العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الذاكرة والشهادة في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية (1954-1962) الثورة التحريرية في التاريخ الراهن

الذاكرة والشهادة في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية (1954-1962) الثورة التحريرية في التاريخ الراهن

Memory and Testimony in Writing the History of the Algerian Revolution 1954 - 1962 The Liberation Struggle in‬ ‫History of the Present Moment

نور الدين ثنيو*Noureddine

Teniou

الملخّص

نعالج موضوع الثورة الجزائرية في شهادة من صنعوها أو عاصروها وذاكرتهم، بالنظر إلى أنّ الثورة حدثٌ تاريخي بدلالتها العظمى. فقد تلازم فعل المستعمِر الفرنسي مع ردّة فعل المستعمَر الجزائري في لحظة زمنية مكثفة بالمعاني السياسية الجديدة في عالم العلاقات الدولية والتاريخ العامّ. وأسفرت الثورة التحريرية عن استمرار التاريخ على الرُّنو إلى مزيد من الحرية والعدالة والمساواة على غرار مواثيق ثورات العالم وبياناتها، وهو ما يترتب عليه وضْع حدّ للاستعمار وبداية منعطف جديد لتاريخ تصفية الاستعمار. إنّ الشهادة مصدرًا للتاريخ الشفاهي تعبّر عن لحظة زمنية تتطابق فيها الواقعة التاريخية مع لحظة البوح بها وفي التَّو. فصِلَة الشهادة التاريخية هي مع التاريخ ذاته ومع الشاهد أيضا، ومن ثمّة تأتي خصوصية التاريخ الراهن الذي صارت تصنعه المعلومة الفورية والحديث التلقائي والاستجواب والخبر الذي تقدمه الوسائط المختلفة والمتنوعة في أوعية وفي طريقة التقديم. تحتاج رواية الحدث إلى قوة إدراك وإلى وعي بالذات وبالموضوع، وما افتقده المناضل الجزائري زمن الاستعمار هو الوعي الثقافي والسياسي الذي يوسع به خياله ومداركه وملكاته ليحتفظ بعد ذلك بالصورة والمشهد، يستطيع أن يسرد شهادته في شكلها الأقرب إلى الصّحة وإلى ما جرى فعلا. فقدان التواصل ومجاورة الآخر حرم المناضل الجزائري أيضا من إمكان سرد مجريات الكفاح المسلح على أساس خلفية الوجود الجزائري الفرنسي ولو ضدًّا للآخر. لكن الضد الذي يؤكد الأنا ذاتًا فاعلةً ويؤكد الآخر طرفًا خصمًا يمكن تحديه وتجاوزه. والذين كانت لهم القدرة على التواصل مع الفرنسيين هم الذين تصدروا المشهد السياسي والدبلوماسي والوجودي العامّ زمن الثورة، وهم أيضًا الذين استطاعوا رواية تاريخ الثورة التحريرية كفصلٍ ثانٍ من صنع الثورة ذاتها.

Abstract

Testimony, as a source for oral history, expresses a moment when historical reality identifies with its immediate disclosure: historical testimony thus provides a link with history itself as well as with the witness. In the context of the Algerian revolution, the author notes how narrating the revolution requires powers of perception and an awareness of self and subjectThe loss of contact with the other also deprived Algerian fighters of the possibility of narrating the course of the armed struggle on the basis of the background of the French-Algerian presence. However, the opposition that affirms the self as an active subject and affirms the other as an opponent can be challenged and overcome. Those who had the ability to communicate with the French were those at the forefront of the general, existential, diplomatic and political fronts at the time of the revolution and they were also those able to narrate the history of the Algerian revolution as a second chapter created by the revolution itself.

الكلمات المفتاحية:
  • ذاكرة
  • الثورة الجزائرية
  • التاريخ الراهن
  • المستعمر
  • التاريخ الشفاهي
Keywords:
  • Memory
  • The Algerian revolution
  • History of the Present Moment
  • Colonialism
  • Oral history

الثورة التحريرية يف التاريخ الراهن

نعالج موضوع الثورة الجزائرية في شهادة من صنعوها أو عاصروها وذاكرتهم، بالنظر إلى أنّ الثورة حدثٌ تاريخي بدلالتها العظمى. فقد‪‬ ت زاام فعل المستعمِر الفرنسي مع ردّة فعل المستعمَر الجزائري في لحظة زمنية مكثفة‪ ‬بالمعاني السياسية الجديدة في عالم العلاقات الدولية والتاريخ العامّ. وأسفرت‪‬ الثورة التحريرية عن استمرار التاريخ على الرُّنو إلى مزيد من الحرية والعدالة والمساواة على غرار مواثيق‪‬ ثورات العالم وبياناتها، وهو ما يترتب عليه وضْع حدّ للاستعمر وبداية منعطف جديد لتاريخ تصفية‪‬ الاستعمر‪.‬ ‬إنّ الشهادة مصدرًا للتاريخ الشفاهي تعبّ عن لحظة زمنية تتطابق فيها الواقعة التاريخية مع لحظة البوح بها وفي التَّو. فصِلَة الشهادة التاريخية هي مع التاريخ ذاته ومع الشاهد أيضا، ومن ثمّة تأتي خصوصية التاريخ الراهن الذي صارت تصنعه المعلومة الفورية والحديث التلقائي والاستجواب والخبر الذي تقدمه الوسائط المختلفة والمتنوعة في أوعية وفي طريقة التقديم. تحتاج رواية الحدث إلى قوة إدراك وإلى وعي بالذات وبالموضوع،  وما افتقده المناضل الجزائري زمن الإستعمر هو الوعي الثقافي والسياسي الذي يوسع به خياله ومداركه وملكاته ليحتفظ بعد ذلك بالصورة والمشهد، يستطيع أن يسرد شهادته في شكلها الأقرب إلى الصّحة وإلى ما جرى فعلا. فقدان التواصل ومجاورة الآخر حرم المناضل الجزائري أيضا من إمكان سرد مجريات الكفاح المسلح على أساس خلفية الوجود الجزائري الفرنسي ولو ضدًّا للآخر.. لكن الضد الذي يؤكد الأنا ذاتًا فاعلةً ويؤكد الآخر طرفًا خصمً يمكن تحديه وتجاوزه. والذين كانت لهم القدرة على التواصل مع الفرنسيين هم الذين تصدروا المشهد السياسي والدبلوماسي والوجودي العامّ زمن الثورة، وهم أيضًا الذين استطاعوا رواية تاريخ الثورة التحريرية كفصلٍ ثانٍ من صنع الثورة ذاتها.

تقع الثورة الجزائرية في صلب التاريخ الرَّاهن2، في مغزاه الدال على إمكان مجايلة الحدث من بدايته، وفي سياقه، إلى آخر

مدلولاته ومآلاته. فالثورة التحريرية التي وقعت في الجزائر (1954  -  1962) هي ثورة وطنية بكلّ المعاني؛ لأنّ ميادينها ومواقعها طالت كلّ ربوع الجزائر، بما في ذلك بعض المدن الفرنسية التي شهدت قبل ذلك ميلاد الحركة الوطنية الجزائرية في نشأتها الأولى وتطوراتها اللاحقة3. فالتاريخ الراهن هو تاريخ معاصر في لحظته الحاضرة التي يتفاعل معها الشاهد والمؤرخ في سياق

زمني واحد يَفِي بإمكان الوقوف على مدى صِدْقية الشهادة ورواية الحدث من الذاكرة. إنّ الشهادة كمصدر للتاريخ الشفهي تُعبر عن لحظة زمنية تطابق فيها الواقعة التاريخية لحظة البوح بها في الوقت نفسه. فص لَة الشهادة التاريخية هي مع التاريخ نفسه ومع الشاهد أيضًا. وهكذا تتحقّق خصوصية التاريخ الراهن الذي صارت تصنعه المعلومة الفورية، والحديث التلقائي، والاستجواب، والخبر الذي تقدمه الوسائط المختلفة والمتنوعة في مجالات معينة، وفي طريقة التقديم نفسها. هذا التعدّد والتنوع هو الذي صار يحُثّ على عدم الرُّكون المطلق إلى المعلومة مهما كان مصدرها، وإلى التوَجس والرِّيبة من

التصريحات والشهادات والأحاديث. والتاريخ من هذه الناحية لا يُكتب بلغة واحدة، ولا برأي واحد، ولا بشهادة واحدة. فقد زاد

الوعي بالحقيقة إلى حدّ لم يعُد حديث "الآحاد" يكفي لإضفاء الصدقية على الرواية والشهادة والحديث من الذاكرة. ولعلّ تطوّر

العلوم الإنسانية والاجتماعية التي أضحت روافد لدراسة التاريخ وبحثه أمسى يوجد أدوات وطرائق وآليات فحص ونقد ونقض للمادة التاريخية ويجري عليها كلّ المعالجة والتحليل من أجل تبيُّ معقوليتها وإمكان وجودها من عدمه. لقد جرت حرب الجزائر، بحسب الوصف الفرنسي، بين طرف جزائري متخلف حضاريًّا كسبت نخبته وعيًا سياسيًّا وثقافيًّا

من خلال احتكاكها بالحوار والصراع مع الوجود الفرنسي في الجزائر وفي فرنسا من جهة، وسُلطة استعمارية عبّت عن تطوّر

فاسد لتاريخ فرنسا في الجزائر وفي العالم من جهة أخرى4. وقد استمر هذا الصراع بين الطرفين إلى ما بعد الاستعمار، وإلى ما يُعرف ب "حرب الذاكرات"5؛ إذ سعى كلّ طرف لمحاولة استعادة الحدث التاريخي وإدراجه في الذاكرة الجماعية للأمة. وفي

لحظة ما بعد الكولونيالية، نشطت ذاكرة المستضعفين سابقًا واستطاعت أن تثبت أنّ الأهالي المسلمين الجزائريين كان لديهم ما يقولون، وأنّ بإمكانهم أخذ الكلمة وتقديم مطالبهم وشفْعها بحيثيات معقولة.

1 مدرسة الزمن الرّاهن Histoire du temps présent هي منهج ورؤية في التعامل مع تاريخ العالم المعاصر، دعا إليها المؤرخ الفرنسي فرانسوا بيداريدا

François Bédarida)  2001  -  1926 (أستاذ التاريخ المعاصر. وقوام تاريخ الزمن الراهن، أو الحاضر، أنّ الباحث، أو المؤرخ، يمكن أن يقتحم الحدث ويعالجه في لحظته وفي

تلقائيته الفورية بوصفه معاصرًا له، على خلاف ما كان يُعتقد في المنهج التاريخي من ضرورة انضواء الحدث إلى التاريخ الماضي؛ حتى تتسنى القدرة العلمية والمعرفية لدراسته،

ويمكن إلحاقه بالتاريخ، وفهمه في ذلك السياق. يقول بيداريدا: "ممارسة البحث التاريخي وفق نظرية تاريخ الزمن الراهن هي أن تعدّ هذا الزمن تجربةً معيشةً، ومن ثمة

العودة إلى التعريف السليم لتاريخ العالم المعاصر [يعني التاريخ الذي نحياه ونعيشه ونجايله فعلً]؛ أي التجربة في لحظتها المعاصرَة. وهذه النظرية تعني، في حقيقة الأمر،

مجالً متحركًا ينطوي على تحقيبات ومراحل مرنة إلى حدٍّ ما، ومقاربات متنوعة وتفكيكات متلاحقة". وتحثُّ دعوة بيداريدا المؤرخَ على بحث اللحظة المعاصرة واقتحامها،

وعلى ألَّ يتُرك للآخر الذي سيأتي لاحقًا أن يحتكر الفهم السليم للحدث. فللمؤرخ في التاريخ الحاضر دوره، ويكفيه علميةً وصدقيةً أنه عاصر الحدث بكل تجلياته عبر النص

والصورة والصوت، الأمر الذي يجعله لصيقًا بالتاريخ ومتفاعلً معه، انظر:

François Bédarida, "l'histoire du temps présent, revue science humaines," Sciences Humaines , no.  18  (septembre - octobre 1997), p.  31.

2 بشأن صلة باريس بتاريخ ميلاد الحركة الوطنية الجزائرية وتطورها، يمكن العودة إلى كل الكتب التي تناولت نشأة النزعة الوطنية الجزائرية حتى فترة الاستقلال

عام  1962. ولعلّ أهم مرجع ركّز في بلاد المهجر والنزعة الوطنية، هو:

Jacques Simon, l'immigration algérienne en France, des origines à l'indépendance (Paris: Méditerranée,  2000).

3 انظر، مثلً، الحوار الذي أجراه فيليب كريم فليسي،Felissi Karim Philippe وهو مؤلف ومحامٍ، مع المناضل والمحامي جاك فرجيس Jacques Vergès الذي يروي

حياته أثناء حرب التحرير الجزائرية وانخراطه العضوي في قضية الجزائر، بوصفها قضيةً إنسانية مناهضةً للاستعمار:

Jacques Vergès, l'anticolonialiste: entretiens avec Philippe Karim Felissi (Algérie: Chihab Editions, 2005). 4  Benjamin Stora, La guerre des mémoires: la France face à son passé colonial (Paris: l'aube, 2012).

  1. بشأن صلة باريس بتاريخ ميلاد الحركة الوطنية الجزائرية وتطورها، يمكن العودة إلى كل الكتب التي تناولت نشأة النزعة الوطنية الجزائرية حتى فترة الاستقلال عام  1962. ولعلّ أهم مرجع ركّز في بلاد المهجر والنزعة الوطنية، هو: Jacques Simon, l'immigration algérienne en France, des origines à l'indépendance (Paris: Méditerranée,  2000).
  2. انظر، مثلً، الحوار الذي أجراه فيليب كريم فليسي،Felissi Karim Philippe وهو مؤلف ومحامٍ، مع المناضل والمحامي جاك فرجيس Jacques Vergès الذي يروي حياته أثناء حرب التحرير الجزائرية وانخراطه العضوي في قضية الجزائر، بوصفها قضيةً إنسانية مناهضةً للاستعمار: Jacques Vergès, l'anticolonialiste: entretiens avec Philippe Karim Felissi (Algérie: Chihab Editions, 2005).
  3. Benjamin Stora, La guerre des mémoires: la France face à son passé colonial (Paris: l'aube, 2012).

الثورة الجزائرية (1954  -  1962) هي حدث نموذجي اندرج في خطِّ تاريخ العالم الحديث والمعاصر، فضلً عن الراهن، تعاون على صنعه الفرنسيون والجزائريون، كما تروي ذلك شهادات وروايات من عاصروها وكتبوا عنها في ذلك الوقت6، أو المذكرات التي جاءت في عُقب الاستقلال، بخاصة بعد الحوادث المأساوية التي شهدتها الجزائر في حقبة تسعينيات القرن العشرين. وقد

توزَّع هذه المذكرات الذين سجلوها باللغة الفرنسية من الجانب الفرنسي؛ من عسكريين وسياسيين وكتّاب صحافيين، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، والذين سجلوها من الجزائريين باللغة العربية7، والذين رووها باللغة الفرنسية أيضًا8. وإذا كان للثورة ما بعدها - وهو أمرٌ موجود فعلً – من جهة أنّ الذي استطاع أن يستوعب الحدث في الذاكرة والتاريخ هو الذي

تمكّن من تمتين مقومات الأمة والدولة كقاعدة محصِّنة للذات الوطنية من أهوال السياسة والحُكم، ومن صُ وف الأزمات

الاجتماعية والاقتصادية.

رسد التاريخ من الذاكرة

يكتب التاريخ في جانب منه من الذاكرة. وكلما نشطت الذاكرة وأبدت القدرة على التذكر، كانت الكتابة التاريخية أفضل، وأضفى ذلك صدقيةً وجديةً على التاريخ نفسه. وعندما نتحدث عن التاريخ، فإننا نتحدث بالضرورة عن الذاكرة؛ أي عن رواية الحوادث وسردها وعرض المواقف التي مازالت معلّقةً بذاكرة الشاهد. ما يساعد على تعزيز الذاكرة من النسيان هو حفظ الأرشيف وصَونه. وإنّ تنظيم مراكز الأرشيف والمحفوظات وجمع الوثائق

يتماشى فورًا مع إمكان التعويل على الذاكرة ورواية وقائع الماضي. وقد صار الأرشيف في عصر الثورة الجزائرية وما بعدها ثلاثي

الأوعية؛ فهو صورة، وصوت، ونص. ولا شكّ في أنّ الأرشيف المنظم يساعد الذاكرة فعلً على التذكر، ويحفز على كشف ما علق

بالذاكرة من حوادث الثورة، وعلى تذكُّر حوادث أخرى، وهو ما يخلع على القصة صدقيتها وشرطها الموضوعي. وبشأن الصلة بين الذاكرة وكتابة التاريخ في الحالة الجزائرية، يمكن أن نورد ما جاء في توضيح استهلال أحمد طالب الإبراهيمي الذي عكف منذ سنوات على كتابة مذكراته التي صدرت منها إلى حدّ الآن ثلاثة أجزاء؛ إذ يقول:" عندما عزمت على

كتابة مذكراتي، رجعت إلى أرشيفي الشخصي، وبدأت أفحص كلّ الوثائق والقصاصات والملاحظات التي دأبت في تدوينها منذ

أربعة عقود على الأقل، وقد كنت حريصا كلّ الحرص على إصدار الجزء الأول في آن واحدٍ باللغتين العربية والفرنسية تعميمًا

للفائدة. ولكني وجدت أنّ الوثائق والمراجع المتوفرة حول الفترة الزمنية الممتدة من تاريخ ميلادي حتى سنة  1965 مكتوبة في جلّها باللغة الفرنسية، وأنها تتعرض إلى مواقف رجال جمعني بهم القدَر في مرحلة معينة ولا يزالون على قيد الحياة، بمعنى أنّ الشهادة

لو نشُرت بعدهم لفقدت كلّ قيمة تاريخية وضعفت صدقيتها وتساءل الناس لماذا الآن وليس قبل اليوم؟ ولهذا كتبت هذا الجزء (الجزء الأول) بالفرنسية ودفعت به إلى المطبعة كسبًا للوقت"9.

5  Yves Courrière, la guerre d'Algérie (Paris: Laffont, 1990); Frantz Fanon, l'an V de la révolution algérienne (Paris: Maspero, 1959).

6 أنظر مثلً: أحمد توفيق المدني، (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع حياة كفاح، 1982.) 7 سنذكر بعضهم لاحقًا. 8 أحمد طالب الإبراهيمي، مذكرات جزائري (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006)، ص  7.

  1. Yves Courrière, la guerre d'Algérie (Paris: Laffont, 1990); Frantz Fanon, l'an V de la révolution algérienne (Paris: Maspero, 1959).
  2. أنظر مثلً: أحمد توفيق المدني، (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع حياة كفاح، 1982.)
  3. سنذكر بعضهم لاحقًا.
  4. أحمد طالب الإبراهيمي، مذكرات جزائري (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006)، ص  7.

في الفقرة الأخيرة من شهادة الوزير السابق ما يدلّ على أشياء عديدة في مسألة كتابة المذكرة، عندما يضع صاحبها في

الحسبان الصدقية ومجيء الرواية على ما وقع فعلً. فثمة جزء كبير من الأرشيف والوثائق كُتِب باللغة الفرنسية، وثمة من يعنيهم تاريخ الفترة التي يتحدث عنها المؤلِّف، فضلً عن الوقت الذي يجب أن تُكتب فيه المذكرة قبل أن يُعدمها التاريخ. تجد إشكالية كتابة تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر تعبيرها في الصعوبة التي تعتري الجزائريين في كتابة تاريخهم؛ لأن

لحظة ما بعد الاستعمار أوجدت مجالً أكثر لكتابة الفرنسيين تاريخهم وتاريخ الجزائر أيضًا، في حين لم يواكب الجزائريون السيل المنهمر من الكتابات الفرنسية في حقبة الاستعمار والثورة الجزائرية. فبحسب المناضل السياسي عبد الحميد مهري، بقيت مراحل كاملة من تاريخ الثورة الجزائرية مغمورةً، وذلك راجع إلى عدّة عوامل. وإنّ أبرز هذه العوامل يكمن في ضرورة السرية الصارمة التي فرضتها أوضاع الكفاح على الحركة الوطنية الثورية ضدّ النظام الاستعماري. إضافةً إلى ما قاله المناضل مهري، ثمّة عدّة عوامل أخرى بعد الاستقلال وراء غمْر تلك المراحل من تاريخ الثورة الجزائرية. وإن

تداخل هذه العوامل في ما بينها قد حدد لدى جيل حركة التحرير الوطني نظرةً ضيقةً للتاريخ لا تزال متواصلةً إلى حدّ الآن (2010) لدى أبطال كثيرين في تلك المرحلة. ولم يتغير استقلال الجزائر في الأوضاع الصعبة والمعقَّدة التي تعرفها هذه النظرة للتاريخ. بل إنّ الأكثر خطورةً من ذلك، بالنسبة إلى مقتضيات الحرب التحريرية، هو ازدياد التلاعب السياسي من خلال المبالغة والتهميش المعمَّم، أو من خلال الطمس الكلي. ومن الأكيد كذلك أنّ النقص من المعلومات وندرة الشهادات والتوثيق في هذا المجال، من

العوامل التي ساعدت على انتشار هذه الممارسات10.

الثورة الجزائرية أو الحديث الصعب عنها

من صعوبات الحديث عن ثورة التحرير الجزائرية أنّ رواية الحدث لا تجرى بالوفاء التاريخي الذي يحفظ ذاكرة الأمة ويرصد إنجازاتها التاريخية زمن الحرب وزمن السلم. ونقصد بذلك أنّ ربط حزب جبهة التحرير الوطني في مرحلة ما بعد

الاستقلال بجبهة التحرير الوطني زمن الثورة عاق على نحوٍ مرهق جدًّا الذاكرة الوطنية عن تواصل الثورة مع الأجيال الجزائرية المتلاحقة. فقد كان لحرص السُلطة على تطابق الحزب مع الدولة، وللعناد في ربط تاريخ الثورة بواقع حياة الجزائريين في الوقت

الراهن، وقعهما المضُرّ بالتاريخ المستقلّ للثورة التحريرية، على الرغم من أنّ تاريخ الأمة غير قابل للاحتكار والملكية شأنَ مقوِّمات

الوطن، والأمة، والدولة. فالتاريخ المستقلّ للثورة التحريرية يعني بالدرجة الأولى الطرفين الفرنسي والجزائري زمن الاستعمار، كما يعنى بالأساس زمن ما بعد الاستقلال الدولتين في مدلولهما المجرد الذي يشمل كلّ الأحزاب، والأفراد، والتيارات الفاعلة في حياة الأمة المعاصرة، سواء كان ذلك في فرنسا أو في الجزائر.

9 ورد ذلك في التقديم الذي مهّد به عبد الحميد مهري كتاب المناضل عيسى كشيدةمهندسو الثورة: شهادة، وهي شهادة من أهلها تضع البنان على الجرح النازف، وتشير إلى

أزمة استعصت على الوعي الجزائري في ما يتعلّق بحقيقة الثورة الجزائرية. وفي هذا التقديم يعيد عبد الحميد مهري النظر في الأطروحة التي سادت إلى الوقت الحاضر. فالخلاف

الحادُّ والخطِرُ الذي فَتّ في عضد حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأفضى إلى حالة انشقاق بين المصاليين والمركزيين، دفع مجموعةً من الناشطين من الحزب نفسه إلى

التمرد وإعلان الثورة طريقًا إلى التحرير والاستقلال. وعلى خلاف ذلك يذهب عبد الحميد مهري إلى أنّ بداية التفكير والإعداد للثورة كان عام  1952، عندما عمد الناشطون

السابقون في المنظمة الخاصة إلى إعادة هيكلة الحركة الوطنية وتنظيمها حول فكرة الثورة للتنظيم السابق الذي حلّته الإدارة الاستعمارية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ السعي فعل

للبحث عن وسائل الكفاح المسلح والثوري، انظر: عيسى كشيدة، مهندسو الثورة: شهادة، موسى أشرشور وزينب قبي (مترجمان)، (الجزائر: منشورات الشهاب،  2010)، ص  8.

  1. ورد ذلك في التقديم الذي مهّد به عبد الحميد مهري كتاب المناضل عيسى كشيدةمهندسو الثورة: شهادة، وهي شهادة من أهلها تضع البنان على الجرح النازف، وتشير إلى أزمة استعصت على الوعي الجزائري في ما يتعلّق بحقيقة الثورة الجزائرية. وفي هذا التقديم يعيد عبد الحميد مهري النظر في الأطروحة التي سادت إلى الوقت الحاضر. فالخلاف الحادُّ والخطِرُ الذي فَتّ في عضد حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأفضى إلى حالة انشقاق بين المصاليين والمركزيين، دفع مجموعةً من الناشطين من الحزب نفسه إلى التمرد وإعلان الثورة طريقًا إلى التحرير والاستقلال. وعلى خلاف ذلك يذهب عبد الحميد مهري إلى أنّ بداية التفكير والإعداد للثورة كان عام  1952، عندما عمد الناشطون السابقون في المنظمة الخاصة إلى إعادة هيكلة الحركة الوطنية وتنظيمها حول فكرة الثورة للتنظيم السابق الذي حلّته الإدارة الاستعمارية. ومنذ تلك اللحظة، بدأ السعي فعل للبحث عن وسائل الكفاح المسلح والثوري، انظر: عيسى كشيدة، مهندسو الثورة: شهادة، موسى أشرشور وزينب قبي (مترجمان)، (الجزائر: منشورات الشهاب،  2010)، ص  8.

طالت فترة حكم حزب جبهة التحرير الوطني، وطالت معه أيضًا فترة احتكاره واستغلاله لرصيد الثورة التحريرية التاريخي وتوظيفه إيّاه في التستر على إخفاقاته وتعثّه في إنجاز تنمية وطنية شاملة تخلو من الاحتكار والاستحواذ، بما في ذلك الاستحواذ

على تاريخ الثورة نفسها. فتطابقُ الحزب مع الدولة هو الذي حال دون إمكان استقلال التاريخ بنفسه ليُعبر عن كلّ من

صنعوه، ومن شاهدوا ما جرى وما حدث، ومن كانت لهم أيضًا مواقف أخرى ووجود مختلف، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وانتماءاتهم العائلية وثقافتهم السياسية. واقع الحال الذي تعاملت معه السُلطة في الجزائر هو أنّ رزنامة الاحتفالات والأعياد

التاريخية الوطنية كلّها تصبّ في الدعاية للدولة التي تتوكأ سياسيًا وأيديولوجيًا وإعلاميًا على تاريخ الثورة التحريرية. ومن هذه

الناحية، يمكن أن نجزم بأنّ هذا الربط بين الدولة، أو السُلطة، وجبهة التحرير11 هو العائق الأكبر لظهور الديمقراطية في

الجزائر. كانت الثورة التحريرية، كما يقال وكما كُرّست في التداول العامّ، ثورةً شعبيةً، بطلها الحقيقي هو الشعب. فلقد ثارت كتلة

بشرية على الوضع الاستعماري، وسعت بكلّ جهدها لنيل الاستقلال. لكنّ الثوريّ، كما حاول أن يعرفّه فرانز فانون Frantz

Fanon، وهو المارتينيكي الذي جاء ليعايش الثورة الجزائرية عن كثب، هو "ذلك الفرد الذي أدرك أنه لا يملك ما يخشى عليه عندما ينخرط في الثورة، وأنه قد يستفيد من نجاحها، ولا يضيّع أيّ شيء في حالة فشلها؛ لأنه أصلً في عداد المعدومين،

أو'معذبي الأرض"'12. لازمت هذه الحقيقة الفئات الشعبية المعدمة لحظة الثورة وسيرورتها إلى الاستقلال. لكنّ لحظة ما بعد الكولونيالية تتطلب

قدرة الوعي، وقوَّة الذاكرة وحيويتها؛ لاستعادة المشاهد والمواقف؛ أي كلّ ما يكشف عن ذات عارفة لما يناط بها من إعادة صنع

تاريخ الثورة التي تجرى بمقتضيات غير السلاح والخطاب الثوري. وإنّ لحظة ما بعد الكولونيالية لا تتعلق بتحرير الوطن بقدر ما تتعلق، هذه المرة، بالوعي الشديد الذي يجري به الحديث، وسرد رواية الثورة وتاريخها ونطاقها المكاني. الكلام على الحوادث التي جرت في الجزائر وفي فرنسا في الفترة  1954  –  1962، وعلى الأجواء التي خيّمت عليها وكذلك

السياق التاريخي الذي رافقها، هو كلام صعب؛ لأنه لا يتطلب القيام بعملية تفكيك كلّ البناء الأيديولوجي والسياسي الذي شيّده الطرفان الفرنسي والجزائري فحسب، بل إنه يتطلب أيضًا تجريد تاريخ ثورة التحرير من الأساطير والخرافات والأفكار

المسبقة، وما ساد من أخطاء شائعة حامت حول الثورة13. وفي ما يلي نذكر أمورًا تحتاج إلى إعادة توضيح معقول:

10 بعد حوادث تشرين الأول/ أكتوبر 1988 التي أفضت إلى انفتاح الوضع العامّ في الجزائر على بداية التعددية، ظهر في هذا السياق أيضا توجُّه يرمي إلى فصْم عرى السُلطة

عن جبهة التحرير الوطني التي صنعت الثورة، وأدّى ذلك فعلً إلى تنامي هذا التوجه إلى حدّ تنظيم أول انتخابات تشريعية تعددية في نهاية عام  1991، وقد شهدت تراجعًا

واضحًا لحزب جبهة التحرير الوطني أمام التيار الإسلامي، وهو التيار الجديد على الساحة السياسية. ومنح فوز الإسلاميين الساحق السلطةَ مؤشرًا قويًّا حتى تعيد النظر في

مسألة جبهة التحرير الوطني من أجل إبقائها فاعلً وحيدًا في ساحة العمل السياسي والانتخابي وتجنيبها أيّ منافسة حقيقية لها. فهي حزب الدولة أو السُلطة، والسُلطة يجب

أن تبقى. فالوضع السياسي العامّ، بمعنى آخر، يُرتَّب ويهيَّأ، ليواصل حزب السُلطة سلطةَ الحزب كأفضل آلية لاستمرار دولة الحزب أو حزب الدولة. وبشأن هذه الأزمة التي

ولجت فيها الجزائر بسبب إخفاقها في تجربتها الديمقراطية مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، انظر:

Benjamin Stora, l'Algérie en 1995: la guerre, l'histoire la politique  (Paris: Michalon, 1995). 11  Frantz Fanon, Les damnés de la terre (Paris: Gallimard, 1991).

12 من الكتب المهمة التي تناولت حدث الثورة وجبهة التحرير الوطني كتاب المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي:

Aux origines du FLN: le populisme révolutionnaire en Algérie (Paris: Christian Bourgeois, 1975).

فلقد كان هذا المؤلِّف من أوائل من تنبهوا لما يمكن أن ترتبط به رواية الثورة وتقديم الشهادات عنها من أساطير وأفكار مسبقة وأوهام. وجاء كتابه الثاني بشأن الثورة التحريرية

بعنوان سراب وحقيقة: أصول الاستيلاء على السلطة (1945  -  1962)، لافتًا النظر إلى حقائق لم تُذكر، ولم تكن من معهود الجزائر طوال استقلالها في ظلِّ الحزب

الواحد إلى حدِّ التسعينيات. ومحمد حربي مثقف جزائري ومناضل سياسي زمن الثورة ومعارض للحكم زمن الاستقلال، وهو يساري، يكتب في تاريخ الحركة الوطنية والثورة

  1. بعد حوادث تشرين الأول/ أكتوبر 1988 التي أفضت إلى انفتاح الوضع العامّ في الجزائر على بداية التعددية، ظهر في هذا السياق أيضا توجُّه يرمي إلى فصْم عرى السُلطة عن جبهة التحرير الوطني التي صنعت الثورة، وأدّى ذلك فعلً إلى تنامي هذا التوجه إلى حدّ تنظيم أول انتخابات تشريعية تعددية في نهاية عام  1991، وقد شهدت تراجعًا واضحًا لحزب جبهة التحرير الوطني أمام التيار الإسلامي، وهو التيار الجديد على الساحة السياسية. ومنح فوز الإسلاميين الساحق السلطةَ مؤشرًا قويًّا حتى تعيد النظر في مسألة جبهة التحرير الوطني من أجل إبقائها فاعلً وحيدًا في ساحة العمل السياسي والانتخابي وتجنيبها أيّ منافسة حقيقية لها. فهي حزب الدولة أو السُلطة، والسُلطة يجب أن تبقى. فالوضع السياسي العامّ، بمعنى آخر، يُرتَّب ويهيَّأ، ليواصل حزب السُلطة سلطةَ الحزب كأفضل آلية لاستمرار دولة الحزب أو حزب الدولة. وبشأن هذه الأزمة التي ولجت فيها الجزائر بسبب إخفاقها في تجربتها الديمقراطية مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، انظر: Benjamin Stora, l'Algérie en 1995: la guerre, l'histoire la politique  (Paris: Michalon, 1995).
  2. Frantz Fanon, Les damnés de la terre (Paris: Gallimard, 1991).
  3. من الكتب المهمة التي تناولت حدث الثورة وجبهة التحرير الوطني كتاب المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي: Aux origines du FLN: le populisme révolutionnaire en Algérie (Paris: Christian Bourgeois, 1975). فلقد كان هذا المؤلِّف من أوائل من تنبهوا لما يمكن أن ترتبط به رواية الثورة وتقديم الشهادات عنها من أساطير وأفكار مسبقة وأوهام. وجاء كتابه الثاني بشأن الثورة التحريرية بعنوان سراب وحقيقة: أصول الاستيلاء على السلطة (1945  -  1962)، لافتًا النظر إلى حقائق لم تُذكر، ولم تكن من معهود الجزائر طوال استقلالها في ظلِّ الحزب الواحد إلى حدِّ التسعينيات. ومحمد حربي مثقف جزائري ومناضل سياسي زمن الثورة ومعارض للحكم زمن الاستقلال، وهو يساري، يكتب في تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية باللغة الفرنسية. ويتموقع من جهة البحث والتفكير في قضايا الجزائر ما بين الضفتين الفرنسية والجزائرية، فهو لا يبتعد كثيرًا عن المجال الفرنسي، ولا يقترب كثيرًا من المجال الذي اختاره حزب جبهة التحرير الوطني للجزائريين: مواصلة الحرب على الاستعمار الفرنسي ولو على سبيل الافتراض والوهم، أنظر: Mohamed Harbi, Le FLN Mirage et Réalité: Des Origines à la Prise du pouvoir (1945  -  1962) , (Paris:  Jeune Afrique, 1980).

أيجري الحديث عن ثورة أم عن حرب؟ أيجري عن حوادث داخلية، كما يراها الطرف الفرنسي، أم عن مقاومة مسلحة وسياسية ضدّ الاستعمار الفرنسي، كما كانت تراها جبهة التحرير الوطني؛ أي التنظيم الذي فجّر الثورة في يوم الأول من

نوفمبر / تشرين الثاني عام 1954؟ لقد عمدت جبهة التحرير الوطني الفصيلة المنحدرة من حزب الشعب الجزائري/ الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية، إلى الإعلان عن الثورة التحريرية ضدّ الاستعمار الفرنسي، بعد كفاح سياسي طويل ومرير إلى حدّ الملل وفقدان

أمل الإصلاح من الطرف الفرنسي، وبعد أن دخلت الحركة الوطنية الجزائرية بجميع أطيافها وتعابيرها مأزقًا تاريخيًا وحضاريًا

احتقن على نحوٍ خط ر عام 1953، وصار يبحث عن متنفس له في ثورة تتجاوز حالة الاحتقان الوطني المحلي وتتخطي الوضع الاستعماري الفرنسي والدولي. أمّا الجانب الآخر من الحديث الصعب في الحالة الجزائرية والفرنسية خلال حقبة الثورة، فهو عدم وصف فرنسا لما كان

يجري في ذلك الوقت بأنه حرب حتى لا يظهر الوضع حربًا أهلية بين سكان يخضعون للدولة الفرنسية في إقليم ما وراء البحر

بسطت عليه سيادتها منذ 1830، ومن ثمّة يجب أن تتحمّل نتائج الحرب في الآن14 والمآل15.

تاريخ الثورة الجزائرية تاريخ معقَّد

إنّ تاريخ الثورة الجزائرية بوجه خاص، وتاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر بوجه عامّ، تاريخان معقّدان وشائكان

يحتاجان إلى توجس، وإلى حيطة وحذر، وهو أمر يتطلب درايةً لمتاهته ومسالكه الوعرة؛ ويُعزى ذلك إلى وضعه الاستثنائي

غير العادي، لكنه في جميع الأحوال رتّب أوضاعًا لدى الطرفين الفرنسي والجزائري يصعب تخطيها بسهولة، أو التغاضي عنها

بأيّ نوعٍ من التغاضي. وإذا كان الاستثناء معقّدًا، فإنّ صعوبته تزداد لدى الباحث جزائريًا كان أو فرنسيًا. فكلاهما مضطر إلى

الالتفات إلى وضع الجزائريين وهو يكتب عن المؤسسات الفرنسية، أو إلى الفرنسيين وهو يكتب عن حياة الجزائريين. ومحاولة كتابة المرحلة الاستعمارية خصوصًا، وحقبة الثورة التحريرية عمومًا، تدفع إلى بحث أكثر صعوبةً؛ لوجود وضعيات متفاوتة

ومتباينة ومختلفة، إنْ لم نقل متناقضةً تناقضًا صارخًا. وليس ذلك بسبب تعدّد العوامل الدينية من مسلمين ومسيحيين ويهود

التحريرية باللغة الفرنسية. ويتموقع من جهة البحث والتفكير في قضايا الجزائر ما بين الضفتين الفرنسية والجزائرية، فهو لا يبتعد كثيرًا عن المجال الفرنسي، ولا يقترب كثيرًا

من المجال الذي اختاره حزب جبهة التحرير الوطني للجزائريين: مواصلة الحرب على الاستعمار الفرنسي ولو على سبيل الافتراض والوهم، أنظر:

Mohamed Harbi, Le FLN Mirage et Réalité: Des Origines à la Prise du pouvoir (1945  -  1962) , (Paris:  Jeune Afrique, 1980).

13 بالنسبة إلى الطرف الجزائري، ثمّة تصميم حقيقي على خوض ثورة تحريرية بالكفاح المسلح والنضال السياسي حتى تحقيق النصر باستقلال الوطن الجزائري. وعلى

خلاف ذلك، كانت السُلطة الاستعمارية ترى أنّ ما يجري في الجزائر لا يعدو أن يكون عمليات إرهابيةً يرتكبها إرهابيون، وحوادث داخليةً تحتاج إلى إخماد بالقضاء

على "الإرهابيين" و"الفلاَّقة" و"قطَّاع الطرق"، عبر إجراءات ردعية وقانونية بحوزة السُلطة الفرنسية. فالحكومة الفرنسية لم تكتف بالقوة العسكرية والأمنية والإجراءات

التعزيرية في مواجهة الجزائريين، بل سخّرت كلّ ما أمكنها من مبررات حتى يُعدَّ ما يجري في الجزائر مسألةً داخليةً، بخاصة بعد ما صارت الأمم تنظر في القضية الجزائرية

بوصفها حالةَ استعمار.

14 ظلّت الدولة الفرنسية، حتى بعد استقلال الجزائر عام 1962، لا تعترف بأنّ ما جرى في الجزائر خلال حقبة الثورة التحريرية كان حربًا. وليس ذلك لأسباب كانت

قائمةً في ذلك الوقت فحسب، بل أيضا لسبب آخر هو عدم الاعتراف لكل من جنّدهم الفرنسيون في تلك الحرب بصفة محارب لئلَّ تترتب على ذلك مستحقات، علاوة

على مستحقات قدماء المحاربين. من أجل ذلك، لم يتم بتّ هذا الأمر وحسْمه إلا بعد تصديق البرلمان الفرنسي ما عُرف ب "قانون حرب الجزائر" عام 1999؛ أي بعد زوال

ضغط الذاكرة الجماعية على أجيال من الفرنسيين، وبعد عناد من شاركوا في حرب الجزائر من الفرنسيين في مطالبهم. بل زادوا على ذلك مع من عُرفوا ب "الأقدام السوداء"،

وهم الفرنسيون الذين وُلدوا في الجزائر ونزحوا إلى فرنسا في أعقاب استقلال الجزائر عام  1962، عندما قدَّموا مشروع قانون إلى البرلمان الفرنسي يُقرُّ بأنّ ما قام به الاستعمار

الفرنسي زمن الإمبراطورية الفرنسية في ما وراء البحار كان من الأعمال الإيجابية والنافعة التي تتطلب التقدير والاعتراف بالجميل (مشروع قانون 25  شباط/ فبراير  2005.)

  1. بالنسبة إلى الطرف الجزائري، ثمّة تصميم حقيقي على خوض ثورة تحريرية بالكفاح المسلح والنضال السياسي حتى تحقيق النصر باستقلال الوطن الجزائري. وعلى خلاف ذلك، كانت السُلطة الاستعمارية ترى أنّ ما يجري في الجزائر لا يعدو أن يكون عمليات إرهابيةً يرتكبها إرهابيون، وحوادث داخليةً تحتاج إلى إخماد بالقضاء على "الإرهابيين" و"الفلاَّقة" و"قطَّاع الطرق"، عبر إجراءات ردعية وقانونية بحوزة السُلطة الفرنسية. فالحكومة الفرنسية لم تكتف بالقوة العسكرية والأمنية والإجراءات التعزيرية في مواجهة الجزائريين، بل سخّرت كلّ ما أمكنها من مبررات حتى يُعدَّ ما يجري في الجزائر مسألةً داخليةً، بخاصة بعد ما صارت الأمم تنظر في القضية الجزائرية بوصفها حالةَ استعمار.
  2. ظلّت الدولة الفرنسية، حتى بعد استقلال الجزائر عام 1962، لا تعترف بأنّ ما جرى في الجزائر خلال حقبة الثورة التحريرية كان حربًا. وليس ذلك لأسباب كانت قائمةً في ذلك الوقت فحسب، بل أيضا لسبب آخر هو عدم الاعتراف لكل من جنّدهم الفرنسيون في تلك الحرب بصفة محارب لئلَّ تترتب على ذلك مستحقات، علاوة على مستحقات قدماء المحاربين. من أجل ذلك، لم يتم بتّ هذا الأمر وحسْمه إلا بعد تصديق البرلمان الفرنسي ما عُرف ب "قانون حرب الجزائر" عام 1999؛ أي بعد زوال ضغط الذاكرة الجماعية على أجيال من الفرنسيين، وبعد عناد من شاركوا في حرب الجزائر من الفرنسيين في مطالبهم. بل زادوا على ذلك مع من عُرفوا ب "الأقدام السوداء"، وهم الفرنسيون الذين وُلدوا في الجزائر ونزحوا إلى فرنسا في أعقاب استقلال الجزائر عام  1962، عندما قدَّموا مشروع قانون إلى البرلمان الفرنسي يُقرُّ بأنّ ما قام به الاستعمار الفرنسي زمن الإمبراطورية الفرنسية في ما وراء البحار كان من الأعمال الإيجابية والنافعة التي تتطلب التقدير والاعتراف بالجميل (مشروع قانون 25  شباط/ فبراير  2005.)

فحسب، بل بسبب التفاوت في المراكز الاجتماعية والسياسية والقانونية أيضًا، علاوةً على هيمنة إفراز الممارسة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر طوال أكثر من قرن. فالتباين يشير إلى المستعمرين، وهم مواطنون فرنسيون، حتى إن كانوا من أصول وطنية مختلفة (مالطية، أو إيطالية، أو إسبانية، أو برتغالية) يسري عليهم قانون الدولة الفرنسية على أساس من الجنسية. في حين أنّ الجزائريين المسلمين الذين حصلوا على الجنسية الفرنسية في عُقب الحرب العالمية الأولى، بناءً على مرسوم 19 شباط/ فبراير  1919 وبعده، وهم قليلون، لا

يحظون بحق المواطنة، بل إنّ مركزهم أقل من المواطنين ذوي الأصول الأوروبية، وأقل من اليهود الأهالي الذين حازوا الجنسية الجماعية عام  1870، بموجب مرسوم كرمييه Crémieux، وصاروا فرنسيين لهم كامل حقوق المواطنة الفرنسية. لكنّ هذا المركز

القانوني والاجتماعي عمّق هُوةً بينهم وبين الأهالي المسلمين، ورتَّب حالةً من الامتعاض لدى المسيحيين (في مستوى الشعور

الديني)، وفي مستوى مزاحمتهم للامتيازات والصلاحيات التي جاؤوا من أجلها إلى الجزائر. كل هذا التنوع الإثني والديني والاجتماعي، كانت له تداعيات في المستوى السياسي بشأن اتخاذ المواقف والتوجهات، الأمر الذي يحتّم تباينًا واضحًا وبينًا في سرد الحوادث وروايتها لاحقًا، عندما يستعيد الفرد زمام أمره، ويبدأ تسجيل شهادته

في الفترة التي عاشها بلا رقيب، ولا قيد لضميره أو رأيه السياسي، أو الفكري؛ لأن كلّ شيء صار ينتمي إلى التاريخ. والمطلوب هو استعادته، حتى إن كانت هذه الاستعادة قريبةً من الذات وعبرها على نحوٍ يُمكن قراءتها وفهمها موضوعيًا. بمعنى آخر،

كلّ شيء قابل للسرد والحديث فيه وروايته بطريقة أفضل تساهم في فهم الماضي وإضفاء المعقولية عليه، بالنظر إلى أنه كان ماضيًا ناقصًا في زمانه؛ أي إنّه لم يفصح عن كامل ما في جعبته، حينئذ، بالشفافية والعلانية والصراحة بحسب ما يقتضيه الوضع،

وبالنظر إلى الحالة الاستعمارية الاستثنائية. فقد كان يصعب على الفرد أن يتكلم بالعفوية والصدق والتلقائية لأسباب سبقت

الإشارة إليها متعلقة بتعقيد الوجود السكاني في الزمن الاستعماري الحادّ والخط.ِر كان يهود الجزائر زمن الاحتلال مجموعةً من الأهالي الجزائريين مثلهم مثل الأهالي المسلمين حتى عام  1870، ثم

صاروا يحملون الجنسية الفرنسية بموجب مرسوم كرمييه. كانوا يعرفون أنفسهم بأنهم يهود الجزائر بالهوية، والواقع، والتاريخ، والمصير أيضًا. أمّا حصولهم الجماعي على الجنسية الفرنسية، فزاد مركزهم الاجتماعي والنفسي إرباكًا تجاه الفرنسيين

والجزائريين المسلمين. وعلى خلاف ذلك نجد أنّ صورتهم بعد استقلال الجزائر تظهرهم لدى الجيل الجديد من الجزائريين بوصفهم امتدادًا للكولون، وجزءًا من الاحتلال الفرنسي؛ بسبب فكرة الاستقلال ونشوتها الجديدة في حياة الشعب الجزائري

وشعوب أفريقيا، وهو الأمر الذي حُرِمَه الفلسطينيون نتيجة الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية. هكذا إذن تواطأت الذاكرة

الجماعية مع زيف التاريخ لإبعاد طائفة يهودية كانت قائمةً وموجودة.ً شهادة اليهودي الجزائري، كما يقدمها عن الجزائر التي عاشها إلى حدّ الثورة التحريرية، تختلف عمّا استقر عليه الوعي

الجديد من الجزائريين في مرحلة ما بعد الاستقلال. ولعلّ شهادة وليام سبورتيس William Sportisse إحدى الشهادات الدالة على ما كان عليه يهود مدينة قسنطينة التي ولد وعاش فيها إلى ما بعد الاستقلال. ففي كتابه الذي يتناول فيه عبر الحوار حياته وحياة عائلته، وبخاصة حياة أخيه المناضل الكبير لوسيان سبورتيس Lucien Sportisse، يروي وليام سبورتيس حياته بوصفه مناضلً جزائريًّا مناهضًا الاستعمار ويساريًّا معاديًا للرأسمالية البغيضة، مثله مثل الآلاف من المسلمين الجزائريين الذين

جذبتهم الحركة الشيوعية واليسارية إلى النضال السياسي والنقابي والاجتماعي؛ من أجل وضع حدّ للاستغلال الاستعماري

وحيفه وظلمه. ويتحدث أصالةً عن نفسه، بوصفه رفيقَ درب للمناضلين اليساريين على اختلاف أصولهم ومكانتهم القانونية ومراكزهم الاجتماعية16. تتعدّد الذاكرة بتعدّد الأشخاص الذين يرومون رواية الماضي أو كتابته. وأبرز ما يظهر التعدّد والتباين والاختلاف عند سرد

الشهادة متعلّقة بحوادث الماضي ووقائعه وتقديمها. فالماضي لا يريد أن يمضي بسبب عصريته؛ أي انتمائه إلى التاريخ المعاصر. وإنّ الانتقال من زمن إلى آخر يتطلب عند استعادة الزمن الأول يقظة ضمير ووعيًا فائقًا حتى يتفوق على الشطط، والخطأ،

والتزييف، ويسعى على قدر ما تفي به الذاكرة وكلّ حياة الإنسان النفسية والفكرية للاتصاف بالصدق، والرصانة، والعفوية السَّلسة التي لا تتكلف في إعادة صنع الحدث على خلاف ما وقع؛ لأنّ محاولة رواية الماضي حتى مع الحرص على الصدق فيه

إعادة بناء، مهما كان نوع هذا البناء. لكنْ هذه المرةَ، تكون إعادة بناء الحدث أمرًا محمودًا؛ لأنّ بين الذات والماضي حقبةً زمنية

لا يمكن ردمها، بل إنّ هذه الحقبة هي التي تؤكِّد أنّ الذي يجري الحديث عنه يقع فعلً في الماضي. إنّ رواية حدث يقع لاحقًا مثل حدث الثورة الجزائرية يروم أن يفسر السابق ويتوقف عنده؛ ليتذكره ويصفه ويدلي بشهادته بشأنه لعله يميط اللثام عن بعض حقائقه، تحتاج إلى امتلاك لغة الرواية وسرد الحدث. وإنّ مسألة اللغة، بالنسبة إلى الجزائريين

والفرنسيين على قدر كبير من الأهمية، وهي تبدو معركةً متأخرةً عن ثورة التحرير يجب إتمام الانتصار فيها؛ ليعود التاريخ إلى أهله، واستحقاقه عن جدارة. لكنّ الجزائريين، صراحةً، ربما أظهروا عجزًا صارخًا عن محاولة امتلاك التاريخ على صعيد الذاكرة

وعلى صعيد كتابته العلمية أيضًا17. لقد جاءت اللغة الشامتة بالاستعمار والمندِّدة به في وقت لاحق باستقلال الجزائر، وساهمت بقدر وافر في إعادة بناء الخطاب التاريخي للثورة الجزائرية والتاريخ الاستعماري برمته. فعند الوقوف على الخطاب النضالي في وجهه السياسي والأيديولوجي الذي واجه به المناضلون الجزائريون السُلطة الاستعمارية نجده، بالنسبة إلى الوضعية الثورية التي عاصروها وتفاعلوا معها

لكسب قضية شرعية، من الأمور المعقولة؛ إذ كان الخطاب النضالي يتصف بلغة سياسية وموضوعية تقتضيها حالة شعب يرغب في الاستقلال ويلحُّ في أمره. الحقيقة أنّ الآلاف من المجاهدين الذين ساهموا في الثورة التحريرية الكبرى بمقدار أو آخر، انتظروا طويلً لكي ينكبوا على

سرد مجريات الثورة وكتابة مذكراتهم، وهذا ما ضيّع لحظات مهمّةً في مسار تاريخ الجزائر اللاحق بالثورة والاستقلال. كما أن

القليل من المجاهدين ومن عايشوا الحدث تحدثوا عن الثورة وتداعياتها عبر وسائط من الصحافيين والكتاب الذين صاغوا مسيرة الكفاح الثوري بلغة لم تكن تفصح كثيرًا عن خيال صاحب الشهادة وتصوُّره. فقد كانت توجد مسافة من المعنى بين المتحدث والمتلقي

الذي يكتب ويصوغ. علاوةً على ذلك، فإنّ القدر الزهيد من المذكرات التي وصلت إلى المطابع كانت تعاني – خاصة المذكرات التي

15  William Sportisse, Le camp des oliviers, parcours d'un communiste algérien, entretiens avec Pierre-Jean Le Foll-luciani (Algérie: El Ijtihad,  2013).

وثمّة بيبليوغرافيا كاملة لمؤلفات يهود الجزائر، ترسم لهم أيضا صورةً أخرى غير التي استقر عليه وعي الجزائريين بعد الاستقلال، انظر على وجه الخصوص أعمال الباحث

والمؤرخ الفرنسي اليهودي بنيامين سطورا Benjamin Stora الذي وُلد في الجزائر، وهو أحد المراجع المعتمدة في دراسة تاريخ الجزائر المستعمرة. ومن بين تلك الأعمال كتابه:

Les trois exils: juifs d'Algérie (Paris: Pluriel,  2006).

16 انظر مقالة المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله "الخوف من تدوين التاريخ عند الجزائريين" في: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج 1 (الجزائر: دار البصائر، 2007)،

ص 43  -  50.

  1. William Sportisse, Le camp des oliviers, parcours d'un communiste algérien, entretiens avec Pierre-Jean Le Foll-luciani (Algérie: El Ijtihad,  2013). وثمّة بيبليوغرافيا كاملة لمؤلفات يهود الجزائر، ترسم لهم أيضا صورةً أخرى غير التي استقر عليه وعي الجزائريين بعد الاستقلال، انظر على وجه الخصوص أعمال الباحث والمؤرخ الفرنسي اليهودي بنيامين سطورا Benjamin Stora الذي وُلد في الجزائر، وهو أحد المراجع المعتمدة في دراسة تاريخ الجزائر المستعمرة. ومن بين تلك الأعمال كتابه: Les trois exils: juifs d'Algérie (Paris: Pluriel,  2006).
  2. انظر مقالة المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله "الخوف من تدوين التاريخ عند الجزائريين" في: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج 1 (الجزائر: دار البصائر، 2007)، ص 43  -  50.

صدرت باللغة العربية – الدقةَ والخطاب الرصين والصادق، وهي مسألة موضوعية. فقد عانت الجزائر، في مستوى اللغة والتعبير،

مشكلةً لغويةً خطِرة مسَّت هويتها الوطنية. وعجزت المنظومة التربوية والتعليمية عن إيجاد لغة عربية سلسة واضحة تحقق التواصل

بين الجزائريين في مستوى التعبير السياسي والفكري، وبينهم وبين المجتمع والسُلطة السياسية أيضًا. وبسبب ذلك حُرم الشعب

الجزائري أداة تواصل حيويةً تفصح بوضوح عن مكامن الذات وخطابها الشخصي، على نحوٍ مؤدٍّ إلى إقناع الآخر والتفاعل معه. وإن طريقة رواية الثورة التحريرية لا يُستشف منها التواصل الوجداني والنفسي، ولا وضع الذات التي هي موضوع الامتحان عند تقديم الشهادة، على خلاف المذكرات التي صدرت عن فرنسيين وجزائريين رووا مسيرة الثورة باللغة الفرنسية.

الأنا المتكلم وصعوبة تقديم الشهادة

واجهت رواية تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية عوائق وصعوبات لا تعزى إلى حالة التعقيد التي لازمت تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، ولا إلى الضغط السياسي والأيديولوجي الذي ساد عقودًا من الاستقلال الوطني فحسب، سواء كان ذلك في الجزائر أو في فرنسا إلى حدّ ما. بل إنّ الأمر الصعب يعزى أيضًا إلى الذات التي حاولت أن تتحدث عن تجربة المناضل الجزائري لحوادث الثورة. فقد افتقرت هذه الذات إلى لغة الحديث والتعبير الذي يستوعب الحدث والموقف ويتفاعل بصدق معه، من دون افتئات، أو اختزال، أو تشويه، أو تزييف. وفي أغلب الأحيان، لم تطاوع المناضل الجزائري اللغة التي عبَّ بها عن مجريات

الثورة، سواء كان ذلك في جانبها العسكري، أو السياسي، أو حتى في الحياة اليومية، على نحوٍ يكشف فعلً حقيقة ما وقع. فعلى الرغم من أنّ السرد ورواية الحياة الماضية يجرى عبر الذاكرة المفعمة بالذاتية والخيال، فإنّ جلّ المذكرات وردت خاليةً من البعد الذاتي الذي يُضفي خاصية التفرد وما هو شخصي وخصوصي لصاحب الشهادة. إنّ الحديث عن الماضي لا يتعلق بشخص واحد بقدر ما يتعلق بكل الذين عاصروا الثورة التحريرية، بوصفه أفضل سبيل إلى معرفة ما جرى وكيفية جريانه. فالذَّات وهي تسرد الوقائع تكون في حالة من الإدراك والوعي لا يضيع في زحمة الحاضر وضغوطه ولا أهواء النفس وطموحاتها المنفلتة، وتبدي قدرةً على النأي عن الأغراض والأطماع عير المستحقة؛ أي إعادة التصرف في التاريخ الذي هو ملك الأمة وليس ملكًا الأشخاص. بناءً على ذلك، فإنّ عملية استعادة الماضي واستحضاره هي لمصلحة الأمة. وهذه الاستعادة تصبّ في الذاكرة الجماعية وبها يتعزّز سند الدولة، والمجتمع، والعالم بأجمعه أيضًا. وإنّ الوقوف على حقيقة

ما وقع يضطلع به كلّ من عاصر تجربة الثورة التحريرية وعاشها بكلّ تراكمها وعنفها. ومن خلال تقاطع الشهادات والتقائها واختلافها، تظهر الحقائق التي يستعين بها الباحث في كتابة التاريخ وتحليله. ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة من الشهادات مدونةً في كتبٍ لمناضلين جزائريين شاركوا في الثورة التحريرية. وفيها، لا يظهر الأنا المتكلم على نحوٍ جليٍّ يقّرب الموضوع من الذات، أو يمكّن الذات من الاقتراب من الموضوع المراد روايته. فالمجاهد عمر شيدخ العيدوني، مثلً، يروي في شهادته المتعلّقة بالثورة التحريرية، وقائع الثورة في المنطقة الثانية كما عاشها، ويخص ناحية "أولاد عيدون" ودورها في هذه الثورة. وفي هذه الشهادة لا يتحدث المجاهد بأناه الخاصّ مباشرةً بقدر ما يبوح بتاريخ الثورة إلى من يكتب له، إلى كاتب صحافي تحديدًا.

فالمجاهد - كما يذكر هو نفسه - مناضل بسيط، متابع لشأن الثورة ومساهم فيها على قدْر مستواه في التنظيم. ويقول عن السياق الذي جعله يلتحق بمناضلي الحركة الوطنية من حزب انتصار الحريات الديمقراطية: "كنا نسكن في مشتة 'عرفة' على بعد كيلومترين تقريبًا من المدينة، وكنت أراقب عن كثب نشاط المناضلين، واقتربت أكثر من أعضاء حركة الانتصار، فآمنت

بهم واقتنعت بما يحملون من أفكار وتصوّرات لأنها كانت تُعبر بصدق عن أحاسيس كانت تخالجني، فلازمتهم وازدادت

ثقتي بهم، فنلت ثقتهم بدوري، وأصبحت واحدًا منهم، وبدأت أكتشف أشياء كثيرةً عن تنظيمهم وطبيعة عملهم فازداد

حبِّي لهم وقناعتي بهم، وأكثر ما شدنّي إليهم أفكارهم السامية، وه مَمهم العالية، ونفوسهم الكبيرة، فقد كانوا مثالً للخُلق

الرفيع والسريرة الصافية، يعينون الضعيف وينصرون المظلوم ويغيثون الملهوف من أبناء بلدهم البسطاء. ولشد ما كانوا يكرهون الاستعمار وأدواته"18. ذلك ما كانت عليه حالة المجاهد شيدخ قبل الثورة، فهو من أنصار الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية التي منها انبثقت نواة المجموعة التي قررت التحضير وإعلان الثورة وتنفيذها. وإنّ حياة المجاهد هي حياة عادية جدًّا، وشهادته تصدق على الآلاف من الذين ناضلوا في صفوف الحزب وشاركوا في الثورة. لكنّ محاولة استعادة وقائع الثورة ومجرياتها وسيرورتها هو

الامتحان الصعب عندما يراد للجزائر أن تفترض استمرار الحرب على المستعمر، حتى وإن استقلت عام 196219. يقتضي الوعي بتاريخ الثورة التحريرية حديثًا عنها بوصفها وضعًا لازم الجزائريين والفرنسيين أيضًا؛ لأنّ الحرب قامت أصل

بينهم جميعًا. ومن ثمّة، تندرج الثورة في ما يُعرف ب "التاريخ المشترك" الذي يشترط الرؤى المتقاطعة في مستوى المقاربة والمنهج.

لكنّ هذه الطريقة في التعامل مع التاريخ الفرنسي في الجزائر لم تُستسغ بعدُ، بخاصة من الجهة الجزائرية، وهي مستبعدة من

البحث العلمي والتاريخي. على خلاف التجربة السابقة، نجد تجربةً أخرى للمناضل محمد حربي الذي كتب مذكراته20، وحاول منذ البداية أن يعصم نفسه من الزلل وطيش الهوى من خلال رواية الحوادث من الذات؛ لكي يمد التاريخ بأكثر ما يمكن أن يُفهم ويُعقل ويُقبل

أيضًا. وفي هذا السِّياق تتمثّل المقاربة بسرد التاريخ الذي عاصره صاحبه ويطلق عليه "أنا - تاريخ"، وهي مقاربة تنطلق من الذات

لكي تروي وقائع الماضي بوصفه ماضيًا لصاحبه؛ أي إنه هو الذي رواه، لتصبح قصةً تاريخيةً تُعرِّف صاحبها. وبدايةً من التمهيد لجأ المناضل والمؤرخ محمد حربي إلى تقديم العوامل التي تستدعيها مغامرة سرد تجربة كفاح. فقد كان على وعي كبير بمسألة التزييف والتحريف في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية والثورة التحريرية، كما أنه يدرك صعوبة رواية الحدث من طرف واحد، أو من جهة رسمية، والبطانة الأيديولوجية التي يمكن أن ترتبط بالتاريخ بمعناه النبيل، ويدرك الحرْف

الكبير أيضًا. الحقيقة، أنه لا تاريخ إلا من خلال الأشخاص الذين عاشوا الحدث وتفاعلوا مع نوازله وسياقاته، ثمّ راحوا بعد حين

17 عمر شيدخ العيدوني، مملكة الفلاقة (عين مليلة: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع،  2011)، ص  30. 18 في تقديمه لكتابمملكة الفلاقة، يقول الإعلامي بلال بوجعدار: "والظاهر أنه هو الذي صاغ شهادة المجاهد عمر شيدخ: مملكة الفلاقة، رسالة رجل التفجير، إلى

جيل البناء والتعمير، ليواصل المعركة بعزم وثبات، فعدوُّ الأمس مازال متربصًا، وإن بدّل جلده وأسلوبه، ولن يغفر أبدًا للأجيال الحاضرة والآتية ما فعل به الأوَّلون، فليأخذوا

حذرهم ويحموا مكتسباتهم وليعدُّوا ما استطاعوا من قوة فالحرب سجال وأبدًا لن تنتهي"، ص  8.

وإنّ الاعتراف بوجود معركة مع عدو أمس هو ضرب من افتراض الاستعمار، وتعليق لكلِّ الإخفاقات التي مُنيت بها تجربة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية، ومن ثمّة تعليق

التخلف والفساد المالي والعمراني والإداري بالاستعمار. فحتى بعد خمسين عامًا من الاستقلال، مازال وهْم الاستعمار يطارد حياة الجزائريين ويجبرهم على التعامل معه بوصفه

حالةً واقعةً، وبوصف معركة التنمية الوطنية جزءًا من الحرب على مستعمر الأمس الذي لم ينقضِ بعد.

19  Mohammed Harbi, Une vie debout: Mémoires politiques 1945  -  1962 , vol.  1  (Algérie: Casbah,  2001).

  1. عمر شيدخ العيدوني، مملكة الفلاقة (عين مليلة: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع،  2011)، ص  30.
  2. في تقديمه لكتابمملكة الفلاقة، يقول الإعلامي بلال بوجعدار: "والظاهر أنه هو الذي صاغ شهادة المجاهد عمر شيدخ: مملكة الفلاقة، رسالة رجل التفجير، إلى جيل البناء والتعمير، ليواصل المعركة بعزم وثبات، فعدوُّ الأمس مازال متربصًا، وإن بدّل جلده وأسلوبه، ولن يغفر أبدًا للأجيال الحاضرة والآتية ما فعل به الأوَّلون، فليأخذوا حذرهم ويحموا مكتسباتهم وليعدُّوا ما استطاعوا من قوة فالحرب سجال وأبدًا لن تنتهي"، ص  8. وإنّ الاعتراف بوجود معركة مع عدو أمس هو ضرب من افتراض الاستعمار، وتعليق لكلِّ الإخفاقات التي مُنيت بها تجربة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية، ومن ثمّة تعليق التخلف والفساد المالي والعمراني والإداري بالاستعمار. فحتى بعد خمسين عامًا من الاستقلال، مازال وهْم الاستعمار يطارد حياة الجزائريين ويجبرهم على التعامل معه بوصفه حالةً واقعةً، وبوصف معركة التنمية الوطنية جزءًا من الحرب على مستعمر الأمس الذي لم ينقضِ بعد.
  3. Mohammed Harbi, Une vie debout: Mémoires politiques 1945  -  1962 , vol.  1  (Algérie: Casbah,  2001).

من الدهر يحاولون استعادة اللحظة الماضية، واستبطانها، والبوح بها، بالقدْر الذي تكون مفهومةً وواضحةً لدى الأجيال التي جاءت لاحقًا؛ لكي تتواصل مع التاريخ بأيّ نوع من التواصل كان. يروي محمد حربي في مذكراته قصة حياته أثناء الثورة، وقد عهد إلى زميله أندري أكُّون André Akoun أن يطارده بالأسئلة ويلاحقه بالنقد الذي يتحرى الصدق والحقيقة؛ حتى تُلجم الذات عن الجنوح كثيرًا إلى الملاطفة والنرجسية، ويلزم نفسه العودة

كلّ مرة إلى جادة الطريق والاعتصام بها إلى نهاية القصة. وممّا أعان أيضًا محمد حربي على تحرِّى الموضوعية والكتابة السلسة

الملتزمة قدْر الإمكان، وأعاده إلى ما كان يدور في هذه الثورة، لغته الفرنسية. فقد كان متقنًا للحديث السياسي والواقعي والتزام الموضوعية في التعبير بهذه اللغة، بعد ما جرى تجريد كثير من الكلمات خلال حقبة الحداثة، حتى أنها صارت تحمل دلالات اصطلاحيةً حديثةً ومعاصرةً، وخُلِّصت من عدّة حمولات إنشائية وبلاغية كثيرة. يعترف حربي بأنّ ما سَيُقْدم عليه من رواية ماضي ثورة التحرير ليس بالأمر الهيّ؛ لأنه مناضل سابق، ومثقف، ورجل

سياسي، فضلً عن أنه باحث في التاريخ، ومعارض للسُلطة منذ انقلاب جوان  1965. وهو لم يُقدم على رواية قصة حياته من جهة

فردية بقدر ما حاول أن يساوق البيئة الاجتماعية والسياسية التي عاشها وتحكمّت فيه أيضًا. إنه فرد لا يبتعد عن الجماعة؛

لأنّ الجماعة تحتاج إليه لحظة سرد الوقائع وشرح المواقف. وفي هذا المدخل المؤطِّر لرواية التاريخ، يتساءل المؤلف: "لماذا هذه المذكرات؟". من خلال تجربتي، أريد أن أفهم الطريقة التي جرت فيها حوادث مهمّة جعلت الجزائر، ومنها بلدتي في الجزائر،

تنتقل من عالم تقليدي، ومن عيش حالة من التعقيد والوقوع تحت تأثير الحداثة؛ بحكم وجود الاستعمار، إلى الجزائر الدولة التي لم تتعزّز بعدُ كاملةً. يتعلق الأمر، في هذه المذكرات، بتسليط الضوء على مصائر، وليس ذلك انطلاقًا من حياة خاصة - حتى وإن جرت بصيغة الضمير المتكلم – بل بحياة الجماعة"21. ثمّة حالة أخرى لرواية حرب التحرير من جهة بعض الجزائريين الذين شاركوا فيها كفرنسيين جنَّدتهم الحكومة الفرنسية

لإخماد الوضع وتسويته على غرار ما يُحفظ النظام العامّ من القلاقل التي يمكن أن تنتاب الحياة العامة في البلد. فقد وُجد جزائريون انخرطوا في مؤسسة الجيش الفرنسي ووصلت إليهم الثورة وهم في كنفه، وكانوا قد شاركوا في بداية الأمر في تنفيذ إجراءات حفظ الأمن قبل قيام ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر  1956. وبعد مؤتمر الصومام، سارع الجزائريون المجنَّدون تحت العلم الفرنسي إلى الهروب من الثكنات إلى جبال الكفاح والنضال. لكنّ الأمر لم يكن يتعلق بجميع من كانوا في الجيش الفرنسي، بل وُجدت فصيلة أخرى من الجزائريين الفرنسيين الذين كانوا يؤدون واجب الخدمة العسكرية ضريبةً عاديَّةً للدولة الفرنسية، وجنّدتهم الحكومة الفرنسية في عملية وضع حدّ ل "التمرد" و"الفوضى" و"عدم الاستقرار" والضرب على يد "الخارجين عن القانون" و"الإرهابيين"، وهي الكلمات التي كانت تتداولها أجهزة السُلطة الفرنسية العسكرية، والأمنية، والإعلامية. الحقيقة أنّ ذاكرة الجزائريين لم تنشط، ولم تحاول استعادة حياة من كانوا في الجيش الفرنسي، ولم تسرد تفاصيل ما كان يحدث لهم وما كانوا يفكرون فيه ويتطلعون إليه، في سياق الحرب التحريرية، وخصوصًا أولئك الذين واصلوا العمل

في الجيش الفرنسي إلى آخر الاستقلال. ولعلّ يوسف خيضر لُولَح، أحد الذين شذُّوا عن حالة الصمت والتكتم الذي ضربه

20  Ibid., p.  5 , 6.

  1. Ibid., p.  5 , 6.

المجاهدون والمناضلون والمجنَّدون في المؤسسة العسكرية الفرنسية على أنفسهم. فقد كتب مذكراته22، وقدَّم شهادته في كل حالاتها حتى وهو يُنفذ سياسة إخماد الوضع العامّ في الجزائر في صفوف الجيش الفرنسي. فكيف واجه هذا المؤلِّف محاولة سرد الحدث التاريخي؟ خيضر لولح، متعلم، يحسن اللسان الفرنسي، وهو مناضل يساري، وصحافي إنْ في فرنسا أو في الجزائر بعد الاستقلال. وفي شهادته، التي جاءت بضمير المتكلم، بعد ما حاول أن يبدأها بضمير الغائب وتيقّن أنّ هذا الضمير يبتعد عن التاريخ ولا يساعده على محايثة الفترة المراد التأريخ لها، ومجايلتها، وإعادة امتلاكها، على أيّ نوع كان من الامتلاك، يقول المؤلف إنّ الشهادة يجب أن تُقدم بضمير المتكلم لأنّ هذا الضمير يُفصح بتلقائية عن ذات المتكلم نفسه ويستحث وعيه بالكامل إذا ما رام الصدق.

وفي شهادته بشأن تاريخ الحرب التحريرية سواء طَوال الخدمة التي شارك فيها أو في الفترة التي جاءت بعدها، نقف على ذات تتحرك بوعي، وتتفاعل مع لحظة التاريخ في جميع جوانبها، مع الصدق في الحديث مع الآخر أو مع الذات؛ أي التفكير الداخلي، أو لحظات المناجاة والحديث الصامت. أبدى المؤلف قدرةً مميزةً على سرد الحوادث من خلال الذات، وأعاد تشكيل حياته كما عاشها في صيغة رواية تاريخية، من دون رومانسية قد تجعل عمله مصنَّفًا ضمن الأعمال الخيالية، وهو القائل في مستهل مذكراته: "السرد، الوارد هنا، حقيقي، لم أرصّع، ولم أحرّف، ولم أغيّ، ولم أتكتَّم أيضًا. كلّ شيء واقعي وصحيح: الوقائع، والأسماء، والتواريخ، والأماكن والنوادر.

وقد تعيّ عليّ أن آخذ في الحسبان ما هو مهمّ، وأطرح جانبًا كلّ ما لا طائل فيه وزائد ولا أهمية له"23. ذلك ما يعترف به المؤلِّف المناضل في سرد الحوادث (أي موضوع التاريخ)، لكن لمّا تعلَّق الأمر بحالة سرد حياته الماضية ووضعيته، فإنه اضطر إلى نوع من التغيير في طريقة الشهادة وعرضها؛ لأنّ فعل التذكُّر لا يتحقّق مرةً واحدةً ولا بكيفية واحدة في كل لحظات العمر، بل إنه يتغير ويتحول بحسب الوضعية، وبحسب الوجود أيضًا24. رواية التاريخ وكتابته هي من التاريخ الراهن الذي يكاد يعدم الفواصل بين الموضوع والذات لمصلحة التطابق بينهما. والشاهد في هذا السياق هو ما يقوله المؤلف نفسه: "ظهرت أوّل طبعة لهذه الشهادة عام  2009 في باريس وتلتها طبعة ثانية في

شهر سبتمبر [أيلول] بعنوان مذكرات صغيرة، أن تكون من هنا وهناك "25، إشارةً إلى فرنسا والجزائر. ثمّ يضيف المؤلف: "هذا

الكتاب ليس النسخة نفسها التي نشُرت في فرنسا. فقد تعرض مضمون هذه النسخة الجزائرية إلى نظر جديد وإثراء وتحديث حتى يتجاوب، قدر الإمكان، مع رؤية الحوادث والوقائع وطريقتها ومقاربتها من المنظور الجزائري "26.

21  Yousef Khider Louelh, Un homme du peuple: de la Kabylie à Paris, Moscou et Bakou: parcours d'un militant progressiste (Algérie: El Othmania,  2012). 22  Ibid., p.  5.

23 الوضعية في هذا السياق هي بالمعنى الفلسفي الذي ساد في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. وهي نزعة تربط الإنسان بالوضعية التي يوجد فيها. فهو

يتحوّل ويتغير بناءً على وضعية الحياة وسياقها اللذين يوجد فيهما. ولهذه النزعة صلة بالوجودية التي تنزّل الإنسان منزلةً يتحمّل فيها مصيره وعبء حياته بقدر الحالة التي

يوجد فيها، ومن ثمّة يحدث التحوّل والتبدّل اللذين يطرآن على الإنسان، ومن أمثلة ذلك مذكرة يوسف خيضر لُولَح ,Mémoires minuscules ici'être d et aussi de

là-bas. فطالما غيّ السارد طريقة سرد روايته، بناءً على وضعيته ووجوده.

24  Louelh. 25  Ibid., p. 6.

  1. Yousef Khider Louelh, Un homme du peuple: de la Kabylie à Paris, Moscou et Bakou: parcours d'un militant progressiste (Algérie: El Othmania,  2012).
  2. Ibid., p.  5.
  3. الوضعية في هذا السياق هي بالمعنى الفلسفي الذي ساد في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. وهي نزعة تربط الإنسان بالوضعية التي يوجد فيها. فهو يتحوّل ويتغير بناءً على وضعية الحياة وسياقها اللذين يوجد فيهما. ولهذه النزعة صلة بالوجودية التي تنزّل الإنسان منزلةً يتحمّل فيها مصيره وعبء حياته بقدر الحالة التي يوجد فيها، ومن ثمّة يحدث التحوّل والتبدّل اللذين يطرآن على الإنسان، ومن أمثلة ذلك مذكرة يوسف خيضر لُولَح ,Mémoires minuscules ici'être d et aussi de là-bas. فطالما غيّ السارد طريقة سرد روايته، بناءً على وضعيته ووجوده.
  4. Louelh.
  5. Ibid., p. 6.

إنّ الوعي بحقيقة ما حدث في الفترة 1954  -  1962، يستدعي إدراجه في المجال العامّ والتعامل معه بوصفه ثقافةً ونمط تفكير قابل للجدل، والنقاش، والحوار، وإعادة النظر، أو يستدعي توكيد حقائق كانت ضائعةً، أو تفنيد أباطيل كانت سائدةً. وتحت وطأة هذا الإلحاح نحتاج إلى الواقعة "في أبعادها الثلاثة" كما يقال حاليًّا في عالم الإعلام؛ أي الصورة، والنص، والصوت؛ بقصد توافر الصدقية لشهادة معاصر الحدث عندما يعرف أنّ عليه أن يرويَ ما جرى روايةً علانيَّةً مباشرةً، وينتظر الرد والنقد والدحض، ويتجشم القدْر الممكن من الصدق، ويلتزم ما وقع فعلً؛ مخافة الوقوع في التزييف والتشويه اللذين يعطلان الكتابة التاريخية للثورة التحريرية. في هذا المضمار تحديدًا، نسجّل غيابًا مفزعًا ومروّعًا للشريط الوثائقي بوصفه وسيلةً لتوزيع الوعي التاريخي في المجتمع الجزائري27، بخاصة عندما ندرك القيمة الاجتماعية والإعلامية والثقافية التي صارت عليها الأفلام الوثائقية، وهي تتطلب تقنيات واستشارةً تاريخيةً ودرايةً بطرائق الإعداد والإخراج، فضلً عن التعليق والحوار والنقاش الذي يعقبها بعد ذلك، وهي في أغلب الأحيان، تستقطب أعدادًا كبيرةً من المشاهدين والمستمعين. وهكذا، تظهر قيمة الشريط التاريخي وأهميته في اللحظة التي تضمّ "الجميع" لمشاهدة الحصة التاريخية والاستماع إليها، وهو ما يساعد على تلاقي الوعي المشترك والوعي الجمعي وتلاحمهما بشأن ما جرى في الجزائر، واستعادته في مستوى الذاكرة والكتابة التاريخية.

انتصار عىل عدوّ مجهول

أغلب المذكرات والشهادات المتعلّقة بالثورة الجزائرية لا تُحدد الخصم الذي رُفِع في وجهه السلاح، ولا تظهر أنها تعرفه لكي تبرر السبب الذي جعلت أصحابها ينخرطون في الثورة ويلوذون بالمقاومة المسلحة سبيلً إلى تحرير الوطن. فالعدو غائب في الذاكرة ولا ذكر له، كأنّ الثورة قامت ضدّ مجهول بلا ملامح، وكأنه لا يوجد أيُّ تحديد يستدعيها؛ إذ توجد حالة من التغاضي عن رؤية الخصم/ العدو كما كان عليه في الواقع سواء بوصفه مؤسسةً وأجهزةً، أو أفرادًا وقوميات. فليس ثمة وصفٌ لحياة الناس ولصلة المناضل الثوري بهم، كما أنّ حياة ما قبل الثورة لا تُذكر إلا لمامًا، إلَّ في حالات متعلّقة بمن رَوُوا مذكراتهم أو كتبوها باللغة الفرنسية. وتظلّ الحقيقة الغائبة في هذه الشهادات متمثّلةً بالسؤال: ما سبب الالتحاق بالثورة أو الدافع إليها؟ ما جاء على لسان الجزائريين وأقلامهم، من الذين حاولوا أن يؤرخوا للثورة، لا ذ كر فيه لأسماء أجانب جاؤوا والرغبة الأممية تمتلكهم في إلحاق الهزيمة بالاستعمار وتحرير الإنسانية منه، كما أنّ هذه المذكرات لا تقف أيضًا على المعارضين الفرنسيين الذين وقفوا ضدّ السُلطة الاستعمارية ووقفوا إلى جانب تنظيمات وشبكات ثورية وتحررية.

26 تعاني الجزائر كلّها دولةً وتاريخًا غياب الشريط الوثائقي لتاريخها، في حين يواكب الجانب الفرنسي دائمًا عبر آلاف من الكتب والأفلام عرضًا متواليًا لا يتوقف للتاريخ

الاستعماري وحرب الجزائر. والحقيقة الم رَّة في هذا الأمر أنّ القنوات الفرنسية تُشاهد في الجزائر بوصفها امتدادًا للقنوات الوطنية. ومن ثمّة، تكون هذه المشاهدة أكثر مسايرةً للمعنىُ

الفرنسي وتاريخ الاستعمار وحرب الجزائر، ويدرج ذلك كلّه في البيبليوغرافيا والفيلموغرافيا التاريخية لفرنسا، الأمر الذي يزيد علاقة الوعي الجزائري بالتاريخ الحديث والمعاصر تعقيدًا.

  1. تعاني الجزائر كلّها دولةً وتاريخًا غياب الشريط الوثائقي لتاريخها، في حين يواكب الجانب الفرنسي دائمًا عبر آلاف من الكتب والأفلام عرضًا متواليًا لا يتوقف للتاريخ الاستعماري وحرب الجزائر. والحقيقة الم رَّة في هذا الأمر أنّ القنوات الفرنسية تُشاهد في الجزائر بوصفها امتدادًا للقنوات الوطنية. ومن ثمّة، تكون هذه المشاهدة أكثر مسايرةً للمعنىُ الفرنسي وتاريخ الاستعمار وحرب الجزائر، ويدرج ذلك كلّه في البيبليوغرافيا والفيلموغرافيا التاريخية لفرنسا، الأمر الذي يزيد علاقة الوعي الجزائري بالتاريخ الحديث والمعاصر تعقيدًا.

وفي مقابل ذلك، نجد حرصًا على كشف الخصومات والنزاعات التي قطَّعت أوصال المناضلين داخل الصف الواحد28 أو

ضدّ التنظيم الآخر29. وفي الحقيقة، تبيّ أنّه ثمّة حاجز فكري وسياسي ونفسي يفصل بين جلّ المناضلين الجزائريين، فضلً عن

عُقدتهم تجاه المؤسسات الفرنسية والحياة الفرنسية التي كانت قائمةً زمن الثورة وما قبلها. ولعلّ أبرز أسباب غياب التواصل، أو

انعدامه، عدم امتلاك اللغة الفرنسية، والتفاوت الاجتماعي الذي كان يفصل بين سكان الريف وأهل المدن، واختلاف المراكز القانونية بين السكان الجزائريين والأوروبيين، بناءً على الفروق في الحقوق السياسية، والحريات العامة، والمستوى التعليمي

والثقافي والوظيفي.

خاتمة

إذا كانت رواية الواقعة التاريخية تحتاج إلى قوَّة إدراك، وإلى وعي بالذات وبالموضوع، فإنّ ما افتقده المناضل الجزائري زمن

الاستعمار هو الوعي الثقافي والسياسي الذي يوسع به خياله ومداركه وملكاته، ليحتفظ بعد ذلك بالصورة والمشهد فيستطيع أن يسرد شهادته على نحوٍ أقرب إلى الصّحة وإلى ما جرى فعلً. وقد حرم فقدان التواصل ومجاورة الآخر، أيضًا، المناضلَ الجزائري

إمكانَ سرد مجريات الكفاح المسلح على أساس خلفية الوجود الجزائري الفرنسي حتى في حالة كونه ضدًّا للآخر. لكنّ الضد الذي

يؤكِّد الأنا بوصفه ذاتًا فاعلةً، ويؤكِّد الآخر بوصفه طرفًا خصمًا يمكن تحديه وتجاوزه. والذين كانت لهم القدرة على التواصل مع

الفرنسيين هم الذين تصدروا المشهد السياسي والدبلوماسي والوجودي العامّ زمن الثورة، وهم الذين استطاعوا رواية تاريخ الثورة

التحريرية بوصفها فصلً ثانيًا من صنع الثورة نفسها أيضًا.

27 نذكر على سبيل المثال الشهيد عبَّان رمضان الذي اغتاله بعض أصدقائه المقربين إليه جدّا. وقد نشرت جريدة المجاهد، لسان حال جبهة التحرير الوطني في ذلك الوقت،

صورةً له بعنوان "الشهيد عبَّان رمضان يسقط في ساحة الشرف"، انظر: العدد  24  -  25 أيار/ مايو  1958، ج  2، ص  460  -  462.

28 في هذا الصدد، نذكر الصراع المسلح بين أنصار مصالي الحاج في تنظيمهم الحزب "الحركة الوطنية الجزائرية" والتنظيم الثوري الجزائري المتأتي من التيار المصالي نفسه

في فترة ما قبل الثورة؛ أي جبهة التحرير الوطني.

29 يُعْزى فضل الكفاح السياسي والدبلوماسي والأيديولوجي، إضافةً إلى الكفاح المسلح الذي أفضى في نهاية المطاف، إلى مجموعة الجزائريين الذين كانت لهم القدرة على

التواصل والحديث والحوار، ثمّ التفاوض مع الإدارة الفرنسية باللغة التي تفهمها. فقد كانت مسألة التفاهم والتواصل متوقفةً على قدرة المناضل الجزائري على إبداء الرأي

والاقتراح والمطلب، بالقدْر الذي يُقنع الآخر به. ولعلّ المثال الذي يمكن أن يساق في هذا الشأن، أنّ أول رئاسة حكومة موقَّتة للجمهورية الجزائرية، عُهدت إلى فرحات

عباس، المناضل السابق في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، بوصفه شخصيةً متمرسةً في التعامل مع الإدارة الاستعمارية، وممتلكًا للُغة فولتير، وبوصفه مناضل

سياسيًّا ومثقفًا سبق أن وضع مشروع دستور للجمهورية الجزائرية عام  1948.

  1. نذكر على سبيل المثال الشهيد عبَّان رمضان الذي اغتاله بعض أصدقائه المقربين إليه جدّا. وقد نشرت جريدة المجاهد، لسان حال جبهة التحرير الوطني في ذلك الوقت، صورةً له بعنوان "الشهيد عبَّان رمضان يسقط في ساحة الشرف"، انظر: العدد  24  -  25 أيار/ مايو  1958، ج  2، ص  460  -  462.
  2. في هذا الصدد، نذكر الصراع المسلح بين أنصار مصالي الحاج في تنظيمهم الحزب "الحركة الوطنية الجزائرية" والتنظيم الثوري الجزائري المتأتي من التيار المصالي نفسه في فترة ما قبل الثورة؛ أي جبهة التحرير الوطني.
  3. يُعْزى فضل الكفاح السياسي والدبلوماسي والأيديولوجي، إضافةً إلى الكفاح المسلح الذي أفضى في نهاية المطاف، إلى مجموعة الجزائريين الذين كانت لهم القدرة على التواصل والحديث والحوار، ثمّ التفاوض مع الإدارة الفرنسية باللغة التي تفهمها. فقد كانت مسألة التفاهم والتواصل متوقفةً على قدرة المناضل الجزائري على إبداء الرأي والاقتراح والمطلب، بالقدْر الذي يُقنع الآخر به. ولعلّ المثال الذي يمكن أن يساق في هذا الشأن، أنّ أول رئاسة حكومة موقَّتة للجمهورية الجزائرية، عُهدت إلى فرحات عباس، المناضل السابق في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، بوصفه شخصيةً متمرسةً في التعامل مع الإدارة الاستعمارية، وممتلكًا للُغة فولتير، وبوصفه مناضل سياسيًّا ومثقفًا سبق أن وضع مشروع دستور للجمهورية الجزائرية عام  1948.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

الإبراهيمي، أحمد طالب. مذكرات جزائري. الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006. العيدوني، عمر شيدخ. مملكة الفلاقة. عين مليلة: دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع،  2011. سعد الله، أبو القاسم. أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر. الجزائر: دار البصائر، 2007. كشيدة، عيسى. مهندسو الثورة: شهادة، موسى أشرشور وزينب قبي (مترجمان). الجزائر: منشورات الشهاب،  2010. المدني، أحمد توفيق. حياة كفاح. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982.

المراجع الأجنبية

• Aux origines du FLN: le populisme révolutionnaire en Algérie. Paris: Christian Bourgeois, 1975. • Bédarida, François. "l'histoire du temps présent, revue science humaines," Sciences Humaines , no.  18 , septembre - octobre 1997. • Courrière, Yves. la guerre d'Algérie. Paris: Laffont, 1990. • Fanon, Frantz. l'an V de la révolution algérienne. Paris: Maspero, 1959. • Les damnés de la terre. Paris: Gallimard, 1991. • Harbi, Mohammed. Le FLN Mirage et Réalité: Des Origines à la Prise du pouvoir (1945  -  1962). Paris:  Jeune Afrique, 1980. • Une vie debout: Mémoires politiques 1945  -  1962. Algérie: Casbah,  2001. • Louelh, Yousef Khider. Mémoires minuscules, être d'ici et aussi de là-bas. Paris: Edilivre, 2009. • Un homme du peuple: de la Kabylie à Paris, Moscou et Bakou: parcours d'un militant progressiste. Algérie: El Othmania,  2012. • Simon, Jacques. l'immigration algérienne en France, des origines à l'indépendance. Paris: Méditerranée, 2000. • Sportisse, William. Le camp des oliviers, parcours d'un communiste algérien, entretiens avec Pierre-Jean Le Foll-luciani. Algérie: El Ijtihad,  2013. • Stora, Benjamin. l'Algérie en 1995: la guerre, l'histoire la politique. Paris: Michalon, 1995. • La guerre des mémoires: la France face à son passé colonial. Paris: l'aube,  2012. • Les trois exils , juifs d'Algérie. Paris: Pluriel,  2006. • Vergès, Jacques. l'anticolonialiste: entretiens avec Philippe Karim Felissi. Algérie: Chihab Editions, 2005.