Return to Article Details Biomedicine as a Folk Medicine for the Mentally Ill and Their Families: A Study in Reproducing Medical Prescription Outside the Hospital in Morocco

الطب الحيوي بوصفه طبًّا شعبيًا لدى المرضى النفسيين وعائلاتهم: دراسة في إعادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغرب

Biomedicine as a Folk Medicine for the Mentally Ill and Their Families: A Study in Reproducing Medical Prescription Outside the Hospital in Morocco

فاروق الطاهري| Farouk Tahri *

الملخّص

تنطلق الدراسة من نظرة عامة للكيفية التي صار بها التشخيص الطبي وسيلةً من وسائل "تطبيب المجتمع"، ثم عبر تطور الطب الحيوي في شكل أدوية، وانتقال المجتمع في العقود الأخيرة إلى مرحلة "الصيدلة". وقد صارت هذه الأدوية على نحو أو آخر المبرر الوحيد لبقاء عدد كبير من الأفراد في المجتمع أحرارًا، وحتى يحافظوا على وجودهم الاجتماعي، ومن دونها يكونون فاقدين لـ "مواطنتهم الصيدلية". يحاول البحث الميداني المنجز في مشفيي وجدة وتطوان للأمراض النفسية والعقلية، عبر الملاحظة بالمشاركة أو المقابلات، أن يُبيّن كيفية أن المرضى وعائلاتهم يتلاعبون عن عقلانية موازية للعقلانية الطبية في خصوص الوصفات الطبية، الشيء الذي يجعلهم يتلاعبون بالأدوية ويستخدمونها لخدمة مصالحهم المختلفة، من دون أن يعطّلوا الوصفة الطبية كلّيًا، وذلك من أجل ضمان الإبقاء على المواطنة الصيدلية للفرد المريض، وبذلك يجعلون الطب الحيوي طبًّا شعبيًا.

Abstract

Abstract: Through this study, I will explain how medical diagnosis became a tool for the medicalization of society, and through time, and with the development of bio–medicine in the shape of drugs, society moved to a more specific process of Pharmaceuticalization. Under these circumstances, medical drugs became the only means for sick people to have their freedom in society. Only after taking their prescription, can they remain socially active, or they will lose their pharmaceutical citizenship. The study draws on fieldwork completed in the mental health hospitals of Oujda and Tetouan, using an ethnographic approach. Through participant observation and interviews, I seek to understand how patients and their families rationalize their use of drugs and prescriptions against medical advice, whether they change the dosage, manipulate the process, or suspend the prescription entirely.

الكلمات المفتاحية:
  • الطب الحيوي
  • الطب الشعبي
  • المرض النفسي
  • الأدوية
  • الوصفات الطبية
Keywords:
  • Bio-Medicine
  • Folk Medicine
  • Mental Illness
  • Drugs
  • Medical Prescription

ملخص: تنطلق الدراسة من نظرة عامة للكيفية التي صار بها التشخيص الطبي وسيلةً من

وسائل "تطبيب المجتمع"، ثم عبر تطور الطب الحيوي في شكل أدوية، وانتقال المجتمع

في العقود الأخيرة إلى مرحلة "الصيدلة". وقد صارت هذه الأدوية على نحو أو آخر المبرر

الوحيد لبقاء عدد كبير من الأفراد في المجتمع أحرارًا، وحتى يحافظوا على وجودهم

الاجتماعي، ومن دونها يكونون فاقدين ل "مواطنتهم الصيدلية". يحاول البحث الميداني

المنجز في مشفيَي وجدة وتطوان للأمراض النفسية والعقلية، عبر الملاحظة بالمشاركة

أو المقابلات، أن يُبيّن كيفية أن المرضى وعائلاتهميُعبّرون عن عقلانية موازية للعقلانية

الطبية في خصوص الوصفات الطبية، الشيء الذي يجعلهم يتلاعبون بالأدوية ويستخدمونها

لخدمة مصالحهم المختلفة، من دون أن يعطّلوا الوصفة الطبية كّل يًا، وذلك من أجل ضمان

الإبقاء على المواطنة الصيدلية للفرد المريض، وبذلك يجعلون الطب الحيوي طبّا شعبيًا.

Abstract: Through this study, I will explain how medical diagnosis became a tool for the medicalization of society, and through time, and with the development of bio–medicine in the shape of drugs, society moved to a more specific process of Pharmaceuticalization. Under these circumstances, medical drugs became the only means for sick people to have their freedom in society. Only after taking their prescription, can they remain socially active, or they will lose their pharmaceutical citizenship. The study draws on fieldwork completed in the mental health hospitals of Oujda and Tetouan, using an ethnographic approach. Through participant observation and interviews, I seek to understand how patients and their families rationalize their use of drugs and prescriptions against medical advice, whether they change the dosage, manipulate the process, or suspend the prescription entirely.

Researcher, holds a Master in Sociology from the Faculty of Letters and Humanities, Abdelmalek Essaâdi University, Morocco. Email: tahrifarouk6@gmail.com

مقدمة

منذ مدة طويلة، بدأ يتحدث السوسيولوجيون عن "موجة" من تطبيب المجتمع Medicalization. وتعلّقت الدراسات حول هذه الظاهرة بحقل الطب النفسي أكثر من غيره من الحقول الطبية، نظرًا إلى الليونة الكبيرة في تشخيص الأمراض النفسية. وبالعودة إلى تاريخ

التشخيص الطبي عمومًا، وتاريخ الطب النفسي خصوصًا، يُمكننا أن نجد حالات عديدة يتداخل فيها

فاعلون مختلفون من أجل تشكيل ما يمكن أن نسمّيه "تشخيصًا لمرض"، من دون أن يكون كذلك

بالضرورة. ولا تشير هذه السيرورة المتغيّرة للتشخيص الطبي، حقًا، إلى تطور العلم، بقدر ما تشير إلى

تغيّر في معايير ذلك التشخيص، وتطور سريع لعملية تطبيب المجتمع. لقد مرّت هذه السيرورة بمراحل متعاقبة، من حلقاتها ما ركّز على النساء، وما ركّز على معارضي

الأنظمة السياسية، مع خصوصيات معتبرة في العالم الإسلامي. ومن هذه الخصوصيات تطوّر نوع من

التساوي ما بين المارستان الذي  يُؤوي من يعتبرهم التشخيص مجانين، والسجن، وهو ماتعزّز في أثناء

الفترة الاستعمارية في حالة المغرب، ما أكّد الترابط الوثيق ما بين الطب النفسي والسلطة. وبناءً عليه،

لا يمكن النظر على نحو أحادي إلى عمليات التشخيص، خصوصًا في حقل الطب النفسي، باعتبارها

مجرد جزء من عملية تطبيب المجتمع؛ ذلك أن للتشخيص وظائفَ متعددةً بتعدّد علاقات السلطة في كل مجتمع معنيّ. فمن وجهة نظر الأطر الصحّية، يساعد التشخيص في السيطرة على "المشكل"

الذي يعانيه الفرد، وعلى مراقبته من أجل الرعاية والعلاج. ومن وجهة نظر المرضى، يكون التشخيص مصدرًا للطمأنينة والتخفيف من القلق، بعد معرفة أصل المشكل الذي يعانيه، كما يمكن أن يكون

بابًا للتهرّب من مسؤوليات اجتماعية بحجّة المرض. ويسمّي المتخصصون الاجتماعيون مختلف

مظاهر السلوك هذه بتطبيب المجتمع، ثم أضافوا، في السنوات الأخيرة، مفهوم "صيدلة المجتمع" Pharmaceuticalization للإحاطة بمختلف الجوانب الاقتصادية والاستهلاكية لتناول أنواع الأدوية المختلفة، من دون استشارة الطبيب، وبما يشمل من مضادّات الاكتئاب والمنشّطات وغيرها. وقد عرف المغاربة منذ سنوات عديدة نوعًا من دمقرطة الصيدلة، فاستهلكوا مضادّات الوجع وعددًا آخر من الأدوية ذات الاستعمالات الواسعة بعد اقتنائها من المحلات التجارية، من دون اعتماد وصفات طبية، أو استشارة الصيادلة. وفي هذا الإطار تعرف مدينة وجدة بيع الأدوية في سوق الفلاح، من دون وصفة، وبنصف الثمن الرسمي. وفي مقابل تقبّل البائعين والمستهلكين لهذه الوضعية بارتياح

واستفادتهم منها، جابهها الصيادلة الممارسون بالرفض والاحتجاج، منبّهين إلى خطورتها، على اعتبار

هذا "العلاج" الذي يحظى به المريض النفسي خارج المشفى علاجًا شعبيًا، لا يخضع للمنطق الطبي،

حتى إن كان في إطار ما يوصي به الأطباء من استكمال التداوي خارج المشفى بعد انتهاء فترة إقامة المريض. في هذا السياق، اهتممتُ بوجه خاص بتلك السيرورة التي عبرها يظهر فاعلون جدد بعيدًا عن الحقل الطبي، ويكون لهم دور مهم في القبول بوصفة طبية بعينها، أو تغييرها أو رفضها، سواء أكان ذلك

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

بحسب رغبة المعني بها، أي المريض، أم بتدخّل من العائلة والمقربين. معتبرًا هذه السيرورة انتق ل من

طب التخصص، أو الطب الحيوي، إلى طب شعبي لا يحتاج إلى متخصصين فعليين فيه. وعلى ذلك، أحاول في هذه الدراسة الإجابة عن سؤال رئيس: كيف يصير الطب الحيوي طًّبا شعبيًا بعد الخروج

من المشفى؟ تتوسّع الدراسة في الجوانب التاريخية والمفهومية والنظرية لتطبيب المجتمع وصيدلته، ثم تركّز على

الحالة المغربية من خلال عرض نتائج بحث ميداني أجريتُه في مدينتي وجدة وتطوان. وقد طرح عليّ

المشفى بصفته مج ل للبحث صعوبات منهجية، حاولتُ معالجتها من خلال الإجراءات الميدانية التي اتّخذتها في مجالين مختلفين، ووزّعتها على مرحلتين. ففي الفترة 29–8 آب/ أغسطس 2022، أجريتُ الجزء الأول من البحث في مشفى الأمراض النفسية والعقلية في مدينة وجدة، شرق المغرب. وفي الفترة 31–10 أيار/ مايو 2023، أجريتُ الجزء الثاني في مشفى الأمراض النفسية والعقلية في مدينة تطوان، في الشمال المغربي. وقد اعتمدتُ المنهج الإثنوغرافي من خلال أداة الملاحظة بالمشاركة، وذلك على مستويات عدة. فقد جرت ملاحظة تفاعلات المرضى مع الأدوية التي يسهر المشفى على تقديمها للمقيمين منهم وإرغامهم على أخذها أحيانًا. واعتمدت كذلك مقابلات نصف موجّهة مع بعض المرضى، من الذكور

خاصة، وذلك احترامًا لخصوصيات المريضات باعتبار أن الباحث رجل، ومن أجل التركيز أيضًا على

المعطيات التي تهمّ الذكور من المرضى، الشيء الذي أعمل على استكماله مستقبل بالقيام بأبحاث

مع عيّنات من النساء. وقد كان الهدف الرئيس من هذه المقابلات فهم الكيفية التي يأخذ بها المرضى

أدويتهم، ويتدبّرون العلاج داخل المشفى وخارجه. وقد شارك في المقابلات 16 مريضًا مقيمًا في

مشفى الأمراض النفسية والعقلية في وجدة، ينتمون إلى الجهة الشرقية من المغرب، وكان أصغرهم حين إجراء المقابلة في بداية العشرينيات من عمره، في حين كان أكبرهم في أواخر الأربعينيات. أما في مشفى تطوان، فلا ينحدر مرضاه من جهة طنجة – تطوان – الحسيمة فحسب، بل كان عدد المشاركين 11 مشاركًا، أصغرهم سنًا لم يزد عمره على الخامسة والعشرين، حين إجراء المقابلة، وكان أكبرهم

سنًا في الثالثة والسبعين عامًا من العمر. وفي الحالتين، جرى العمل على الإحاطة بمختلف الفئات

العمرية داخل المشفى، واختيار المرضى "الأكثر استقرارًا" و"الأكثر استعدادًا للحديث". وعلى الرغم

من عدد المرضى الكبير في مشفى تطوان وسعته الكبيرة، بأكثر من مئة سرير فيها، في مقابل 24 سريرًا

فقط في وجدة، فإن "المستقرين" منهم قلة، حيث اختير من أجرينا معهم المقابلات بناء على توجيهات الممرضين والحرّاس من أجل تفادي المرضى "الخطرين". وقد يُص نّف المرضى بحسب المجالات التي ينتمون إليها، بحسب توزيع رقم (1، 2، 3... إلخ)

في مشفى وجدة، وتوزيع حرفي (أ، ب، ج... إلخ) في مشفى تطوان، وذلك حفظًا لخصوصية المرضى، من جهة، ومن أجل رصد مواطن الاختلاف والاتفاق بين مرضى المنطقتين، من جهة أخرى، وقد كانت الأولى (وجدة) تنتمي تاريخيًا إلى المناطق التي شهدت الاستعمار الفرنسي، في

حين كانت الثانية (تطوان) خاضعة للاستعمار الإسباني. ولكلتا المدينتين ارتباط بالعمالة الحدودية،

الجزائرية شرقًا، أو الإسبانية شم ل. وبقدر ما هما متشابهتان اقتصاديًا من حيث مصادر الدخل

المتوافرة، تبقيان مختلفتين ثقافيًا. وقد جرى توزيع دليل المقابلة، الموضوع بالدارجة المغربية، على ثلاثة محاور: أول، معلومات عامة حول وضعية المريض الشخصية والاجتماعية (العمر، والمستوى الدراسي، والحالة العائلية، وحالة السكن، وطبيعة الدخل، وإذا ما كان له علاقة بالتهريب، وغيرها). وثانيًا، المرض واكتشافه وانعكاساته

(بداية المرض، وكيفية اكتشافه، وتواتر الزيارات لدى الطبيب، وأثر المرض داخل العائلة، ثم داخل مجال العمل). وثالثًا، الحياة داخل المشفى وعلاقة المريض بالأدوية (الاقتناع بضرورة الاستشفاء، ومدى الارتياح للإقامة في المشفى، والارتباط بالخارج، والنجاعة العلاجية، والأدوية في المشفى وخارجه). وكان تعاملي مع الدليل مرنًا، حيث تخلّيتُ في بعض الأحيان عن أسئلة بعينها، في مقابل التركيز على أسئلة أخرى، بحسب سياق المقابلة وحالة المريض ومدى تجاوبه مع الأسئلة.

أولا: التشخيص الطبي بين المعرفة والسيطرة

في العصور الوسطى، كانت الكنيسة تشرف على "تشخيص" النساء، فتفرز "غير السويات" منهن على

أنهن ساحرات أو مصابات بمّس. ومع مجيء علم النفس، صار التشخيص معَلمنًا، من دون أن

يكون علميًا. فقد صنّف بنيامين راش Benjamin Rush، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة

الأميركية، الذي يعتبر أبًا روحيًا للطب النفسي الأميركي، مرضًا باسم "أناركيا" Anarchia في أواخر

القرن الثامن عشر، اعتبر أنه يصيب، بنوع من الجنون، الأفراد "غير الراضين عن بنية الولايات المتحدة السياسية، والراغبين في مزيد من الديمقراطية". وبدل من مواجهتهم سياسيًا، قرّر راش تحويلهم إلى

مرضى نفسيين. وعلى النحو نفسه، حدثت تشخيصات طبية تخدم النظام العبودي في الولايات أُ المتحدة. وعرفت هذه السيرورة، التي ارتبطت بتطور الطب النفسي، نوعًا من التأخر في العالم الإسلامي الذي كان المجانين فيه أقرب إلى المساجين. ففي الكتابات التاريخية حول المغرب، نجد إشارات نادرة، لكنها لافتة، تتعلق بوضعية المجانين. فهذا روجيه لو تورنو الذي يقارن في فاس بين السجن والمارستان، فيقول: "والتفكير بالسجن، بالنسبة إلى فاس، يثير التفكير بالمستشفى 'المارستان"'. ويضيف في السياق نفسه: "مستشفى فاس الذي كان يطلق عليه اسم سيدي فريج، كان يتألف من غرف صغيرة تدور بعرصة. وكانت سلاسل الحديد تتدلّى من أعلى السطح إلى كل من هذه الغرف، ويُربط بها هؤلاء المرضى المساكين ليظلوا هادئين. وقد

كانوا، في أول الأمر على الأقل، وهم يتمتعون بعد بشيء من قوتهم، يقضون بعض الوقت في الصراخ

(1)  Phil Brown, "The Name Game: Toward a Sociology of Diagnosis," The Journal of Mind and Behavior , vol. 11, no. 3–4 (1990), p. 387. (2)  Ibid., pp. 386–387. (3)  Ibid., p. 387.

(((روجيه لو تورنو، فاس في عصر بنيمرين، ترجمة نقولا  زيادة (بيروت: مكتبة لبنان، 1967)، ص.79

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

والعويل". وتحدّث الوزان أيضًا عن وعي نسبي بالظلم الذي يتعرّض له هؤلاء الأشخاص، بحجة أنهم

مرضى، ويقول: "قد يحدث أن يقترب أحيانًا أحد الغرباء من هذه الغرف، فيناديه المجانين ويشكون له استمرار احتجازهم في السجن، رغم شفائهم من مرضهم، وأنهم يتعرّضون يوميًا لألف معاملة سيئة من

حرّاسهم". وفي السياق نفسه، ومثلما فعل لو تورنو من قبله، يتحدث المؤرخ العبدي – على نحو لا واعٍ غالبًا – في

سياق حديثه عن مشفى مكناسة الزيتون عن "المعتوهين" والمساجين، فيقول إن أحدًا كان "يذهب كل أربعاء وخميس لسجن مكناس ومارستانها يخدم المساجين والمعتوهين". وفي سياق آخر – هذه المرة عن وعي – في أثناء حديثه عن مشفى مراكش، يشير العبدي إلى أن ذلك المشفى قد تحول إلى مأوى للمجانين والحمقى في عام 1912، وقد "تحوّل أحد أقسامه إلى سجن للنساء". وتتكرر هذه العلاقة

الغريبة – لكن المفهومة – التي تجمع دومًا بين السجن والمارستان، كثيرًا، فهذا أيضًا عبد الله الغالب

السعدي، في القرن السادس عشر، بنى مارستانًا في مراكش قرب سجن، وسرعان ما صار السجن جزءًا

من المارستان. وقد جرى تعزيز هذه الوضعية التي تشير إليها النصوص التاريخية المختلفة، مع دخول الاستعمار إلى المغرب، حيث بدأت التقارير المختلفة بتأكيد ما ناقشته النصوص القديمة، وجرى الحديث على نحو مباشر وصريح عن كون المارستانات مجرد سجون للمرضى، من دون أن تكون بأيّ شكل من

الأشكال مؤسسات استشفائية. فهذا تقرير سالومون لفوف وبول سيريويصف مارستان سيدي فرج بأنه "بصريح العبارة سجن للحمقى، أكثر منه مشفى، ولا يتلقى المرضى النازلون فيه أيّ علاج،

ويعانون قلة اللباس والأكل، مكبّلون في أغلال تربطهم من الأعناق، وإلى جانبهم ينطرح مرضى

آخرون من ذوي الحميات أو الأمراض المعدية الأخرى. ولم تعد تأتيهم الجوقة الموسيقية كل جمعة إاّل في النادر". وفي إشارة أخرى من المبعوثين في التقرير نفسه، يُشار إلى أن "المارستانات عبارة

عن مستودعات للشحّاتين تابعة للمساجد، وتضم خليطًا من المتسوّلين والمحمومين وذوي الأمراض

المُعدِ يَة، والحمقى، ولايزور هذه المؤسسات أيّ طبيب". تدل المقتطفات السابقة، على أن ثمّة اتفاقًا، سواء على نحو مباشر أم غير مباشر، سرى في أزمنة

مختلفة، على القول إن المارستانات لم تكن أكثر من سجون يُرمى فيها المرضى النفسيون، خصوصًا

(((المرجع نفسه. (((الحسن بن  محمد الوزان، وصف أفريقيا، ترجمة عبد  الرحمن حميدة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005)، ص.344 (((المرجع نفسه، ص.148 (((المرجع نفسه، ص.168–167 (((بوجمعة رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1945–1912، ط 2 (الرباط: منشورات الرباط نت، 2020)، ص.66

(10)  Salomon Lwoff & Paul Sérieux (dir.), Les aliénés au Maroc, Extrait du rapport de mission (Paris: Masson et C Edit,

(((1 رويان، ص.67 (((1 المرجع نفسه، ص.68

الأكثر خطورة، مثلما أشار إلى ذلك الوزان. وفي مرحلة معينة، مثلما أشار إلى ذلك نص تقرير لفوف وسيريو، صارت وظيفة المارستان معزل كبيرًا أكثر وضوحًا، وهذا ما قد  يُحيلنا على نحو أوآخر إلى

ميشيل فوكو الذي يقول في دراسته المعروفة عن تاريخ الجنون، إن "معنى الحجز يستوعب داخله غاية اجتماعية تسمح للجماعة بإقصاء العناصر الطفيلية أو الضارّة". وهذا ما كان عليه الأمر في

مشفى القديس لازار في فرنسا، حيث تم حبس المنحرف، الغبي، الضالّ، المعوّق، المختل، المنحل،

العاق، المومس والأخرق، من دون أن يكون هناك أي تمييز بين هذا وذلك. ونجد صدى هذه الفكرة في تقرير إميلي–ماري كواشون Amélie–Marie Goichon الذي أنجزته في عام 1924، وقد وصفت في جزء منه مشفى سيدي فرج بأنه "ايُذكّر فعل بسجن [...] ولا يضم القسم الخاص بالنساء

في الطابق الأول، المصابات بعاهات عقلية فقط، بل يأوي ذوات السلوك المشين كذلك". وقد قارن الطبيب دو مازيل Du Mazel في عرض له في عام 1922، على نحو لافت، بين وضعية المارستانات، و"سراديب الأسرى أيام موريطانيا الطنجية". كانت هذه الوضعية الصعبة للمرضى النفسيين في المغرب، من وجهة نظر الفرنسيين، لا تُعبّر عن

"تخلّف"، مثلما كان عليه الأمر بالنسبة إلى الاقتصاد والسياسة والطب العضوي، بل ارتبطت بما هو ثقافي. وتماشيًا مع سياسة المقيم العام الفرنسي لوي هوبير ليوتي Louis–Hubert Lyautey، لم

تحاول فرنسا أن "تصلح" ما هو ثقافي لدى المغاربة إّل نادرًا، وهذا ما أشار إليه مباشرة روني كروشي

René Cruchet في عام 1934، خلال حديثه عن مارستان فاس، بقوله: "إنه منظر محزن حقًا، ولا يمكننا إاّل أن نشاهد هذه الوقائع ونتأسّف لها، ولكن لأننا التزمنا أن نحترم معتقدات المغاربة وعاداتهم، فإن

علينا أن ننتظر أن يغيّروها هم أنفسهم". لم يكن المرضى في تلك المرحلة ضحايا المارستانات، لكنهم كانوا على نحو أكثر دقة ضحايا التخلّي الاجتماعي عنهم من طرف عائلاتهم. ففي بعض الحالات، كان المريض يُحبس داخل

البيت، وحين تعجز العائلة عن احتوائه مدة أطول، يُرسل مباشرة إلى المارستان. وحين فكّر

الفرنسيون في "تحرير" هؤلاء المرضى من المارستانات ووضعهم في "مشافٍ" جديدة، لم يكن محاولة منهم لضمان أمن اجتماعي أكثر عصرية وإحكامًاذلك في الواقع إّل. فقد كان المرضى

النفسيون مجرمين بالدرجة الأولى بالنسبة إلى الفرنسيين، وقد كان بناء مشفى برشيد الضخم،

((1(ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة سعيد بنكراد، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2014)، ص.103 (((1 المرجع نفسه، ص.106 (((1 رويان، ص.69 (((1 المرجع نفسه، ص.68 (((1 المرجع نفسه، ص.69

(18)  Richard C. Keller, Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa (Chicago: The University of Chicago Press, 2007), p. 26. (19)  Ibid., p. 32.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

محاولةً للحدّ من جرائمهم لا أكثر. وفي تلك اللحظة عرف المغاربة الانتقال من نموذج المارستان باعتباره معزل فحسب، إلى نموذج المشفى النفسي الضخم Asylum الذي ادّعى أنه مؤسسة استشفائية، أكثر من كونه معزل. لا نجزت بخصوص الطب النفسي في علاقته بموضوع شك في أن واحدًا من أهم الأبحاث التيأُ دراستنا، كان للأميركي ريتشارد كيلر، بعنوان لافت: الجنون الاستعماري: الطب النفسي في شمال أفريقيا الفرنسية. ينطلق الباحث من قاعدة أساسية بنى عليها دراسته هذه، وهي أن المعرفة الطبية والسلطة وجهان للعملة نفسها – كما عند فوكو – حينما يتعلق الأمر بالطب النفسي الفرنسي في مستعمرات شمال أفريقيا. وحتى يبني الباحث دراسته هذه، اعتمد أساسًا على "تحليل أدلّة ووقائع

تاريخية، من أرشيف الطب النفسي، والعلوم السياسية، والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي". وساهم هذا التنوّع في المصادر في الإحاطة الشاملة بموضوع البحث، وعلى الرغم من أن الدراسة تشمل

مستعمرات شمال أفريقيا الفرنسية إجم ل، فإن المغرب قد حظي بجزء مهم منها. إن الكيفية التي درس بها الباحث تطوّر الطب النفسي في شمال أفريقيا، جعلت بحثه، على نحو

أو آخر، بحثًا في طبيعة الهيمنة الفرنسية على الأراضي الجديدة، مستغلة المعرفة جزءًا من وسائلها

الاختراقية، والجميل في هذه الدراسة أنها لا تقوم بالعرض الكرونولوجي لتطور الطب النفسي في المنطقة فحسب، لكنها "تُسلّط الضوء على السيرورة الطويلة من التفاوض بين الفرنسيين والسلطات المحلية، وأيضًا 'الأهالي' من أجل تأسيس هذه المؤسسات الطبية". وبناءً عليه، فهذا التوجّه نحو بناء

مؤسسات صحية للمرضى النفسيين على الشاكلة الأوروبية، ليس مجرد توجّه نحو "أنسنة" طرائق عزل

المرضى، عكس ما كان عليه الأمر سابقًا، لكن كانت هذه المؤسسات ضمن مخطط أوسع، يهدف إلى الزيادة في الإنتاجية، وتعزيز تقنيات المراقبة الدقيقة للمجال أيضًا. وقد كشف الباحث أيضًا الكيفية التي عمل بها هذا الحقل المعرفي على تقديم أدلّة علمية على تدنّي الأفارقة، ومن ثم تبرير للاستعمار من منظور سيكولوجي. لام يكن الطب النفسي إذًا منفصلًالبتّة عن علاقات السلطة، وربما كان فوكو هو أول من انتبه إلى العلاقة بين الطب والسلطة. فأصبح معه "المرض محكومًا بالشروط التاريخية والاجتماعية، وليس

بالشروط العضوية والنفسية". وأكثر من ذلك، فتاريخيًا لم يكن "المرض النفسي" شيئًا ينتمي فعلًا

(20)  Ibid., p. 37. (21)  Ibid. (22)  Matthew M. Heaton, "Reviews: Richard C. Keller, Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa," Itinerario , vol. 32 (2008), p. 114. (23)  Pino Schirripa, "Reviews: Richard C. Keller, Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa," Transcultural Psychiatry , vol. 48, no. 3 (2011), p. 337. (24)  Ibid.

(((2 الزواوي بغوره، "المرض بوصفه تجربة وخطابًا: بحث في سياسات المرض عند ميشيل فوكو ودورها في الفلسفة الاجتماعية

المعاصرة"، تبيّن، مج  9، العدد 35 (شتاء 2021)، ص.17

إلى الحقل الطبي، فمثلما عبّر عن ذلك فوكو أيضًا: "كان الجنون شيئًا ينتمي إلى حقل الترويض

والتبليد"، وذلك ما يُفسّر تعامل المجتمع الوحشي سابقًا مع المرضى النفسيين. بالنسبة إلى المؤسسات والجماعات القوية، قد يكون التشخيص أداةً للسيطرة الاجتماعية. فقد يُستخدم الصعق الكهربائي عليه لاستخراج اعترافات بكونه مريضًا نفسيًا كياخّص ثوري مغربي مثلُش

منه، وعلى النحو نفسه، شخّص الأطباء الأميركيون الأميركيين السود من المحتجين في سياق حركة الحقوق المدنية بأنهم مصابون بالذُهان. فالتشخيص إذًا ليس محايدًا، وأكثر من ذلك، ففي الطب النفسي بوجه خاص، يكون التشخيص مفتوحَ المجال للتأويل والتحيّز المباشر، وهو الذي لا نجده

على هذا الشكل في باقي التخصصات الطبية. هذا عمومًا ما يسميه المتخصصون الاجتماعيون بتطبيب المجتمع، أو العبارة التي استخدمها أحد الباحثين "إضفاء الطابع الطبي على الحياة". ويتحدث السوسيولوجيون منذ مدة طويلة عن "موجة" من تطبيب المجتمع Medicalization، والمقصود بها بشكل عام تلك السيرورة التي تعمل على تضمين عدد  من الظواهر الاجتماعية في الحقل الطبي، باعتبارها تعبيرًا عن "المَرضِي"، في مقابل

السواء أو المعياري. وقد ارتبطت هذه الظاهرة، مثلما رأينا، بالسلطة التي تحاول المؤسسات أن تراكمها، عبر خلق معايير يتم عبرها تحديد المريض من السويّ، وذلك بمباركة من العلم، أو الطب بوجه خاص، الذي قام عبر التشخيص بشرعنة هذه المعيارية. إّل أنه في السنوات الأخيرة، تجاوز المتخصصون في العلوم الاجتماعية الإطار المتعلق بتطبيب المجتمع إلى إطار آخر أكثر راهنية هو "صيدلة المجتمع". ونظريًا، هناك فرق كبير بين تطبيب المجتمع وصيدلته. فظاهرة الصيدلة تتجاوز تطبيب المجتمع، وتميل إلى ما هو اقتصادي واستهلاكي، أكثر مما هو مَرضي، مثل استهلاك الأقراص والحبوب المعروفة باسم أدوية نمط الحياة Lifestyle Drugs. ويقصد بها تلك "المنتجات الصيدلية الموجّهة لتحسين جودة الحياة أكثر مما هي موجهة لتخفيف حدة الأمراض".

(((2 فوكو، ص.173

(27)  Phil Brown, "Naming and Framing: The Social Construction of Diagnosis and Illness," Journal of Health and Social Behavior , vol. 35 (1995), p. 39. (28)  Keller, p. 105. (29)  Walter Bromberg et al., "The 'Protest' Psychosis: A Special Type of Reactive Psychosis," Arch Gen Psychiatry , vol. 19, no. 2 (1968), p. 159. (30)  Brown, "Naming and Framing," p. 39.

((3(الناصر عمارة، "الصحة والإيتيقا: النضج الأخلاقي للممارسة الطبية"، تبيّن، مج  10، العدد 38 (خريف 2021)، ص.109

(32)  Peter Conard, "Medicalization and Social Control," Annual Review of Sociology , vol. 18 (1992), p. 209. (33)  John Abraham, "Pharmaceuticalization of Society in Context: Theoretical, Empirical and Health Dimensions," Sociology , vol. 44, no. 4 (August 2010), p. 604. (34)  Ibid., p. 605. (35)  Mark Ashworth et al., "Demand, Appropriateness and Prescribing of 'Lifestyle Drugs': A Consultation Survey in General Practice," Family Practice , vol. 19, no. 3 (2002), p. 236.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

ولا يعني هذا أن التطبيب منفصل عن الصيدلة، بل قد يبدو عامل مساعدًا في فهمه، فالخبراء الطبيون منخرطون على نحو أو آخر في إعادة بناء التشخيصات الطبية، وتوسيع هالة الأمراض أيضًا، التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في الصناعة الصيدلية التي تنتج أدوية جديدة لأمراض "جديدة". وقد كان الأنثروبولوجي

مارك نيشتر Mark Nichter أول من استخدم مفهوم "الصيدلة" Pharmaceuticalisation في عام 1989، من أجل التعبير عن إدماج المواد الصيدلية في الحياة اليومية للأفراد. وتعني صيدلة الحياة عمومًا استخدام الأدوية والأقراص الطبية المختلفة من دون الحاجة إلى طبيب، أو في تجاوزٍ لسلطته،

وذلك من أجل تحسين أداء الفرد غير المريض. ونقصد هنا بالفرد "غير المريض" الفرد الذي لا تكون مشكلته مسببًا كليًا للعجز، ويكون الدواء أو القرص الذي سيأخذه يهمّ جوانب غير مادية بالنسبة إلى

المريض. وتشمل هذه الأدوية مضادات الاكتئاب والمنشّطات المختلفة، والأدوية المقترحة في حقل الطب النفسي، خصوصًا الأدوية المساعدة في النوم، ومضادّات القلق، والمهدّئات المختلفة. بهذه الخلفية النظرية والمفهومية، نعالج الحالة المغربية، معتمدين رسم لوحة خلفية عامة للحالة التي ندرسها قبل أن نعرض نتائج عملنا الميداني.

ثانيًا: سوق الفلاح وصيدلة المجتمع

عرف المغاربة منذ سنوات عديدة نوعًا من دمقرطة الصيدلة؛ أي وضعها بعيدًا عن أيدي الطبيب

والصيدلاني نفسه، فقد استهلكوا مضادات الوجع، مثل آسبرو Aspro، ودوليبران Doliprane، من المحلات التجارية، من دون الحاجة إلى وصفة طبية، ويشتهر كذلك بينهم استخدام "البوماضا الصفرا" Aureomycine، أو التي اعتُمدت من دون وصفة لعلاج عدد كبير من الأمراض، من دون العودة إلى

الطبيب أو الصيدلاني. ومن المعروف أن في مدينة وجدة، تُباع الأدوية وتُشترى، حتى الأكثر خطورة، في سوق الفلاح، سواء تلك التي تحتاج إلى وصفة طبية أم التي لا تحتاجها، وبنصف الثمن الرسمي. ف "إذا تساءل الزائر عن الدواء المناسب لأيّ مرض كان، فإن هؤلاء الشباب (باعة الأدوية في سوق الفلاح) على

استعداد لإرشاده إلى أنواع من الأدوية 'المناسبة' لمرضه، بل وتقديم الوصفات المناسبة ومقادير استعمالها، فهؤلاء الباعة قد حفظوا أسماء الأدوية، فبمجرد أن ينطق الزبون بطلبه، حتى وإن لم يتذكر اسم الدواء، حتى ينطلق البائع إلى حيث يخبّئ 'سلعته' في شقق قريبة من سوق الفلاح، أو في

دكاكين خلفية، أو داخل سيارات رابضة في الأزقة الخلفية المجاورة للسوق، ليعود بعد دقائق وقد أتى بالمطلوب".

(36)  Abraham, p. 608. (37)  Mara Tognetti Bordogna, "From Medicalisation to Pharmaceuticalisation: A Sociological Overview: New Scenarios for the Sociology of Health," Social Change Review , no. 2 (2014), p. 123. (38)  Ibid., p. 120.

(((3 نعيمة لحروري، "سوق 'الفلاح' بوجدة...  واجهة لترويج الأدوية المهربة من الجزائر"، هسبريس، 2012/5/18، شوهد في

2023/5/28، في: http://tinyurl.com/yjzxk2hs

هذه "الصيدلة الشاملة" التي يقدمها سوق الفلاح في وجدة، تضمّ عددًا مهمًا من الأدوية المختلفة، التي غالبًا ما تكون مكلفة، وخطرةً من حيث الاستعمال، وطبعًا، فالأدوية المطلوبة للمرضى النفسيين تُباع

هناك أيضًا، فدواء "بروزاك" المضاد للاكتئاب مثل، يُباع بأقل من نصف ثمنه الرسمي في سوق الفلاح، بحسب التقرير. وعلى نحو أقل خطورة، تُهرّب الأدوية إلى تطوان عبر مدينة سبتة التابعة للأراضي

الإسبانية، وتباع خارج الدائرة الرسمية للصيادلة، إضافة إلى إعادة بيع الأدوية الموصوفة للمرضى في السوق السوداء لمن يريد تعاطيها نوعًا من المخدرات. إنه شكل من أشكال "تأميم العلاج"، فلا يكون العلاج دومًا متاحًا للعموم بهذه الطريقة، فالجراحة مثل عملية علاجية لا يمكن فصلها عن الجرّاح.

لكن "الأدوية" أكثر ديمقراطية، وتكمن ديمقراطيتها هذه في قدرتها على توفير العلاج لكل من يمكنه الحصول عليها. فما قامت به الصيدلة في علاقتها بالعلاج، شبيه جدًا بما قامت به الطباعة في علاقتها بالفكر، فقد تحرّر الأفراد من احتكار النخبة "التي تنتج فحسب"، وصارت الأدوية مُتاحة بعيدًا

عن أيدي المتخصصين الصيادلة والأطباء، مثلما صار الفكر بين يدي الجميع، من دون أن يبقى حكرًا

على المفكرين والنخبة. هذه الوضعية التي نظر إليها العامة من الشعب بنوع من "التفاؤل"، خصوصًا لعوامل اقتصادية، رفضها المتخصصون الصحيون كليًا، خصوصًا الصيادلة الممارسين، فقد قامت نقابة الصيادلة بالاحتجاج

والإضراب بسبب هذه الدمقرطة السلبية التي تُهدّد "سلطتها على العلاج" وتُهدّد بإفلاسها أيضًا. فالقوة الكبيرة التي تحملها الأدوية هي أصل المشكل الصحي بالنسبة إلى الخبراء، ففي نظر هؤلاء، هذه "القوة" ينبغي لها أن تكون تحت السيطرة، سيطرتهم هم، ويجب على الأدوية أّل تصير موضوع تداول حر، فقد  تُستخدم "قوّتها" هذه على نحو يجعلها تضيع، أوعكسيًا على نحو يجعلها خطرة. لكن، لم يمنع هذا الاعتبار من جعل الطب الحيوي، خصوصًا في شكل الأدوية الصيدلية، جزءًا من

"طب شعبي" جديد، لا سلطة للخبراء الصحيين عليه، كما في سوق الفلاح. هناك، كما في حالات أخرى، على نحو أو آخر، جرى تدريجيًا إدماج الطب الحيوي والصيدلة ضمن الإطار الاجتماعي

المحلي للجماعة، خصوصًا أن هناك أوجهَ شبه كبيرةً بين العلاج بالأدوية الصيدلية والعلاج بالأدوية

(((4 المرجع نفسه. ((4("صيادلة تطوان يحذرون من خطورة تهريب الأدوية عبر باب سبتة"، تطوان بلوس، 2017/6/5، شوهد في 2024/2/7، في:

http://tinyurl.com/mv3h4u2c (42)  Sjaak van der Geest & Susan Reynolds Whyte, "The Charm of Medicines: Metaphors and Metonyms," Medical Anthropology Quarterly , vol. 3, no. 4 (1989), pp. 345–346. (43)  Ibid., p. 348.

(((4 سعيدة مليح، "صيدليات وجدة تقرر إغلاق أبوابها احتجاجًا على بيع الأدوية ب  'سوق الفلاح'"، العمق المغربي، 2020/2/13،

شوهد في 2023/5/28، في: http://tinyurl.com/33k3w6cc (45)  Van der Geest & Whyte, p. 351. (46)  Susan Reynolds Whyte, "Pharmaceuticals as Folk Medicine: Transformations in the Social Relations of Health Care in Uganda," Culture, Medicine and Psychiatry , vol. 16, no. 2 (1992), p. 172.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

التقليدية من أعشاب ومواد طبيعية، فهما معًا يهتمان أساسًا بالأعراض الظاهرة فحسب. إضافة إلى

إمكانية "العلاج عن  بُعد" التي توفّرها الصيدلة، مثلماكان يوفرها سابقًا الطب الشعبي؛ إذ ليس من الضروري أن يأتي المريض نفسه، فقد كان الساحر والمعالج الشعبي يعالج بالوكالة، وفي الصيدلية يحدث الشيء نفسه أيضًا. في مثل هذا السياق، يكون العلاج الذي يحظى به المريض النفسي خارج المشفى علاجًا شعبيًا،

ولا يخضع للمنطق الطبي "كليًا"، وأحيانًا لا يخضع له حتى جزئيًا. ففي مشفى الأمراض النفسية

والعقلية، سواء في وجدة أم في تطوان، يحصل المريض عند انتهاء مدة استشفائه على الوصفة الطبية التي ينبغي له أن يلتزم بها من أجل "إتمام العلاج في الخارج"، أي في البيت، فهو إذًا نوع من "التطبيب الذاتي" خارج الرقابة الطبية نفسها، ولا يعرف الخبير الصحي الذي يقدّم الوصفة الطبية إن كان المريض حقًا سيلتزم بها مثلما هي حينما يعود إلى البيت. وقد تخضع هذه الوصفة الطبية نفسها لتعديلات عديدة " تلُائم" المريض، وقدتُرفَض أيضًا كليًا. الطب الحيوي، بغضّ النظر عن شكله، هو علاقة بين مقّد مٍ للخدمة ومستقبلٍ لها، ومن المفترض أن يكون مقدّم الخدمة طبيبًا متخصصًا أو صيدلانيًا، ومن المفترض أيضًا أن يكون مستقبل الخدمة

مريضًا أو شخصًا محتاجًا إلى خدمة طبية معيّنة. وحينما نقول إن الطب الحيوي قد خرج عن هذا

السياق، ليصير طبًا شعبيًا، مثلما أشار إلى ذلك أحد الأبحاث، فنحن نقصد دخول فاعلين جدد في

هذه العلاقة، وهم فاعلون يتجاوزون المتخصص الصحي، وهم بذلك يقومون ب "شعبنة" Indigenized الطب الحيوي، خصوصًا في شقه الصيدلي الذي لا يحتاج إلى مهارة معيّنة، عكس الجراحة

أو التشخيص. داخل المشفى، يكون الطاقم هو المسؤول المباشر عن الأدوية، والطبيب هو وحده القادر على تعديل الوصفات الطبية، ومن دون موافقته، لا يكون ممكنًا للمريض أن يتخلّى عن دواء معيّن، أو يُقلّل

من الجرعة، أو يُعزّزها، فهو بصورةٍ ما  خاضع للسلطة الطبية كليًا، وهذا بحسب الخطاب الرسمي

يخدم مصلحة المريض. ولا يتجاوز متوسط مدة استشفاء المرضى عادة الشهر، وخلاله يكون الدواء الصيدلي خاضعًا للمنطق الطبي والعلمي بالكامل. لكن، ماذا بعد الخروج والعودة إلى المجتمع؟ يعي الطاقم في مشفيَي وجدة وتطوان أن خروج المرضى هو قضية وقت فحسب، إنها مجرد استراحة

لهم حتى يعودوا إلى المؤسسة من جديد، ويعود بعض المرضى بعد خروجهم من المشفى ببضعة أيام فقط، خصوصًا المرضى الأكثر عنفًا والمثيرين للمتاعب. لا تُعبّر هذه الحركية بين الداخلين والخارجين

(47)  Ibid., p. 175. (48)  Ibid., p. 178. (49)  Sjaak van der Geest, Susan Reynolds Whyte & Anita Hardon, "The Anthropology of Pharmaceuticals: A Biographical Approac," Annual Review of Anthropology , vol. 25 (1996), p. 165. (50)  Whyte, p. 173.

من المرضى، عن "نجاعة" علاجية، بل عن حركية مستمرة لا علاقة لها بالصحة. إنها نوع من التدبير الإداري للمرضى، فعبر هذه الحركة، فحسب، يمكن أن نعرف أن المؤسسة تعمل حقًا، والدليل على ذلك هو أن غالبية المرضى يعودون من جديد إلى المشفى، عاجل أم آجل، عشرات المرات أحيانًا. ما يهتم به الطبيب حقًا، هو تدبير حلول خارجية؛ خارج أسوار المشفى، وهذا ما يتم عبر تقديم وصفة الأدوية بعد أيام من الاستشفاء، فالوصفة الطبية في نهاية المطاف ليست حل لمشكلة المريض فحسب، لكنها كذلك حل لمشكلة الطبيب، فعبر الوصفة، سيتخلص الطبيب من مريضه على النحو الأكثر

إرضاءً وقبول. لكن هذا ما لا ينجح به الطبيب دومًا، خصوصًا حين يتم رفض الوصفة والتلاعب

بها، وتتحوّل بين يدي المريض وعائلته من "طب حيوي" إلى "طب شعبي بمواد صيدلية". كما تعمل

الوصفة التي يحملها المريض معه دليلًا على حقيقة مرضه، وهي تؤكد لمحيطه أنه فعل مضطرب، ومن ثمّ قد تساعده في الحصول على امتيازات وأدوار محدودة لشخص مريض مثله. بناء عليه، ما إن يقوم الطبيب بتقديم الوصفة الطبية، فهو لا يضمن العلاج حقًا، ولا يدّعي أنه قد عالج المريض طوال مدة الاستشفاء، لكنه بكل بساطة يقدم للعائلة الوصفة اللازمة من أجل نقل المشفى إلى البيت، بالكيفية الصحيحة من أجل "ضبط" المريض، وإعداده للتحوّل إلى كائن

صيدلاني Pharmaceutical Being. ونتيجة لهذا، يخرج المريض من المشفى ليدخل إلى البيت الذي صار "مركزًا صحيًا" بالوكالة، حيث يكون ممكنًا تعديل الوصفات وإعادة تشكيلها، وهناك أيضًا

تُتخذ القرارات والممارسات المتعلقة أساسًا بصحة المريض بعد أن كانت هذه السلطة في يد الطبيب

فحسب. ومن ثم، لم يعد المرض هنا ذلك العنصر الضارّ في بُعده الكوني، الخاضع لعلاج كوني

نسبيًا ومتفق عليه، بل على العكس من ذلك، نجد أن "صوت المرض الذي هو ليس صوت الطبيعة

البيولوجية فحسب، بل صوت تاريخ الجسد وقلقه والعلاقات التي يُنشئها مع محيط من الأصوات

والأفعال والقيم التي يتفاعل معها أيضًا [...] فللمرض عقله الداخلي الخاص". في المشفى، يكون المرض في مكانه الخاص، أي البناء الذي شيّد من أجل احتواء هذا المرض

نفسه وفهمه وعلاجه، إن كان ذلك ممكنًا. ولا تتم هذه العملية "الطبية" إّل بوجود شرط اجتماعي،

أو تفاعلي، يرسم الحدود والقواعد التي ستنظّم الأفراد داخل هذه المؤسسة، من أجل تحقيق غاية واحدة، هي علاج المرض. وفي السياق نفسه، ينظر إرفنغ غوفمان إلى مشفى الأمراض النفسية والعقلية بًاعتباره مؤسسةً شاملة Total Institution، وهذا النوع من المؤسسات "هجين اجتماعيًا"، ففي جزء

(51)  Keller, p. 92. (52)  Van der Geest, Whyte & Hardon, p. 160. (53)  Ibid., p. 161. (54)  João Biehl & Torben Eskerod, Vita: Life in a Zone of Social Abandonment (Berkeley: University of California Press, 2013), p. 199. (55)  Kevin Dew et al., "Home as a hybrid center of medication practice," Sociology of Health & Illness vol. 36, no. 1 (2014), p. 29.

((5(الناصر عمارة، "المرض: مقاربة إيتيقية هرمينوطيقية"، تبين، مج  8، العدد 2 (ربيع 2014)، ص.116

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

منها، هي مجمع سكني، وفي جزئها الآخر هي تنظيم رسمي؛ ذلك أن المؤسسة الشمولية هي مكان للإقامة والعمل لأفراد يجري عزلهم عن مكانهم الطبيعي في المجتمع مدة معيّنة من الزمن،

حيث يعيشون على نحو جماعي حياتهم التي تدبّرها جهات رسمية. وهذا التدبير الرسمي للحياة

اليومية للأفراد ليس له حدود داخل المؤسسة الشمولية، فهو يُخضِع حتى الأنشطة اليومية العادية، مثل

الأكل والنوم، لبروتوكولات رسمية تنظمها المؤسسة، كما تخضع هذه الأنشطة العادية لمراقبة مستمرة ودقيقة. وعبر هذه المراقبة المستمرة لحركات الأفراد، تهدف المؤسسة الشمولية إلى "عقلنة الحياة اليومية للمقيمين فيها، وذلك عبر وضع جدولة صارمة، ووضع نظم وقوانين بيروقراطية تقوم بتعزيز المقيمين ومراقبتهم وتأديبهم". وعبر هذه العقلنة المستمرة للحياة اليومية، يكون ممكنًا للطاقم تنظيم الأفراد والسيطرة عليهم، على اعتبار أن الطاقم هو الوصي على المرضى الذين قد لا يدركون أن ذلك في مصلحتهم. ففي المشفى، يحرص الطاقم جيدًا على أخذ كل مريض أدويته، ويتم ذلك أحيانًا بالعنف، سواء عبر ربط المريض إلى سريره وإرغامه على أخذ أدويته، أم تهديده مباشرة. ليس هناك مهرب من الأدوية داخل المشفى. وللطاقم من ممرضين وحراس الرخصة الكاملة للقيام بكل ما هو لازم من أجل أخذ المريض دواءه. وحتى أكثر حالات المقاومة ذكاء يتم قمعها؛ ذلك أن بعض المرضى يقومون بعد أخذ الأدوية بوضع أيديهم في أفواههم من أجل إثارة غثيانهم وتقيّؤ الأقراص، لكن الطاقم يعي هذا جيدًا، وقد يرغم

المريض على إعادة أخذ الدواء كلما تقيّأه، لينتهي به المطاف مقّيدً ا في سريره. فإن كان المريض يقاوم

الدواء في المشفى ويُرغمه الطاقم على أخذه، فمن يُرغمه على أخذه في البيت؟ عمومًا، ينقسم المرضى في علاقتهم بالأدوية مجموعتين: الأولى تقبل تناول الأدوية، لكن تحت

شروطها الخاصة فحسب، والثانية ترفض الأدوية، لكن قد تُرغم على أخذه. وبين هذه المجموعة وتلك، هناك أرضية مشتركة، هي تلك "العقلانية" الموازية لعقلانية الطب، فسواء بقبول أخذ الدواء أم رفضه، يُعبّر المرضى عن فهم خاص بهم لسيرورة العلاج وطريقة عمل الأدوية. ففي الحالة التي يأخذ فيها المريض الأدوية تحت شروطه الخاصة، يكون ذلك تعبيرًا عن رغبته في

العلاج من جهة، لكن، يؤكد هذا القبول أيضًا أن المريض يعرف شكل من أشكال "حرية التطبيب"، إن صح التعبير، فليس كل مريض يقبل وصفة طبية معيّنة، يعني أنه سيلتزم بها، ومثلما سنرى في

الملاحظات الميدانية، يقوم المرضى بالتلاعب بالوصفات الطبية وإبداع طرائق مختلفة من أجل جعل الوصفة مناسبة لهم، سواء عبر إدماج أشكال أخرى من العلاج مع الوصفة، أم التخلّي عن جزء من الوصفة الطبية، في مقابل الاستفادة من الجزء الآخر، إنه تدخّل من المريض نفسه في العلاقة التي

(57)  Sandro Serpa, "On the Concept of Total Institution," International Journal of Social Science Studies , vol. 6, no. 9 (September 2018), p. 31. (58)  Ateeq A. Rauf, Ajnesh Prasad & Mohammed A. Razzaque, "Consumption within a Soft Total Institution: Discursive Inculcation in the Tablighi Jamaat," International Journal of Consumer Studies , vol. 42, no. 6 (2018), p. 855. (59)  George Ritzer, Encyclopedia of Social Theory , vol. 2 (New York: Sage Publications, 2005), p. 844.

من المفترض أنها تجمع مريضًا سلبيًا بطبيب إيجابي، له معارف وسلطة تسمح له بتقرير ما يناسب

الآخر المريض، وهو إذًا نوع من الطب الحيوي الشعبي، حيث يتم تجاوز سلطة الطبيب التي تتمظهر في الوصفة الطبية. وهذا ما نسميه هنا "وصفة المريض". وقد سبق لباحثين مغاربة أن رصدوا هذه التغييرات التي يقوم بها المرضى على وصفاتهم الطبية، خصوصًا بعد تراجع النوبات واستقرار حالتهم،

حينها قد يقلل المريض من عدد الأقراص، وقد يأخذ قرصًا واحدًا بدل من اثنين، وربما يعتقد أنه لم

يعد في حاجة إلى الدواء أصل، فيعطل الوصفة كليًا. حينما لا يكون للمريض حق التطبيب الحر خارج المشفى، فهذا يعني أن هذا الحق يصير بين يدي العائلة في البيت، ويكون المريض بوجه ما يعيش في مشفى آخر وتحت مراقبة طاقم آخر، هم أقرب المقربين إليه. ففي البيت، يقوم الأفراد – أي أفراد العائلة – باعتماد تجاربهم السابقة، والملاحظات التي قاموا بها، وأيضًا فهمهم الخاص للوضعية المرضية، من أجل بناء سيرورة العلاج. وتكون المعايير التي تحكم ضرورة الإبقاء على وصفة طبية بعيدة جدًا عن المعايير الطبية، فالأهم قد يكون أثر هذه الوصفة في الأنشطة الداخلية للبيت، أو التكلفة التي قد تكون مرهقة لميزانية العائلة. ومثلما أشار الباحث، فمن النادر أن  تُصرّح العائلات بالتزامها بالوصفة الطبية كماهي. فالدواء،

مثلما رصدت ذلك دراسة مغربية، يصير بالنسبة إلى العائلات وسيلةً لاحتواء المخاطر التي قد يتسبب بها الشخص المريض، فحينما تكون العائلات مخيّرةً بين نوبات المرض، وما معها من مشكلات،

والأعراض الجانبية وما لها من سلبيات، فالعائلات ستُفضّل العيش مع الأعراض الجانبية أكثر، حتى لو كان الدواء سيجعل الفرد "حًّيالً ميتًا"، إّ أنه سيكون أفضل بكثير من العيش معه وسط النوبات

المستمرة.

ثالثًا: مرض واحد ووصفات متعددة ومسارات علاجية متراكبة

بناءً على هذه الخلفية التاريخية والنظرية والمفهومية، كان علينا أن نختار في بحثنا، إما أن نعمل على نحو

مباشر على اختبار فرضيات بعينها، وإما أن نقوم بملاحظة بالمشاركة ذات خصائص اختراقية أكثر. وقد سايرنا الباحثين الذين يعتقدون أن الملاحظة بالمشاركة هي الأنسب بوصفها تقنية عمل من أجل فهم أشمل لطبيعة تنظيم الوسط العلاجي، وأيضًا الكيفية التي يتفاعل بها المرضى والمعالجون.

(60)  Khadija Zouitni, Abdelrhani Moundib & Khadija Elqarfaoui, "L’usage des médicaments psychiatriques au Maroc: Entre vécu familial et discours professionnel," L’Information psychiatrique , vol. 93, no. 6 (2017), p. 483. (61)  Dew et al., p. 32. (62)  Ibid. (63)  Ibid., p. 39. (64)  Zouitni, Moundib & Elqarfaoui, p. 481. (65)  Ibid., p. 482. (66)  Christine Oeye, Anne Karen Bjelland & Aina Skorpen, "Doing Participant Observation in a Psychiatric Hospital: Research Ethics Resumed," Social Science & Medicine , vol. 65, no. 11 (2007), p. 2297. (67)  Ibid., p. 2299.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

وقد أسّسنا عملنا على أن الملاحظة بالمشاركة في الوسط العلاجي للمشفى، ستسمح لنا بالحصول على معلومات تتعلق بتفاعل الأفراد في ما بينهم، إضافة إلى السلوك والممارسات التي تتم ضمن هذا المجال العلاجي. يقول غوفمان عن هذه التقنية: "أقصد بالملاحظة بالمشاركة، تلك التقنية التي ليست الوحيدة التي ينبغي استخدامها في دراسة معيّنة، وهي ليست تقنية تصلح للدراسات كلها، لكن يمكن

أن تُستثمر في أخرى استثمارًا ناجحًا [...] وعبر وجودك مع أفراد بعينهم فيزيائيًا واجتماعيًا ونفسيًا،

ستكون قادرًا على تدوين سلوكهم واستجاباتهم لما يحدث حولهم، بل حتى أن تحس بها لأنك هناك معهم وتأخذ جزءًا مما يأخذونه، وهذا بالنسبة إليّ هو جوهر الملاحظة". أما عند باربرا تيدلوك

Barbara Tedlock، فالملاحظة بالمشاركة هي محاولة مستمرة من أجل وضع مجموعة من التفاعلات والأحداث في إطار ذي معنى أكبر. وهذا أيضًا ما يُفهم من البيانات الميدانية التي سنُقدّمها هنا، حيث تظهر العائلة بوصفها خبيرًا صحيًا،

له مصالح اجتماعية يحققها بوساطة الطب الحيوي في شكل الأدوية. وهذا ما نُسمّيه وصفة العائلة، باعتبارها تمارس طًّبابً بالوكالة، وفي حالة بحثنا هذا فهي تمارس طًّ.ًا نفسيًا

1. وصفة المريض: التطبيب الحر

يكون خروج المرضى من المشفى رهينًا أساسًا بتناولهم أدويتهم بانتظام، فهي الامتداد الرمزي لأسوار المشفى، فالأدوية في نهاية المطاف في الدستور الطبي شكل من أشكال "قميص التقييد" Straight Jacket، لكنه شكل كيماوي. وحينما لا تكون العائلة قادرة على فرض الوصفة الطبية كما هي على المريض، يصير هذا الأخير حرًا في التلاعب بالأدوية، وتوجيهها على النحو الذي يراه

مناسبًا. فالمشارك (2)، يعرف أنه في حاجة ملحّة إلى الأدوية، وأنه من دونها يصير "خطِرًا" على نفسه

وعلى الآخرين، لكنه مع ذلك، يتوقف كل صيف عن أخذها: "أخويا فالصيف ديما كانجي للسبيطار [...] كانكون وقفت الدوا [...] راك عارف الصيف بنادم يبغي ينشط شوية مايبقاش غي مرخي". تمنع الأدوية المشارك (2) من الاستمتاع بوقته، فيقوم بإيقافها، على الرغم من أنه يعلم أن هذا في نهاية المطاف سيرسله من جديد إلى المشفى. وهو شيء يتقبّله مرة كل سنة، وكأنها إجازة يأخذها من

الأعراض الجانبية، ويدفع ثمنها في المشفى من أجل إعادة كسب الاستقرار النفسي.

(68)  Erving Goffman, "On Fieldwork," Journal of Contemporary Ethnography , vol. 18 (1989), pp. 125–126. (69)  Oeye, Bjelland & Skorpen, p. 2299. (70)  Lorna A. Rhodes, "This will Clear your Mind: The Use of Metaphors for Medication in Psychiatric Settings," Culture, Medicine and Psychiatry , vol. 8, no. 1 (1984), p. 63.

(((7 المشارك (2) (رجل ثلاثيني متزوج ويقطن في مدينة أحفير قرب مدينة وجدة)، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس (((7 "دائمًا أدخل المستشفى في الصيف يا أخي [...] أتوقف عن أخذ الدواء [...] أنت تعرف الصيف، نريد فيه أن ننشط ونستمتع

قليل، لا أن أبقى عاجزًا [في إشارة إلى الأعراض الجانبية."]

أما المشارك (16)، فهو أكثر تطرفًا في فهمه الخاص للعلاج، ففي اعتقاده أن غياب الأعراض

المَرضية كافٍ من أجل التوقف عن تناول الأدوية: "علاش غانشرب داك القرقوبي وأنا مزيان؟ ". وبهذه الكلمات الموجزة، أجاب عن سبب توقّفه عن أخذ الوصفة الطبية تلقائيًا، من دون العودة إلى

الطبيب، وهذا الفهم شائع جدًا بين المرضى، ففي اعتقادهم "حين لا يكون هناك إحساس بالمرض، فلا يكون هناك داعٍ لأخذ الدواء". وعبّر المشارك (ك) أيضًا عن هذه الوضعية، وهو أربعيني متزوج،

ابن مدينة طنجة ويقيم في تطوان، فبمجرد خروجه من المشفى، يتوقف عن تناول الأدوية التي تجعله، بتعبيره الخاص "خامر كي الحمار"، وفي المقابل يكتفي بأخذ قرص يساعده على النوم، إضافة إلى تعاطي الحشيش، الذي ينظر إليه على أنه دواء أكثر فاعلية وأقل ضررًا، وكلما بالغ المشارك (ك) في

تعاطي الحشيش والتخلّي عن الأدوية تدريجيًا، انتهى به المطاف في المشفى من جديد، وهي وضعية

عاشها بضع مرات سابقًا، ولا يزال مقتنعًا بأنها الأنسب إليه: "الحشيش بعدا ما يخليكش خامر كي الحمار [...] كاتكالما مزيان وتقدر تخدم على راسك". الشيء نفسه بالنسبة إلى المشارك (ح)، فهو رجل مثقف جدًا، خصوصًا حينما يتعلق الأمر بالأدوية

وطرائق العلاج، وقد صرّح مرات عدة عن رفضه الجانب الكيماوي من العلاج في شكل أقراص،

وبعد خروجه من المشفى في كل مرة يوُقف الأدوية التي تُعطّل حركاته، ويستبدلها بتدخين "لكيف"

(مسحوق القنب) وممارسة الرياضة. والأمر كذلك بالنسبة إلى المشارك (ي)، وهو الذي اشتكى من البرود الجنسي عرضًا جانبيًا من أحد الأدوية ضمن الوصفة الطبية التي قدّمها له الطبيب، وهو رجل

عازب يريد أن يتزوج: "تحشم حتى تقول لشي عايلة أنا مانقدرش ننعس معاك حيت كاناخذ الدوا [...] ينعل بو شي دوا". أما المشارك (ي)، فبعد خروجه من المشفى، يتوقف عن أخذ الأدوية كلها التي وصفها له الطبيب، مع الإبقاء على دواء "أرتان" Artane، ولا يأخذه إّل حين يحس بالتوتر والقلق، إضافة إلى ممارسة الرياضة، بدل من أخذ الوصفة الطبية الكاملة. واللافت هو أن دواء أرتان يُوصَف للمرضى مع مضادّات

ذُهان أخرى، وذلك من أجل التقليل من حدة أعراضها الجانبية، ولاأعتقد أن الدواء يوصف خصيصًا

للمرضى النفسيين، فوظيفته الأساسية في الطب النفسي هي تعطيل ما أمكن من الأعراض الجانبية

(((7 المشارك (16)، شاب أعزب في منتصف العشرينيات من عمره، ينحدر من مدينة الناضور، ويقطن مع أسرته في مدينة وجدة، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس.2022 (((7 "لماذا سآخذ تلك الأقراص وأنا في حالة جيدة؟".

(75)  Rhodes, p. 61.

(((7 "على الأقل لا يجعلك الحشيش متراخيًا مثل الحمار [...] يهدّئك جيدًا وتستطيع أن تعمل." (((7 المشارك (ح) (رجل أعزب في أواخر الثلاثينيات من عمره، يعمل أستاذًا للفيزياء في مدينة خنيفرة التي ينتمي إليها، لكنه

يمضي وقته في الشمال بين طنجة وتطوان، ويفضل مشفى تطوان للعلاج)، مقابلة شخصية، مشفى تطوان، أيار/ مايو.2023 (((7 المشارك (ي) (رجل أربعيني يعيش مع والديه في مدينة تطوان من دون أيّ مستوى دراسي، ولا عمل قار)، مقابلة شخصية،

مشفى تطوان، أيار/ مايو.2023 (((7 "من العيب أن تقول لسيدة إنك لا تستطيع أن تنام معها لأنك مرغم على أخذ الدواء [...] لعن الله هذا الدواء".

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

للأدوية المضادّة للذهان. ومن آثاره الشائعة أنه يعمل على إرخاء الجسد، ويسبب نوعًا من الدوار أو النعاس الذي قد يؤثر في النظر. ولهذا، ربما يُفضّل المرضى تناوله وحده، بدل من أخذ الوصفة

الطبية كاملة، من أجل الاستفادة من آثاره التخديرية التي قد تكون مثل شرب الكحول أو تدخين الحشيش. فالدواء إذًا مثلما يتضح من تجارب بعض المرضى، ليس شيئًا ثابتًا، لكنه يخضع لدينامية مستمرة، ووظيفة الباحث قبل كل شيء هي محاولة فهم "المعاني المتغيرة للأدوية في السياقات المختلفة لها". فعلى الرغم من أن الأدوية تحفظ قيمتها "العلاجية"، فإنها تُغيّر معناها بالكامل في أثناء تداولها

من شخص إلى آخر. وفي حالة هؤلاء المرضى، ليس الدواء أكثر من أعراض جانبية تحول دون حفاظ الفرد على قدرته على العيش الاجتماعي. وحينما لا يمتثل المرضى للوصفة الطبية، فهم بذلك يُعبّرون عن عقلانية خاصة بهم موازية للعقلانية الطبية، وهي لاتأخذ في الحسبان الصحة فحسب، بل

أيضًا عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية. يمثل المشارك (12) نموذجًا للتطرف في أخذ الأدوية، وليس رفضها، إذ صار مدمنًا على الأدوية

التي كان من المفترض أن تكون من أجل علاجه، فهو مدمن على تناول "الفاليوم" Valium، وأيضًا على الدواء الشهير بين المدمنين "الروزينا" (النيوزين) Neozine، فالأدوية التي كانت من المفترض أن تُعالجه، صارت مشكلة جديدة بالنسبة إليه، وذلك بسبب "فهمه" الخاص للوصفة الطبية. ولذلك، يصير ولوجه للمشفى إشكاليًا، فهو لا يرفض العلاج، لكنه يرفض طريقة العلاج والجرعات الموصوفة

له، ويصير مصدرًا للخطر حينما يتوقف كليًا عن تناول الأدوية، بسبب طبيعة مرضه النفسي، ويصير

أيضًا أخطر حينما يتناول الأدوية الموصوفة له على نحو مكثف، ويصير دخوله إلى المشفى محاولة لإخراجه من منظومة الطب "الحيوي–الشعبي" إلى الطب "الحيوي–المهني"، وهو ما يتكسّر مباشرة

بعد خروجه من المشفى. أما المشارك (10)، فعلى الرغم من أنه كان يعاني أعراضًا جانبية كانت تجعل عمله أكثر صعوبة، فإنه لم يكن  يُفضّل التوقف عن أخذ وصفته الطبية لأسباب ذاتية، فطالماتوافرت له الموارد الاقتصادية

اللازمة، فهو يتناول الأدوية الموصوفة له بانتظام، لكن حين "تضيق الأمور الاقتصادية"، يوقف الدواء،

(80)  "Artane Tablet: Uses, Side Effects, and More," WebMD , accessed on 2/7/2023, at: http://tinyurl.com/4mx8ze3x (81)  Van der Geest & Whyte, p. 351. (82)  Ibid., p. 350. (83)  Van der Geest, Whyte & Hardon, p. 166.

(((8 المشارك (12) (شاب في الثلاثينيات من عمره، ينحدر من مدينة وجدة، لكنه قضى سنوات طويلة في إسبانيا، وهو سجين بعد أن تسبب بحادثة سير تحت تأثير شرب الكحول، وبعد خروجه من السجن، جرى ترحيله إلى المغرب بمباركة من القضاء الإسباني وأفراد العائلة، وهو أعزب، ولا يزاول أيّ عمل قار)، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس.2022 (((8 المشارك (10) (رجل أعزب في أواخر الثلاثينيات من عمره، وهو المعيل الوحيد لأسرته، سبق له أن اشتغل في أحد معامل وجدة قبل أن ينتقل إلى الجنوب المغربي للعمل في شركة لتعليب السمك، وبعد تدهور حالته، ترك العمل ليعود إلى وجدة)، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس.2022

بسبب تكلفته (يشتري أدوية بقيمة 300 درهم شهريًا)، خصوصًا أنه يُعيل أفرادًا عدة من عائلته براتب

لا يزيد على ألفين وخمسمئة درهم مغربي. وبناءً عليه، فالدواء بالنسبة إليه قضية اقتصادية أكثر مما هو

قضية صحية، ويؤكد أنه لو كان هناك من  يُعيله، أوإن وجد عمل يناسب وضعيته، فلن يتوقف عن أخذ

الأدوية.

2. وصفة العائلة: الطب النفسي بالوكالة

حينما يكون المريض "تحت سلطة" العائلة، ولا يملك حرية التصرف في وصفته الطبية، يكون وجوده رهينًا بأخذه أدويته، لكن ليس على النحو الذي يراه الطبيب مناسبًا، بل على النحو الذي تراه العائلة كذلك.

وغالبًا ما تكون الأدوية هي الحل الأخير، لكنها أيضًا غالبًا ما تكون الحل الأول والتمهيدي بالنسبة إلى

المريض. وبطريقة ما، لا تنظر العائلة إلى مريضها إّل في علاقته بالأدوية التي عليه أن يأخذها. يفتح الطبيب المجال أمام العائلة لتصير لها سلطة على الدواء، فليس غريبًا أن تسمع طبيبًا ينصح أحد

أفراد العائلة قائل: "إن لم تنفع معه جرعة واحدة، فاستخدم الضعف". وهذا أيضًا نتاج سياسات الصحة العامة التي تجعل العائلات بمنزلة أطباء نفسيين بالوكالة Proxy Psychiatrists. فعلى الطبيب أن يقدم وصفته الصحية ونصائحه وتوجيهاته، وعلى الأسرة أن تلتزم بهذه التوجيهات، لكن كيف يمكنه التأكد من هذا؟ فحينما تكون العائلة البديل من الطبيب النفسي، فستكون لها القدرة على "إرغام مريضها على تناول وصفته الطبية، وتعديل الجرعة على النحو الذي يناسبها أيضًا". لذا، تصير الأدوية أداةً في يد العائلة، ووسيلةً لاحتواء المخاطر التي قد يتسبب فيها الفرد المريض، مثلما أشار إلى ذلك باحثون. في هذا السياق، يقول المشارك (16): "فاش مكانبغيش ناخذ الدوا ديالي [...] كاتبقا الواليدة تبكي وتقولي غادي دير شي فضيحة". فهذا المشارك يعيش علاقة مضطربة بوالدته، تدفعه إلى الجنون مثلما يشير، وحينما تكون انفعالاته عنيفة،  تُرغمه على أخذ الأدوية، أواختيار العودة إلى المشفى. ومثلما يبيّن المشارك، فهو من دون المشكلات التي تفتعلها والدته، لن يكون في حاجة إلى الأدوية

أساسًا، فهي، بحسب أقواله، السبب الفعلي لنوباته، وهو يرفض أن يكون مصابًا بأيّ خلل نفسي، ويرى

أن الدواء هو مجرد سلاح في يد والدته حتى تجعله ابنًا مطيعًا.

(86)  Rhodes, p. 64. (87)  João Biehl, "Life of the Mind: The Interface of Psychopharmaceuticals, Domestic Economies, and Social Abandonment," American Ethnologist , vol. 31, no. 4 (2004), p. 489. (88)  Ibid., p. 475. (89)  Ibid., p. 484. (90)  Ibid., p. 489. (91)  Zouitni, Moundib & Elqarfaoui, p. 481.

(((9 المشارك.)16((((9 "حينما أرفض أخذ الأدوية [...] تبكي أمي وتُخبرني أنني سأقوم بفضيحة."

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

ويقول المشارك (ك): "غي كايعرفوني صحاب الدار حبست الباسطيا [...] كايبقاو حاضييني وتابعيني". فهو يعتقد أن الأدوية التي وصفها له الطبيب صارت السبيل الوحيد أمامه للبقاء داخل العائلة، وللحفاظ على علاقة جيدة بالمقربين منه، حتى لو كان يأخذ الوصفة الخطأ، المهم أن تكون أعراض الأدوية ظاهرة عليه، حيث إن عليه أن يكون مسترخيًا طوال الوقت، هادئًا، وعاجزًا عن القيام

بأيّ أنشطة تتطلّب جهدًا كبيرًا، وهي الأعراض الجانبية للأدوية التي، مثلما يشير إلى ذلك المشارك،

تُسعد أفراد عائلته وتجعلهم يشعرون بالأمان منه، فهو من دون هذه الأعراض قادر على القيام بأيّ شيء

في نظر عائلته. لايس المريض كامل من دون دواء بالنسبة إلى عائلاته، وأكثر من ذلك، يكون بصفته مواطنًا فاقدًا

الشرعية، وفي هذا السياق صاغ أحد الباحثين مفهوم المواطنة الصيدلية Pharmaceutical Citizenship، ويقصد بها بوجه عام، الصفة التي تُعطى للأفراد العاجزين عن العيش اليومي، اجتماعيًا خصوصًا، من

دون أخذ وصفة طبية معيّنة، فهو إذًا لا يكون "مواطنًا كامل" إّل إذا أخذ علاجه الطبي. فالمريض

هنا ليس مكتمل، إّل بعد أخذ أدويته، والعائلة هي المشرف على هذه العملية، ففي نهاية المطاف هي التي ستتحمل مسؤولية ما قد يقوم به. وبناء عليه، يصير البيت نوعًا من المراكز الصحية، حيث يكون ممكنًا تعديل الوصفات وإعادة تشكليها، وهناك أيضًا تتّخذ القرارات والممارسات المتعلقة أساسًا

بصحة أحد الأفراد. وما يبقى مهمًا بالنسبة إلى العائلة، بغضّ النظر عن نجاعة الوصفة الطبية في

علاج المريض، هو الحفاظ عليها (علنيًا)؛ ذلك أن للوصفة الطبية الأثر في تعزيز القدرة على تفهّم

المريض وتقبّله حينما يكون عاجزًا عن التأقلم اجتماعيًا، فالأدوية هنا تؤدي دور الوسيط الذي يؤكد

حقيقة المرض، ويبرر تمظهره. كان المشارك (ط) قبل دخوله المشفى، أول مرة، يعمل رجل أمن في مركز محاربة للإدمان، والمفارقة أنه مدمن على مادة الميثادون Methadone نتيجة اتفاق توصل إليه مع عائلته، حيث صار يمكنه "أن يعالج نفسه" بهذه المادة التي حصل عليها في بداية الأمر عبر وصفة طبية، وقد شكلت في مرحلة معيّنة

من حياته راحة لعائلته، حيث إنه لم يعُد بسبب الميثادون مثيرًا للمشكلات، فقررت العائلة أن تقوم

بتزويده بهذه المادة حتى بعد أن أوقف الطبيب الوصفة الطبية. وحتى داخل مشفى الأمراض النفسية والعقلية، كانت عائلته  تُهرّب المادة إليه ممزوجة بالقهوة السوداء، مثلماأكد لي ذلك المشارك نفسه.

هذا التواطؤ بين المريض وعائلته لا يخدم حقًا مصلحته، وهو يؤكد أنه يضع بحسب وصفه "رجل فالدنيا ورجل فالآخرة"، بسبب المخدر، لكنه يخدم مصلحة الأسرة التي رأت في وصفة الميثادون

(((9 المشارك (ك) (رجل أربعيني من مدينة طنجة، يقيم في تطوان)، مقابلة شخصية، مشفى تطوان، أيار/ مايو.2023 (((9 "حينما تعرف أسرتي أنني توقفت عن أخذ الأدوية [...] يشرعون في مراقبتي وحراستي."

(96)  Stefan Ecks, "Pharmaceutical Citizenship: Antidepressant Marketing and the Promise of Demarginalization in India," Anthropology & Medicine , vol. 12, no. 3 (2005), p. 241. (97)  Dew et al., p. 29. (98)  Zouitni, Moundib & Elqarfaoui, p. 481.

(((9 المشارك (ط) (رجل خمسيني من مدينة تطوان)، مقابلة شخصية، مشفى تطوان، أيار/ مايو.2023

حاًّل لمشكلاتها. فقد كان الرجل قبل إدمانه مثيرًا للمشكلات، التي يفتعلها ربما بسبب حالته النفسية،

أو لوضعيته الاجتماعية باعتباره ابن أحد الأحياء السيئة السمعة في مدينة تطوان. لكن كيفما كانت الحال، فقد وجدت العائلة الحل في إبقائه تحت تأثير الميثادون حتى لو كان في ذلك مخاطرة، ودخول المشارك (ط) إلى المشفى هذه المرة هو محاولة منه للتخلّص من الإدمان على المادة، ولو تدريجيًا، وذلك بعد تعرّضه لانهيار حاد من جرّاء جرعة زائدة. حينما يتوقف أحد المرضى عن أخذ الأدوية، يجعله ذلك يدخل في مفاوضات مستمرة، سواء مع الطبيب أم مع الأسرة، من أجل الحصول على الحد الأدنى من العلاج. فالمشارك (ه)، رجل مواظب على القدوم إلى المشفى منذ سنين طويلة، بعد كل نقاش أو مشكل عائلي يتطور إلى أزمة، يدّعي أن الدواء هو السبب، فيأتي إلى المشفى من أجل الحصول على وصفة طبية، ومن ثم يصير المشكل خارجيًا عنه،

"لأنه لم يكن على حقيقته"، وتقوم العائلة بعد ذلك بمسامحته، لأنه اليوم يأخذ أدويته، ولن يقوم بأيّ

مشكل جديد. وهذا سيناريو يتكرر منذ أواخر التسعينيات مثلما صرّح المشارك. ويجب عدم النظر إلى

الأسر على أنها في علاقتها بالصيدلة والطب مجرد مستهلك سلبي خاضع للخطاب السائد، لكنها على العكس من ذلك، منتج فعال وإيجابي للعلاجات داخل البيت، وبعيدًا أيضًا عن وجهة نظر المتخصصين وحساباتهم، والدواء ليس أكثر من مجرد أداة، فالمريض هنا يعي جيدًا أنه من دون أدويته لا يملك

"مواطنة صيدلية"، ويكون في تلك المرحلة كل شيء مباحًا، وحين يصير ذلك مهددًا له، يعِد بالحصول

على مواطنته الصيدلية من جديد عبر الدخول إلى المشفى والحصول على وصفة جديدة. وبذلك يتحوّل

المريض إلى "نسخة صيدلية" Pharmaceutical Double عن ذاته، وهي النسخة المقبولة، ومن دون أدويته لا يكون إّل شخصًا ناقصًا ومهددًا مستمرًا للاستقرار. وفي حالات عديدة، تظهر العائلات كأنها

تريد الوصفة فحسب، ولا تريد العلاج. فالمشارك (3)، وهو مريض، قامت عائلته بتشخيصه ذاتيًا

"انطلاقًا من ملاحظتها"، بصفته مصابًا بالتوحّد، لكن مع مرور السنوات، وبعد أن أنجب والداه الفتاة

الأخرى، صار المريض أكثر عدوانية، وصار الوالدان أقل اهتمامًا به، الشيء الذي جعلهما يتقدمان من

أجل الحل الطبي "الكيماوي". وبالفعل، حضر المريض إلى المشفى من أجل الحصول على وصفة أُ طبية بعد أن صار التقييد والسجن في الغرفة غير كافٍ. وبحسبه، جعل هذا التشخيص "الشعبي" الذي قام به والداه من دون وساطة طبية، وضعيته النفسية أسوأ، وقد تم التعامل معه، وهو مصاب بالفصام، على أنه مصاب بالتوحد، وبعد أن أنجبا الابنة الثانية، صار خوفهما من الابن "المتوحد" أكبر، وقرّرا سجنه

في غرفته وربطه، قبل أن يقرّرا في نهاية المطاف إحضاره إلى المشفى من أجل الحصول على وصفة

"تجعل تقييده أسهل بعد أن صارا عاجزين عن السيطرة عليه يدويًا"، وهذا التبرير هو الذي قدّمه المشارك

عندما سألته عن سبب إحضاره في وقت متأخر، وهو مقبل على الثلاثينيات من عمره.

(((10 المشارك (ه) (رجل أربعيني، متزوج وأب لطفلين، تاجر في مدينة تطوان)، مقابلة شخصية، مشفى تطوان، أيار/ مايو.2023

(101)  Dew et al., p. 39. (102)  Biehl & Eskerod, p. 193.

(((10 المشارك (3) (شاب في أواخر العشرينيات، الابن الأول لوالديه، ويعيش معهما رفقة أخته الصغرى)، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس.2022

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

إنه "اقتصاد الرعاية والإهمال" في البيت، الذي لا يكون ممكنًا إّل بوساطة من الأدوية نفسها، فالمفترض أن الأدوية تعمل على "رعاية" المريض، لكنها في الواقع ليست إّلا شكل من أشكال الإهمال، في مقابل الاعتناء بالطفلة السويّة. فالشكل الذي تستخدم فيه العائلات الأدوية في علاقتها

بالفرد المريض،  يُعبّر على نحو ماعن الكيفية التي تريد العائلة بها العيش، ومن ثم، فالتخلّي عن فرد

ما، أو إرغامه على تناول الدواء، هو "نوع من الرعاية الذاتية للعائلة لنفسها". يُعبّر المشارك (4) عن حالة أشد تعقيدًا. فقد أحضرته والدته إلى المشفى لأنه حاول أن يحرق البيت،

بحسب ادّعائها، وهو ما سخر منه المريض بعد أن سحب ولاعة من جيبه في أثناء إجراء المقابلة، لكن في الملف الطبي، صرّحت الوالدة بأن لابنها ميول جنسية مضطربة، ويلاحق الفتيات في الشارع،

ويستمني علنًا في البيت. واللافت في هذا أن "فرط النشاط الجنسي" Hypersexuality لدى المشارك قد يكون عرضًا جانبيًا لأحد الأدوية التي يأخذها. ومن ثم فعودته إلى المشفى من جديد كانت بسبب

عرض جانبي للأدوية التي أكد أنه يتناولها بانتظام. وما يمكن فهمه أيضًا من حالة المشارك أن الميول المنحرفة التي أظهرها علنًا كانت ثانوية، في مقابل خوف الأم من حرقه البيت، وذلك ربما لأن الطاقم الطبي يعلم أن فرط النشاط الجنسي هو عرض جانبي وجزء من سيرورة العلاج، فكان على الأم أن تجعل حالة ابنها تبدو أخطر حتى يصير ممكنًا إدخاله المشفى. لقد سبق للباحثين أن انتبهوا إلى أن المتخصصين النفسيين غالبًا ما لا يفرقون بين الأعراض المَرضية التي تنتج من الوضعية الصحية للفرد،

والأعراض الجانبية للدواء الذي يأخذه المريض، فبطريقة ما، تصير الأدوية نفسها "هي الجسد الذي ينبغي علاجه". وهذا تحديدًا ما يظهر من حالة المشارك (4)، فحتى وهو خاضع لسلطة الطبيب والعائلة، ويلتزم بأخذ الأدوية، يصير من جديد موضوع علاج بسبب الأعراض الجانبية. إنه التدبير الصيدلي للحياة، فالأدوية هي أصل مشكلاته، وهي الوسيلة الوحيدة المقترحة لحلها، ولا وجود له خارج هذه الجدلية. وضمن هذه السيرورة الطويلة من الوصفات الطبية والأدوية والعلاجات المختلفة، يصير الفرد كائنًا صيدلانيًا إن صح التعبير. وتصير أدوية مثل هالدول Haldol ونيوزين Neozine ضمن الأشكال

اليومية لعيشه وحياته داخل العائلة. في حين تصير العائلة ملزمة بالحصول على هذه الأدوية بأيّ

شكل ممكن، سواء بالمجان في المراكز الطبية، أم عبر شرائها من الصيدليات مباشرة، أم الحصول

(104)  João Biehl, "Care and Disregard," in: Didier Fassin (ed.), A Companion to Moral Anthropology (Hoboken: Wiley– Blackwell, 2012), p. 245. (105)  Ibid., p. 260.

(((10 المشارك (4) (شاب في منتصف العشرينيات، يعيش مع والدته في بيت واحد، من دون معيل أو إخوة، يعجز عن العمل فترة طويلة، ويقضي غالبية أيامه عاطل عن العمل وجالسًا في البيت)، مقابلة شخصية، مشفى وجدة، آب/ أغسطس.2022

(107)  Biehl, "Life of the Mind," p. 486. (108)  Biehl & Eskerod, p. 176. (109)  Ibid, p. 199. (110)  Biehl, "Care and Disregard," p. 246.

عليها بطريقة غير شرعية. ويؤكد أفراد من الطاقم أن الأمهات خصوصًا يحاربن دوريًا من أجل

الحصول على الأدوية اللازمة من أجل المريض، وهن لا يطلبن الحصول على "الجرعة الموصوفة" شهرًا واحدًا، بل يحاولن أحيانًا الحصول على جرعات مضاعفة، بحجة أنهن في الشهر القادم

لن يكون في إمكانهن القدوم. لكن في الواقع – بحسب أفراد الطاقم – تنهك العائلات مرضاها بالجرعات الزائدة، أو في أحيان أخرى يبيع أفرادها هذه الأدوية التي يحصلون عليها مجانًا من المؤسسات العلاجية. فالأدوية – قبل كل شيء – سلع، ومن أسهل أشكال العلاج تداول، وفي الوقت نفسه من أنجح السلع، وفي انتقالها من شخص إلى آخر – كسلع وأدوية – تتغير أدوارها وتصير لها معانٍ وسياقات جديدة.

خاتمة

لا يضمن أخذ الأدوية أن الفرد سيندمج من جديد داخل المجتمع والعائلة، فالمواطنة الصيدلية لا تضمن حقًا الاندماج، فعدد كبير من المرضى يتم التخلي عنهم، سواء بأدوية أم من دونها، وتنظر العائلة إليهم بصفتهم "حمية فاشلة من الأدوية والأقراص"؛ أي إنهم تعبير عن فشل الطب الحيوي في إعادتهم إلى مكانهم الطبيعي في المجتمع، خصوصًا حينما يصعب على المختصين السيطرة على

الأعراض الجانبية المختلفة. فإن لم تنجح حتى الأدوية في حفظ النظام الذي تريده العائلة، يصير صعبًا عليها إيجاد بديل آخر غير إعادة إرسال "المريض" إلى المشفى، سواء على نحو مباشر، أم غير

مباشر. فالعلم، في شكل الأدوية والأقراص الطبية، يقدّم نوعًا من الحياد للعائلة فيما يتعلق بالقرار

المتخذ، فقد قامت العائلة "بكل شيء ممكن"، لكن لا شيء ينفع، غير التخلّي. ومثلما يتّضح من تصريحات المرضى، فهناك بالفعل نوع من التخلّي من جهة المؤسسة الطبية والعائلة،

وهذا التخلّي هو اجتماعي أساسًا، حيث لا تكون هناك رعاية حقيقية للمريض خارج الأدوية التي هو

مُطالب بتناولها. ويصير المرضى في هذا السياق خبراء صيدلانيين بطريقتهم الخاصة، بطريقة "شعبية"

أكثر مما هي "حيوية"، تنطلق من دراسة الأعراض والعلاجات اللازمة لها، فالمريض يقوم بطريقة ما بإعادة إنتاج الوصفة الطبية بالطريقة التي تناسبه هو، انطلاقًا من مؤشرين رئيسين؛ الأعراض الجانبية، والإحساس الذي ينتجه الدواء. فكلما كانت الأعراض الجانبية نادرة، والأحاسيس التي ينتجها المريض مقبولة بالنسبة إلى المريض نفسه، كان الدواء محبوبًا أكثر، والعكس صحيح؛ كلما كانت الأعراض

الجانبية كثيفة، والأحاسيس سلبية، تمّ التخلّي عن الدواء، في مقابل إيجاد بدائل أخرى منه مختلفة،

الشيء الذي يعطّل الوصفة الطبية، وربما يجعلها أكثر سوءًا بالنسبة إلى المريض، وهو الشيء الذي

يبرر العودة المستمرة لعدد كبير من المرضى إلى المشفى على نحو دوري، سواء بعد إيقاف الدواء كليًا، أم بعد التلاعب به جزئيًا.

(111)  Van der Geest & Whyte, p. 350. (112)  João Biehl, "Human Pharmakon: Symptoms, Technologies, Subjectivities," in: Byron J. Good et al., A Reader in Medical Anthropology: Theoretical Trajectories, Emergent Realities (Hoboken: Wiley–Blackwell, 2010), p. 215. (113)  Ibid., p. 222.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

فالدواء، الذي من المفترض أن يعالج، لا يحقق الراحة كليًا، فهو دائمًا ما يصطدم بالأعراض الجانبية،

ومن الأعراض الشائعة لمضادات الذهان التي تقدم للمرضى: "عدم اتضاح الرؤية، وجفاف الفم، والانقباضات العضلية، والأرق، والرعشات الحادة، والحركات غير الإرادية للفم واللسان، وأطراف أخرى من الجسد". تؤثر الأعراض الجانبية للدواء في الصورة الاجتماعية للمريض. وهذه الأعراض مثلما تظهر على الجسد، تجعل من السهل تأويل حركات المريض وشكله على أنه دليل على "الغرابة والجنون"، ومن ثم يحس "سواء حينما يكون تحت تأثير النوبات المرضية، أم حينما يكون تحت تأثير الأدوية، أن هذه الغرابة جزء من شخصيته". فالمريض النفسي في الحالات كلها لا يمكنه إّل أن يكون منبوذًا، فيصعب عليه أن يجد عمل، وأن يندمج داخل المجتمع، وأن "يجد ذاته"، فهو في نهاية المطاف إما "مجنون"، وإما خليط من الأدوية التي تجعل منه أكثر غرابة بسبب أعراضها. وفي علاقة بين المرضى والأدوية الصيدلية، تتشكل هويات جمعية عبر مشاركة الأفراد تجاربهم الخاصة المتعلقة أساسًا باستهلاك نوع أو أنواع معيّنة من الأدوية، أو على نحو عكسي، عبر رفضهم أخذها. وبحسب المعطيات التي عملنا على تحليلها، فالأعراض الجانبية للأدوية الموصوفة للمرضى النفسيين، ليست السبب الوحيد الذي يحول دون الإبقاء على الوصفة الطبية كما هي، على الرغم من أن عددًا كبيرًا من المرضى، خصوصًا حينما يتعلق الأمر بالتطبيب الحر، يعيد بناء الوصفات الطبية بناء

على حدة الأعراض الجانبية، محاولًالحصول على أفضل نتيجة ممكنة من دون التوقف عن تناول الدواء كليًا، ومن دون الغرق في الأعراض الجانبية. لكن الملاحظ أيضًا أن للعائلة فهمًا عكسيًا، قد

يجعل الأدوية أحيانًا تظهر كأنها بديل عصري من الربط بالسلاسل والسجن، فكلما كانت الأدوية قادرة على إخضاع الفرد المضطرب وإنهاكه، كانت مناسبة للعائلة في البيت، من دون أن يكون هناك أيّ اهتمام فعلي بالعلاج. فالمطلوب هو الحفاظ على استقرار البيت. ومثلما عبّر عن ذلك جواو بيل،

فالشكل الذي تستخدم به العائلات الأدوية في علاقتها بالفرد المريض، يُعبّر على نحو عن الكيفية

التي تريد العائلة أن تعيش بها، ومن ثم، فالتخلّي عن فرد ما، أو إرغامه على تناول الدواء، هو "نوع من الرعاية الذاتية للعائلة لنفسها". ولا يتحقق لها هذا عبر الوصفة الطبية نفسها، بل عبر تفعيل نسختها الخاصة من الوصفة، بعد تعديلها، وجعلها أنسب. إنه تدمير لعلاقة الطبيب بالمريض، وتجاوز لسلطة المعرفة، وشعبنة حقيقية للطب الحيوي. سواء تعلق ذلك بالتطبيب الحر للمريض ووصفته الخاصة، أم عبر الطب بالوكالة الذي تمارسه العائلة على المريض الذي ينتمي إليها. وعبر هذين الشكلين من "تحوير الطب الحيوي، عبر الأفراد أنفسهم، أو عبر عائلاتهم، تصير المواد الصيدلية جزءًا من طب

شعبي جديد نسبيًا على مجتمعنا، لكنه لا يعالج بقدر ما يفاقم من صعوبات عيش المريض.

(114)  Rhodes, p. 51. (115)  Ibid., p. 56. (116)  Johanne Collin, "On Social Plasticity: The Transformative Power of Pharmaceuticals on Health, Nature and Identity," Sociology of Health & Illness , vol. 38, no. 1 (2016), p. 81. (117)  Biehl, "Care and Disregard," p. 260.

وفي هذا السياق، يقارن بيل بين المرضى اليوم و"الفارماكي" Pharmakoi في اليونان القديمة، حيث كان في كل سنة  يُختار رجلان لطردهمامن المدينة، بوصف ذلك جزءًا من عيد ثارجيليا Thargelia.

نُظر إليهما وقد – أي الرجلين المطرودين – بداية على أنهما نوع من العلاج لمعاناة المدينة من المجاعات والأوبئة، ولاحقًا  نُظر إليهماعلى أنهما الحاجز الذي سيمنع الأذى عن المدينة. وقد لقب اليونانيون هؤلاء الأفراد باسم "فارماكي"، وحينما يُختار "الفارماكي"، فلا يمكنه أن يعود إلى المدينة إطلاقًا. وعلى نحو مماثل، المريض المتخلّى عنه نوع من الفارماكي المعاصر. فالمريض النفسي خاصة، موضوع سلطة، سواء كان ذلك في المؤسسة الشمولية – المشفى – أم في البيت الذي غالبًا

ما يكون امتدادًا لهذا المشفى بوساطة من الوصفة الطبية. وما يهمنا نحن الباحثين هو رصد هذه العقبات التي قد تحول دون تحقيق العلاج الذي هو الغاية المفترضة، سواء من المشفى، أم من الوصفة الطبية، في وقت يكون المريض النفسي في غالبية الأحيان مجرد موضوع للسلطة، من دون أن تتحقق له عدالة العلاج. إن في أصوات هؤلاء المرضى إشارة إلى خلفية اجتماعية ومشكلات اقتصادية، هي ربما التي تُعزّز من صعوبات العلاج، وهي التي تحول دون تحقيق الغاية الفعلية من الطب، ومن ثم، فلن يكون ممكنًا حقًا فهم وضعية المرضى النفسيين في علاقتهم بسيرورة العلاج، من دون العودة إليهم هم أنفسهم، والكيفية التي ينظرون بها إلى هذه السيرورة نفسها، سواء حينما يكون القرار في أيديهم، أم حينما يكونون مجبرين على الانصياع.

المراجع

References

العربية

بغوره، الزواوي. "المرض بوصفه تجربة وخطابًا: بحث في سياسات المرض عند ميشيل فوكو ودورها

في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة". تبيّن. مج  9، العدد 35 (شتاء.)2021 رويان، بوجمعة. الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1945–1912. ط 2. الرباط: منشورات الرباط نت،.2020 عمارة، الناصر. "المرض: مقاربة إيتيقية هرمينوطيقية". تبين. مج  8، العدد 2 (ربيع.)2014 ________. "الصحة والإيتيقا: النضج الأخلاقي للممارسة الطبية". تبيّن. مج  10، العدد 38 (خريف

فوكو، ميشيل. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. ترجمة سعيد بنكراد. ط  2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2014 لو تورنو، روجيه. فاس في عصر بني مرين. ترجمة نقولا  زيادة. بيروت: مكتبة لبنان،.1967

(118)  Biehl, "Human Pharmakon," p. 223.

برادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغعدراسة في إ

الوزان، الحسن بن  محمد. وصف أفريقيا. ترجمة عبد  الرحمن حميدة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2005

الأجنبية

Abraham, John. "Pharmaceuticalization of Society in Context: Theoretical, Empirical and Health Dimensions." Sociology. vol. 44, no. 4 (August 2010). "Artane Tablet: Uses, Side Effects, and More." WebMD. at: http://tinyurl.com/4mx8ze3x Ashworth, Mark et al. " Demand, Appropriateness and Prescribing of ' Lifestyle Drugs ': A Consultation Survey in General Practice. " Family Practice. vol. 19, no. 3 (2002). Biehl, João. " Life of the Mind: The Interface of Psychopharmaceuticals, Domestic Economies, and Social Abandonment. " American Ethnologist. vol. 31, no. 4 (2004). Biehl, João & Torben Eske rod. Vita: Life in a Zone of Social Abandonment. Berkeley: University of California Press, 2013. Bordogna, Mara Tognetti. " From Medicalisation to Pharmaceuticalisation – A Sociological Overview: New Scenarios for the Sociology of Health. " Social Change Review. no. 2 (2014). Bromberg, Walter et al. " The ' Protest ' Psychosis: A Special Type of Reactive Psychosis. " Arch Gen Psychiatry. vol. 19, no. 2 (1968). Brown, Phil. " The Name Game: Toward a Sociology of Diagnosis. " The Journal of Mind and Behavior. vol. 11, no. 3–4 (1990). ________. " Naming and Framing: The Social Construction of Diagnosis and Illness. " Journal of Health and Social Behavior. vol. 35 (1995). Collin, Johanne. " On Social Plasticity: The Transformative Power of Pharmaceuticals on Health, Nature and Identity. " Sociology of Health & Illness. vol. 38, no. 1 (2016). Conard, Peter. " Medicalization and Social Control. " Annual Review of Sociology. vol. 18 (1992). Dew, Kevin et al. " Home as a hybrid center of medication practice. " Sociology of Health & Illness. vol. 36, no. 1 (2014). Ecks, Stefan. " Pharmaceutical Citizenship: Antidepressant Marketing and the Promise of Demarginalization in India. " Anthropology & Medicine. vol. 12, no. 3 (2005). Fassin, Didier (ed.). A Companion to Moral Anthropology. Hoboken: Wiley–Blackwell,

Goffman, Erving. " On Fieldwork. " Journal of Contemporary Ethnography. vol. 18

Good, Byron J. et al. A Reader in Medical Anthropology: Theoretical Trajectories, Emergent Realities. Hoboken: Wiley–Blackwell, 2010. Heaton, Matthew M. " Reviews: Richard C. Keller, Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa. " Itinerario. vol. 32 (2008).

Keller, Richard C. Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa. Chicago: The University of Chicago Press, 2007. Lwoff, Salomon & Paul Sérieux (dir). Les aliénés au Maroc, Extrait du rapport de mission. Paris: Masson et C Edit, 1911. Oeye, Christine, Anne Karen Bjelland & Aina Skorpen. " Doing Participant Observation in a Psychiatric Hospital: Research Ethics Resumed. " Social Science & Medicine. vol. 65, no. 11 (2007). Rauf, Ateeq A., Ajnesh Prasad & Mohammed A. Ra zzaque. " Consumption within a Soft Total Institution: Discursive Inculcation in the Tab lighi Jamaat." International Journal of Consumer Studies. vol. 42, no. 6 (2018). Rhodes, Lorna A. " This will Clear your Mind: The Use of Metaphors for Medication in Psychiatric Settings. " Culture, Medicine and Psychiatry. vol. 8, no. 1 (1984). Ritzer, George. Encyclopedia of Social Theory. New York: Sage Publications, 2005. Schirripa, Pi no. " Reviews: Richard C. Keller, Colonial Madness: Psychiatry in French North Africa. " Transcultural Psychiatry. vol. 48, no. 3 (2011). Serpa, Sandro. " On the Concept of Total Institution. " International Journal of Social Science Studies. vol. 6, no. 9 (September 2018). ________. " The Charm of Medicines: Metaphors and Metonyms. " Medical Anthropology Quarterly. vol. 3, no. 4 (1989). Van der Geest, Sjaak & Susan Reynolds Whyte & Anita Hardon. " The Anthropology of Pharmaceuticals: A Biographical Approach. " Annual Review of Anthropology. vol. 25

Whyte, Susan Reynolds. " Pharmaceuticals as Folk Medicine: Transformations in the Social Relations of Health Care in Uganda. " Culture, Medicine and Psychiatry. vol. 16, no. 2 (1992). Zouitni, Khadija, Abdelrhani Moundib & Khadija Elqarfaoui. " L’usage des médicaments psychiatriques au Maroc: Entre vécu f amilial et discours professionnel. " L’Information psychiatrique. vol. 93, no. 6 (2017).