الذاكرة والشهادة في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية (1954-1962) الثورة التحريرية في التاريخ الراهن

المؤلفون

  • المؤلف

  • نورالدين ثنيو

DOI:

https://doi.org/10.12816/0014762

الكلمات المفتاحية:

ذاكرة، الثورة الجزائرية، التاريخ الراهن، المستعمر، التاريخ الشفاهي

الملخص

نعالج موضوع الثورة الجزائرية في شهادة من صنعوها أو عاصروها وذاكرتهم، بالنظر إلى أنّ الثورة حدثٌ تاريخي بدلالتها العظمى. فقد تلازم فعل المستعمِر الفرنسي مع ردّة فعل المستعمَر الجزائري في لحظة زمنية مكثفة بالمعاني السياسية الجديدة في عالم العلاقات الدولية والتاريخ العامّ. وأسفرت الثورة التحريرية عن استمرار التاريخ على الرُّنو إلى مزيد من الحرية والعدالة والمساواة على غرار مواثيق ثورات العالم وبياناتها، وهو ما يترتب عليه وضْع حدّ للاستعمار وبداية منعطف جديد لتاريخ تصفية الاستعمار. إنّ الشهادة مصدرًا للتاريخ الشفاهي تعبّر عن لحظة زمنية تتطابق فيها الواقعة التاريخية مع لحظة البوح بها وفي التَّو. فصِلَة الشهادة التاريخية هي مع التاريخ ذاته ومع الشاهد أيضا، ومن ثمّة تأتي خصوصية التاريخ الراهن الذي صارت تصنعه المعلومة الفورية والحديث التلقائي والاستجواب والخبر الذي تقدمه الوسائط المختلفة والمتنوعة في أوعية وفي طريقة التقديم. تحتاج رواية الحدث إلى قوة إدراك وإلى وعي بالذات وبالموضوع، وما افتقده المناضل الجزائري زمن الاستعمار هو الوعي الثقافي والسياسي الذي يوسع به خياله ومداركه وملكاته ليحتفظ بعد ذلك بالصورة والمشهد، يستطيع أن يسرد شهادته في شكلها الأقرب إلى الصّحة وإلى ما جرى فعلا. فقدان التواصل ومجاورة الآخر حرم المناضل الجزائري أيضا من إمكان سرد مجريات الكفاح المسلح على أساس خلفية الوجود الجزائري الفرنسي ولو ضدًّا للآخر. لكن الضد الذي يؤكد الأنا ذاتًا فاعلةً ويؤكد الآخر طرفًا خصمًا يمكن تحديه وتجاوزه. والذين كانت لهم القدرة على التواصل مع الفرنسيين هم الذين تصدروا المشهد السياسي والدبلوماسي والوجودي العامّ زمن الثورة، وهم أيضًا الذين استطاعوا رواية تاريخ الثورة التحريرية كفصلٍ ثانٍ من صنع الثورة ذاتها.

المراجع

  1. بشأن صلة باريس بتاريخ ميلاد الحركة الوطنية الجزائرية وتطورها، يمكن العودة إلى كل الكتب التي تناولت نشأة النزعة الوطنية الجزائرية حتى فترة الاستقلال عام 1962. ولعلّ أهم مرجع ركّز في بلاد المهجر والنزعة الوطنية، هو: Jacques Simon, l'immigration algérienne en France, des origines à l'indépendance (Paris: Méditerranée, 2000).
  2. انظر، مثلً، الحوار الذي أجراه فيليب كريم فليسي،Felissi Karim Philippe وهو مؤلف ومحامٍ، مع المناضل والمحامي جاك فرجيس Jacques Vergès الذي يروي حياته أثناء حرب التحرير الجزائرية وانخراطه العضوي في قضية الجزائر، بوصفها قضيةً إنسانية مناهضةً للاستعمار: Jacques Vergès, l'anticolonialiste: entretiens avec Philippe Karim Felissi (Algérie: Chihab Editions, 2005).
  3. Benjamin Stora, La guerre des mémoires: la France face à son passé colonial (Paris: l'aube, 2012).
  4. Yves Courrière, la guerre d'Algérie (Paris: Laffont, 1990); Frantz Fanon, l'an V de la révolution algérienne (Paris: Maspero, 1959).
  5. أنظر مثلً: أحمد توفيق المدني، (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع حياة كفاح، 1982.)
  6. سنذكر بعضهم لاحقًا.
  7. أحمد طالب الإبراهيمي، مذكرات جزائري (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006)، ص 7.
  8. ورد ذلك في التقديم الذي مهّد به عبد الحميد مهري كتاب المناضل عيسى كشيدةمهندسو الثورة: شهادة، وهي شهادة من أهلها تضع البنان على الجرح النازف، وتشير إلى أزمة استعصت على الوعي الجزائري في ما يتعلّق بحقيقة الثورة الجزائرية. وفي هذا التقديم يعيد عبد الحميد مهري النظر في الأطروحة التي سادت إلى الوقت الحاضر. فالخلاف الحادُّ والخطِرُ الذي فَتّ في عضد حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأفضى إلى حالة انشقاق بين المصاليين والمركزيين، دفع مجموعةً من الناشطين من الحزب نفسه إلى التمرد وإعلان الثورة طريقًا إلى التحرير والاستقلال. وعلى خلاف ذلك يذهب عبد الحميد مهري إلى أنّ بداية التفكير والإعداد للثورة كان عام 1952، عندما عمد الناشطون السابقون في المنظمة الخاصة إلى إعادة هيكلة الحركة الوطنية وتنظيمها حول فكرة الثورة للتنظيم السابق الذي حلّته الإدارة الاستعمارية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ السعي فعل للبحث عن وسائل الكفاح المسلح والثوري، انظر: عيسى كشيدة، مهندسو الثورة: شهادة، موسى أشرشور وزينب قبي (مترجمان)، (الجزائر: منشورات الشهاب، 2010)، ص 8.
  9. بعد حوادث تشرين الأول/ أكتوبر 1988 التي أفضت إلى انفتاح الوضع العامّ في الجزائر على بداية التعددية، ظهر في هذا السياق أيضاً توجُّه يرمي إلى فصْم عرى السُلطة عن جبهة التحرير الوطني التي صنعت الثورة، وأدّى ذلك فعلً إلى تنامي هذا التوجه إلى حدّ تنظيم أول انتخابات تشريعية تعددية في نهاية عام 1991، وقد شهدت تراجعًا واضحًا لحزب جبهة التحرير الوطني أمام التيار الإسلامي، وهو التيار الجديد على الساحة السياسية. ومنح فوز الإسلاميين الساحق السلطةَ مؤشرًا قويًّا حتى تعيد النظر في مسألة جبهة التحرير الوطني من أجل إبقائها فاعلً وحيدًا في ساحة العمل السياسي والانتخابي وتجنيبها أيّ منافسة حقيقية لها. فهي حزب الدولة أو السُلطة، والسُلطة يجب أن تبقى. فالوضع السياسي العامّ، بمعنى آخر، يُرتَّب ويهيَّأ، ليواصل حزب السُلطة سلطةَ الحزب كأفضل آلية لاستمرار دولة الحزب أو حزب الدولة. وبشأن هذه الأزمة التي ولجت فيها الجزائر بسبب إخفاقها في تجربتها الديمقراطية مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، انظر: Benjamin Stora, l'Algérie en 1995: la guerre, l'histoire la politique (Paris: Michalon, 1995).
  10. Frantz Fanon, Les damnés de la terre (Paris: Gallimard, 1991).
  11. من الكتب المهمة التي تناولت حدث الثورة وجبهة التحرير الوطني كتاب المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي: Aux origines du FLN: le populisme révolutionnaire en Algérie (Paris: Christian Bourgeois, 1975). فلقد كان هذا المؤلِّف من أوائل من تنبهوا لما يمكن أن ترتبط به رواية الثورة وتقديم الشهادات عنها من أساطير وأفكار مسبقة وأوهام. وجاء كتابه الثاني بشأن الثورة التحريرية بعنوان سراب وحقيقة: أصول الاستيلاء على السلطة (1945 - 1962)، لافتًا النظر إلى حقائق لم تُذكر، ولم تكن من معهود الجزائر طوال استقلالها في ظلِّ الحزب الواحد إلى حدِّ التسعينيات. ومحمد حربي مثقف جزائري ومناضل سياسي زمن الثورة ومعارض للحكم زمن الاستقلال، وهو يساري، يكتب في تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية باللغة الفرنسية. ويتموقع من جهة البحث والتفكير في قضايا الجزائر ما بين الضفتين الفرنسية والجزائرية، فهو لا يبتعد كثيرًا عن المجال الفرنسي، ولا يقترب كثيرًا من المجال الذي اختاره حزب جبهة التحرير الوطني للجزائريين: مواصلة الحرب على الاستعمار الفرنسي ولو على سبيل الافتراض والوهم، أنظر: Mohamed Harbi, Le FLN Mirage et Réalité: Des Origines à la Prise du pouvoir (1945 - 1962) , (Paris: Jeune Afrique, 1980).
  12. بالنسبة إلى الطرف الجزائري، ثمّة تصميم حقيقي على خوض ثورة تحريرية بالكفاح المسلح والنضال السياسي حتى تحقيق النصر باستقلال الوطن الجزائري. وعلى خلاف ذلك، كانت السُلطة الاستعمارية ترى أنّ ما يجري في الجزائر لا يعدو أن يكون عمليات إرهابيةً يرتكبها إرهابيون، وحوادث داخليةً تحتاج إلى إخماد بالقضاء على "الإرهابيين" و"الفلاَّقة" و"قطَّاع الطرق"، عبر إجراءات ردعية وقانونية بحوزة السُلطة الفرنسية. فالحكومة الفرنسية لم تكتف بالقوة العسكرية والأمنية والإجراءات التعزيرية في مواجهة الجزائريين، بل سخّرت كلّ ما أمكنها من مبررات حتى يُعدَّ ما يجري في الجزائر مسألةً داخليةً، بخاصة بعد ما صارت الأمم تنظر في القضية الجزائرية بوصفها حالةَ استعمار.
  13. ظلّت الدولة الفرنسية، حتى بعد استقلال الجزائر عام 1962، لا تعترف بأنّ ما جرى في الجزائر خلال حقبة الثورة التحريرية كان حربًا. وليس ذلك لأسباب كانت قائمةً في ذلك الوقت فحسب، بل أيضاً لسبب آخر هو عدم الاعتراف لكل من جنّدهم الفرنسيون في تلك الحرب بصفة محارب لئلَّ تترتب على ذلك مستحقات، علاوة على مستحقات قدماء المحاربين. من أجل ذلك، لم يتم بتّ هذا الأمر وحسْمه إلا بعد تصديق البرلمان الفرنسي ما عُرف ب "قانون حرب الجزائر" عام 1999؛ أي بعد زوال ضغط الذاكرة الجماعية على أجيال من الفرنسيين، وبعد عناد من شاركوا في حرب الجزائر من الفرنسيين في مطالبهم. بل زادوا على ذلك مع من عُرفوا ب "الأقدام السوداء"، وهم الفرنسيون الذين وُلدوا في الجزائر ونزحوا إلى فرنسا في أعقاب استقلال الجزائر عام 1962، عندما قدَّموا مشروع قانون إلى البرلمان الفرنسي يُقرُّ بأنّ ما قام به الاستعمار الفرنسي زمن الإمبراطورية الفرنسية في ما وراء البحار كان من الأعمال الإيجابية والنافعة التي تتطلب التقدير والاعتراف بالجميل (مشروع قانون 25 شباط/ فبراير 2005.)
  14. William Sportisse, Le camp des oliviers, parcours d'un communiste algérien, entretiens avec Pierre-Jean Le Foll-luciani (Algérie: El Ijtihad, 2013). وثمّة بيبليوغرافيا كاملة لمؤلفات يهود الجزائر، ترسم لهم أيضاً صورةً أخرى غير التي استقر عليه وعي الجزائريين بعد الاستقلال، انظر على وجه الخصوص أعمال الباحث والمؤرخ الفرنسي اليهودي بنيامين سطورا Benjamin Stora الذي وُلد في الجزائر، وهو أحد المراجع المعتمدة في دراسة تاريخ الجزائر المستعمرة. ومن بين تلك الأعمال كتابه: Les trois exils: juifs d'Algérie (Paris: Pluriel, 2006).
  15. انظر مقالة المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله "الخوف من تدوين التاريخ عند الجزائريين" في: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج 1 (الجزائر: دار البصائر، 2007)، ص 43 - 50.
  16. عمر شيدخ العيدوني، مملكة الفلاقة (عين مليلة: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2011)، ص 30.
  17. في تقديمه لكتابمملكة الفلاقة، يقول الإعلامي بلال بوجعدار: "والظاهر أنه هو الذي صاغ شهادة المجاهد عمر شيدخ: مملكة الفلاقة، رسالة رجل التفجير، إلى جيل البناء والتعمير، ليواصل المعركة بعزم وثبات، فعدوُّ الأمس مازال متربصًا، وإن بدّل جلده وأسلوبه، ولن يغفر أبدًا للأجيال الحاضرة والآتية ما فعل به الأوَّلون، فليأخذوا حذرهم ويحموا مكتسباتهم وليعدُّوا ما استطاعوا من قوة فالحرب سجال وأبدًا لن تنتهي"، ص 8. وإنّ الاعتراف بوجود معركة مع عدو أمس هو ضرب من افتراض الاستعمار، وتعليق لكلِّ الإخفاقات التي مُنيت بها تجربة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية، ومن ثمّة تعليق التخلف والفساد المالي والعمراني والإداري بالاستعمار. فحتى بعد خمسين عامًا من الاستقلال، مازال وهْم الاستعمار يطارد حياة الجزائريين ويجبرهم على التعامل معه بوصفه حالةً واقعةً، وبوصف معركة التنمية الوطنية جزءًا من الحرب على مستعمر الأمس الذي لم ينقضِ بعد.
  18. Mohammed Harbi, Une vie debout: Mémoires politiques 1945 - 1962 , vol. 1 (Algérie: Casbah, 2001).
  19. Ibid., p. 5 , 6.
  20. Yousef Khider Louelh, Un homme du peuple: de la Kabylie à Paris, Moscou et Bakou: parcours d'un militant progressiste (Algérie: El Othmania, 2012).
  21. الوضعية في هذا السياق هي بالمعنى الفلسفي الذي ساد في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. وهي نزعة تربط الإنسان بالوضعية التي يوجد فيها. فهو يتحوّل ويتغير بناءً على وضعية الحياة وسياقها اللذين يوجد فيهما. ولهذه النزعة صلة بالوجودية التي تنزّل الإنسان منزلةً يتحمّل فيها مصيره وعبء حياته بقدر الحالة التي يوجد فيها، ومن ثمّة يحدث التحوّل والتبدّل اللذين يطرآن على الإنسان، ومن أمثلة ذلك مذكرة يوسف خيضر لُولَح ,Mémoires minuscules ici'être d et aussi de là-bas. فطالما غيّ السارد طريقة سرد روايته، بناءً على وضعيته ووجوده.
  22. تعاني الجزائر كلّها دولةً وتاريخًا غياب الشريط الوثائقي لتاريخها، في حين يواكب الجانب الفرنسي دائمًا عبر آلاف من الكتب والأفلام عرضًا متواليًا لا يتوقف للتاريخ الاستعماري وحرب الجزائر. والحقيقة الم رَّة في هذا الأمر أنّ القنوات الفرنسية تُشاهد في الجزائر بوصفها امتدادًا للقنوات الوطنية. ومن ثمّة، تكون هذه المشاهدة أكثر مسايرةً للمعنىُ الفرنسي وتاريخ الاستعمار وحرب الجزائر، ويدرج ذلك كلّه في البيبليوغرافيا والفيلموغرافيا التاريخية لفرنسا، الأمر الذي يزيد علاقة الوعي الجزائري بالتاريخ الحديث والمعاصر تعقيدًا.
  23. نذكر على سبيل المثال الشهيد عبَّان رمضان الذي اغتاله بعض أصدقائه المقربين إليه جدّا. وقد نشرت جريدة المجاهد، لسان حال جبهة التحرير الوطني في ذلك الوقت، صورةً له بعنوان "الشهيد عبَّان رمضان يسقط في ساحة الشرف"، انظر: العدد 24 - 25 أيار/ مايو 1958، ج 2، ص 460 - 462.
  24. في هذا الصدد، نذكر الصراع المسلح بين أنصار مصالي الحاج في تنظيمهم الحزب "الحركة الوطنية الجزائرية" والتنظيم الثوري الجزائري المتأتي من التيار المصالي نفسه في فترة ما قبل الثورة؛ أي جبهة التحرير الوطني.
  25. يُعْزى فضل الكفاح السياسي والدبلوماسي والأيديولوجي، إضافةً إلى الكفاح المسلح الذي أفضى في نهاية المطاف، إلى مجموعة الجزائريين الذين كانت لهم القدرة على التواصل والحديث والحوار، ثمّ التفاوض مع الإدارة الفرنسية باللغة التي تفهمها. فقد كانت مسألة التفاهم والتواصل متوقفةً على قدرة المناضل الجزائري على إبداء الرأي والاقتراح والمطلب، بالقدْر الذي يُقنع الآخر به. ولعلّ المثال الذي يمكن أن يساق في هذا الشأن، أنّ أول رئاسة حكومة موقَّتة للجمهورية الجزائرية، عُهدت إلى فرحات عباس، المناضل السابق في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، بوصفه شخصيةً متمرسةً في التعامل مع الإدارة الاستعمارية، وممتلكًا للُغة فولتير، وبوصفه مناضل سياسيًّا ومثقفًا سبق أن وضع مشروع دستور للجمهورية الجزائرية عام 1948.

التنزيلات

منشور

2015-07-01

إحصاءات الاستخدام

49 مشاهدة 82 تنزيل

إصدار

القسم

دراسات