الناسخ البحّار: منصور الخارجي وعوالم المحيط في الخليج العربي
The Sailing Scribe: Mansur Al–Khariji and the Oceanic Worlds of the Gulf
الملخّص
كيف أنتج نواخذة الخليج الطرق التي عبروها في المحيط الهندي؟ تستند هذه الدراسة إلى كتابات أحد نواخذة الكويت، منصور بن إبراهيم الخارجي (1879-1954)، لاستكشاف العمل الفكري الذي جعل الحركة والتداول في الخليج ومحيط الهند ممكنين. ويتضمن مخطوط الخارجي، الذي أنتجه بعد مسيرة بحرية طويلة، ملاحظات حول الملاحة والمعاملات والجغرافيا السياسية التي عبرها، إضافة إلى أبيات شعرية. وتسلّط ملاحظات الخارجي الضوء على طريقة عمل عالم متحرك من المؤسسات والأفكار التي نشّطت التداول في جميع أنحاء منطقة الخليج والمحيط الهندي. ومن خلال التفاعل مع كتاباته، تقدّم الدراسة تأملات في عالم بحري دُفع إلى هوامش التاريخ الأرضي.
Abstract
Associate Professor of History and of Gulf and Arabian Peninsula Studies at the University of Virginia, United States. Email: fab7b@virginia.edu
- السفن الشراعية
- تاريخ
- الخليج العربي
- عالم المحيط الهندي
- نواخذة
- History
- Gulf
- Indian Ocean World
- Dhow
- Nakhudas
أولاً: التفكير في الحركة والتنقل
حين نسخ النوخذة1 منصور بن إبراهيم الخارجي خاتمة مخطوطته في آذار/ مارس 1945، كان قد أبحر قبل ذلك بزمن تجاوز أربعين عامًا، مدّو نًا فيها ملاحظات يقارب عمرها هذه المدة نفسها. فكتب أنّ أول إبحار له كان رفقة شقيقه الأكبر علي، عام 1895، قبل أن يتعلم قيادة سفينته الخاصة بعدها بسبع سنين. وبعد عقود من وفاة الخارجي، نشر مركز أبحاث كويتي دفتر ملاحظاته في صورة دليل المّلحين تحت عنوان غير عملي إلى حد ما: القواعد والميل والنتيجة في علم البحار، وهي العبارة ذاتها التي ذيّل بها الخارجي الصفحة الداخلية التي تلي غلاف الكتاب. ولم يكن ثمة ما يحيل على أن مشروعًا متماسكًا يقف وراء هذا الكتاب؛ فقد جمع الرجل بين دفّتيه مبادئ مختلفة من الملاحة، وبيانات قد نعثر عليها في الأدلة الملاحية الأخرى، في حين بدا القسم الأكبر منه ملاحظاتٍ كتبها لنفسه. لم يكن الكتاب ينمّ عن أطروحة متسقة عن الملاحة، بل بدا مثل دفتر ملاحظات دوّن فيه الخارجيّ مبادئ الملاحة المختلفة وبدهياتها، وقواعد مختلفة أخرى، ووصايا للبحّارة، وملاحظات، وأبياتًا من الشعر، وغيرها. فكانت الخيوط الناظمة الوحيدة التي ربطت بين الإدخالات المختلفة في الكتاب هي الخارجي نفسه بطبيعة الحال، ومعها الفكرة التي تحيل على أنه جمع كل ذلك، وهو يبحر على متن قاربه الشراعي على طول المحيط الهندي الغربي. وربما بدا من غير الوارد أن يدفعنا دفتر ملاحظات كتبه قائد سفينةٍ للتفكير في الكيفية التي نكتب بها التاريخ، لكن الأشياء قد تُقرأ على نحو مختلف على ظهر الداو، ولاسيما حين نعرف أن العالم، بالنسبة إلى نوخذة مثل الخارجي، ليس كما نراه ونحن نحدّق فيه على الخريطة. فما نراه نحن كتل من أراضٍ تفصل (أو تصل) بينها مسطّحات مائية، أبصروه همبِحارًا ومحيطات مطوّقة بالساحل، في صورة ممرات مائية وخطوط بحرية يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، وعالم محيطيّ تتقاذفه الأمواج لتلقي به على شواطئ شبه الجزيرة العربية، وأفريقيا، والهند. فمِن ظهر الداو، إذًا، كان "الشرق الأوسط" أو "الجزيرة العربية"، على النحو الذي فهمه المؤرخون، موصول بمياه بيئتهم القريبة والمباشرة في بحر العرب2. لم يكن بحر العرب بالنسبة إلى الخارجي محض بناء علمي، بل العالم الذي عاش فيه. فبدءًا من مطلع القرن العشرين، كان قد أمضى معظم وقته في البحر، متنقل ذهابًا وإيابًا بين الخليج وجنوب آسيا وجنوب البحر الأحمر وشرق أفريقيا. فانعكست هذه الجغرافيا الواسعة على دفتر ملاحظاته، مثلما انعكست على سطح قاربه في آنٍ واحد؛ إذ كان النواخذة مثله يستعينون ببحّارة من اليمن، واعتبروا أنفسهم جزءًا من مجتمع البحّارة العرب الواسع؛ لذلك يمكننا، من خلال الخارجي ومركبه الشراعي
وهؤلاء البحّارة عامة، أن نتفكّر في الحدود المائية لشبه الجزيرة العربية، وفي الطرائق التي نحدد بها موضوعاتنا وأبحاثنا. وأهمية الداو في هذه الحالة تكمن في قدرته على إعادة توجيه تفكيرنا بعيدًا عن اليابسة وفي اتجاه البحر، وإجبارنا على أن نكتب تاريخًا تحتل فيه الأقاليم الترابية مكانة طرَفيّة، وأن نجمع في أذهاننا الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، وكلها كانت وطنًا لذلك المركب بالقدر نفسه. وينهض مثلُ هذا المسعى على رهان بالغ الأهمية، بل أبلغ مما قد يبدو عليه ظاهرًا؛ ذلك أن المؤرخين والباحثين في العلوم الاجتماعية يتجهون إلى مقولات التحليل المستندة إلى الأرض: فنحن غالبًا ما نتدرّب في حقول معرفية تنسِل من ترسيمة للجغرافيا العالمية قوامها الأقاليم (في مناطق الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا... إلخ)، وقد نشأ الجزء الأكبر من أدواتنا التحليلية لفهم المجتمع والاقتصاد والسياسة من رؤية وستفالية3 للنظام العالمي. وحتى الحقول العلمية الفرعية التي يُك رّست لدراسة العالم البحر– تاريخ المحيط الهندي والمحيطَين الآخرَين، فضل عن التراث الطويل للتاريخ البحري – عجزت عن الإفلات من غلبة الرؤية المتمحورة حول الأرض. وليس لدى الكثير من العاملين في إطار هذا التراث، دراية بكيفية كتابة التاريخ من دون أن تكون الأقاليم الأرضية محوره، فقد اختار المؤرخون طوال عقود الاستعانة بالأطر التحليلية القديمة (ربما لأنها مجرّبة ومختبَرة) التي تتركز حول التجارة والإمبراطورية. وينطبق الأمر بخاصة على الأدبيات التي تناولت شبه الجزيرة العربية، والتي حالما اتجهت إلى الاستعانة بالمنظور البحري، واجهت صعوبة في صوغ تصورٍ عن تاريخٍ محيطيّ لا يُلقَى فيه العبء التحليلي الأكبر على الإمبراطورية (ذات النمط الأوروبي عادة)4. لذلك كانت مفاهيم التنقل، والتواصل، والحراك، أو فعل العبور على نحو عام، وسيلة الكثير من المؤرخين للخروج من الوعاء القاريّ والإمبراطوريّ الذي كان يقيّد تفكيرهم وكتاباتهم. فشدّوا انتباههم على الأفراد، والأشياء، والنصوص، والأفكار، وأحيانًا على المؤسسات التي كانت تتحرك وتعبر الحدود، وتمكّنوا من الانخراط في حوارات مثمرة عن حدود نمط جديد من تاريخ العالم وآفاقه، أطلقوا عليه اسم التاريخ المتشابك Histoire croisée، أو التاريخ "الجديد" للعالم، أو، كما شاع في الآونة الأخيرة؛ التاريخ العالمي Global History. ومع ذلك، لم يكتسب التنقل والحراك زخمًا بوصفهما مقولات تحليلية، ولم يتصدر عبورُ الحدود طليعة الأدبيات التي تناولت الخليج والبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية. وحيثما حظي العمل في هذه المساحات البحثية
بالاعتراف، كان التعامل مع فكرة التنقل يجري كأنه حالة عَرضقَية في تواريخ هذه المناط5. وباستثناء الدراسات المتعلقة بالبدو الرحّل، التي فهم المؤرخون تحرّكاتهم على أنها رهانات جادّة تواجهها بنى الدولة، كان الاتجاه العام يقوم على التقليل من أهمية التنقلات التي انخرط فيها سكان المنطقة، إلى حدّ افتراض ثباتهم في المكان، وتقييد دورهم (ربما عن غير قصد) على المسرح التاريخي الإقليمي. وفي الخليج والبحر الأحمر، كان التنقل يُفهَم في عمومه على أنه نشاط يمارسه الأجانب، ممثلين في التجار الهنود، والمسؤولين الكولونياليين، والعمال المهاجرين في الآونة الأخيرة. والحال أن الأمور تبدّلت في السنوات الأخيرة بطبيعة الحال، فصار المؤرخون يأخذون على محمل الجد مركزية الحراك في تواريخ هذه المناطق، ووسّعوا بؤر اهتماماتهم بحيث يأخذون في الاعتبار المساحات الشاسعة التي دارت فيها أحداث التواريخ هذه6. بيد أنّ التنقّل والحركة ليسَا الشيء ذاته، على الأقل تحليليًا. فالتنقل "يعني الانتقال ذهابًا وإيابًا، وقد يتكرر إلى ما لا نهاية"7، سواء أتعلق الأمر بالناس أم بالبضائع، وقد كانت هذه التنقلات من الذهاب والإياب سمة منتظمة في تاريخ العالم. وبالنسبة إلى المؤرخين الذين يكتبون في هذا السياق، كان أكثر المسارات شيوعًا يقضي باستكشاف انتقال السلع داخل السياق الإمبراطوري؛ أي بين العاصمة والبلاد المستعمَرة، أو فيما بين المستعمرات تحت الإمبراطورية8. بل إن المؤرخ فرنان بروديل، الذي اعتبر أن الحركة هي أحد "الشروط المسبقة في أي شكل من أشكال الرأسمالية" – إلى حدّ أننا قد نتصور في الوهلة الأولى أنه ربما كان محِّدِدها الوحيد حصرًا قد ربطه، في نطاقها العالمي،
بالإمبراطوريات9؛ لذلك مثّلت الإمبراطوريات، في عالم ذي طابع عالمي قوامه انتقال السلع في كثير من الأحيان، أواصر التنقل والأساسات الإبستيمولوجية لهذه "العالمية". كذلك جرى فهم تنقلات البشر، على نطاق واسع، إن لم يكن على سبيل الحصر، باعتبارها ظاهرة تحدث ما بين الإمبراطوريات10. ومع ذلك، لم تكن كل حركات التنقل المهمة عالمية الطابع، ولا متعلقة جميعها بالإمبراطورية. ففي أرجاء عالم المحيط الهندي، كان البشر، ومعهم السلع والأفكار وغيرها من المستخلصات التاريخية، ينتقلون (عبر مراكب شراعية والقوافل وغيرها) بين الدول الصغيرة والمجتمعات الساحلية وغيرها من المجموعات الاجتماعية والمتعهدين السياسيين الذين عاشوا على أطراف الإمبراطوريات أو فيما بينها من فضاءات. وكان في انتقال السلع أهمية بالغة للنظم السياسية التي عبَرتها؛ فقد فتحت لها سبل الاتصال بالأسواق البعيدة، وأعانت المجتمعات التي لم تقدر على توفير حاجاتها بنفسها على البقاء. لقد كان التنقل شريان الحياة لهذه المجتمعات، وعلى نحوِ ما أدركه المؤرخون قبل فترة طويلة، فإن من يسّروا هذا الأمر، بتسهيل تنظيمه وتوجيه الموارد إليه، قد تمكّنوا من شغل مواقع الحظوة داخل المجتمع الاجتماعي والسياسي. وضمن هذه المجموعات تشابكت التنقلات مع نسيج النظم السياسية والمجتمعات والاقتصادات في المنطقة، ولم تكن تتعلق بحركة السلع وحدها. ولم يكن التنقل أقل من "ظاهرة اجتماعية كلية" Total Social Fact بين إمارات ومشيخات الخليج والبحر الأحمر طمست الحدود، كلها تقريبًا، بين شبه الجزيرة العربية وبحر العرب. وتمددت الثروة والدخل اللذان اعتمدت عليهما المنطقتان على طول ساحل المحيط الهندي؛ فكانت ميزانية الحكومة في مسقط تعتمد على التحويلات المالية والثروة القادمة من زنجبار. وكان رأس المال المادي والمالي للفاعلين الاقتصاديين في الكويت يتحرك بين جنوبي العراق وبلاد فارس والهند وشرق أفريقيا على نحو يفوق المتداول منه في الداخل؛ وكانت طبقات التجار في عدن تعتمد اعتمادًا كبيرًا على البنية التحتية الواسعة من القانون والصناعة والحكم، وكل ذلك ربطهم ربطًا مباشرًا ببومباي11. وانتقال
الناس، والبضائع وغيرها من "الأشياء"، على متن السفينة، يربك قبضتنا على السيرورات التاريخية، ويحوّل وجهة نظرنا من "الأمير المستقر" في بلاطه إلى "حياة البحّار المتجول"12. ومثلُ هذا الأمر يزعزع إحساسنا بالمكان، ويتحدّى مفاهيمنا عن شكل الدولة والقانون والاقتصاد، المرتكزة كلها على الأرض، بل معها المجتمع نفسه، ويضطرّنا، بديل من ذلك، إلى التعامل مع الكيفية التي قد تعمل بها هذه المقولات حين تتمدّد على مسافات شاسعة. ومن ثمّ فإن المزاحمة على انتقال السلع والأشخاص والثروات حول المحيط الهندي، والاستفادة منها، وإدارتها، كل ذلك كان محوريًا في السيرورات التي تشكلت منها الدولة والمجتمع والاقتصاد في المنطقة، ولَّمَا يكن الأمر عَرضً.َيًا بأي حال وهذا ما تدور حوله، إلى حد بعيد، كتابة التاريخ الخاص بأماكن مثل شبه الجزيرة العربية من منظور المحيط الهندي؛ فهي ليست للقبض على فكرة الاتصال بالأماكن الخارجية الواقعة ما وراء البحار فحسب، بل لكتابة هذه الروابط (والتنقل الذي استحثها) من داخل النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمنطقة أيضًا. ومن دون أن نتخفّف تمامًا من مسألتَي التجارة والإمبراطورية (وأَّنَى لنا أن نفعل ذلك حتى لو أردنا؟)، أودّ أن أقترح أن نتّخذ من دفتر ملاحظات الخارجي استفزازًا يدفعنا إلى التفكير على نحو أقل إمبريالية وأكثر ارتباطًا بالمحيط. وعوضًا عن الانطلاق من مقولات ثابتة ومتجذّرة، يدعونا الدفتر إلى أنْ نفكر في أواصر التنقل والاتصال عبر المحيط الهندي، أي أن نفكر في الحركة نفسها، وفي الأفكار والبنى التحتية التي جعلت هذه الحركة ممكنة أيضًا. وقراءة دفتر ملاحظات الخارجي بهذه الطريقة لا تنطوي على التخيّل، على النحو الذي قد تبدو عليه في الوهلة الأولى؛ إذ يتضمن جوهر الدفتر الطرق التي بناها وسلكها، وحركة السلع والبشر ورأس المال الذي انخرط فيه. ومن خلال التأمل في ملاحظات الخارجي، يمكننا النظر في هذه التنقلات وهذه الاتصالات بوصفها حُشرت في نطاق البحر الأحمر مسارات تمتد خارج وعائها المكاني في شبه الجزيرة العربية التي والخليج، ومدّها، بديل من ذلك، إلى آفاق أوسع في اتجاه بحر العرب. وعوضًا عن حصر "الجزيرة العربية" في شبه الجزيرة وما جاورها من يابسة، قد نعتبر الدفتر فرصة لبثّها ومدّها على جغرافيا بحرية أوسع. فالخارجي، شأنه شأن غيره من النواخذة، اقتفى أثر العوالم المترابطة التي كانت تتحرك عبرها السفينة، وطرق انتقال رأس المال والقانون التي كانت تبث فيها الحياة. وعلى هذا، فإن دفتر ملاحظاته يمثل دعوة للتفكير على نحو أكثر اتساعًا في التاريخ المحيطي للجزيرة العربية، مثلما يمثل دليل عمليًا للملاحة في المناطق البحرية والاقتصاد البحري.
ثانيًا: البيئة والإبستيمولوجيا
لا غرابة في أن القسم الأكبر من دفتر ملاحظات الخارجي يتحدث عن تفاصيل الملاحة الدقيقة على متن الداو؛ فهذه هي الصنعة التي احترفها في النهاية. وعلى الرغم من أن بعض هذه التفاصيل تتضمن تعليمات للإبحار إلى داخل موانئ محدّدة وخارجها، وعلى طول سواحل معينة (وهو موضوع أناقشه بمزيد من التفصيل لاحقًا)، فإن معظمها يتضمن المبادئ المجردة التي سهلت على النواخذة العثور
على طريقهم وسط البحر. ولذلك، ضمّن في دفتره مبادئ تحديد خطوط العرض اعتمادًا على قياسات شمسية، وسلسلة من المبادئ الرياضية لاستنتاج خطوط الطول من خلال مزيج من ميل الشمس وخطوط العرض، وهي مناقشات تقنية عالية الدقة قد لا تثير عادة سوى اهتمام المؤرخين المنشغلين بعلوم الملاحة. لكن ملاحظات الخارجي في شأن تحديد الاتجاهات تدفع المؤرخ على الفور إلى التفكير في الطرائق التي استغل بها البشر من مختلف أرجاء السواحل العربية بيئتَهم الطبيعية لشقّ طرق تمخر عباب البحار. بالنسبة إلى المؤرخين المشتغلين بالمحيط الهندي، يتعلق الأمر بحكاية قديمة ومكررة عن الرياح الموسمية التي تبدأ منها كل الكتابات الرائدة عن تاريخ المحيط الهندي، وعن حركات التنقل النظامية التي أسهمت في ترسيخها من مناحٍ عدة. فقد عدّت الرياح الموسمية الشرط الأساسيّ للتنقّل في عالم المحيط الهندي؛ وهي تمثل جوهر فهم المؤرخين للحركة والاتصال في المنطقة، وما يمنحها اتساقها، وهي التي تضفي عليها سمتها "المحيطية" على نحو ما، بل "الهندية" على نحو خاص. أما المشتغلون بالمنطقة من منظور التجارة والإمبراطورية، فلطالما اعتبروا البيئة جزءًا من قصة عالم المحيط الهندي، للحدّ الذي تحولت فيه الرياح الموسمية، تقريبًا، إلى استعارة استُخدمت إلى حدّ الابتذال، في كل الظواهر المرتبطة بالمحيط، مهما تباعدت عنه. لكن كتابات الخارجي تذكّرنا أن البيئة الطبيعية لم تكن مجرد خلفية تشكل السلوك البشري، من دون أن يشكلها العنصر البشري أيضًا. فقد تدخّل الفاعلون في أرجاء عالم المحيط الهندي بنشاط في بيئتهم وهم يشقّون طريقهم يمخرون عباب مياهه. صحيح أنهم أحسنوا التفكير في الرياح، ولكنهم فكروا كذلك في النجوم والشمس، بل المياه نفسها، وابتكروا طرائق لإعادة دمج هذه العناصر في أطر إبستيمولوجية أتاحت لهم تحديد أماكنهم ووجهاتهم. وهكذا، فإن فعل التنقّل ينطوي على درجة عالية من التفاعل (والتشابك في واقع الحال) مع البيئة الطبيعية. وقد تطَّلَب من النواخذة وغيرهم من مستكشفي الطرق والاتجاهات Wayfinders أن يسافروا في العالم الطبيعي، وأن يستخلصوا منه ما يحتاجون إليه، بغية تيسير الحركة المتعددة الاتجاهات التي كانوا يستمدون منها سُبل عيشهم. ولم يكن الخارجي وحده في هذا المسعى، فقد أنتج النواخذة من مختلف أنحاء الخليج نصوصًا مماثلة، وكتيبات كان هدفها توجيه أقرانهم في غمار بيئة المحيط الهندي البحرية، وكانت جميعها، تقريبًا، أكثر هيكلة وأوضح قصدًا من نصّ الخارجي. ولم يكن من مؤلفِي مثل هذه النصوص من هو أكثر إنتاجًا، عزيزًا وذا حظوة، مثل النوخذة عيسى القطامي. ولد القطامي عام 1870، وكان ربّانًا وماّلحًا كويتّيًانّ مشهورًا، يطلق عليه المؤرخون، وغيرهم من النواخذة، لقب "الربّا الأول"؛ أي أول قبطان. وقد ألّف القطامي ثلاثة نصوص بحلول أوائل عشرينيات القرن العشرين، أولها وأشهرها عنوانه دليل المحتار في علم البحار، وهو دليل بحري يجمع بين مبادئ الملاحة والتوجيهات العملية للإبحار حول سواحل المحيط الهندي الغربي، وقد نشر أول مرة عام 1916. وبعد وقت قصير من كتابة الدليل، ألّف المختصر الخاص للمسافر والطواش والغواص، وكان دليلأقصر حجمًا يهدف إلى توجيه النواخذة ا حول السواحل وضفاف اللؤلؤ في الخليج العربي، ثم كتاب الخالص من كل عيب في وضع الجيب،
في عام 1924، وكان دليل للمساعدة في توحيد أوزان اللؤلؤ وقيمته، وتسهيل حركته من سوق إلى أخرى13. لقد منحت نصوص القطامي مجموعةَ النصوص التي أنتجها النواخذة معنى ومغزى بشأن كيفية إعادة الجمع بين عناصر العالم الطبيعي لتسهيل حركة الناس والبضائع، لكنه لم يكن الوحيد في هذا المسعى، بل وُجد آخرون مثله، وإنْ لميضاهه في نشاطه سوى قلة منهم. ففي عام 1933، ألّف معاصراه، الكويتيان النوخذة محمد بن عصفور والنوخذة حسين بن عبد الرحمن العسعوسي عام 1933، النتيجة الكويتية، وهي تقويم فلكي يمزج بين مبادئ الملاحة والجداول الرياضية لتحديد التاريخ والوقت. وفي أواخر عام 1956، ألّف النوخذة السوري ناصر الخضوري كتاب معدن الأسرار في علم البحار، ضمّنه تصحيحًا لكتاب القطامي14. وحين نقرأ هذه النصوص معًا، سنرى أنها جزء من الثقافة المطبوعة ذات النفَس البحري التي كانت تسري عبر المحيطات، في صورة عالم من الكتب التي سافرت ذهابًا وإيابًا عبر المحيط، فاستحثت حركة الأفكار والمهارات التي لم تكن، بأي حال، أقل أهمية من تجارة السلع. وقد أسهمت تنقلات هذه النصوص على أسطح السفن، أي انتقالها من أيدي نوخذة إلى آخر، في انتشار أشكال معينة من الممارسات الملاحية بين المجتمعات البحرية العربية في المحيط الهندي، كلما انتقل الربابنة والبحّارة الرحالة من ميناء ساحلي إلى آخر. والحال هذه، مثّلت هذه الكتابات النواقلَ التي انتشرت من خلالها المعرفة والممارسات الملاحية عبر عالم المحيط الهندي؛ وكانت جزءًا حاسمًا من تاريخ التنقلات المحيطية التي يمّمت وجه شبه الجزيرة العربية في اتجاه بحرها. كان التصور أنّ لمثل هذه النصوص جمهورًا غفيرًا من البحّارة العرب، وليس منهم من هو أكثر وعيًا بالذات من القطامي، الذي خاطب في كتابه الدليلمن أسماهم "إخواننا البحّارة العرب أهل السفن". وقد استخدم، لتلبية توقعاتهم، لهجة دارجة يعرفها أهل البحر، أو كان هدفها – كما يقول محرر الدليل – اجتذاب البحّارة؛ لأن "بعض من يشتغلون على متن رحلات الإبحار، أميّون لا يقرأون ولا يكتبون، ولن يكون في وسعهم الاستفادة منها ما لم "تُكتب بلغتهم الدارجة التي يفهمونها15. وفي كتاب المختصر، يوضح القطامي هذا الأمر فيخبرنا أن أهل النحو قد يجدون اللسان الذي يتحدث به غير ملائم، لكن "يكفي أن يصل الكتاب إلى أفهام [أي أهل الصّنعة]، لأنهم جميعًا يتحدثون اللسان نفسه في ذهابهم وإيابهم"16. وهكذا مدّ القطامي حدود الكتابة العربية، ومعها العالم العربي، إلى السفن والبحّارة المتنقّلين على متنها، الذين كانوا يمثلون "إخوانه البحّارة العرب". فقد افترضت
كتاباته إمكانية وجود مجتمع أوسع من العرب في البحر، ممن يملكون معاجمهم الخاصة، وحروفهم وتواريخهم أيضًا. لذلك، لا غرابة في أن نجد بين ملاحظات الخارجي إشارة صريحة إلى كتابات المّلح العربي أحمد بن ماجد، الذي عاش في القرن الخامس عشر، وهو شخصية بارزة في تاريخ المحيط الهندي ومؤلف كتاب الفوائد، ومقالته في الملاحة عُت دّ اليوم ركيزة من ركائز المدونة البحرية العربية. وفي قسم أورده الخارجي تحت عنوان "أقوال ابن ماجد، شيخ علم البحار"، يقتبس نصائحه ويوجهها إلى النواخذة، بخصوص ضرورة مواصلة المراقبة ليل وتحمّل مسؤولية السفينة على نحو عام، بل أيضًا نصيحته في شأن التوقيت الذي ينبغي فيه العمل في اتجاهات الشمس17. تفصل بين هذين الملاحين أكثر من أربعمئة عام، ومع ذلك استمرت مكانة ابن ماجد، سواء بالنسبة إلى الخارجي، أو بالنسبة إلى كثير من النواخذة الآخرين الذين وجدوا في كتاب هذا المّلح الشهير أصداءً لقضايا كانوا لا يزالون يواجهونها. ويشهد بروز هذه الشخصية التاريخية في عالم الملاحة بتدفّق إبستيميات الماضي على ظهر السفينة في إبستيميات الحاضر، لتربط البحّارة العرب الذين عاشوا في القرون السابقة، بحركة نواخذة بحر العرب في القرن العشرين.
ثالثًا: البنية التحتية للتنقل
لم تكن كل ملاحظات الخارجي متعلقة بمبادئ الملاحة بطبيعة الحال. فقد تناثرت في ثنايا المخطوطة مبادئ قانونية ومالية من نوع مختلف تمامًا، وبلا ترتيب معيّن. وكما في حديثه عن مبادئ الملاحة، ارتبطت هذه المبادئ ارتباطًا وثيقًا بفعل التنقل. فقد مثّل القانون والمال البنية التحتية للتنقل على طول المحيط الهندي، فكانت تدفعهم إلى شقّ طرق للمسير داخل الفضاء التجاري الإقليمي وعبورها. وكانت هذه المسائل، شأنها شأن مسائل الملاحة، تندرج ضمن نطاق عمل النوخذة مباشرة؛ فكانت مسؤوليته ضمان ترتيب الدفاتر، ودفع أجور البحّارة، وضمان السير الحسن لأعمال الرحلة على أساس سليم. لذلك، كان من المنطقي تمامًا أن يضع الخارجي حديثه عن المال والقانون جنبًا إلى جنب مع حديثه عن الرياح والمياه والشمس والنجوم. وبعد استنفاذ الربع من حجم الكتاب تقريبًا، يبدأ الخارجي في استطراده القصير حول مبادئ تقاسم الأرباح في رحلات السفن الشراعية، بالانطلاق من موسم إبحار قال إنه حدث عام 1941 (على الرغم من أن مناقشته تبدو افتراضية إلى حد بعيد). وعلى مدار أربع صفحات من المخطوطة، يشرح للقارئ العمليات الحسابية المعقدة التي ينطوي عليها تحديد عدد الأسهم في تلك الرحلة، وتقسيمها بين مالك السفينة والطاقم، فيحدد في كل منها تقسيمات الأسهم الفرعية للنوخذة، ورفاقه، والبحّارة العاديين، وفي عدد من السيناريوهات المختلفة18. وكان من اليسير قراءة وصفاته هذه بين النواخذة
في الخليج والبحر الأحمر؛ فقد كانت المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام تقاسم الأرباح على متن السفينة متماثلة19. وعلى الرغم من أن الخارجي لم يقدّم سوى المبادئ الخاصة بتقسيم الأرباح في نهاية موسم الإبحار، فإن نموذجه قد استند إلى نظام مالي أكثر اتساعًا كان يربط الاقتصادات الساحلية في شبه الجزيرة العربية باقتصادات غرب المحيط الهندي على نطاق أوسع. وقد أعطت أنظمة تقاسم الأرباح مثل هذه القوة اللازمة لحركة رأس المال حول بحر العرب، وتحوّله من شكل إلى آخر، كلما سافرت السفينة وبحارتها حول سواحل المحيط. وكانت مثل هذه الترتيبات ضرورية، بالنظر إلى تنوع السلع التي تنقلها المراكب من موسم إلى آخر؛ فكان يتعين على السفن الشراعية من البصرة أن تشق طريقها إلى الأسواق حول غرب المحيط الهندي، حيث تستثمر الأرباح في أكياس من الأرز والدقيق وغير ذلك من السلع الجافة، وكميات كبيرة من الخشب وأعمدة أشجار المانغروف، وكلها كانت تباع بعد ذلك في أسواق مختلفة، مع ذهاب العائدات إلى مجموعات مختلفة من التجار والنواخذة والبحّارة وأصحاب السفن، الذين يكونون قد راكموا مبالغ متفاوتة من الديون على امتداد الطريق الذي أبحروا فيه. وهكذا، فإن كل دورة كانت تشق الطرق التي ستسافر عبرها سلع وأشكال أخرى من رأس المال، عبر المكان وفي دفاتر الحسابات على حد السواء. وكان نظام تقاسم الأرباح، القائم وقتها على العائدات الصافية المتأتية من الموسم بأكمله، لا من الحقوق الفردية في المعاملات المنفردة، مرنًا على نحو كافٍ لتحمّل ذلك كله. لقد كان كل نوخذة على دراية بأنّ حتى أصغر الترتيبات المعنية بتقاسم الأرباح لا تعدّ جيدة، إلا بقدر جودة الأنظمة القانونية التي كانت ترتكز عليها. فالأنظمة المالية في أرجاء العالم تعتمد على أشكال مختلفة من الضمانات القانونية، ولم تشذّ اقتصادات السفن الشراعية في غرب المحيط الهندي عن ذلك. فكل صلة كانت تجمع بين السفن والبحّارة وبين أصحاب السفن والتجار، كان معَّبرً ا عنها في صورة التزام قانوني، يتخذ شكل صكّ قانوني ومالي مكتوب، تكتب على متن السفينة خلال خط سيرها. وكان الخارجي يدرك هذا تمام الإدراك، وكان يعرف أهمية الحصول على الشكل الصحيح من الصك كل مرة. لذلك، نعثر بين ملاحظاته على صيغ لصكوك قانونية مختلفة، منها إقرارات الديون، وتصاريح المرور الآمن، والطلبات القانونية للحصول على شهادات الوفاة من مختلف السلطات20. وفي مجموعها، كانت هذه الأشكال القانونية تمثل منتجات للبنية التحتية القانونية، دعمت الدورات المحيطية التي انخرطت فيها السفينة. وقد ساعدت كلها في بثّ اليقين والانتظام داخل مشروع يشتد فيه اللايقين، وتنسيق التوقعات والإجراءات بين الفاعلين البعيدين بعضهم عن بعضهم الآخر. وإذا كانت الاقتصادات الساحلية في شبه الجزيرة العربية في تواصل مع
اقتصادات سواحل غرب المحيط الهندي، فإن مثل هذه الصكوك القانونية كانت أشبه بأواصر ذلك التواصل21. وفي مثل هذه القراءة، تحيلنا ملاحظات الخارجي، في شأن القانون والتمويل، إلى طريق أخرى تبتعد عن الإبستيمولوجيات المتمحورة حول الأرض التي قيدت التفكير في الخليج العربي والبحر الأحمر فترة طويلة. كانت هذه المؤسسات والممارسات، على النحو الذي اعتدنا فهمَها في السابق، ذات طبيعة محلية في جوهرها، وهو النمط الذي طوّره الفاعلون ليصوغوا الاقتصادات البحرية للسواحل العربية في شكل محدد، وليس أكثر من ذلك. ولكننا ما إن نفتح آفاقها لتشمل جنوب آسيا وشرق أفريقيا حتى يمكننا أن نرى كيف أنها مثلت البنية التحتية التي يسّرت حركة السلع والأشخاص ورأس المال، على طول المحيط الهندي الغربي، على نطاق أوسع. وتلك الأوراق المختلفة، التي جمّعها نواخذة، مثل الخارجي، إنما رسموا من خلالها ملامح فضاءات تجارية بحرية، وربطوا بوشائجَ عميقة اقتصادات المناطق الساحلية في شبه الجزيرة العربية باقتصادات الهند وساحل شرق أفريقيا؛ وهو ما يعني أن سكان عالم السفن الشراعية لم يدركوا القانون، بوصفه ظاهرة مرتبطة بالأقاليم الترابية على النحو الذي فهمناه نحن منذ فترة طويلة، بل كان، بالنسبة إليهم، ظاهرة تاريخية انعقدت حلقاتها بالعلاقة مع المياه المالحة، التي تشرّبتها قطع الورق التي كان النواخذة والبحّارة، بل حتى القراصنة، يحملونها معهم أثناء عبورهم مياه بحر العرب22. وينبغي لنا، في الوقت نفسه، أن نقرأ هذه الأشكال المتنقلة، بوصفها تعبيرات عن إبستيمولوجيا قانونية إسلامية أعمق كثيرًا، ربطت تاريخ شبه الجزيرة العربية بالمجتمعات القانونية في أرجاء عالم المحيط الهندي. فقد استمدّوها من تاريخ طويل من الفقه الإسلامي وكتابات الالتزامات، أو اقتبسوها – على نحو أكثر دقة – وأعادوا صوغها واستعاروا منها على نحو مغاير، ليصوغوا بها الملامح القانونية لاقتصادات العالم التي كانوا ينتمون إليها. هذه الخطابات القانونية التي كانت تتنقّل بين شواطئ المحيط، مطبوعة في نصوص، يحملها فقهاء القانون الذين يسافرون على متن السفينة، شكّلت سردية مضادة لسردية القانون الإمبراطوري. ومع صوغها في التزامات متنوعة على الورق، باتت السردية المضادة قابلة للنقل.
رابعًا: التشابكات مع الإمبراطورية
والحال أن السياسة الإمبراطورية كانت حاضرة في أذهان النواخذة مثل الخارجي، لم يكن في وسعهم الإفلات منها تمامًا، حتى إن روت نصوصهم سردية التواصل والتنقل والتاريخ خارج الإمبراطورية.
وباعتبارهم زوارًا متكررين لمدن الموانئ في جنوب آسيا وشرق أفريقيا في ذروة التوسع الإمبراطوري في المحيط الهندي، فقد كانوا مدركين تمامًا للطرائق التي حاولت بها الإمبراطوريات فرض نفسها على سواحل شبه الجزيرة العربية وعبر أعالي البحار. وفي حالة البحّارة المتنقّلين في المحيط الهندي في القرن العشرين، كانت الإمبراطورية البريطانية الوجود الإمبراطوري الأكثر هيمنة، لكنها لم تكن الوحيدة قطعًا، بل لم تكن أكثر من كونها الأحدث في سلسلة طويلة من الإمبراطوريات. ثاقبة للكيفية التي أعادت بها الإمبراطورية تشكيل العالم حول السفن كان الخارجي يحظى بعين الشراعية. ففي بضع نقاط في مخطوطته، سجل ملاحظات متعلقة بالأحداث السياسية المختلفة التي شهدها أو سمع عنها. وتظهر الملاحظة الأولى من هذا النوع في منتصف الدفتر تقريبًا، محصورة بين نموذج عن التزام بالدين وأخرى عن كيفية التحويل بين وحدات قياس الوزن المختلفة. وفي هذه الملاحظة، يكتب أنه في 17 ذي الحجة 1332 ه، أي 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، كان بصدد تحميل التمور في بلدة القصبة، على ممر شط العرب المائي جنوبي العراق، عندما "دخل الإنجليز مدينة الفاو"، البلدة الواقعة عند مصب الشط، حيث كانت توجد الجمارك العثمانية. ويتابع: "في اليوم الثاني، دخلت سفنهم الخور، ودارت معركة شرسة استمرت ساعة ونصف الساعة." ثم أعقبها بملاحظة مختلفة، كانت بتاريخ شباط/ فبراير 1936، حيث وقعت معركة في جزيرة زنجبار "بين المسيحيين الإنجليز وعرب عمان" أسفرت عن مقتل وإصابة العديد من الأشخاص من الجانبين، إلى جانب آخرين كانوا في المكان. ولقد كتب أن السبب كان "لب جوز الهند" أو اللب الداخلي المجفف لثمار جوز الهند الذي كان من صادرات الجزيرة23. هاتان الملاحظتان، المنفصلتان في الزمان والمكان، تسلطان الضوء على لحظات مختلفة في تاريخ الإمبراطورية البريطانية في غرب المحيط الهندي. فكانت الأولى إشارة واضحة إلى بدايات الحملة على بلاد ما بين النهرين في الحرب العالمية الأولى، والتي أفضت إلى نشوء الانتداب البريطاني في العراق خلال عشرينيات القرن العشرين. أما الثانية، فكانت حدثًا أقل شهرة، عن أعمال شغب اندلعت في ريف زنجبار بسبب القيود البريطانية المتزايدة على بيع لب جوز الهند، وهي مسألة لن تجد طريقها إلى أرشيفات تاريخ زنجبار نفسها، فضل عن تاريخ العالم. وإذا ما نظرنا إلى الحدثين معًا، فسنجد أنهما يرسمان لحظات مختلفة في تاريخ لقاءات العرب مع الإمبراطورية في القرن العشرين: الأولى مع السفن الحربية الإمبراطورية، والثانية مع القيود الإمبراطورية. لكننا إذا قرأناهما جنبًا إلى جنب مع هذه الملاحظة الثالثة، فستنجلي الصورة أمامنا. ففي إدراج لاحق يذكر الخارجي بإيجاز شديد أنه في عام 1343 ه /(أيار مايو 1924) استولى الحاكم البهلوي لإيران، رضا شاه (1941–1925)، على بلدة المحمرة (ميناء رئيس للداو التي كانت تبحر إلى شط العرب) "وما تبقّى من ممتلكات الحاكم الشيخ خزعل (1925–1897)، ابن الشيخ جابر"، شيخ البلدة24.
والملاحظة الخاصة برضا شاه لا ترتبط بتاريخ اللقاء مع الأوروبيين بالطبع، لكنها تلقي ضوءًا مختلفًا على ملاحظات الخارجي ككل. وإذا ما أخضعناها لقراءة مختلفة، فسنجد أن الخارجي إنما كان يشدّ الانتباه إلى الطرائق التي تحوّل من خلالها الشكل السياسي للعالم العربي المنتمي إلى المحيط الهندي رويدًا رويدًا. فقد لمّحت ملاحظاته إلى جغرافية ساحلية كانت فيما مضى خاضعة في عمومها لسيطرة العرب، ثم خضعت على مدار القرن العشرين لسيطرة متزايدة من حكام ينتمون إلى مناطق بعيدة، مثل القرى الزراعية والنجوع الصغيرة على طول مجرى شطّ العرب، ومشيخة المحمرة (التي ضمت العرب والفرس، ولكنها كانت معروفة لدى كثيرين باسم "عربستان")، وسلطنة زنجبار التي حكمها العرب. وثمة مناطق أخرى مماثلة أيضًا في أرجاء شبه الجزيرة العربية، أبرزها عدن وجزيرة بريم المجاورة لها، خضعت خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين للحكم الإداري في مقاطعة بومباي
ويتجلى هذا التحول السياسي أكثر في رسوم الخارجي التي تنَب.ثّهَ نحو عشرة منها في دفتر ملاحظات وكانت جميعها تصور خطوطًا ساحلية مختلفة، ومناظر طبيعية لمدن الموانئ حول الخليج والبحر الأحمر وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. ولم يكن ذلك أمرًا استثنائيًا؛ فقد ساعدتهم المعالم مثل الجبال، أو غيرها من السمات الجيولوجية الفريدة، في معرفة الاتجاه وهم يشقّون طريقهم على طول سواحل المحيط الهندي الغربي، وكانت الدلالات الملاحية غالبًا ما تتضمن رسومًا تقريبية على الأقل لتلك المعالم. وقد تشابهت رسوم كثيرة للخارجي مع رسوم نظرائه؛ إذ تضمّنت سفوح التلال، ورسومًا تقريبية للسواحل، ومعالم مثل الأشجار والسفن. ولم تتضمن بعض رسومه أي إشارات إلى الحضور الإمبراطوري المباشر؛ فقد أبرزت المساجدَ والمعابد والمنارات وغيرها من المعالم، بحيث لا نكاد نعثر فيها على أيّ دلالات إمبراطورية. لكن الوجود الإمبراطوري بدا أكثر وضوحًا في رسوم أخرى. ففي رسمه لمدينة مانغالور، على سبيل المثال، يظهر عَلم المملكة المتحدة كبيرًا في وسطه. ويتضمن رسم آخر لجزيرة بريمعَلمَين بريطانيَين أصغر حجمًا، في حين يتضمن رسمٌ لمدينة مركا الساحلية في الصومال علم إيطاليا الثلاثي الألوان. ولو أنه ضَّمَن دفتره رسومًا لمدينتَي أوبوك أو جيبوتي، لعثرنا فيه على أعلام فرنسية أيضًا. وبعيدًا عن هذه العلامات المبرزة، كانت هناك إشارات أكثر دقة، مثل علامات عن النشاط الصناعي على طول الواجهة البحرية، أو أنظمة المنارات والعوامات لتنظيم الحركة عبر الجداول والرؤوس البحرية المحددة، على سبيل المثال25. فكان على السفينة الشراعية، إذًا، وهي تتنقّل في المحيط الهندي الغربي، أن تبحر عبر علامات السلطة السياسية التي خلّفتها المشروعات الإمبراطورية المختلفة على طول الساحل. والحال هذه، كانت الإمبراطورية جزءًا من المشهد البحري للنواخذة العرب؛ فقد حفرت وجودها على خطوط
السواحل التي كان قباطنة مثل الخارجي يشاهدونها من أسطح مراكبهم الشراعية، وفي المناظر الحضرية لمدن الموانئ التي كانوا يقتربون منها بمقدمة سفنهم. ولم تكتفِ الإمبراطوريات برسم معالمها على الخرائط الجغرافية القديمة، بل خلقت خرائط جغرافية جديدة، ومعها طرقًا جديدة للتنقل أيضًا. وقد حاولت هذه الإمبراطوريات أن تبرز وجودها خارج الساحل إلى أعالي البحار، انطلاقًا من مدن الموانئ هذه. فلم يحلّ منتصف ستينيات القرن التاسع عشر، حتى كان البريطانيون قد أسسوا محاكم نائب الأميرالية في بومباي وعدن وزنجبار، مهمتها الإشراف على توجيه قافلة منتظمة من السفن البحرية حول المحيط الهندي الغربي في محاولة لاعتراض السفن الشراعية المشتبه في تورطها في تجارة الرقيق26. وإذا كان الخارجي قد أدرج في نصه نماذج لتصاريح المرور الآمن، فمردّ ذلك جزئيًا إلى اللقاءات المتكررة بين السفن مثل تلك التي يملكها وبين السفن البحرية؛ ففي عام 1868، كان النواخذة يجهزون، سلفًا، تصاريح مرور مثل هذه في محاولة للالتفاف على نظام المراقبة البريطاني. وقد أدرك الخارجي، أيضًا، أّن ثمة أوراقًا أخرى عليه الحصول عليها، من شأنها أن تثمر نتائج مختلفة. فإلى جانب البريطانيين، كان الفرنسيون والإيطاليون يمنحون، أيضًا، تصاريح المرور الخاصة بهم من الموانئ التي يسيطرون عليها. وهكذا، كان بحر العرب يعجّ بسلطات سياسية مختلفة، تدخّلت جميعها في جغرافيات التنقل وحاولت تحديد شروطه، أي تمييز أشكال التنقل "الصحيحة" من الأشكال "غير الصحيحة"27، فكان على النواخذة الأذكياء أن يتقنوا الإبحار عبر أكثر من أفق إمبراطوري في الوقت عينه. بيد أنّ تاريخ بحر العرب لا يروي لقاءات البحّارة العرب الشجعان مع قوى الإمبراطورية الأوروبية فحسب. وبقدر ما قد يكون من العملي فصل أحدهما عن الآخر، فإن أدلة التاريخ تشير من فورها إلى تشابك عميق بينهما، وتكشف قراءتها من سطح السفينة كيف أنّ آفاق النواخذة والمسؤولين البريطانيين الذين تواصلوا معهم كانت قد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا. فقد استعان الخارجي ورفاقه من النواخذة العرب، في كثير من الأحيان، بالتقنيات البحرية البريطانية في رسم مساراتهم حول المحيط الهندي الغربي، مثل الخرائط الأميرالية، والتقاويم البحرية، وغيرها. ويشهد دفتر ملاحظاته بذلك؛ إذ تحدّث فيه عن تحوّل النواخذة من تقويم النوروز (الذي دأبوا على استخدامه لمعرفة الوقت)، إلى التقويم "الفرنجي" (أي الغريغوري أو الميلادي) الذي استندت إليه التقاويم التي اعتمدوا عليها28. كذلك بذل المسؤولون الأوروبيون، من جهتهم، جهودًا هائلة للاستفادة من الخبرة البحرية التي اكتسبها قباطنة السفن الشراعية. ولقد غدت حكاية المّلح الذي ساعد فاسكو دا غاما Vasco da Gama (1460–1524) في عبور بحر العرب (والذي اعتُقد خطأ أنه أحمد بن ماجد) معروفةً الآن على نطاق
واسع. أما المنشورات التي أصدرها المسؤولون الأوروبيون انطلاقًا من التقنيات الملاحية العربية، ومدى استفادتهم من معارف النواخذة التي استعاروا منها لإنتاج نصوص مثل كتاب إرشادات الإبحار في البحر
Arabia، فهي أقل شهرة. والحال أن الممارسات الإمبراطورية في تحصيل المعرفة ورسم الخرائط كانت قد استندت إلى مجموعة من السكان المحليين والمتجولين الذين زوّدت تحرّكاتهم وشبكاتهم الواسعة المسؤولين الإمبراطوريين بالمعلومات التي احتاجوا إليها لفهم عالم المحيط الهندي29. بناءً على ذلك كله؛ حتى لو كانت التنّقلّات التي خطرت على بال النواخذة العرب وسلكوها قد شقت طرقًا جعلت المؤرخين يفصلونها عن طرق الإمبراطورية التي لطالما اعتمدوا عليها في كتابة تاريخ المحيط، فإن الصلات بينهما كانت ثابتة في واقع الأمر. وأًّيًا كانت التصنيفات، فإن الطرق التي سلكها الناس والبضائع والنصوص والأفكار على السفن الشراعية، بين شبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، كانت جميعها تتدفق عبر الطرق الإمبراطورية. وفي الوقت نفسه، رسمت طرق التوسع الإمبراطوري خرائطها على وقع تحرّكات السفينة والتنقلات التي نشطت فيها. وهكذا، كلما كانت السفن الشراعية الخليجية والسفن البريطانية تمخر عباب المحيط الهندي، كانت آفاقهما الإبستيمولوجية تتشابك على نحو أعمق مما كان أي منهما على استعداد للاعتراف به.
خاتمة: تحرير التاريخ العربي
ثمة أسباب كثيرة ربما جعلت المؤرخين يتجاهلون دفتر ملاحظات الخارجي، ومعها التشكيلة الواسعة من النصوص والممارسات التي أفضت إليه. فنحن إذا انطلقنا في قراءتنا هذه النصوص من منظور الإقليم الترابي، بَدا لنا أن قلة منها فحسب تنطوي على معنى؛ إذ ربمابدت مفرطة في التقنية أو متعذرة الفهم إلا على القلة، وفي كل الأحوال قد تبدو هامشية بالنسبة إلى الأفراد والمؤسسات والسيرورات التي شغلت مؤرخي الشرق الأوسط. بل إنّ مؤرخي الخليج والبحر الأحمر أيضًا لم يحيلوا على هذه النصوص إلا لمامًا، لأنها، في الوهلة الأولى، بدت لهم أنها لا تقدم سوى القليل من التبصرات في تواريخ تلك المناطق. بيد أنها مسألة تتعلق بالمنظور أكثر من كونها تتعلق بالمحتوى، الزاخرة به هذه النصوص. لاذلك، فإننا إذا قرأنا هذه النصوص من منظور بحري، بديل من الأقاليم الأرضية، أي من ظهر السفينة، وجدنا أنها تفتح نافذة على عالم كامل من التنقلات المادية والتواريخ الفكرية التي بثّت فيه الحياة. فهذه النصوص توضح أن التنّقلّات لم تكن تتعلق بالبضائع أو حتى بالأشخاص فحسب، بل كانت
تتعلق أيضًا بمجموعة كاملة من السلوكات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتشابكة في حركة البضائع والأشخاص ورأس المال الآتية من ساحات بعيدة. وهي باعتبارها ظاهرة تاريخية، توفر للمؤرخين عدسة يمكنهم من خلالها رؤية كيفية تشابك المناطق، وكيف يمكن أن تجري وقائع الحياة المختلفة على امتداد مسافات شاسعة. فنُّصُ الخارجي وغيره من النصوص المماثلة، وأهم منها الأفكار النفيسة التي تتضمنها، إنما قد شكّلت أواصرَ التنقلات، وساعدت في صوغ مساراتها. ولذلك، كانت الخطوة في اتجاه تاريخ بحر العرب، في حالة مؤرخ شبه الجزيرة العربية، أبلغ من محض التحول إلى تبنّي المنظور البحري في حد ذاته؛ إذ يتيح لنا التفكير والقراءة والكتابة من منظور المحيط التحرك إلى ما هو أبعد من البردايمات الوطنية المتمحورة حول الأرض في كتابة تاريخ "الشرق الأوسط"، والتفُّكُر في الروابط والتنقلات والتشابكات التي صنعت شبه الجزيرة العربية المحيطية، ذلك أن المحيط الهندي يفتح حدودًا جديدة لكتابة تواريخَ تدمج شبه الجزيرة العربية في ساحة أوسع، وتضم المجتمعات العربية على المحيط الهندي إلى عالم أوسع من الجماعات الإثنية، والممارسات، والتيارات الفكرية. ومن هذا المنظور، فإن تاريخ المحيط الهندي ليس بعدًا مستقل عن تاريخ الشرق الأوسط ولا هو بديل منه، بل هو متشابك في نسيج شبه الجزيرة العربية نفسها. لقد برزت إمكانات التاريخ المحيطي قبل فترة طويلة، لكن المشروع الذي قد يحفز على كتابته لَّمَا ينطلق، ولَّمَا تزل حاجتنا ملحّة إلى أن نبني سردياتنا عن التنقلات التي شهدها بحر العرب على أفعال غير الأوروبيين وخطاباتهم، وأن نكتب تواريخ لا يكون فيها الفاعلون الرئيسون هم الإمبراطوريات (حتى إن قضى المؤرخون زمنًا يفكرون انطلاقًا من الإمبراطوريات ومن خلالها). وهنا على وجه التحديد قد تعيننا السفينة الشراعية على الإبحار في هذا المسعى، بوصفها فاعل تاريخيًا، واستعارةً تصف نوعًا معينًا من التاريخ، وإبستيمولوجيا قائمة على تشكيلة من الملاحظات.
الهوامش
- تعني ربّان السفينة الشراعية، وجمعها نواخذة. و"الداو" اسم أطلق على القوارب أو المراكب أو السفن الشراعية التي انتشرت في شرق أفريقيا ودول الخليج، والتي استخدمت في الصيد والتجارة وصيد اللؤلؤ. وأصل الكلمة سواحلي. (المترجمة)
- ها هنا، أعتبر أن بحر العرب يمثل قسمًا كبيرًا من غرب المحيط الهندي، على الأقل من الناحية الجغرافية، لكنني أحاجّ، على غرار أحد المشتغلين بالتأريخ، بأن التأمل في بحر العرب قد يساعدنا في فتح الوعاء التاريخي لشبه الجزيرة العربية أمام السيرورات والتيارات القادمة من المحيط الواسع، الأمر الذي يسمح لنا بإعادة موضعتها في الخريطة التاريخية للعالم.
- نسبة إلى معاهدة وستفاليا 1648، التي أنهت الحروب الدينية الأوروبية وأنشأت الدولة القومية الحديثة، ذات الحدود الجغرافية المحددة. (المترجمة)
- وهذه فكرة.طُرحت في مواضع مختلفة من الأدبيات ينظر على سبيل المثال:
Michael Christopher Low, "The Indian Ocean and other Middle Easts," Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East , vol. 34, no. 3 (2014), pp. 549–555; Fahad Ahmad Bishara, "The Many Voyages of Fateh Al–Khayr: Unfurling the Gulf in the Age of Oceanic History," International Journal of Middle East Studies , vol. 53, no. 2 (2020), pp. 397–412. - ثمة استثناءات واضحة لهذا الأمر. ينظر على سبيل المثال:
Engseng Ho, The Graves of Tarim: Genealogy and Mobility Across the Indian Ocean (Berkeley, CA: University of California Press, 2006); Engseng Ho, "Empire Through Diasporic Eyes: The View from the Other Boat," Comparative Studies in Society and History , vol. 46, no. 2 (2004), pp. 210–246; Michael Christopher Low, Imperial Mecca: The Ottoman Hijaz and the Indian Ocean Hajj (New York: Columbia University Press, 2020); Miles Ogborn, Global Lives: Britain and the World, 1550–1800 (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2010); Lindsey Stephenson, "Rerouting the Persian Gulf: The Transnationalization of Iranian Migrant Networks, c. 1900–1940," PhD. Dissertation, Princeton University, 2018; Eric Tagliacozzo, The Longest Journey: Southeast Asians and the Pilgrimage to Mecca (Oxford, UK: Oxford University Press, 2013); Nancy Um, The Merchant Houses of Mocha: Trade and Architecture in an Indian Ocean Port (Seattle, WA: University of Washington Press, 2009). - ينظر على سبيل المثال:
Ulrike Freitag, A History of Jeddah: The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth Centuries (New York: Cambridge University Press, 2020); Nelida Fuccaro, Histories of City and State in the Persian Gulf: Manama since 1800 (New York: Cambridge University Press, 2009); Farah Al–Nakib, Kuwait Transformed: A History of Oil and Urban Life (Stanford, CA: Stanford University Press, 2016); Low, Imperial Mecca ; Stephenson. - Claude Markovits, Jacques Pouchepadass & Sanjay Subrahmanyam (eds.), Society and Circulation: Mobile People and Itinerant Cultures in South Asia, 1750–1950 (London: Anthem Press, 2006), pp. 2–3.
- ينظر على سبيل المثال:
Sven Beckert, Empire of Cotton: A Global History (New York: Alfred Knopf, 2015); Timothy Brook, Vermeer’s Hat: The Seventeenth Century World and the Dawn of the Global World (London: Bloomsbury, 2008); Erika Rapaport, A Thirst for Empire: How Tea Shaped the Modern World (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2017). - Fernand Braudel, Civilization and Capitalism, vol. 2: The Wheels of Commerce (Berkeley, CA: University of California Press, 1982), p. 587.
وقد هيمنت الحركة، باعتبارها سمة من سمات الحياة الاقتصادية، على المجلّد الثاني (وربما الثالث) من ثلاثية بروديل عن الرأسمالية في تاريخ العالم، حيث تشغل التكنولوجيات والمؤسسات والبنى الأساسية للتداول في أوروبا كل مضمون كتاب عجلات التجارة The Wheels of Commerce تقريبًا، في حين كان المجلد الثالث، المنظور العالمي
The Perspective of the World،
في واقع الأمر تاريخًا اقتصاديًا للتوسع الإمبراطوري في الفترة المبكرة من العصر الحديث. - ينظر على سبيل المثال:
Ogborn; Emma Rothschild, The Inner Life of Empires: An Eighteenth–Century History (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011); Sanjay Subrahmanyam, Empires between Islam and Christianity, 1500–1800 (Albany, NY: Suny Press, 2019). - M. Reda Bhacker, Trade and Empire in Muscat and Zanzibar: Roots of British Domination (London: Routledge, 1995); Tania Bhattacharyya, "Ocean Bombay: Space, Itinerancy and Community in an Imperial Port City, 1839–1937," PhD. Dissertation, Columbia University, 2019; Hala Fattah, The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia and the Gulf, 1745–1900 (Albany, NY: SUNY Press, 1997); Yacoub Y. Al–Hijji, Kuwait and the Sea: A Brief Economic and Social History (London: Arabian Publishing, 2010).
- Markovits, Pouchepadass & Subrahmanyam (eds.), p. 2.
- عيسى القطامي، الخالص من كل عيب في وضع الجيب (الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، 2007)؛ عيسى القطامي، المختصر الخاص للمسافر والطواش والغواص (الكويت: مطبعة الكويت، 1924)؛ عيسى القطامي، دليل المحتار في علم البحار، ط 3 (الكويت: مطبعة حكومة الكويت،.)1963
- ناصر بن علي الخضوري، معدن الأسرار في علم البحار، حسن صالح شهاب (محرر)، ط 2 (عمان: وزارة التراث والثقافة،
- القطامي، دليل المحتار.
- القطامي، المختصر الخاص للمسافر.
- منصور الخارجي، القواعد والميل والنتيجة وعلم البحر (الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، 2007)، ص.105 وسأحيل في هذه الدراسة على النسخة المطبوعة من مخطوطة الخارجي حتى يتمكن القراء المهتمون من الاستعانة بها.
- المرجع نفسه، ص.63–59
- فيما يتعلق بتقاسم الأرباح على متن الداو، ينظر:
Dionisius Agius, The Life of the Red Sea Dhow: A Cultural History of Seaborne Exploration in the Islamic World (London: I.B. Tauris, 2019), pp. 175–192; Al–Hijji, pp. 78–92; Alan Villiers, "Some Aspects of the Arab Dhow Trade," Middle East Journal , vol. 2, no. 4 (1948), pp. 399–416. - الخارجي، ص 129–128،.150–146
- ينظر: فهد أحمد بشارة، بحر من الديون، ترجمة أحمد يعقوب المازمي (أبوظبي: دار المحيط للنشر، 2023)؛
Thomas F. McDow, Buying Time: Debt and Mobility in the Western Indian Ocean (Athens, OH: Ohio University Press, - Fahad Ahmad Bishara, "'No Country but the Ocean': Reading International Law from the Deck of an Indian Ocean Dhow, c. 1900," Comparative Studies in Society and History , vol. 60, no. 2 (2018), pp. 338–366; Lauren Benton, "Legal Spaces of Empire: Piracy and the Origins of Ocean Regionalism," Comparative Studies in Society and History , vol. 47, no. 4 (2005), pp. 700–724.
- الخارجي، ص.146–145
- المرجع نفسه، ص.148.Bombay Presidency
- ينظر:
Scott Reese, Imperial Muslims: Islam, Community and Authority in the Indian Ocean, 1839–1937 (Edinburgh, UK: Edinburgh University Press, 2017); R. J. Gavin, Aden Under British Rule, 1839–1967 (London: C. Hurst & Co., 1975). - الخارجي، ص.181–167
- Philip Howard Colomb, Slave–Catching in the Indian Ocean: A Record of Naval Experiences (London: Longmans, Green, and Co., 1873); George L. Sulivan Dhow–Chasing in Zanzibar Waters and on the Eastern Coast of Africa: Narrative of Five Years’ Experience in the Suppression of the Slave Trade , 2 nd ed. (London: Sampson Low, Marston Low & Searle, 1873).
- Johan Mathew, Margins of the Market: Trafficking and Capitalism across the Arabian Sea (Oakland: University of California Press, 2016).
- الخارجي،.68–67 الأحمر وخليج عدن
Sailing Directions for the Red Sea and Gulf of Aden،
وكتاب دليل الخليج
Gazetteer of the Persian Gulf, Oman, and Central
الفارسي وعمان ووسط الجزيرة العربية - Nelida Fuccaro, "Knowledge at the Service of Empire: The Gazetteer of the Persian Gulf, Oman, and Central Arabia," in: Inga Brandell, Marie Carlson & Önver A. Çetrez (eds.), Borders and the Changing Boundaries of Knowledge , vol. 22 (Stockholm: Swedish Research Institute in Istanbul, Transactions, 2015), pp. 17–34; Alexis Wick, The Red Sea: In Search of Lost Space (Berkeley, CA: University of California Press, 2016), p. 144; James Onley, The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers and the British in the Nineteenth–Century Gulf (Oxford, UK: Oxford University Press, 2007). References
المراجع
العربية
بشارة، أحمد فهد. بحر من الديون. ترجمة أحمد يعقوب المازمي. أبوظبي: دار المحيط للنشر،.2023 الخارجي، منصور. القواعد والميل والنتيجة وعلم البحر. الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، الخضوري، ناصر بن علي. معدن الأسرار في علم البحار. ط 2. حسن صالح شهاب (محرر). عمان: وزارة التراث والثقافة،.2015
القطامي، عيسى. المختصر الخاص للمسافر والطواش والغواص. الكويت: مطبعة الكويت،.1924 _______. دليل المحتار في علم البحار. ط 3. الكويت: مطبعة حكومة الكويت،.1963
_______. الخالص من كل عيب في وضع الجيب. الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية،
الأجنبية
Agius, Dionisius. The Life of the Red Sea Dhow: A Cultural History of Seaborne
Exploration in the Islamic World. London: I.B. Tauris, 2019.
Al–Hijji, Yacoub Y. Kuwait and the Sea: A Brief Economic and Social History. London:
Arabian Publishing, 2010.
Al–Nakib, Farah. Kuwait Transformed: A History of Oil and Urban Life. Stanford, CA:
Stanford University Press, 2016.
Beckert, Sven. Empire of Cotton: A Global History. New York: Alfred Knopf, 2015.
Benton, Lauren. "Legal Spaces of Empire: Piracy and the Origins of Ocean Regionalism."
Comparative Studies in Society and History. vol. 47, no. 4 (2005).
Bhacker, M. Reda. Trade and Empire in Muscat and Zanzibar: Roots of British
Domination. London: Routledge, 1995.
Bhattacharyya, Tania. "Ocean Bombay: Space, Itinerancy and Community in an Imperial
Port City, 1839–1937." PhD. Dissertation. Columbia University. 2019.
Bishara, Fahad Ahmad. "'No Country but the Ocean': Reading International Law from
the Deck of an Indian Ocean Dhow, c. 1900." Comparative Studies in Society and
History. vol. 60, no. 2 (2018).
_______. "The Many Voyages of Fateh Al–Khayr: Unfurling the Gulf in the Age of
Oceanic History." International Journal of Middle East Studies. vol. 53, no. 2 (2020).
Brandell, Inga. Marie Carlson & Önver A. Çetrez (eds.). Borders and the Changing
Boundaries of Knowledge. vol. 22. Stockholm: Swedish Research Institute in Istanbul,
Transactions, 2015.
Braudel, Fernand. Civilization and Capitalism. vol. 2: The Wheels of Commerce.
Berkeley, CA: University of California Press, 1982.
Brook, Timothy. Vermeer’s Hat: The Seventeenth Century World and the Dawn of the
Global World. London: Bloomsbury, 2008.
Colomb, Philip Howard. Slave–Catching in the Indian Ocean: A Record of Naval
Experiences. London: Longmans, Green, and Co., 1873.
Fattah, Hala. The Politics of Regional Trade in Iraq, Arabia and the Gulf, 1745–1900.
Albany, NY: Suny Press, 1997.
Freitag, Ulrike. A History of Jeddah: The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth
Centuries. New York: Cambridge University Press, 2020.
Fuccaro, Nelida. Histories of City and State in the Persian Gulf: Manama since 1800.
New York: Cambridge University Press, 2009.
Gavin, R. J. Aden Under British Rule, 1839–1967. London: C. Hurst & Co., 1975.
Ho, Engseng. "Empire Through Diasporic Eyes: The View from the Other Boat."
Comparative Studies in Society and History. vol. 46, no. 2 (2004).
_______. The Graves of Tarim: Genealogy and Mobility Across the Indian Ocean.
Berkeley, CA: University of California Press, 2006.
Low, Michael Christopher. "The Indian Ocean and Other Middle Easts." Comparative
Studies of South Asia, Africa and the Middle East. vol. 34, no. 3 (2014).
_______. Imperial Mecca: The Ottoman Hijaz and the Indian Ocean Hajj. New York:
Columbia University Press, 2020.
Markovits, Claude, Jacques Pouchepadass & Sanjay Subrahmanyam (eds.). Society and
Circulation: Mobile People and Itinerant Cultures in South Asia, 1750–1950. London:
Anthem Press, 2006.
McDow, Thomas F. Buying Time: Debt and Mobility in the Western Indian Ocean.
Athens, OH: Ohio University Press, 2018.
Ogborn, Miles. Global Lives: Britain and the World, 1550–1800. Cambridge, UK:
Cambridge University Press, 2010.
Onley, James. The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers and the
British in the Nineteenth–Century Gulf. Oxford, UK: Oxford University Press, 2007.
Rapaport, Erika. A Thirst for Empire: How Tea Shaped the Modern World. Princeton,
NJ: Princeton University Press, 2017.
Reese, Scott. Imperial Muslims: Islam, Community and Authority in the Indian Ocean,
1839–1937. Edinburgh, UK: Edinburgh University Press, 2017.
Rothschild, Emma. The Inner Life of Empires: An Eighteenth–Century History.
Princeton, NJ: Princeton University Press, 2011.
Stephenson, Lindsey. "Rerouting the Persian Gulf: the Transnationalization of Iranian
Migrant Networks, c. 1900–1940." PhD. Dissertation. Princeton University. 2018.
Subrahmanyam, Sanjay. Empires between Islam and Christianity, 1500–1800. Albany,
NY: Suny Press, 2019.
Sulivan, George L. Dhow–Chasing in Zanzibar Waters and on the Eastern Coast of
Africa: Narrative of Five Years’ Experience in the Suppression of the Slave Trade.
2 nd ed. London: Sampson Low, Marston Low & Searle, 1873.
Tagliacozzo, Eric. The Longest Journey: Southeast Asians and the Pilgrimage to Mecca.
Oxford, UK: Oxford University Press, 2013.
Um, Nancy. The Merchant Houses of Mocha: Trade and Architecture in an Indian
Ocean Port. Seattle, WA: University of Washington Press, 2009.
Villiers, Alan. "Some Aspects of the Arab Dhow Trade." Middle East Journal. vol. 2,
no. 4 (1948).
Wick, Alexis. The Red Sea: In Search of Lost Space. Berkeley, CA: University of
California Press, 2016.