أوهام الاستثناء التونسي: المجتمع المدني وامتحان تجربة الانتقال الديمقراطي
The Illusion of the Tunisian Exception: Civil Society and Democratic Transition
الملخّص
* مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع تونس، وأستاذ علم اجتماع في جامعة تونس.
Abstract
The Tunisian democratic transition remained a significant topic for researchers, many of whom considered it a notable exception. Several arguments have attempted to prove this thesis. However, this transition ended with the reversal of most of the gains made by the country in the decade following the revolution, casting major doubts upon that thesis. This study deconstructs the argument for Tunisian exceptionalism based on a study of civil society starting from the period preceding the revolution, through the democratic transition period, and ending with Kais Saied’s 2021 coup. The study shows that Tunisian civil society contributed to disrupting the democratic transition process: first by deepening Islamist-secular polarization to the point of that a civil society with “two heads” emerged; second, the transformation of Tunisian civil society organizations into arms of political parties; and third, the encroachment of the role of society at the expense of the state and the deprivation of its legitimacy and effectiveness in the public space.
- تونس
- الانتقال الديمقراطي
- المجتمع المدني
- الاستقطاب المجتمعي
- السلطوية
- Tunisia
- Democratic Transition
- Civil Society
- Societal Polarization
- Authoritarianism
ملخص: ظلت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مثار اهتمام الباحثين وقد عدّها بعضهم
استثناءً د لا، وُق دّمت جملة من الحجج للبرهنة على صواب هذه الأطروحة. غير أن المآلات
التي عرفتها التجربة لاحقًا مع الانقلاب على جل المكتسبات التي راكمتها البلاد خلال
ما يناهز عقدًا من الزمن على اندلاع الثورة التونسية وضعت تلك الأطروحة موضع شك.
تُفكك هذه الدراسة مقولة الاستثناء التونسي استنادًا إلى دراسة منزلة المجتمع المدني بدءًا
من مرحلة ما قبل الثورة التونسية، ومرورًا بمرحلة الانتقال الديمقراطي، وانتهاءً بالانقلاب
الذي قاده قيس سعيّد عام 2021، وتبيّن الدراسة أن المجتمع المدني التونسي ساهم في
تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي؛ إذ تجسد ذلك من خلال ثلاثة مظاهر: تعزيز الاستقطاب
الإسلامي – العلماني إلى حد ظهور مجتمع مدني ب "رأسين"، وتحوّل منظمات المجتمع
المدني التونسي إلى أذرع سياسية للأحزاب، وتغوّل دور المجتمع على حساب الدولة
وسلبها شرعيتها وفعاليتها في الفضاءات العامة.
السلطوية.
Abstract: The Tunisian democratic transition remained a significant topic for researchers, many of whom considered it a notable exception. Several arguments have attempted to prove this thesis. However, this transition ended with the reversal of most of the gains made by the country in the decade following the revolution, casting major doubts upon that thesis. This study deconstructs the argument for Tunisian exceptionalism based on a study of civil society starting from the period preceding the revolution, through the democratic transition period, and ending with Kais Saiedʼs 2021 coup. The study shows that Tunisian civil society contributed to disrupting the democratic transition process: first by deepening Islamist–secular polarization to the point of that a civil society with "two heads" emerged; second, the transformation of Tunisian civil society organizations into arms of political parties; and third, the encroachment of the role of society at the expense of the state and the deprivation of its legitimacy and effectiveness in the public space.
Director of the Arab Center for Research and Policy Studies in Tunisia, and Professor of Sociology at Tunis University. Email: mehdimabrouk@gmail.com
مقدمة
خلال ما يقارب العقد، ظلت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس في نظر العديد من الباحثين استثناءً في محيط إقليمي، أخفقت فيه بقية الثورات العربية الأخرى مبكرًا لتتدحرج
نحو حالات من الحرب الأهلية أو الانقلابات العسكرية؛ فأدت إلى خيبة تطلعات فئات اجتماعية يفاخر بأن الثورات العربية واسعة في الحرية والديمقراطية بعد أن كان الرأي السائد آنذاك والأكثر تفاؤل وضعت حًّدًا لأطروحة الاستعصاء الديمقراطي الناهضة على مسلّمة مفادها أن النواة الصلبة للثقافة العربية الإسلامية وبناها الاجتماعية المترسبة تتعارض مع قيم الديمقراطية. غير أن ظلال من الشك حامت حول مقولة "الاستثناء التونسي" بعد أكثر من عشر سنوات، أي منذ تاريخ 25 تموز/ يوليو 2021 في ظرف اتسم بتنامي الشعبوية. وشكل تفكيك مؤسسات الانتقال الديمقراطي من دون عناء كبير، بعد الانقلاب على دستور 2014، فرصة مهمة لمراجعة كل ذلك المديح لفرادة التجربة التونسية واستثنائها وهي التي عرفت تقريبًا مآلات التجارب العربية الأخرى نفسها:
جرى تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، وصعدت قوى سياسية إلى السلطة غير مؤمنة بالديمقراطية، وعجز المجتمع عن الدفاع عن تجربته إلى حد الاستسلام. يتناقض هذا الإقرار مع ما ذهبت إليه جل الدراسات التي تناولت فهم "الاستثناء التونسي " فقد ذهبت إلى تأكيد عراقة النخب السياسية التونسية وحداثة الدولة وديناميات التوافق بين الفرقاء السياسيين وفرادة المجتمع المدني الذي سيجد حتى في مراحل الاستبداد حيزًا مهًّمًا من الحريات والحقوق لم تتجرأ عليه الأنظمة السياسية المتعاقبة. تفكك هذه الدراسة أطروحة الاستثناء التونسي، وأسطرة المجتمع المدني التونسي، وتبيّن مكامن ضعفه
من خلال دراسة مكانة الأخير وأدواره في تعثر تجربة الانتقال الديمقراطي. وتستند عملية التفكيك إلى مسلّمة Postulat تنأى عن المقاربات الثقافوية التي تجعل " الاستبداد الإسلامي" قيمة جوهرية. ومن دون التسليم بالعجز البنيوي للمجتمع التونسي على بناء الديمقراطية، وهي الأطروحة التي تستعيد مقولة الاستعصاء الديمقراطي، يجدر بنا أن نسأل: ما الذي يفسر سهولة تفكيك مؤسسات الانتقال الديمقراطي؟ وما الذي يفسر ضعف مقاومة التسلطية واستسلام النخب التونسية لها، فضل عن عودة ثقافة الخوف ومشاعره وتجدد العزوف عن الشأن العام والعودة إلى مرّبع كان يعتقد أن النخب نفسها
قد غادرته نهائيًا؟ يمكن أن تتيح لنا الإجابة عن هذين السؤالين فهم مختلف مظاهر الإخفاق الذي آلت إليه الثورة التونسية منذ انتخابات 2019 التي فاز بها الرئيس قيس سعيد على غرار التضييق على الحريات الفردية
(((ا يثير تسمية هذا الحدث لدى الجماعات العلمية جدل واسعًا، إذ يذهب بعضهم إلى تسمية ذلك انقلابًا في حين يذهب بعضهم
الآخر إلى تدقيق الأمر واعتباره انقلابًا على الدستور. وفي اعتقادي أن النقاش يتجاوز مجرد البحث في الأسس القانونية والدستورية
لما قام به الرئيس قيس سعيد. لقد تمكّن بدايةً من هذا التاريخ واستنادًا إلى جملة الإجراءات التي قام بها ممّا يلي: إلغاء دستور
2014، وحلّ الحكومة، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وتجميد جل الهيئات العليا المستقلة الدستورية، فضل عن الاستفراد
بالسلطة وتفكيك مؤسسات الانتقال الديمقراطية والبدء في صياغة نظام سياسي يقوم على "البناء القاعدي" واستبعاد أجسام وسيطة/ أحزاب/ منظمات وجمعيات. يجري كل ذلك ضمن خطاب شعبوي تسلطي أخرج البلاد من تجربة الانتقال الديمقراطي
على علاتها.
والجماعية والتراجع عن تراث سياسي ومؤسساتي يعود إلى بداية القرن العشرين، على غرار الأحزاب والنقابات ومختلف مؤسسات التمثيل السياسي. يستند بعضهم إلى استحضار أخطاء النخب التي حكمت خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، غير أننا في هذه الدراسة نروم أن نذهب أبعد من ذلك كثيرًا. ثم إنّ الإخفاق الاقتصادي الذي رافق تجربة الانتقال الديمقراطي: ركود اقتصادي، وضعف
معدلات النمو، واستشراء البطالة، وارتفاع في الأسعار وترٍّدتّ للخدما، وغيرها، لا يشكل بالنسبة إلينا الفرضية الصلبة التي يمكننا الثقة بصوابها، خصوصًا مع تنامي الطلب على الشعبوية والتسلطية التي يجسدها حكم سعيد منذ ما يزيد على أربع سنوات؛ إذ إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ذاتها ما تزال قائمة في عهده، بل ازدادت سوءًا من حيث ندرة بعض المواد الغذائية الأساسية (الحبوب، والسكر،
والزيت... إلخ) وتصاعد نسب البطالة، وتدني نسبة النمو إلى حدود 0.4 في المئة سنة 2023. وسنستبعد أيضًا المقاربة الثقافوية الاجتماعية، التي تؤبد الاستعصاء الديمقراطي وتجعله سمة جوهرية راسخة، وتغفل الديناميات المعقدة والمركبة والتحولات المهمة التي عاشتها المجتمعات العربية، علاوة على دور مختلف الفاعلين فيها، ونتجه بدل من ذلك إلى عالم القيم السياسية، ممثلة في قناعات الفاعلين في المجتمع المدني: منظمات وجمعيات ونخب سياسية، سواء أكانت حزبية أم غيرها، بحيث نختبر مدى إيمانهم بالقيم الديمقراطية ذاتها في ضوء مواقفهم من أحداث بعينها: انتخابات، وصراعات، ونزاعات، ومبادرات. فلقد خيّل إلينا أن تونس عاشت تجربة انتقال ديمقراطي
من دون ديمقراطيين، بما في ذلك المجتمع المدني ومنظماته وجمعياته. وعلى ذلك بنينا فرضيتنا ضامرة إلى الحد الذي جعلها التفسيرية على اعتبار أن الحاضنة الثقافية والفكرية والسياسة التونسية غير قابلة لأن تحتضن الديمقراطية وتكرسها، سواء في مستوى القيم، وذلك لأسباب تاريخية حددتها سياقات التحديث السياسي والبناء الوطني مع دولة الاستقلال تحديدًا، أو في مستوى الممارسة بسبب حالة الاستعداء المستفحل بين جل الفاعلين السياسيين الذين صاغوا المشهد السياسي لما بعد الثورة. ومن أجل استيفاء متطلبات دراسة هذه المعطيات وتحليلها وتأويل معانيها، من منظور تفكيك مقولة الاستثناء التونسي، واختبار مدى تجسدها في واقع الحياة السياسية التونسية خلال العشرية المشمولة
(((خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2013، شهدت البلاد شّحرّا في العديد من المواد الغذائية على غرار الخبز والحليب والسك
والشاي... إلخ. وعرفت الأسعار ارتفاعًا غير مسبوق، فضل عن فقدان مئات الأدوية الحيوية. ومع ذلك، اختفت جميع مظاهر
الاحتجاج تقريبًا.
(3) "La croissance économique au quatrième trimestre 2023," Statisques Tunisie , accessed on 26/8/2024, at: https://tinyurl.com/y 457jtyk
(((هل كانت تجربة الانتقال الديمقراطية تجربة دمقرطة؟ وما مكانة الديمقراطية فيها؟ لقد اختلفت الإجابات عن هذا السؤال خصوصًا في ظل اعتقاد بعضهم أن القيم الديمقراطية وثقافتها كانت ضامرة، مما منح المبادرات السياسية أولوية مطلقة للحكم
والسلطة على حساب ترسيخ الديمقراطية في مناهج التعليم والثقافة والمؤسسات. وثمّة في هذا السياق مرجعان مهمّان يثريان هذه
المسألة بكل دقة من زوايا متباينة وأزمنة مختلفة، ينظر:
Vincent Geisser & Amin Allal, Tunisie , Une démocratisation au–dessus de tout soupçon (Paris: CNRS éditions, 2018); Ghassane Salame , Démocraties sans démocrates: Politiques d’ouverture dans le monde arabe et islamique (Paris: Fayard, 1994), pp. 142–143.
بالدراسة (2021–2011)، سنحرص في مرحلة أولى على تحليل مقولة الاستثناء ذاتها وتفكيك أسسها استنادًا إلى الدراسات والبحوث التي اهتمت بتونس. ونمرّ لاحقًا إلى دراسة المجتمع المدني التونسي
بوصفه، مبدئيًا، حاضنًا مفترضًا للديمقراطية قيمًا وممارسة، وقد وجد نفسه إزاء امتحان الانتقال
الديمقراطي وضرورة تأمينه من جهة، وفاعل "متورطًا" في الصراع السياسي من جهة أخرى. نبيّن الدور
الذي أدّته منظماته في إجهاض المسار الانتقال الديمقراطي.
أولا: الاستثناء والاستثناء التونسي: من أجل تفكيك الوهم
1. في الاستثناء: المفهوم واستخداماته في الحالة التونسية
لا يشكل إخفاق الثورة التونسية حالة فريدة أو نادرة في التاريخ السياسي الحديث، فقد انتهت العديد من الثورات أو حتى مراحل الانتقال الديمقراطي إلى ما انتهت إليه الثورة التونسية أو كانت أشد إخفاقًا. وكثيرًا ما يلحّ الدارسون على أن الانتقال الديمقراطي لا يتبع مسارًا خطيًا، بل عادة ما تتعرج خطاه
ثارت حتى إنها أو تتعثر وقد تسلك الثورات أحيانًا مسالك تعيدها إلى مربع البدايات التي عليها لا تنجو من عودة الاستبداد تحت أشكال مختلفة. وتمنحنا الثورة الفرنسية نموذجًا مثاليًا بليغًا لكل تلك
المآلات المتناقضة التي لا تخلو من تشويق وغرابة وخيبات أحيانًا، وهي تلف كل تلك المصائر التي خبأتها سواء لأنصارها أو لخصومها، وحيالها يقف علماء السياسة والمؤرخون الدارسون مرتبكين وهم في حيرة من أمرهم. وفي مثل هذه المسارات المعقدة والمشتبكة، يكون للخصوصيات الوطنية من ثقافة سياسية، وطبيعة فاعلين ونخب، وقوى اجتماعية قديمة على غرار الفئات والطبقات الاجتماعية والقوى السياسية التي شكلت حاضنة النظام السياسي الزائل، وقاعدته... إلخ، أثر بالغ في توجيه المآلات التاريخية لتغير المجتمع أو لانتقاله السياسي. ومن بين ما تؤثر فيه بناء التحالفات وتوجيه المسارات وتحديد المنعطفات الكبرى؛ حيث تطبعها بمفرداتها وتصوراتها وترسم هذه الصورة العامة ما تعتبره الكثير من التحليلات وحتى النظريات السياسية قاعدة لفهم الثورات والانتقالات، كما تضع في المقابل إمكانية بروز حالات استثنائية. وقد عززت الثورة التونسية طوال ما يناهز العقد بردايم الاستثناء التونسي؛ إذ رآها العديد من الباحثين والخبراء إحدى التعبيرات التي ظلت خلال عشرية أو تزيد تقيم البرهان على أنها قصة نجاح ديمقراطي استثنائية في محيط عربي – إسلامي، لم تعرف تجاربه الوطنية الحديثة المختلفة قصص نجاح في بناء الديمقراطية أو الانتقال إليها. وحتى نلتزم بالمقاربة النقدية التي أشرنا إليها سابقًا، سنعود إلى الجذور التاريخية لمقولة الاستثناء التي
(((ينظر:
Charles Tilly, The Contentious French (London, Harvard University Press, 1986); Michel Camus, L’exception Tunisienne: Variation sur un mythe (Paris: IRMC, Karthala, 2018).
(((ينظر:
Michel Camau & Vincent Geisser, Le syndrome autoritaire: Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali (Paris: Presses de Sciences Po, 2003).
صاغها مبكرًا ألكسيس دو توكفيل، حينما حرص على إبراز ما عدّه الخصوصية الأميركية في بناء
الديمقراطية، بحيث بدت له الولايات المتحدة الأميركية استثناءً لافتًا في هذا البناء. وهو أمر تاريخي
محلي شديد الخصوصية، يعود إلى موجات الهجرة التي شهدتها منذ القرن السابع عشر، من الباحثين عن "أرض العدل والخير" بكل اختلافاتهم وتعددهم وتنوعهم. وقد أفرط توكفيل في التشديد على هذه الخصوصية معتبرًا التاريخ الأميركي، والهندسة الاجتماعية التي ابُني بها المجتمع الأميركي، فضل
عن أساليب التفكير والعيش وردّات الفعل المختزنة في التنشئة الاجتماعية والسلوك اليومي وتنظيم الحكم المحلي وإطلاق المبادرة الفردية، عواملَ أفردت الأميركيين بأشكال استثنائية في تدبير وجودهم السياسي وبنائهم الديمقراطي الفريد والرائد، حتى ذهب إلى عدّها الديمقراطية الوحيدة آنذاك. على هذا النحو نستبعد ما يتبادر إلى الذهن، في الوهلة الأولى، حين يرد مصطلح حالة الاستثناء l’état d’exception الذي تبلور في العلوم السياسية منذ كتابات كارل شميت Carl Schmitt الدالة على "إلغاء" مؤقت للدستور والقوانين والتشريعات، التي تعتمدها الدولة في تسييرها للحياة السياسية وهي حالة قد تطول. وعلى أهمية هذا المعنى المعتمد في العلوم السياسية في فهم مآلات تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية، فإن الاستثناء المقصود في الدراسة هذا يفيد في سمات خاصة بالمجتمعات تعود إلى خصوصيات "جوهرية متفردة"، مما يجعلها خارجة عن القاعدة أو المعيار. لقد تبلورت هذه المقولة في العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا عمومًا، حيث نظر إلى بعض الحضارات والمجتمعات والعقائد الكبرى على أنها مصدر للاستثناء، فاعتبر الإسلام مثل مصدرًا للاستثناء؛ الأمر الذي حال دون انتشار قيم الديمقراطية مثل في البلدان التي اعتنقته. غير أن الاستثناء التونسي يفيد تحديدًا لدينا اعتبار المجتمع التونسي مجتمعًا متفردًا في تاريخه الثقافي والسياسي؛ وهو التاريخ الذي منحه هذا الاستثناء. وقد تمّت الاستعانة بكثافة بهذا البردايم قبل
الثورات العربية 2011–2010 من أجل فهم "الاستعصاء العربي" في مسألة التحول نحو أنظمة ديمقراطية. فالاستثناء الذي ينزع الديمقراطية جوهريًا عن هذه البلدان ينهض ضرورة على قاعدة تعتبر أن النماذج الديمقراطية الأوروبية والأميركية هي الأساس، وما يخالفها ليس سوى استثناءات فحسب تظل تثير الشكوك في مدى ديمقراطيتها الحقيقية.
(((ينظر:
Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, souvenirs: L’ancien régime et la révolution (Paris: éd. Robert Laffont/Bouquins, 1986). (8) Michel Camau, "Globalisation démocratique et exception autoritaire arabe," Critique internationale, vol. 1, no. 30 (2006), pp. 59–81; Nicolas Guilhot & Philippe C. Schmitter, "De la transition à la consolidation: Une lecture rétrospective des democratization studies," Revue française de science politique, vol. 50, no. 4–5 (2000), pp. 615–632; Diane Ethier, "L’imposition de la démocratie a–t–elle été l’exception ou la règle depuis 1945?" Études internationales , vol. 41, no. 3 (2000), pp. 313–339; Alfred Stepan & Graeme Robertson, "An Arab more than a Muslim Electoral Gap," Journal of Democracy , vol. 14, no. 3 (2003), pp. 30–59; Sanford Lakoff, "The Reality of Muslim Exceptionalism," Journal of Democracy , vol. 15, no. 4 (2004), pp. 133–139; John Waterbury, "Democracy without Democrats? The Potential for Political Liberalization in the Middle East," in: Ghassan Salame (ed.), Democracy without Democrats: The Renewal of Politics in the Muslim World (London: I. B. Tauris, 1994), pp. 23–47.
في مرحلة ما بعد الثورة التي شهدتها البلاد أواخر سنة 2010 وبداية سنة 2011، عادت مقولة الاستثناء التونسي، وكانت إعادة اكتشافها وتثمينها لتفسير"نجاح الانتقال الديمقراطي التونسي". وبحسب هذه المقاربة، بات الاستثناء التونسي "تاريخًّيًا"، وقرينة مؤكدة ومنيعة في ذلك الطور الانتقالي التي عاشت
على وقعه البلاد خلال عامَي 2012 و 2013 وما تلاهما. فلقد ظل "شمعة تضيء" وسط ظلمة جل
التجارب العربية الأخرى؛ أي تجارب ليبيا ومصر واليمن وسورية. يقوم الاستثناء التونسي، بحسب القائلين به، على جملة من الحجج كان العديد منها يستخدم لتأكيد الاستثناء بالنسبة إلى الحالة العامة العربية (وهي القاعدة) في فترة ما قبل الثورة. ويمكن أن نذكر منها صلابة المجتمع المدني وعراقة الإرث الدستوري وحداثة النخب السياسية وديمقراطيتها وقدرتها على بناء توافقات وتوسع صفوف الطبقة الوسطى الليبرالية المتنورة، وحركة إسلامية معتدلة، وجيش جمهوري بعيد عن التورط في السياسي... إلخ. وقد ذهبت بعض الحجج، التي استبعدناها من تحليلنا، إلى اعتبار هذا الاستثناء قائمًا، كما أشرنا سابقًا، على "عبقرية تونسية" وخصوصية موغلة في
التاريخ البعيد الجوهري للتونسيين حتى قبل أن "يتتونسوا" (أي قبل أن يصبحوا تونسيين)؛ فعاد به ثلاثة آلاف سنة بعضهم على نحو أسطوري أحيانًا إلى من الحضارة انطلقت من تاريخ قرطاج وميراثها الاستثنائي... إلخ. وفي سياق تحليل الانتقال الديمقراطي، نُظر إلى تونس بوصفها استثناءً مضاعفًا لكونها أنتجت، خلال
فترة الانتقال الديمقراطي، حالة من الديمقراطية ولو في حدها الأدنى؛ من خلال إنجاز دورات عديدة ومختلفة من الانتخابات الحرة، حققت التداول السلمي للسلطة، ونجحت في مستوى التشريعات والممارسة أيضًا، ولو في فترة قصيرة، في فصل السلطات بعضها عن بعضها الآخر؛ فتحرر الفضاء العام إلى حد بعيد... إلخ. يضاف إلى ذلك – وهذا ما يعنينا على نحوٍ خاص في هذا الدراسة – أن تونس ظلت البلد العربي الوحيد الذي شق مسار انتقاله "بنجاح" مقارنة، بطبيعة الحال، بفشل التجارب العربية الأخرى إلى أن تغيرت المآلات لاحقًا.
(((بحث عياض بن عاشور بعض وجوه هذا الاستثناء. ينظر: عياض بن عاشور، تونس: ثورة في بلاد الإسلام (تونس: دار سراس للنشر،.)2017 ينظر (:((1
Mohamed Nachi, Socio–anthropologie des cultures arabo–islamiques, sociologie de la "révolution" tunisienne. L’exception tunisienne: Vers un "compromis historique ?" (Liège: Presse universitaires de liège, 2015).
(((1 لمقولة الاستثناء التونسي وجوه أخرى ترد في كتابات بعض علماء الاجتماع التونسيين من خلال التنظير للشخصية التونسية
التي تتفرد لدى محمود الذوادي مثلبسمات مخصوصة، منها أنها " مستنفرة"، وأنها "غير متصالحة مع لغتها"، ومع رموزها الدينية.
وتتفرد لدى المنصف وناس مثل بكونها تصالحية ومهادنة. وفي الاعتبارين، تتميز هذه الشخصية من شخصيات بقية الشعوب
العربية الأخرى استنادًا إلى تشغيل مفهوم الشخصية القاعدية. وبهذا الاعتبار، يتخذ الاستثناء بعدًا سوسيو–أنثروبولوجيًا غير قابل
للتزمين، ويكاد يكون جوهريًا. ينظر: المنصف وناس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية (تونس: الدار المتوسطية
للنشر، 2010)؛ محمود الذوادي، المجتمع التونسي واحتضانه لمأزق الاستلاب: إعاقة اللغة وارتباك الهوية (تونس: مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المختص، 2019)، ص.231
(12) Nicolas Beau & Dominique Lagarde, L’exception tunisienne. Chronique d’une transition démocratique mouvementée (Paris: Seuil, 2014), p. 197.
وضمن هذه الرؤية التبجيلية، كثيرًا ما أسندت إلى تونس مكانة خاصة عبّرت عنها مقولة "الاستثناء
التونسي"؛ فلئن ظل المجتمع التونسي يرزح تحت مختلف أشكال السلطوية خلال حكمَي الرئيسَين
الحبيب بورقيبة (1987–1957) وزين العابدين بن علي (2011–1987)، فإن عدة مؤشرات توحي بإمكانية تحقيق البلاد تدرجًا سلسًا نحو الديمقراطية على الرغم من تحفّظ الأنظمة السياسية تجاه أي
شكل من الانفتاح الديمقراطي. ومن تلك المؤشرات التعدديةُ السياسية، ومناخٌ مُواتٍ للحريات العامة
وإن كان محدودًا، ورسوخ النضال من أجل حقوق الإنسان. وكان التحديث الاجتماعي الذي شهدته البلاد، منذ نشأة دولة الاستقلال والليبرالية الاقتصادية التي تبنتها منذ سبعينيات القرن العشرين وتوسع النسيج الاقتصادي الوطني المتنوع، فضل عن نمو طبقة وسطى واتساع قاعدة النخب الحديثة القادمة من خريجي الجامعات، من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي توحي بولوج البلاد "حتمًا"
مرحلة ديمقراطية، بحسب النسخة الكلاسيكية من نظرية التحديث. مقابل هذا المديح، كانت البحوث والدراسات التي تسرد هذه المؤشرات تنفي توافرها في بقية البلاد العربية؛ لذلك عدّت تونس استثناءً،
من حيث جمعها لكل تلك السمات في حالة متفردة لا مثيل لها في العالم العربي. غير أن ذلك الحلم الديمقراطي لم يتحقق، بل شهدت البلاد بين الحين والآخر مراحل انتكاس محيرة بعد فترات انفتاح ديمقراطي محدود في الزمان وفي الأثر. وبناءً عليه، يمكن القول إن الاستثناء التونسي
مقارنة ب "القاعدة العامة العربية" كان أشبه بالمفارقة التاريخية؛ فقد جمعت البلاد كل شروط الانتقال إلى دمقرطة ممكنة، خصوصًا في أثناء مرحلة من النضج الاقتصادي والاجتماعي تتيح قيام مثل هذه
التجربة، وتقدر على احتضانها. ومع أهمية هذه المقولة، فإنها لا تحظى بإجماع الباحثين؛ حيث يعمد العديد منهم إلى دحضها على غرار ميشال كامو الذي يبرهن على تهافت مقولة الاستثناء العربي، ولا سيما في سياق عالمي تتوسع فيه الديمقراطية وتتعولم حيث يستغل بعضهم هذا السياق للقول إن العالم العربي ظل استثناء لأنه يحافظ بشكل "غريب" على أشكال مختلفة من التسلطية. والحقيقة أن التسلطية العربية ليست استثناء في عولمة الديمقراطية. إن إخفاق إنتاج أنظمة ديمقراطية العالم العربي باعتباره وحدة متجانسة من أنظمة تسلطية متطابقة أمر غير دقيق علميًا، علاوة على أننا لا نملك برهانًا علميًا يثبت أن التسلطية عربية، فضل عن كونها
سمة جوهرية مستقرة وأصيلة وهذا الأمر لا يخلو في اعتقاد كامو من خطأ علمي وأخلاقي فهو موقف واصم، خصوصًا إذا أضفنا إلى التسلطية نعت "عربية". إن القاعدة أو المعيار في الحياة السياسية المعاصرة
هي الديمقراطية أو السعي لتحقيقها أما الاستثناء فهو التسلط الذي لا "أصل جوهري عربي فيه"؛ فالاستثناء العربي "يعود إلى جملة من الفرضيات التاريخية الاجتماعية على غرار تلك التي تقر بوجود بنى اجتماعية صلبة لا تقبل التعديل، وتميل إلى التسلط أو عقيدة دينية تزكي التسلط وتبرره... إلخ. فالاستثناء ليس له من العربي شيء؛ ذلك أن القدرات القمعية الهائلة للأنظمة السياسية العربية لم يكن ممكنًا لها أن تستمر
(13) Mahmoud Ben Romdhane, "Développement et démocratie: L’exception tunisienne," l’année du Maghreb , no. 3 (2007), pp. 427–455. (14) Camau, p. 59.
لولا مساندة القوى الغربية لها حفاظًا على مصالحها الأمنية علاوة على ضعف المقاومة الشعبية[...] إن الديمقراطية معيار تتقاسمه جل الشعوب العربية، وهي تتوق إليه ولكن على شاكلتها الخاصة مع تحفظها عن أن تكون الديمقراطية رسالة غربية للنشر والتبشير"، يرى كامو أن هذا التمشي على تونس – كما سنبيّن
لاحقًا – ليُقر في النهاية أنه لا وجود لاستثناء تونسي، وأن ديناميات الدمقرطة وفشلها يعودان إلى أسباب
تاريخية اجتماعية حددتها جملة من العناصر، على غرار السياقات وهوية النخب والفاعلين بما هم منزلة ومواقع واستراتيجيات أنتجت تلك المواقف والممارسات.
2. كيف نفكك وَهْم الاستثناء التونسي؟
يقتضي الاستثناء أن يخالف قاعدة من دون أن ينفيها تمامًا. وعادة ما تفيد القاعدة جملة من الأنماط
التي تتكرر باستمرار، كلما اجتمعت الشروط نفسها والسياقات نفسها أيضًا. وفي العديد من الدراسات التي تناولت أوضاع العالم العربي السياسية، يتم التأكيد على قدرات هذا العالم على إعادة إنتاج وتأبيد الأنماط ذاتها؛ فقد أظهر عجزه عن إنتاج تجارب ديمقراطية ناجزة. ولا يُعد هذا الإخفاق
بحسب هذه الدراسات طارئًا أو عرضيًا، بل بنيويًا ثابتًا. وبقطع النظر عن المتغيرات التي يمكن أن
تطرأ، فمفاد هذه القاعدة هو أن رسوخ الانغلاق يمنع أي إمكانية لإنتاج حالة من الديمقراطية. وقد غنمت هذه الأطروحة حجة جديدة مع الإخفاق المبكر لتجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها ثورات الربيع العربي تدعم بها براهينها؛ إذ إن جل تجارب الانتقال انحرفت سريعًا نحو حروب أهلية وعنف معمم. وفي مناقشته للعلاقة بين القاعدة والاستثناء، يؤكد عزمي بشارة أن "لغز الاستثناء"، سواء أتعلق الأمر بالبلدان العربية أم بتونس، يحلّ ما إن نلمّ بمختلف العناصر المركبة ونحلّلها: "لا يتعلق
لغز الاستثناء في البلدان العربية بغياب شروط الدمقرطة، إنما بحضور شروط السلطوية الباطشة بما في ذلك الاستعداد لاستخدام أقصى القوة وتعقيدات تدخل العوامل الخارجية والإقليمية ". في مثل هذه التحليلات التي تعتمد مقولة الاستثناء في فهم مختلف التجارب الاجتماعية والسياسية على غرار تجارب الانتقال، عادة ما يتم إغفال السياقات التاريخية وآليات إنتاج تلك "الخصوصيات" والقوى الاجتماعية المتصارعة والآليات التي تم اللجوء إليها لفض النزاعات بينها، ومختلف أشكال التوافقات والتنازلات المضنية. تكفينا مقولة الاستثناء مشقة الوقوف على كل هذه المسائل والأبعاد المعقدة؛ فالاستثناء وضعٌ طارئ، خارجٌ عن النظام الذي يخضع لقواعد دقيقة تحدد منطق اشتغال
الظواهر وعن التصنيف الذي يحددها. غير أنه سرعان ما خيّل إلينا أن الاستثناء التونسي رسخ أركانه أي غدا له من الحجج ما يبرره ويسبغ
عليه شرعية ما، خصوصًا إذا ما استحضرنا الأسباب التي كانت وراء إخفاقات الثورات العربية الأخرى.
(15) Ibid. (16) Ivan Ermakoff, "Epistemologie de l’exception," Sociétés plurielles, no. 1 (2017).
((1(عزميبشارة، الانتقال الديمقراطي: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.259–229
وعلى هذا النحو، فإن سبب نجاح الثورة التونسية مثل يعود لدى بعضهم إلى عراقة التراث الدستوري
مثل، وإن تأخر اندلاعها في البلدان العربية يعود إلى حداثة التجربة الدستورية أو انتفائها أصلًا. وعلى غرار تأسيس المدن، تحيط بالثورات عدة ملاحم كما تحيط بخيباتها أو فشلها أساطير وخرافات. ولذلك يكون من الضروري – حتى نفهم الثورة التونسية ومآلاتها – نزع الأسطرة عن السرديات التي ترسخت في قلب الخطاب العلمي الذي تراكم حول الثورة التونسية أو حول المسار الانتقالي الذي عرفته البلاد. فمثلما تفعل الأساطير دائمًا، تقدم السرديات التي تقوم عليها أجوبة
سرعان ما تغدو بديهية، ويصعب التشكيك فيها إن لم تتعرض لهذه الخطوة العلمية الضرورية على طريق إطلاق فرضيات أخرى "تغرّد خارج السرب". إن السبيل إلى إجراء تحليل غير مؤسطر لنجاح الانتقال الديمقراطي في تونس لا يكون من خلال النظر إليه على أنه استثناء مقارنة ب "القاعدة العامة"، بل من خلال النظر إليه باعتباره تجربة تاريخية لها خصوصيتها وتفردها، وهي ليست استثناء متعاليًا في معناه الجوهري. لا تُرجِع مقولة الاستثناء
أمر الثورات والانتقالات ومآلاتها إلى خصوصيات سياقية وجهت الأحداث والظواهر، بل تذهب، على خلاف ذلك، إلى الإقرار بجوهرانية تعود في مجملها إلى خصائص ميتاتاريخية، بما يثبت التفرد الجوهري لشعب أو أمة. ولا شك في أن تحليلات تجارب الانتقال الديمقراطي قد بوّأت في جل
حالاتها مكانة بارزة لكل الشروط التي جردتها التحليلات التي اهتمت بالتجربة التونسية وفق بعض الخصوصيات. غير أننا نعتقد أن التنسيب ضروري لفهم "الخصوصيات"؛ فالتعميم من شأنه أن يحجب بعض الحقائق التي يطمسها القول التمجيدي الذي ظل ساريًا في التاريخ التونسي منذ أن تشكلت
أسطورة بورقيبة بوصفه الزعيم الاستثنائي. وقد أشادت، فعل، العديد من المنظمات بقصة النجاح الاستثنائية التي عاشتها تونس بعد عام 2011، بل لم تنجُ الكتابات العلمية الصارمة من هذا الافتتان الذي سيتبدد تدريجًا، بعد حلّ البرلمان وإلغاء
دستور 2014 واستفراد الرئيس قيس سعيد (2019–) بمطلق السلطات لاحقًا. لا شك في أنه في كل هذا التمجيد تمت المبالغة في تعظيم الاستثناء التونسي، وتفسيره بعوامل هيخاطئة أصلممثلة فيماا شيدته السردية البورقيبية: مجتمع منسجم، تعليم معمم، طبقة وسطى، مجتمع مدني، امرأة متحررة... إلخ، كما ذهب إلى ذلك كامو، بل إن الأمر قد يصل إلى نقيض هذا التمجيد، حين نقف أحيانًا على أدوار أدّاها الفاعلون في تجربة ساهمت في إرباكها وتعثرها. يحتاج تفكيك وهم الاستثناء التونسي إلى الكف أول عن أسطرة هذا الاستثناء، والنظر إلى العناصر المكونة للثورة التونسية والانتقال الديمقراطي الذي تبعها على نحو يعالجها على أنها تجربة تاريخية تضافرت فيها عوامل نجاح مجتمعة، وليس في نيتنا ولا في مستطاعنا في حيز هذا الدراسة معالجة
(18) Choukri Hmed, "Au–delà de l’exception tunisienne: Les failles et les risques du processus révolutionnaire," Pouvoirs , vol. 156 (2016), pp. 137–147. (19) Michel Camau, L’exception tunisienne, variations sur un mythe (Paris: IRMC Karthala, 2018), pp. 14–16. (20) Ibid., p. 22.
الحجج المساندة لمقولة الاستثناء التونسي التي استعرضناها، وقد اقتصرنا على "أسطورة المجتمع المدني"، التي من الممكن أن تسمح باختبار مدى صلابة بقية الحجج الأخرى على غرار النخب التونسية، وعراقة التراث الدستوري... إلخ. يحقق اختيارنا لمقولة المجتمع المدني هذه الشروط، من حيث كونه يتأسس على افتراضٍ بوجود استثناء تونسي فيما شهدته البلاد من انتقال ديمقراطي، فهو المجتمع الذي جمع العديد من القيادات السياسية والمدنية التونسية وحدّد جل منعطفات التجربة وعلاماتها، وكان ذا أهمية مركزية في مختلف المواقف التي تبنتها النخب السياسية التونسية خلال المسار الانتقالي وتحليلاتها وممارساتها. وفضل عن ذلك، كان للمجتمع المدني أثر حاسم في صياغة دستور 2014، وبناء المؤسسات الدستورية والاستفادة من مناخ الانتقال الديمقراطي والصراع حول توجيه مآلاته مع الانتباه في المقابل ا، إلى، جلّي
كل ممارساته التي نرى أنها يسرت الإجهاز على التجربة. لقد استفاد هذا المجتمع من مناخ الحريات ومن تشريعات تحررية منفتحة، شهد بفضلها نموًا هائلًا بالمعنى الكمي للكلمة، وأوكلت إليه
النخب – ومنها نخبه هو – السياسية والمدنية، ولو في مستوى التمثل، أدوارًا من أهمها تجنيب البلاد
السقوط في دوامة العنف الأهلي و"صيانة مكاسب الحداثة".
ثانيًا: دور المجتمع المدني التونسي في مسار الانتقال الديمقراطي
احتاجت جل تجارب الانتقال الديمقراطي إلى المجتمع المدني، باعتباره حاضنًا للممارسات
لاالديمقراطية والمدنية وفاعل يمكن الاستغناء عنه، وأدى أدورًا حاسمة فيها. ومع ذلك، ساهم
في تجارب عديدة أخرى في إخفاق الانتقال الديمقراطي وتعميق مختلف النزاعات الداخلية التي شجّت المجتمعات. تطالعنا الكثير من التجارب أن هذا المجتمع المدني قد أربك تجارب
الانتقال تلك، وأدت ممارساته أحيانًا إلى حروب أهلية انخرط فيها عبر مختلف بعض تشكيلاته أو مكوناته (جمعيات، وأندية، وهيئات، ونخب، وتحالفات... إلخ). لذلك، فإن الشرط الضروري لفهم كل هذه الأدوار المعقدة والمتناقضة هو أن نغادر "كنيسة المجتمع المدني"، أي تلك الرؤية التي تحيطه بالكثير من الهالة والقداسة، واعتباره عصًا سحرية قادرة على حل جميع المعضلات
في إغفالٍ لتعقد المسألة وأهمية السياقات، علاوة على استراتيجيات الفاعلين ومواقفهم ومواقعهم المختلفة.
(((2 ينظر:
Hammadi Redessi (dir.), La transition bloquée (Tunis: Diwen Edition, 2021). (22) Rafaâ Ben Achour & Sana Ben Achour, "La transition démocratique en Tunisie: Entre légalité constitutionnelle et légitimité révolutionnaire," Revue française de droit constitutionnel, vol. 4, no. 92 (2012), pp. 715–732. (23) Mohamed Zied Chamsi, "Consensus et démocratie en Tunisie," Thèse de doctorat en Droit, Université Côte d’Azur en cotutelle avec Université de Sousse (Tunisie), Centre d’études et de recherche en droit administratif, constitutionnel, financier et fiscal (Nice), 22/12/2023; Hédia Brik Mokni, "L’exercice des libertés politiques en période de transition démocratique. Cas de la Tunisie," PhD. Dissertation, École doctorale DESPEG, Unité de recherche: CERDACFF, Université Cote D’Azur, 7/9/2016.
يظل مفهوم المجتمع المدني من المفاهيم الملتبسة، ومع ذلك تبرز مقاربتان كبيرتان في مسعى تعريفه وضبط دلالته. تحرص المقاربة الأولى على تعريفه بوصفه كيانًا مقابل للدولة وحتى السلطة أحيانًا، حيث تصر على رسم الحدود الفاصلة بينه وبينها؛ بحيث يكون المجتمع المدني هو الفضاء الذي يضم الجمعيات، والمؤسسات (العائلة، والمنشَأة، والمنظمة، والجمعية... إلخ) التي تيسر لقاء الأفراد من أجل متابعة أهدافهم ومشاريعهم المشتركة بمنأى عن الدولة. أما المقاربة الثانية، فهي تحرص في تعريفها للمجتمع المدني على تجنب التقابل بينه وبين الدولة لتقر بتداخل الفضاءين العام والخاص؛ إذ إن المجتمع المدني يحتاج إلى السلطة والقانون والدولة من حيث التشريع والمراقبة والتمويل وتيسير الفعل، كما تحتاج الدولة أيضًا إلى اضطلاعه بما لا يضطلع به غيره. لذلك، يثير المفهوم لدى توظيفه في التحليل تعقيدًا نظريًا حاًّدًا حتى عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات
الأوروبية الغربية. فخلال عقود طويلة منذ القرن الثامن عشر، نُظر إلى المجتمع المدني بوصفه مرادفًا للدولة خصوصًا في فلسفات التعاقد الاجتماعي، غير أنه ما لبثت أن انزاحت الدلالة تدريجيًا خلال
لها ويشتبك معها في مواقع عديدة دفاعًا عن حيز مستقل للفرد أواخر القرن التاسع عشر ليغدو مقابل والجماعات. ولا يزال هذا التصور رائجًا إلى حد الآن مؤكدًا حيزًا "على شكل روابط ومؤسسات مدنية
تعمل في الحيز العام، خارج الدولة والاقتصاد. [...] يتطور هذا المجتمع المدني الذي نعنيه اليوم ضمن هذا النظام إلى حيز عام في الدولة في مفهومها الواسع ومستقل عن الدولة بمفهومها الضيق". ومع أهمية كل هذه التمييزات، فإن التأكيد على دور المجتمع المدني في الديمقراطية والانتقالات الديمقراطية لم يظهر إلا متأخرًا". على هذا النحو فإن المجتمع المدني، وخصوصًا في المجتمعات الغربية، وتحديدًا في تلك الفضاءات
العمرانية الناشئة على أنقاض الإقطاع، والتي ضمت فئات اجتماعية جديدة تبني فضاءها الخاص، كان حريصًا على التخلص من ضغوط المجتمع الإقطاعي ومراقباته الشديدة، وذلك هو معنى الحريات
الفردية والجماعية التي سيتم تقنينها لاحقًا بالتدريج. لقد كان المجتمع المدني منذ إرهاصاته الأولى فضاء تحرر في ارتباط بنشأة البرجوازية وتقاليدها الأخلاقية والاجتماعية، ومجال استقلال لفاعلين جدد بصدد الولادة على هذا النحو، وضمّ جمعيات مختلفة: منظمات، وأحزابًا وحركات قطنت الفضاء
العام. وقد حرصت هذه القوى الاجتماعية على استقلاليتها خارج هيمنة المجال السياسي الرسمي، مجبرة بذلك الدولة على الاعتراف بها والتشاور معها، ومع مرور الوقت ألزمتها، في أكثر من سياق وحالة، بالأخذ بآرائها، بل إنها استطاعت التأثير في المجال السياسي الرسمي. وإذا كانت البرجوازية في أوروبا الغربية العامل الحاسم في نشأة المجتمع المدني، فإن الإنتلجنسيا والنخب عمومًا كانت في مناطق أخرى من أوروبا وخارجها هي العامل المحدد في نشأة هذا المجتمع.
(24) François Rangon, "Société civile: Histoire d’un mot," in: Jacques Chevallier, François Rangeon & Philippe Dupire (dir.), La société civile, [Texte imprimé]: [Rapports du colloque]/ [Organisé par le] Centre universitaire de recherches administratives et politiques de Picardie, [Amiens, 25 octobre 1985] (Paris: P.U.F., 1986), p. 9.
((2(عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.66
ولا شك في أن الدور الذي أدّاه المجتمع المدني في التحولات الديمقراطية بأوروبا الشرقية: بولندا، ورومانيا، وبلغاريا، قد تحدد بقدرات القوى الديمقراطية، ومنها النخب، تحديدًا، في حال افتراض احترام الدولة الفضاء العام واستقلالية المجتمع المدني، بل أيضًا بقدرته على إعادة تشكيل ذاته وترسيخ أثر القيم الديمقراطية في مكوّناته. وحتى نفهم مكانة المجتمع المدني وأدواره خلال فترات الانتقال الديمقراطي، وتحديدًا خلال التجربة التونسية، فإننا أقرب إلى تبني التعريف الأول، على أن نضيف إلى مكوناته السابقة تلك أي الجمعيات والمنظمات، والمنتديات، والمبادرات الجماعية، وحتى بعض الحركات الاجتماعية التي سنرى تحالفها الوثيق مع مكونات أخرى من داخل المجتمع المدني أو من خارجه على غرار الأحزاب والجهات السياسية... إلخ، حتى إنّ التجربة التونسية شهدت ابتكار كيانات وأساليب نشاط جديدة على غرار التنسيقيات والمنتديات والمبادرات، وهي مسائل سنعود إليها لاحقًا، خصوصًا أنها تؤشر إلى ما كسبته إبان تلك الفترة من قدرة على ابتكار المبادرات الخاصة والتنظيم الذاتي حتى يخيّل إلينا
أنها تنشط "خارج الدولة" تمامًا. اكتسب المجتمع المدني في تونس خلال الثورة والانتقال الديمقراطي مكانة حاسمة، تحولت إلى سطوة أدت أحيانًا إلى إضعاف الدولة وتجاوز سلطتها مما دفع إلى المناداة بإعادة "هيبة الدولة" كما عبّر العديد من الفاعلين السياسيين. وقد جعل بعض السياسيين ذلك أولويةً في برنامجه السياسي
كالرئيس الأسبق الباجي قائد السبسي (2019–2014). وتجسدت هذه الدعوة في مطلب إعادة هيبة الدولة كما أشرنا سابقًا إلى موقعها وأثرها الذي قد بدأ مع وصول حزب نداء تونس إلى السلطة سنة 2014، وكان ذلك المطلب –ضمنيّة على الفترة التي أدارت فيها ضمنيًا على مآخذ الشعار يحتوي
النهضة الحكم. وتذرّع الرئيس سعيد بتلك الدعوة – الشعار من أجل الدعوة إلى التخلص من كل "الأجسام الوسيطة"، بما فيها مكونات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لأنها خطر داهم يهدد وحدة الدولة.
(26) Michael Bernhard, "Civil Society and Democratic Transition," East Central Europe: Political Science Quarterly , vol. 108, no. 2 (Summer 1993), pp. 307–326.
(((2 لا نعثر على معانٍ دقيقة لعبارة/ مصطلح هيبة الدولة في الأدبيات السياسية التونسية، ولكنها تفيد عمومًا معاني استعادة سلطة
الدولة بعد أن تراخت صرامتها في إلزام المواطنين بقراراتها، والقدرة على تنفيذها. إنها مزيد من الخوف والاحترام والتقدير. غير أن تداول المصطلح في سياقات الثورة يشير إلى قدر مهمّ من تبجيل رموز الدولة، أي كبار مسؤوليها تحديدًا والانصياع إلى أوامرهم.
ولقد بدأ هذا المعنى يتخذ أبعادًا عملية جدّية تهدد الحريات العامة وحتى الفردية، على الأخص مع صدور المرسوم عدد 54
لسنة 2022. ينظر: "مرسوم عدد 54 لسنة 2022 مؤرخ في 13 سبتمبر 2022 يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال"، ديكاف – مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، شوهد في 2024/8/11، في: tk448kah / tinyurl.com:// https (((2 كان الشعار المهم الذي رفعه الباجي قائد السبسي في أثناء حملته الانتخابية الرئاسية سنة 2014 هو إعادة هيبة الدولة أمام ضعفها وتراجع سلطتها تجاه التحركات الاحتجاجية وقوة المجتمع المدني، والانفلات الأمني الذي شكّل مناخًا مواتيًا لتحدي
الدولة وعدم الامتثال لسلطتها. أما الرئيس قيس سعيد، فقد اعتبر ضمنًّيًا أن المجتمع المدني منافس للدولة وعامل إضعاف لها
وحاجز يحول دون مد سلطتها، لذلك كانت له مواقف سلبية تجاه الجمعيات والمنظمات. لمزيد من التعمق، ينظر: أزمة الأجسام
الوسيطة: دراسات في الحالة التونسية (تونس: مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب العربي،.)2023
وفي عددٍ من تجارب الانتقال الديمقراطي، أدى المجتمع المدني أدوارًا متعددة، لعل أهمها صياغة
الفضاء العام وتهيئته لتقبل للمشاركة المواطنية، وتوسيع مجال الحريات والحقوق والتنشئة على القيم الديمقراطية الجيدة، وإدماج فئات اجتماعية جديدة في مسار الانتقال الديمقراطي... إلخ. ومع ذلك، فإنه عادة ما يتم إغفال جملة من المسائل المعقدة، لعل أهمها: طبيعة المجتمع المدني ذاته ومدى ديمقراطيته، والتناقضات التي تشقه، وعلاقات الهيمنة داخله، وأخيرًا علاقته بالمجتمع السياسي، وهي
مسائل تتحكم عادة في مآلات تجارب الانتقال الديمقراطية ذاته. وقد حرصت الهيئة العليا المستقلة لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي في تونس منذ إحداثهاعلى تحرير الفضاء العام ضروريًا لتشكل المجتمع الذي يعده الفاعلون شريكًا المدني وإطلاق المبادرات المدنية. فبادرت مبكرًا بإصدار المرسوم المتعلق بالجمعيات، الذي كان
نقْلة فارقة في مسار المجتمع المدني التونسي بعد الثورة، حين رفع يد وزارة الداخلية والسلطة السياسية عمومًا عن تأسيس الجمعيات والمنظمات غير الحكومية؛ إذ صار من دون ترخيص مسبق، وجرى تعويضه
بمرسومٍ آخر هو الإعلام لينهي بذلك تدخل السلطة التنفيذية، ويحيلها إلى سلطة القضاء في حال ارتكاب تجاوزات قانونية. وكان نتيجة تطبيق المرسوم فضل عن يسر التمويل، بما في ذلك التمويل الأجنبي وبرامج دعم القدرات التسييرية للساهرين عليها، نموّ عدد كبير جًّدًا من الجمعيات في مدة قصيرة، وقد توزعت
اهتماماتها على ميادين متعددة؛ منها الحقوق والحريات والتنمية والخدمات الاجتماعية والخيرية، والمرأة والشباب والفئاتالهشة والأقليات العرقية والإثنية... إلخ. وقد استفادت هذه الجمعيات والمنظمات من تمويلات عمومية محدودة، وعلى الأخص مقارنة بما استفادت به وعلى نحوٍ واسع من تمويلات أجنبية، أدّت أدوارًا محددة في توجيه الأجندات التي حددت نشاطاته ونضالاته لاحقًا. وقد احتاج هذا النمو اللافت في العدد، مقارنة بفترة ما قبل الثورة، إلى خبرات مالية وإدارية لإقناع المانحين وبناء المشاريع وإنجازها وفق الأهداف والشروط المضبوطة. ولم يكن هذا النمو بمعزل عن المجتمع السياسي بكل صراعاته ومنافساته وخصوماته الحادّة؛ لذلك، فإن المجتمع المدني لم يكن قادرًا على بناء "قلعته" التي لا تخترق والحفاظ على استقلاليته، فقد عجز عن تحصين نفسه من المشكلات التي عاناها المجتمع السياسي كالإقصاء، ونسف قواعد اللعب، إضافة إلى الولع بالمناورات التي لا تهدأ إلى حد العبث، وخصوصًا في سياق تونسي عرف استقطابًا علمانيًا – دينيًا.
(29) Groupe de chercheurs IDES, "Société civile et démocratisation: Une étude comparative au nord et au sud," Revue Tiers Monde , vol. 2, no. 178 (2004), pp. 443–464.
(((3 تم إحداث الهيئة أسابيع قليلة بعد سقوط نظام بن علي وفق مرسوم رئاسي ينظر: "مرسوم عدد 6 لسنة 2011 مؤرخ في
18 فيفري [شباط/ فبراير] 2011 يتعلق بإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"،
ديكاف – مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، شوهد في 2024/8/11 في،: wb25Ru / urls.fr:// https (((3 "مرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات"، ديكاف – مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، شوهد في 2024/8/11، في: uOGNy / urls.fr:// https (((3 تُقدر الإحصاءات الرسمية عددالجمعيات ب 25048 جمعية. ينظر: مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول
الجمعيات، شوهد في 2024/8/26، في: 2xx74hjf / tinyurl.com:// https
لقد حوّل تنامي عدد الجمعيات التي شملت نشاطاتها جميع مرافق الحياة وحاجات الفئات، علاوة
على الرهانات السياسية المعقودة عليها من الفاعلين الجمعويين والسياسيين، المجتمع المدني إلى حلبة فسيحة للنزاعات والصراعات العنيفة أحيانًا. جرى ذلك، في سياق كان "المشهد المدني" فيه يتغير، حيث نزع بعضهم من هذه الجمعيات والمنظمات إلى الاشتغال مكاتبَ خبرة استطاعت في
ضمت كفاءات مهمة من الباحثين الأكاديميين في وقت وجيز إنجاز العديد من الدراسات بعد أن كادرها أو في مجالسها العلمية، وهو شرط فرضه الممولون أحيانًا، في حين تحوّل بعضهم إلى "أقليات
احتجاجية" فائقة القدرة على الإرباك من دون إغفال مهارات خفض التوتر وتجنيب التصعيد والواسطة التي اتّصف بها بعضهم الآخر من أجل إيجاد الحلول لبعض القضايا الاجتماعية المتفجرة حين أخفق المجتمع السياسي في ذلك. لقد كان الحوض المنجميا مثل شاهدًا مهمًا على تحوّل بعض المنظمات كالاتحاد العام التونسي
للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والمنتدى التونسي للحقوق التونسية والاقتصادية، إلى وسيط ما بين السلطة من جهة، والمحتجين والغاضبين والمعتصمين والمطالبين من جهة أخرى. واكتسب العديد من تلك المنظمات من خلال هذه المهمات الجديدة رساميل رمزية مهمة في بناء الوجاهة والمشروعية. ولم يخلُ ذلك من إجلاء الدولة أحيانًا من فضاءاتها الحيوية وسلب جزء مهم من مشروعيتها، كما لم يخلُ من الابتزاز وإجبار الدولة على إعادة الهبة Le contre don، فضل عن ثنايا هذا المجتمع المدني وتخومه تشكيل زبونية مدنية انتعشت في. وبفعل هذه القدرات والموارد والمعارف والمهارات، فرض المجتمع المدني حضوره في جل المسائل السياسية: الدستور، ومشاريع القوانين ومخططات التنمية، والقرارات المحلية والبرامج الوزارية، حتى صارت له سلطة اتخاذ القرار في الكثير من الأحيان، وقد بلغت حد تعيين المسؤولين وعزلهم فضل عن توجيه التمويل العمومي وإملاء الأولويات وخطط المشاريع التنموية، وحتى المحاكمات، وخصوصًا من خلال
توظيفه لما راكمه استنادًا إلى دورات التدريب على مسائل التمكين وقضاياه. تحولت ممارسات المجتمع المدني إلى عقبة عرقلت بناء قواعد اللعبة بين الفرقاء السياسيين وعطلت الوصول إليها، فمعالم الحساب السياسي كانت غير قابلة للتوضيح، وخصوصًا أن متغير المجتمع
المدني كان غير قابل للضبط من خلال قواعد اشتغال الفعل السياسي. ومع ذلك، ظلت "ريادية" المجتمع المدني التونسي تلهم العديد من الكتابات العلمية، واعتمدها بعضهم عامل حاسمًا في تفسير
الاستثناء التونسي الذي أشرنا إليه، وليس هذا الاعتبار جديدًا، بل يعود حتى إلى ثمانينيات القرن العشرين.
((3(شهد الحوض المنجمي بالبلاد، وهو الذي ينتج ما يناهز 95 ا في المئة من الفوسفاط، شلل شبه تام خلال عشرية الانتقال
الديمقراطي، وهو أمرٌ كلّف البلاد خسائر مالية جسيمة. وكانت الإضرابات والاحتجاجات التي وصلت إلى حد إتلاف المعدات وغيرها
تلقى مساندة غير مشروطة من المجتمع المدني، وخصوصًا الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. ((3(غادر بعضهم الجمعيات والمنظمات التي تشكلت حولها صورة سلبية: اجتماعات باذخة في النزل، وسياحة جمعياتية، وسفرات والكثير من الزبونية.
(35) Hatem Kahloun, "La société civile tunisienne à l’épreuve de la participation: Mobilisation, pression et compromis autour des projets de développement urbain," Insaniyat, no. 90 (2020), pp. 99–120.
فقد ذهب محمد عبد الباقي الهرماسي، في فصل خصصه للدولة الجديدة وظهور المجتمع المدني، إلى اعتبار سبعينيات القرن الماضي ميلادًا رسميًا للمجتمع المدني في تونس؛ أي بعد عقدين من دولنة
متعسفة للمجتمع، حيث كان إخفاقها عن حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية الحادّة قد شكّل بيئة مناسبة لميلاد مجتمع مدني يطمح إلى وضع حد لهيمنة الدولة، مستفيدًا بلا شك من خيبات تطلعات ما بعد الاستقلال؛ وهو ما يؤكد لديه رسوخ تراث المجتمع المدني وصلابته، بل إن بعض الدارسين يعودون إلى ما هو أبعد من هذا التاريخ، حين ينتبهون إلى أن تجربة التحديث التي عرفتها البلاد حتى ما قبل الدولة الوطنية تضمنت، في بدايات القرن العشرين، تشكل جمعيات وأحزاب ونقابات دافعت عن فئات المهمشين من عمال ونساء ومحتاجين. ولدعم هذه الأطروحة، جرى الاستشهاد بأن تونس شهدت ميلاد أول نقابة عمالية خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم أول رابطة للدفاع عن حقوق الإنسان في العالمين العربي والأفريقي خلال سبعينيات القرن نفسه... إلخ. ساهم هذا المجتمع المدني، من دون شك، في تجنيب البلاد مزيدًا من التوتر والاحتقان على أثر الاغتيالات التي عاشتها البلاد سنة 2013، حين جمع الفرقاء إلى حوار وطني استحق عليه جائزة نوبل السلام. ولا شك في أن هذه المكاسب التي تمّت أسطرتها حجبت عيوبًا قاتلة في الوقت
ذاته، كالخلافات الحادّة التي شقته والتوظيفات التي خضع لها. وليس من المبالغة في شيء القول إن المجتمع المدني قد شكّل أذرعًا للأحزاب، وخصوصًا في حالة الاستقطابات الحادّة المتكررة
والعديدة، بل إنه أعاد إنتاجها وغذّاها باستمرار، وكال بمكيالين في العديد من القضايا متنكرًا، في
حالات عديدة، لأهم مبادئه المساواة بين المواطنين الموضوعية، والحياد الحزبي... إلخ. ومع أننا لا ننكر أن المجتمع المدني، على علاته هذه، قد ساهم خلال عشرية 2021–2011 في إنجاز مهمات عديدة وسعت فضاءات الحريات الفردية والجماعية، فإن العديد من الممارسات التي استشرت فيه قد أدت في النهاية إلى إفشال التجربة وتعثرها. فلقد انقسم المجتمع المدني مبكرًا وتحديدًا منذ
الأسابيع الأولى لسقوط النظام إلى مجتمعين مدنيين معيدًا، على نحوٍ بارز للعيان ومؤثر في المشهد السياسي، إنتاج الانفصام الحاد الذي شجّ المجتمع التونسي، منذ سبعينيات القرن الماضي: مجتمع
مدني يساري يقدم نفسه ناطقًا باسم الحداثة والتنوير والديمقراطية، ومجتمع مدني آخر يقدّم نفسه أيضًا
(((3 محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص.133 ((3(لمزيد من التفاصيل، ينظر: كراي القسنطيني، الجمعيات بين التأطير والتوظيف (تونس: كلية الآداب والفنون
والإنسانيات – منوبة،.)2009 (((3 يسود اعتقاد واسع أن الرباعي (الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعمادة المحامين
التونسيين، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة) هو الراعي للحوار الوطني سنة 2013، وأنه جنّب البلاد السقوط في حرب أهلية. وقد
انتشرت هذه الفرضية في خطابات إعلامية وسياسية تونسية وغير تونسية كثيرة تضمنت ما يشبه المحاجّة لتعظيم ما كان من أدوار للمنظمات،
بل جرت أسطرتها أيضًا، وخصوصًا عندما تكون مقرونة بتأكيد أنها كانت الدافع لمنح المنظمات الأربع جائزة نوبل للسلام.)2015((((3 تعود بعض التحليلات في بيان هذا الانفصام الحادّ الذي قسم المجتمع المدني إلى بداية الاستقلال، حين تم إلغاء كل
المنظمات والجمعيات التي لها علاقة بالنظام القديم (بالمعنى الثقافي والاجتماعي)، وذلك تحت سطوة التحديث وأيديولوجية
السلطة، وقد تجسدت كذلك في إجراءات إلغاء نظام الأحباس (الأوقاف)، وإيقاف نشاط كل الجمعيات والمنظمات التي حملت في أسمائها كلمة "إسلامي" أو "مسلم" على غرار الجمعيات النسائية، فضل عن حلّ جل الجمعيات الخيرية... إلخ.
حارسًا لهوية البلاد وقيمها الأصيلة... إلخ، لم ينجُ من ملاحقات قضائية بتهمة تمويل الإرهاب
حينما اندلعت الأعمال الإرهابية مما أدى إلى إغلاق العديد من الجمعيات بالموازاة مع تفكيك الجماعات الإرهابية. ولا شك في أن المجتمع "المدني اليساري" قد استفاد جيدًا من هذه الوضعية وتمدد حتى بدا كأنه الأوحد والوحيد في العديد من القضايا، وعدنا إلى أحادية المجتمع المدني أو كدنا، وغابت التعددية في مناشط النساء والشباب والإعلام... إلخ. لقد كان الانتقال الديمقراطي التونسي بمجتمع مدني برأسين متخاصمين ويعانيان صداعًا مزمنًا حاًّدًا وانتهى بمجتمع مدني واحد
انكمش بعد الانقلاب. أدى المجتمع المدني العديد من أدواره تحت تحالفات علنية بين الجمعيات والمنظمات من جهة والأحزاب التي استبعدتها الانتخابات وتحديدًا اليسارية منها من جهة أخرى، حتى فقدنا أحيانًا القدرة على التمييز بين الجمعيات والمنظمات (المجتمع المدني) والمجتمع السياسي (أحزاب وتنظيمات). وابتكر المنتمون إليه، والمنتسبون إلى جمعياتهم وأنصارهم ومساندوهم في مرحلة الانتقال الديمقراطي، ممارسات سياسية جديدة لمواجهة قوة خصمهم أي حركة النهضة. وتكفلت بذلك تنسيقيات جمعت أحزابًا وجمعيات ومنظمات و"شخصيات وطنية". وقد أطلقت عليها أسماء
عديدة على غرار "مبادرات". ولم يقتصر تشكيلها على مواجهة قرارات سياسية للحكومات المتعاقبة أو التصدي لمشاريع وبرامج قدمتها، بل شمل أيضًا منافسات انتخابية، فضلعن مواقف من الحوار ا الوطني والدستور والانتخابات، وحتى في مجال العلاقات الخارجية ضد مواقف صدرت عن دول أجنبية. لقد تمترس طيف واسع من اليسار التونسي وراء هذه الجمعيات والمنظمات، وتمكن من فتح جبهات للصراع السياسي لتلافي الخسائر التي تكبدها على جبهات الصراع الديمقراطي السياسي كما تجلت واضحة، سواء إبان انتخابات المجلس الوطني التأسيسي أو انتخابات 2011 وما بعدها، حيث لم عًا سوى على نسب لمّيحصل مجّم تبلغ نسبة الواحد في المئة من عدد مقاعد
مجلس النواب.
ثالثًا: دور المجتمع المدني في إجهاض مسار الانتقال الديمقراطي
في بداية تسعينيات القرن العشرين، وأثناء الحرب التي شهدتها بعض الدول ساند عدد من المثقفين الصرب، فضل عن جمعيات واسعة ومنظمات غير حكومية، الرئيس سلوبودان ميلوشيفيتش Slobodan Milošević (1997–1991)، وبرروا أبشع الانتهاكات التي ارتكبها وقدموه على اعتباره بطل وطنيًا
يدافع عن قيم جديرة بأن تجعلهم يصطفون وراءه، بل لم يتورعوا عن الانخراط في بعض الانتهاكات التي اقترفها في مقابل آخرين وأقسام أخرى من المجتمع استماتت في الدفاع عن القيم الديمقراطية والحقوق والحريات. ودفع المجتمع المدني في بعض التجارب الأخرى حالات الاستقطاب
(40) Hatem Kahloun, "La société civile tunisienne à l’épreuve de la participation: Mobilisation pression et compromis autour des projets de développement urbain," Insaniyat , no. 90 (2020), pp. 99–120. (41) Roberto Bellonl, "Civil society in war–to–democratic Transitions," in: Anna K. Jarstad & Timothy D. Sisk (eds.), From War to Democracy: Dilemmas of Peacebuilding (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), pp. 182–210.
المجتمعي إلى حٍّدٍ أنذر باندلاع عنف معمم على أسس طائفية أو إثنية أو مذهبية أو حتى سياسية. وفي سياقات عديدة، كان المجتمع المدني مناهضًا للديمقراطية ولتحولاتها عمومًا. وقد كان مايكل إدواردز
في معرض تقييمه للمجتمع المدني في أفريقيا عمومًا، أكد هذه الحقيقة المحيرة قائل: "من الواضح أن
المجتمع المدني لا يكون دائمًا مصدرًا لدعم الديمقراطية والسلام". وقد ظلت الصورة المثالية التي رسمها روبرت بوتنام حول المجتمع المدني السليم Healthy Civil Society باعتباره مفتاح صنع الديمقراطية، ومشكّل المناخ الأنسب لتطور معاييرها وممارساتها، ومعزز الثقة المتبادلة وذهنية التكاتف والتعاضد وقيم التسامح والتعددية، تلهم التحليلات العلمية لأدوار النخب والمجتمع المدني مخفية إلى حدّ ما تحت جبل الجليد. وفي المقابل، يقول جون كين John Keane بعد دراساته للعديد من التجارب من خطر تورط المجتمع المدني في جرائم التطهير العرقي والعنف ومناهضة الأجانب: "إن كل الأشكال المعروفة من المجتمع المدني تخترقها من حين إلى آخر مشاعر غير مدنية". أما في بلدان أوروبا الشرقية خلال الفترة التي تلت تفكك الاتحاد السوفياتي فقد انثنى جزء كبير من المجتمع المدني داخل "معازل دينية وطائفية". هذه الحالة ليست غريبة عما وقع في تونس، حين برز لنا مجتمع مدني "ديني" تختص جمعياته ومنظماته في العمل الخيري والدعوة "الدينية"... إلخ. لسنا بعيدين، في تونس، عن هذه المحاذير المحتملة، فقد عزز المجتمع المدني بالممارسات التي ترسخت أثناء مرحلة الانتقال الشرخ المجتمعي، حتى بدت الهوة غائرة مخيفة تهدد بحرب أهلية، ولم تكن البلاد بعيدة عما حدث في العديد من البلدان العربية الأخرى بعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورات فيها. يواجهنا في التجربة التونسية للانتقال الديمقراطي مجتمعمدني شديد الانقسام، ثقافته الديمقراطية هشة ومهتزة، متحزب ودوغمائي، وقد تمكن في سياق الانتقال الديمقراطي من التوسع على حساب دولة ضعيفة تخلت عن بعض وظائفها وعجزت عن أداء بعضها الآخر. فإذا كانت البلاد قد عانت سابقًا هيمنة الدولة على المجتمع عامة، فإنها بعد الثورة قد عانت منافسة المجتمع المدني لها حتى إنه ضايقها وضيّق عليها. كانت هناك خشية حقيقية على الدولة ذاتها في سياقات نمو نزعات ما فوق الدولة الوطنية
وما تحتها فضل عن شراسة الجماعات الإرهابية التي أنهكت أجهزة الدولة وأدمتها. تمنح الانتخابات المجتمع السياسي، من خلال نتائجها وأرقامها في تجارب الانتقال الديمقراطية أو حتى في التجارب الديمقراطية العريقة، قدرةً على بناء تراتب سياسي فيه أحزاب رابحة وأخرى خاسرة
((4(مايكل إدواردز، المجتمع المدني النظرية والممارسة، ترجمة عبد الرحمان عبد القادر شاهين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.66
(43) Putnam R. D. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton: Princeton University Press, 1993), p. 43. (44) Bellonl, p. 187. (45) Gediminas Lankauskas, "Société civile religieuse et 'effondrement moral' de la nation lituanienne," Anthropologie et Sociétés , vol. 32, no. 1–2 (2008), pp. 173–191.
(((4 الهرماسي، ص.133
أو بين أحزاب كبيرة وأخرى صغيرة، أو أحزاب ذات شعبية أو أخرى محدودة الشعبية، وتترجم ذلك إلى قواعد فعل سياسي يتم الالتزام بها. ولكن ما جرى في التجربة التونسية هو التنكر لقواعد هذه المعادلة السياسية المألوفة في الديمقراطيات، حين جرى استقدام فاعلين من خارج الحقل السياسي ومن أبرزهم العديد من منظمات المجتمع المدني ومجموعاته وفاعليه، الذين كانت لهم قدرة فائقة على تعطيل تدبير الحياة السياسية؛ وهو ما جعل اللعبة السياسية "مغشوشة" تجري تحت قواعد مغايرة لقواعد الاشتغال السياسي الديمقراطي المستند إلى نتائج الانتخابات واستحقاقاتها وما تمنحه من أحجام وأوزان ومكانات. ولئن توقع الفائزون انتخابيًا ردّات أفعال المعارضة السياسية، فإنهم أغفلوا معارضة المجتمع المدني
التي اندلعت في كثير من الأحيان أشد شراسة من معارضة الأحزاب ذاتها. لقد كانت هناك مناولة سياسية بين مجتمع سياسي خاسر انتخابيًا، ومجتمع مدني رابح سياسيًا، حيث مارس المجتمع
المدني المعارضة بالوكالة نيابة عن حلفائه السياسيين. لقد تم تبادل الأدوار والمواقع في الحقل السياسي مما حال، كما أشرنا من قبل، دون بناء القواعد السياسة التي كان من المفروض تنشئة الناخبين وبقية الفاعلين السياسيين عليها، حتى يتم الالتزام بها واعتبارها محل إجماع. تشهد العديد من التنسيقيات والائتلافات على هذا النزوع المتنامي. لقد خاضت العديد من الأحزاب السياسية معاركها السياسية والأيديولوجية من وراء ستار المجتمع المدني، واستطاعت الأحزاب اليسارية أن تحوله إلى قلاع حصينة يُمنع من التسلل إليها ذوو القناعات الأيديولوجية والسياسية المخالفة. لقد كان الإقصاء على الهوية ممارسة مستفحلة داخل أوساط المجتمع المدني، ولم يكن سلوكًا سياسيًا
محصورًا في حركة النهضة أو غيرها. وتعبّر حرب البيانات والصراعات الحادّة في هياكل العديد من
الجمعيات العليا والمنظمات الكبرى عن هذه الثقافة "السكتارية" كما يسميها اليسار التونسي في أدبياته. ثقافة الجمعيات والمنظمات ما لقد ظلت قبل الثورة تتحرج من العمل المشترك مع الأحزاب تمسكًا باستقلاليتها. ولكن، مع الانتقال الديمقراطي واشتداد حالة الاستقطاب السياسي بين مخيمين كبيرين، فشلت العديد من محاولات تلطيف استفحال العداء بين العديد من الأحزاب السياسية غير الحكومية والجمعيات، للتصدي لمن حكم خلال تلك الفترة. إن ما جرى هو تجويف المجتمع المدني على
(((4 تقدّم رابطة حقوق الإنسان حالة دالة على الجمعيات التي تتنافس الأحزاب على الظفر بها وتوظيفها، وفق رؤيتها وأولوياتها
الحزبية. فقد عرفت الرابطة بعد مؤتمرها في تشرين الأول/ أكتوبر 2016 حالة من الانسحابات وصلت إلى حدّ الشلل أحيانًا بعد أن
اتهم حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين بالهيمنة عليها، مما اضطر بعضهم إلى الانسحاب المبكر منها، على غرار نائب رئيسها مسعود الرمضاني الذي استقال في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2016. ينظر: "نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق
الإنسان مسعود الرمضاني يعلن استقالته"، جمهورية، 2016/12/9، شوهد في 2024/6/12، في: 3RXMvl:h / bit.ly:// https ويمكن أيضًا استحضار حالة الاتحاد العام لطلبة تونس وصراعاته الداخلية الدائمة مما جعله خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة أكثر
من أمينين يتنازعان الشرعية ما أفقده تأثيره وقدرته على تعبئة الطلاب للدفاع عن قضاياهم. والسكتارية المقصودة هنا هي سلوك سياسي يبجل المصالح الخاصة للمجموعات السياسية المنضوية، سّرًا أو علانية، في المنظمات المدنية أو الجماهيرية، على
المصلحة الجماعية التي يفترض أن تسود فيها.
رأي حاتم الفطناسي؛ أي إفراغه من فكرة النضال المدني من أجل الديمقراطية، وهو ما تمّ بصيغة
استنزاف مطول. لقد تم إلهاؤه بمعارك أيديولوجية لفائدة الأحزاب السياسية. يُعنى المجتمع المدني بالتحوّل إلى ديمقراطية يتعلم فيها يرى لاري دايمون أنّه من المفترض أن
الجميع من بعضهم، ولا يشكل الخطأ سوى فرصة نادرة للمزيد من ترسيخ الديمقراطية. غير أنّ ذلك لا ينطبق على حالة المجتمع المدني التونسي خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، كما أن الأدلة التاريخية تشير إلى أن تلك الحالة لم تكن حالة عرضية طارئة؛ ففي بواكيره الأولى في آخر مرحلة بورقيبة، وخلال كامل فترة حكم بن علي، أي على امتداد أكثر من خمسة عقود، كان المجتمع المدني
ملجأ للتيارات السياسية اليسارية تحديدًا، وهي أول من بكّر للعمل المكثف حينئذٍ في ظل هذا الفضاء العمومي الناشئ، في ظل الأحادية الحزبية والملاحقات الأمنية والقضائية على المعارضة السياسية ذات النزعة اليسارية خصوصًا. كانت الجمعيات والمنظمات المدنية، حتى تلك التي أنشأتها شخصيات ليبرالية علمانية، فضاءً
انتعشت فيه التيارات السياسية اليسارية وتحصنت وراءه، من أجل خوض معارك سياسية وحقوقية عجزت عن أن تخوضها أو تفرضها تحت لافتاتها الحزبية. لقد تشكّل "المجتمع المدني يساري النزعة" في تونس خلال سبعينيات القرن العشرين في مناخات الخوف والملاحقة التي شملت السياسيين المنتمين آنذاك إلى أحزاب وتنظيمات سرية وظل "التسلل" جزءًا من ثقافته وممارسته السياسية. وكانت
الجمعيات والمنظمات المدنية محدودة العدد خلال تلك الحقبة ملاذًا للتنظيمات السرية آنذاك وأحد خياراتها الاستراتيجية. واستطاعت هذه التنظيمات أن تعمل في العلنية بفضل تموقعها وتسللها إليها.
ع م وكان مفهوم الاستقلالية لدى كادرها ومنخرطيها يعني حصريًا استقلالها عن الحزب الحاكم الذينِ
منتسبوه من الانخراط فيها عبر أساليب مختلفة لم تخلُ من العنف أحيانًا. ونتيجةً لذلك، خلَت الهيئات التسييرية العليا للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والاتحاد العام التونسي للشغل مثل من أعضاء ينتمون إلى الحزب الحاكم، باستثناء حالات نادرة تمّت
عند التأسيس أو انضمّت، كحلّ لبعض الأزمات الحادّة مع النظام السياسي القائم آنذاك. وأما بعد
الثورة، فلم يعد إعلان بعض قيادات هذه الجمعيات والمنظمات عن انتماءاتها الحزبية نشازًا، بل إنها تتقدم إلى الانتخابات وفق قائمات تعبّر ضمنيًا عن مواقف أحزابها. تحاشى طيف واسع من المجتمع المدني خوض المعارك الديمقراطية قبل الثورة، لتكلفتها السياسية العالية في ظل السلطوية الأمنية؛ فقد لازم الاتحاد العام التونسي للشغل مثل، على امتداد ثلاثة عقود
(((4 ينظر:
Hatem Nafti, Tunisie: Vers un populisme autoritaire (Paris: Riveneuve, 2022). (49) Larry Jay Diamond, "Rethinking Civil Society: Toward Democratic Consolidation," Journal of Democracy , vol. 5, no. 3 (2008), pp. 4–17.
(((5 في أثناء المؤتمرات الانتخابية للرابطة التونسية لحقوق الإنسان أو الهيئة الوطنية للمحامين أو الاتحاد العام التونسي للشغل، خصوصًا في النقابات القطاعية الكبرى على غرار نقابات التعليم والنقل والصحة أو غيرها، يتم التعرف إلى نفوذ الأحزاب من خلال
"محرار" متمثّل في عدد المقاعد التي فازت بها في تلك الهيئات القيادية.
من حكم بن علي، الصمت تقريبًا عن جلّ الانتهاكات الحقوقية والقانونية والدستورية التي لحقت
طيفًا واسعًا من النخب السياسية، مكتفيًا بالعمل على تحقيق مطالبه الاجتماعية لفائدة منظوريه
من الطبقة الشغيلة والفئات والشرائح الوسطى. لقد انخرط في سلم اجتماعي "مفروض" ضمن عقد اجتماعي سياسي، تتجدّد بمقتضاه مفاوضات اجتماعية بصفة دورية، لتتلوها عادة زيادات في الأجور شبه آلية يترك للخبراء من الجهتين (الاتحاد والحكومة) تحديد مقاديرها ترسيخًا ل "السلم الاجتماعي". ومع ذلك، دفعته قواعد في المنعطف الأخير من الثورة إلى الانخراط فيها ومغادرة مربع الصمت والتغاضي الذي كان يتمترس فيه، بل المساهمة أيضًا في تأجيجيها ونقلها إلى طور حاسم لا رجعة بعده إلى ما كان قبله. أما بعد الثورة، فتحدى الاتحاد حكم الإسلاميين وحلفائهم، وتحت شعار "استعادة دوره الوطني"، خاض ما أطلق عليه "حرب الاستنزاف"، من خلال شن سلسلة غير مسبوقة من الإضرابات التي أنهكت اقتصاد البلاد وقدراته على إدارة الأزمة الاجتماعية الحادّة. وقد عبر عن ذلك حسين العباسي الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل حين قال: "لم نترك النهضة تسترد أنفساها يومًا". ولم تسلم الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أيضًا من
انتقادات تتعلق بازدواجية المعايير في مساندة "الضحايا"؛ إذ تغاضت عما تعرض له الإسلاميون في صراعهم مع نظام بن علي، واستعادت بفضل الثورة نشاطها، غير أنها ظلّت مترددة في إثارة ما تعرض له المعارضون بعد انقلاب 25 تموز/ يوليو وتحديدًا ممن تحملوا مسؤوليات الحكم والمعارضة خلال عقد الانتقال الديمقراطي. وغير بعيد عن هذه المواقف السكتارية، خاضت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات صراعاتها المريرة مع الإسلاميين بعد الثورة، وأغرقت المشهد السياسي والمدني النسوي بمطالب واحتجاجات ضمن نسوية راديكالية لا حد لها، تندرج ضمن استراتيجيات الإجهاد والإنهاك الموجهة ضد السلطة القائمة التي تبناها المجتمع المدني عمومًا خلال عشرية الانتقال. وفي مقابل هذا التجييش الذي قام به
ضد الحكام الجدد اليسار السياسي وتعبئته المنظمات وتوظيفها من أجل فتح جبهات معارضة سياسية (الإسلاميون وحلفاؤهم)، توجه الإسلاميون نحو جمعيات العمل الخيري ببراغماتية قد يكون لها "فيء" انتخابي لاحقًا. غير أنه سرعان ما لاحق هذا العمل الخيري شبهات ما زالت جارية من مستويات ثلاثة: التمويل الأجنبي، والعلاقة بتمويل الإرهاب، وغسل الأموال واستعمالها في العمل السياسي. وبقطع النظر عن دقة هذه الشبهات والقرائن التي تثبتها أو تفندها، فإن قطاعًا واسعًا من الرأي العام، وتحت تأثير الإعلام، صار يعتقد أن ذلك قد حدث فعل وعلى نطاق واسع وبصفة متكررة؛ ذلك أن المدركات قد تشكلت بعد وغدت شبه قناعات راسخة ومع انقلاب 25 تموز/ يوليو خسر الإسلاميون مجتمعهم المدني الضعيف أصل، والفاقد للتجربة والذي كان يثير كثيرًا من التحفظ والريبة، ثم جرى تفكيكه
بسرعة من خلال المحاكمات. وفي المقابل، عاد المجتمع المدني اليساري مستغلًاختفاء خصمه التدريجي، داعمًا الرئيس سعيد عشية الانقلاب. وتتالت البيانات المساندة للإجراءات التي اتخذها
(((5 "أمين عام الاتحاد يعترف: لم نترك الإسلاميين يرتاحون!"، مجلة ميم..مِرآتنا، يوتيوب، 2023/5/2، شوهد في 2024/8/11،
في: 3xPlfyt / bit.ly:// https
سعيد مع التلميح بين الحين والآخر إلى ضرورة تقييد سلطة الرئيس، والعودة إلى المسار الدستوري والتسقيف الزمني للإجراءات الاستثنائية المتخذة. شكّل مناخ الإحباط والخيبة حاضنة موضوعية لهذه الحراكات التي شهدها المجتمع المدني، فقد انضمّ الشباب المحبطون من المردودية الاقتصادية والاجتماعية الهزيلة لتجربة الانتقال الديمقراطي
إلى الحركات الاحتجاجية والمطلبية والاجتماعية، التي خلّصتهم من الانتظام الهرمي داخل الأحزاب، ومنالانضباط وواجب التحفظ وكل الطقوس والشعائر التنظيمية والعمل الروتيني فيها. وعلى الرغم من أن الشباب وجدوا في هذه الحراكات فضاءً للتعبير عن خيباتهم والضغط والاحتجاج، فإن ذلك الفضاء
لم ينجُ من التوظيف، خصوصًا مع تحالف "المجتمع المدني اليساري" مع هذه الحركات. وقد أدّى
تحوّل العديد من مناضلي المجتمع المدني إلى قيادات لتلك الحركات إلى نشوء تحالف عضوي بين
المعارضة والحركات الاحتجاجية والمجتمع المدني. وتجسد ذلك التحالف تنظيميًا في صيغ مختلفة
من المبادرات والائتلافات اتخذت على الأغلب صيغة "تنسيقيات" ذات أبواب تفتح بعضها على بعض من أجل إنهاك من حكموا. إن اختفاء الحركات الاحتجاجية بعد انقلاب 25 تمّوز/ يوليو يبرهن على
أن المطالب المرفوعة و"القضايا النبيلة" التي خاضت من أجلها تلك الحركات صراعاتها مع حكام العشرية الماضية لم تكن السبب الموضوعي الوحيد في كل تلك النضالات الشرسة التي خاضتها، خاصة أن مسبباتها ظلت تتفاقم، بل ارتفعت حدتها بعد الانقلاب؛ كالبطالة، والتفاوت الجهوي، والعنف المسلط على النساء، والانتهاكات الأمنية... إلخ، ومع ذلك اختفت كل تلك الحركات على غرار "مانيش مسامح" (لن أسامح)، و"ينو البترول؟" (أين البترول؟)، والكامور... إلخ. يشير حاتم النفطي إلى الإنهاك الذي أصاب المجتمع المدني بعد 25 تموز/ يوليوا قائل عنه إنه: "فاعل لا غنى عنه خلال عشرية 2021–2011 غير أنه شهد انقسامًا حاًّدًا بعد التمشي الذي عمد،
إليه قيس سعيد. يكفي أن نشير إلى ثلاث حالات شاهدة على ذلك: الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والحركات الاجتماعية". وللأسباب نفسها، لم تكن ردة فعل المجتمع المدني مناهضة لما أقدم عليه سعيد حين أعلن انقلابه، بل كانت في جلها "باهتة"، لقد
ل مًاّأبدت العديد من الجمعيات والمنظمات تلك تفّهمَا تم اتخاذه من إجراءات خصوصًا مع الارتباك
الحاصل في مواقف الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعمادة المحامين التي أملت إشراكها في إدارة مرحلة "التصحيح". ويشكل إخفاق المجتمع المدني في الحفاظ على تجربة الانتقال وحمايتها دحضًا لتك الصورة التي رسمت له على اعتبارها الحصن الحصين القادر على أن يقي تجربة الانتقال من أي انحراف أو نكوص.
(((5 حركة احتجاجية ظهرت سنة 2017 في أقصى الجنوب التونسي (منطقة الكامور، تطاوين) للدفاع عن حق هذه الجهة في الثروات البترولية، وقد أغلقت حقل الإنتاج مدةً طويلة. ثم تلاشت تقريبًا مع صعود الرئيس قيس سعيد إلى الحكم سنة 2019،
وتحوّل العديد من قياداتها إلى مناصرين له. (((5 تحوّل العديد من قادة الحركات الاجتماعية إلى مساندين للرئيس سعيد، إما بعد انتخابه سنة 2019، وإما بعد إعلان انقلابه في
25 تموز/ يوليو.2021
(54) Nafti, p. 279.
فعلى إثر انقلاب 25 تموز/ يوليو، سارعت عدة منظمات كانت تنشط تحت عنوان المجتمع المدني إلى مساندته ودعته إلى المضي قدمًا في تجسيد "مشروعه السياسي"، مبدية له، بين الحين والآخر،
مساندة نقدية، مع الإلحاح على نقد لاذع لما تسميه "العشرية السوداء". فقد عمد نحو خمسين من الجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية التي كانت ناشطةً خلال عشرية الانتقال من دون أدنى تضييق، بل شكلت قوة اقتراح استمعت إليها جل الحكومات، سواء عند صياغة مشاريع القوانين أو وضع التصورات والخطط والمشاريع، إلى تأييد الانقلاب والاصطفاف إلى جانبه؛ وذلك على الرغم من أن منظمات المجتمع المدني وجمعياته تمكنت من احتكار العمل تحت شعارات "الحداثة والمدنية" والتعبير عن "تطلعات المجتمع التونسي"، واستطاعت أن تنعم بمآثر الانتقال الديمقراطي الذي عاشته البلاد: سماء واسعة من الحرية بلا قيد أو شرط، وإمكانات مالية ولوجستية ضخمة، وحضور إعلامي غير مسبوق، حتى بوّأها ذلك المساهمة في صنع القرار، وتشكيل جماعات ضغط
وشبكات نفوذ.
خاتمة
لم يخلُ التدرب على درس الديمقراطية في تونس من مشاغبة وعبث المتعلمين والمعلمين معًا، غير أن غلق الفصل وطرد الجميع كان أمرًا مخيبًا للتجربة وللآمال المعلقة عليها، ومحزنًا، لم يحسن الفاعلون
السياسيون المتدربون وأولهم من حكموا تقدير الفرصة وضيعوها. ولكن أداء الفاعلين السياسيين ممن عارضوهم كان منخرطًا في استراتيجيات الإنهاك والإجهاد؛ إذ لم يغير المجتمع المدني من نمط اشتغاله القديم المتمثل في التسلل إلى المجتمع المدني وردفه فيلقًا في حرب الاستنزاف الطويلة للنظام. وظلت المفردات ثابتة في معجمه، ولم تتغير كثيرًا تصوراته ورؤاه، ولم يدرك زمن الانتقال
الديمقراطي ومقتضيات البناء للمشترك وترسيخ القناعات، وظل ينظر إلى من حكموا على أنهم غزاة استولوا على السلطة. على هذا النحو، لم يجسر المجتمع المدني بين الفرقاء ولم ينشّئ منخرطيه وعموم المواطنين على قيم الديمقراطية والتعددية والعيش المشترك، بل ساهم في تعميق الشرخ المجتمعي الذي لَشاجّ المجتمع التونسي إلى مجتمعين متقابلين، سيعسر مستقبرتق ما تمزق من
نسيجه الاجتماعي تحت سطوة مشاعر الكراهية والحقد، وهي التربة الخصبة التي احتضنت الشعبوية. يبرهن الإخفاق الديمقراطي، الذي آلت إليه التجربة التونسية، على ضعف الأسس النظرية والإجرائية لأطروحة الاستثناء التونسي. لقد برهن المجتمع المدني خلال هذه العشرية على أنه لم يكن ركنًا حصينًا في الإقناع بصواب مقولة الاستثناء وفعاليتها التفسيرية، مقارنةً بالصورة الوهمية التي تم ترويجها عنه. ولقد أبان تفكيكنا لمقولة المجتمع المدني، والتخلص من أسطرته أن التصورات الجوهرانية التي ظلت تؤكد الاستثناء التونسي لفهم الانتقال الديمقراطي تظل قاصرة عن فهم سرعة الانقضاض على التجربة وانهيار ما تم تشييده: مؤسسات، وقيمًا، وتشريعات... إلخ. لقد استندنا إلى جملة من الفرضيات التي
بها اختبرنا مدى انخراط فاعلي المجتمع المدني في تغذية الصراعات والنزاعات، وتوسيع ساحات الإقصاء التي تنسف المشترك الممكن بين التونسيين في سياق كانت تجربة الانتقال تبحث عن قبول
المراجع
العربية
الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
العربي،.2023
السياسات،.2018
للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 بن عاشور، عياض. تونس: ثورة في بلاد الإسلام. تونس: دار سراس للنشر،.2017
مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المختص،.2019
العربية،.1987
للنشر،.2010
الأجنبية
واسع بالمختلف والعيش معًا. لا شك في أن المجتمع السياسي أيضًا، وإن توفق إلى بناء تحالفات سياسية بين الفرقاء على الرغم من هشاشتها، فإنه قد أغفل ضرورة التجسير مع هذا المجتمع المدني؛ فكانت قد زرعت بذور تلاشي التجربة الانتقالية برمتها. لم يكن الانتقال الديمقراطي استثناء تونسيًا،
ما دامت المآلات قد انتهت إلى شعبوية تسلطية، فككت التجربة وأعادت البلاد إلى مربعات البدايات.
References
إدواردز، مايكل. المجتمع المدني النظرية والممارسة، ترجمة عبد الرحمان عبد القادر شاهين.
أزمة الأجسام الوسيطة: دراسات في الحالة التونسية. تونس: مركز الدراسات الإستراتيجية حول المغرب
بشارة، عزمي. المجتمع المدني: دراسة نقدية. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
_______. الانتقال الديمقراطي: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة / بيروت: المركز العربي
الذوادي، محمود. المجتمع التونسي واحتضانه لمأزق الاستلاب: إعاقة اللغة وارتباك الهوية. تونس:
القسنطيني، كراي. الجمعيات بين التأطير والتوظيف. تونس: كلية الآداب والفنون والإنسانيات – منوبة،
الهرماسي، محمد عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة
وناس، المنصف. الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية. تونس: الدار المتوسطية
Beau, Nicolas & Dominique Lagarde, L’exception tunisienne. Chronique d’une transition démocratique mouvementée. Paris: Seuil, 2014. Jarstad, Anna K. & Timothy D. Sisk (eds.). From War to Democracy. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.
Ben Achour, Rafaâ & Sana Ben Achour. "La transition démocratique en Tunisie: Entre légalité constitutionnelle et légitimité révolutionnaire." Revue française de droit constitutionnel. vol. 4, no. 92 (2012). Ben Romdhane, Mahmoud. "Développement et démocratie: L’exception tunisienne." l’année du Maghreb. no. 3 (2007). Bernhard, Michael. "Civil Society and Democratic Transition." East Central Europe: Political Science Quarterly. vol. 108, no. 2 (Summer 1993). Brik Mokni, Hédia. "L’exercice des libertés politiques en période de transition démocratique. Cas de la Tunisie." PhD. Dissertation. École doctorale DESPEG, Unité de recherche: CERDACFF, Université Cote D’Azur. 7/9/2016. Camau, Michel. "Globalisation démocratique et exception autoritaire arabe." Critique internationale. vol. 1, no 30 (2006). _____. L’exception tunisienne, Variations sur un mythe. Paris: IRMC Karthala, 2018. Camau, Michel & Vincent Geisser. Le syndrome autoritaire: Politique en Tunisie de Bourguiba à Ben Ali. Paris: Presses de Sciences Po, 2003. Chamsi, Mohamed Zied. "Consensus et démocratie en Tunisie." Thèse de doctorat en Droit, Université Côte d’Azur en cotutelle avec Université de Sousse (Tunisie), Centre d’études et de recherche en droit administratif, constitutionnel, financier et fiscal (Nice) – Centre d’Etudes et de Recherche en Droit Administratif–Constitutionnel– Financier et Fiscal, 22/12/2023 Chevallier, Jacques, François Rangeon & Philippe Dupire (dir.). La société civile, [Texte imprimé]: [Rapports du colloque]/ [Organisé par le] Centre universitaire de recherches administratives et politiques de Picardie, [Amiens, 25 octobre 1985] (Paris: P.U.F., 1986), p. 9. De Tocqueville, Alexis. De la démocratie en Amérique, Souvenirs: L’ancien Régime et la Révolution. Paris: éd. Robert Laffont/Bouquins, 1986. Diamond, Larry Jay. "Rethinking Civil Society: Toward Democratic Consolidation." Journal of Democracy. vol. 5, no. 3 (2008). _____. "Toward Democratic Consolidation." Journal of Democracy. vol. 5, no. 3
Ermakoff, Ivan. "Epistemologie de l’exception." Sociétés plurielles. no. 1 (2017). Ethier, Diane. "L’imposition de la démocratie a–t–elle été l’exception ou la règle depuis 1945?" Études internationales. vol. 41, no. 3 (2000). Geisser, Vincent & Amin Allal. Tunisie , Une démocratisation au–dessus de tout soupçon. Paris: CNRS éditions, 2018. Groupe de chercheurs IDES. "Société civile et démocratisation: Une étude comparative au nord et au sud." Revue Tiers Monde. vol. 2, no. 178. Guilhot, Nicolas & Philippe C. Schmitter. "De la transition à la consolidation: Une lecture rétrospective des democratization studies." Revue française de science politique. vol. 50, no. 4–5 (2000).
Hmed, Choukri. "Au–delà de l’exception tunisienne: Les failles et les risques du processus révolutionnaire." Pouvoirs , vol. 156 (2016). Kahloun, Hatem. "La société civile tunisienne à l’épreuve de la participation: Mobilisation, pression et compromis autour des projets de développement urbain." Insaniyat, no. 90 (2020). "La croissance économique au quatrième trimestre 2023." Statisques Tunisie. at: https://tinyurl.com/y457jtyk Lakoff, Sanford. "The Reality of Muslim Exceptionalism." Journal of Democracy. vol. 15, no. 4 (2004). Lankauskas, Gediminas. "Société civile religieuse et 'effondrement moral' de la nation lituanienne." Anthropologie et Sociétés. vol. 32, no. 1–2 (2008). Nachi, Mohamed. Socio–anthropologie des cultures arabo–islamiques, sociologie de la "révolution" tunisienne. L’exception tunisienne: Vers un "compromis historique?" Liège: Presse universitaires de liège, 2015. Nafti, Hatem. Tunisie: Vers un populisme autoritaire. Paris: Riveneuve, 2022. R. D., Putnam. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton: Princeton University Press, 1993. Redessi, Hammadi (dir.). La Transition bloquée. Tunis: Diwen Edition, 2021. Salame, Ghassan (ed.). Democracy without Democrats: The Renewal of Politics in the Muslim World. London: I. B. Tauris, 1994. Salame, Ghassane. Démocraties sans démocrates: Politiques d’ouverture dans le monde arabe et islamique. Paris: Fayard, 1994. Stepan, Alfred & Graeme Robertson. "An Arab more than a Muslim Electoral Gap." Journal of Democracy. vol. 14, no. 3 (2003). Tilly, Charles. The Contentious French. London: Harvard University Press, 1986.