين المجتمعات الأقل عدلً في الوسط الأميركي [...] بمعنى [أنهم] من بين أول المستفيدين من هذا التفاوت الذي يدينونه، بما في ذلك التفاوت القائم على الإثنية والجندر. ونحن لسنا مجرد مستفيدين سلبيين، بل شركاء ناشطون في هذا الاستغلال وإعادة إنتاج هذه الحالة التي ندينها صراحة".

((2(ينظر مثلً: ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل (بيروت: دار  الطليعة،.)2003 ((2(منير الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"، تبين، مج  9، العدد 36 (ربيع 2021)، ص.72–49

(30) Jan–Christoph Heilinger, Cosmopolitan Responsibility: Global Injustice, Relational Equality, and Individual (Berlin/ Boston: de Gruyter, 2019). (31) Musa al–Gharbi, "Book Announcement: We Have Never Been Woke," Musa al–Gharbi , accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/2r4y7wbr

تستخدم هذه النخبة السياسات الرمزية في تصور يعتمد أساسًا على العواطف والحدس. وتتكوّن

العواطف بحسب الاستعدادات لدى الفاعل: المعتقدات الأيديولوجية والقيم المعيارية والأحكام المسبقة. ففي الحرب مثلً، تعتمد الأطراف المتنازعة على الخطاب العاطفي بشدّة، ليس لإقناع أتباعهم بطريقة عقلانية فحسب، بل إنها تعتمد أيضًا على الاستغلال العاطفي للأحكام المسبقة. أما في إطار السياسات الرمزية، وفي زمن السلم، فتستعمل العاطفة لإحداث التوافق بين الأفراد. وبهذه الطريقة، تفقد مسائل التفاوت الاقتصادي والعدالة الاجتماعية مكانتها؛ إذ يركز اليسار الثقافي على سياسات الهوية، عاجزًا عن إيجاد رؤية موحدة في إمكانها أن تستقطب أعدادًا كبيرة من الأفراد. ويحدد سايمن وينلو وستيف هال أسباب تراجع اليسار وكيفية تهميش الالتجاء المفرط للتعويل على الثقافة في التحليل لمبادئ جوهرية موحّدة مثل الصراع الطبقي. ويسعى اليسار، أكثر من اليمين،

لصوغ السياسات من أجل "كسب الأصوات" بدلً من سعيه لكسب الأصوات "من أجل تنفيذ سياسته المخططة سابقًا". نتيجةً لذلك، أصبح الناخبون يبحثون عن بديل بين الأحزاب المتنافسة التي تستعمل الخطط نفسها؛ وهكذا يجري استقطابهم. وتصبح الانتخابات مجرد ساحات لمجموعات متنافسة، تعكس خيارات فردية بعيدة كل البعد عن القضايا التي تخص شرائح المجتمع. ونسوق مث لً على هذا التغيير في سياسة الأحزاب وهو التحول الذي شهده الحزب الاشتراكي في فرنسا من حزب أيديولوجي قوي يمثل مناضليه إلى "حزب لا يمثل سوى القاعدة الانتخابية".

2. تضخم مفهوم حقوق الإنسان الكونية

فيما يتعلق بحقوق الإنسان، يؤكد المشروع الليبرالي مسألة "الهويات"، بوصفها موطنًا للحقوق أو للدفاع عن الاختيارات الفردية، على أنها عالمية. وعلى الرغم من تفكك الهويات من جراء السياسات الثقافات الفرعية، يعتبر المشروع الليبرالي الرمزي أن تصوره للخير أسمى من جميع التصورات الأخرى، ويفرضه على المجتمع عن طريق توسيع مجال القوانين، والتخلي عن التصورات السائدة الأخرى للخير. ولكن في الوقت نفسه، تبدو تصوراتهم منعزلة وذات مرجعية ذاتية، حتى إنه لا يمكن ربطها بالجمهور الأوسع والثقافة السائدة. وينبغي هنا التوقف والتفكير حول مسألتين، هما: عالمية حقوق الإنسان، وسياسات الهوية. فيما يتعلق بالمسألة الأولى، يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهم القيم الكونية، بإجماع عالمي، التي ينظر إليها الليبراليون الرمزيون لا بصفتها مجموعة من المفاهيم المجردة، بل بصفتها قوانين أساسية

(32) Stuart J. Kaufman, "Symbolic Politics as International Relations Theory," in: Oxford Research Encyclopedia of Politics (Oxford: Oxford University Press, 2017). (33) Simon Winlow & Steve Hall, The Death of the Left: Why We Must Begin from the Beginning (Bristol: Policy Press,

(34) Anthony Downs, "An Economic Theory of Political Action in a Democracy," Journal of Political Economy , vol. 65, no. 2 (1957), pp. 135–150. (35) Rémi Lefebvre & Frédéric Sawicki, La société des socialistes: Le PS aujourd’hui (Bellecombe–en–Bauges: Editions du Croquant, 2006).

وإجرائية عالمية Axioms Legal Concrete؛ وهي بذلك تتجاهل دور الثقافة والشروط المحلية في وضع هذه المبادئ. وبتشديد هذه المفاهيم على الطابع القانوني لتحديد الحقوق عوضًا عن مرونة الأحكام الأخلاقية، وبفصلها المعايير القانونية عن الشروط الحياتية، تصبح أشبه بالقانون. ومن هذا المنظور القانوني، أصبحت حقوق الإنسان أداة للضعيف والقوي؛ ذلك أنه يمكنها أن تستعمل بوصفها أسلحة – بحسب عنوان كتاب كليفورد بوب Weapons as Rights – واستراتيجيات مموّهة مصمّمة لإخفاء الدوافع

الحقيقية التي تزيد من تهميش الأقليات الدينية (مثلً، كيف جرى تحويل حرق القرآن الكريم إلى

حق مشروع باعتباره حرية رأيفي بعض الدول الغربية؟). زد على ذلك حرمان الفئات الضعيفة من الخدمات الاجتماعية (منع الطالبات المتحجبات من حقهن في التعليم العمومي في فرنسا وكيبيك). وفي السياق نفسه، يبيّن عزمي بشارة أن الحريات الفردية، بوصفها حقوقًا أساسية ومدنية في بعض

المجتمعات الغربية، أدت إلى الرغبة في فرضها على المجتمعات التي لا تزال تعيش في ظل أنظمة استبدادية، وهذا ما يمكن اعتباره ممارسة للوصاية قد تؤدي إلى إمبريالية ثقافية. وقد حصلت تغييرات سريعة فيما يتعلق بسياسات الهوية؛ ففي حين كانت الهوية في الماضي تستند إلى الانتماء القومي أو العقائدي وتمس شريحة واسعة من المجتمع، أصبحت الهويات اليوم تستند إلى ثقافات فرعية ذات خصائص محدودة وظاهرة (مثل العرق والميول الجنسية والعادات الغذائية) وغالبًا ما تكون ردة فعلٍ على "الآخر" داخل المجتمع. ويؤكد أوليفيه روا تضاعف اللجوء إلى الهوية

في الخطاب السياسي لليسار ولليمين؛ فالأزمة الحالية ليست أزمة التغيير الثقافي، إنما هي أزمة مفهوم الثقافة. لقد أصبحت الهويات مجزأة وغير قادرة على إنشاء مجتمع، بل مجموعة من الثقافات الفرعية تبحث عن مكان آمن عند اليسار (الحرم الجامعي)، أو عند اليمين (من المجتمعات المغلقة Gated Communities إلى الحدود الوطنية)، وتبحث عن حماية نفسها بالقانون والاتفاقيات الدولية، من دون أن تأخذ في الاعتبار أن بعض حقوقها تتضارب مع حقوق جماعات أخرى.

3. التصور المهيمن للخير

نظرًا إلى قوة تأثير بعض الليبراليين الرمزيين وهيمنتهم على المجال العام، أصبح لهم قدرة على فرض

تصورهم لمفهوم الخير في المجال العام (الجمهوري)؛ نتيجة سيطرتهم على هذا المجال، وقدرتهم على استعمال القانون لتطبيقه في المجتمع. ويتفرع من ذلك خطآن: الأول، يقوم الليبراليون الرمزيون بتعميم تصورهم لمفهوم الخير على أنه تصور عالمي للعدل، والثاني له علاقة بالطبيعة الأنطولوجية للفردانية؛ أي إن المجتمع يتشكل من الأفراد، ولا يتشكل من غيرهم، وهو الأمر الذي يحرم الليبراليين الرمزيين من تقييم بنى المجتمع الاجتماعية وخصائصه. وهذا التيار لا يرى، مثلً، أنّ للأسرة والجماعة

(36) Clifford Bob, Rights as Weapons: Instruments of Conflict, Tools of Power (Princeton: Princeton University Press,

(((3 أعلم أنني أختصر النقاش هنا. لتحليل معمّق لمسألة الحجاب في فرنسا، ينظر: الكشو، "الليبرالية وحرية التعبير."

(38) Azmi Bishara, Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia (London: I.B. Tauris, 2021). (39) Olivier Roy, L’Aplatissement du monde: La crise de la culture et l’empire des normes (Paris: Seuil, 2022).

أهمية، حتى لو كانتا تساهمان في رفاهية الفرد. وللتصدي لهذه الفردانية الأنطولوجية، يدعو سين إلى الفردانية الأخلاقية Individualism Ethical. يكمن المثال الأساسي للمشكلة المذكورة في مسألة ارتداء الحجاب الإسلامي في فرنسا؛ إذ يشكّل ارتداؤه جزءًا متأصلً من تصور بعض النساء المتدينات للخير (اختيار ما ألبس). إنّ منع هذا الحجاب

باسم مفهوم العدالة (التمييز بين الجنسين)، أو باسم انتهاك مبدأ حيادية المدرسة العمومية تجاه الأديان، هو انتهاك لإرادة الكثير من المسلمين الفرنسيين للتمتع بتصورهم للخير، وحتى تصور حرية المعتقد. وجب توجيه الحجج نفسها إلى السلطات الإيرانية التي تفرض تصورًا واحدًا للخير على المجتمع بإجبار جميع النساء على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة. وفي كلتا الحالتين، بما أن طريقة اللباس لا تمس الآخرين بسوء، وجب اعتبارها "حقًّا"، خاصة أن ارتداء الحجاب في الحالة الأولى يُعدّ جزءًا من عقيدة شاملة. وعلى الرغم من أنه يُسمح رسميًّا بمناقشة التصور المهيمن للخير في المجال العام، فإن الليبراليين

الرمزيين يميلون، مثلهم مثل خصومهم المحافظين، إلى تحويل وجهة النقاش نحو مسألة إصدار تشريعات وقوانين، متجاهلين لجوء الأفراد إلى الأخلاق في حلّ نزاعاتهم، لأنها غالبًا تكون

أسهل من اللجوء إلى القانون. ويصبح مفهوم سامٍ، مثل التسامح الذي يجسد العلاقة بين التصورات المختلفة للخير، محلًّ للكراهية والإقصاء. وتشرح ويندي براون بدقّة تشبّع التسامح بمعايير تعزز

هيمنة القويّ والاستخفاف بالمتسامح معه وتساوي غير المتسامح بالمتوحش. ويمكن أن يؤدي إنشاء جزر ثقافية إلى خلق الاختلافات بدلً من حلحلتها؛ إذ شهدت سياسات الهوية تمكين الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانًا من حقوق تهضم حقوق فئات أخرى مماثلة، وقد اعتبرتها براون رجعية. وتخفي مثل هذه الثقافات الفرعية المثيرة للتساؤل ظلمًا للطبقات الاجتماعية. بدلً من أن تكون الأخلاق والقوانين عملً يوميًا ودؤوبًا للحد من المشاعر السلبية، يعتبر بعض

الليبراليين الرمزيين (مثل خصومهم المحافظين) الكراهية قاعدة لسن القوانين كما يتبيّن ذلك في

أبحاث مارثا نوسباوم. فعلى الأرجح أن سبب منع ارتداء البُركيني في البحر هو كره الفرنسيين ذوي

الثقافة السائدة له. ونجد مثل هذه الوضعية في مدينة صيدا بلبنان ذات الأغلبية المسلمة، حيث تحاول السلطات المحلية منع ارتداء البكيني في الشواطئ العمومية، وتصف بعض المجموعات المحافظة على الواتساب هذا اللباس بأنه "مثير للاشمئزاز"، وأنه "لا يراعي ثقافة سكان صيدا".

(40) Maffettone.

(((4 هذا لا يعني أن نمنع أي فئة من نقد الحجاب، ولكن هنا ننقد من يدعو لمنع الحجاب. (((4 ومثالها كيفية تحوّل متحف عن الهولوكوست في كاليفورنيا مصمم لتعليم الأجيال الجديدة التسامح إلى مكان غير متسامح

مع الفلسطينيين حيث ادعى أن نضالهم هم جزء من المعاداة للسامية الكونية. ينظر:

Wendy Brown, Regulating Aversion: Tolerance in the Age of Identity and Empire (Princeton: Princeton University Press,

(43) Martha Nussbaum, Hiding from Humanity: Disgust, Shame, and the Law (Princeton: Princeton University Press,

4. توسع المعايير وفصلها عن تأثير الثقافة

يبيّن لنا أوليفيه روا كيف أنّ تطور الحريات الفردية (في السياسة والجنس) أدى، منذ ستينيات القرن العشرين،

إلى تناقضات عدة في أنظمة المعايير: تضخم القوانين والتشريعات المتعلقة بالحياة العامة (مكان العمل، وفرز النفايات، وأساليب التحدث، والقضايا الصحية... إلخ)، والحياة الخاصة. يرى روا أنّ طبيعة مشروع التنوير تغيّرت مع مرور الزمن، فأصبح يستند إلى المتعة عوضًا عن العقل. ويعزز هذا المشروع الحريات

الفردية وخاصة المساواة بين الجنسين، كما يقر الحرية الجسدية للأفراد تحت شعار "جسدي شأني". ولكن "ماذا بعد؟" مثلما يتساءل نصار، رابطًا ذلك بكرامة "الأنا" التي تمتلك الجسد بصفته جزءًا لا يتجزأ منها. من

المؤكد أن الجنسانية المرنة Sexuality Plastic وتحولات الحميمية (كما وصفها ونظّر لها أنطوني جيدنز Anthony Giddens) من الأسباب التي ستفرز تناقضات عديدة وسوء استخدام للحريات، لهذا كانت حركة "أنا أيضًا" Too Me ضرورية ومهمة جدًا. لكن بالنسبة إلى روا تمادى هذا المشروع في مسألة تأسيس نظام معايير (قوننة)؛ إذ ساهم في تقويض دور الثقافة في تنظيم المجتمع. وقبل أن يجري نعت هذا الطرح بالثقافاوية، ينبغي التوضيح بأي معنى تكون الثقافة غائبة. بالنسبة إلى روا وثورستن بوتس–بورنستاين، يشتمل مصطلح "الثقافة" على العديد من المعاني، لكنها تدور جميعها حول قطبين: أولً، الثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي أي التصورات والخصائص الثقافية لمجموعة من الأفراد أو مجتمعٍ ما (أقرب إلى مفهوم الثقافة المتجسدة عند بورديو). ثانيًا، الثقافة

بوصفها جزءًا أساسيًا يخص الميول العامة (إنتاج فني وفكري) التي تُعدّ الأفضل سواء لمعرفتها أو

لممارستها. الأولى ضمنية ومن ثمّ يجب أن يحللها المجتمع نفسه أو الأنثروبولوجي الذي يدرس ذلك المجتمع. أما المعنى الثاني فهو ملموس ويتطلب الانتقاء والتوارث. بالنسبة إلى روا، ليست المسألة مجرد أزمة في الثقافة فحسب، بل هي تغييب للثقافة الأنثروبولوجية ولمضمون ومعنى الثقافة التي من المفترض أن تكون مشتركة بين الأفراد. ونتيجة لذلك، في ظل غياب ثقافة مشتركة، انتشرت قواعد Codes تملي علينا ما  يجب قوله وفعله. تصبح سياسات الهوية ومفاهيم مثل الضحية والصدمة ذات أهمية كبرى، لذلك تجري محاولة قوننتها Judicialize، وتحديد معاييرها من ثمّ، بحسب روا، لا ترتكز على مبدأ الخير. إنها معايير بلا قيمة، ولكن لها تكلفة يجب دفعها، وتلك هي مفارقة النيوليبرالية. يشبه الأمر أن تقاضي شركة قطارات عند تأخر رحلتك، حتى لو لم يتسبب لك ذلك بإزعاج كبير. يحل التقاضي هنا محل ما كان تاريخيًا

مفاوضة بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين للوصول إلى تسويات تأخذ في الاعتبار الثقافة والعلاقات الإنسانية. أما الآن، فقد أصبح حل النزاعات جزءًا من عمليةٍ أوسع تخوّل التحكم والانضباط والمراقبة،

فلا تنحصر مسؤوليتنا تجاه الدولة، بل إنها تكون أيضًا تجاه كمّ هائل من المؤسسات البيروقراطية.

(44) Roy. (45) Thorsten Botz–Bornstein, The New Aesthetics of Deculturation: Neoliberalism, Fundamentalism and Kitsch (London: Bloomsbury Academic, 2019). (46) Roy.

تُعد أبحاث بياتريس إيبو بصفة خاصة وجيهةً، بفضل مفهومها للبيروقراطية النيوليبرالية التي هي بمنزلة أداة للانضباط والتحكم لنماذج دائمة تنتج اللامبالاة الاجتماعية والسياسية. وبحجّة عدم التسييس، يقوم هذا الاتجاه بممارسة تطبيع سلطة واستبعاد أخرى، وبما أنه يعمل من خلال الأفراد فإن البيروقراطية لا تأتي "من فوق". إنها عملية شاملة حيث تتعلق بالمشاركة البيروقراطية واستجابة للتعبير عن المصالح المادية وتلبية المطالب "المشروعة"، كما أنها تعبر عن السعي للكفاءة. غير أن ذلك يعكس أيضًا النزاعات والمفاوضات اليومية بين الجهات الفاعلة. ونتيجةً للديناميات الموضحة سابقًا، سيواجه المجال العام انتقادات، وسيجبر الفئات التي شعرت بالتهميش، والتي لم تستطع الوصول إليه، على إنشاء مجال عام بديل. يتجسد هذا المجال البديل غالبًا في حيّز جماعاتي في الدول الليبرالية، وحيّز افتراضي في الدول الاستبدادية، ويمنح أيضًا أولوية

للتعاون بين فاعلين جماعاتيين/ افتراضيين على نحو أكبر، من خلال التوافق الأخلاقي، بدلً من الاعتماد على القوانين الرسمية (ينظر الشكل.)3 الشكل (3) الليبرالية الرمزية

المصدر: من إعداد الباحث.

(47) Béatrice Hibou, La bureaucratisation du monde à l’ère néolibérale (Paris: La Découverte, 2012).

(((4 وفي السياق نفسه، يمكنني أن أذكر أعمال دافيد غريبر حول البيروقراطية اللامتناهية والمهمات الإدارية المحبطة فيما يتعلق بالمالية، أو الرعاية الصحية، أو جل المجالات الأخرى.

David Graeber, The Utopia of Rules: On Technology, Stupidity, and the Secret Joys of Bureaucracy (Brooklyn, NY/ London: Melville House Publishing, 2016).

خامسًا: الخطوط العريضة للمشروع الليبرالي السياسي الحواري

يُعتبر المشروع الليبرالي الرمزي عاملً مساهمًا في حد ذاته في تأجيج أمراض الحداثة المتأخرة؛ لذلك فإننا بصدد اعتراض أزمات متعددة، مما يتطلب إعادة التفكير في المعايير، لإقامة ما أسميه المشروع الليبرالي السياسي الحواري (باختصار مشروع ليبرالي حواري)، الذي يساهم علم الاجتماع الحواري فيه مساهمة كبرى. ويتكوّن المشروع من الخصائص الأربع التالية: أولً، يقوم المشروع الليبرالي الحواري بإعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية من خلال التزام أكثر بالتحليل الطبقي للمجتمع وإعطائه منزلة أساسية في أي تحليل تقاطعي. وهنا أوافق ميشيل فيفيوركا في قوله إنه يجب ألّ يغيب عنّا أن العرق والإثنية والجندر والجنسية عناصر مكمّلة للتحليل الطبقي، وليس العكس. ثانيًا، حينما يتعلق الأمر بمسألة حقوق الإنسان، يميز المشروع الليبرالي الحواري كما يشير محمد

فاضل بين عالمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسانوالخصوصية الثقافية لكل نظام لحقوق الإنسان. الحق في الثقافة هو جزء جوهري من هذا الإعلان، ويجب تحقيق توازن بينه وبين حماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيزها. وقد أوضح إعلان فيينا عام 1993 (المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان) أنه "على الرغم من أهمية الخصائص الوطنية والإقليمية والتنوع التاريخي والثقافي والديني، فإنه يجب على الدول، بغض النظر عن طبيعة أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية، حماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتعزيزها". بعبارة أخرى، نحن في حاجة دائمة إلى عملية وساطة ثقافية لتطبيق حقوق الإنسان، على أن يأخذ هذا الموضوع المخاطرة بوضع أولويات وإعادة موضعتها من فترة إلى أخرى ومراجعة بعض القيم في مجتمعنا، التي تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن هذه الخصوصية الثقافية، التي هي أساس التنوع، غالبًا ما يُنظر إليها بوصفها جوهرًا.

ينبغي تحويل هذه الخصوصية من متاريس نختبئ خلفها إلى معينٍ لا ينضب ولا يقتصر علينا، بل يتدلَّى ليسقي أرواحًا عطشى من عذوبة مورده. فلم يكن التراث ولا الخصوصية الثقافية نصَّين عذريَّين.

(49) Michel Wieviorka, Alors Monsieur Macron, heureux? (Paris: Rue de Seine, 2022). (50) Mohammad Fadel, "Muslim Modernism, Islamic Law, and the Universality of Human Rights," Emory International Law , vol. 36, no. 4 (2022), pp. 712–740. (51) Vienna Declaration and Programme of Action, "World Conference on Human Rights, Vienna, 14–25/6/1993," U.N. Doc. A/CONF.157/24 (Part I) at 20 (1993), p. 5; Sten Schaumburg–Müller, "In Defense of Soft Universalism: A Modest, yet Presumptuous Position," Cuadernos Constitucionales de La Cátedra Fadrique Furió Ceriol , no. 62–63 (2011), pp. 113–126. (52) Abdullahi Ahmed An–Na‘im, "From the Neocolonial 'Transitional' to Indigenous Formations of Justice," The International Journal of Transitional Justice , vol. 7, no. 1–2 (2013), pp. 197–204.

ثالثًا، بعد الإجماع على تصور واحد للعدالة، كيف يمكن العودة إلى تصورات متعددة للخير من دون فرض هيمنة تصور ما؟ لهذا السبب، فإن المشروع الليبرالي الحواري لا يهتم بالثقافة فحسب، بل بالسلطة أيضًا. ومن أجل تقويض هيمنة تصور الخير، وللوصول إلى أفضل سياسات العدالة الاجتماعية، يجب أن يكون هناك جدل في المجال العام في قضية ما، لكي تكون إمكانية الإجماع حولها. ومع ذلك، فإنه غالبًا ما يكون مهم ا أن تبقى معارضة قادرة على تشكيل حركات اجتماعية، بصفتها آلية لتوازن القوة،

وجعل صوتها مسموعًا كما هو الحال في الحركات الاحتجاجية التي شهدتها فرنسا في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل 2023 ضد قانون التقاعد الجديد، أو حركة جبهة الخلاص المعارضة لاستبداد الرئيس قيس سعيد، وحركة "حياة السود مهمة" في الولايات المتحدة. تكون الثورة (التي تعرف بمحاولة تغيير النظام السياسي من خارج أنظمته) ضرورية أحيانًا، كما هو الحال في الأنظمة الاستبدادية التي طال أمدها في سورية والبحرين... إلخ. رابعًا، لا يعتمد المشروع الليبرالي الحواري على الترتيبات المؤسساتية الليبرالية فحسب، كما فعل رولز إلى حدّ بعيد، بل يعيد للتبريرات الأخلاقية في المجتمع مرونتها أيضًا، بما في ذلك كيفية ممارسة الأفراد والمجتمعات ل "التجارة اللطيفة"، بحسب مصطلح مونتسكيو Montesquieu، في حياتهم اليومية. وفي مواجهة الليبرالية الفردانية السياسية، يعيد علم الاجتماع الحواري تأهيل الرعاية والعلاقات الإنسانية، ويربط نفسه بحركة العِشرة Convivialism، وكذلك الحبّ الاجتماعي، منهجيةً

بحسب جينيرو أيرو Iorio Gennaro، وسلفيا كاتالدي Cataldi Silvia، ومفهوم الصدى Resonance، والمقاربة العلائقية، تجاه الرفاهية عند هارموت روزا Rosa Harmut، وكيفية صوغ الفيلسوف الصيني تشاو تينغيانغ Tingyang Zhao لحقوق الإنسان القائمة على الواجب (أو ما يسميه حقوق الإنسان باعتبارها دَيْنًا مسبقًا Rights Human Credit)؛ لتأكيد أولوية المسؤولية على الحرية. تشدّد الباحثات في القضايا النسوية، مثل إلينا بلتشيني، على ضرورة إجراء عملية مزدوجة تتضمن النقد والتفكيك للرعاية، والكيفية التي يمكن أن تعمل بها الرعاية مث لً للغيرية، بينما تُجَنْدر العائلة

بنيةً اجتماعية: "من جهة، علينا البحث في صورة الذات السيادية، بدءًا من الذات في مفهوم ديكارت

إلى الإنسان الاقتصادي Homo Economicus في التقليد الليبرالي، وكشف الطبيعة الأحادية لما أشير إليه على نحوٍ صحيح باسم "الذات غير المرتبطة" Self Disengaged ذات ذكورية وأبوية منفصلة عن أي علاقة. ومن جهة أخرى، نحتاج إلى استعادة الكرامة لمفاهيم التبعية والعلاقة؛ من خلال تحريرها من التضحية الذاتية، ونكران الذات، اللذين طالما ارتبطا بالأنثوية. وتشمل إعادة تأهيل الرعاية التفكير في الشخص بطريقة تتجاوز الاختلاف بين أولوية الذات وأولوية الآخر، حيث يمكن الجمع بين الاستقلالية والتبعية والحرية والقدرة على التواصل مع الآخر. وتستطيع النساء تغيير حالتهن التقليدية

(((5 ينظر: Bishara. (((5 يظهر مونتسكيو تطوير أوروبا في القرون الوسطى أخلاقيات تتجاوز القبيلة والحيز الجغرافي، لكي يستطيع التجار ممارسة تجارتهم وتطوير الثقة بين البائع والشاري، من دون أن تكون قوننة واضحة لذلك.

(55) Alain Caillé, Le convivialisme en dix questions (Gironde: Le Bord de l’eau, 2015).

المتمثلة في الخضوع للاستعباد في توفير الرعاية و (العطاء) من خلال التصرّف بكل طواعية بوصفهن

ذوات توفر الرعاية (وتقدّم الهدايا) (ينظر الشكل.)4 الشكل (4) المشروع الليبرالي السياسي الحواري

المصدر: من إعداد الباحث.

سادسًا: بعض تطبيقات المشروع الليبرالي الحواري

يقدّم هذا المحور أمثلة عن كيفية تطبيق المشروع الليبرالي الحواري على بعض القضايا المهمة المتعلقة بالمنظمات الاجتماعية ومسألة الهوية. وفي كل حالة، كانت هناك مشكلة تتعلق بكيفية تعزيز تصور موحد للعدل، مع ترك المجال للتصورات المتعددة لمفهوم الخير، ومحاولة تطويره في بعض الأحيان لتصبح تصورًا للخيرات الأساسية أو للعدل.

1. التنظيم الاجتماعي/ الطبقات الاجتماعية

يجدر التأكيد هنا على الحد الأدنى للدخل الشامل Universal Minimum Income, UMI كما  أوصى به توماس بكيتي Piketty Thomas، وحركة العِشرة، والعديد من الباحثين الآخرين، إضافة إلى التأكيد على التعليم والرعاية الصحية لجميع أفراد المجتمع، وتأمين السكن الاجتماعي للطبقات الدنيا. قد تكون بعض القضايا مثيرة للجدل مثل إن كان ينبغي إعطاء المواطنين أو المهاجرين أولوية العمل، أو إن كان ينبغي رفع سن التقاعد لتنمية ميزانية الدولة، ولكن ينبغي أيضًا التعامل مع الاختيارات الفردية،

(56) Pulcini, p. 86.

مع مراعاة أنواع العمل المختلفة (عمل يدوي مقابل عمل فكري). وماذا عن التعليم العالي؟ هل ينبغي أن يكون لدينا نظامان: أحدهما يخص النخبة والآخر يخص العامة؟ هل يتعارض النظام الحالي، الذي يفرق بين الذين يستطيعون تحمل الرسوم الدراسية المرتفعة والذين لا يستطيعون تحمّلها، مع مبدأ

العدالة الاجتماعية؟ كل هذه المسائل محل نقاش وحوار واحتجاجات اجتماعية داخل كل مجتمع.

2. التنظيم الاجتماعي/ الطبيعة

إن الكفاح من أجل البيئة هو جزءٌ لا يتجزأ من تصورنا للعدل، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالسياسة

الاقتصادية وطبيعة النظام الاقتصادي المنشود. ولم تكن العلاقة بين الإنسان والطبيعة وطيدة كما هي الآن؛ ذلك أن العقود الماضية شهدت نموًا سريعًا يعتمد على فرضية استقرار تكلفة المواد الأولية

والطاقة على المدى الطويل. ولكن الأمور تغيرت؛ إذ حدثت في الآونة الأخيرة تغييرات بارتفاع نسق المضاربة المالية وتقلص الأرباح، وهو ما أدى إلى صراعات توزيعية بين العمال، والإدارة، وأصحاب المصانع، والسلطات الضرائبية. لا يمكننا، إذًا، تصور مجتمع من دون علاقته بالطبيعة: فالمجتمع هو فعلً مجتمع – طبيعة. تبرز الحاجة إلى الانتقال إلى اقتصاد بطيء النموّ، بوصفه جزءًا من تصور العدالة، وإلى تبعاته؛ بما في

ذلك الحاجة إلى وسائل نقل عامة زهيدة ومنخفضة الكربون، والنظر إلى الخدمات العامة على أنها استثمارات وليست التزامات، وزيادة أمن أسواق العمل. ومع ذلك، إنّ جزءًا من تصورات الخير هو السماح للناس بتصور العيش الرغيد Vivir Buen كما  يفسّره

إدواردو غوديناس Gudynas Eduardo، باعتباره الانسجام بين البشر، وبين البشر والطبيعة أيضًا، والإحساس بالجماعة، وقد ألهم غوديناس الحركات الاجتماعية في أميركا الجنوبية منذ أمد طويل. الأمر الذي يهمّني هنا هو كيفية إعادة تأهيل مسألة الفضاء المشترك ومقاومة ما يؤخر استدامة مشروعنا

التنموي مثل بصمات الكربون الزائدة والاستهلاك المفرط. ولا ينبغي أن تكون هذه المسائل جزءًا

من كيفية تصور الفرد للخير، بل ينبغي أن تصبح جزءًا من العدالة البيئية؛ ونتيجة لذلك، ضرورة فرض

المجتمع والدولة سياسات عدل وإنصاف ضد النزعة الاستهلاكية.

3. التنظيم الاجتماعي/ العلمانية

إنّ العلمانية ضرورية لنجاح أي مشروع ليبرالي. وأوافق سيسيل لابورد في تعريفها، بالحد الأدنى، على أنها تصوّر للعدل على النحو التالي: مسافة آمنة بين الدين والدولة، والحد الأدنى من حياد الدولة.

فهذه العلمانية ليست قيمة في حد ذاتها، بل هي آلية لضمان تحقيق مشروع ليبرالي سياسي. نظر الباحثون الاجتماعيون من تيار الليبرالية الرمزية إلى الدين على أنه عائق أساسي أمام التقدم، مع أنماط الفكر السلبي الثنائي التي تشمل العقل مقابل الوحي، والعلم مقابل الدين، والدين مقابل

(((5 لابورد.

السياسة. لِنركّزْ خاصة على المثال الفرنسي؛ فقد تحولت العلمانية في فرنسا، في العقدين الماضيين، إلى دين مدني (مستوحى من المسيحية بصفتها دينًا مهيمنًا) ضد الديانات الأخرى، حيث عُرفتْ الأديان على الطريقة المسيحية (بعد الإصلاح)، وبالتحديد اختزالها في الاعتقاد الفردي وحرية الضمير، ليصبح مكان الدين في الفضاءات الخاصة فقط؛ كالبيت، والكنيسة. وهكذا تصبح أي طقوس في المجال العام (لبس الحجاب مثلً) مجرّد استعراضات دعائية للدين. قد يندهش المرء حين يلمس تجاهل الأوساط الأكاديمية والإعلامية في فرنسا لعالمية مفاهيم التعددية لدى الليبراليين الرمزيين عندما  يتعلق الأمر بالعلمانية. تدور أشد الحوارات حدة حول نظرة العلمانية الجديدة الفرنسية إلى الطقوس في  الدين، والرغبة في إخضاع الإسلام (في فرنسا مثلً) إلى مفهوم للخير المهيمن. وقد رافق ذلك انتشار للإسلاموفوبيا مصدره الدولة وشريحة واسعة من الفرنسيين متأثرين بالليبرالية الرمزية من اليسار واليمين على حد سواء. فهذه العلمانية الجديدة توحدهم ضد هذا "الدين الأجنبي". لا تهدف هذه الدراسة إلى التفصيل في إشكاليات هذه العلمانية الجديدة، بل تهتم بإظهار آليات فرض مفهوم للخير، ومنع أي نقاش حواري حول موضوع مهم مثل هذا. ففي 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطابًا يقدم استراتيجيته لمكافحة التفرقة. واستهدف

بوضوح، خلال الخطاب، الجالية المسلمة في البلاد، حيث كرر كلمتي الإسلاموالإسلام السياسي 52 مرة، مستهدفًا أعضاء هذه الجالية الذين يجدون طرائقهم الخاصة بالاندماج في المجتمع الفرنسي، من دون أن يعني ذلك الانصهار في ثقافة الأغلبية. لقد أعاد إنتاج الخطاب نفسه الذي كان متداولً في فرنسا في فترة الاستعمار أن "الإسلام دين يواجه أزمة في الوقت الحالي في جميع أنحاء العالم". صحيحٌ أن المسلمين يمثلون 10 في المئة من سكان

فرنسا، إلا أننا لا نكاد نرى أحدهم يعبّر عن تجربته أو معرفته في الصحف الفرنسية أو يُمنح مساحة

للتعبير عن تجربته في الإذاعات الفرنسية، باستثناء شخصيات مثل حسن شلغومي (إمام مدينة درانسي Drancy، وهو "دمية" في يد المخابرات الفرنسية). وتشكّل مطاردة دومينيك فيدال وزير التعليم العالي السابق في فرنسا لما سماه "اليساريين المتحالفين مع الإسلاميين" في الجامعات أمرًا مقلقًا لمناخ

الرقابة هذا. أما رئيس تحرير مجلّة Politico Europe، فقد سحب مق لً كتبه عالم الاجتماع الفرنسي فرهاد خسروخافار انتقد فيه بشدة العلمانية الفرنسية. وجرى انتقاد المقال، الذي نُشر في الأساس في

(((5 للمزيد من الدراسة الموسّعة عن العلمانية الجديدة الفرنسية، ينظر: ساري حنفي، "هل العلمانية الفرنسية قابلة للتصدير؟"،

نهوض، 2023/5/3، شوهد في 2023/9/22، في: https://bit.ly/3Osvajk؛ ولدراسة تطور مفهوم العلمانية، ينظر: عزيز العظمة،

العلمانية من منظور مختلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008)؛ عزمي بشارة،  الدين والعلمانية في سياق تاريخي،

ج:1  الدين والتديّن (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2013

(59) "Fight Against Separatism – the Republic in Action: Speech by Emmanuel Macron, President of the Republic, on the Fight Against Separatism," Elysee , 2/10/2020, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/48jx4fnw

31 تشرين الأول/ أكتوبر 2020 على أنه "عمل لا يتماشى مع سياسة التحرير لدينا"، وجرى سحبه من موقع المجلة الإلكتروني. وكنت قد كتبت مق لً باللغة الإنكليزية والعربية نُشِر على الفور. ثم أعددت مقالين قصيرين ترجمهما إلى الفرنسية وحررهما باحث فرنسي لتلبية جميع المتطلبات اللغوية والأسلوبية للنشر في الصحف. ثم قمت بعد ذلك بتقديمهما إلى خمس صحف ومواقع فرنسية. وفي حين اعتذرت أربع صحف بدبلوماسية، أجابت الخامسة بصراحة بقولها: "إن الجدل القائم في فرنسا حساس للغاية ولا يمكن نشر مقالك". واقتُرح عليّ، نظرًا إلى أني مقيم في بيروت، أن أكتب عن ردود

الفعل في لبنان حول تصريحات ماكرون. أبلغت المحرر أنني مواطن فرنسي وبوصفي باحثًا في علم اجتماع الأديان تابعت بما فيه الكفاية هذا الحوار في فرنسا. وبعد الإصرار نُشِر مقالي باللغة الفرنسية في نسخة معدلة مشوهة لكي يصبح مقبولً سياسيًا. من الواضح أنّ وسائل الإعلام الفرنسية (وأحيانًا العالم الأكاديمي) تتجنب تناول هذه المسألة من خلال الرقابة وأنها لا تسمح إلّ بإقامة حوار أحادي الجانب، ولا شكّ في أن انعدام التسامح في نقاش مسألة العلمانية في فرنسا يشير إلى انتشار الإسلاموفوبيا في الوقت الذي يندمج فيه المسلمون الفرنسيون في المجتمع الفرنسي من دون الانصهار كلي.ًّا في ثقافة الأغلبية يدعو المشروع الليبرالي الحواري إلى فتح الإعلام والحرم الجامعي لحوار في قضايا مثل العلمانية الجديدة، ومن دون الحد الأدنى من الندية بين طرفي الحوار لن يكون هناك إمكانية للتخفيف من الاحتقان الذي تشهده فرنسا اليوم مع جاليتها المسلمة.

4. سلطة الأسرة: التصورات المتضاربة لمفهوم الخير

تمثل الأسرة بأشكالها المتعددة ووظائفها العاطفية والتربوية والرعاية جزءًا أساسيًا من تصور المجتمع

للعدالة تجاه الفرد الحر بجسده، وتجاه الأطفال وكبار السن، وما يتطلب ذلك من عدم التمييز ضد ذلك لأي ميول كانت؛ وهذا يلبي تداعيات واستحقاقات التغييرات الاجتماعية والاقتصادية لحداثتنا المتأخرة. ولكن ذلك لا يمر من دون تحديات. ففي منطقتنا العربية، لا يُحتفى دائمًا بالتغيرات في

حجم الأسرة وشكلها من خلال الاعتراف الاجتماعي أو المؤسساتي، مع أن الأسرة تبقى هي الحضن الأهم للرعاية الاجتماعية. وفي كثير من أنحاء المعمورة، يوجد تآكل لسلطة الأسرة من الدولة الليبرالية وقوى الرأسمالية النيوليبرالية والعاطفية. وقد حاول كلاهما لفترة من الوقت توفير اليد العاملة المتنقلة بمقابل زهيد، من خلال العائلة، بوصفها بنية اجتماعية بارزة. وربما يكون الشكل الأكثر فقاعة في هذا التآكل متمثلً في بلدان مثل السويد والدنمارك وأستراليا التي تقوم بنقل أطفال من السكان، وخاصة الأصلانيين والعائلات المهاجرة، لتحتضنهم عائلات "متقدّمة ثقافي.ًّا" وقد أظهرت أيضًا بعض الأبحاث مؤخرًا احتجاجات العائلات المهاجرة في السويد، ضد السلطة

البيروقراطية لمجلس الرعاية الاجتماعية، الذي يتصرف من دون اتباع الإجراءات القانونية المتعارف

((6(ساري حنفي، "شعبوية ماكرون: أزمة إسلام أم أزمة علمانية فرنسية؟"، الجزيرة. نت، 2020/11/2، شوهد في 2023/9/22، في:

https://tinyurl.com/4bu2j2cy

عليها. فوفقًا للتقرير الذي نشره مجلس الرعاية الاجتماعية في آب/ أغسطس 2021، نُقل 35300 فرد من عائلاتهم، ووُضِعوا في قسم الرعاية في خلال عام واحد (2020). وكانت أكثر الطرائق شيوعًا هي الأسر الحاضنة، حيث وضع 19400 من الأطفال والمراهقين في رعايتها. بعد ثلاث مسيرات احتجاجية في ثلاث مدن في السويد رافقتها حملة على وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان "أوقفوا خطف أطفالنا"، ردّت السلطات السويدية، في 6 شباط/ فبراير 2023، متهمة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بالارتباط ب "منظمات إسلامية تمارس العنف". وحذرت من حملات التضليل والتهديد بالعنف ضدّ الخدمات الاجتماعية ومن خطر وقوع هجمات إرهابية بعدها. وتتضمن التدابير لمواجهة "التضليل" ما يلي: • يُمنح المجلس الوطني للصحة والرعاية الاجتماعية تفويضًا معززًا للحدّ من نشر الشائعات وتضليل الرأي العام حول الخدمات الاجتماعية. • تكون عقوبة ممارسة أعمال العنف أو تهديد الموظفين العامين أكثر صرامة، ويجب كذلك تجريم إهانة موظف عام. ويشمل ذلك أيضًا اقتراحات لتعزيز حماية البيانات الشخصية لموظفي القطاع العام. • سيجري اعتماد اقتراح للنظر من مجلس التشريعات، لتمكين استخدام المزيد من ضباط الأمن في جل مؤسسات الخدمات الاجتماعية. ا حملة تقودها منظمات إسلامية تدعو للعنف؟ لِنُلقِ نظرة على من قد اعترض على ولكن هل هي حق هذه السياسة: • تقرير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفولة في تشرين الأول/ أكتوبر 2009 الذي نصّ: "يساور

اللجنة القلق إزاء العدد  المرتفع من الأطفال الذين أُبعدوا عن أسرهم ويعيشون في دور الحضانة أو مؤسسات أخرى. وقد أوصت اللجنة السويد باتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء ارتفاع عدد الأطفال الذين يُبعدون عن أُسرهم والتأكيد على إعطاء الأولوية لحماية البيئة الأسرية الطبيعية وضمان عدم اللجوء إلى الإبعاد من الأسرة الطبيعية والإيداع في رعاية الكفلاء أو مؤسسات الحضانة إلا عندما يكون ذلك من أجل مصالح الطفل الفضلى".

(61) Abdellatif Haj Mohammed, "Revealed: Swedish Foster Care Negligence Leaves Children Traumatized," The New Arab , 19/10/2022, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/2p9e66pj (62) Becky Waterton, "Interview: Why Immigrant Families in Sweden Might Distrust Social Services," The Local , 22/2/2022, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/mr4uva57 (63) "Government Taking Strong Action against Disinformation and Rumour–Spreading Campaign," Government Offices of Sweden , 6/2/2023, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/4xkdbdut (64) "Advance Unedited Version: Committee on The Rights of The Child," 12/6/2009, accessed on 22/9/2023, at: https:// tinyurl.com/pux829h4

• كتبت لجنة بلدان الشمال لحقوق الإنسان وحماية حقوق الأسرة في بلدان الشمال إلى الأمين العام لمجلس أوروبا، ثورنبيورن ياغلاند Jagland Thorbjorn في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2012، تقريرًا يضم 20 صفحة عن انتهاكات كبيرة في النظام السويدي لحماية الطفل. وانتقدت صناعة "دور الرعاية"، وبيّنت العديد من الدراسات الدولية التي تؤكد أن فصل الطفل عن والديه

يعرضه للاكتئاب أو غيره من الأمراض العقلية والجسدية بمعدل يراوح بين ضعف وثلاثة أضعاف مقارنة بالأطفال الذين ليست لديهم تجارب مماثلة. ولذلك يعد فصل الطفل عن والديه عملً مؤذيًا تمامًا كأي "محنة" أخرى ويندرج تحت مصطلح "الإهمال". وقد وقّع هذا التقرير 92 من المحامين والقضاة والأخصّاء النفسيين والأساتذة الجامعيين والأطباء في السويد. • قالت سيف وستربيرغ Westerberg Siv مؤسسة لجنة بلدان الشمال لحقوق الإنسان، وهي محامية معترف بها دوليًا، وقد فازت بثماني قضايا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان

ضد الخدمات الاجتماعية السويدية: "إنهم يختطفون أطف لً مسلمين [...] لا يقبلون اختلاف الآخرين في طريقة عيشهم [...] إنها عملية تجارية كبيرة في السويد [...] ينتزعون الأطفال من أمهاتهم". وأشارت إلى أنّ دور الرعاية تحصلت على مبلغ كبير جدًا من الأموال من الخدمات الاجتماعية"، وأنه إذا حظيت بحضانة طفل تحصل على 25000 كرونة سويدية (حوالى 2522 دولارًا أميركيًا) في الشهر من دون دفع الضرائب. • بيّنت لينا هيللبلوم سيوغرن Sjogren Hellblom Lena المتخصصة السويدية في علم النفس

الشرعي، في كتابها (2013) The Child’s Right to Family Life، أن النظام السويدي ليس عادلً تجاه هؤلاء الأطفال؛ "لأن حقوق الطفل تنتهك وإذا لم يكن لديك تقرير دقيق يظهر أن الطفل في حاجة ملحّة إلى الحماية، فإنه لا يمكن أن تتخذ تلك الخطوة الأخيرة لنقل الطفل بعيدًا عن عائلته". • أثبت تقرير إليزابث دهلن Dahlin Elisabeth، أمينة المظالم المعنية بالأطفال في الحكومة السويدية في عام 2019، طبيعة الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها بعض الأطفال في دور الرعاية. وتتوافق هذه النتائج مع التقرير النهائي للمفتشية السويدية للرعاية الصحية والاجتماعية IVO الصادر في شباط/ فبراير 2020. وبيّن هذا التقرير الإخفاقات المتعلقة بحق الطفل سواء

في المشاركة في عملية التدخل، إضافة إلى المسائل المتعلقة بالتوثيق والمراقبة ومعالجة الشكاوى ومتابعة التدخلات. يسجل هذا التقرير 1297 انتهاكًا مرتبطًا بهذه المسائل تخص 819 حالة منتشرة في 252 بلدية.

(65) Leila Nezirevic, "Experts, Families say Sweden’s Social System Mistreats Muslim Children," AA , 5/5/2022, accessed on 22/9/2023, at: https://tinyurl.com/ykz5bt4r (66) Ibid. (67) Haj Mohammed.

تسلّط هذه المناقشة الضوء على أربع نتائج: أولً، عدم التسامح الموجود في النقاش عن أهمية العائلة، وتصوير نقد السياسات التمييزية على أنه مؤامرة تحركها "منظمات إسلامية تدعو إلى العنف". ولا يتناقض ذلك مع الإقرار بأن نقاش هذه المسألة في العالم العربي والإسلامي أيضًا تهيمن عليه العاطفة، ويعتبر وضع هؤلاء الأطفال في دور الرعاية مجرد عملية اختطاف معادية للإسلام. ثانيًا، كيفية استخدام الدولة النيوليبرالية سلطتها وسلطة المدرسة ضد سلطة الأسرة بدلً من تكاملها

معها. لو أنّ ممثلي النسوية المركزة على إعادة الإنتاج الاجتماعي Reproduction Social (مثل نانسي فايزر) قد ركزوا على ذلك، وأنا أتفق معهم، ولكن تآكل سلطة الأسر يعتمد كذلك على نوع الأسرة (الوطنية مقابل المهاجرة والحضرية مقابل الريفية). وفي كثير من الدول الغربية، تفاقم سياسات الدولة مع الرأسمالية العاطفية ومع تحولات العلاقات الحميمية تقليص حجم الأسرة، إلى حدّ أن كثيرًا من الأطفال ينشؤون من دون إخوة ولا أولاد أعمام أو أولاد أخوال، ويرتبط ذلك بضعف إرادة الإنجاب أو بدفع الشركات الكبرى المرأة العاملة لتجميد البويضات من أجل تأخير الإنجاب (تمويل عملية التجميد)، أو بالاحتفاء بالأسرة المؤلفة من أم وطفل (الأم العزباء) التي استطاعت تكنولوجيات جديدة للإنجاب تمكينها. ليس الموضوع نقدًا لخيارات فردية متعلقة بمفاهيم الخير في عصر الحداثة المتأخرة، ولكن يجب عدم فرضها بوساطة الليبرالية الرمزية (من خلال القوانين، أو من خلال مناهج المدرسة الابتدائية). ثالثًا، يجب عدم إضفاء القداسة على الأسرة بوصفها بنية اجتماعية، بل إنّ الضغوط التي مارستها بعض الحركات النسوية، والتي دفعت بالدولة إلى المجال الخاص وسنّ قوانين تجرّم العنف الأسري، هو

أمرٌ إيجابيّ، لأنها تفتح أُفقًا لمواجهة العنف ضد الطفل. ولكن لماذا لا  تكون عقوبة الفاعل بالغرامة

أو السجن بدلً من معاقبة الطفل باجتثاثه من أسرته. يجب تبنّي الحوار لإدراك مدى قلق الناس بشأن مؤسسة الأسرة بجميع أشكالها، لأن الأسرة بصفتها بنية اجتماعية تكتسي أهمية كبرى في هذا العصر النيوليبرالي لحماية الأفراد من تسلط الدولة وقسوة قوانين اقتصاد السوق؛ بالنظر إلى ما توفره للأفراد من دعم مادي وعاطفي. رابعًا، ليس في إمكان المدارس العمومية أن تحل محل الأسرة في وظيفة التربية، بل عليها أن تكمل ما بدأته الأسرة. يمكن العثور على مثال عن هذه المعضلة في العديد من البلدان عندما تسمح المدارس للأطفال بالتحول الجنسي والبدء في العلاج الهرموني من دون موافقة الأسرة. ومجددًا تُعدّ دراسات إيفا إيلوز، وخاصة كلود حبيب، عن هذه القضايا مهمة لإدراك أن ذلك ليس اختيارًا شخصيًا حرًّا،

بل إملاءات رأسمالية نيوليبرالية/ عاطفية من خلال الميديا الاجتماعية وضغط لوبي صناع الأدوية.

((6(ناصيف نصار، كتاب عشتار في اللباس والجسد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2022

(69) Claude Habib, La question trans (Paris: Gallimard, 2021).

باختصار، ما أنتقده هو أن تمكين الطفل من حقوق فردية لا يعني حمايته من أسرته، بل حمايته مع أسرته. وعلى المشروع الليبرالي تأمين الجدل اللازم في المجال العام، وخاصة الحرم الجامعي، لدراسة كيفية إعادة الاعتبار لرسالة الأسرة والأخذ في الاعتبار إعادة الإنتاج الاجتماعي في تصور العدالة الاجتماعية.

5. الهوية الجنسية والهوية الجندرية لمجتمع الميم

لقد حقّق مجتمع الميم (المثليات والمثليون ومزدوجو الميل الجنسي ومغايرو الهوية الجنسانية وأحرار الهوية الجنسانية وغيرهم LGBTQ +) في غرب أوروبا وأميركا الشمالية، وبعض المناطق الأخرى، نجاحًا متزايدًا في منح الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه الحركات الحقوق، بخاصة اعتراف المؤسسات بالأزواج من الجنس نفسه. ومع ذلك، يجب التمييز بين ما يتعلق بمفهوم العدالة (القبول والاعتراف المجتمعي والقانوني)، وما يتعلق بالتصور التعددي لمفهوم الخير. في بعض البلدان، هناك ظهور علني لأشكال الميول الجنسية في المجال العام خلافًا لبلدان أخرى. وتعد المرئية جزءًا من

التصوّرات لمفهوم الخير وكيفية تنظيم ذلك في المجال العام. لنأخذ مثال ما حدث في كأس العالم في قطر. فكل من يهتم بمفهوم العدالة يمكنه التنديد بتجريم القانون لمجتمع الميم. ومع ذلك يرى البعض أن حمل علم قوس قزح والترويج لهذه الحركة هو جزء من التصورات المتنازعة لمفهوم الخير التي يجب أن يناقشها المجتمع القطري في المجال العام ويتوصل بخصوصها إلى توافقات معينة. ولذلك، يندد القطريون بمحاولة بعض الغربيين فرض تصورهم لمفهوم الخير ويعتبرون ذلك نوعًا من الإمبريالية الثقافية. وفي هذا الصدد يُعدّ كتاب جوزيف مسعد اشتهاء العرب مهم ا على نحوٍ خاص؛ إذ انتقد الاعتراف المؤسساتي بمجتمع الميم والسماح لأصحابه بالظهور علنًا. وانتقد أيضًا هذا الدفع الغربي لحراك المثلية الجنسية في مجتمعات لا تعتبر عادة أن الرغبة الجنسية تتماشى بشكل دقيق مع التصنيفات الثنائية التي تتكون على أساس الجندر لخيار الغرض الجنسي، ولم تتصوّر التفضيلات الجنسية

بوصفها جزءًا أساسيًا في بناء هوية اجتماعية. ويرى أن الحركة الغربية للمثليين تتجاهل ذلك، وتعتبره

وعيًا كاذبًا وضربًا من الفوبيا من المثلية الجنسية. ويرى أن العواقب كانت سيئة، بما أن نشاط هذه

الجمعيات المثلية يولّد ردود فعل عنيفة إزاء ما يبدو للآخر نشر الغرب للانحلال الأخلاقي، ويتصاعد اضطهاد الدولة للحركة المثلية، مدفوعًا بالرأي العام ليحل محل مفاهيم التسامح التقليدية، ما دامت هذه الممارسات الجنسية لا تكون علنية. مع أنني لا أشاطره الرأي في كل ما جاء الكتاب به، فإنني أعتبر وجهة نظره مهمة للمطالبة بنموذج ثقافي لتطبيق مفهوم للعدل؛ أي عدم التمييز بين الأفراد بناءً على الميل الجنسي. وفي السياق ذاته،

يمكن أن يتساءل المرء: هل ينبغي الاحتفاء بالمرونة الجندرية Fluidity Gender والفصل الكلي بين

((7(جوزيف مسعد، اشتهاء العرب، ترجمة إيهاب عبد  الحميد (عمان: دار الشروق،.)2013

علاقة الأدوار الجندرية بالجنس البيولوجي في جميع الأماكن؟ وهل من الممكن التخلي عن دور الثقافة في مفهمة الرغبة والمتعة في مجتمع ما؛ إذ إنّ المتعة هي جزء من تصور الخير؟ أللوالدين الحق في المطالبة بتربية أبنائهم بما يرونه صالحًا لتصورهم للحياة الطيبة لهم؟ إذا أرادت جماعة ما الاحتفاء

بالعلاقة الجنسية بين الغيريين Normativity Heterosexual، فهل يعتبر ذلك تمييزًا ضد مجتمع الميم؟ هل يمكن المرء أن يعتبر أن المطالبة بالمرونة الجندرية تخفي تصورًا للجنس له ميتافيزيقيته ويستند إلى المتعة الفردية المطلقة؟ وبهذا المنطق نفسه (المتعة المطلقة)، هل في إمكان المجتمع أن يتسامح مع تعدد الزوجات والأزواج؟ كل هذه الأسئلة هي تمرينات جدلية للفصل بين ما يمكن أن يشكله مفهوم العدل وتعددية تصورات الخير حول الهوية الجنسية أو الجندرية. فليس بديهيًا أن الدين قد فرض

معياريته على مؤمنيه وأنه لا توجد معيارية (فقط معرفة علمية!) لمن يؤمنون بالتغير المستمر للفرد والمجتمع والثقافة؟ لا أقصد بذلك أني أفترض إلزام أي ثقافة ما بنمط عيش وحيد وخاص بها. ما أريد قوله هو أنه إذا اعتبرنا أن الثقافة متحركة ومتغيرة، وجب علينا إذًا التفكير في أن السلطة (استبدادية، شعبوية، نيوليبرالية، دينية... إلخ) والعاطفة (الرأسمالية)، بصفتهما بنية للمشاعر، تؤثران في الثقافة بصفة أساسية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا أدعو للتفكر في بردايم السيولة الجندرية على أنه جزء من مفهوم الخير لفئه من مجتمعاتنا، وليس ضرورة لعدم التمييز ضد مجتمع الميم. وجب الاعتراف أن كل هذه المسائل والتفرقة بين تصورات الخير وتصور العدل تفسر وجود هذا التعصب وعدم التسامح مع غياب الحوار. ففي السابع من شباط/ فبراير 2023، قام بشار حيدر أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت بدعوة هولي لوفورد–سميث Holly Lawford–Smith الناشطة النسائية وأستاذة الفلسفة بجامعة ملبورن لتقديم كتابها النسوية الناقدة للجندر Gender– (2022) Critical Feminism. واستعمل نادي الجندر والجنسانية الباب التاسع من قوانين الجامعة (أي مكافحة التمييز ووفقًا لسياسة التنوع والإنصاف والإدماج) للدعوة لإلغاء الدعوة؛ وقد أثار خشية مسؤول في الجامعة بشكل غير رسمي من أن مثل هذه الدعوة ستعرّض تمويل الوكالة الأميركية للتنمية

الدولية للجامعة الأميركية للخطر. وفي الأسبوع التالي، وبعد فشل إيقاف هذه الدعوة، أصدر النادي ومنظمات طلابية شريكة له بيانًا أستعرضُ منه بعض المقتطفات: "وفقًا لقيم ومبادئ النادي والباب التاسع [...] ندين هذه الندوة والمحاضرة كما نستنكر أي رأي أو تصريح يسيء إلى مجتمع الميم وخاصة جماعة المتحولين جنسيًا [...] حقوق المتحولين جنسيًا هي بمنزلة حقوق الإنسان ليس لأي

كان الحق في مناقشة شرعية وجودهم". أريد تسليط الضوء على الجملة الأخيرة حيث إن كتاب لوفورد – سميث لا يشكك في شرعية وجود الأشخاص المتحولين جنسيًا، ولكنه يشير إلى تضارب

حقوقهم مع مجموعات ذات ميول جنسية أخرى. يدعو علم الاجتماع الحواري إلى مناقشة هذه المسائل المثيرة للجدل مثل الهوية الجندرية مقابل

(((7 طبعًا لا أريد هنا أن أقول إن مفهوم الجندر ليس مهمدًّا. فمثلً، تفكيك الدراسات الجندرية للبطريركا أمر مهم جيًّا. ولكنن

أستهجن الفصل الكلّي بين الهوية الجندرية والجنس البيولوجي.

(72) "Gscaub," Instagram , 14/2/2023, accessed on 16/10/2023, at: https://tinyurl.com/5yn3uvb4

الهوية الجنسية، والمساهمة استراتيجيًا في دفع تبني التصور المجرّد لمفهوم العدالة في مجتمع معيّن

(مثلً عدم التمييز في حق مجتمع الميم) وتسهيل النقاش حول تدافع منظورات الخير. وفي السياق نفسه، يشير كتاب دينا كيوان إلى أنه في سياق المملكة المتحدة، يبدو أن إنتاج المعرفة من خلال سرديّات بديلة لموضوعات معينة، ممنوع في المجال العام وفي المنتديات الأكاديمية على حدٍّ سواء. يصف أحد أساتذة علم الاجتماع البريطانيين الصعوبات التي واجهها في نشر قضية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة، وهي احتجاجات 2019 في برمنغهام ضد إدراج مجتمع الميم (ضمن حملة "لا للغرباء") في مناهج التعليم الابتدائي. وتستشهد كيوان بما قاله هذا الأستاذ بأنه لا المجلات العلمية ولا مقالات الرأي في الجرائد ولا حتى موقع The Conversation الذي هو بمنزلة المدونة المعتمدة في الجامعات كافة للذين يرغبون في النشر عن هذا الموضوع، من وجهة نظر مخالفة للرأي السائد (وهو وجود خلل في موقف أهل التلاميذ المسلمين).

خاتمة

لست متأكدًا من أن كل أمراض الحداثة المتأخرة مرتبطة حصريًا بتطبيق مشروع الليبرالية السياسية أو بالنظرية ذاتها؛ فنحن في حاجة إلى تقييم نقدي لكليهما. لا ينبغي تمجيد أي تصور بما في ذلك تصور رولز، بيد أنه من المهم تدشين حوار لبناء بعض المصطلحات والقيم الكونية. تبدو هذه المصطلحات لينة في شكلها المجرد، لكنها تكتسب صلابة حين تتوافر لكل مجتمع الحرية والقدرة على النقاش والحوار، بحسب خصوصيته؛ وهذا ما أسميه الكونية الناعمة Universalism Soft. ولا أعني بذلك النسبوية المطلقة التي تؤدي إلى أسطورة التفرد. يبدو أن التمييز بين المصطلحات الأخلاقية "الكثيفة" و"الرقيقة" أمر مهم جد ا؛ إذ يعتبر والزر أنه يجب تكييف وبلورة مجموعة رقيقة من المبادئ الكونية بكثافة تتماهى مع الظروف التاريخية، لإعطاء ما نسميه المبادئ الكبرى (مثل الديمقراطية الاجتماعية) معنى؛ وذلك في سياق معين، حيث تؤدي المبادئ الكثيفة الأخرى دورًا مهماًّا (مثل شكل العدالة التوزيعية)، وغالبًا م تكون هذه المبادئ

الأخلاقية الكثيفة أكثر شرعية وفائدة. ومع ذلك، فإن وجود حد أدنى للأخلاق الرقيقة أمرٌ أساسي من

أجل النقد والتضامن الدولي. يسعى علم الاجتماع الحواري لتجاوز نقد المحافظين للحرية الفردية، وتجاوز الرؤية الليبرالية التي تضع الحرية في أعلى هرم القيم، ويعيد تأهيل تصورات التعددية للخير موازنًا بين الحقوق الفردية والحقوق الجماعية. ويصبح علم الاجتماع الحواري مبني ا على نسخة معدلة من الليبرالية السياسية

التي تتسع للثقافة والجماعات المحلية، ولا تتسع للأفراد فحسب. ولا ينطلق علم الاجتماع الحواري

(73) Dina Kiwan, Academic Freedom, and The Transnational Production of Knowledge (Cambridge: Cambridge University Press, 2023). (74) Michael Walzer, Thick and Thin: Moral Argument at Home and Abroad (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2019).

أيضًا من افتراضات ميتافيزيقية أو من مثُل مجردة، بل من كيفية اشتغال العالم؛ أي إنه لا يعتبر الثقافات

كيانات ثابتة ومتجانسة وأبدية، بل كيانات في حركية وديناميكية دائمة. وتدل الإحصائيات الاجتماعية على أن الأشخاص في جميع المجتمعات يدعمون بشدة قيم الدين والعائلة والجماعة، وكذلك الحرية الفردية والمساواة. ومع ذلك، هناك مفاضلات بين هذه القيم: إما أن نشهد دعمًا أكبر لقيم الحرية

الفردية والمساواة على حساب الدين والعائلة والمجتمع، وإمّا أن يكون الأمر عكس ذلك؛ ومثل هذه

المفاضلات ليست نهائية ومطلقة، بل هي مرتبطة بسلم التفاضل للقيم الذي يختلف من مجتمع إلى آخر وتتغير هذه التوازنات بمرور الوقت. لقد تجاهل مؤشر السعادة العالمي Happiness World Index فترة طويلة استعمال مفهومَي التوازن والتناغم Harmony and Balance اللذين أصبحا بارزين

خاصة من خلال الدراسات في الجنوب العالمي. ويكشف الإصدار العاشر من هذا المؤشر عن أنّ هذين المفهومين لا يخصان سعادة الأفراد في الجنوب فحسب، بل يتعلقان بجميع أرجاء العالم: عناصر التوازن/ الانسجام لها صلة متينة بكيفية تقييم الحياة الاجتماعية. ويحظى هذا التوازن أيضًا بأهمية كبيرة بالنسبة إلى عدد مهم من الأفراد، ويخلق ديناميات في صميم الرفاهية. تنطلق يوتوبيا/ مشروع السوسيولوجيا الحوارية في الواقع من الترتيبات الاجتماعية والسياسية القائمة، ومن كيفية ممارسة الأفراد والجماعات لما يسميه مونتسكيو "التجارة اللطيفة". وفي النتيجة، هي بمنزلة بوصلة تربط علم الاجتماع بالفلسفة الأخلاقية. ويعتبر هذا المشروعُ القيمَ التي يدافع عنها علم

الاجتماع، بوصفه علمًا له مطالب معيارية، لا على أنها قضايا فلسفية فحسب، بل سوسيولوجية أيضًا؛

بمعنى أنه لا يمكن تحليلها بالاستقلال عن كيفية ممارستها. وهكذا، لا تعتبر الأخلاق مجموعة ثابتة من القيم، بل هي بنى مبنية، وفي الوقت نفسه تتأثر بالفعل البشري. تقترح هذه السوسيولوجيا مناهج واضحة وافتراضات معيارية ونوعًا من الالتزام، لتصحيح نزعته الوضعية. مقاربتي هذه تتمفصل مع مقاربات جديدة في العلوم الاجتماعية وتدفعها إلى الأمام، وتمثل جزءًا أساسيًا لبرنامج الجمعية الدولية

لعلم الاجتماع (خلال فترة رئاستي) من أجل ربط الفلسفة الأخلاقية والسياسية بعلم الاجتماع. لا يقلل علم الاجتماع الحواري من العمق النقدي للمقاربات الماركسية والنسوية والدراسات العرقية والنظرية النقدية والتقاطعية، بل هو أيضًا دعوة للنقد المتموضع Criticism Situated. فهذا العلم لا يقتصر على نقد القوى المخالفة لمنظوره، بل يسعى في الآن نفسه لفتح الحوار معها. يجب أن نقر قواعد الحد الأدنى لمناقشة القضايا في المجال العام. ومع ذلك لم يعد مقبولًاستبعاد أولئك الذين

(75) Aria Nakissa, "Cognitive and Quantitative Approaches to Islamic Studies: Integrating Psychological, Socioeconomic, and Digital–Cultural Statistics," Religion Compass , vol. 15, no. 12 (2021), p. e12424. (76) John Helliwell et al., "World Happiness Report 2022," Sustainable Development Solutions Network (2022).

(((7 أشار تحليل الانحدار إلى أنه بصرف النظر عن الشعور بالهدوء، فإن عناصر التوازن/ الانسجام جميعها لها ارتباط كبير بتقييم الحياة (<0.001 p)، بما في ذلك التوازن (0.37) والسلام (0.46) على نحو خاص.

(78) Mohammed A. Bamyeh, Lifeworlds of Islam: The Pragmatics of a Religion (Oxford: Oxford University Press,

(79) Sari Hanafi, "Connecting Sociology to Moral Philosophy in the Post–Secularity Framework," MAUSS International , vol. 1, no. 1 (2021), pp. 243–263.

لا يتفقون مع رؤيتنا الاجتماعية من النقاش والحوار، بسبب تدينهم أو توجههم المحافظ أو قوميتهم، كما فعل الليبراليون الرمزيون وما زالوا يفعلون. وعلى امتداد فترة طويلة، منع النقد الراديكالي المتحالف مع المجتمع المدني الجماعة العلمية الاجتماعية من إقامة حوار مع الفضاء المدني Sphere Civic بالمعنى الذي يقدّمه جيفري ألكساندر؛ إذ يذكرنا هذا الأخير بأن المجتمع المدني هو مجرد جزء من الفضاء المدني الذي يشمل أيضًا الأسرة والجمعيات الدينية والعلمية وغرف التجارة والصناعة والجماعات المحلية والإقليمية بوصفها مصدر إنتاج للخيرات ولتنظيم العلاقات الاجتماعية وفقًا للمثل والقيود المختلفة. بعبارة أخرى، لا يكفي دعم الذين لديهم أفكار ديمقراطية ليبرالية فحسب، بل علينا أن نصغي بانتباه أيضًا إلى الذين يرفضون كليًا أو جزئيًا هذه الأفكار. وأذكر هنا دراسة أرلي راسل هوشايلد عن

الأميركيين البيض الريفيين في لويزيانا. لقد تحولوا إلى داعمين لترامب، معبّرين بذلك عن استيائهم من

العولمة ومن تجربتهم مع اللامساواة الاجتماعية. وفي السياق نفسه، وجب الاستماع، على سبيل المثال، إلى الذين تساورهم مخاوف تجاه المهاجرين السوريين والأفارقة القادمين إلى أوروبا قبل إصدار الأحكام عليهم. بهذا المعنى، يبني علم الاجتماع الحواري على علم الاجتماع العمومي Sociology Public وفقًا لمفهوم مايكل بوراوي، والكيفية التي جرى بها تطويره في جنوب أفريقيا بربطه بالالتزام النقدي، ولكنه ينادي بالتفاعل مع جماهير مختلفة، مبتعدًا عن الوصم على قدر الإمكان. يمكن أن يوفّر علم الاجتماع معارف مهمّة متعلقة بالفقر وعدم المساواة الاجتماعية والهجرة القسرية، ولكن يجب أن تحركنا العاطفة والدافع الأخلاقي والرحمة والإيثار والتضامن والروح النضالية. والهدف من ذلك هو تجاوز وصف ونقد الحياة الاجتماعية وتقديم إطار فكري لمجتمع تواصلي يضم جميع المواطنين مع احترام جميع أشكال التعددية من دون دفع الأقليات إلى الانصهار بالأغلبية.

تنويه وتقدير

هذه نسخة موسّعة من الكلمة الرئاسية في المؤتمر العالمي للجمعية الدولية لعلم الاجتماع الذي انعقد في الفترة 25 حزيران/ يونيو – 1 تموز/ يوليو 2023. وأود أن أشكر كل الذين حاوروني في بعض مفاهيم هذه الدراسة وساعد في بلورة أفكاري وإنضاجها، وهم محمد بامية، وريغاس أرفانيتيس Rigas

Arvanitis وعبدي كازيميبور Kazemipur Abdie، وفريديريش فاندنبرغ Vandenberghe Frédéric،

وبشار حيدر، ومنير الكشو. ولا يسعني هنا إلا أن أشكر منظمي بعض المحاضرات التي تناولت موضوع هذه الدراسة والنقاش مع الجمهور، وكان آخرهم في تونس (مهدي مبروك، ومنير السعيداني)، وفي قسم العلوم الاجتماعية في جامعتي – الأميركية في بيروت – (بليك أتوود).

(80) Jeffrey C. Alexander, The Civil Sphere (Oxford: Oxford University Press, 2008). (81) Arlie Russell Hochschild, Strangers in Their Own Land: Anger and Mourning on the American Right (New York: The New Press, 2016). (82) Michael Burawoy, Public Sociology: Between Utopia and Anti–Utopia (Cambridge: Polity, 2021). (83) Andries Bezuidenhout, Sonwabile Mnwana & Karl von Holdt (eds.), Critical Engagement with Public Sociology: A Perspective from the Global South (Bristol: Bristol University Press, 2022).

المراجع

References

العربية

بشارة، عزمي.  الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج:1  الدين والتديّن. الدوحة وبيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 حنفي، ساري. "السوسيولوجيا الكونية: نحو اتجاهات جديدة". إضافات. العدد).2018(45 العظمة، عزيز. العلمانية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها". تبين. مج  9، العدد 36 (ربيع.)2021 _______. "الليبرالية وحرية التعبير: قراءة في الخلفيات الفلسفية لجدل قانوني وسياسي". تبين. مج 11، العدد 43 (شتاء.)2023 لابورد، سيسيل. دين الليبرالية. ترجمة عبيدة عامر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2019 مسعد، جوزيف. اشتهاء العرب. ترجمة إيهاب عبد  الحميد. عمان: دار الشروق،.2013 نصار، ناصيف. كتاب عشتار في اللباس والجسد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2022 ________. باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل. بيروت: دار  الطليعة،.2003

الأجنبية

Alexander, Jeffrey C. The Civil Sphere. Oxford: Oxford University Press, 2008. An–Naʼim, Abdullahi Ahmed. "From the Neocolonial 'Transitional' to Indigenous Formations of Justice." The International Journal of Transitional Justice. vol. 7, no. 1–2 (2013). Atlani–Duault, Laëtitia & Stéphane Dufoix. "Chercheurs à la barre. Les sciences sociales saisies par la justice." Lectures. no. 3 (2014). Bahlul, Raja. "Toward an Islamic Conception of Democracy: Islam and the Notion of Public Reason." Critique: Critical Middle Eastern Studies. vol. 1, no. 1 (2003). Bamyeh, Mohammed A. Lifeworlds of Islam: The Pragmatics of a Religion. Oxford: Oxford University Press, 2019. Bezuidenhout, Andries, Sonwabile Mnwana & Karl von Holdt (eds.). Critical Engagement with Public Sociology: A Perspective from the Global South. Bristol: Bristol University Press, 2022. Bhambra, Gurminder K. & John Holmwood. Colonialism and Modern Social Theory. Cambridge: Polity, 2021.

Bishara, Azmi. Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia. London: I.B. Tauris, 2021. Bob, Clifford. Rights as Weapons: Instruments of Conflict, Tools of Power. Princeton: Princeton University Press, 2019. Botz–Bornstein, Thorsten. The New Aesthetics of Deculturation: Neoliberalism, Fundamentalism and Kitsch. London: Bloomsbury Academic, 2019. Brown, Wendy. Regulating Aversion: Tolerance in the Age of Identity and Empire. Princeton: Princeton University Press, 2008. Burawoy, Michael. Public Sociology: Between Utopia and Anti–Utopia. Cambridge: Polity, 2021. Caillé, Alain. Le convivialisme en dix questions. Gironde: Le Bord de l’eau, 2015. Cooke, Maeve. "A Secular State for a Postsecular Society? Postmetaphysical Political Theory and the Place of Religion." Constellations. vol. 14, no. 2 (2007). Downs, Anthony. "An Economic Theory of Political Action in a Democracy." Journal of Political Economy. vol. 65, no. 2 (1957). Dufoix, Stéphane. Décolonial. Paris: Anamosa, 2023. El Amine, Loubna. "Political Liberalis, Western Histor, and the Conjectural Non– West." Political Theory. vol. 49, no. 2 (2021). Fadel, Mohammad. "Muslim Modernism, Islamic Law, and the Universality of Human Rights." Emory International Law. vol. 36, no. 4 (2022). Graeber, David. The Utopia of Rules: On Technology, Stupidity, and the Secret Joys of Bureaucracy. Brooklyn, NY/ London: Melville House Publishing, 2016. Grindheim, Jan Erik. "Why Right–Leaning Populism has Grown in the Most Advanced Liberal Democracies of Europe." The Political Quarterly. vol. 90, no. 4 (2019). Habermas, Jürgen. "Religion in the Public Sphere." European Journal of Philosophy. vol. 14, no. 1 (2006). Habib, Claude. La question trans. Paris: Gallimard, 2021. Hanafi, Sari. "Connecting Sociology to Moral Philosophy in the Post–Secularity Framework." MAUSS International. vol. 1, no. 1 (2021). Heilinger, Jan–Christoph. Cosmopolitan Responsibility: Global Injustice, Relational Equality, and Individual. Berlin/ Boston: de Gruyter, 2019. Helliwellet, John al., "World Happiness Report 2022" Sustainable Development Solutions Network (2022).

Hibou, Béatrice. La bureaucratisation du monde à lʼère néolibérale. Paris: La Découverte, 2012. Hochschild, Arlie Russell. Strangers in Their Own Land: Anger and Mourning on the American Right. New York: The New Press, 2016. Illouz, Eva. The End of Love: A Sociology of Negative Relations. New York: Oxford University Press 2019. Keim, Wiebke et al. (eds.). Routledge Handbook of Academic Knowledge Circulation. New York: Routledge, 2023. Kiwan, Dina. Academic Freedom, and The Transnational Production of Knowledge. Cambridge: Cambridge University Press, 2023. Larzillière, Pénélope. La Jordanie Contestataire. Militants Islamistes, Nationalistes et Communistes. Arles: Actes Sud, 2013. Lefebvre, Rémi & Frédéric Sawicki. La société des socialistes: Le PS aujourd ʼ hui. Bellecombe–en–Bauges: Editions du Croquant, 2006. Lukianoff, Greg & Jonathan Haidt. The Coddling of the American Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation for Failure. New York: Penguin Press, 2018. Maffettone, Sebastiano. "Senʼs Idea of Justice versus Rawlsʼ Theory of Justice." Indian Journal of Human Development. vol. 5, no. 1 (2011). Nakissa, Aria. "Cognitive and Quantitative Approaches to Islamic Studies: Integrating Psychological, Socioeconomic, and Digital–Cultural Statistics." Religion Compass. vol. 15, no. 12 (2021). Nussbaum, Martha. Hiding from Humanity: Disgust, Shame, and the Law. Princeton: Princeton University Press, 2009. Oxford Research Encyclopedia of Politics. Oxford: Oxford University Press, 2017. Pollet, Thomas V. & Tamsin K. Saxton. "How Diverse Are the Samples Used in the Journals "Evolution & Human Behavior" and 'Evolutionary Psychology'?" Evolutionary Psychological Science. vol. 5, no. 3 (2019). Pulcini, Elena. "Giving Care." MAUSS International. vol. 1, no. 1 (2021). Quijano, Anibal. "Paradoxes of Modernity in Latin America." International Journal of Politics, Culture, and Society. vol. 3, no. 2 (1989). Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge: Harvard University Press, 1971. _______. The Law of Peoples: With "The Idea of Public Reason Revisited". Cambridge: Harvard University Press, 1999.

_______. Justice as Fairness: A Restatement. 2 nd ed. Cambridge: Harvard University Press, 2001. Roy, Olivier. L’Aplatissement du monde: La crise de la culture et l’empire des normes. Paris: Seuil, 2022. Schaumburg–Müller, Sten. "In Defense of Soft Universalism: A Modest, yet Presumptuous Position." Cuadernos Constitucionales de La Cátedra Fadrique Furió Ceriol. no. 62–63 (2011). United Nations. "Vienna Declaration and Programme of Action." World Conference on Human Rights, Vienna, 14–25/6/1993. U.N. Doc. A/CONF.157/24 (Part I) at 20

Walzer, Michael. Thick and Thin: Moral Argument at Home and Abroad. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2019. Wieviorka, Michel. Alors Monsieur Macron, heureux? Paris: Rue de Seine, 2022. Winlow, Simon & Steve Hall. The Death of the Left: Why We Must Begin from the Beginning. Bristol: Policy Press, 2022.