التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي
Periodization in Arab Islamic History
الملخّص
تحتل مسألة التحقيب مركز الاهتمام في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتثير نقاشًا متعدد الاختصاصات يجدد إشكالياتها ومقارباتها. اهتم الدارسون في العالم الغربي بهذا الموضوع منذ قرون. لكنّه لم يحظ باهتام كبير عند العرب، على الرغم من أنّه يمثّل حقل استكشاف وتفكير له بعد معرفي أكيد. لهذا السبب تهتم مجلة أسطور بإعادة طرح هذه المسألة. في هذا الإطار عقدت مجلة أسطور للدراسات التاريخية ندوة بعنوان "التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي" في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2015 وشارك فيها عدد من الأساتذة والباحثين العرب. قدُمت في الندوة مداخلات فكرية وزعت على ثلاث جلسات، هي: التحقيب وأشكاله، وتحقيب المجالات: تجارب ومقاربات، والتحقيب في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
Abstract
Periodization is central to the social sciences and humanities, where it is often the cite of multidisciplinary debate. Interest in the question of periodization among Western academics predates that among Arab scholars, despite the centrality of the question. Ostour highlighted this issue at a symposium on December 20 , 2015. The proceedings were divided into three main sessions: "Periodization and the Forms Taken by Periodization"; "Periodization in Various Domains: Experiences and Approaches"; and "Periodization in the Social Sciences and Humanities".
- تحقيب
- تعدد التخصصات
- التاريخ الإسلامي
- ندوة
- أسطور
- Periodization
- Interdisciplinary
- Islamic history
- Symposium
- Ostor
Periodization in Arab Islamic History (Ostour's Symposium)
الجلسة الأوىل: التحقيب وأشكاله
(رئيس الجلسة: عبد الرحيم بنحادة)
القسم الأول: املداخلات
عبد الرحيم بنحادة: في هذه الجلسة سنتناول التحقيب كمفهوم، ونعرض أيضًا لأشكال التحقيب التي درج المؤرخون على اعتمادها سواء تعلّق الأمر بالغرب الأوروبي أو بالعالم العربي. وسيتناول الكلمة فيها عبد الحميد هنية الذي سيقدّم ورقةً بعنوان "حول التحقيب التاريخي"، ومحمد الطاهر المنصوري الذي سيتناول موضوع "منطق التحقيب"، ويوسف الشوري الذي سيتحدّث عن "التحقيب والتاريخ"، ثمّ ناصر سليمان الذي سيعرض ل "إشكالية التحقيب الكولونيالي للحملة الفرنسية على مصر". الكلمة للمتدخّل الأوّل عبد الحميد هنية.
عبد الحميد هنية
حول التحقيب التاريخي
أصبحت مسألة الزمن والتحقيب التاريخي تحتلّ مركز الاهتمام في العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ إذ ما انفكّت تثير نقاشًا متعدد الاختصاصات يجدد إشكالياتها ومقارباتها. اهتم الدارسون في العالم الغربي بهذا الموضوع منذ قرون. لكنّه لم يحظ باهتمام كبير في البلاد العربية والإسلامية، وفي العالم غير الأوروبي عمومًا، مع أنّه يمثّل حقل استكشاف وتفكير له بعد معرفي أكيد. لهذا السبب أساسًا تهتم مجلة أسطور بإعادة طرح هذه المسألة انطلاقًا من تساؤلاتٍ مجددة تتمحور حول المجال العربي، مع تأكيد ضرورة المقارنة مع تجارب أخرى في العالم الغربي وعوالم أخرى، مثل اليابان، والصين.. إلخ.
الخصوصيات العامة للتحقيب
إنّ التحقيب متغير بتغيّ الفاعلين؛ فهو بذلك يعبّ عن رؤيتهم للزمن وعن نظرتهم إلى الكون في لحظة تشكّله. ومن هذه الزاوية بالذات، تكتسب مسألة التحقيب أهميتها بوصفها موضوع تفكير، بخاصة إذا ما أخذ في الحسبان أنّ التحقيب هو تصنيف يكشف عن تمثلّات الفاعلين في زمن معيّ. كانت للتحقيب في الكتابة التاريخية رهاناتٌ متغيرة من خلال استعمالاته المختلفة في الزمان والمكان. إذ هو في النهاية لا يغدو أن يكون أكثر من تصنيف، تفضيلي تارة وتحقيري تارةً أخرى، يعتمد عليه الفاعلون الاجتماعيون في إطار علاقات اجتماعية محددة؛ بحيث يكون هذا التحقيب مبررًا لها (أو عنصرًا أساسيًا في تبريرها وإعادة إنتاجها)؛ بحيث يصبح التحقيب مهما كانت طبيعته مدخلً أساسيًا
للنفاذ إلى الواقع الاجتماعي، في لحظة معينة لفهمه ودراسته. من هنا تكمن أهمية التفكير في الرهانات والاستعمالات للتحقيبات، مهما اختلفت أنواعها وتغيّ زمانها. منذ القدم، جزّأ الناس (ومن بينهم على الخصوص صانعو المعرفة التاريخية) الزمن التاريخي إلى حقبٍ متفاوتة. وجرى تصنيفها بطرق مختلفة متجددة من فترة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر. إذ يمكن القول إنّ كلّ تحقيب هو نتاج لاتفاق يحصل في لحظة ما بين فاعلين معينين في إطارٍ جغرافي وفكري وزمني محدود. فهو يحمل بالضرورة بصمات هذا الإطار ويعبّ عنه. وطبيعي أن يكون كلّ تحقيب مرشَّحًا للتغيّ ما إن يحصل تحوّل في المعطيات التي كانت أساس تشكّله في الأصل. لكن التغييرات في مكوّنات التحقيب تكون أحيانًا جزئية؛ بحيث تقتصر إعادة إنتاج التحقيب أحيانًا على جوانب، وتُبقي على أخرى. وقد يحصل أن يعطى لتحقيبٍ قديم معانٍ جديدة. لم يكن التحقيب عملية تقنية ومهنية بحتة. بل مارس الفاعلون الاجتماعيون هذه العملية منذ أن أصبحوا واعين بالزمن وبمتغيراته. والوعي بالزمن وبمتغيراته هو ظاهرة إنسانية متجددة بتجدد النظرة إلى الكون. لذلك لم يحصل وعيٌ بمكوّناته دفعةً واحدة. فالوعي بالزمن الحاضر، مع إضفاء صبغة تفضيلية له، لم تعرفه الإنسانية قبل القرن السادس عشر. وكان للعالم الأوروبي السبق في ذلك؛ إذ كان ظهور النهضة في أوروبا والوعي بها خلال هذا القرن من نتائج الوعي بالزمن الحاضر. فانطلق تبعًا لذلك تحقيبٌ ثلاثي جديد علماني (قديم - كلاسيكي، ووسيط، وحديث) معوّضًا لتحقيب ثلاثي لهوتي - ديني (مسيحي) سابق. أمّا المكوّنات الزمنية لهذا التحقيب الثلاثي، فهي كالتالي: أولً، بداية الكون، وهو "زمن الجنة"، وهو أيضًا عهد "الظلام" و"الغواية"؛ ثانيًا، "الزمن الأرضي"، أي "حياة الدنيا" التي تميزت في الآن ذاته بالإنقاذ والتحرير من ناحية وبالجهالة والكفر من ناحية ثانية. تقوم هذه الحقبة في النظرة المسيحية إلى الزمن، على فكرة تحقيق المشيئة الإلهية. بحيث ينظر إلى الأحداث في هذه الحقبة على أنّها مؤقّتة ومحكومة ب"العناية الإلهية" الأبدية. بحيث كلّ ما يحدث في "الزمن الأرضي" من خير وشر ليس اعتباطًا، إنّه سيرورة نحو غايةٍ هي الآخرة حيث "الحساب الأخير". فهو بالنسبة إلى المسيحية "زمن الخلاص"؛ ثالثًا، "القيامة" و"الحساب الأخير"، أي نهاية الكون. ونجد أنّ هذا التحقيب الثلاثي اللاهوتي (أو الاسكاتولوجي) معتمدًا في كلّ الديانات السماوية التي تؤمن ببداية الخلق ونهايته في الآخرة، طبعًا بما فيها الديانة الإسلامية. نلاحظ هنا أنّ رواد النهضة الأوروبية، على الرغم من وعيهم بالزمن الحاضر واعتمادهم التفكير العلماني، لم يتجاوزوا التحقيب الثلاثي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من المخيال الجمعي السائد منذ قرون بعيدة. ويبدو أنّ تأثير هذا المخيال تواصل لقرون بعد ذلك وربّما إلى يومنا هذا. إذ تبنّى الماركسيون خلال القرن التاسع عشر النظرة التطورية إلى الزمن القائمة في أساسها على تحقيبٍ ثلاثي أيضًا. وهي نظرة تقرب في بعض جوانبها من النظرة الاسكاتوليجية؛ إذ هي تتأرجح بين "الحتمية التاريخية" (المسار المحدد بحلّ التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج)، ودور إرادة البشر في التغيير. وتجسّم التحقيب الثلاثي الماركسي في تعاقب أنماط الإنتاج: نمط إنتاج عبودي، يعقبه نمط إنتاج فيودالي، ثم نمط إنتاج رأسمالي.
وأخيرًا استنبط عددٌ من المفكرين والفلاسفة، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تحقيبًا ثلاثيًا جديدًا للزمن التاريخي يقوم هذه المرة على مركزية فكرة الحداثة: زمن "ما قبل الحداثة"، يليه "زمن الحداثة"، وأخيرًا زمن "ما بعد الحداثة". لكن الوعي بالزمن الحاضر الذي مثّل النقطة المفصلية في تطوّر النظرة إلى الكون، واعتماد التحقيب العلماني، لم يعمّما على الساكنة في الكرة الأرضية بالنسق نفسه وفي الفترات الزمنية نفسها. فكيف كان هذا التحوّل في طريقة التحقيب من حضارة إلى أخرى؟ وإلى أيّ حدٍ يمكن القول إنّ العالم العربي الإسلامي عرف تحقيبًا مختلفًا عن العالم الأوروبي قبل عصر النهضة في القرن السادس عشر وبعده؟
التحقيب يف العالم العربي الإسلامي
تبنّى المؤرخون العرب المعاصرون التحقيب التاريخي المعتمد اليوم في الجامعات الأوروبية. وهو التحقيب الذي يقسم الزمن التاريخي العالمي إلى قديم، ووسيط، وحديث، ومعاصر. وهو التحقيب الغربي الذي يرجع اعتماده لأوّل مرة، في آخر مراحل تشكّله، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، عندما أضافت المدرسة التاريخية الفرنسية الصاعدة آنذاك إلى التحقيب الثلاثي السابق حقبةً رابعة سُمّيت ب"الزمن المعاصر". لكن هذا التحقيب يطرح اليوم لدى العديد من المؤرخين العرب إشكالً ذا بعدٍ معرفي. لأنّ هذا التحقيب يقوم في أساسه على النظرة الإتنوأوروبية. لقد صاغه المؤرخون الأوروبيون لعالمهم الأوروبي، وعملوا بعد ذلك على تعميمه على تاريخ العالم بأسره، فأضفوا عليه قسرًا بعدًا معرفيًا كونيًا. لذلك اكتست إعادة النظر في هذا التحقيب بالنسبة إلى المؤرخين العرب (وكذلك بالنسبة إلى المؤرخين في بقية العالم غير الأوروبي) أهمية ذات بعد إبستيمولوجي؛ إذ أصبح من الضروري أن ينطلق كلّ هؤلاء المؤرخين (العرب، وغير العرب) من التصنيفات الزمنية التي صاغها الفاعلون في محيطاتهم على مرّ الزمان، وأن يعملوا على مساءلتها ودراستها من أجل تفَهُّميَّة أفضلَ لواقعهم. عرف العالم العربي الإسلامي أنماطًا مختلفة من التحقيب، تطورت عبر الزمن؛ إذ ورث المسلمون نظرتهم إلى الزمن عن الأديان السماوية السابقة (اليهودية، والمسيحية)، وعن اليونانيين. فنجد أنّهم تبنّوا التحقيب الديني ("العهد الجاهلي" أو "الجاهلية"، يعقبه "العهد الإسلامي الهجري" أو "الهجرة"). وفي إطار "العهد الإسلامي" تبنّوا تقسيم الزمن إلى أجيالٍ وطبقات، وإلى حوليات (أي التقسيم السنوي)، وإلى "الزمن الحلقي"، وهو المأخوذ عن "الزمن الطبيعي" عند اليونانيين. ثم يأتي "زمن الدولة" مع بداية تبلور ظاهرة الدولة بالمعنى الحديث للكلمة في العالم العربي الإسلامي. وهو زمن المجال السياسي الدنيوي الذي تتفاعل فيه المصالح وتتشابك فيه الإستراتيجيات الاجتماعية، على أن يبقي لكلٍ من الديني والدنيوي مجالهما الخاص بكلٍ منهما، من دون أن يطغى الواحد على الآخر. فأدّى اعتماد "زمن الدولة" إلى إعادة إنتاج التحقيبات السابقة من دون أن يقضي عليها كليًا، على الأقل إلى حدود حصول الوعي ب"الزمن الحاضر" مع رواد النهضة في العالم العربي الإسلامي، خلال القرن التاسع عشر. عندها، بدأ التأسيس لتحقيبٍ جديد للزمن، محوره النهضة؛ فاستنبط "عصر النهضة" الذي أدى بدوره إلى استنباط "عصر الانحطاط" ورديفه "عصر غلق باب الاجتهاد". وظهر في السياق نفسه "زمن السلف الصالح"، أو لنقل أُعيد إنتاجه بصورة مختلفة عن استعمالاته في الفترات السابقة؛ إذ إنّ مطلب الرجوع إلى "السلف الصالح" يمثّل ظاهرة كثيرة التواتر في الحضارة العربية الإسلامية. يظهر كلّما كانت هنالك حاجة إلى تبنّي
خطاب الإصلاح المختزل في مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مع إضمار أسبقية البعد السياسي على بقية سائر الأبعاد. لكن الجديد في تبنّي فكرة الرجوع إلى "السلف الصالح" خلال القرن التاسع عشر، يكمن في توظيفه بصورة مختلفة من جانب أصناف اجتماعية متناقضة تحكمها علاقات اجتماعية متوترة؛ فنجد من ناحية رواد النهضة الذين يعتمدون على مبدأ التفتّح على العالم الغربي مع تأكيد ضرورة الرجوع إلى "السلف الصالح"، ونجد من ناحية ثانية المعبّ عنهم ب"السلفيين" الذين يرفضون الأخذ في الحسبان الوضع الراهن (أي الزمن الحاضر) والأخذ من الغرب كذلك، ويتشبثون فقط بضرورة الرجوع إلى "السلف الصالح" والاقتداء به. لذلك يعيش السلفيون منذ القرن التاسع عشر على وقع حقبة "السلف الصالح"، ولا يعترفون بالزمن الحاضر وبرهاناته، إذ هو محقَّر بالنسبة إليهم مقارنةً مع زمن "السلف الصالح". كيف يمكن أن تؤثّر عملية بناء التحقيب وإعادة بنائه في تشكّل المعرفة الاسطغرافية في العالم العربي الإسلامي من فترةٍ إلى أخرى؟ وما علاقة الجماعات الإسلامية اليوم بقضية الوعي بالزمن الحاضر ومقتضياته؟ عبد الرحيم بنحادة: يبدو أنّ مسألة التحقيب، من خلال عرض عبد الحميد هنية، لا تعدو أن تكون نوعًا من التصنيف، تفضيليًّا كان أو تحقيريًّا. وهي عملية مرتبطة أشدّ الارتباط بمسألة رهانات التاريخ واستعمالاته. فالتحقيب مرتبط إلى درجة كبيرة بالاستعمال، ولا يشكّل المؤرّخ العربي خروجًا عن هذه القاعدة؛ ذلك أنّ النظرة إلى التاريخ العربي وتصنيفه ترتبط إلى حدّ كبير بتوظيف هذا التاريخ في مستويات متعدّدة. الكلمة لمحمد الطاهر المنصوري.
محمد الطاهر المنصوري
منطق التحقيب التاريخي
مقدمة
لقد دأب المؤرّخون على تناول التاريخ بصفته جملة من الحوادث المتعاقبة في الزمن، وتقسيم الزمن الماضي بصفته زمنًا مضى وولّ. ولكنّ الأسئلة التي تطرح نفسها هي: كيف ننظر إلى هذا الزمن؟ وكيف نتعامل معه؟ وكيف نموقع ذواتنا فيه؟ وقد أوكلت مسالة الإجابة عن هذه الأسئلة إلى المؤرّخين المحترفين، ولكنهم لم يتّفقوا انطلاقًا من عدّة عوامل، منها ما هو أيديولوجي ومنها ما هو معرفي. وليس بغريب أن يبقى المؤرّخ العربي ملازمًا لتقسيمات إمّا غربية أو محلّية وطنية، قد لا تعطي تقسيم الزمن التاريخي قيمة تسمح بتواصل الناشئة مع زمنهم بالنظر إلى زمن أجدادهم. ولو نظرنا إلى مختلف الأمم، لوجدنا تقسيمات مختلفة للزمن. وهي تقسيمات تخضع إلى نوع من المنطق الداخلي الذي تقوده إمّا الحوادث الكبرى، وإمّا الظواهر الاجتماعية أو الاقتصادية، وإمّا غيرها من الظواهر التي تطغى على نسق الحياة الاجتماعية. وهو ما يسمح بالقول إنّ هناك تحقيبًا يعتمد الحوادث منطلقًا، ويمكن أن نسمّيه التحقيب بالحوادث؛ وآخر يعتمد الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن أن نسمّيه التحقيب بالظواهر؛ وثالثًا يعتمد الأجيال والسلالات، ويمكن أن نسمّيه التحقيب بالأجيال والسلالات.
أولً، التحقيب بالحوادث
هو تركيز جملة من العلامات على خط الزمن الطويل، وتقسيمه إلى محطات مثل التقسيم الخماسي الغربي للتاريخ، وهو المتعارف عليه بالتقسيم الأوروبي للحقب الزمنية، أو التقسيم الإسلامي الذي يبدأ بتقسيم الزمن إلى حقبتين كبيرتين، هما الجاهلية والإسلام، ويؤرّخ الناس بالجاهلية وبظهور الإسلام. ثمّ داخل كل فترة هناك حوادث أخرى تقسّم الزمن مثل الهجرة، والغزوات، ووفاة النبي، وسقيفة بني ساعدة، وقتل عثمان، وغيرها من الحوادث التي تحدد مسار الزمن بالنسبة إلى المسلمين. ويبقى أبرز التحقيبات بالحوادث هو التحقيب الأوروبي، وهو يعتمد على حوادث بارزة في التاريخ الأوروبي أساسًا لضبط الزمن، وإن كان يخرج عن القاعدة في المنطلق، لأنّ الحدث الأول الذي ينطلق منه التاريخ الأوروبي هو ظهور الكتابة، وهو أمر حدث خارج أوروبا. إذًا، فالمحطة الأولى هي ظهور الكتابة، وهي بداية التاريخ، وما قبلها فهي فترات بلا تاريخ.
فترة ما قبل التاريخ / الكتابة
وهي فترة تبدأ مع الخليقة وتنتهي بظهور الكتابة (حوالي 3600 قبل الميلاد). وتعدّ فترة منقوصة المصادر، لأنّه لا توجد مصادر مكتوبة تعود إلى هذه الفترة، كما أنّه لا توجد معالم مهمّة يمكن أن تسمح بكتابة التاريخ واستقراء التراث المادي الذي تركه القدامى، ويفهم التراث المادي من هذا المنظور على أنّه كلّ ما هو معالم بارزة كالمعابد والمسارح وأقواس النصر والأهرامات. وهذه الصفة، صفة ما قبل التاريخ توحي بمفهوم التاريخ على طريقة المدرسة الوضعانية التي لا تتصوّر تاريخًا من دون مصادر نبيلة [nobles sources des]، ويستتبع ذلك تصورًا آخر للتاريخ هو التاريخ الذي لا يعتني إلّ بأولئك الذين رسمت ملاحمهم في النصوص المكتوبة، سواء كانت أدبًا تاريخيًا أو نقائش ورسومًا حجرية أو معالم بارزة تخلّد ما أنجزوه. وهو مفهوم للتاريخ يلغي بقية المصادر، ويعتّم على بقية الفئات الاجتماعية التي تصنع التاريخ فعلً، حتى ولو لم تكن واعية بذلك، وحتّى وإن لم يعترف لها الأوائل بجهدها في المساهمة في صناعة التاريخ، لأنّ التاريخ يصنعه الجميع، من هو في أعلى السلم ومن هو في أسفله من الناحية المؤسسية، أو من الناحية الاجتماعية أو من الناحية المادية الحاكم والمحكوم والغني والفقير، كلّهم يصنعون التاريخ. ولكن بقدر ما واكب التحقيب تطوّر الكتابة التاريخية في أوروبا، خاصة مع الثورة التاريخية التي أحدثتها مدرسة الحوليات ببلورتها مناهج أخرى تقطع مع التصورات الوضعانية وترسيخها مبدأ التاريخ الشمولي، وهو تاريخ شمولي بمصادره وبقضاياه ومواضيعه، فإنّ ما نلحظه هو عدم مواكبة البحث التاريخي في العالم العربي ما هو شائع في العالم، إذ ظلّت فترة ما قبل الكتابة تعرف عندنا إلى اليوم بفترة ما قبل التاريخ. فلئن كانت هذه الفترة لم تعرف الكتابة، فإنّها فترة لها تاريخ. وهو تاريخ له آلياته البحثية، وله مناهجه الخاصة التي تعتمد التحليل العلمي المخبري أو المعملي كما يقال، وتعتمد الكيمياء والأنثروبولوجيا في مفهومها الأول بصفتها قيسًا للهياكل العظمية والجماجم التي يعثر عليها من حين لآخر واعتماد الكربون رقم 14 لقيس الزمن، والبحث في بقايا الإنسان الأول من عظام وحلزون ورماديات وغيرها وإخضاعها للتحليل المخبري، والقيام باستنتاجات تتعلّق على الأقل بقامة الإنسان الأول، وبنوعية التغذية، بإمكانيات التعرّف على شبكات العلاقات بين الأفراد والجماعات في هذه الفترات الضاربة في الزمن السحيق.
ويمكن القول إنّ تطوّر الكتابة التاريخية وتطوّر مناهج البحث انعكسا في ما انعكسا على مسالة التحقيب التاريخي. وهذا الأمر نراه لامس كل الحقب، وساهم في كثير من المراجعات التحقيبية، على الأقل في مستوى ذلك التقسيم المعروف أو الذي يمكن أن نطلق عليه التحقيب المدرسي، والذي يسمح للإنسان وخاصة للناشئة بالتموقع على حبل الزمن.
الفترة القديمة
تبدأ مع ظهور الكتابة وتنتهي بسقوط الإمبراطورية الرومانية عام 476. وهي فترة تتميز بنبوغ الحضارات القديمة التي اعتمدت الكتابة، والحياة المدينية، وانتشار العمارة، وظهور التشريعات السماوية والوضعية على حد سواء. وينظر إليها على أنّها فترة ميلاد الحضارة البشرية، بمفهوم ضيّق، لأنّ الحضارة في الأصل هي عبارة لها مدلول أوسع ممّا أريد لها في ظلّ هذا التقسيم. وقد عرفت الإمبراطورية نهاية غير متوقّعة، اذ عرفت بما يسمى بالزحوف الجرمانية أو البرابرية. وهي تحركات بشرية عنيفة، انطلقت من جهات مختلفة من محيط البحر المتوسط ومن البلاد الإسكندنافية، منذ النصف الثاني من القرن الثالث، وبدأت تقضم المجال الإمبراطوري الروماني، تارة بالسلم وذلك من خلال عمليات الانبثاث التدريجي، وتارات أخرى بالعنف المسلّح مثل تقدّم الهون والقوط والفيزيقوط والوندال والبورجنديين واللومبارديين والسلتيين والنورمان وغيرهم من الشعوب التي تطلق عليها عبارة برابرية أو جرمانية، نظرًا لاختلافها في اللغة والدين، وخاصة نمط العيش، وهو نمط عيش بسيط. وقد أدّى التأريخ لهذه الشعوب في الفترات المعاصرة إلى انقسام المؤرّخين الغربيين إلى قسمين كبيرين: قسم يطلق عليه تسمية المختصين في التاريخ اللاتيني. وهؤلاء يرون أنّ هذه الشعوب التي اقتحمت الإمبراطورية عنوة، هي سبب الخراب، وسبب ركود الحضارة أو دخولها في سبات دام 10 قرون، في ما سيعرف باسم العصور الوسطى. القسم الثاني وهم المختصون في التاريخ الجرماني. ويرون أنّ اقتحام الشعوب الجرمانية للعالم الروماني، كان على الرغم من تراجع المظاهر الحضارية التقليدية، أمرًا إيجابيًّا. فقد ضخّ لإمبراطورية متهرّمة دمًا جديدًا في المجال الروماني. وساهم خاصة في تزايد عدد المسيحيين. لأنّ هذه الشعوب قد اعتنقت الديانة المسيحية، ولو أنّ الإمبراطورية الرومانية الغربية قد زالت وزالت معها الوحدة السياسية للفضاء الأوروبي خاصة، فقد حلّت محلّها وحدة جديدة للفضاء نفسه. وهي الوحدة الدينية، إذ قسمت الكنيسة الفضاء المسيحي الغربي على شاكلة التقسيم الإداري الروماني. وبذلك تكون أوروبا قد دخلت في ما يسمّى بالعصر الوسيط.
فترة التاريخ الوسيط
وتبدأ من سنة 476 إلى سنة 1453 أو 1492 (مع وجود اختلافات بين المؤرّخين في تحديد نهايات هذه الحقبة). كما أنّ فترة العصر الوسيط اقترنت بذلك المد البشري الهائل الذي تدفق على أوروبا أو الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية من كلّ الجهات، وغيّ وجه ذلك الجزء من الإمبراطورية الرومانية.
اجتمعيًّا
تميّزت باستقرار الشعوب الجرمانية بمؤسساتها الخاصة. وهي مؤسسات قبلية يؤدّي فيها الرابط الدموي في مستوى أول دور اللاحم بين أفراد المجموعة. ويؤدّي فيها الولاء والخضوع في مستوى ثان أداة الطاعة ووسيلة الإخضاع. ولا شك في أنّ العلاقة في هذا المستوى الثاني مبنية على عامل القوة أو تحكّم القوي في الضعيف. واعتنقت هذه الشعوب ولو بصورة جزئية - أو في بعض الأحيان بصورة يرى فيها الرومان تشويهًا لحضارتهم - نمط الحياة الروماني لباسًا وأسماء ولغة وممارسة سياسية... إلخ. وهو صورة من صور تقليد
الغالب للمغلوب وليس المغلوب للغالب. كما بدأت تظهر ضروب جديدة من العلاقات تتمثّل بارتباط الناس بالأرض، وفي ارتباط الضعفاء بالأقوياء في نوع من التبعية، سوف تتبلور بداية من القرن التاسع بحسب ما هو متوافر من الوثائق، وتصبح العلاقات الاجتماعية مبنية على التبعية وعلى الارتباط بالأرض، وعلى هيمنة فئة من الأثرياء هم أصحاب أرض وتصبح السيادية والتابعية من السمات العامة للمجتمعات التي نشأت على أرض الإمبراطورية الرومانية الغربية. وهو ما يطلق عليه اسم النظام الفيودالي [فرق بين النظام الفيودالي الغربي ونظام الاقطاع في العالمين الإسلامي والبيزنطي]. ويعدّ النظام الفيودالي في ما يعدّ نظامًا مكبّلً للفرد. فبعدما كان يتمتّع ولو نظريًّا بوضعية المواطن الذي له حقوق وواجبات في ظلّ القوانين الرومانية، أصبح تابعًا في مجتمع هرمي يمارس فيه حق الأعلى على الأسفل، ويقدمّ فيه الأسفل واجبات الولاء والطاعة إلى من هو أعلى منه في الهرم الاجتماعي.
سياسيًّا
تغيّت الخريطة السياسية للغرب الروماني، فقد انقلبت فيها الخريطة من وحدة سياسية خاضعة لروما إلى تشتت سياسي، اذ حلّت الممالك محلّ الإمبراطورية، ومن تشتت ديني واضطهاد إلى وحدة دينية خاضعة لروما.
ذهنيًّا
خضعت هذه الفترة إلى سيطرة الكنيسة، والتي ما فتئ نفوذها يشتد، حتى أنها اصبحت تتحكم في الملوك والأباطرة من خلال مبدأ الحلّ والعقد. أي إنّها تستطيع أن تفكّ طاعة الناس للملك، إذا كان متمرّدًا على السلطة الدينية، أو تربط الناس دينيًّا لطاعة الملك. كما أصبحت تتحكّم في الناس مع بداية القرن الثالث عشر من خلال إنشاء المحاكم الدينية أو ما يعرف بمحاكم التفتيش. كما انتشرت الخرافات، مثل التطّهر من الذنوب في الدنيا قبل الآخرة، أو الحصول على صكوك الغفران، أو غير ذلك من الأمور التي عُدّت تراجعًا على مستوى الفكر والعقل والمعرفة. لذلك جاءت العبارات مثل قروسطي، والتي تعني التخلف والظلامية والرجعية في مستوى الفكر. وأصبحت عبارة تستعمل لتوصيف هذه الفترة ما بين القرنين الخامس ميلادي والخامس عشر ميلادي. بالفرنسية تعدّ عبارة قروسطي مهينة [moyenâgeux]، وفي الإنكليزية توجد عبارة العصور المظلمة [Ages Dark]. بدت الفترة اللاحقة، والتي برزت معالمها مع القرن الخامس عشر، كما لو أنّها استفاقة حضارية، لذلك سمّيت بعصر النهضة. وهي عبارة سيكون لها تاريخ حافل، إذ لا تزال إلى اليوم مطمحًا من مطامح الشعوب النائمة. ولكن مع تطوّر الكتابة التاريخية، وقع تعديل أمرين يتعلّقان في الوقت نفسه بالفترة التي تسمّى بالتاريخ القديم وفترة العصر الوسيط: أصبحت تستعمل عبارة الهجرات الجرمانية عوضًا عن زحوف وهجومات. وتمّ التراجع في استعمل عبارة القرون الوسطى، وما يترتّب عنها من نعوت سلبية مثل قروسطي، وتسميتها بالعصر الوسيط، أي إنّه عصر وسط بين مرحلتين متشابهتين. كما أصبح الحديث عن تطوّرات وتغيرات أفضت إلى ما أفضت إليه. إذ بعد أن كانت الساحة العامة هي قلب المدينة النابض فيه الأدب والسياسة، حلّ محلّها المركب الديني. فبقيت المدينة وبقيت فكرة المركزية، ولكنّ المحتوى تغيّ مواكبة لتطوّرات العصر. إلّ أنّ المؤرّخين، كما أسلفنا الذكر، كانوا يعدّون الفترة الممتدة على 10 قرون هي عصر الظلمات وعصر التراجع الحضاري، بل هي فترة الموت الحضاري. وليس من باب الصدفة أن نجد عبارة نهضة [Renaissance] تأتي مباشرة بعد العصر الوسيط.
فوقع تعديل النظرة إليها اليوم بوصفها مرحلة تحوّل وتبدل في تاريخ أوروبا. ويرجع الفضل في ذلك إلى إعادة النظر في أساليب قراءة التاريخ التي ازدهرت في أوروبا منذ عشرينيات القرن الماضي. حتى أنّ اللغة تسمح بالتفريق بين المعنى الأول، وهو معنى التاريخ القروسطي بمفهومه السلبي، والتاريخ الوسيط بمعناه الزمني أي إنه فترة تتوسط عصري ازدهار للحضارة، والفترة القديمة وعصر النهضة أو الأزمنة الحديثة. فالصفة الأولى ينعت بها كل ما هو منغلق ومتعصّب ومتخلّف. والصفة الثانية هي صفة تطلق بصورة محايدة لتقسيم الزمن. وقد أطلقت هذه التسمية في عصر النهضة للتدليل على مسار زمني ينطلق من عصر ميلاد الحضارة بمفهومها الضيق، ممثّلة بالحضارات القديمة من آشور وبابل والفينيقيين والفراعنة وأساسًا اليونان والرومان، ونهضتها في الأزمنة الحديثة. وبعدما كان ينظر إلى فترة العصر الوسيط على أنّها فترة قطيعة مع العصور القديمة بكل المعاني: سياسيًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا، أصبح ينظر إليها على أنها فترة تحوّل، تمثّلت ولو بصورة رمزية بتحوّل مركز الحضارة من الساحة العامة لدى اليونان والرومان (et Agora forum)، وهما مكانان تمارس فيهما السياسة والثقافة والاجتماع، إلى المركب الديني الممثّل بالكنيسة وتوابعها، والتي أصبحت بداية من القرن التاسع تحتلّ شيئًا فشيئًا موقع الصدارة في الحياة الاجتماعية والسياسية، هذا بلا شك علاوة على الجوانب الروحية والنفسية. وهذه التحولّات لم تكن حكرًا على العالم الغربي، بل شملت أيضًا المناطق التي كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية، مثل بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب التي حلّ فيها المسجد محلّ الساحة العامة، وحلّ فيها الدين الإسلامي محلّ القوانين الرومانية. وأصبح المسجد يحتلّ الموقع الرئيس في حياة الناس على الأقل من الناحية الرمزية سواء كان ذلك عن قناعة أو عن خوف. ولعلّه من هذا المنطلق يكون جديرًا بنا النظر إلى موقع التاريخ الإسلامي في هذه الحقبة.
الفترة الحديثة
وتبدأ من 1492 إلى 1789. وسميت بالحديثة لعدة أسباب: فهي فترة نهضت فيها الحضارة الغربية من جديد وانتشرت فيها الطباعة والفكر الإنسانوي. فقد أصبح الإنسان مركز الحياة، بل إنّ رجال الكنيسة أصبحوا يعدّون الإنسان هو مركز الكون والكون خلق لأجله، كما أنّ هذه الفترة عرفت الفكر التحرري والعقلاني الذي ستعيش على وقعه أوروبا.
الفترة المعاصرة
وتبدأ 1789 وتنتهي مع القرن العشرين. وهي فترة الثورات الفرنسية والإنكليزية والثورة الصناعية، والمدّ الاستعماري، وحركات التحرّر في العالم الثالث.
التاريخ الآني أو التاريخ الحيني أو الراهن
وهو التاريخ الذي يصنع اليوم، ويسمّى أيضًا تاريخ الزمن الحاضر. وهو تاريخ يصنع يوميًّا. ومن خلاله يمكن للمؤرّخ أن يدرس الحاضر ليستشرف المستقبل. إلّ أنّه تاريخ غير مكتمل النتائج، لذلك تظلّ الاستنتاجات المتعلّقة بهذه الحقبة استنتاجات موقّتة، وتتغيّ حتمًا بالاطلاع على الوثائق التي تعنيها، كلّما أصبحت الحوادث باردة والفاعلون في طي الماضي.
ثانيًا: التحقيب بالظواهر
لقد أدرجت المدرسة الماركسية عملية التحقيب بالظواهر الاجتماعية على خلفية ملكية وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج والصراع الطبقي المتعلّق بكلّ فترة من الفترات المقترحة. فأدّى ذلك إلى استنباط جملة من الحقب التي يؤرّخ لها بنوعية العلاقة السائدة بين الإنسان ووسيلة الإنتاج. وجاء التحقيب تحقيبًا خماسيًا، أي إنّه يسطّر أمامنا خمسة أنماط إنتاج أساسية، ثمّ ستنشأ من رحمها أنماط أخرى سنذكرها:
المشاع البدائي
ويتميّز بالصراع بين الإنسان والطبيعة، ومشاعية وسائل الإنتاج فهي ملك مشاع بين الناس. ولكن في إطار هذا الصراع بين الإنسان والطبيعة، سعى الإنسان إلى التغلّب على بعض أجزاء الطبيعية. وفي إطار الصراع مع الطبيعة، تمّ فرض سلطة الأعلى على الأسفل أو سلطة القوي على الضعيف، ليقضي في نهاية المطاف إلى استعباد الإنسان للإنسان. وهو ما أدّى إلى نمط إنتاج جديد هو النمط العبودي.
النمط العبودي
انتقل المجتمع من مرحلة الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج إلى مرحلة التحوّز بالأرض والتنظم في عشائر وجماعات. وأصبحت فيها الحاجة إلى من يعمل، فاستعبد القوي الضعيف، وحوّله إلى مِلك ودجّنه مثلما دجّن الطبيعة. وربّما نظر الإنسان إلى الإنسان نظرة حيوانية، فأدمجه ضمن وسائل الإنتاج. وأدّى هذا الوضع إلى بروز نوع من التطاحن المتمثّل بثورات العبيد في المجتمع الروماني، وفي المجتمع البيزنطي، وفي المجتمعات الإسلامية والأوروبية. وهو ما أفضى إلى تلطيف في وضع الاستعباد والانتقال إلى مرحلة النظام الفيودالي.
نمط الإنتاج الفيودالي1
يعدّ النمط الفيودالي نظرًا في مستوى العلاقة بين مالك وسيلة الإنتاج الأساسية وهي الأرض، والمنتج وهو التابع بدرجات متفاوتة. وهنا، بعد أن كان العبد وسيلة إنتاج مشيّئة، أصبح مرتبطًا بالأرض. وهو وسيلة إنتاج أيضًا، ولكن في وضعية تبدو أقلّ قسوة من العبودية، مع أنّ النصوص تطلق على هذه الفئة صفة عبيد الأرض. ولكن، هو إنسان له حقوق لم تكن للعبد، مثل عدم بيعه كفرد، ولكن يمكن بيعه مع الأرض، وتمتعه بحياة عائلية...إلخ. ومع تطوّر الأنشطة الاقتصادية وازدهار النشاط الحرفي والتجاري واحتياج المدينة لليد العاملة، تمكّن الأقنان من التخلّص بطرق عدّة من سيطرة الأرض بالتدريج، واللجوء إلى المدن التي احتضنتهم، لأنّها في حاجة إليهم. وهو من العناصر التي ساهمت في تطوّر الاقتصاد الرأسمالي.
نمط الإنتاج الرأسملي
يعدّ النظام الرأسمالي مرحلة من مراحل التطوّر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. وهو نظام مبني على احتكار فئة قليلة وسائل الإنتاج، واعتمادها على عمال مأجورين مستغلين، ليس لخلق الثروة العامة وإنّما لتنمية رأس المال الخاص. ومن غير شك، يرى ماركس أنّ الصراع بين مالكي وسائل الإنتاج والعمال سيؤدّي حتمًا إلى انقلاب الأوضاع وفرض نمط الإنتاج الاشتراكي.
نمط الإنتاج لاشترايك
هو نمط تكون فيه وسائل الإنتاج ملكًا مشتركًا بين الناس. ويصبح الجميع يأخذون من الإنتاج ما يكفي حاجياتهم. فالشعار الذي كان مرفوعًا هو "كلّ حسب طاقته ولكلّ حسب حاجته". ويرى ماركس أنّ هذا النمط ليس سوى بداية تطوّر، تتوّج بالشيوعية أو بنمط الإنتاج الشيوعي. كان غلاة الماركسيين يرون هذه الأنماط الإنتاجية محطات أساسية أو قوانين تاريخية، لا بد لكلّ الشعوب أن تمرّ بها. ونحن لسنا هنا للدفاع أو لتفنيد هذه المقولات، وإنّما لعرضها بصفتها نمطًا من أنماط التحقيب الذي اعتمد مسألة ملكية وسيلة الإنتاج وانتقالها من فئة إلى فئة، صورة من صور تقسيم الزمن. وممّا لا شك فيه أنّ هذا التقسيم التاريخي قد أفرز أشكالً أخرى من التحقيب، فقد نشأ:
نمط الإنتاج الآسيوي
وهو نمط إنتاج رعوي بالأساس، يغيب فيه التملك الفردي للأرض، بل إنّ الدولة هي المالك للأرض، وما الفلاحون الذين يعملون على الأرض سوى عبيد للدولة. وتبدو العلاقة إذًا، علاقة استغلال اقتصادي وطغيان سياسي.
نمط الإنتاج الإتاوي أو الجبائي أو الخراجي أو الضرائبي
ثم لا ننسى سمير أمين وجماعة مكسيكو قونتر فرانك [مؤرّخ وعالم اجتماع أميركي ألماني عرف بنظرة التبعية وخاصة بفكرة الاقتصاد العالم. وهي الفكرة التي طبقها وللرشتين على الإمبراطورية العثمانية] وسالزو فورتادو [وهو أستاذ جامعي في الاقتصاد، درّس في عديد الجامعات مثل يال والسربون، وشغل خطة وزير الثقافة من 1986 إلى 1988، ويعدّ من المؤثّرين في الرئيس السابق داسيلفا لولا] وسمير أمين [من لا يعرفه؟] فقد اشتعل هذا الثالوث لمدة عشر سنوات معًا في إطار مشاريع بحث احتضنتها جامعة مكسيكو، ليخرج كلّ منهم بمؤلفات لها تأثيرها محليًّا ودوليًّا. وانبنت على طرح نمط إنتاج آخر هو نمط الإنتاج الإتاوي أو الجبائي أو الخراجي أو الضرائبي [tributaire production de mode]. وهو نمط يعتمد على جمع الضرائب، من دون الاهتمام بالبنى الاقتصادية المحلّية، ومن دون السعي إلى تطويرها، إلّ في ما يتناسب والضرائب وسهولة جمعها. وتخضع عملية التحقيب إلى تطوير مستمر وزحزحة متواصلة، نتيجة تواصل البحوث، وتعدد المناهج والمدارس. فالتاريخ لم يتوقف وتطويره لم يتوقف مثله مثل الزمن.
ثالثًا: التحقيب بالسلالات
لقد درج العرب بعد انتشار الإسلام على رصد الحقب الزمنية انطلاقًا من أصحاب السلطة. فتمّ تقسيم الزمن إلى فترات متصفة بحكامها: الفترة النبوية، وفترة الخلافة الراشدة، والفترة الأموية، والفترة العباسية. ثم تتفرع في ما يعدّ سلالات عديدة تزداد قيمة وتقلّ شأنًا بحسب الظروف2. ويبدو هذا التحقيب من التحقيبات التي لا تراعي إلّ من كان على رأس السلطة، من دون النظر إلى التغيرات
السياسية الكبرى، ولا تراعي ما يعتمل في المجتمع من حراك اجتماعي، وتطوّر اقتصادي أو فكري، أو غير ذلك من ضروب التغيرات التي تطرأ على المجتمع. وتطرح مسالة التحقيب في العالم العربي عدة إشكالات: كيف نلائم بين ما هو خاص بنا وخاص بغيرنا؟ وكيف نتموقع ضمن المسارات الزمنية التاريخية؟ أنظلّ بلا تحقيب واضح - والتحقيب التاريخي عندنا غير واضح - أم نحاول اعتماد ما هو موجود ونندمج ضمن تاريخ الحضارات؟ عندما نتحدث عن التحقيب كما وضعه الأوروبيون، وهو تحقيب يقسّم الزمن ويراه سهمًا فيه هذه المحطات التي تم اختيارها وعدّها محطات مفصلية في تاريخ أوروبا، وتعميمه فيما بعد على تاريخ العالم. وعلى الرغم من محدودية التحقيب الأوروبي، ووعي المؤرّخ الأوروبي بذلك، فإنّه تحقيب يحكمه منطق داخلي، وله مبررات تجعله تحقيبًا صالحًا للحضارات المطلة على البحر المتوسط، مع مراعاة بعض من الخصوصية لكل حضارة. فالبلدان المطلة على البحر المتوسط لها مشترك تاريخي. إذ نجد فيها جزءًا من تاريخ الفينيقيين، وجزءًا من تاريخ الرومان، وجزءًا من تاريخ البيزنطيين، وجزءًا من تاريخ الشعوب الجرمانية، ومن تاريخ العرب، وتاريخ البربر / الأمازيغ، والأتراك فيما بعد وغيرهم. فكيف نفصل كل هذه الكثافة التاريخية وننخرط في تحقيب مختلف؟ هل يمكن أن نطلق كلمة التاريخ الوسيط، لا بصفتها قيمة حضارية وإنّما بصفتها حقبة زمنية، على التاريخ الإسلامي؟ تصادف فترة التاريخ الوسيط كما وضعها الأوروبيون لتاريخهم ظهور الإسلام، وانتشار العرب خارج الجزيرة العربية، وامتداد نفوذهم من جبال البرانس غربًا إلى ما وراء النهر شرقًا. وهو فعل حضاري ساهم في صنع التاريخ، وتمكين العرب والمسلمين من افتكاك زمام "المبادرة التاريخية" - والعبارة للباحث المستشرق الفرنسي اندريه ميكال - والتأثير في العالم. وقد أصبحت الحضارة الإسلامية المعطى المهيمن على فكر الناس ووجدانهم من مسلمين وغيرهم في تلك الحقبة. ولا يمكن أن يكون التاريخ الوسيط الأوروبي موسومًا بالظلمة لولا المقارنة بالحضارة الإسلامية الزاهية في تلك العصور. وبإخراج التاريخ الإسلامي من هذه الحقبة الزمنية، ومعاملته على حدة، يضيّع على المؤرّخ العربي أمرين: الأمر الأول هو التحديد الزمني واحتلال موقع على مسار التاريخ العالمي، والأمر الثاني يفقد العرب والمسلمين دورهم التاريخي في تلك الفترة. فبقدر ما يحاول الأوروبيون إقصاء العرب من التاريخ، وربما حتّى من الزمن الحاضر، ينساق العرب، باسم الخصوصية وتحت غطاء القداسة، وراء ذلك الإقصاء بلا وعي في كثير من الأحيان، متلاعبين بالعواطف الدينية. وهو ما أدخل إرباكا كبيرًا على التموقع في الزمن بالنسبة إلى الناشئة. فمثلً كيف يمكن أن نتحدث عن تاريخ قديم بالنسبة إلى الجزيرة العربية، ثمّ تاريخ إسلامي، ثمّ تاريخ حديث؟ ووفق أيّ مقياس يعدّ تاريخ الجزيرة العربية قديمًا أو حديثًا؟ أليس ذلك قياسًا على التاريخ الأوروبي؟ كما لا يمكن أن نفهم كيف يمكن عدّ التاريخ الأيّوبي والمملوكي من التواريخ الوسيطية بالمفهوم الأوروبي، مع أنّها فترة زاهية ومؤثّرة حتى في العقل الأوروبي في ذلك الوقت، جعلت الناس يقيسون زمنهم على زمن العرب، ويعدّلون حياتهم على وقع التاريخ العربي الإسلامي بجناحيه الغربي والشرقي. إنّ التحقيب المطروح في أغلب الجامعات العربية، في المشرق بالخصوص، فيه كثير من التناقض ومن عدم التجانس واللامعقولية. إذ نجد التاريخ القديم - وهو جزء من التحقيب الذي اختاره الغرب - والتاريخ الإسلامي، والتاريخ الحديث. وليست هناك ضرورة لتدقيق النظر في هذا التحقيب ليدرك العارف أنه تحقيب ملفق، لا يستند إلى منطق، لأنّه يقصي ويوحّد في الوقت ذاته. فهو يقصي فترات تاريخية مثل تاريخ الأيّوبيين، وتاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ المماليك، وتاريخ اليمن. فهل كان هؤلاء
يعيشون خارج التاريخ الإسلامي؟ وهل كانوا غير مسلمين؟ ثمّ هو يوحّد، لأنّه يعود إلى اعتماد عبارة التاريخ الحديث التي هي من صميم التاريخ الأوروبي ومن واقع الوعي بالحداثة التي انطلقت في أوروبا منذ نهاية القرن الخامس عشر. فهل دخل العرب في الحداثة في تلك الفترة أم خرجوا منها؟ وهل أنّ التاريخ الإسلامي توقّف على عتبة الحداثة أم هو تاريخ متواصل؟ وهل للمؤرّخ العربي اليوم وعي بالزمن الماضي؟ وهل يسعى لطرح الزمن التاريخي بعيدًا عن عواطف مبطنة لا تخدم المصلحة العامة وإنما تخدم البقاء في ما نحن فيه؟ أم إنّه "ذلك الموظف الذي يقتات من التاريخ ويعرض حساء تاريخيًا غثًّا وفاسدًا ونفعه قليل" على حدّ تعبير جاك لوغوف في معرض حديثه عن مؤرّخي التاريخ التقليدي الأوروبي؟ عبد الرحيم بنحادة: شكرًا للطاهر المنصوري على العرض الواضح الذي صنّف أشكال التحقيب وجَعلها أصنافًا ثلاثةً، هي: التحقيب بالحوادث، والتحقيب بالظواهر، والتحقيب بالسلالات. ولعلّ أهمَّ إشكاليّة يطرحها هذا العرض، إضافةً إلى الإضاءات حول الأصناف الثلاثة، مسألةُ المركزية الأوروبيّة في التعامل مع تحقيب التاريخ الإسلامي، ويميّز في هذا الباب بين الاستعمال القيمي والاستعمال الزمني للتحقيب، وهذا كلّه من الأمور المهمّة التي ينبغي أن تثير نقاشًا معمّقًا.
يوسف الشويري
التحقيب والتاريخ
ليس التحقيب تقسيمًا لعصور التاريخ، أو محاولةً لا تتعدّى خلق جداول تساعد على تبويب أفضل لحقبات متتالية، كي يستطيع الباحث تبيّ السابق واللاحق وفق مخطط عامّ فحسب. وفي حال عدم تجاوز التحقيب هذا التقسيم الجدولي الذي يتوخى تسهيل قراءة الأحداث وفق محطات زمنية معيّنة، فإننا لا نكاد نبارح عالم الكرونولوجيا في تسلسلها ودقتها الفنية والعدّ الحسابي المنتظم. فلو اقتصرنا على هذه الناحية الفنية المباشرة، فإننا لا نتجاوز خلق دقّة محكمة في تبويب التاريخ والتواريخ. وعلى الرغم من الفوائد الكثيرة التي لا تُنكر لهذه الدقة (مثل إعلان نشوء وعي جديد)، فإنها لا تؤسس فهمًا فلسفيًّا أو نظريًّا. في هذا السياق، جاء الحديث عن الوعي بالماضي، كجزء لا يتجزّأ من الوعي بالحاضر. أي إنّ الوعي بالماضي كحقبة انطوت وغبَرت، ولا بد أن تعقبها حقبة أخرى، هي الحاضر في تحوّله إلى ماض من جهة، ومستقبل من جهة أخرى، هو الذي يتيح لنا البدء بتمثّل ذهني يفصل بين فُسحة زمنية وأخرى. ووفقًا لذلك، يرتبط التحقيب بخلق مواصفات لكلّ حقبة، وهو ما يُضفي عليها قيمةً معياريةً، سواء قصدنا ذلك عمدًا أو قمنا بذلك من دون وعي مسبق. وعندما نعلن، مثلً، أنّ التاريخ ينقسم إلى قديم ووسيط وحديث أو أنّ الإنسانية مرّت بعصور متتالية وفق جدول زمني يبدأ بالقديم وينتهي بالحديث ثمّ بالمعاصر، فإننا ننحت في ذهن القارئ سُلَّم أفضليات. فالقديم يجد نفسه يُخلي الطريق أمام محطات متتابعة. ولا يلبث هذا التتابع أن يخلق انفصالً بين الذات والموضوع، وتجد الذات نفسها في وضع يتيح لها إعادة صَوْغ موضوعها أو بناءَه مرّةً تلو أخرى، وذلك انسجامًا مع هذا التمثّل الذي شيّد المواصفات والسلاسل الزمنية والحقب وفق سلّمه التفاضلي الذي يزداد رهافةً مع تقدّم العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ومجالات الحياة الأخرى.
ونحن إذ نبلغ هذه النقطة، نجدنا ندخل في عالم يعصف به التغيير ويطبعه بسمات محددة تحمل عنوانًا جديدًا اسمه "التقدم." والتطور ينهض على آلية له اسمها التغيير، والتغيير يعني المضيّ قدمًا من أجل خلق عوالم جديدة أو بلورة أسس ومناهج وصقلها، تدخل هي نفسها في شبكة أخرى واسعة تؤدِّي إلى ترسيخ مؤسسات وممارسات ومفاهيم تتسّم في الآن نفسه بالتعقيد والقدرة على التحوّل إلى أشكال وأشياء أشد تطورًا أو بلورةً. وعند هذا المنعطف، نصل إلى إدراك أنّ التحقيب الذي انطلق من مصنفات معيّنة تبدأ بالقديم وتنتهي بالحديث أو المعاصر، هو في الوقت نفسه إفصاح عن تأثير التقدم في المجتمعات البشرية وإعلان عن قانون يضبط إيقاع هذا التقدم ووجهته، هو التطور أو التغيير. وينطوي كلّ من الإفصاح والإعلان المذكورين على مبدأ آخر لا يقلّ أهميةً، هو عدُّ المراوحة في المكان، أو الجمود، أو محاولة الإبقاء على الأوضاع كما هي، انحرافًا وبدعةً. بعبارة أخرى، يصبح عدم التطور أو الإيحاء بعدم ضرورته حالةً شاذةً تستدعي المعالجة بوسائل مختلفة، لعلّ أهمها ما أصبح يُعرف بمشروعية الثورة الشعبية. وعند اجتيازنا هذه العتبة، نطلّ على مبدأ ملازم لا يقلّ خطورةً، هو مبدأ استقلال الفرد والإرادة البشرية وحرية المجتمع في التعبير عن تطوره التاريخي عبر مؤسسات متشعبة ومتعدّدة التخصص تنظّم الانتقال من مرحلة إلى أخرى، انطلاقًا من إرادة البشرية التي اعتنقت مفهوم الاستقلال الفردي كآلية أخرى تسمح بالحفاظ على سُنّة التطور بوصفه قانونًا عامًّا ينظّم الحياة البشرية ويتعهّد بضبطها بأسباب البقاء والاستمرار، وذلك وفق نموذج التجاوز الدائم لِمَا مضى أو خلّفه وراءه الزمن الذي بات لا ينساب إلا في اتجاه متصاعد، على الرغم من تعثّه بين الأودية والتضاريس ونتوءات الأرض هنا وهناك. وإذا انتقلنا إلى علم التاريخ في فضائه العربي، لاحظنا أنّ التحقيب لم يترسّخ كممارسة ومفاهيم إلّ مع القرن التاسع عشر. ولا شكّ في أنّ المَعْلَم الأساسي لهذا التحول يكمن في استبدال كتابة تاريخ الحوليات أو الأسر الحاكمة بتاريخ الأوطان. ولم يعد التاريخ وفقًا لذلك رواية تسجّل الأحداث يومًا بعد يوم، أو شهرًا بعد شهر، أو وفقًا لدولة هذه الأسرة أو تلك، بل وفقًا لتاريخ الوطن بوصفه أرضًا وجماعةً بشريةً تنظّم حياتها مؤسسات خاصة بها. ولا شك في أننا شهدنا وفقًا لهذا التحول انعطافًا حادًّا، لخّصه مبدأ تطور الوطن وفق نموذج خطّي يصف ما جرى في هذا الوطن انطلاقًا من أسلوب حديث، ما لبث أن طغى على الكتابات التاريخية الأخرى، وشكّل مع الدلالات السياسية والاقتصادية المصاحبة معلمًا رئيسًا من معالم الحداثة في سياقها العربي. وقد خطَت الكتابة التاريخية العربية خطوةً أخرى، وذلك عندما بدأت بالانتقال من الوصف الخارجي وتعداد الأحداث التي مرّت بالوطن، إلى تحليل العوامل الكامنة وراء نشوء هذا الكيان الوطني، وفق دينامية تاريخية تركّز في العناصر الداخلية وكيفية تفاعلها وتآلفها في ما بينها لتخلق علاوةً على الوطن هويةً وطنيةً. إننا نحتاج إلى التشديد على فاصل المفاهيم والزمن بين نشوء التمثّل الذهني لكيان جغرافي سياسي اسمه الوطن، وكيان تاريخي اجتماعي يحمل هويةً وطنيةً تميّزه من غيره وتغني قيمته في عالم الهويات الوطنية الأخرى أو عالم الأمة - الدولة. ولعل دراسات طه حسين، أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، المتعلقة بأبي العلاء المعري وابن خلدون والشعر الجاهلي، تمثّل هذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وعلى الرغم من أنّ الحسّ النقدي الذي يذهب إلى المصادر الرئيسة والأولية ويعتمد عليها، ظلّ متوقدًا، وأعلن ولادة مدرسة تاريخية جديدة كان من أقطابها شفيق غربال ومحمد صبري وعبد الرحمن الرافعي في مصر، وأسد رستم وقسطنطين زريق في بلاد الشام، وعبد العزيز الدوري وأحمد صالح العلي في العراق، فإنّ المغرب العربي كان لا يزال في خضم المرحلة الأولى المتمحورة حول مفهوم "الوطن" وفي تحقيبها للتاريخ العربي وكتابته.
إننا نحتاج إلى التدقيق في تحقيب هذه المراحل عندما ننتقل من منطقة جغرافية إلى أخرى عبر أرجاء الوطن العربي. ولعلّ أشد ما يلفت النظر في هذا السياق هو انتقال النُخبة المغربية مباشرةً من مرحلة الوصف الخارجي للأحداث، في تتالي تطورها ضمن أرض الوطن، إلى مرحلة إعادة النظر في مجمل التاريخ الذي حدّد أطره الرئيسة الاستعمار الفرنسي في كلّ من الجزائر وتونس والمغرب. ولعلّ تأخّر نيل هذه الدول استقلالها (1956 - 1962)، علاوةً على كثافة الاستعمار الفرنسي وامتداده الزمني من العوامل الكامنة وراء هذا الانعطاف الذي تمثّل بالانغماس، على نحوٍ متكامل، في دراسة المنهجية التاريخية الفرنسية، ثمّ استخدامها سلاحًا للدفاع عن التاريخ الوطني وتعرية الأفكار الاستشراقية في فضائها الفرنسي، وهي أفكار تحوّل تاريخ المغرب العربي الكبير إلى وعاء شبه فارغ فحسب، لا ينتظر من يملؤه لغةً، أو دينًا، أو ثقافةً، أو اقتصادًا، أو بناءً سياسيًا، فحسب، بل يتوقع ذلك بفارغ الصبر. هذه "رؤوس أقلام"، كما يُقال، لا تتوخى أبعد من الإشارة إلى أهمية التحقيب، وليس ذلك بوصفه عمليةً فنيةً أو تقنيةً خالصةً، بل بوصفه ممارسةً نظريةً تشتمل على مفاهيم جديدة لتفسير الحدث أو السياق أو البناء المتكامل لمرحلة تاريخية معيّنة. عبد الرحيم بنحادة: يربط يوسف الشوري الحديث عن التحقيب بقضايا التغيير والتقدّم في المجتمعات البشريّة، كما يربط التحقيب في العالم العربي بالقرن التاسع عشر، وبالاتجاه نحو كتابة تاريخ ل "الأوطان".
ناصر سليمن
إشكالية التحقيب الكولونيالي للحملة الفرنسية عىل مصر:
مراجعة نقدية للمنظور الفرنيس
تتناول هذه الورقة إشكالية التحقيب الكولونيالي بوصفه أحد مرتكزات الخطاب الكولونيالي نفسه، استنادًا إلى أنّ "الأنا" الكولونيالي الذي يملك القوة والفعل، يبلور تصوره للممارسات التي يفرضها على الآخر (الواقع تحت الاحتلال). وهذا التصور تصبح له وظيفة ثنائية. فهو من ناحية يبرّر فعل الغزو، ومن ناحية أخرى يبني التصور عن ذاته التي تملك فعل التغيير وإظهار لحظة قدومه كحلّ عملي لمشكلة طال أمدها. وعلى هذا النحو يصبح التحقيب الكولونيالي جزءًا من ممارسة خطابية تستهدف التبرير والدعاية في آنٍ واحد لأسطورة التحول عبر سحب الأضواء وتركيز العدسة المجهرية في فعل الغزو ك "حدث استثنائي" يملك من القوة والتأثير ما يكفل إحداث "نقلة نوعية" في تاريخ الشعوب التي قهرها. تركّز الورقة في حادثة الحملة الفرنسية التي داهمت مصر والشام بين عامي 1798 - 1801، والتي جرى التعامل معها في المنظور الفرنسي، على أنها حدث تحولّي عظيم، أمكنه طيّ صفحة عصر وفتح آفاق عصر جديد يبشر ب "الحرية والأنوار والسعادة". بيد أنّ هذا التصور للحدث نفسه مرّ بتطورات معقَّدة في الفكر الفرنسي خلال النصف الأول من القرن ال 19؛ إذ تجاذبته سجالات متخبطة، عكست حالة التخبط السياسي والتطورات المتناقضة في فرنسا. وفي هذا السياق تتجلى إشكالية الدراسة في محاولة فهم الملابسات التي مرّ بها تطور هذا المنظور إلى الحملة من زاوية أهميتها في سياق التأريخ لها ضمن حروب الثورة الفرنسية وكذلك في دورها في نقل الشرق إلى عصر التحديث والإصلاح بوصفه حدثًا مفصليًا في تاريخ مصر والمشرق العربي.
وفى الحقيقية يمكننا تمييز ثلاث مراحل ارتبطت بالمنظور الأيديولوجي للتحقيب للحدث. فالمرحلة الأولى هي مرحلة تكوّن الحدث/ داخل التجربة، والثانية هي ما بعد انتهاء الحدث وبدء السجال حول أهميته خلال الفترة 1802 - 1815. أمّا المرحلة الأخيرة، فهي ما بعد نابوليون وعودة الملكية حتى قيام الجمهورية الثانية عام 1848. تسجّل المرحلة الأولى ما كان سائدًا في ذهنية القادة الغزاة المشبعين بحماسة العصر الثوري وعظمة الأمة الفرنسية ورسالتها العالمية، وقد تجلّ هذا الأمر بوضوح في نوعين من المصادر المنشورة التي أُذيعت بالإسكندرية والقاهرة، وما نشرته بعناية صحيفة كورييه ديليجبت؛ إذ نجد تصوير الحدث على أنه حدث استثنائي يوقف الاستبداد والتدهور ويردّ مصر إلى سابق عهدها الحضاري التليد. وفي هذا السياق نلاحظ بوضوح افتعال المقاربة، فيتمّ سحب تجربة الثورة الفرنسية في الإجهاز على الإقطاع وإطاحة النبلاء على الواقع المصري؛ ذلك أنّ الحملة تُنهي نظام الالتزام الذي يقارَب بالإقطاع، إضافةً إلى أنه يجرى الإعلان، عبر المنشورات، بالقضاء على المماليك وإتاحة الحرية والمساواة بين المصريين في تولّ زمام أمورهم، ومن ثمّ تمّ صَوْغ الحدث، خلال تجربة الاحتلال على أنه "لحظة ثورية للتغيير" وطيّ لصفحة الاستبداد ال "طويل الأجل"، ثمّ يردف بذلك تنظيرٌ مفاده أنّ مصر كانت تنتظر حدثًا على غرار هذا الحدث للتخلص من طبقة استنزفت إقليمًا غنيًّا وأوقعته فريسةً للتخلف الحضاري، وأنّ فرنسا تردّ إلى ضفاف النيل لحظة صعود من جديد لوصل ما انقطع في التاريخ المصري القديم. وفي المرحلة الثانية؛ أي ما بعد انتهاء الحدث واكتمال التجربة، عاد ثلث الجيش وأخفقت الحملة في تحقيق أهدافها. لكنّ بونابرت يصل إلى ذروة السُلطة بوصفه قنصلً أوّلَ لفرنسا، وهو ما عقّد المشهد. فقد كان يتحسب لمشكلة هذه الحملة التي هرب منها بعد عام واحد، ويخشى أن تُلحق بتاريخه العسكري والسياسي ضررًا فادحًا. وسرعان ما ظهر على السطح ما كان يتوقّاه. فأحد كبار الجنرالات رينيه ينشر مذكراته عام 1802، وتتخطفها دور النشر الفرنسية وتترجمها إلى الإنكليزية وتنشرها سريعًا؛ ما يثير ضجةً حولها، فيُضطر بونابرت في إثرها إلى اتخاذ إجراءات متتالية، من بينها سحب مذكرات رينيه، والتكتم بشأنها، وعمل لجنة رقابة للنشر تهتمّ بما ينشر عن بونابرت وبخاصة ما يتعلّق من ذلك بحملة مصر، وإعطاء الرقيب صلاحيات واسعةً في منع القادة من النشر، وفى قصّ ما يريد من أيّ عمل يُنشر؛ حتى لا تستغله قوى المعارضة ضدّه. وازداد الأمر أهميةً بعد إعلان نابليون نفسه إمبراطورًا عام 1804. فقد ارتأى ضرورة دفع بالجنرالات الموالين له إلى الكتابة عن حملة مصر على نحوٍ يعيد بناء صورة أكثر تأثيرًا من شأنها أن تجعل هذه الحملة إحدى أهمّ حروب الثورة الفرنسية وراء المتوسط، وعلى نحوٍ يجعلها تحتفظ بتوهجها الدعائي. فالتاريخ عنده "أسطورة يسطّرها الأقوياء ويُدفع الناس إلى تصديقها". ثمّ إنه يوجّه أحد جنرالاته إلى زيارة الأرشيف الحربي واستخراج الوثائق التي تدينه، ثمّ يأمر بحرقها عام 1807. وتشهد الساحة الفرنسية اهتمامًا واسعًا بكتاب وصف مصر الذي أولاه بونابرت اهتمامًا كبيرًا كدليل على أهمية الحملة في كشفها لمصر وحضارتها القديمة. وتشتعل الدعاية التي تنتج ما يعرف ب "الولع بمصر" Égyptomanie وخلال هذه الفترة تكثر الكتابات التي تُصوّر نابوليون في مصر على أنه "الفاتح للمشرع العظيم" الذي تفوّق على جنكيز خان، كما تجري مقاربته، وفقًا لما كان يحلم به، بالإسكندر الأكبر، وبأنه ضرب عبْ حملة مصر أفضل نموذج لانتصار العقل على انتصار السلاح.. إلخ، وهو ما جعل صورة نابوليون تطغى على الحدث وتصوّره على أنه أحدث بعبقريته تغيرًا كبيرًا في الشرق، ومن ثمّ يكتسب الحدث تراكمًا قويًّا في عصر الإمبراطورية. أمّا في المرحلة الثالثة؛ أي مرحلة ما بعد واترلو حتى قيام ثورة 1848، فتعود الملكية إلى تفعيل النظام الرقابي على المنشورات لكن في اتجاه مصادرة الكتب التي تمجد العصر الثوري ونابوليون، وتُجبر الصحف على استصغار الأمجاد العسكرية. ويوجد مخطوط من
سبعة مجلدات عمله الجنرال أويه، وقد قمنا بنشره في دار الوثائق، يسجل تطورات هذا المشهد المعقد. وتبين المصادر التي نشُرت في الثلاثينيات أنّ الملكية حذفت من كتاب وصف مصر الذي نشر عام 1828 كلّ التلميحات الأكثر وضوحًا إلى بونابرت. وفى هذا السياق تجرى عملية نقدية لحملة مصر من جديد، والنظر إليها بوصفها أحد شواهد ما عرف ب "الأسطورة السوداء" noire Légende؛ ما جعل التأريخ لحملة مصر بحسب الجنرال أويه "يعاني التشويه والتزييف والتوجهات المتناقضة". ويصرح الجنرال بوريان Bourrienne، أحد كبار جنرالات الحملة، بأنّ ما نشُر على مدار ثلاثة عقود حتى قيام ثورة يوليو 1830 "كان نوعًا من الخزعبلات أو الشعوذة صاغها محتالون في قالب تاريخي". ثمّ إنّ مخطوط الجنرال أويه يبيّ أنّ جميع الجنرالات الذين تجاوزوا الخمسين من العمر "هالهم" هذا النّقد وأحسوا بامتهان كرامة جيل ضحّى من أجل فرنسا، لكنهم لم يجرؤوا على نشر شهادتهم حتى قامت ثورة يوليو 1830 التي فجّرت الطاقة للنشر، وخصوصًا مع عودة رومانسية البونابرتيين من جديد ونشر مذكرات نابوليون ما وراء القبر؛ وتخفيف حدّة الرقابة على النشر بشأن الأمجاد العسكرية والماضي الثوري.. إلخ. ثمّ إنّ حدّة انتقاد مشروع الحملة أخذت في التراجع؛ ما جعل عقد الثلاثينيات يُشكّل فترةً مفصليةً في استعادة بريق الحدث، والعودة إلى عدّه نقطة تحوّل في تاريخ المشرق، ويزداد أهميةً بالمزيد من الاكتشافات في ماضي مصر الفرعونية. بيد أنّ اللافت للنظر في الحوارات المسجّلة بمخطوط الجنرال أويه أنّ الجنرالات اتفقوا على قيادة حملة تستهدف الحفاظ على قيمة حملة مصر وما أحدثته في الزمن الانتقالي من تغيير في الشرق، وأنه بقدر ما كانوا يردّون إليها من الأهمية كانوا يحافظون على بطولاتهم ودورهم فيها، وعلى تقديمها للأجيال المتعاقبة في فرنسا على أنها جزء من صفحة مجيدة في حروب الثورة الفرنسية (لا حروب نابوليون) التي غيرت العالم ونقلته من حال إلى حال. وهكذا، يتعين منع نشر أيّ شهادات تُقدِّم صورةً قاتمةً عن حملة مصر؛ لأنّ من شأن هذه الحملة المساس بالتاريخ القومي الفرنسي. لذا، يجب فصل نابوليون عن قصة الحملة، والنظر إليها كإحدى الحروب الباهرة في العسكرية الفرنسية. وفى هذه الأجواء تتمّ بلورة الجزء الأخير في خطاب التحقيب (الحملة كانت لها آثار ممتدة في وادي النيل)، ومن ثمَّ يتمّ الربط بإنجازات إصلاحية مهمّة يجريها باشا مصر محمد علي من خلال القول إنه ما كان له أن ينجز مسيرة الإصلاح والتحديث من دون مرجعية منظّمة قدّمتها تجربة الحملة الفرنسية. وبذلك يجرى نفى الهزيمة عبر الدفع إلى الواجهة بإنجازات غير مباشرة أو مزعومة؛ كالمطبعة وكتاب وصف مصر أو فكّ شفرة اللغة الهيروغليفية ونشأة علم المصريات، وتحطيم قوى الاستبداد، وتوسيع مشاركة الشيوخ والعلماء في ممارسة السُلطة التي انتهت باختيارهم لمحمد علي باشا وفرضه على النظام...إلخ، لتقدّم على أنها قرائن دالّة على التحوّل والتغيير. وهكذا، تكون الحملة قد "نجحت" في هدفها المتمثّل ب "توجيه مصر نحو الحضارة"؛ ما يجعلها حدثًا استثنائيًّا مفصليًّا تُؤرَّخ به العمليات التاريخية في الشرق، ليظل لها رصيدها الذي خُطط له مسبقًا كحدث قدّم نموذجًا للاحتلال الذي بشّ بالحرية والحضارة. وفى القرن العشرين، في أوضاع استثنائية جدًّا من احتلال بريطانيا لمصر، وتحديدًا زمن الملك فؤاد الذي كان مهتمًّا بالتأريخ لأسرة محمد علي باشا، يتمّ تكليف مؤرخين فرنسيين في صدارتهم جابرييل هانوتو Hanotaux Gabriel الذي تمكّن من تسجيل الحملة، وفقًا للمنظور الخطابي الذي انتهت إليه مدرسة التاريخ القومي الفرنسي؛ إذ يتمّ وصفها ببداية التحديث، ويتمّ الربط بينها وبين مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، في كتاب تأسيسي هو المجمل في تاريخ الأمة المصرية الذي يتمّ الاستناد إليه في تدريس تاريخ مصر الحديثة. وهكذا تسللت كلّ أفكار التيار القومي الليبرالي الفرنسي، لتتكثف الالتباسات حول طريقة تناول المدرسة التاريخية المصرية والعربية للحدث الذي يجرى تصويره على أنه أحدث قطيعةً معرفيةً مع ماضي مصر قبل القرن ال 19، ومن ثمّ تمّت إعادة إنتاج الهيمنة
الكولونيالية التحقيبية التي جعلت للحملة الفرنسية مكانًا تأسيسيًا بامتياز عند التأريخ لبدايات التحديث في مصر. وبذلك ظلت تجربة الكتابة طَوال القرن الماضي على الأقل تعاني تغليب الأفكار على الوقائع، ورسم حدود ضبابية مصطنعة وغير مفهومة، من دون أن تجريَ تحقيقات تاريخية موضوعية تضع الحدث في سياقه الحقيقي، وتكشف عن صيرورة التطور بين ما قبل خطّ عام 1800 وما بعده. وشكرا جزيلً.
القسم الثاين: مناقشات
عبد الرحيم بنحادة: أثيرت قضايا للنقاش والحديث عن أُثيرت قضايا للنقاش، والحديث عن الغرض من التحقيب الذي يأخذه التحقيب كتصنيف، له علاقة بالبناءات والاستعمالات والرهانات وأشكال التحقيب بدءًا بالتحقيب بالأحداث إلى التحقيب بالظواهر، ثمّ إلى التحقيب بالسلالة. وبالنسبة إلى مسألة تقسيم الزمن، فإنّ المواقف تختلف سواء كان ذلك في مشرق الوطن العربي أو مغربه. وهذا مجمل الأفكار التي أثيرت في هذه الجلسة. النقاش مفتوح. وسأعطي الكلمة لأحمد أبو شوك. أحمد أبو شوك: شكرًا جزيلً عبد الرحيم، لا شك في أنّ هنالك قضايا كثيرة أثيرت حول هذه المسألة المرتبطة بالتحقيب، وهو في النهاية تصنيف مرتبط بمرحلة زمنية في واقع أحداث تاريخية معينة. لكن أعتقد أنّ النقطة الجوهرية هي التي أشار إليها الدكتور محمد الطاهر المنصوري، وهي: ما هو المنطق الذي على ضوئه يحدد التحقيب؟ أعتقد أنّ منطق التحقيب يتحرك في إطار جدلية ثلاثية؛ وهي العلاقة بين الإنسان والزمن والكون. لكن هذه الجدلية الثلاثية محكومة بواقعٍ معيّ. يعني أنّنا في العالم العربي نعاني مشكلة التحقيب لأنّ التحقيب الأوروبي فُرض علينا. لكن في أوروبا لا يعاني المؤرخ المشكلة نفسها، وحتى في الصين. والطريف في الأمر، هو القضية التي أثارها برنارد لويس Lowis Bernard عندما جاءت طالبة من الصين وسألوها هل تريدين أن تكتبي في التاريخ الحديث أم الوسيط أم القديم؟ فقالت له لا يوجد عندنا هذا التحقيب في الصين. تكمن الإشكالية هنا في: إن كانت النظرة الكونية العالمية حاولت أن تفرض قيمها على الآخر، وتكلّم المنصوري عن هذه النقطة بالرجوع إلى مركزية العقل الأوروبي، عندما انتقلت أوروبا من العصور المظلمة إلى مركزية العقل الأوروبي، أفرزت التقسيم الثلاثي. والتقسيم الثلاثي تأثّر بالنظرة المثالية أيضًا. لكن كارل ماركس عندما نظر في العلاقة الجدلية بين وسائل الإنتاج والقوة المنتجة وعلاقات الإنتاج جاء بتقييم آخر، وهو المشاعية الأولى والعبودية والإقطاعية، والرأسمالية، والاشتراكية. وحاول أن يفرض نمطًا لقراءة تاريخ العالم. تبدأ المشكلة هنا عندما ننظر إلى التاريخ العالمي. عندما انتقلنا إلى النقطة التي أثارها الدكتور يوسف وهي قضية المعجزات. والمعجزات نجدها واضحة في التحقيب الذي وضعه علي شريعتي عندما يقول فترة الحضانة الأولى، وفترة التوحد، وفترة التشتت، ثم ظهور المهدية. إذًا يرى المهدية خطًا مفصليًا، ظهور المهدي المنتظر في تاريخ العالم. أعتقد وأختم بذلك أنّ هذه القضية أثيرت في أكثر من محفل أكاديمي. ولكن يجب أن نستحضر أيضًا ما يحدث في الأدبيات العربية. جين بينتلي Bently Jean قدّم ورقة جيدة وحاول فيها أن يتخلص من التقسيم الثلاثي ويتبنّى تقسيمًا زمنيًا، يعني خمسمائة وألف وخمسمائة إلى غير ذلك، لكن هذا جاء أيضًا في إطار الأيديولوجيا الأميركية في طريقة فرضها على تاريخ العالم بوصفه وحدة دراسية في زمننا الحاضر. والتقسيم الآخر أتى به خالد بلان كنشب Kinship Bilab Khalid. وبلال كنشب حاول أن يبتعد عن إسقاطات مركزية العقل الأوروبي والتقسيم الثلاثي؛ فقسّم التاريخ إلى قديم وحديث. ينتهي القديم بخمسمائة ويبدأ الحديث من خمسمائة. ويعتقد أنّه بهذه الكيفية حلّ إشكالية العالم. لكن في الختام، أعتقد أنّ الإشكالية تبرز عندما نحاول أن نفرض نظرة كونية على الآخر. ولكن إذا
تركنا الآخر يحقّب وحده بدليل أنّ التاريخ الحديث في العالم العربي يبدأ بحملة محمد علي باشا، فأعتقد أنّنا حاولنا أن نصطحب العالم وفي الوقت نفسه نرتبط بقيم المحلّ الموجود والإقليمي لكي يعطينا حلً لهذه المشكلة. حيدر سعيد: شكرًا السيد رئيس الجلسة. حقيقةً جلسة غنية. لكن أريد أن أبدأ باختلافي مع الدكتور أحمد. أولً، أنا أعترف بأنّ التحقيب التاريخي كما يمارس في الثقافة العربية الحديثة هو خاضع للمركزية الغربية وطريقة التحقيب الغربي. لكن أعتقد أنّ هذا يتركني أستعمل تعبير ابن خلدون أنّ التاريخ جزء من تابعية المغلوب للغالب. لا أعتقد أنّه مرتبط بفرضٍ أو قسر غربي أو أوروبي بقدر ما هو مرتبط بطبيعة تمثّل تبنّي المغلوب طريقة تقسيم الغالب الحقبة التاريخية. ودليلي على هذا أنّ المؤرخين القوميين العرب الذين كان سلوكهم السياسي معاديًا للغرب، تبنَوا التحقيب نفسه. وبإمكاني أن أثبت هذا بعرضٍ مفصّل. ولكن في حقل التاريخ، وهو الشيء الذي يهمّني أن يتوضح. وبغض النظر عن طريقة التدريس الأكاديمي التي تبنّت ما يسمّى التاريخ العام، أعتقد أنّ التاريخ العام أيضًا مرتبط بالمركزية الغربية. في تصوري لم يُنقل التقسيم كما هو بل جرى نقل مفاهيم التقسيم. ماذا فعل المؤرخون وحتى القوميون بهذه الأشياء؟ هم لم يتبنَوا بالضرورة طريقة العصور القديمة والعصر الوسيط وعصر النهضة. وإنّما جرت إعادة مفصلة التاريخ الإسلامي وفقًا لهذه المفاهيم. ففي العراق مثلً، نرى أنّ القوميين الذين يتبنّون نظرة أيديولوجية للتاريخ العربي لم يستعملوا تعبير "العصر الجاهلي". واستُعمل "عصر ما قبل الإسلام". وعدُّت تلك الفترة الجاهلية امتدادًا أو تمهيدًا تاريخيًا للحضارة الإسلامية. ثم نتحدث عن العصر الوسيط الذي يبدأ مع ما بعد سقوط بغداد، والذي يٌسمّى التعبيرات الأيديولوجية بعصور الانحطاط أو العصور المظلمة، ثم "عصر النهضة" الذي يبدأ كما قال الدكتور أحمد مع النهضة العربية الحديثة. بمعنى أنّه لم يُتبنّ كما هو. بل جرت إعادة مفصلة التاريخ الإسلامي وفقًا لهذا. ولكن حتى داخل الثقافة العربية هناك نوعٌ من المركزية. بمعنى أنّ هناك محاولة تأكيد أنّ النهضة العربية بدأت في مصر. هنالك محاولة لفرض مركزية التاريخ المصري على كلّ البلدان العربية. وهذا غير صحيح. بدأت النهضة العربية في مصر والعراق وسورية وبلاد الشام وبلاد المغرب العربي. ولم تكن في مصر فقط. ربما لأنّ النهضة الجديدة بدأت في العراق مع قيام الدولة الحديثة، ولم تبدأ مع بداية القرن الثامن عشر. محمد المصباحي: سؤالي الأول، لماذا لا نمارس التاريخ من دون تحقيب وانتهى الأمر؟ لأنّ الزمن واحد. وهو زمن بشري أو طبيعي، وينبغي أن ننخرط فيه لنستمر في تأريخ الأمور. هناك، حتى إذا احتجنا إلى تحقيب، أتساءل لماذا غابت المعايير الأيديولوجية؛ الديانة، ونوع السياسة، ونوع الحكم، إلخ، عن عملية التحقيب؟ أو لماذا لا نعتمد على معيار تطوّر العقل؟ عند اليونان كان العقل برهانيًا بصفة عامة، في الحقبة الإسلامية كان تأويليًا سواء كان تأويل الكلام أو صوفيًا أو تفسيريًا، أي تفسير الأعمال اليونانية أو غير اليونانية. لماذا لا نهتم بالخروج من الأمور التي كنّا نحتكم فيها إلى هذه المعايير؟ ثم لماذا (أنا أتساءل سؤالً ساذجًا بالنسبة إلى الإنسان الذي لا يعرف التاريخ كثيرًا) لا نعدّ الحضارة العربية الإسلامية امتدادًا للحضارة اليونانية وانتهى الأمر؟ لأنّ القاعدة العلمية والفلسفية وحتى القانونية هي قاعدة يونانية إلا في المسألة التي ذكرت وهي التأويل والتفسير. أعود إلى السؤال الأصلي، وهو: لماذا لا نعتمد على تحقيب كوني وننهي هذا النقاش؟ ربما الذي لن نتوصل من خلاله إلى نتيجة؛ لأنّ التاريخ يسري ويتحول كلّ يوم أمامنا، ونحن نريد أن نضبطه (أن نضبط الزمن). عبد الأحد السبتي: أولً، في نظري ينبغي، في موضوع التحقيب، أن نتجنب الإطالة في الجانب الدفاعي في قضية إسقاط الغرب وما إلى ذلك؛ لأنّ هذه مسألة قيلت طيلة نصف قرن على الأقل، ونتجنّب المقاربة المعيارية أيضًا. هكذا ينبغي أن نحقّب. أظن أنّ المسألة المهمة هي أن نتلمس على الأقل تاريخ الزمن للتحقيب في إطار ثقافة الزمن في المجتمعات أو في إطار المقاربات الموجودة، لأنّه لا يوجد التاريخ العام فقط؛ فهناك التحقيب الاقتصادي، وهناك التحقيب الفكري الذي ذكره الأستاذ المصباحي إلى آخره. هذا بالنسبة إلى
النقطة الأولى. أمّا بالنسبة إلى النقطة الثانية، فهي المسألة التي أثارها الأستاذ عبد الحميد، وهي تحقيب الفاعلين. وهنا يوجد بعض الالتباس لأنّ تحقيب الفاعلين بمعنى الكتابة التاريخية العربية أو الأفريقية. وهناك التمييز الضروري بين تحقيب باحثين وتحقيب الثقافة الشائعة. الثقافة التاريخية الشائعة مثلً زمن السلف الصالح التحقيب ليس بتحقيب باحثين. هذا التمييز ضروري. المسألة التي أثارها المنصوري مهمة جدًا، وهي المتعلقة بالمتوسط. لأنّ التحقيب فعلً فيه مواجهة وفيه تجاوز قضية المواجهة والوجود داخل فضاء واحد. وهو ما تحيلنا إليه مسألة أخرى مهمة جدًا، وهي الالتباس القائم بين تحقيب التاريخ العربي الإسلامي وتحقيب التاريخ الإسلامي. وهذه مسألة تحيل إلى قضية المتوسط، لأنّ هذا الالتباس ورد من المتوسط. لأنّنا عندما نؤكد على المتوسط يتمّ الالتباس بسهولة ولمّا نبتعد إلى آسيا، إلى الهند نحسّ بضرورة التمييز. ثم المسألة الأخيرة وهي قضية "حملة بونابارت". فعلً، من ناحية المقاربة فهي مقاربة مهمة عبر منعطفات. لأنّ كلّ تحقيب مبنيّ على منعطفات، فعلًالمنعطفات ضرورية؛ أعطي مثالً سأشير إليه في تدخلّي وهو أخيرًا تحقيب التاسع عشر. وهو آخر تحقيب للقرن التاسع عشر، والذي صدر في كتاب جماعي في المغرب، منذ 1790 - 1830 لأنّ هناك تأثير حملة بونابرت التي لم يتمّ الانتباه إليها في تاريخ المغرب. ومسألة أخيرة مرتبطة بحملة بونابارت، هي تاريخ تحقيب المعرفة الكولونيالية. هي قضية Egypt ' D Expedition. والأبحاث الأركيولوجية وغيرها والمنهج نفسه اتُبع في الجزائر بعد الاحتلال. ويبدو أنّ هذا التمييز هو الذي اتُّبع في الجزائر، وهو الذي أدّى إلى صوغ مفهوم المدينة الإسلامية في البحث الاستشراقي. عبد الرحيم بنحادة: بالنسبة إلى قضية التحقيب، أنا أسير مع عبد الأحد في الاتجاه نفسه ومع الأستاذ الطاهر المنصوري؛ لأنّ التحقيب يختلف بحسب المجال الذي ندرسه والموضوع الذي نعالجه. فإذا ما كنّا نشتغل في التاريخ المالي، فهناك تحقيب ينضبط إلى منعطفات ليست بالضرورة هي المنعطفات المرتبطة بالتاريخ السياسي أو العسكري. فالتاريخ السياسي ينضبط إلى منعطفات أو أحداث سياسية. في حين أنّ التاريخ المالي ينضبط إلى منعطفات مالية؛ إمّا أزمة مالية، أو مجاعة أو وباء يؤدّي إلى كارثة ديموغرافية، أو أيّ شيء له تأثير مباشر في الحياة المالية أو المجال المالي أو مجال معيّ. محمد عفيفي: شكرًا، لديّ تعقيبان فقط على الورقتين المهمتين. بالنسبة إلى الأستاذ يوسف الشويري عن ملاحظات الطهطاوي وقوله إنّ التاريخ الإسلامي أو إنّ التاريخ الحديث يبدأ بالإسلام، تاريخ مصر الحديث والتاريخ الحديث بصورة عامة بحسب قصده. لأنّ ثقافة الطهطاوي أزهرية بالأساس وهو كان يرى أنّ تاريخ الإسلام ممتد وهذا سيظهر في التحقيب، فمثلً في جامعة الأزهر مع دخول علم التاريخ الحديث سيصبح التاريخ الإسلامي هو التاريخ الإسلامي الحديث وفيه امتداد. وهذا لم يتغير إلا في السنوات الأخيرة فقط، فكانوا يسمّونه في أقسام التاريخ في الأزهر، التاريخ الإسلامي الحديث. بالنسبة إلى الطهطاوي، علينا أن ننتظر قليلا حتى علي مبارك. وهذا لم يبتعد عنه كثيرًا في كتبه. ومع الخطط التوفيقية يقول إنّ تاريخ مصر الحديث يبدأ مع محمد علي. ويحدد هذا والتغيرات الكبيرة التي حصلت. وهنا يوجد اختلاف. والنقطة الثانية التي وردت عند الأستاذ المنصوري بالنسبة إلى العصور الوسطى والإسلامية، تطرح إشكاليةً كبيرةً جدًا، وبصفة خاصة مع تأسيس الأكاديمية في مصر، وتأسيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة. فقد بدأ الفصل بين التاريخ الإسلامي وتاريخ العصور الوسطى. وتاريخ العصور الوسطى. فتمّ التمييز بين عصر المماليك والعصور الوسطى؛ بمعنى أنّ التاريخ المملوكي لا يندرج ضمن العصور الوسطى. وقد أثار هذا الفصل ضجّةً كبيرةً جدًا إلى درجة أنّ المطرودين أو الخارجين أو شباب قسم التاريخ في جامعة القاهرة الذين هاجروا أو هجروا إلى الجامعة الحديثة، وهي جامعة "عين شمس"، قلبوا هذه الموازين تمامًا، وأصبح هناك التاريخ الإسلامي الممتدّ الذي يشمل تاريخ الأيوبيين والمماليك، وتاريخ القرون الوسطى هو مصطلح أوروبي ومقصود به التاريخ الأوروبي. ومازالت هناك إشكالية كبيرة في الجامعة المصرية بخصوص هذا الأمر. والأقسام الجديدة بعضها تابع لجامعة القاهرة والبعض الآخر لعين شمس.
عبد الرحيم بنحادة: الكلمة لياسر سليمان. ياسر سليمان: حقيقة، من الواضح- لست مختصًا بالتاريخ - أنّك لا تستطيع أن تعمل في التاريخ دون التحقيب، ولا تستطيع أن تعمل في كثير من الأحيان إلّ بالتحقيب. فعلماء اللغة يقومون بعمليات التصنيف. وهذه العمليات ترادف التحقيب عند المؤرخين. فالسؤال هو هل هناك شيء يتعلق بطبيعة العقل الإنساني أو العقل الأكاديمي؟ لأنّه لا بد أن يضع المادة التي يدرسها في ما يشبه صندوق البريد (أ، وب، وج). حتى في الطب، هناك تصنيف. الأساس هو التشريح، فالجسم هو وحدة كاملة لكن لا بد أن يشرح الطبيب هذا الجسم ويفصّله تفصيلً، ليقول بعد ذلك هذا يختلف عن هذا مع أنّ ذاك مرتبط بذاك، بعدما قلت هذا... سؤالي هو كما يلي حبّذا لو كانت محاولة من نوع آخر لدراسة قضية التحقيب، وهو أن نأتي بموضوع المادة التاريخية، ونقول هذه هي المادة التاريخية فيقوم المؤرخون بدراستها بتحقيبات مختلفة. والآن بالنسبة إليّ أرى كيف تتبدى هذه المادة التاريخية عندما تحقّبها هكذا وتحقّبها هكذا. هل هناك خلاف كبير أم صغير؟ هل هناك منطق واحد أم أكثر؟ إذا كانت مثل هذه المؤتمرات تقام كلّ سنة نبدأ بشيء جديد. نأخذ مادة تاريخية وندرسها بتحقيبات ظواهرية أو حداثية أو وسيطة أو من دون تحقيب، ونرى كيف تبدو. وهل للتحقيب تأثير فيها؟ وما هو هذا التأثير؟ فأعتقد هنا يبدأ في الحقيقة الابتعاد عن التنظير والبحث في المادة التاريخية (كيف تبدو؟ كيف تتأتى لنا؟). ونقارن التحقيب في التاريخ بالتصنيف وبتحقيبات أخرى لعلومٍ أخرى؛ في الجيولوجيا، هناك تحقيبات. لا نجعل الموضوع موضوعًا تاريخيًا بامتياز. فهذا في الحقيقة هو اقتراحي بناءً على ما قيل هنا. وإلا سندور في حلقة مفرغة ونعيد إنتاج الحديث نفسه مرةً بعد أخرى. عبد الرحيم بنحادة: في الحقيقة الجلسة الموالية سيكون عنوانها تجارب في التحقيب. وسنتطرق إلى مواضيع حُقّبت أو لمجالات حقّبت. محمد بلبول: أريد فقط أن أطرح مشكلً. هو مشكل يؤرقني؛ هل الحقبة واقع أنطولوجي أم أنّها مواضعة منهجية؟ في بعض العلوم مثل الجيولوجيا، التحقيب أنطولوجي؛ ذلك أننا حين نتحدث عن الحقبة الكلسية أو الحقبة الجيرية. فإنّ التحقيب هنا هو إفراز لتحليل وليس معطى منهجيًا. هذا هو المشكل الأول. المشكل الثاني أنّنا نتحدث عن التحقيب، ولكن وراء فكرة التحقيب هناك فكرة القطيعة؛ أي أنّ هناك التحقيب في إطار تصور التاريخ بوصفه استمرارية أو التحقيب في تصور التاريخ بوصفه قطائع. وما يجعلنا نمرّ من حقبة إلى حقبة هو الاتفاق على القطيعة. وهذه القطيعة ليست منهجية، هي تحليل. إذن لا يمكن أن نحقّب من دون أن نأخذ في الحسبان مفهوم القطيعة. وتظهر هذه القطيعة في مجال تاريخ الأفكار، وربما هي موجودة في مجال تأريخ الحوادث الإنسانية. وشكرًا. عبد الرحيم بنحادة: أظنّ أنّ هذا الموضوع الذي طرحه بلبول يستحق نقاشًا معمقًا؛ فإذا كان عندكم ردود فعل بخصوص هذه المسألة، فلتتفضلوا. عصام نصار: شكرًا. مواصلة لما قاله الأستاذ محمد بلبول الآن أو تذكير به. أنا شخصيًا معنيّ بالمراحل "العتبية" التي هي في العادة مراحل قد تكون مهمة جدًا. لكن تختفي في إطار التحقيب "المقصوص بالسكين"؛ ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها أو العصور الوسطى أو العصور الحديثة، فهناك دائمًا مراحل تضيع. وهي مراحل مهمة جدًا نرى من خلالها عمليات تحوّل؛ فكما لو كنت واقفًا على عتبة الغرفة، رِجلٌ داخل الغرفة والأخرى خارجها، فأنت في هذه الحالة وهي حالة مهمة جدًا، وهي المرحلة الانتقالية، هذه إحدى ضحايا التحقيب، والتي تتطلب منّا إعادة التفكير في أساسية التحقيب. ولا يمكن أن نتعامل بالتاريخ دون التعامل بالزمن التاريخي الذي هو جزء أساسي. وهذه المرحلة العتبية هي الضحية التي أشرنا إليها يكون لها دور أساسي جدًا؛ فعلى سبيل المثال كيف يمكن أن نتجاهل الأحداث التي سبقت الحرب العالمية الأولى في بلاد الشام مع الدولة العثمانية؟ وكيف ننطلق الآن، ونقول الآن بدأ الاستعمار
الفرنسي أو الانتداب الإنكليزي. يجب ألّ نتجاهل هذه المسائل، هناك استمرارية، لأنّ الناس لا يقفون هكذا ويقولون لقد انتهينا من مراحل سابقة، وسنعيش في عالم جديد. هي عملية بشرية تطورية؛ فعملية الانتقال في حدّ ذاتها - لم أجد لها اسمًا غير العتبية - هل هي حقبة مستقلة بذاتها؟ برأيي، وبناءً على هذا الكلام، من الأفضل دراسة مراحل ما بين التحقيب لا دراسة الحقب كأنّها متجانسة، ودراسة الاستمرارية والتغيير في هذه المراحل لا دراسة المراحل، مثل عصر الحداثة وعصر التصنيع، وهكذا. عبد الحميد هنية: طرح حيدر سعيد سؤال ما التحقيب الذي يجب أن نسير عليه؟ سؤال كبير، أجابه محمد المصباحي لماذا لا نمارس التاريخ من دون تحقيب؟ وأنا أشاطر هذا السؤال والإجابة عنه بنعم. مع الأسف، مع أنّك طالبت (مخاطبًا محمد المصباحي) بضرورة التخلّ عن التحقيب، قدّمت لنا أنماطًا من التحقيب. ربما سأصدم بعضكم. قلت في مداخلتي، التحقيب هو تصنيف. وعندما نقول تصنيف، فهو بالضرورة تصنيف فاعلين؛ إذا حقّب مؤرخ أو أيّ كان، فهو بالضرورة سيتقمص دور الفاعل. في تقديري، يجب ألّ نعطي التصنيف صبغة موضوعية بالمرّة. ويجب أن نتعامل معه على أنّه ذاتي. ومهمتنا بوصفنا دارسين لا فاعلين، أن نسائل هذا التحقيب لِمَ جرى التحقيب بهذا الشكل. وإذا أردنا أن نكون دارسين مؤرخين أو غير مؤرخين، فيجب ألّ نحقّب. يجب أن نرصد التحقيبات ونسائلها فننْفذ من خلالها ومن داخلها إلى واقع الشخص الذي حقّب، والذي يريد أن يحقّبه. أقترح أن يكون هناك دراسات تاريخية من دون تحقيب مسبق، إذا أردنا أن نتخلص من التصنيفات التحقيبية. مثلً ناصر سليمان في تقديري لم يحقّب، ولم يقترح علينا تحقيبًا نصدّره إلى فترات أخرى. درس موضوعًا معينًا ذكره ياسر سليمان، وحاول أن يفهم لغاية فهم الموضوع وليس للتحقيب. وأرجو بحسب تقديري، عندما نكون مؤرخين يجب أن نتعامل مع كلّ موضوع على حدة، ولكلّ موضوع منعطفاته. وهي طريقة لفهمه أو لإبراز تفاهمية أفضل. والخلاصة هي أن نتخلّ عن التحقيب ونسائل التحقيبات التي يبنيها الفاعلون. ياسر سليمان: أقول في النهاية إنّك لا تستطيع أن تخرج خارج قضية التصنيف. العلوم البحتة والعلوم الطبيعية تختلف تصنيفاتها عن العلوم الإنسانية والاجتماعية. هناك منهجيات مختلفة وغير ذلك. أقول مجددًا ما يلي حتى تقنعوني، أنا بوصفي إنسانًا يحب التاريخ وليس مختصًا بالتاريخ، إنّ للتحقيب تأثيرًا في صوغ المادة التاريخية. آتوني بموضوع وادرسوه بتحقيبات مختلفة. وقولوا لي بهذا التحقيب يبدو لك هكذا، وبهذا التحقيب يبدو لك هكذا. في النهاية، سنصل إلى ما قاله الطاهر المنصوري "الإنشتانية النسبية" من دون هذا التحقيب، هذا ما نخسر وهذا ما نربح. وفي النهاية، سنصل إلى نظرية محمد المنصوري. فكلّ القضايا هي نسبية وليست قضايا ثابتة المعنى أو ثابتة المضمون. حتى المضمون ليس واحدًا. سيبدو المضمون متشكلً بأشكال مختلفة أو وجهة النظر مختلفة كما يقول دي
". The point of view creates the object ": Ferdinand de Saussure سوسير
محمد بلبول: لكن دي سوسير جرى انتقاده بشدة بخصوص هذه القولة، لأنّهم اتهموه بالذهنية؛ إذ كان عنده موقف اصطلاحي من المعرفة. ذلك أنّنا نخلق المعرفة بالمصطلحات وليست شيئًا موضوعيًا، وهذا هو الذي يجعل المعرفة واحدة والمناهج واحدة. في نظري هذا مشكل آخر. معز الدريدي: أعتقد أنّ فكرة الخروج من فكرة التحقيب للتاريخ أو للأحداث التاريخية، هي فكرة ممكنة وواردة وطُرحت في مدارس غربية وبخاصة مدرسة الحوليات في فرنسا، حين اقترحت هذا المقترح وقالت إنّ الحقب لا تطرح بل تطرح الأفكار وتطرح المواضيع التي لها علاقة بالفكر الفلسفي اليوناني، ويمكن أن تصل إلى كلّ المجالات وتمسّ كلّ الأطر الزمنية. إذًا طرحت مشكلة الحقب والابتعاد عنها منذ ما يقارب القرن. وقُدّمت بدلً منها مشكلة طرح الأفكار. وبالنسبة إلى مسألة القطيعة والتحقيب التي تناولها الزميل، نعم، التحقيب لا يرتبط ببعد زمني واضح بخاصة لا نرى ذلك جليًا في تاريخ العلم. يتحدث غاستون باشلار Bachelard Gaston
عن تاريخ العلم، ويرى العلم هو تاريخ أخطاء العلم يعني العلم يعود إلى ما قبل إنتاج العلم، يعني ليس له بعد زمني تحقيبي. إذًا، في نهاية المطاف، التحقيب وهذا المنهج الزمني الواضح لا بد من تجاوزه والخضوع إلى مدرسة بنيوية للقضايا. كما قلتم الجسد يُتناول في مجمله لكن لا تفصل الأعضاء بعضها عن بعض، وعضو الرأس يمكن أن يكون التاريخ القديم والأعضاء الأخرى هي التاريخ الحديث. إذًا، لا بد اليوم أن نخرج من فكرة التحقيبالكرونولوجي Chronology بكرونولوجيا واضحة، والخضوع لمشكلة أفكار والدخول في قضايا فكرية أكثر منها زمنية. إسماعيل ناشف: يدور في ذهني سؤال: ماذا نريد أن نفهم؟ فالتحقيب فعل عنيف. يعني أنّك تفرض التصنيف على مادةٍ ما والسؤال هو من هو أهمّ، هل المصنِّف أم المصنَّف؟ في رأيي، علينا أن نتواضع. يعني أنّه على الإنسان أن يتواضع ويعطي فسحة ويفكّر أنّه يجوز للمادة التي يصنّفها أن تكون أهمّ منه، عوض أن يمارس العنف تجاهها. والسؤال الممكن أن يسأل هو أنّ التحقيب مبنيّ على السؤال، والذي يريد أن يسأل ما هذا الشيء. والسؤال ما هذا الشيء يتعلق بالمُصنّف ولا يرتبط بالمصنَف ولا يمسّه بصلة. والقضية الأساسية هي ماذا يدفع الإنسان لممارسة التصنيف على الواقع. كلّ هذه الأساطير الأوروبية للقرن التاسع عشر حول مركز الإنسان، والسؤال هو ماذا سيحصل إذا نحّينا الإنسان؟ وهناك عددٌ كبير من المداخلات المتعلقة بعوض أن يكون الإنسان مركز الكون، فمن الممكن أن تكون أشياء أخرى هي مركز الكون مثل الحيوانات، والنباتات، والأحداث، وليس لأنّه اقترح هذه يجب أن تكون. ولكن يجب أن يكون التمرين؛ التمرين التحليلي، سؤال ما هذا الشيء الذي حصرنا فيه وجعلنا نستعمل وسائل عنيفة تجاه العالم الذي نعيش فيه. فكلّ هذا الإرث الأوروبي النهضوي الحداثي فيه نقطة أساسية، استخدام العنف التصنيفي تجاه العالم هو لبّ هذا الإشكال. ولذلك نحن نعرف أنّنا في ورطة أو مصيدة. ونحن لم نقل إنّنا في فترة زمنية وأصبحنا نطرح الأسئلة نفسها. ما هذا الشيء؟ وهل هناك إمكانيات للخروج من سطوة التصنيف؟ والتصنيف هنا ليس شيئًا خارج التاريخ. التصنيف هو بناء تاريخي Construct يجب البحث عن وسائل للخروج منه، وتحديدًا لمّا نتحدث عن الاختلاف. محمد المصباحي: أعتقد أنّ التصنيف في بعض الحالات يفرض نفسه، خصوصًا عندما يكون هناك حدث عظيم، أو كما يقول ابن خلدون حدثان. وأستغرب من الإخوان التونسيين، أنّهم جاؤوا من بلاد الحدثان الذي هو الربيع العربي ولم يجعلوه انطلاقة لتحقيبٍ جديد لتاريخ العالم العربي؛ فمعنى التحقيب هو الانطلاقة من نقطة معيّنة. معناه أنّ تلك النقطة لها القدرة على التفسير؛ على تفسير ما سيأتي فيما بعد. وبالفعل، أعتقد أنّ الربيع العربي له هذه القدرة؛ قدرة تفسير التاريخ العربي الحديث تفسيرًا جديدًا. والتفسير يتطلب منّا مغامرة للخروج من المظلات النظرية التي استظللنا بها في الماضي، وأن نخوض مغامرة جديدة. عبد الرحيم بنحادة: يحضر معنا اليوم في هذه الجلسة طلبة من معهد الدوحة للدراسات العليا في حقول الفلسفة والتاريخ واللسانيات. أعطي بعضهم الكلمة. عبد الله الغلبزوري: تجاوبًا مع ما سمعناه ونحن مع تخصّصنا مع الأستاذ المصباحي في شعبة الفلسفة. ولكن لاحظنا أنّ العودة؛ يعني النظرة إلى الزمن من دون تحقيبات هي نوع من السرد، لأنّه كيف يمكن أن نعود إلى هذا الزمن، وكلّ عودة إلى الزمن نوعًا ما مقولات. إذا استحضرنا مثلًالعصر الوسيط، استحضرنا ما هو ديني ويعني الكنيسة. يعني أنّ هناك مقولات يجب استحضارها في أيّ زمن، زمن معيّ. فحينما نحقّب، فإنّنا بالضرورة نضع هذه المقولات في أذهاننا. وهذا التقسيم سواء كان منهجيًا أو تقسيمًا يفرض نفسه في جميع الحالات. يعني أنّ هذه المرحلة تتميز بكذا ويمكن قراءتها هكذا. وهذه هي أهمية التصنيف كما رأيت. وعليه، فالمسألة هي كما رآها طوماس كون Cone Edward Thomas مسألة نموذج إرشادية يعني أن نعود إلى الأشياء من دون نظرة أو بناء نظري، فأنت
تنظر إليها بوصفها أشياء فقط. لكن أن تعود إليها وفقًا لفكرة مسبقة ونظرية معينة، فأنت تعود إلى تلك الأحداث وفقًا لهذا النموذج. والمشكل الآن أنّ هناك نزعة خصوصية بخاصة الآن، هي أنّنا بصفتنا عربًا أو مسلمين لا بد لنا من تحقيب أيضًا؛ يعني أنّ إشكالية الكونية والخصوصية كما في الفلسفة، كما في الأدب ربما مطروحة أيضًا في التاريخ. وهذا ما أريد أن أستوضحه أكثر. ياسين اليحياوي (طالب برنامج التاريخ): هناك سؤال قديم أعدت التفكير فيه بعد مداخلة الدكتور ياسر، وهو عن التحقيب وعلاقته بالمنهج. والسؤال هل التحقيب يتطلب أنّ لكلّ حقبة تاريخية منهجًا خاصًا؟ وإذا كان كذلك، كيف سيتمّ؟ والسؤال الآخر هو مسألة التحقيب يأتي عنها أو يتفرع منها مسألة الجماعة: جماعة المؤرخين أو جماعة المتخصصين. وعليه، فالتاريخ القديم له جماعة من المتخصصين في التاريخ الوسيط كذلك. والسؤال هو: هل المتخصص في التاريخ القديم يمكنه أن يعالج قضايا في التاريخ الوسيط؟ والمتخصص في التاريخ الوسيط كذلك هل بإمكانه أن يعالج قضايا في التاريخ الحديث؟ ويعني هذا العلاقة بين الحقب التاريخية. عبد الرزاق المسعودي (طالب اللسانيات والمعجمية العربية): أعجبتني كثيرًا الحلقة النقاشية الرائعة. وأريد من مجال تخصصي الذي هو اللسانيات، أن أربطه بمجال التاريخ لأنّ ما أثارني كثيرًا هو النقطة التي أثارها الأستاذ المصباحي حين تحدّث عن: لماذا لا يمكن تجاوز التحقيب؟ فهو نظر إلى المسألة من زاوية فلسفية ما بعد حداثية، لأنّه كما قال الأستاذ ياسر كانت هناك تحقيبات وكلّ مجال يخضع لتحقيبات. ولكن من بعد الحداثة جرى إلغاء التحقيبات والتصنيفات. إذا ذهبنا إلى حقل اللسانيات وبالخصوص اللسانيات التطبيقية فنؤمن أنّه كان هناك وجود للتصنيفات عندما يتحدثون عن طرق التدريس. فكانت طرق التدريس التي نعدّها تصنيفات، لكن جاءت ما بعد طرق التدريس مع رائدها الهندي Vadivulu Komara فتمّ إقصاء كلّ أنواع التصنيفات. لكن هذا الإقصاء لم يتمّ بصورة عشوائية، بل وفقًا لشروط أساسية لا يمكن الاستغناء عنها وهي مفهوم Particularity أي خصوصية الموضوع المدروس تاريخيًا. هناك أيضًا شرط الإمكان Possibility وهو يتعلّق بإمكانية دراسة الموضوع التاريخي، بالاستغناء عن التحقيبات. وهناك أيضًا Practicality أي العملية. أي مدى إمكانية أن يكون هذا البحث التاريخي عمليًا. ولكي أختم، أقول إنّه يمكن الاستفادة بصورة كبيرة في موضوع التاريخ من اللسانيات لأنّ كلّ المجالات الإنسانية استفادت من مجال اللسانيات. وعليه، لماذا لا يكون مجال التاريخ مثلها؟ عبد المنعم أحمتي (طالب برنامج التاريخ): انطلاقًا من مفهوم التحقيب، وهو تقسيم التاريخ لفترات متميزة، وانطلاقًا من الهدف الأساسي وهو يعني التموقع في الزمان لكي يعرف المنطلق والمكان الذي سننطلق منه، نحن متموقعون في الزمن. إذا اتّبعنا التحقيب الأوروبي، فنحن متموقعون في الزمن نفسه والهدف هو محقق. إذا نظرنا إلى المسألة من جهة أخرى في مسألة الهوية والخصوصية والتخلص من الإثنو أوروبية، فهنا سنتحدث عن نقطة أخرى يعني هل نحن امتداد، كما يقول عبد الله العروي في كتابه مفهوم التاريخ، لذلك التاريخ الأوروبي؟ إذا كنّا نعدّ أنفسنا امتدادًا له، فسيكون التحقيب الأوروبي مسألة محسومة. وإذا كنّا نعدّ أنفسنا خصوصية ولها هوية إسلامية أو ما إلى ذلك فيعني أنّه يجب التفكير هنا أساسًا في مسألة التحقيب، انطلاقًا ممّا تمّت إليه الإشارة في المداخلة السابقة. محمد الطاهر المنصوري: بصفتي مؤرخًا، لا يمكنني أن أقول إنّ باستطاعتنا أن ندرس التاريخ من دون تحقيب. وهذا الأمر يعني أنّه نوع من المجازفة الفكرية التي لا تستند إلى أرضية تاريخية حقيقية. هذا الأمر هو نقطة أولى. النقطة الثانية هي أنّ التحقيب يشير إلى مسألة التواصل والقطيعة التي ذكرها بلبول، لأنّ اختيار التاريخ في سلّم الزمن هو دليل على أنّ هناك قطيعة بين عصرٍ انتهى وعصر بدأ. هذا الكلام من الناحية النظرية أو من الناحية الاصطلاحية ممكن. من الناحية العلمية غير ممكن، لأنّ هناك ظواهر اجتماعية واقتصادية وثقافية وذهنية تَعبر الزمن. ومن هنا، فالمؤرخ يجب أن يأخذ في الحسبان أمرين: أمر نقاط القطيعة المتفق عليها. ولكن عندما يدرس الظاهرة يدرسها منذ انطلاقها إلى انتهائها.
يوسف الشويري: أحبّ أن أشير فقط إلى أنّ التحقيب نفسه له تاريخ. وعليه، لا يجوز استخدام التحقيب وكأنّه نظرية بحدّ ذاتها. يعني أنّ كلّ عصر له تحقيب معيّ وله مفهوم معيّ للتحقيب. ومن هنا، لا وجود لتحقيبٍ في المطلق. أشير إلى أنّ ما لُمّح إليه وما رُكّز فيه هو نظرية الحديث عن التحقيب. انطلق ما بعد، أظن كتاب ميشيل فوكو Foucault Michel بمعنى أنّ كلّ فترة تاريخية معيّنة لها مجموعة من المفاهيم والقواعد والأسس التي منها تفهم الأشياء. فمعنى أنّ الناس في العصر الكلاسيكي كانوا يدرسون شكل النبتة أو شكل الحيوان. وفي القرن التاسع عشر بدأنا ندرس وظيفة الشيء. فإذا أردنا أن نتحدث عن التشريح ليس عن شكل اليد لكن عن وظيفة اليد. فكيف تختلف وظيفة اليد عن وظيفة العين ووظيفة القدم. وعليه، وظيفة الحدث هي التي ندرسها الآن. وأعتقد أنّه لا يجوز لنا بوصفنا عربًا ومسلمين إذا شئتم أن نرفض شيئًا قبل أن نحصل عليه. ومعنى أنّ جميل الكلام عن المفاهيم العربية وعن الغربية والاستشراق وأن نلتزم نحن ما يفرضه علينا الآخرون. ولكن إذا لم نحصل على هذا الشيء فكيف نستطيع أن نرفضه؟ يجب أن نستحوذ عليه ونتقنه، ثم نرفضه إذا شئنا. لكن لا نفعل ذلك قبل أن نحصل عليه. حيدر سعيد: أولً، لا نستطيع أن نتحدث عن تحقيبٍ واحد؛ فكلّ موضوع يفرض تحقيبًا خاصًا. لكن أنا أيضًا أتحفّظ على قَصْ التحقيب على حقل التاريخ. كلّنا، نحن المشتغلين في العلوم الاجتماعية، نمارس هذا التحقيب. لا أعتقد كذلك أنّ التحقيب هو عمل أكاديمي مختبري. التحقيب مرتبط بالسياسة ومرتبط حتى بالمخيال الاجتماعي. النقطة الأساسية التي أريد أن أقولها. نعم هناك ربما فرْض لنوع من التحقيبات لكن أعتقد أيضًا أنّ التحقيب مرتبط بتحولات في البنية. والآن وصلنا إلى ميشيل فوكو فهو أخيرًا مرتبط بالمصطلح الذي استعمل بالأبستمولوجيا وتاريخ الأفكار بالقطيعة البنيوية. لكن ماذا يحدث؟ أعتقد أنّ الالتباس هو في تداخل البنى. عندما نقول "ما قبل الدولة العراقية الحديثة" و"ما بعد الدولة العراقية الحديثة"، نحن نتحدث عن قطع سياسي. عن قطيعة في المستوى السياسي. هذا ليس أمرًا مفروضًا من الخارج. لكن ما يحدث هو بداخل البنى. فهناك من يتصور أنّ هذه القطيعة السياسية ترافقها قطيعة اجتماعية وثقافية من دون أيّ دليل على أنّ هذا يعني التحوّل السياسي. القطيعة السياسية فرضت تحولات في البنية الاجتماعية وفي البنية السياسية.
الجلسة الثانية تحقيب املجالات: تجارب ومقاربات
(رئيس الجلسة: عبد الحميد هنية)
القسم الأول: املداخلات
عبد الحميد هنية: نبدأ الآن، إذًا، الجلسة الثانية "تحقيب المجالات: تجارب ومقاربات"، ونبدأ مع عبد الأحد السبتي من خلال "نظرات حديثة في تحقيب تاريخ المغرب". عبد الأحد السبتي أستاذ التاريخ بجامعة محمد الخامس، الرباط - المغرب، وله في مجال التحقيب كتابات عديدة. ونُعطي الكلمة إذن للأستاذ عبد الأحد السبتي.
عبد الأحد السبتي
نظرات حديثة يف تحقيب تاريخ المغرب
يرفض المؤرّخ أحيانًا أن ينشغل بالتنظير أو بالإبستيمولوجيا التاريخية، بدعوى أنّ الأهم هو وصف الوقائع انطلاقًا من المصادر، وفي الآن نفسه فهو يستعمل بالضرورة، عن قصد أو عن غير قصد، مفاهيم صاغها آخرون. وبالطريقة نفسها، قد يرى المؤرّخ التحقيب ترفًا لا فائدة فيه، بينما تشتغل هذه المسألة بصفة ضمنية في عدد من الاختيارات التي يتبنّاها الباحث عندما يختار موضوعًا معيّنًا للدراسة. ويحضر التحقيب في اختيار سلّم زمني معيّ، وحقبة معيّنة، ومنعطفات معيّنة، إلى غير ذلك من العمليات الذهنيّة التي تقيم علاقة بين شكل التحقيب ومحتواه. والسبب في كل هذا أنّ المؤرّخ يشتغل حول الزمن كيفما كانت نوعية اهتماماته. ننطلق من فرضية أولية، وهي أنّ البحث التاريخي الحديث في المغرب وحول المغرب، اعتمد توفيقًا بين تحقيب ينبني على معيار السلالات الحاكمة، وتحقيب يقوم على النموذج الرباعي الفرنسي الذي يميّز بين التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر. على أنّ النموذج الأنجلوسكسوني يطلق على الحقبتين الأخيرتين صفتي ما قبل الحديث والحديث. وقد أصبح من قبيل تحصيل الحاصل أنّ خطاطة التحقيب الفرنسي تحمل بصمات المركزية الأوروبية، غير أنّ ورش البحث في تاريخ المغرب لم تستقرّ على تحقيب بديل. وإضافة إلى ذلك، يتمّ أحيانًا اعتماد القرن، وهو ما حصل مع القرين الخامس عشر والتاسع عشر. فالأول انتقال من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، والثاني ينتمي إلى الحقبة المعاصرة ويسجّل الانتقال من الضغط الأوروبي التمهيدي إلى حقبة الحماية الفرنسية الإسبانية. وسوف نتأمل المضامين التي تعطى لهاتين المرحلتين الانتقاليتين.
أولً، القرن الخامس عرش
العلويين. وهناك مكوّنات أخرى مثل: ӵ ӵ تفكك الدولة المركزية والتنظيمات القبلية الكبرى. ӵ ӵ تراجع النشاط التجاري والحياة الحضرية. الاحتلال البرتغالي لعشر مدن تقع على امتداد الساحل الأطلسي.
الناحية الاقتصادية إلى القرن الثاني عشر الذي أنجزت خلاله أوروبا أول ثورة فلاحية.
الدولة المخزنية).
ثانيًا: القرن التاسع عرش
احتلال بونابارت مصر، وبداية التهديد الأوروبي3. لقد تمّ إبراز هذا القرن بصورة منهجية في كتاب تاريخ المغرب: تحيين وتركيب4. يبدأ القرن الخامس عشر مع الاحتلال البرتغالي لمدينة سبتة عام 415 1، وينتهي مع أول بيعة تلقّاها الأمير السعدي في منطقة سوس بالجنوب عام 510 1. وتتمثّل السمتان الأساسيتان في اختلال التوازن مع أوروبا، والانتقال من الكيانات الإمبراطورية إلى الدولة الترابية، ومن دولة العصبية إلى دولة الشرفاء السعديين ثمّ
الدور المركزي الذي أدّته الحركة الصوفية بصفتها دينامية أطّرت مقاومة الاحتلال الإيبيري وساندت قيام حكم السعديين. إنّ تحديد ملامح القرن الخامس عشر يثير عدّة ملاحظات على مستوى الترابط الزمني. وفي علاقة هذه الحقبة بما سبقها. فالكتاب يخبرنا أنّ عناصر الأزمة الاقتصادية والسياسية بدأت في منتصف القرن الرابع عشر مع الطاعون الكبير (348 1)، واغتيال السلطان أبي عنان (358 1). واختلال التوازن مع أوروبا يعود من الناحية العسكرية إلى هزيمة العقاب التي منيت بها دولة الموحّدين عام 212 1، ومن
وفي مستوى آخر، سوف يكون من المفيد أن نربط بين التطوّر الخاص بالمغرب، وتحقيبات أشمل مثل تحقيب مارشال هودجسون والمقاربات الحديثة للتاريخ العالمي. ثمّ كيف يمكن الحديث عن انتهاء دولة العصبية في المغرب بينما تقول بعض التنظيرات (إرنيست غلنير) باستمرار الاختلاف بين استمرار انتماء المغرب إلى النموذج الخلدوني وقيام النموذج العثماني الذي يرتبط ببناء جهاز بيروقراطي؟ وفي الإطار نفسه، فإنّ الكتاب التركيبي لدنيال ريفيه تاريخ المغرب: من إدريس الأول إلى محمد السادس5 حاول العودة إلى التحقيب السلالي، ليتبيّ استمرار مسلسل بناء تقاليد الدولة المخزنية، على الرغم من القطيعة المفترضة التي يمثّلها القرن الخامس عشر. وهكذا يمكن الانتقال بمصطلح الدولة من المفهوم الدائري (دولة السلطان والسلالة) إلى مفهوم المؤسسة (من دولة العصبية أو الشرفاء إلى
يمتدّ هذا القرن من 800 1 إلى 900 1، بل هناك إجماع على نقطة الانتهاء (912 1)، واختلاف في نقطة البداية 830 1 (احتلال الجزائر) أو 790 1، إذ ينطلق "القرن التاسع عشر الممتد" في 790 1، حيث يتزامن عهد السلطان سليمان (سليم الثالث؟) مع حدث
يحمل هذا القرن دلالات مركبة. فقد تمّت دراسته وفق منظورين بالأساس: من جهة أولى التدخل الكولونيالي، ومحاولات إصلاح الدولة، ومن جهة ثانية مونوغرافيات التاريخ المحلي الذي يُعنى بتطوّر القبائل والمناطق. ثم إنّ هذا القرن هو في الآن نفسه مرحلة ما قبل الاستعمار، ومرحلة التدخل الاستعماري الذي لا ينقصه سوى جانب السيادة السياسية الصورية (Hypocolonisation)، على شاكلة تجربة إيران والصين. وقد أثّرت هذه الازدواجية في إنتاج المصادر (الحوليات التقليدية، وأدبيات الاستكشاف الأوروبي، والأرشيف المخزني والأوروبي)، وهو ما يضع المؤرّخ أمام زخم استثنائي يساعده على التقاط زوايا جديدة من التاريخ الاجتماعي والثقافي. وقد أتيح لي أن أساهم في هذا الاتجاه ببحثين اث ين يسائلان ثنائيتين سائدتين. يعدّ القرن التاسع عشر قرن الاصطدام بين المحلّ والدخيل. وإذا بموضوع التاريخ الثقافي لمشروب الشاي يضعنا أمام صورة مغايرة6. كان المنطلق هو اكتشاف قصيدة مطوّلة مكتوبة بالأمازيغية، نظمها عام 895 1، شاعر مغمور من جنوب غرب المغرب. إنّ أوروبا تسعى إلى استعمارنا بواسطة الشاي والسكر، وفي الآن نفسه يرسم الشاعر صورة لصينية الشاي بصفتها استعارة للمصلى وفضاء يستقبل فيه السلطان وفود السكان (المشور)، ويدعو الشاعر عامة الناس إلى تجنّب الشاي لأنّه ترف خاص بعلية القوم. إنها إذًا مفارقة بناء التقليد في زمن التحديث. يبتكر المجتمع "مشروبه الوطني" انطلاقًا من مادة فرضتها عملية الغزو الاقتصادي الأوروبي، إذ حصل تكامل بين بريطانيا العظمى التي تمدّ السوق المغربية بالشاي الصيني وفرنسا التي تمدّها بالسكر الآتي من معامل التكرير بمرسيليا. ويتيح لنا الموضوع أن نربط القرن التاسع عشر بالقرن العشرين، وتتبّع مسلسل انتقال الشاي من مستوى الترف إلى مستوى الغذاء التعويضي في الأوساط الشعبية، ومن مشروب القصر السلطاني إلى مشروب النخبة، ثمّ مشروب ذكوري، ثمّ مشروب عائلي. وهكذا نكتشف نوعًا من التشابه مع النمط الإنكليزي في محاكاة المجتمع للمركز السلطاني. كما أنه في مجال ثقافة الأشربة، هناك توازٍ بين اختلاف بريطانيا عن أوروبا القارية، واختلاف المغرب عن المجال العثماني الذي عرف انتشار القهوة بصفتها مشروبًا وفضاءً عموميًا. ومن جهة أخرى، يسود عند المؤرّخين تمثّل القرن التاسع عشر بصفته حقبة أدّى خلالها التدخل الأوروبي إلى تأزيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن ثمّ فدراسة أشكال التوتّر تقوم هي الأخرى على ثنائية التوازن السابق والخلل الطارئ. وقد أتيح لي أن أسائل هذه الثنائية من خلال دراسة ظاهرة تأمين الطرق بمقابل مادي من قوى محلّية قبلية أو دينية (شرفاء ورؤساء زوايا صوفية)، أي "الزطاطة" التي تمثّل تنويعة محلّية لظاهرة الخفارة المعروفة في المجتمعات العربية منذ ما قبل الإسلام7. هل قطع الطريق ظاهرة جديدة في القرن التاسع عشر؟ ربّما عمل السياق الجديد على الزيادة في حدّتها، مثلما وقع في القرن الخامس عشر كما ورد في الكتاب الجماعي السابق الذكر. غير أنّ هناك مؤشّات تدلّ على قدم الزطاطة، وإضفاء الشرعية الفقهية على عرف أداء جُعل لمن يتولّ "تزطيط" المسافرين في الطرق المخوفة، منذ القرن السابع عشر على الأقل. كما أنّ الفقهاء ناقشوا العلاقة بين ثمن الزطاطة والإرشاء وثمن النفوذ. ومن ثمّ بدا لي من الجائز منهجيًّا أن ننطلق من القرن التاسع عشر لتحديد ملامح الزطاطة، بصفتها ظاهرة اجتماعية كلّية (بحسب مصطلح مارسيل موس)، لأنّها تؤثّر في هيكلة جوانب تاريخية متعددة، تنتمي إلى الاقتصاد والسلطة السياسية والقانون وحتّى المخيال. وبعد ذلك تناولت قضية أمن الطرق بطريقة استرجاعية تمتدّ حتّى مرحلة تأسيس الدولة المركزية في "العصر الوسيط"، وارتباط هذه الدولة بمراقبة محاور تجارة العبور، وذلك من خلال نمذجة خطابات أدبيات الاستكشاف، والحوليات السلطانية، ومناقب الأولياء،
والنصوص القانونية التي تشمل الأعراف القبلية والأدبيات الفقهية. وفي كلّ هذه الخطابات تتقاطع عمليات الوصف والسرد وتحديد الأنماط المعيارية. وفي الختام، أودّ أن أدلي بخلاصتين: يوجد خلف هذا التوتّر بين أشكال التحقيب توتّر آخر بين الحدث والبنية، أي بين الثابت والمتحوّل. تتأثّر عمليات تجديد التحقيب بأدوات الأنثروبولوجيا، وما يطرأ من إعادات النظر في دراسة التاريخ العالمي. عبد الحميد هنية: شكرًا لعبد الأحد السبتي، فهو في نهاية الأمر "يقفز" بنا إلى عالم آخر؛ القطيعة والعتبة. ومن ثمّ، إلى نظرة أخرى إلى تقسيم ما (لا أريد أن أستعمل كلمة "تحقيب")، ولكنّ ذلك في إطار مواضيع محدّدة. الكلمة الآن لعصام نصار لكي يحدثنا عن التحقيب التاريخي في السياق الفلسطيني.
عصام نصار
حول الزمن التاريخي يف كتابة تاريخ فلسطين والفلسطينيين
الزمن هو دومًا موضوع التاريخ، كما أشار المؤرّخ الألماني راينهارت كوسيليك8Koselleck. لكنّ الزمن التاريخي، وعلى الرغم من دورانه في سياق الزمن الطبيعي، فإنّه من غير المقتصر عليه، فهو، أي الزمن التاريخي، يرتبط بالبنية السردية، والتي هي من نتاج عمل المؤرّخ. وفكرة أنّ الزمن التاريخي لا يمكن اختزاله في الزمن الطبيعي هي فكرة حديثة النشأة، كما يشير بندكت اندرسون Benedict Anderso، وترتبط بنشأة العلوم العلمانية على حدّ تعبيره عبر مترجمه للعربية9. وجاء التزمين التاريخي الحديث ليحلّ محلّ التزمين السابق المعتمد على السلالات والزمن الديني، وهو ما يصفه اندرسون "بالزمن العمودي" المرتبط بالخلق بدايةً والخلاص نهايةً للتاريخ. الزمن التاريخي، كما يفهم اليوم بعد نشأة العلوم الإنسانية العلمانية الحديثة، يجب أن يفهم كونه "الزمن المتجانس الفارغ"، بحسب وصف والتر بنيامين واستخدام اندرسون لذاك الوصف. إنه الزمن الأفقي الشامل لفكرة "في الوقت ذاته"، والمتفق عليه عبر التوافق الموقت، والذي يقاس بالساعة والرزنامة10. وهو الزمن السردي الروائي، والذي هو في حدّ ذاته عبارة عن تشكيل تاريخي أكثر من كونه الإطار العام الذي يتشكّل من خلاله التاريخ. ولهذا فإنّ الزمن هذا هو زمن له تاريخ، وأنّ التاريخ هو زمنه. إنه الزمن الذي تتشكّل وتسير عبره الجماعة السياسية المتخيّلة التي هي الأمّة. أي إنّه الزمن القومي. فلئن كانت قضية الزمن التاريخي والتزمين إشكالية جوهرية في التأريخ (الأسطغرافيا)، بما هي خاضعة لرؤى فلسفية مختلفة باختلاف المدارس التاريخية، فهي في سياق التاريخ القومي الإشكالية الأساسية. فتاريخ الجماعات المتخيّلة يستند إلى زمن الأمّة، بما هي تكوّن تاريخي، والذي يرى في حدثٍ ما بداية تاريخها وفي حدث آخر اكتمال تشكّلها. وفي هذا السياق فإنّ شكل زمن الأمّة التاريخي وتراتبيته جزء أساسي من كيفية تخيل الجماعة / الأمّة بذاتها. واختلاف مثل هذا
الزمن القومي هو جزء أساسي من اختلاف تواريخ الأمم المختلفة، فإن رأينا أنّ تاريخ تركيا يبدأ من مصطفى كمال والحرب التركية اليونانية على سبيل المثال، فإنّ رؤيتنا لطبيعة التاريخ القومي التركي مختفلة تمامًا عمّا إذا اعتمدنا تاريخ الدولة العثمانية بداية لتاريخ تركيا. ومن دون الاستفاضة في النقاش النظري حول الزمن التاريخي، نظرًا لضيق المساحة لهذه العجالة، فإنّ معالجة التزمين في موضوع تاريخ فلسطين هي أساسية لتخيّل فلسطين والفلسطينيين من حيث الطبيعة والماضي والمستقبل. وهذا ما أرغب في النظر إليه في مساهمتي هذه. لكن قبل البدء في المعالجة، أرغب في أن أشير، متفقًا مع بشارة دوماني، أنّ هناك فصلً حادًا في كتابة تاريخ فلسطين، من حيث هي مكان، عن كتابة تاريخ الفلسطينيين من حيث هم جماعة سياسية متخيّلة، في عملية البحث التاريخي الأوروبي أولً، والصهيوني لاحقًا11. فكلما ازدادت معرفة المؤرّخين بتاريخ هذا البلد في علاقته بالأديان، قلّ ظهور سكان البلد في التاريخ. إنّ الدراسة الأوروبية، وبخاصة تلك التي سادت في القرن التاسع عشر، عنيت بفلسطين بصفتها أرض التوراة والإنجيل وموقع القصص الواردة في هذه الكتب المقدسة، وليس بمن عاش فيها، وشكّل بنىًاجتماعية واقتصادية وثقافية ميّزتها عن غيرها من البلدان. وجاء الخطاب التاريخي الصهيوني ليستمر في هذا النمط من إنتاج المعرفة التاريخية بصفة انتقائية، يربط البلاد ليس بمن يعيش فيها، بل بمن يرغب في السيطرة عليها واستعمارها عبر انتقائية ترى في الحوادث التاريخية، سواء حوادث وقعت أم أساطير دينية، مرجعيته الوحيدة. وعليه فالتزمين السائد في الخطاب الصهيوني التاريخي هو تزمين مرتبط بمسألة الهيكل اليهودي، معتمدًا فكرة أنّ الزمن التاريخي يقسّم إلى مرحلة الهيكل الأول (هيكل سليمان). وهي المرحلة التي يرى أنها بدأت ببناء الهيكل في حوالى 960 قبل الميلاد وحتى تدمير الهيكل في حوالى 586 ق. م. تليها مرحلة الهيكل الثاني (هيكل هيرودوس) من حوالى 530 ق. م. حتى 70 م. والمرحلة الثالثة تبدأ بقفزة زمنية كبيرة مبتدئة في القرن التاسع عشر وغير منتهية إلى يومنا هذا، وهي مرحلة عودة اليهود إلى فلسطين أو بداية الزمن الصهيوني. فإذا كان تزمين تاريخ فلسطين لدى مستشرقي أوروبا والولايات المتحدة قد ارتبط بالزمن الإنجيلي، فإنّ تزمين تاريخها لدى المؤرّخين الصهاينة يستند إلى زمن اليهود فيها. لكنّ السؤال الملح في رأيي هنا، يرتبط بكيفية تزمين تاريخ فلسطين في إطار الكتابة التاريخية العربية والفلسطينية. وفي هذا السياق أودّ أن أشير إلى ثلاثة أنماط من التزمين نجدها لدى مؤرّخي فلسطين غير الصهاينة المعاصرين. الأول يجعل الفتح الإسلامي لفلسطين بداية تاريخ العرب في فلسطين. ويجعل الثاني الهجرة الصهيونية بداية لتاريخ الشعب الفلسطيني. أمّا النمط الثالث، وهو الأحدث لدى المؤرّخين، فيبدأ من منتصف العهد العثماني بداية لتشكّل الهوية الفلسطينية لسكان فلسطين. إلى جانب هذه الأنماط، نجد البعض يذهب إلى أنّ جذور تشكّل الهوية الفلسطينية يعود إلى العصور القديمة، وتحديدًا إلى الفترة الكنعانية. وهي تسبق زمنيًّا البدايات التي يأخذها التأريخ الصهيوني لتاريخ تشكّل الهوية اليهودية في فلسطين. نجد هذا نمط من التزمين منتشرًا وواسع الانتشار في سياق الخطاب السياسي الفلسطيني، أكثر ممّا هو في سياق البحث التاريخي الجدّي. مع أنّه توجد بعض الدراسات التاريخية القليلة التي تدعم هذه المقاربة. وهو بذلك أقلّ شيوعًا وأقلّ سلطوية في سياق التزمينات السائدة لدى عموم المؤرّخين، ولهذا فلن نلتفت إليه في سياق هذه الورقة12.
الزمن الإسلامي الفلسطيني
يذهب المؤرّخون الإسلاميون، وبدرجة أقلّ القوميون العرب، إلى أنّ بداية تاريخ شعب فلسطين تعود إلى الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، حين بدأت عملية تعريب السكان وانتشار الإسلام في مجتمعهم13. وتجد هذه الرؤية في فكرة التسامح الإسلامي تجاه المسيحيين نقطة انطلاقتها، مستندة إلى ما يعرف "بالعهدة العمرية"، إشارة إلى الوثيقة التي منحها الخليفة عمر بن الخطاب لمسيحيي القدس ضامنًا لهم فيها حرية العبادة. ويرتبط الزمن الثاني في هذا النمط من التزمين، بالاحتلال الصليبي لفلسطين في العام 1099 م، بصفته أول محاولة أوروبية لاحتلال فلسطين وتهجير سكانها، منطلقًا إلى الزمن الثالث وهو زمن تحرير القدس من الصليبيين قرب نهاية القرن الثاني عشر الميلادي على يد صلاح الدين الأيوبي. أمّا الزمن الرابع في هذا الخطاب، فيرتبط ببدايات النشاط الأوروبي الاستعماري الحديث وسقوط الدولة العثمانية بصفتها دولة خلافة، وبروز المشروع الصهيوني واحتلال فلسطين، وتحديدًا مدينة القدس عام 1967.
الزمن الوطني الفلسطيني
يرجع المؤرّخون القوميون الفلسطينيون بداية تاريخ فلسطين الحديث إلى بداية الهجرة الاستيطانية اليهودية إلى فلسطين في القرن التاسع عشر، منطلقين منها إلى مراحل تطور المشروع الصهيوني وبدايات النضال الفلسطيني ضد هذا المشروع. والمراحل الأساسية في هذا التزمين هي حوادث جسام، أو قرارات دولية محددة أثّرت في قضية فلسطين مثل الحرب العظمى، ووعد بلفور، وحوادث البراق / المبكى عام 1929، وثورة فلسطين عام 1936، ومن ثمّ قرار تقسيم فلسطين والنكبة الفلسطينية، منطلقين لتأسيس منظمة التحرير وبروز حركة المقاومة الفلسطينية في ستينيات القرن العشرين، والمراحل المختلفة في تاريخها السياسي والعسكري وصولً إلى المرحلة الراهنة14.
الزمن العثمين الفلسطيني
بدأ بعض المؤرّخين في العقود الماضية القريبة من كتابة تاريخ الفلسطينيين مبتدئين من المرحلة العثمانية في تاريخ فلسطين (1517 حتى 1918)، وبالتحديد منذ نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر. وقد استندوا في ذلك إلى الوثائق العثمانية، مثل سجلات المحاكم الشرعية المتوافرة في محاكم فلسطين والأرشيف العثماني. تشير هذه الوثائق، بالتزامن مع الوثائق الشخصية والسير الذاتية والتواريخ المحلية، إلى الاستمرارية في تاريخ العوائل والقرى والمدن. وتوثّق الخلافات حول الأملاك أو قضايا ميراث أو غيرها. ويجد أصحاب هذا التزمين استمرارية موثقة لحياة الفلسطينيين. وعمومًا فهم يستخدمون التزمين السياسي المحلّ، مثل فترات حكم باشوات، أو التزمين السياسي العثماني، والذي يرى في القرن الثامن عشر مرحلة أولى تليها مرحلة الحكم المصري في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، يليها زمن التنظيمات العثمانية بما فيها التغيرات المتعلقة بإصدار قانون الأراضي، والذي كان تحوّلً في طبيعة
الملكيات، وتوسعًا في ملكيات العائلات المتنفذة، وبروز دور هذه العائلات في سياق ما يعرف بالأعيان، والذين برز دورهم أكثر بعد تشكيل مجلس المبعوثان العثماني وتأسيس مجالس بلدية في المدن الكبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر15. الزمن اللاحق بالعادة هو فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، والتي بدأت عام 1876 وانتهت عام 1909، لتليها مرحلة حكم جمعية تركيا الفتاة على إثر ثورة 1908، والتي استمرت حتى نهاية الحرب العظمى وبداية الاحتلال البريطاني. وفي هذا السياق يرى البعض أنّ المرحلة العثمانية لم تنتهِ بنهاية حكم العثمانيين، بل استمرت عمليًّا خلال فترة الحكم العسكري البريطاني، وإن كانت في صورة مرحلة عتبية16. إنّ أنماط التزمين الثلاثة هي الغالبة لدى مؤرّخي فلسطين المعاصرين، وإن كانت ربّما هناك أنماط أخرى أقلّ شيوعًا. كلّ من هذه الأنماط يحاول بصورة ما أن ينتج تاريخًا قوميًّا وتحقيبًا خاصًّا به وسردية زمنية محكمة إلى حدّ ما. وكل من هذه التواريخ المتنافسة نوعًا ما، تنتج خطابًا تاريخيًّا مختلفًا استنادًا إلى نمط التزمين المتبع. فالتيار المستند إلى التزمين الإسلامي لفلسطين ينتج جماعة فلسطينية إسلامية بالأساس، تعود جذورها إلى الفتح الإسلامي لفلسطين. أمّا التيار الوطني الفلسطيني فينتج جماعته المتخيّلة، والتي تعود بداياتها إلى بدايات المشروع الصهيوني، وتمتاز ببعدها النضالي ضد هذا المشروع. أمّا التيار الثالث والمستند إلى التزمين العثماني، فهو ينتج جماعته المتخيّلة على أنّها استمرار لعملية تطور اقتصادي سياسي ثقافي خاص بسكان فلسطين، حتى قبل أن يكون هناك إطار مميّز يمكن تسميته بفلسطين. ولأنّ سردية كلّ تيّار من هذه الاتجاهات الثلاثة في الكتابة التاريخية تستند إلى تزمين مختلف، فإنّ مخيلتها التاريخية تنتج تاريخًا قوميًّا مختلفًا تمامًا عن الاتجاهات الأخرى. ولا يمكننا الجزم بالطبع بصحة أيّ من هذه التيارات، فلا مجال لفرضية أنّ هناك تاريخًا حقيقيًا وآخر متخيّلً في سياق اختراع تاريخ الأمم. إنّ ما يقبل النقاش حول صحة التواريخ أو عدم صحتها، يكمن في تفاصيل الحوادث الدقيقة، وليس في سياق الخطاب التاريخي بصفة عامّة. لكنّ دورنا بصفتنا بحّاثة مهتمين بالتاريخ يكمن في كشف نمط السرد والزمن التاريخي المتبع، للبحث عن فرضيات قومية تتعلق بالأيديولوجيا أكثر منها بالحقيقة التاريخية. عبد الحميد هنية: شكرًا. التاريخ بلا زمن، والزمن بلا تاريخ. فهذه هي خصوصية السياق الفلسطيني، الآن أعطي الكلمة للدكتور عبد الرحيم بنحادة.
عبد الرحيم بنحادة
نماذج يف تحقيب التاريخ العثمني
عمرت الدولة العثمانية كما يعلم الجميع مدة ستة قرون من التأسيس في سنة 1299، إلى نهايتها بإلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية التركية سنة 1924. طول المدة الزمنية جعل من الضروري تحقيبها. وقد اختلف تحقيب تاريخ الدولة العثمانية من مجال إلى آخر، وخضع لتطور النظرة إلى التاريخ العثماني وفق الأزمنة التاريخية. كما اختلف التحقيب بحسب نوعية المواضيع التي تم طرقها. ويمكن أن نميز في هذا الباب بين ثلاثة أنواع من التحقيب غربي وعربي وتركي.
أولً: التحقيب الغريب
اهتم المؤرّخون الغربيون بتاريخ الدولة العثمانية منذ الأزمنة الغابرة، ووضعوا كتابات رصدت التطورات التاريخية للمجال العثماني، وعرضت لمختلف المواضيع. وقد تأثرت نظرتهم إلى هذا التاريخ بحسب الظرفيات التاريخية التي أنجزوا فيها كتاباتهم. ويمكن أن نقف هنا عند ثلاثة نماذج: في النصف الأول من القرن التاسع عشر قام جوزيف فان هامر Hammer von Joseph، وهو من أعلام الاستشراق الألماني البارزين، بوضع كتاب بعنوان " تاريخ الإمبراطورية العثماني من البدايات إلى أيامنا "17، وينضاف بذلك إلى مجموعة من الأعمال التي أنجزها هذا العلم البارز عن تاريخ الأدب العربي و"أصول الروس" و"القسطنطينية والبوسفور". ويمثل هذا الكتاب طفرة نوعية في تاريخ الكتابة الأوروبية عن الدولة العثمانية، فبعدما كانت أعمالهم تتميز بالسطحية والنظرة الأحادية، أعطى هامر بكتابه هذا بعدًا عميقًا للتاريخ العثماني من خلال اعتماده على المصادر والنصوص العثمانية. اشتغل هامر لمدة طويلة في المجال الديبلوماسي، فقد أوفد للعمل بالسفارة النمساوية في القسطنطينية. وهناك عكف على دراسة اللغات الشرقية (التركية، والفارسية، والعربية). وهذه المعرفة العميقة باللغات هي التي جعلته ينفذ إلى أعماق البيروقراطية العثمانية، إذ نجده يشارك بصفة مترجم ضمن الوفد الذي رافق السفير العثماني أبا بكر راتب أفندي إلى فيينا. كما مكنته هذه المعارف من الاطلاع الواسع على النصوص الإسلامية المتعلقة بالتاريخ العثماني، وترجمة بعضها إلى اللغة الألمانية أو الإنكليزية. ويظل كتابه عن الدولة العثمانية أهم ما كتب. وعلى الرغم من الملاحظات التي يمكن أن نسجلها على الكتاب خاصة من حيث توجهه إلى الوصف أكثر من التحليل، فإنّه ظلّ لمدة طويلة عماد المؤرّخين الأوربيين في معرفة التاريخ العثماني. ولم يستطع أي من المؤرّخين الذين جاءوا بعده بلوغ المستوى الذي وصله هامر، من حيث الدقة في وصف الحوادث وتعليلها. يتكون " تاريخ الإمبراطورية العثماني من البدايات إلى أيامنا" من 8 1 مجلدًا. يعتمد هامر تحقيبًا بسيطًا لا يستند إلى تعاقب السلاطين على غرار ما تمّ العمل به إلى ذلك الحين في الكتابات التاريخية الأوروبية المتعلقة بالدولة العثمانية، بل على تجزيء هذا التاريخ إلى حقب صغيرة، وترتبط علاماتها البارزة بحرب أو اتفاقية سلام مع أوروبا. لنأخذ الأجزاء الستة الأخيرة من الكتاب لنبين ذلك:
| ر الجزء | الحقبة المتناولة |
|---|---|
| ارلعاشر | 1640 - 1623 |
| اريلحادي عشر | 1676 - 1640 |
| ارلثاني عشر | 1699 - 1676 |
| ارلثالث عشر | 1718 - 1699 |
| ارلرابع عشر | 1739 - 1718 |
| الخامس عشر | 1774 - 1739 |
الخامس عشر
لقد حضرت أوروبا بكل ثقلها في التحقيب الذي وضعه المؤرّخ الألماني، وهو ما ينسجم مع طبيعة النظرة التي كونها الأوربيون عن تاريخ العالم آنذاك، فأوروبا هي مركز العالم والمجالات الأخرى لا علّة لوجودها سوى الارتباط بالعالم القديم.
ستانفورد شاو Shaw Stanford وضع كتابًا بعنوان " تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة "18، وقد غطى الكتاب المرحلة الممتدة ما بين قيام الدولة العثمانية في نهاية القرن الثالث عشر وسنة 975 1. ويميز شاو بين حقبتين كبيرتين: الأولى وتمتد من بداية الدولة إلى سنة 808 1 والثانية من سنة 808 1 إلى سنة 975 1. وتمثّل سنة 808 1 في نظره سنة تحول بامتياز في تاريخ الدولة العثمانية، إذ تمثل سنة تجاوز النظام العثماني القديم والدخول في عالم التحديث. ولعل ما يستخلص من المقترح التحقيبي لشاو هو أنّ تاريخ القرن التاسع عشر العثماني يندرج ضمن مرحلة ممتدة، لا تقيم فرقًا بين تاريخ الدولة العثمانية والجمهورية التركية. وينسجم إلى حد كبير مع ما تروم إليه الأبحاث اللاحقة من التمييز في تاريخ تركيا والدولة العثمانية بين ثلاث حقب هي: ӵ ӵ المرحلة السابقة عن سنة 1453. ӵ ӵ المرحلة الممتدة ما بين 453 18391 و. ӵ ӵ المرحلة الحديثة 839 1 إلى 1924. روبير مانتران Mantran Robert عكف جماعة من المؤرّخين الفرنسيين بإشراف الراحل روبير منتران على إعداد تاريخ تركيبي للدولة العثمانية19. وقد عمل الباحثون تحت إشراف روبير مانتران على إعادة النظر في تاريخ الدولة العثمانية من منطلقين اثنين، أولهما يتعلق بما تمّ اكتشافه من وثائق جديدة بعد فتح الأرشيف العثماني، أمّا الثاني فيتعلق باستبعاد الخلفيات الأيديولوجية التي تحكمت لفترة طويلة في صوغ هذا التاريخ. غير أنّ الأمر لا يتوقف عند ذلك، إذ سعى الباحثون إلى مراجعة التحقيب الذي اعتمد في الكتابات السابقة، إذ يقترح الكتّاب تحقيبًا جديدًا لتاريخ الدولة العثمانية. لقد مرت الدولة العثمانية حسب هؤلاء الباحثين من المراحل التالية: مرحلة التأسيس والنشأة وتمتد من قيام الإمارة إلى سنة 512 1، أي مرحلة السلاطين الثمانية الأوائل. ӵ ӵ مرحلة الذهبية ما بين 512 1 و 1606. ӵ ӵ مرحلة الأزمة ما بين 606 1 و 1790. ӵ ӵ مرحلة الإصلاح والتنظيمات. عندما نتأمّل هذه الحقب المختلفة، يبدو أنّ التحقيب المقترح هو تحقيب توفيقي، يمزج بين التحقيب السلالي والسلطاني والتحقيب الخاضع لاعتبارات مؤسسية وقوة الدولة أو ضعفها. فهو يضع الدولة قاعدة أساسية لمختلف المراحل التاريخية. إن مرحلة التأسيس تلتفّ في الحقيقة على وقائع وأحداث مفصلية في تاريخ الدولة العثمانية. ومن ذلك مثلً أنها تتجاوز عن هزيمة الأتراك في معركة أنقرة، وهي هزيمة كان يمكن أن تكون فيصلً ومنعطفًا في تاريخ الدولة العثمانية. كما يتمّ التغاضي عن الدخول العثماني للقسطنطينية، والذي لا شك في أنه يكتسي أهمية كبيرة ليس في تاريخ الدولة العثمانية فحسب، ولكن أيضًا في تاريخ البحر الأبيض المتوسط وعالم ذلك الزمان. ومثلما تمّ الالتفاف على منعطفات أخرى في زمن مرحلة النشأة والتأسيس، كان التجاوز عن حوادث مفصلية ومنها مثلً معركة ليبانتو Lepanto of Battle سنة 571 1. وفضل مانتران أن يجعل من سنة 606 1 نهاية مرحلة الأوج، والحال أنّ المؤرّخين العثمانيين
أنفسهم يرون أنّ أزمة الدولة تعود بجذورها إلى ما بعد السلطان سليمان القانوني، بل منهم من يربطها بالسنوات الأخيرة لحكم سليمان القانوني. وكانت من تجلياتها الأزمة المالية التي عرفتها الدولة العثمانية، والتي كانت ثورة الجلالين في الأناضول واحدة من تمظهراتها.
ثانيًا: التحقيب التريك
عندما شرع المؤرّخون العثمانيون في كتابة تواريخ عامة للدولة العثمانية في النصف الأول من القرن العشرين، كان التحقيب المعتمد تحقيبًا سلطانيًا يقوم على أساس اعتماد الزمن الذي حكم فيه السلطان حقبة من دون الالتفات إلى ما كان يعتمل داخل المجتمع. وقد سار هؤلاء على نهج المؤرّخين القدامى. غير أنّ بعضهم تجاوز هذا التحقيب، فقد تمّ الاستناد إلى عصور الصدور العظام وليس السلاطين، كما يبدو ذلك في كتاب أحمد صوريا الذي أرّخ للصدور العظام في تاريخ الدولة العثمانية. وتمّ الحديث في هذا الباب عن حقبة الصدر الأعظم القوي صوقللي باشا الذي حكم زمن ثلاثة من السلاطين. كما تمّ الحديث عن عصر الزنبق، وهو عصر مرتبط بزمن أحد الصدور العظام الأقوياء في القرن السابع عشر. عندما انهارت دولة الخلافة العثمانية سنة 924 1، وانتقلت السلطة إلى يد مصطفي كمال، توجه إلى إحداث قطيعة مع الإرث العثماني. ففي نسيان / أبريل 931 1، تمّ إحداث مؤسسة التاريخ التركي Kurumu Tarih Türk التي عهد إليها بالبحث في تاريخ تركيا. وقد عملت هذه المؤسسة على تشجيع البحث في تاريخ الأتراك في المراحل السابقة عن الدولة العثمانية، بل عملت هذه المؤسسة على تشجيع البحث الأركيولوجي، وأحدثت لهذه الغايات مؤسسات تعنى بالبحث الأثري. وقد عملت هذه المؤسسات على الاشتغال بالتعاون مع مؤسسات أجنبية (معهد الدراسات الأناضولية، والمعهد الألماني للبحوث الأثرية، والمعهد الهولندي) وشجعت على القيام بحفريات في تاريخ الأناضول. وقد أثّرت هذه السياسة في منجزات البحث التاريخي، فقطع الأتراك الصلة بالتاريخ العثماني، وعكفوا على الاهتمام بالمراحل السابقة، وباتوا يبحثون عن هوية مفقودة. وقد زاد من تفاقم الوضع الانتقال بالتركية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، إذ انفصم الأتراك عن ماضيهم القريب، وبات من الصعوبة بمكان الاطلاع على الوثائق والمصادر التركية القديمة العثمانية التي كانت بمنزلة طلاسم يصعب فكّ ألغازها. وقد وضعت مؤسسة التاريخ التركي والساهرون عليها تاريخ الدولة العثمانية بين قوسين. وتمّ تحقيب التاريخ التركي على أساس ثلاثي: ما قبل الدولة العثمانية، ومرحلة الدولة العثمانية، ومرحلة الجمهورية. لم تتوجه العناية إلى دراسة تاريخ الدولة العثمانية، بل تمّ تأسيس مؤسسات للاهتمام بتاريخ الأتراك قبيل الدولة العثمانية، وجرى الربط بين المرحلة القديمة من التاريخ التركي والعهد الجمهوري. ويُعدّ " التاريخ العثماني " الذي وضعه أوزون جارشلى20Uzunçarşılı Hakkı İsmail أهم كتاب يتناول تاريخ الدولة العثمانية بالتفصيل، كما يعدّ الكاتب من بين الأوائل من الأتراك الذين فتحوا باب البحث في تاريخ الدولة العثمانية من خلال وثائقها. وقبل أن ينجز هذا الكتاب، اهتم أوزون جارشلى بتاريخ المؤسسات العثمانية فوضع كتابًا عن المؤسسات العلمية وآخر عن المؤسسات البحرية، قبل أن يصرف اهتمامه إلى التاريخ التركيبي العام للدولة العثمانية. وتنبع أهمية هذا الكتاب في وضعه تحقيبًا متميزًا للدولة العثمانية. قسم زمن الدولة العثمانية من التأسيس إلى نهاية القرن الثامن عشر إلى أربع حقب:
الأولى منها تغطي ما بين قيام دولة السلاجقة إلى فتح إسطنبول. أمّا الثانية فتغطي ما بين فتح إسطنبول إلى وفاة السلطان سليمان القانوني. أمّا الثالثة فتتعلق بالمرحلة من تولي سليم الثاني العرش إلى معاهدة كارلو فيتس Karlowitz. أمّا الرابعة فمن معاهدة كارلوفيتس إلى نهاية القرن الثامن عشر. الملاحظ أنّ التحقيب المعتمد أخذ في الحسبان التوجهات التي وضعتها مؤسسة التاريخ التركي، فهو لم يكتف بتحقيب الدولة العثمانية منذ السنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر، على غرار ما هو معمول به في كل الكتابات، بل ربط بين التاريخ التركي والسلجوقي، وجعل التاريخ العثماني امتدادًا للتاريخ السلجوقي. وهو ما يتساوق والنظرة التي أرادها الجمهوريون للتاريخ العثماني. كما أنه اعتمد محددات لا تنضبط إلى بداية عهد سلطان أو نهايته، بل أدخل بعض الأحداث المفصلية التي رآها علامات بارزة في تاريخ الدولة العثمانية، كمعاهدة كارلوفجه Karlowitz سنة 699 1. والواقع أنّ هذه المعاهدة مثّلت علامة محددة في تاريخ الدولة العثمانية، ليس فقط على مستوى العلاقات الدولية للدولة العثمانية فحسب، بل وأيضًا في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمجال العثماني. هذا التحقيب هو الذي سارت عليه كل الدراسات التركيبية للدولة العثمانية عند الأتراك، وأضيفت إليه حقبة التنظيمات التي امتدت على طول القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بما في ذلك العمل الذي أنجزه خليل إنالجيك. وقبل سنوات، وبمناسبة الذكرى السبعمئة لقيام الدولة العثمانية، أشرف أكمل الدين إحسان أوغلى على كتاب جماعي هو بمنزلة مراجعات للتاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للدولة العثمانية. يضع الكتاب تحقيبًا جديدًا لتاريخ الدولة العثمانية يميز بين حقبتين، الأولى من سنة 299 1 إلى 774 1، والثانية من 774 1 إلى 924 1. ويرى أصحاب الكتاب أنّ هذه السنة هي التي تمثّل فيصلً في تاريخ الدولة العثمانية. ما يمكن أن نسجله عن هذا التحقيب:
في التاريخ العثماني. أنه تحقيب يتقاطع، كما يبدو ذلك واضحًا، مع بعض التحقيبات الأوروبية التي أكدت أن معاهدة كوجك قينارجه تشكل منعطفًا أساسيًّا في تاريخ الدولة العثمانية. ويعدّ هذا التقاطع مؤشًّا لإعادة النظر التركية في تحقيب التاريخ، وينسجم أيضًا مع طبيعة الكتاب الذي أراده مؤلفوه تركيبًا للدراسات السابقة غربية كانت أو تركية حول تاريخ الدولة العثمانية.
ثالثًا: التحقيب العريب
لم تتخلص معظم الدراسات التاريخية العربية من التحقيب السلطاني الذي طغى على الأدبيات التاريخية الأوروبية في بداية القرن العشرين، حتى عندما تعلق الأمر بمواضيع غير سياسية، أو لا تمتّ للتاريخ السياسي بصلة إلّ نادرًا. ويظهر هذا التوجه في الكتابات التاريخية العربية الأولى عن الدولة العثمانية كالكتاب الذي أنجزه فريد بك المحامي بعنوان تاريخ الدولة العلية العثمانية21. واستمر أولً إعادة النظر في نقطة البداية، فهو لا يربط الدولة العثمانية بالدولة السلجوقية، بل يؤرخ لها منذ أن كانت إمارة حدودية. ثانيًا اعماد المؤلفين المشاركين في هذا الكتاب تاريخ توقيع معاهدة كوجك قينارجه بين الدولة العثمانية وروسيا منعطفًا أساسيًا
هذا التوجه في الكتابات العامة التي تناولت تاريخ الدولة العثمانية. ويمثّل كتاب العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة22 تميزًا في هذا الباب من حيث اقتراحه تحقيبًا مؤسسًا على الاستفادة من مختلف التحقيبات تركية أكانت أم غربية. وإذا ما تركنا جانبًا هذا النوع من الكتابات التي سعت إلى تقديم صورة شاملة أو تركيبية للتاريخ العثماني، فإنّ التحقيب العربي للدولة العثمانية اختلف بين مجال وآخر، وتمّ تطويعه ليأخذ تلوين المجال المؤرّخ له. ويمكن أن نورد في هذا الباب نموذجين: النموذج المصري الذي يميز في التاريخ العثماني بين حقبتين بارزتين، الأولى تمتد من الدخول العثماني لمصر سنة 517 1 وتمتد إلى غاية الحملة الفرنسية على مصر سنة 798 1، والثانية هي ما بعد الحملة الفرنسية على مصر. ولا تهتم الكتابات التي اعتمدت هذا التحقيب بما سبق تاريخ الدخول إلى مصر إلى درجة يتصوّر معها المرء أنّ تاريخ الدولة العثمانية لم يبدأ إلّ مع الدخول العثماني إلى مصر والبلاد العربية. إنّ هذا التحقيب يجعل الدولة العثمانية جزءًا من تاريخ مصر، وهو ما تدافع عنه نيللي حنا بقوة. النموذج الجزائري وفيه درج المؤرّخون الجزائريون بالخصوص على التمييز بين حقبتين؛ تبدأ الأولى مع الدخول العثماني إلى الجزائر سنة 517 1 وتنتهي بانتهاء عصر الباشاوات، وتبدأ الثانية مع عصر الدايات وتنتهي بالاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 830 1. ويظهر من خلال هذين النموذجين أنّ المؤرّخين العرب مارسوا نوعًا من "المركزية الذاتية" في التعامل مع التاريخ العثماني. ولم ينظروا إلى هذا التاريخ باستقلال تامّ عن علاقة بلدانهم بهذا التاريخ. فالتاريخ العثماني هو جزء من تاريخ البلدان التي أرّخوا لها. عبد الحميد هنية: شكرًا للأستاذ بنحادة. الكلمة الآن للدكتور محمد عفيفي الذي يحدّد لنا ملاحظات عن التجربة المصرية في التحقيب التاريخي.
محمد عفيفي
ملاحظات متعلّقة بالتجربة المرصية حول التحقيب يف التاريخ الحديث والمعاصر
عرفت الجامعة الأهلية منذ نشأتها عام 908 1 اهتمامًا بالدراسات التاريخية، لكنّ التطور الكبير سيحدث مع تحوّل الجامعة إلى جامعة حكومية تحت اسم الجامعة المصرية عام 925 1. وسيظهر إلى الوجود قسم التاريخ في رحاب كلّية الآداب، وسيأخذ القسم بالتقسيم التقليدي للتاريخ كما هي الحال في أوروبا آنذاك، والتقسيم الثلاثي، والقديم والوسيط والحديث. ولكن ستطرأ بعض المتغيرات على هذا التقسيم بإضافة التاريخ الإسلامي وفصله عن التاريخ الوسيط. ثمّ بعد فترة سيظهر التاريخ المعاصر وسيلحق بالتاريخ الحديث، ليصبح المسمّى "التاريخ الحديث والمعاصر". وسنقتصر في هذه الورقة على ذكر الصعوبات والأطاريح التي صاحبت عملية التحقيب بالنسبة إلى كلّ من التاريخ والمعاصر، ومدى سيادة الأيديولوجيا في هذا الاتجاه، وعدم الوصول إلى شبه اتفاق في بداية ما لكليهما. بالنسبة إلى التاريخ الحديث طُرحت الحملة الفرنسية على مصر عام 798 1 بدايةً للتاريخ الحديث؛ إذ رأى أصحاب هذا الاتجاه أنّ هذه الحملة كانت حدًا فاصلً بين عصرين أولهما العصر العثماني الذي ينتمي بحسب رأيهم إلى حقبة العصور الوسطى. كما وُصم العصر
العثماني بأنه عصر الانحطاط؛ إذ فقدت مصر استقلالها الذي حظيَت به في عصر سلاطين المماليك، فقد كانت القاهرة هي عاصمة الدولة، وحاضرة العالم وإيوان الإسلام كما وصفها ابن خلدون، لتصبح على أيدي سليم العثماني ولايةً تابعة لإسطنبول فحسب. وألحّ أصحاب هذا الاتجاه على سياسة العزلة التي فرضها العثمانيون على مصر، والتي حالت دون اتصال مصر بأوروبا إلى أن جاءت الحملة الفرنسية فكسرت هذه العزلة، وأعادت مصر من جديد إلى عالم البحر المتوسط. ويركّز أصحاب هذا الاتجاه على دور الحملة في بدايات التحديث في مصر، ويشيرون إلى المجمع العلمي الفرنسي في القاهرة، وعلماء الحملة، وكتاب وصف مصر، ودخول المطبعة أوّل مرة إلى مصر، ويُلِّحون على أنّ مصر بعد الحملة الفرنسية سيرتبط تاريخها ارتباطًا وثيقًا بأوروبا، ومن ثمّ بمسيرة التحديث. ولكنْ يرفض بعضهم الأخذ بهذه الأطروحة بدايةً للتاريخ الحديث، ولا يرى في الحملة الفرنسية إلا حملةً استعماريةً، واحتلالً مباشرًا لمصر. فما الذي نبدأ به تاريخنا الحديث "الوطني"؟ إنّ دور الحملة في تحديث مصر، يُرفض أيضًا، استنادًا إلى قِصر مدّتها؛ فهي لم تستمرّ إلا نحو ثلاث سنوات، فضلً عن الاختلاف الديني واللغوي الذي لم يسمح بالتقارب. كما يُرفض الدور الثقافي والعلمي المصاحب للحملة ويُرى أنه بمنزلة الذراع العلمية للاستعمار. فإذا كانت الحملة أتت بالمدفع والمطبعة، فإنها رحلت أيضًا بالمدفع والمطبعة أيضًا. فالمطبعة لم تبقَ في مصر، بل كان عليها الانتظار حتى إنشاء المطبعة الأميرية في عصر محمد علي. بناءً على ذلك، ذهب بعضهم إلى أنّ مجيء العثمانيين إلى مصر عام 517 1 هو بداية للتاريخ الحديث؛ إذ ارتبط مصير مصر بالمنطقة كلّها، وربما حتى الحرب العالمية الأولى عام 914 1 وإعلان الحماية البريطانية على مصر، وإلى أنّ حكم الدولة العثمانية ليس غريبًا عن المنطقة وعن تاريخها. فهو امتداد طبيعي لطبيعة الحكم والإدارة في المنطقة منذ فجر الإسلام. كما أنّ هذا التاريخ يوافق إلى حدّ كبير بدايات التاريخ الحديث في أوروبا، ثمّ إنّ الحملة الفرنسية لم تكن إلا لحظةً عابرةً سرعان ما عادت مصر بعدها إلى الوجود العثماني، بل إنّ محمد علي نفسه لم يكن إلا واليًا عثمانيًا. هذا فضلً عن أنّ الدولة العثمانية - من وجهة أصحاب هذا الرأي - آخر خلافة إسلامية، وأنه قد ترتّبت على إلغاء الخلافة عام 924 1 ضجّة كبيرة في العالم الإسلامي، ولا سيما في مصر التي طمح الملك فؤاد آنذاك إلى إحياء الخلافة فيها. ويرفض بعضهم الآخر هذا الاتجاه ولا يرى في الوجود العثماني إلا احتلالً باسم الدين، ويطرح رؤيةً أخرى مفادها أنّ بداية التاريخ الحديث في مصر تعود إلى عام 805 1، عام وصول محمد علي إلى الحكم، فهو مؤسس الدولة الحديثة في مصر، فضلً عن الجيش الحديث الذي أصبح من أهمّ المؤسسات في مصر منذ ذلك الوقت. يُضاف إلى ذلك أنّ محمد علي قد أعاد إلى مصر استقلالها بوصفها دولةً، وكانت قد فقدته مع الغزو العثماني لها عام 517 1. إلى هذا المدى، تبدو الأطاريح علميةً، على الرغم من التباين الشديد في طرح بدايات التاريخ الحديث، لكنّ هذا المظهر العلمي يُخفي وراءه، إلى حدّ بعيد، تجسُّدًا للأيديولوجيا؛ ذلك أنّ أنصار التغريب سيعتمدون فكرة بداية التاريخ الحديث مع مجيء الحملة، وارتباط تاريخ مصر بأوروبا، وأنّ هذا الاتجاه سيميل إليه أيضًا أصحاب نزعة البحر المتوسطية. في حين أنّ التيار الإسلامي سيميل بشدّة إلى أنّ بداية التاريخ الحديث كانت مع "الفتح العثماني"، وآخر خلافة إسلامية. وفي هذا السياق، يمكن استحضار كتاب الزعيم محمد فريد تاريخ الدولة العلية العثمانية الذي يشتمل على الدعوة إلى عودة مصر مرةً أخرى إلى الدولة العثمانية وجلاء الاحتلال البريطاني عن مصر.
ومن ناحية أخرى، سيميل معظم التيار الوطني المصري إلى اختيار عام 805 1 ووصول محمد علي إلى الحكم بدايةً لمصر المستقلة، مصر الحديثة، حتى أنّ الدولة المصرية في إطار صراعها مع التيار الإسلامي ستحتفل عام 2005 بمرور مائتي عامٍ على تأسيس الدولة الحديثة في مصر، مع انتشار للفاعليات في طول البلاد وعرضها. إنّ تحديد بداية التاريخ المعاصر تحضر فيه الأيديولوجيا. فقد رأى بعضهم بالأخذ بالحرب العالمية الأولى 914 1 بدايةً للتاريخ المعاصر، نظرًا إلى أهمية هذه الحرب وتداعياتها على العالم بأكمله، وإلى أنّ عالم ما بعد الحرب، ليس هو ما قبلها، كما أنّ مصر نفسها تأثرت بالحرب؛ ذلك أنّ الوجود العثماني الرسمي ينتهي بها عام 914 1، مع إعلان الحماية البريطانية، وتنصيب السلطان حسين كامل سلطانًا على مصر آنذاك. لكنّ بعضهم يرفض هذه البداية من منظور وطنيّ. فكيف نبدأ تاريخنا المعاصر بحرب استعمارية عانت مصر كثيرًا من ويلاتها؟ من أجل ذلك يرى بعضهم أنّ ثورة 919 1 هي بداية طبيعية ووطنية للتاريخ المعاصر، فهذه هي الثورة الشعبية الحقيقية في تاريخ مصر التي حدثت ضدّ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بريطانيا العظمى، علاوةً على أنّ هذه الثورة قد أدّت إلى إعلان ظهور المملكة المصرية عام 922 1، ودستور 923 1 الذي نظّم التجربة الليبرالية في مصر. ويرى بعضهم أنّ ثورة 919 1 قد أخفقت في تحقيق المطالب الوطنية، وأنّ الاحتلال البريطاني استمر في مصر إلى أن جاءت ثورة 23 يوليو 952 1 ونجحت في إبرام اتفاقية الجلاء عام 954 1، ثمّ طرد الاستعمار كلّه مع حرب السويس عام 956 1، وأنّ ثورة 919 1 لم تنجح في معالجة المسألة الاجتماعية، نتيجةً لسيطرة كبار الملُاك على الحياة السياسية، ولذلك قامت ثورة 23 يوليو بالإصلاح الزراعي الذي قضى على كبار الملّك، وقدّم حلولً للمسألة الاجتماعية في مصر، ومن ثمّ تكُون ثورة يوليو هي البداية الطبيعية للتاريخ المعاصر في مصر. في هذا السياق أيضًا تتدخل الأيديولوجيا بشدة، ويجرى استخدام سيوف التاريخ في التطاحن بين القوى السياسية الحالية؛ إذ يميل التيار الليبرالي، فضلً عن أنصار حزب الوفد الذي ما يزال في الساحة السياسية على الرغم من ضعفه الشديد، إلى تمجيد ثورة 919 1 بوصفها بدايةً للتاريخ المعاصر، وإلى التعظيم من شأن التجربة الليبرالية التي عاشتها مصر بعد هذه الثورة. ويرفض أغلب التيار اليساري - فضلً عن التيار الناصري - هذا الأمر ويرى أنّ ثورة 919 1 قد أخفقت، وأنّ ثورة 23 يوليو هي البداية الحقيقية نظرًا إلى انحيازها الاجتماعي الواضح، والتحولات التي عرفها المجتمع المصري نتيجةً لذلك، إضافةً إلى التوجه العروبي للثورة. هكذا، رأينا مدى اتساع مساحة الأيديولوجيا في مسألة التحقيب للتاريخ الحديث والمعاصر، وتوظيف ذلك في الصراعات السياسية بين التيارات المختلفة، ثمّ مدى انعكاس ذلك على الكتب المدرسية ومناهج التاريخ، والأجيال الشابة. ولهذا الأمر حديث آخر. عبد الحميد هنية: شكرًا للدكتور عفيفي، بيّ لنا تحقيبات وساءلها وأبرز متغيراتها، وكذلك إستراتيجية "تجنيد" الفاعلين، وهو أمر مفيدٌ جدًّا. وصلنا إلى نهاية الدفعة الثانية من العروض. أمّا الآن، فنفتح باب النقاش.
القسم الثاين: مناقشات
ياسر سليمان: إنّ ما لاحظته هو أننا الآن نكتب أنّ تحقيب التاريخ هو في مفهوم الدولة أو غياب الدولة في فلسطين، ثمّ في صوغ هوية هذه الدولة تبعًا للسياقات السياسية التي تعيشها هذه الدول، ومصر كانت مثالً على ذلك. أولً، هل أنّ التحقيب ليس تقطيعًا للزمن على المفاصل، وهو الأمر الذي يبدو واضحًا؟ ثانيًا، يبدو أنّ التحقيب أصبح الآن أداتيًّا، فهو لتحقيق أشياء ما بعد التحقيب؛ ما يعني أنّ التحقيب هو توظيف أداتي. ومن ثمّ، فإنّ هذا يسلط الضوء على أنّ التحقيب عمومًا به انتقائية واختيارية، وعشوائية أيضًا. وهذه العشوائية تخدم وجهة نظر المحقِّب بقدر ما تحكم أيضًا الهدف من إرساء دعائم وثيقة وآمنة يمكن الاعتداد بها للتاريخ كعلم من العلوم. فأنا الآن أنطلق إلى فضاء آخر هو: ما هي وظيفة التحقيب؟ إضافةً إلى ذلك، هل هي وظيفة توصيفية؟ أم هل هي وظيفة تفسيرية؟ وهل هو يقوم بالتفسير؟ هنا نتحدث عن بعد آخر هو المفهوم الأداتي للتحقيب، يعني هو تفسيري واستعمالي، وأقول إنه أداتي. محمد المصباحي: لديّ ثلاثة أسئلة لعبد الرحيم بنحادة، السؤال الأول هو مفارقة توظيف التحقيب. فإذا كانت وظيفة التحقيب التاريخي متمثّلةً بوضع التاريخ بين قوسين، فإنّ سؤالي بشأن التاريخ العثماني الذي هو كل تركيا في الحقيقة، كيف يمكن للمؤرخ أن يفلت من تسخيره في مآرب الدولة؟ هل المؤرخ في تحقيبه هو رجل علمٍ؟ أم هل أنّه مسخَّر لجهة أو أخرى لوضع التاريخ بين قوسين، وهذا أمر خطير. وأطرح سؤالً "بسيطًا"، هو: ما الفرق بين التاريخ السلجوقي والتاريخ العثماني؟ وأطرح سؤالً آخر بسيطًا أيضًا، هو: ما الفرق بين التاريخ السلجوقي والتاريخ العثماني؟ أمّا السؤال التالي، فهو متعلّق ب "التاريخ العثماني" و"التاريخ الإسلامي"؛ يعني هل أنّ استعمال التحقيب الكلاسيكي للتاريخ هو الذي أنشأ هذا التيار السياسي الذي صار طاغيًا على الفعل السياسي في تركيا؟ أم هل أنّ هناك أسبابًا أخرى لم تتبين بعد؟ يوسف الشويري: أودّ، فقط، أن أعقّب على المقاربة لكلّ الكلمات التي أُلقيت، بمعنى أنّ هناك، من خلال كلام عبد الرحيم وكلام نصار وكلام عفيفي وعبد الأحد، ارتباطًا بين كتابة التاريخ والسلطة السياسية. ومن ثمّ فإنّ هذا الشأن ليس مقتصرًا على العالم العربي، بل إنه يوجد في كلّ الدول. لذا، فإنّ التاريخ له وظيفة سياسية. وهذه الوظيفة تقوم بمعنى التربية الوطنية، أو خدمة الكنيسة، أو خدمة خطّ ديني معيّ، أو خطّ قومي، أو اشتراكي.. إلخ. ومن ثمّ، قلّما كان التاريخ (بمعنى كتابة التاريخ) شأنًا محايدًا؛ إذ كانت هناك دائمًا مدارس تكتب التاريخ من أجل تحقيق هدف سياسي معيّ. وهذا يعني أنّ التاريخ هو السياسة تمشي على قدميها، بمعنى أنه على الرغم من أنّه يُقال إنّ الإنسانية حقّقت قفزةً نوعيةً بالانتقال من استخدام الأمثال التاريخية - الاستفادة منها - إلى الكتابة التاريخية الموضوعية القائمة على الوثائق، فإنّ الهدف السياسي لا يزال كامنًا وراء معظم الكتابات التاريخية، والمشكلة في الوطن العربي تحديدًا أنه لا توجد حرية بالمعنى الذي نفهمه. ومن ثمّ، فإنّ كلّ من عمل في جامعة أو أراد أن ينشر عملً معينًا، ينبغي أن يأخذ في الحسبان أشياء أخرى؛ من قبيل كيفية تصرّف السلطة السياسية إذا ما قرأت هذا التحليل أو ذاك. وحتى لو لم تتدخل السلطة السياسية، فهناك مراقبة ذاتية. والمواطن العربي استبطن هذه المراقبة وأصبح من شبه المستحيل أن نجد من يكتب بحرية أو باستقلال. وإذا كتب ربما لا تكون النتيجة كما يريد. ومن ثمّ، فإنّ أرى أنّ التحقيب من هذه الناحية هو مهمّ، ولكن التحقيب دائمًا يرتبط باللحظة السياسية التي يتمّ بها. وإذا عدنا إلى مصر، على الرغم من احتجاج بعض الإخوان من جهة أنّ مصر لا تشكّل الدولة المركزية في العالم العربي، أرى أنها تجسّد تطورات تجري في دول عربية أخرى، وجدنا أنّ التحقيب يتبع هذه اللحظة السياسية. وأرى أنّنا إذا درسنا المغرب، ودرسنا لبنان، وسورية، والعراق، وجدنا نماذج توحي بما نقول به. ومن ثمّ، فإنّ اللحظة السياسية والتحقيب مرتبطان ببعضهما ارتباطًا تامّا.
عبد الأحد السبتي: ملاحظة أولى، هذا الانطباع المتمثّل بقضية السلطة وتاريخ الدولة التي هي مسائل بديهية تأتي من مسألة هي أنه تحقيب التاريخ العامّ (المؤرخون لا يشتغلون كلّهم بالتاريخ العامّ). إذن لمّا نكتب التاريخ، تُطرح مسألة "التحقيبات الكبرى" وهي تتأثر خاصّةً، بالضرورة، بالكتب المدرسية، أو الكتب الجماعية التي تمثّل الدولة، وتتأثر كذلك بالرهانات السياسية، ومن غير ذلك، فإنّ التاريخ السياسي من الناحية التربوية والمنهجية الديداكتيكية هو "تاريخ إطار". فحتى لمّا نكتب ما كان تاريخًا اقتصاديًّا، نُحيل على مرحلة ما؛ نقول الاقتصاد أو الإنتاج الزراعي في عصر كذا، ومن ثمّ، فإنّنا نحيل على مرحلة ما. فتصبح المسألة أداتيةً، وهذه هي النقطة الأولى. أمّا النقطة الثانية، في إيجاز، فهي أنّ فائدة كلّ ما نناقشه اليوم معرفة في حدّ ذاتها، وهي ما تسمى في التاريخ "المقاربة الإيستوغرافية"؛ بمعنى: كيف كتب تاريخ كذا؟ كيف تمَّ تحقيب تاريخ كذا؟ يعني إلى جانب التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي يوجد ما يسمى الإيستوغرافيا Historiography، وهي تاريخ التاريخ أو هي تاريخ الكتابة التاريخية، وأشير في هذا السياق إلى أمرٍ ذكّرني به عرض عفيفي وكذلك الأستاذ بنحادة. فقد ساهمت في ندوة بفرنسا نشُرت من خلال ما سمّيته passé du politiques usages Les. فهذه الظواهر موجودة في جميع الفضاءات والمجالات الثقافية. وعلى سبيل المثال، بعد سقوط جدار برلين، توقفت دول أوروبا الشرقية عن تدريس تاريخ المدارس؛ لأنه ليس هناك كتاب مدرسي سيحكي التاريخ المدرسي وفق الراهن. وأيّ تاريخ سيحكي، وقد سقطت دولٌ، وتغيرت أنظمةٌ. والأمر نفسه بالنسبة إلى قضية مرتبطة بالصراعات؛ مثل الصراع بين الصين واليابان. ما أريد قوله هو أنّنا لمّا نشتغل - وقد ذكرت في مداخلتي مثالً في هذا الشأن - ونبتعد عن التاريخ العامّ ونركّز في موضوع معيّ يتقاطع مع التاريخ العامّ، ولكن لا يضطر إلى محاورته، آنذاك يمكن أن نشحذ أدوات أخرى في مجال التحقيب. عصام نصار: أودّ أن أسجّل ملاحظتين. الأولى: من الضروري أن ننظر إلى تاريخ التاريخ كمؤسسة؛ بمعنى أنه توجد مرحلتان، أو عدّة مراحل، أو تأكيد مرحلة نوعية جديدة في القرن 9 1. ولمّا تحوّل التاريخ إلى علم أكاديمي وصارت له قواعد وأصول ابتداءً من ألمانيا ومناطق أخرى، وما قبل ذلك من الممكن أن نسميه "تدوين" مثلً. النقطة الرئيسة في هذا التاريخ الأكاديمي الحديث الذي هو في إطار الجامعة نشأ في الدولة القومية، في الزمن القومي. ومن ثمّ، من الضروري أن ننظر في التاريخ الحديث ليس من جهة ارتباطه بالضرورة بالسلطة السياسية بقدر ما هو ارتباط بالتاريخ القومي الذي يخترع ذاته، والذي هو في حاجة إلى هذا الإطار التاريخي حتى يثبت ذاته. الملاحظة الثانية: بالنسبة إلى القضية التي طرحها الزميل عبد الرحيم، أحبّ أن أشير إلى تحقيب التاريخ العثماني التركي الواصف لها، لكنّني لاحظت مؤخرًا، وكما هو معلوم أنه يوجد نوع من المدارس "المراجعية" Revisionist يبرز بتركيا، وإني أستحضر كتابًا قرأته حديثًا لطلعت تشيتشك Çiçek Talat الذي ينظر إلى الجمهورية التركية بوصفها امتدادًا - وهذا الكتاب هو عن حياة جمال باشا - لكنّ أتاتورك بالنسبة إليه هو الامتداد الفعلي لأفكار جمال باشا. ومن ثمّ، فإنّه يضع تقريبًا بدايةً للفكر الجمهوري (بصرف النظر عن صحّة هذا الأمر أو عدم صحّته، فهذه وجهة نظره) تعيده إلى تركيا الفتاة، وبالتحديد إلى شخصية جمال باشا. فهناك، إذن، نظريات جديدة. إسماعيل ناشف: الحقيقة أنني أريد أن أطرح فكرةً، فأغلب الملاحظات تنطلق من وجود الدولة، وأنا أرى أنه في كثير من حالات التاريخ لا توجد دولة. والسؤال من أيّ مرجع ننطلق؟ أنا أوافق الدكتور عصام في ما قال بالنسبة إلى الزمن القومي الذي هو مبنيّ على فكرة الدولة. نأخذ الحالة الفلسطينية مثلً: كلّ مؤرخ ينطلق، بالضرورة، من لحظة. فهو ابن الشرط التاريخي الذي أفرزه، وفي اللحظة التي أنطلق فيها أنا من سياق تاريخي معيّ، وأنظر إلى الوراء، أو أنظر إلى اللحظة، فأنا أنظر بناءً على موقعي في التناقضات، وطبعًا لا أحد ليس لديه موقف، وحتى الحيادية المدعاة في المؤسسة الأكاديمية، مثلما نعرف جميعًا، يمكن أن تكون غطاءً للأشياء. من أجل ذلك، لا توجد حيادية، فالحيادية هي مثل "فستان" أو "قناع" نلبسه.
إنّ القضية، في السياق الفلسطيني مثلً، أنني حين أقول إنّ تاريخ فلسطين مركّب من عدّة روايات، وتوجد الرواية كذا والرواية كذا، فأنا في هذه الحالة التي أبدو فيها محايدًا، أعمل مساواةً بين جميع الروايات. أنطلق من الدولة، لكن لنفترض أنني أريد أن أنطلق، مثل حال فلسطين، كجزء من مشروع تحرري، وأريد أن أكتب تاريخ المشروع التحرري وهو بصدد التحقّق، عكس النموذج الذي طرحه الأستاذ محمد عفيفي بالنسبة إلى مصر حيث توجد دولة والدولة كلّ مرةّ تنتقل أو تصير فيها تحولات في إطار الدولة. فأيّ نوع للتاريخ في اللحظة التي لا توجد مؤسسة دولة، وإنما توجد أشياء أخرى من إدارة الجماعة القومية أو الجماعة الدينية؟ أول شيء في ملاحظة عابرة أننا، في وضعية "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد القومية"، مثلً، نضحك عندما نرى شخصًا، يحمل علمًا؛ لأنه ليس للعلم أهمية في هذه الوضعية أو تلك. لكن بالنسبة إلى شخص ليس له علم، فإنّ العلم يصير نوعًا مصنّمًا مبثوثًا في أنحاء العالم، والأمر كذلك يقال بالنسبة إلى كتابة التاريخ في الحالة الفلسطينية؛ أي الفلسطيني الذي يؤمن بتحرير فلسطين بشكل قومي، أو بشكل سياسي، أو بشكل آخر. السؤال الأساسي، إذن، متعلّق بكيفية كتابة التاريخ التي بدأت في يوم لم تكن فيه منطلقةً من الأكاديمية ولا من مؤسسات دولة القومية. ناصر سليمان: يظهر لي أنّ النقاط التحقيبية التي تظهر في مجتمع ما وورثتها الأجيال بمنزلة نوع من التقليد الوراثي، ويبقى الأمر في خوف من المساس بها، وبمرور الوقت تكتسب شرعيةً وتبقى كأنها "مسلمات"، وحين تجد لها تحقيبًا مغايرًا، أو ثورةً عليها، فكأنك أتيت بشيء يخالف الرأي العامّ. فهي، إذن، مسألة نريد أن نفكّر فيها. والتقليد والمحاكاة المستمرة في الاستناد إلى منعطفات يبقيان حالً وهميةً مثل الحملة الفرنسية التي نِصفها وهمي في الحقيقة، أكثر منه منعطفًا حقيقيًّا. عبد الرحيم بنحادة: لا أريد أن أجيب عن كلّ الأسئلة التي وُجّهت إليّ، أريد فقط أن أتدخل بشأن مسألة تسخير المؤرخ لخدمة أغراض الدولة، وقد أشرت في البداية، عندما كنت أتحدث عن بداية الجمهورية، إلى أنّ الدولة أنشأت مؤسسةً هي مؤسسة التاريخ التركي، وإلى أنه تمَّ وضع الحقبة العثمانية"بين قوسين" في إطار هذه المؤسسة؛ لأنّ كلّ الدراسات مؤطّرة أولً في مؤسسة التاريخ التركي. وفي ما يتعلق بالتاريخ العثماني والإسلاميين، هناك صور تتداولها وسائل الإعلام عن البلاط الذي أنشأه أردوغان؛ أي البلاط الذي كلّف ملايين الدولارات، والطريقة التي يصطفّ بها الجنود التي هي بمنزلة التاريخ العسكري للدولة العثمانية. فهناك محاولة لاسترجاع تاريخ الدولة العثمانية أو استعادة الدولة العثمانية بوصفها دولةً إسلاميةً. أمّا بشأن المراجعات التي أثارها عصام، فهذا حديث شيّق، وأنا أظنّ أنّ التاريخ متجدّد دائمًا وخاضع للمراجعة، وليس ذلك ضمن ما نتوصّل إليه من وثائق جديدة، بل أيضًا انطلاقًا من الأسئلة الجديدة التي نطرحها، وهي أسئلة في كثير من الأحيان آنية ترتبط، إلى حدّ بعيد، بقضايا وهواجس، الزمن الذي يعيشه المؤرخ. وأريد أن أضرب مثلً لذلك بمسألة اللغة التركية و"ألتنتها"؛ أي انتقالها من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، لأبرز أنني أتفق مع الرأي الذي يقول إنّ تاريخ الجمهورية هو استمرارية لما بدأه العثمانيون في نهاية القرن 9 1. إن قضية "ألتنة" حرف اللغة العثمانية جاء ضمن سيرورة بدأت منذ نهاية القرن 9 1. فقد كان تفكير المجلس اللغوي العثماني منذ نهاية هذا القرن في الانتقال بسبب صعوبات صوتية. ولكن كانت لمصطفى كمال الشجاعة الكاملة لينتقل بهذا الحرف من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، وكذلك الأمر في مجموعة من الميادين الأخرى. لهذا أرى أن تتبّعٌ التاريخ الثقافي للدولة العثمانية، وخصوصًا ما كان يُنشر على صفحات الجرائد في نهاية القرن 9 1، وما كانت تتداوله أقلام نامق كمال وضياء كُوك من أفكار "غربية" كانت متداولةً؛ إذ كانوا يناقشون مسائل حقوق الإنسان وكانت الأمور المستجدّة في العالم العربي في ذلك الوقت تُناقش في كلّ صفحات الجرائد. وقد عمل الجمهوريون على استثمار هذا الجهد الذي بذله مثقّفو الدولة العثمانية في نهاية القرن 9 1.
والعلوم الإنسانية. نبدأ مع الأستاذ محمد المصباحي الذي يحدّثنا عن موضوع بعنوان تحقيب مفهوم الخيال.
محمد المصباحي
تحقيب مفهوم الخيال
مقدمة
إنما هي حضرة الخيال"، وأنه "ما خرج شيء من الموجودات عن التشبيه".
الجلسة الثالثة: التحقيب ي ف العلوم الإنسانية والاجتامعية
رئيس الجلسة: عبد الأحد السبتي
القسم الأول: املداخلات
الأستاذ عبد الأحد السبتي: شكرًا. ننتقل مباشرةً إلى الجلسة الثالثة وهي مخصصة لفتح نافذة على التحقيب في مجال الآداب
لا شكّ في أنّ الكلام عن حقب مختلفة ومتعارضة لمفهوم الخيال هو اعتراف صريح بتطور هذا المفهوم عبر الزمان، وفي الوقت ذاته اعتراف بمروره بأزمات دلالية تضطره إلى تغيير مجراه ووظائفه، كما أنّ الكلام عن حقب مختلفة لمفهوم الخيال دليل على اختلاف موقع التقدير أو التحقير الذي ننظر منه إليه. فمثلً، مِن الفلاسفة القدماء والإسلاميين مَن دأبوا في ذمّ الخيال بسبب صلته بالكذب والضلال والسفسطة وعلم الكلام، ومنهم مَن اعتادوا الثناء عليه، كابن عربي الذي كان يعدّه "أوسع الكائنات وأكمل الموجودات"وأنّ "العالم ما ظهر إلا في خيال، فهو متخيل لنفسه، فهو هو، وما هو هو" وأنّ "العالم كلَّه في صور مُثل منصوبة. فالحضرة الوجودية
وسار على النهج نفسه في الأزمنة الحديثة بعض الفلاسفة من بينهم نيتشه الذي رأى أنّ "التفكير الحقّ هو الذي يخلق الخيالات"، وأنّ "بناء الاستعارات هي الغريزة الأساسية في الإنسان "، في حين أنّ العقل بمنزلة "جهاز مزوِّر". ومن البيّ بنفسه
أنّ اختلاف مواقع النظر إليه (كالموقع الأرسطي، والموقع الأفلاطوني المحدث، والموقع الصوفي، والموقع الحداثي، والموقع ما بعد الحداثي، والموقع التأويلي، والموقع الفينومينولوجي.. إلخ) يؤثّر في حكمنا فيه حتمًا. وإنّ تعدّد أسماء الخيال ووظائفه وأفعاله من بين العوامل التي تسمح لنا بتصنيفه عدّة تصنيفات، من بينها التصنيف الذي يقوم على تطور طبيعته ووظائفه وأفعاله؛ إذ يمكن أن نتحدث عن لحظة الخيال المنعكس والمنفعل، ولحظة الخيال الفعّال، عن لحظة الخيال المتصل ولحظة الخيال المنفصل، كما تسمح لنا علاقات الخيال المتعدّدة بالنظر إليه من زوايا مختلفة؛ كعلاقته بالكذب والحقيقة، وعلاقته بالأخلاق والسياسة والعقيدة، وصلته بالآداب والفنون ومجالات الإبداع المختلفة.. إلخ. وتتيح لنا هذه التصنيفات ربطها بحقب زمنية وتاريخية معيّنة، فننسب هذا التصنيف إلى الحقبة العربية (كأن نقول إنّ الخيال السحري الأسطوري الصوفي هو الذي ساد في العالم الإسلامي بعد القرن 2 1 م)، وذاك التصنيف إلى الحقبة الحديثة، والتصنيف المقابل إلى حقبة ما بعد الحداثية. لكن، إذا كان المغزى من التحقيب الزمني لمفهوم الخيال هو الوقوف على تحولّات دلالاته عبر الحقب المختلفة، فهل معنى ذلك أنّ هناك حواجز إبستيمولوجية تحول دون اختلاط آفاق الخيال والتخييل المتعدّدة؟ أم هل أنّ افتراض الحقب التاريخية لا يعدو أن يكون مؤشرًا يفيد في تتبع تطور مفهوم الخيال من دون أن يمنع وجود الخيال ما بعد الحداثي في عمق الحقبة الوسيطة، أو القديمة، أو الحديثة؟ إنّ الخيال في وظيفته الأساسية هو إحضار صورة الشيء في غيابه، أو بلغة ابن سينا هو قدرته على "التشبيح والتمثيل "، وهو ما يعني أنّ الصور الخيالية تجمع بين الوجود والعدم، و"هذه التخاييل هي أشياء ما موجودة، إذ كان وجودها في الذهن، لكن ما يُتَصور منها في الوهم غير موجود خارج الذهن ". وإذا صرفنا النظر عن الوظيفة الأساسية للخيال التي هي الإحضار أثناء الغياب عن طريق التشبيح والتمثيل، وسعينا وراء التدقيق في أنواع هذا الإحضار والتشبيح، فإننا سنجدها تتوزع على عدة قوى تصل عند بعض الفلاسفة المسلمين، كابن سينا، إلى خمس حواس داخلية، لكلّ منها وظيفة أو فعل خاص مختلف عن أفعال الحواس الداخلية الأخرى، وأنّ هذا الاختلاف يصل أحيانًا إلى حدّ التعارض. وهذه الحواس هي: البنطازيا أو الحس المشترك، وتتمثّل مهمّة هذه الحاسة بالقبول، أي إدراك الصور الحسية؛ ذلك أنّ "الحس المشترك قابل للصورة، لا حافظ. والقوة الخيالية حافظة لما قبلت تلك، والسبب في ذلك أنّ الروح التي فيها الحس المشترك إنما تثبت فيها الصورة المأخوذة من خارج منطبعة، ما دامت النسبة المذكورة بينها وبين المبصر محفوظةً أو قريبةَ العهد. فإذا غاب المبصر انمحت الصورة عنها، ولم تَثبُت زمانًا يعتدّ به".
بأن تسمّى عقل ". الوهمية، ووظيفتها أن "تدرك المعاني غير المحسوسة الموجود في المحسوسات الجزئية ".
القوة الوهمية من المعاني غير المحسوسة في المحسوسات الجزئية".
لنُلق نظرةً سريعةً وغير متوازنة على معاني الخيال كما تجلّت في الحقب التاريخية الأربع المتعارف عليها في العلوم التاريخية.
الخيال يف الحقبة اليونانية
منجم الخلق الشعري والفنيبصفة عامّة. المصورة أو الخيال، ومهمة هذه الحاسة هي حفظ الصور الحسية وإدراكها، و"القوة الخيالية حافظة لما قبلت تلك (...) وأمّا الروح التي فيها الخيال، فإنّ الصورة تثبت فيها ولو بعد حين كثير". و"عند سكون القوى العقلية، أو غفول الوهم، وعند اشتغال النفس النطقية عن مراعاة الخيال والوهم (...) تقوَى المصورة والمتخيلة على أفعالها الخاصّة حتى تتمثّلما تورده من الصور محسوسةً". المتخيلة أو المفكرة، ووظيفتها الفصل والتمييز، غير أننا نجد ابن سينا في رسالة تأويل الرؤيا يعدّها "أشرف القوى العقلية" و"أحقّها
الحفظ (أو الذاكرة)، ومهمة هذه الحاسة إدراك أنّ تلك الصورة هي لشيء سبق إدراكه في الماضي، وهي تختص ب "حفظ ما تدركه
هذا التعدّد في الأسماء (الخيال، والتخيل، والتخييل، والوهم، والتفكير، والحفظ.. إلخ) والوظائف والأفعال (إحضار الصور، وحفظها، وتمييزها، وتركيبها في اليقظة والنوم، والرؤيا والإعلام بالغيوب) يدل على شمولية تأثير الخيال واتساع مداه، وتعدّد أنحاء وجوده. فهو يمارس تأثيره في المعرفة والعمل، والعلم والعقيدة، والفعل والانفعال، والعقل والجسم، والفرد والمجتمع، والأخلاق والسياسة، والثقافة والآداب، والفنون والأساطير، بل حتى في العلوم، كما يمارس تأثيره في العقلاء والحمقى، والعباقرة والمجاذيب. ولا يمكن ردّ الصراع بين مؤسستي العقل والخيال، أو بين تياري العقلانية والتخييلية، إلى صراع بين نظامين معرفيين متقابلين فقط؛ أحدهما عِلمي واقعي، والآخر عرفاني صوفي، أحدهما يكون مصدرًا للحريّة والإبداع، والآخر مصدرًا للقمع والتقليد. فقد يكون العقل والعقلانية مطيةً للتقليد، كما قد تكون التخييلية منبعًا للخصب الفكري والإبداع الفني، والعكس صحيح أيضًا؛ أي أن يكون العقل، أو العقلانية، أداةً للحريّة والإبداع والمغامرة، والتخييل والتوهيم منفذًا مباشرًا للشعوذة والسحر والطلسمات والأصوليات الظلامية. والآن
نستطيع أن نقول إنّ النسق الفلسفي لقوى الخيال وأفعاله ظهر مكتملً لدى أرسطو، وأنّ التاريخ من بعده لم يعمل سوى إضافة "رتوش" تُضخّم جانبًا على حساب الجوانب الأخرى. وقد نظّر أرسطو لهذا المفهوم في ثلاثة أعمال رئيسة، هي: كتاب النفسوكتاب الحس والمحسوسوكتاب الشعر. الكتاب الأول فحص الخيال بوصفه قوَّةً إدراكيةً معرفيةً. والكتاب الثاني، نظر إليه بوصفه أداةً لخلق الأحلام والرؤى والإلهامات والنبوءات وتفسيرها. وأمّا الكتاب الثالث، فنظر إليه بوصفه أداة المجازات والاستعارات التي هي
في الكتاب الأول، كتاب النفس، عُدّت الصورة الخيالية مشروعًا للفكرة وللمفهوم. فهي التي تقدّم المادة المعرفية الواقعية التي يستند إليها المفهوم المجرّد. غير أنّ الصورة الخيالية تتميز بعدم الاستقرار واللانهائية، ولا تصبح نهائيةً إلا عندما تتحول إلى فكرة أو إلى مفهوم مجرد غير خاضع للزمن وللتعدّد والتغيّ. وإذا كانت الصورة الخيالية فكرةً أو مفهومًا بالقوة، فإنه لا معرفة ولا مفهوم من دون خيال. وفي الكتاب الثاني، كتاب الحس والمحسوس، تتطرّق مقالتان من مقالاته إلى مسألتي الحلم والرؤية والنبوّة. والأطروحة الأساسية التي تدافع عنهما المقالتان هي أنه كلّما تحرر الخيال من رقابة العقل والواقع، استطاع أن يكتسب طاقةً فعّالةً تستطيع تركيب صور جديدة وتحويلها إلى وقائع، بل تستطيع استباق الزمن والتنبؤ بما سيحصل في المستقبل. أمّا في الكتاب الثالث، وكتاب الشعر، فيعرض لنظرية المحاكاة وما يتصل بها من تشبيه ومجاز واستعارة. هنا، يصبح الخيال أداةً لتنويع دلالات الأسماء والأشياء، والانتقال من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية. ومن هذه الجهة يكون للخيال مدخل في الخطابة والسياسة والعقيدة، فتصبح له قدرة على التعبئة وحشد الجماهير حول فكرة أو عقيدة أو أيديولوجية.
الخيال يف الحقبة العربية الإسلامية
تنوعت المدارس الفلسفية الإسلامية من حيث النظر إلى ملكة الخيال "الغريبة والعجيبة". وحتى نقدم نظرةً جامعةً لمختلف المكونات المذهبية لنظرية الخيال الإسلامية، اخترنا أحد أواخر كبار الفلاسفة المسلمين، هو صدر الدين الشيرازي الذي تداخلت في تركيب نظريته في الخيال عناصر من النظرية الأرسطية بأبعادها الثلاثة المذكورة سابقًا، وعناصر من فلسفة السهروردي الإشراقية، وعناصر صوفية من عرفان الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. بعبارة أخرى، تجمع نظريته في الخيال مزيجًا متناقض الأطراف مُكوَّن ممّا يلي: أولّا: خيال ما قبل الحداثة ذي الطبيعة الانعكاسية، خيال الصور المنعكسة في المرآة. ثانيًا: خيال فعّال؛ أي أداة تخييل المحسوسات وجعلها قابلة للرؤية والسمع إلى حدّ يصبح الواقع فيها انعكاسًا للخيال، وقد تشعر الذات المتخيلة في هذه العملية السحرية بأنها مالكة لزمام الواقع لا مطيعة لضوابطه الحتمية. ثالثًا: بتأثير من ابن عربي، سنجد الشيرازي يقسّم الخيال إلى قسمين. فالقسم الأوّل هو " الخيال المتّصل "؛ وهو الخيال الفردي السيكولوجي المعرفي المتعدّد بتعدّد الأفراد، ويتمثّل بمجموع الوظائف التي يقوم بها الإنسان لإحضار صورة الشيء إحضارًا تمثيليًّا في غيابه، إمّا لحفظ الصور أو تركيبها أو خلقها وتهيئها لكي تتحول إلى مفاهيم مجردة لاستعمالها من العقل في استدلالاته المعرفية، أو لاستخدامها في الحثّ على الأفعال أو الابتعاد عنها. وأمّا القسم الآخر، فهو " الخيال المنفصل "، أو عالَم المثال، أو البرزخ؛ وهو الخيال الموضوعيالواحد الذي استلهمه من النصوص الدينية ومن الأدبيات الغنوصية، وهو بمنزلة حضرة أو عالَم ميتافيزيقيقائم بذاته، عالم منفصل عن الإنسان وعن الوجود الطبيعي تقوم به أمثال وأعيان ثابتة هي عبارة عن صور الأشياء الطبيعية أو حقائقها. وهذا الخيال المنفصل هو الذي يطلّ إليه جميع الأفراد من دون أن يكون لأحد منهم حقّ امتلاكه؛ إذ هو واحد ولا يتعدّد. وأداة هذه الإطلالة أو المطالعة هو "الخيال المتصل" الموجود فينا. وتتكوّن الأعيان الثابتة الموجودة في عالم المثال من مادة خاصة لا هي جسمية ولا روحية. وكلّ هذه الخصال تجعل "الخيال المنفصل" يحظى بالاستقلال عن العالم الواقعي وعن العالم العقلي؛ ما يقرّبه في الوقت نفسه من خيال الحداثة ومن خيال ما بعد الحداثة.
وفي غمار اجتهاداته "الخيالية"، اقتفى الشيرازي آثار ابن سينا في توحيده بين الوهم والعقل، أو عدّه على الأقل قوَّةً عقليةً؛ ف "الوهم كأنه عقل ساقط عن مرتبته"، بل إنه يذهب إلى أنّ " القوة العقلية المتعلّقة بالخيال هو الوهم، كما أنّ مدركاته هي المعاني الكلّية المضافة إلى صور الشخصيات الخيالية"، وأنّ التوهم " ليس له ذات مغايرة للعقل، بل هو عبارة عن إضافة الذات العقلية إلى شخص جزئي وتعلقها به وتدبيرها له". وهذا ما جعله يحصر أنواع الإدراكات في ثلاثة أنواع، هي: الحس والخيال والعقل؛ حتى توازي أنواع العوالم الثلاثة: عالم الكون والفساد، وعالم المثال الخيالي، وعالم العقل النوري. وأفضت به هذه التعديلات الوظيفية والميتافيزيقية لمفهوم الخيال، إلى إضفاء وضع أنطولوجي عليه، فعدّه الشيرازي "قوَّةً جوهريةً باطنية"ً. وكانت غايته من وصف للخيال ب "الجوهرية" هي إثبات " عالم ما بعد طبيعي خيالي "، وهذا العالم ليس جوهرًا طبيعيًّا، ولا جوهرًا عقليًّا، وإنما هو جوهر خيالي بالقوة. وقد أجرى الشيرازي هذه التغييرات الجذرية على طبيعة الخيال ووظائفه وعلاقاته، من أجل ربطه بعالم خاصّ به، هو عالم "أحوال القبر وثوابه وعذابه، وأحوال البرزخ وبعث الأجساد "؛ ما يعني أنّ الدافع لإنشائه لعالم المثالات هو تفسير "حياة" ما بعد القبر، و"حياة" النشأة الثانية في يوم الحساب؛ أي رؤية مشَاهد عالم "ما بعد الدنيا" بعين الخيال، ووصفها وصفًا حيًّا باللغة البشرية كأنه يراها أمامه. وهكذا صار الخيال الذي كان على التخوم، وفي مجال الإمكان والظن والرأي والضلال والكذب في الفلسفات المشائية، في منطقة الماهية والضرورة والعلية، عندما أفرده بعالمه المثالي الخاص به. ولا ريب في أنّ القول ب " عالم ميتافيزيقي خيالي "؛ أي بنظام للخيالات، من شأنه أن يزاحم نفوذ العالم الميتافيزيقي العقلي الذي يمثّله نظام العقول المفارقة الضامن للوحدة والنظام والترتيب التي يكون بها وجود الموجودات. بعبارة أخرى، بإثباته " صقعًا آخر، وهو عالم المثال المسمى ب 'الخيال المنفصل"'، يكون الشيرازي قد أقام أنطولوجيا مستقلةً للخيال؛ أي علمًا عامّا له بمقولاته ومقوماته وأعراضه وعرفانه الرؤيوي الصوري. ولهذا "الصقع المثالي" وضع برزخيبين عالمَي العقل والمادة؛ مستقلّ عنهما من دون أن يمنعه استقلاله من أن يتأثّر بهما معًا في تكوينه وكائناته التي توجد فيه. فعالم المثال هو العالم الذي تسكن فيه الصور الخيالية والأرواح غير المرئية، إضافةً إلى أنه هو المكان "الطبيعي" لكلّ الصور الخيالية. وهكذا يصبح الخيال نفسه ضامنًا لوجود العالم الواقعي، وليس انعكاسًا أو ظلًّ للواقع فحسب. أي إنّه صار مبدأوجوديًّا وليس وظيفةً معرفيةً فقط. وبهذا النحو يكون الشيرازي قد تابع القول المأثور عن الصوفية الذي يعمّم الحلم، ليصبح شاملً لكلّ ما نحياه وما لا نحياه. فكلّ شيء هو حلم في حلمٍ، وخيال في خيالٍ، الأمر الذي يجعل الشيرازي قاب قوسين أو أدنى من حساسية رواد ما بعد الحداثة.
الخيال الحدايث
ظلّ التصور الأرسطي لنسق القوى الخيالية ووظائفها حاضرًا في الفلسفات إلى حدود القرن 71. وبعد ذلك، بدأت النظرة القدحية في الخيال تختفي شيئًا فشيئًا. فلم تعد الصورة الخيالية "إدراكًا أو إحساسًا ضعيفًا، أو انعكاسًا شاحبًا للماضي، بل صارت صورةً في طريقها إلى التجريد والتعميم، أي في طريقها إلى المفهوم". وقد ساهم في هذا التطور عدد كثير من الفلاسفة، وبخاصة إيمانويل كانط Kant Immanuel في كتابه نقد العقل الخالص. كما ساهم برغسون في هذا التطور؛ إذ دافع عن الفرق بين إدراك الصور وإدراك الأشياء، لا في الطبيعة، حيث استنتج من ذلك أنّ العالم مُكوَّن من خيالات؛ أي إنّ كلّ ما يحيط بنا من أشياء هي عبارة عن صور خيالية. فالشيء خيال، والمادة مجموعة من الصور الخيالية، والوعي لا ينشأ عن الشيء. ونجد صدى لهذا التطور لدى سارتر الذي بعد أن انطلق من الفرضية الفينومينولوجية التي مفادها أنّ الإنسان كائن في العالم، عَدّ الإنسان كائنًا يتمثّل العالم، ويتمثّل نفسه في العالم. لذلك لم تعُد المطابقة مع الموضوع الخارجي هي معيار الحقيقة، بل أصبح المعيار هو التوافق مع التمثلّات الداخلية. وهكذا تمّ الابتعاد عن الواقعية الساذجة نحو نوع من الواقعية التمثيلية التي تسمح لنا بأن نتصور أنّ العالم الواقعي لا يوجد وإنما يُصنع، وهذا الصنع يقبَل "رتوشًا" لامتناهيةً. وبهذا النحو، صار الخيال من سياق الواقع، لا من سياق الفهم والتأويل، من سياق الخلق، لا من سياق التفسير.
الخيال ما بعد الحدايث
شكّل خيال "ما بعد الحداثيين" قطيعةً مع الخيال الحداثي وما قبل الحداثي. فالخيال ما بعد الحداثي، هو من جهة مضاد للخيال ما قبل الحداثي ذي الطبيعة الانعكاسية، خيال المرآة العاكسة لظلّ الوجود الواقعي. وهو من جهة ثانية مضادّ لخيال الحداثة الخلّق والمستقلّ عن الواقع، خيال المصباح الذي يضيء الواقع. إنّ خيال ما بعد الحداثة ليس مرآةً ولا مصباحًا، فهو لا يكتفي بأن يضطلع بدور الوساطة بين الحواس والعقل، أو يدعي تبوُّء مكان الصدارة في نظام الكون، وإنما يكتفي بأن يقدّم نفسه بوصفه ذاتًا من دون موضوع، أو أنه لا يعدو أن يكون أشباحًا تعكس أشباحًا في أشباح، عبر سلسلة لامتناهية من المرايا. خيال ما بعد الحداثة، إذن، هو بمنزلة محاكاة المحاكاة، وتقليد التقليد من دون اهتمام بالمقلَّد؛ أي بوجود أصل وموضوع ينطلق منه التقليد والمحاكاة أو عدم وجود هذا الأصل. باختصار، الخيال ما بعد الحداثي خيال غنيّ عن الواقع والعقل معًا. فهو لا يُعنَى بتبرير وجوده وصدقيته خارجًا عن "ذاته"، بل إنه مكتفٍ بنفسه، يبرّر نفسه بنفسه بوصفه "خيالً في خيال". وإنّ مثل هذه الرؤية للخيال من شأنها أن تعطيَ الأسبقية للحكاية والراوية على الدراية والاستدلال، وأن تقدّم القول على الوجود، والتأويل على البرهان. وهذا ما سيضفي على الرؤية الخيالية للعالم طابع المرونة والسيولة؛ ما يجعلها قادرةً على تجاوز التقابلات التقليدية بين العقل واللاعقل، بين الجسد والروح، بين العلة والمعلول، بين الظاهر والباطن، بين البرهان والتمثيل. كان رولان بارت Barthes Roland يقول إنّ طبيعة حضارة ما بعد الحداثة هي حضارة الصورة؛ أي حضارة الخيال. بيد أن وجود الصور السينمائية والتلفزية والمعلوماتية (الحاسوبية)، وصور الأدباء والرسامين وأصحاب الرؤى والأحلام الخارقة يقتضي عالمًا خاصًّا
بها، لا هو بالمادي ولا هو بالعقلي. فالصور الخيالية في نظر ما بعد الحداثة لا تحيل على أصل واقعي أو حقيقي، بل تشير فقط إلى نفسها في حلقة دورية؛ أي ليست إلّ محاكاةً للمحاكاة لا أقلّ ولا أكثر. وقد دفع ميشيل فوكو Foucault Michel هذا الموقف إلى مداه الأقصى ليعلن عنموت الخيال بالمعنى التقليدي، أي بالمعنى الذي يكون فيه الخيال هو المصدر الوحيد للإبداع؛ إذ إنّ الإبداع في نظره هو عملية استنساخ متكررة لنسخة لا موضوع لها ولا أصل. ويقتفي جاك دريدا Derrida Jacques المعنى نفسه ليؤكّد أنّ الإبداع ليس إلّ تقليدًا إيمائيًّا Mimic للاشيء، إنه تقليد لتقليد التقليد. وبهذا النحو لم يعُد الخيال انعكاسًا لنور أصلي يفيض من الشمس، كما كان يقول أفلاطون، أو مصباحًا مضيئًا كما كانت تدعي النزعتان الإنسية والوجودية، بل صار بمنزلة انعكاسات متبادلةً دورًا، وكأنّ الأمر يتعلق بكهف دائري مليء بمرايا ذات أحجام وأشكال ووظائف مختلفة. نحن إذن في عالم أشباح لا تاريخ لها ولا أبعاد، وليس لها لا ماضٍ ولا حاضر، لا بداية ولا نهاية. وفي هذا المناخ ما بعد الحداثي لم يعُد من الممكن الجزم إن كان ثمّة فرقٌ بين الصورة الخيالية والصورة الواقعية، بين الحقيقة والخطأ، بين الظاهر والباطن، بين النموذج والنسخة.
خاتمة
كان الخيال منذ أن بدأ التنظير له زمن أرسطو يمتاز بالحرية. وبعد مروره بحقب مختلفة ومتقابلة، كُرّست حريته حتى أنه كاد يصبح مستقلً بذاته، حيث صار يقتات من ذاته، يقتات من "سوق الصور الخيالية". أجل، لا يمكن إنكار أنّ الخيال من طبيعته التوسط، من هنا جاء التباسه؛ فهو ملتبس حينًا بالعقل النظري وحينًا بالعقل العملي، حينًا بالحس والإرادة وحينًا آخر بالغيب والجبر، تارةً يكون موضوعًا لغيره، وأخرى محرّكًا له. علاوةً على وجوده الإضافي البيني، بين الجسمي والعقلي، بين النظري والعملي، بين الحسّ والغيبي، بين الرؤيوي والإدراكي، بين المنفعل والفعّال، باختصار بين الوجود والعدم.. إلخ، وهو ما أهّله لكي يقوم بالانفصال عن الذات وعن العالم، مشكّلً بنفسه سوقًا حرّةً عامّةً للصور الخيالية، يمكن لأيّ شخص أن يمدّ إليها عينيه أو يديه فيتسوق منها ما يشاء، إمّا لكتابة رواية أو قصيدة، أو لصوغ مشروع فكرة علمية، أو لبناء حلم سياسي، أو لتشبيح فكرة طائرة في لوحة أو قطعة موسيقية، من دون أن تعرف سوق الخيالات أيّ نقص طرأ عليها، فهي غنيّة دائمًا بعجائب الخيال وغرائبه من الصور الإبداعية التي لا حصر لها كمًّا وكيفًا، ولا عهد لنا بها. وبما أنّ سوق الخيال ممتلئة بشتّى ألوان الأساطير والاستعارات والتشبيهات والحكايات، فإنها تخوّل صاحبها القدرة على التواصل والتبليغ، لا بالنسبة إلى الجمهور المحبّ للكذب المعسول فحسب، بل بالنسبة إلى المبدعين من الأدباء والفنانين والعلماء والسياسيين أيضًا. ولا يمكن تفسير قدرته الخارقة على الإقناع والتعبئة لكونه ينأى بنفسه عن الحقّ والبرهان والاكتفاء فقط بما يشبه الحقّ أو يضاده، بل لكونه أيضًا يوقظ في الإنسان طاقة الحلم والرؤيا التي تقفز عن الزمان لترسم أشباحَ مدنٍ فاضلة تُدغدغ الأمل في إخراج الحلم من القوة إلى الفعل. من هنا، لا نستغرب إن لم يطاوع الخيال حدود التحقيب دائمًا. فهو عاشق وَلِهٌ للحرية، سواء كان ذلك إزاء مقتضيات الزمن أو ضرورات العقل، أو حتميات الواقع. وهذا ما يفسّ أنّ "الما قبل" يتداخل مع "الما بعد" في صلب الخيال، مما يغرقه في المفارقة التي تزيده سحرًا على سحر. عبد الأحد السبتي: الكلمة للأستاذ إسماعيل ناشف.
إسمعيل ناشف
التركيب الزمني لظواهر البحث
في الحقيقة، إنّ الفكرة الأساسية التي أريد أن أطرحها أتَت من إنجازي لثلاث دراسات، وكنت قد واجهت فيها مباشرةً قضية التحقيب وقضية الزمن. كان بحثي الأول دراسةً لتاريخ المجتمع الاعتقالي في فلسطين، أو تاريخ الاعتقال السياسي في فلسطين الذي فيه حاولت أن أكتب تاريخ مجموعة المعتقلين الفلسطينية داخل السجون الإسرائيلية، وحاولت من خلاله الاعتماد على التاريخ الشفوي، أساسًا، وبعض الأرشيفات. وحاولت أن أكتب التاريخ خلال الفترة 1967 - 993 1؛ من احتلال إسرائيل للضفة وغزة إلى فترة أوسلو. أمّا البحث الثاني، فهو دراسة لتاريخ الأشكال الأدبية بفلسطين بدايةً من عام 948 1 إلى الوقت الراهن. وحاولت فيه أن أبحث العلاقة بين الأنواع الأدبية، وإن كانت هذه الأنواع التي تميل إلى الأشكال الشعرية، في السياق الفلسطيني، أكثر ارتباطًا بالحياة الاجتماعية من القصة القصيرة والرواية.. إلخ، وحاولت التأريخ لهذه القضايا. والأمر الآخر الذي حاولت أن أعتمد عليه اليوم في مداخلتي هو دراسة تاريخ الأشكال الفنية البصرية عبر تاريخ فلسطين، وتحديدًا من وسط القرن التاسع عشر إلى حدّ الآن. فاعتمادي هو على هذه المادة الإمبريقية التي اشتغلت بها، ومن الأسئلة المباشرة التي واجهتها: كيف أعمل كتابةً تاريخيةً وهي في الوقت نفسه تواجه إشكالات أساسيةً. والإشكال الأساسي الذي واجهته أننا عندنا عدة أنواع من الزمن؛ ومثلما رأينا اليوم صباحًا، هناك أشكال مختلفة للزمن وأشكال تعبيرٍ مختلفٍ لكلّ زمن والتحقيب هو تصنيف زمني ما. أنا، على نحوٍ واعٍ، أريد أن أختار نوعًا محددًا من الزمن، ولست أريد أن أتحدث عن كل أنواع الزمن. وبدايةً، أريد أن أختار نوعًا من الزمن الذي هو جزء من بداية تشكيل الظاهرة، بمعنى أنّني لا أريد أن أسأل: "ما هذا؟" مثلً. وللتوضيح، فإنّ أقدر أن أسأل عن هذا الشيء الذي بيدي: "ما هذا؟" والجواب سيكون هو "قلم" أو "قلم حبر". وهذا لا يكفي لأنّ هذا القلم محسوب على تاريخ معيّ. والذي يُفترض أن نرجع إلى تاريخه، هو الذي كان عبارة عن حبر سائل ودواة وريشة، وكان في علاقة الشكل من ناحية وظائفية تناقضات معينة، أدّت إلى تطوره إلى شكل القلم. والقلم يحتوي الدواة ويحتوي السائل ويحتوي الريشة، ولكن يحتويها بصفته "قلمًا" وليس بصفته سائلً ودواةً وريشةً. وقد جاءت الفكرة من القرن التاسع عشر من جهة ماركس. فالإنسان يحتوي الشكل الذي قبله، ولكنه يحتويه بتطوير الشكل. فأنا أريد أن أتناول الزمن كمحور تشكيل بمعنى أنّ الزمن هو عبارة، بالنسبة إلى المنظور الذي أريد أن أطرحه، عن نوع من [labor Objectified]. يعني أننا لا نستطيع التطلع إلى الزمن بشكل مجرّد فقط، بل إنّ الزمن يأخذ صفة سلسلة من الأحداث التي يكون فيها من خلال العمل؛ أي إنّه يأخذ شكل الزمن ليس بوصفه شيئًا مجرّدًا، بالمعنى الذي حاول أن يقترحه الحداثيون في القرن التاسع عشر، بمعنى أن يكون الزمن بمنزلة نفقٍ ممتدّ إلى الأمام وكل حدث يوجد فيه. أنا أحاول هنا الرجوع لكي أقوم بطرح السؤال: "كيف يعمل هذا؟"، أريد أن أنقل السؤال المعرفي من الاقتصار على التحقيب فحسب، والسؤال: "ممّ/ ما هذا؟"، إلى السؤال: "كيف يعمل هذا؟"، وأدّعي أنّ طرح السؤال "كيف يعمل هذا؟" يتطلّب فحص الشكل بوصفه تعبيرًا عن سلسلة من الأحداث التي سميّتها "عملً" وهو [Objectified]. وفي ما يتعلّق بتشيّؤ الشكل، فسأذكر مثالً: من البحث الذي اشتغلت به في موضوع المجتمع الاعتقالي أو مجتمع المعتقلين السياسيين في فلسطين. وأحد الأمور الأساسية، مثلً: كيف يمكن وضع تحقيب مفاده أنّه عام 967 1، لمّا بدأ الاحتلال للضفة وغزة
بدأت حملات اعتقالية لأعداد كثيرة جدًّا من الناس؟ فأحد الأشياء التي يُؤرَّخ لها عادةً في الأدبيات، كان في فترات حصل فيها المجتمع الاعتقالي على حقوق معيّنة؛ من ذلك مثلًالزيادة في كمية الأكل، ومن ثمّ سنفترض أنه يُؤرّخ على النحو الآتي: عام 972 1، صار إضراب عن الطعام، وفي عقب الإضراب عن الطعام حصل الأسرى على إضافة حبّة بندورة بالنسبة إلى كلّ أسير، وهذا مدوّن في الوثائق التابعة لحركة الأسرى. ويمكنني أن أكتب التاريخ بناءً على هذه المحطة المتمثّلة بحصول السجناء على حبة بندورة، أو على قلم حبر. ولكن في حالة كتابتي التاريخ على هذا النحو، فإنّ أكون قد كتبته بطريقة جزئيّة لا تمتُّ بصلة إلى البناء الداخلي لهذا المجتمع. سأسأل سؤالً مختلفًا: "كيف كان يتمّ الأكل؟"، وهو سؤال يعني وجود فرق في النظر إلى فعل الأكل في حدّ ذاته، مقارنةً بالتاريخ المؤسساتي الذي ينبثق من النظر في الوثيقة التي هي المفاوضات بين القيادة التابعة للأسرى وإدارة السجن والصليب الأحمر (كان فضاء الصراع حقوقيًّا مبنيًّا على فضاء النص)، لكنّ فضاء النص ما كان له علاقة بالجسد الجمعي المادي الذي كان منفصلً عنه. والسؤال هو: "لماذا يقعد الأسير داخل السجن ويقوم بتناول حبة البندورة؟"، "أهذا التاريخ هو جزء من عملية تشكّل جزء من عملية مقاومته أم أنّ هذا لم يُكتب في النص التأريخي؟ فهذه النقطة، إذن، أساسية. ثمّ إنّ السؤال الأساسي الذي أريد أن أطرحه بوصفه سؤالً منهجيًّا، هو: "ما هي أبعاد الأحداث التاريخية التي أفقدها في الحالة التي أسأل فيها سؤالً عن الزمن، أو أستخدم مفهوم الزمان الذي هو خارجي بالنسبة إلى الظاهرة وليس جزءًا أساسيًّا من تركيبها الداخلي؟". المثال الأخير الذي به أُنهي مداخلتي متعلّق ب "المراهقة". ففي جيل المراهقة مثلً، لدينا في التجربة الداخلية للإنسان المراهق خمسة مستويات من الزمن على الأقل، وأربعة أنواع أو خمسة من الزمن ذات علاقة بالزمن العامّ بالنسبة إلى الجميع. فللمراهق زمن بيولوجي داخلي في جسمه، وله زمن نفساني داخلي، وزمن يتبع العائلة التي يعيش فيها، وزمن يتبع المجتمع أو البيئة. وكلّ هذه الأمور تتجمّع في لحظة معيّنة؛ حتى يصير السؤال: "ألا يمكن أن يجعلنا الزمن الداخلي الذي له نوع محدّد من الظواهر نقوم بمقاربة أفضل كثيرًا - من الناحية المعرفية - من التحقيب نفسه الذي اعتدناه تصنيفًا زمنيًّا خارجيًّا نفرضه على الظاهرة بوصفنا باحثين؟"، وشكرًا. عبد الأحد السبتي: شكرًا أستاذ إسماعيل، المهمّ هنا الانتقال من المسائل العامة إلى موضوع جزئي، وإلى نوع من الظاهراتية أو الزمن المعيش. على العموم، ستثير الأفكار النقاش. أنتقل إلى الأستاذ مولدي الأحمر.
مولدي الأحمر
التحقيب تفاوض غير متكافئ يف تمثّل الزمن
كلمة عن علاقتي بالموضوع
في حقيقة الأمر، لا يُعدّ سؤال "التحقيب" بالمفهوم الذي يسنده إليه المؤرخون سؤالً سوسيولوجيًّا إلا إذا كان فعل التحقيب ذاته هو موضوع النظر والتحقيق. لقد جئت إلى هذا السؤال مصادفةً حينما طلب منّي زملاء لي من المؤرخين التونسيين والمغاربة أن أعلّق - من وجهة نظر سوسيولوجية - على طريقتهم في طرح سؤال التحقيب والنظر في أدوات إجابتهم عليه، وقد كان ذلك في تونس منذ عدّة سنوات في إطار عمل أكاديمي مشترك.
مسألة تمثّل الزمن
أودّ أن أشير في هذا السياق إلى أنّ سؤال التحقيب ليس سؤالً خاصًّا بنا نحن التونسيين أو المصريين أو العرب أو المسلمين بحسب مستويات المشاهدة. ففي أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركيتين يطرحون أيضًا القضية نفسها، ولكنّ التركيز فيها يجري في سياقات داخلية متنوعة، وأحيانًا انطلاقًا من مرجعيات هوياتية مختلفة. ففي أفريقيا وأميركا اللاتينية مثلً، هناك سؤال حول مضمون الحقبة ما قبل الاستعمارية الذي يظهر في كتابات المستعمر الكلاسيكية كحقبة لا تاريخية يتحدّد زمنها مرةً واحدةً في حقبة واحدة هي حدث الاستعمار. وفي العالم العربي والإسلامي لدينا مشكلات من نوع آخر، من بينها مثلً: هل يعدّ "العصر الجاهلي"، وهو تمثّل دينيّ لزمن الجزيرة، سابق للنبوة، حقبةً بالمفهوم التاريخي لهذه الكلمة؟ وهل لدينا عصر وسيط والحال أنّ المفهوم نشأ لتمثّل الزمن الأوروبي كما حقّب له المؤرخون الأوروبيون؟ هناك في الواقع حوار عميق وشيّق بين المؤرخين، واسمحوا لي بالقول، إنه ربما لا يعيه دائمًا وبوضوح جميع المشتغلين بالتأريخ الذين قرأت لهم. وموضوع هذا الحوار هو تمثّل الزمن. أمّا المدار الأول للحوار، فهو يتمثّل بالهواجس التالية: هل الزمن يسير (إن كان يسير فعلً) وفق خط تطوري في شكل سهم؟ يعني هل يمكن الاستحمام في الزمن نفسه مرتين؟ هل يتحرك الزمن وفق خط دائري؟ هل هو، مثلً، عود على بدء؟ هل يسري على نحوٍ عشوائي؟ أي هل صحيح أنّ الدهر "حال بحال" كما تقول إحدى الأغاني التونسية؟ هل هو خطّي - ديالكتيكي - دائري في الوقت نفسه بمعنى أنه قائم على تصور تركيبي محترف؟ وأمّا المدار الثاني للحوار، فله علاقة بمنهجية التحقيب ذاتها، وهو يتمثّل بما يلي: أنحقّب وفق الحدث أم وفق خصائص البنى الدفينة المولّدة لاحتمالات الحدث؟ وكيف يكون التحقيب إن كان وفق الحدث والخصائص في آنٍ واحد؟ أهو محور الزمن الأفراد أم الجماعات أم محورهما معًا؟ في الحالتين الأخيرتين، أنؤرخ لتعاقب الملوك مثلً أم لتعاقب أنماط الإنتاج؟ أنؤرخ لفعل الفرد أو الجماعة بوصفهما صانعين ومفسرين للحدث أم للبنية بوصفها، على العكس من ذلك، هي التي تفسر فعل الأفراد والمجموعات؟ لقد كان هذا الأمر مشكلةً من مشكلات فرناند برودال Braudel Fernand مؤرخ الزمن الطويل، وقد اختاره ليحاضر فيه يوم احتفل بدخوله عضوًا جديدًا إلى "الكوليج دو فرانس". بطبيعة الحال، كلّ توغل واعٍ في خيار من هذه الخيارات يولّد حزمةً من الأسئلة تتعلق بتمثّل الزمن التاريخي في حدّ ذاته. فمثلً، هل أنّ الزمن هو زمن الفعل الذي هو وليد عملٍ ووعيٍ بالنسبة إلى الأفراد والمجموعات بذاتهم وبزمنهم؟ أم هل أنّ الزمن لا يكون إلا نظريًّا ومن إنتاج التمشي المنهجي لمحترفي كتابة التاريخ؟
الزمن الداخيل والزمني الخارجي
هذا من منظور داخلي للزمن، إن كان له داخل. والمراد بالزمن الداخلي هو الوعي الذي يتعلق بزمني الحدث والبنية في إطار حيّز الوعي بالذات، المتجذر في زمن تجربة اجتماعية بعينها تجري في إطار بيئتها الثقافية والجغرافية الخاصة (إمكان الحديث، مثلً، عن زمن قطريّ، أو تونسي، أو لبناني، أو عن زمن إقليمي كزمن الجزيرة العربية على سبيل المثال، أو حتى حضاري مثل زمن العرب أو المسلمين).
لكن الوعي بالزمن وتحقيبه لا يمكن أن يجري من منظور داخلي فحسب، وقد انتبه ابن خلدون إلى ذلك لمّا وضع لكتابه عنوان كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. ففي هذا السياق، يوجد تقاطع بين الزمن الداخلي، إن صح التعبير، والزمن الخارجي. تكمن القضية برمّتها في تمثّل مضمون تقاطعات هذين الزمنين اللذين تُعبّ عنهما في عنوان كتاب ابن خلدون كلمة "عاصرهم". وكما هو معلوم، فإنّ جهدنا حاليًّا، بما فيه جهد معهد الدوحة الناشئ، يتمثّل بأن نعمل على النجاح في معاصرة غيرنا. ومعنى ذلك أن نتموقعفي زمن يشملنا مع غيرنا. يوجد، إذن، نوعان من التحقيب في داخلهما أنواع أخرى عديدة من سبُل تمثّل الزمن وتحقيبه ومناهجه. أحدهما داخليبالمعنى الذي أشرنا إليه، ومن خلال هذا المعنى يمكن أن نفهم مثلًالعنوان الذي وضعه عبد الحميد هنية لأحد كتبه وقد سماه "تونس العثمانية"؛ إذ توجد "قطعة" من الزمن الداخلي لتونس مُحقَّبة على أنها عثمانية. وكذا الأمر بالنسبة إلى المغرب العلوي - الشريفي، وبالنسبة إلى ليبيا القرمانلية، ومصر المملوكية، وهكذا. إنّ مدار هذه الحقب سياسي، لكنّ في داخل كلّ واحدة منها حقبًا أخرى تتجاوزها ولا تخضع لمنطقها التحقيبي، وهي تتعلق بأنشطة وأفعال وأحداث فردية و/أو جماعية موضوعها إنتاج معانٍ أخرى للوجود وللحياة. فنجد مثلً عنوان كتاب من قبيل "مغرب المتصوفة"؛ ذلك أنّ الزمن لم يعُد زمن "حدث سياسي" أو زمن "بنية" بحسب المفهوم الماركسي أو حتى الأنثروبولوجي، بل زمن نمط من الحياة التعبدية لفئة خاصة من المغاربة يعطي معناه لفضاء أشمل من العلاقات والصراعات التي تجري في حيّز زمني غامض الحدود. وبما أنّ التحقيب هو، أساسًا، تمثّل زمني لنشاط مجموعات بشرية تشقّها الصراعات وتجمعها التوافقات فإنّ هذا التحقيب، سواء كان من فعل الفاعلين في حدّ ذاتهم أو من فعل المؤرخين، يبقى دائمًا غير مستقلّ عن تلك الصراعات. ولذلك يقول بعضهم إنّ التاريخ يكتبه المنتصرون سواء تعلّق الأمر بالزمن الداخلي أو بالزمن الخارجي وتقاطعاته. داخل التحقيب الداخلي، إذن، صراع على تمثّل الزمن. وهذا الصراع لا يخلو من التفاوض الذي هو فعل تبادلي بامتياز. لذلك توجد في زمن "تونس العثمانية" أزمنة أخرى غير عثمانية. لكن بما أنّ زمن العثمانيين كان صيرورة صراع وتفاوض (تفاوض على الشرعية، وتفاوض على صنع الزمن المحلّ للمجموعات القروية والقبلية عبر إدخالها في زمن المنظومة الإدارية للدولة)، فقد انتهت هذه الصيرورة بفرض الدولة العثمانية لنفسها كمحور سياسي - اجتماعي - حربي ومعرفي أيضًا منتِج للزمن، ومن ثمَّ صنع العثمانيون (و"العثمانيون"، في الحقيقة، كلمة غامضة) حقبةً زمنيةً تمثَّلها المؤرخون لاحقًا - أداتهم في ذلك (قبل أن تُطور مناهج كتابة التاريخ الحديثة Studies Subalten) أرشيف الدولة - على أنها مساحة زمنية مميزة من الزمن الداخلي التونسي يمكن اعتمادها وحدةَ تحقيبٍ. وفي مناطق أخرى من المشرق لم يتحول الزمن العثماني الخارجي إلى زمن داخلي. وفي هذا السياق نقول إنّ الزمن العثماني في الجزائر وليبيا وتونس، على سبيل المثال، قد أسس لذاته، كتاريخ - حقبة، عبْ خلق الحدث وفرْض علاقة تبادلية غير متكافئة على الأزمنة المحلّية الأخرى. فلقد أرّخ لزمنه عبر إدخال جميع الأزمنة المحلّية في دينامية زمنه الخاصة المركزية، ولم يبقَ للمؤرخين، أحفاد هذا الزمن، سوى تحديد ملامح هذه الحقبة واتخاذها وحدةَ فصلٍ زمني لما كان قبلها وما صار بعدها. لكن، كما ذكرنا سابقًا، هناك أيضًا زمن خارجي - داخلي، إن صح التعبير؛ أي زمن معاصرة. ومن ثمّ نتساءل: كيف يُصنع زمن المعاصرة؟ وما مضمونه؟
قبل أن نتقدم في شرح الفكرة، سأورد بطريقة كاريكاتورية "نكتة" تونسية ذات نفس جاحظي كنت قد رويتها في السابق للمؤرخين الذين طلبوا مني التعليق على ورقات التحقيب التي أنجزوها، أظن أنها ستساعدنا على تمثّل قسم من أهمّ القضايا التي تحفّ بعملية التحقيب. تقول النكتة في صيغتها التي سمعتها أنّ فلاحًا ماكرًا استدعى يومًا أحد معارفه من الفلاحين وذبح له ديكًا قدّم له به طعاما شهيّا. ففرح الرجل كثيرًا بهذه الضيافة واستبشر بها خيرًا. لكنّ الفلاّح الماكر استغل الحدث ليصنع على أساسه تمثلّا زمنيًّا لعلاقته بصاحبه. فمنذ ذلك اليوم أصبح يقول له إنّ ذلك الحدث وقع قبل أن يُذبح الديك أو بعده. وتوجد بقيَّة مفيدة للنكتة سأحيكها بعد قليل. لكنّ الأمر المهمّ الآن هو أنه على الرغم من أنّ هذه النكتة تتحدث عن حالة ميكروسكوبية نموذجية للتحقيب ولا يجوز نقلها بسهولة إلى المستوى الماكروسوسيولوجي، فإنّ فائدتها تكمن في أنها تثير موضوع العلاقة بين الحدث وعملية التحقيب على أساس الفعل ومبدأ التبادل اللذين يشكلّان أساس تمثّل الزمن. في هذه النكتة يوجد زمن الأنا والآخر بمفهومهما السيكولوجي الضيّق وحتى السياسي الأرحب، ويوجد الحدث الذي يندرج في إطار تفاعل الأنا مع هذا الآخر. وتوجد الرابطة الاجتماعية التي تنشأ أو تتواصل بين الطرفين، والتي يشكّل التبادل موضوعها الرئيس، ويوجد ما يمكن أن يتولد من هذه العلاقة من هيمنة مادية و/أو رمزية، وتوجد هويّة الطرفين التي تتشكل، أو تتأكّد، انطلاقًا من الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة، وتوجد كذلك محاولة غير عفويّة لتمثّل زمن هذه العلاقة على أساس تقسيم تحقيبي لزمن يلفّ الاثنين. عندما يطرح العرب في الوقت الراهن موضوع التحقيب محاولين إيجاد تمثّل زمني لتاريخ خاصّ بهم، إنما هم تقريبًا في وضعية الفلاح الذي استشعر خطر التحقيب لزمنه على أساس حدث وليمة الديك. بمعنى أنّ عملية التحقيب ليست عمليةً منهجيةً فحسب، بل هي، أساسًا، عملية تمثُّل لعلاقة بالآخر سواء على مستوى الداخل أو الخارج. وهذه العلاقة قائمة على القدرة على إنجاز الفعل وتوليد معناه الأخلاقي الذي يؤسس زمن تلك العلاقة ويُحقّبها. وخلال الستة أو السبعة قرون الأخيرة كان التبادل الحضاري الذي يجري بين العرب والآخر غير متكافئ، وكان الآخر يُدخلهم في دينامية زمنه الموسوم ب "الحداثية". وإنّ أغلب العرب يستخدمون حاليًّا مفهوم الحداثة، وهو مفهوم تاريخي أوروبي، وحدة ذهنية تحقيبية، على أنّهم لم يذهبوا إلى وليمة الديك كما كانت حال الفلاح الضيف في النكتة. بل إنّ صاحب الوليمة هو الذي جاء إليهم في عقر دارهم، وذبح لنفسه ديكًا من عندهم، وصنع بذلك لنفسه زمنًا موضوعه العرب. ولذلك، فإنّ حقبة الاستعمار إنما هي من عند أنفسنا، وقد بدأنا قبلها بمدة نستعمل أسماء الأشهر نفسها كعنوان لدخولنا ذهنيًّا في زمن الآخر من موقع المهيمن عليه، والمؤرخون المغاربة يؤرخون حاليًّا في مجملهم بحقب العصر الوسيط وما قبل الوسيط والحديث، محاولين البحث عمّا يماثلها في تاريخنا العربي الإسلامي. والآن إليكم بقيَّة النكتة: في الحقيقة توجد نهايتان لتلك النكتة. الأولى يتحرر فيها الفلاح من زمن جاره ويبقى مكتفيًا بزمنه منغلقًا على حاله، فهي تقول إنّ الفلاّح الثاني استدرج مضيّفه السابق إلى بيته وذبح له ديكًا، وفي نهاية المأدبة ودّعه قائلً له من الآن "لا بعد الديك ولا قبله". أمّا النهاية الثانية، فهي أكثر تعقيدًا؛ إذ تقول إنّ الفلاّح الثاني استدرج مضيفه إلى بيته وذبح له خروفًا. وبعد المأدبة قال له مودّعًا "منذ الآن نعُدّ بالخروف". ومن الناحية الأنثروبولوجية، تليق هذه النهاية بمارسيل موس. ولكنها من ناحية الموضوع الذي يشغلنا تعني أنّ التمثّل
الأصيل للزمن الذاتي يؤسّس - في حال إمكان ذلك عمليًّا - عبر التموقع في الزمن الشامل من موقع المشارك في صناعة الفعل وزمنه ووحداته التحقيبية. فذلك هو شرط التحرر من وحدات التحقيب التي يفرزها زمن الآخر المهيمن. عبد الأحد السبتي: كان بالإمكان بناء كلّ هذه المداخلة على "النكتة"، وكانت المسألة ستكون مميّزة. لديّ تعقيب بسيط بشأن "تفجير" مسألة الزمن إلى ما قبل بروديل. فبروديل اعتمد على نص جورج كولوفتش Kolovitz George تعدّد الأزمنة الاجتماعية نحو عشرين زمن. الأستاذ مولدي سار على النهج نفسه. الكلمة للأستاذ محمد بلبول.
محمد بلبول
اللغة: من الحقبة إىل الحالة
وقر الاعتقاد أنّ العلوم التي تنظر إلى موضوعاتها ضمن إطار الزمن تتوخى التحقيب غاية منهجية. نلحظ هذا في التاريخ وفي الأدب ودراسة الأفكار والقانون والسياسة، حيث يصعب تمثّل الوقائع خارج مواضعة تحديد إطار زمني محدد، يتيح فهم منطقها التسلسلي. بمعنى آخر، لا نمسك بالظاهرة في مجالات كهذه إلا كواقع محكوم بمنطق الحقبة التي تُحدَّد مجالً زمنيًا يوجه وقائعَه حدثٌ مهيمنٌ وبارز يَجبُّ ما قبله. هل يسري هذا على اللغة؟ يجوز إلى حد ما أن نحدد خصائص لغة ما ضمن تحقيب تاريخي، فنتحدث مثلً عن عربية ما قبل الإسلام أو عن العربية الحديثة، معتمدين في ذلك على مجموعة نصوص، ومستندين إلى معارف موزعة على مجالات تخصصية متنوعة، مثل المعجمية والأسلوبية والبلاغة، وتاريخ الأفكار ممّا سيتيح المساهمة في كتابة التاريخ الشامل لأمّة من الأمم. وغني عن البيان أنّ هذا الضرب من الدراسات يندرج ضمن ما يسمّى بالدراسة الفيلولوجية التي عرفت أوج تطوّرها في القرن التاسع عشر، حين ارتبطت بالنحو التاريخي المقارن وبالدراسة النقدية للنصوص، لاستخراج المعلومات الكفيلة بإضاءة الحقبة التاريخية التي كتبت فيها، أو الحقب التي تحيل إليها هذه النصوص. لكنّ التقدّم الذي عرفته اللسانيات، منذ نهاية القرن التاسع عشر، إذ لم تعد اللغة مطية للحديث عن أيّ شيء وكلّ شيء، جعل الحديث عن الحقبة أو التحقيب، بوصفه تحييزًا في فضاء الزمن بالمعنى المتداول عند المؤرّخين، أمرًا يفتقد للدقة المبتغاة، والتي يصبو إليها كل خطاب يحمل في ثناياه مزاعم علماوية مثل الخطاب اللساني. استقر رأي مؤرّخي الدراسات اللغوية على أنّ الفيلولوجيا تطوّرت في القرن التاسع عشر لتؤشّ لميلاد الدراسة العلمية للغة. وهو زعم صحيح إن نحن أسندنا للفظ علم ومشتقاته الوصفية المعنى نفسه المستفاد من الأدبيات الوضعانية التي تُعْزى لأوغست كونت، والتي كانت طلائعية في توجهاتها الإبستمولوجية وقتئذ. فأثناء القرن التاسع عشر أصبحت وقائع اللغة خاضعة للبحث الموضوعي الدقيق ومفسرة وفق فرضيات استقرائية. وتمّ الاعتراض على جميع النزوعات العقلانية التي كانت تفسّ بنية اللغة بمبادئ عقلية مسبقة ذات صلاحية كلية، مثل تلك سادت مع النحاة المناطقة وأتباعهم في بور رويال. ومجمل القول إن المناخ الفكري العام، تحت تأثير الاكتشافات الجغرافية والثقافية، لم يكن ليقبل بوحدة العقل لتفسير اللغات بل كان متعاطفا مع التفسير التاريخي للظواهر، بحكم أنه (التفسير) كان منسجما مع روح العصر الذي رأى في فهم قوانين التطور والتحول مفتاح فهم المجتمع والطبيعة اللذين لا يستقران على حال.
لم تعد الظواهر اللغوية، إذًا، وحدها مشمولة بالمنهج التاريخي؛ فقد لوحظ أنّ المؤسسات الإنسانية والقوانين والعادات والممارسة الدينية والاقتصاد والطبقات الاجتماعية، فضلً عن اللغة والكائنات الحية، في تغيّ دائم، وأنّ التغير من طبيعة الأشياء. ولم يعد بالإمكان تفسير حالاتها (المؤسسات والظواهر) على أساس مبادئ مجرّدة، بل وجب التعامل معها بوصفها وليدة سيرورة تحوّل وتطور؛ وترتّب عن هذا عدُّ جوهر الأشياء والظواهر كامنًا في سيرورة تحولها لارتقائها أو اضمحلالها، أي كامنًا في تاريخيتها. وغير خاف أنّ هذا الاتجاه اسْتعمِل في السجال الأيديولوجي لدحض كلّ من الطروحات العقلانية والثيولوجية. في ضوء هذه الملاحظات، يمكن القول إنّ الحقبة تشير إلى حلقة في مسلسل التطور. فالتحليل اللساني التاريخي ربط مثلًالألمانية الحديثة بحقبة ما قبل التاريخ (period prehistoric). ولتوضيح أسلوب الربط هذا، يحسن بنا أن نقدّم مثالً يعطي القارئ فكرة عن الاستدلال التاريخي في مجال البحث اللغوي. وهو استدلال غايته تفسير ظواهر لغوية بربطها بحقبة لغوية تاريخية. ويتحقق هذا باستنتاج قانون عام يتنبأ بالتوافقات الصوتية - الدلالية. لقد استدل كارل فيرنر (Verner Karl) في مقالة له نشرها عام 875 1، على أنّ التقابلات مثل تلك التي نجد بين d و t في القوطية واللاتينية على التوالي (كما في نحو: fadar (قوطية) = pater (لاتينية)) مُطَّرِدة وشاهدة على القرابة بين اللغتين خلافًا لقانون يعقوب غريم (Grimm) الذي عدّها تحولًاستثنائيًا بين لغتين منحدرتين من أصل واحد. ففيرنر عدّ التوافق متنبأ به، إن نحن عدّلنا قانون غريم بجعله يراعي مكانة النبر في الكلمات السنسكريتية الموافقة. ومن دون الدخول في التفاصيل، فإنّ كارل فيرنر يخلص إلى أنّ اللغة السنسكريتية احتفظت بمكانة نبر - الكلمة في الهندوأوروبية الأولى، وأنّ تحوّل - الصوت في الجرمانية حدث قبل تحوّل النبر إلى موقع استهلال الكلمة (position initial - word). تتيح هذه الفرضية القول إنّ ورودات d (التي متى وقعت بين صائتين ربما كانت صوتًا احتكاكيًا مجهورًا (fricative voiced) ينطق مثل th الإنكليزية التي نصادف في لفظ brother)، يتعيّ أن تفسر بموجب القانون التالي: المهموسات المنفوثة الناتجة عن قانون غريم (h , th , f) لا تتغير إذا كان المقطع السابق حاملً للنبر، وإلّ فإنها تكون مجهورة (مثل g , d , b على التوالي كما في القوطية: fadar). سيحدث تطوّر مهمّ خاصة حين سيلتفت إلى الظواهر لا بوصفها حصيلة سيرورة تحوّل تقتضي التحقيب، بل كيانات علاقية تنتمي إلى منظومات محكومة بمبادئ خاصة. كان هذا أولً في الاقتصاد ثمّ انتقل إلى الدراسات اللغوية على يد دي سوسير الذي انتبه إلى قضية التحليل التاريخي في علاقته بالموضوع. فإذا نحن نظرنا إلى اللغة بوصفها نظامًا نحويًا أو لسانيًا لا يكون ولا يُتصوّر إلّ ثابتًا أي حالة، لا بوصفها فعلً كلاميًّا أو خطابيًّا مشروطًا بمحددات زمنية وتاريخية، فإنّ مسألة الزمن والتحقيب ستصبح غير مهمّة بحكم أنّ عامل الزمن والتحوّل التاريخي سيُعَدّ غير حاسم في فهم بنية اللغة. كانت هذه إحدى الأفكار المحورية في كتاب دي سوسير "محاضرات في علم اللغة العام" حيث ستوجّه العناية إلى مفهوم الحالة السنكرونية، بدل تعقّب مظاهر التحوّل التاريخي لفهم قوانينه. لم تكن هذه اللحظة علامة فارقة في اللسانيات فحسب، بل يمكن القول إنها غيّت أيضًا وَعْينا بعلاقة موضوعات العلوم بالزمن. ففي الفصل الثالث من القسم الأول من كتاب "محاضرات في علم اللغة العام"، يفرّق دي سوسير بين نوعين من العلوم: علوم لا يؤثّر انتقالها من المقاربة التاريخية إلى المقاربة التزامنية (synchronic) في طبيعة موضوعها من ذلك مثلً علم الفلك. فقد لاحظ المشتغلون بهذا العلم أنّ الكواكب تخضع لتغييرات ملموسة، ومع ذلك لم يفكر أحد في تقسيم هذا العلم إلى تخصصين: تخصص يدرس تاريخ التحولات
التي تعتري الكواكب، وآخر يركز على دراسة حالتها القارة. يصدق التحليل نفسه على الجيولوجيا التي تشتغل على تعاقب الحقب الجيولوجية وتدرس الحالات الثابتة من دون أن تنشطر إلى علمين. لكن هناك علوم يؤدي إدخال البعد الزمني في تحليلها للظواهر إلى تغيير جذري في موضوعها، ما يحتّم انشطارها إلى علمين مستقليّن. من ذلك مثلً علوم الاقتصاد، بخلاف العلوم الأخرى، تنقسم إلى فرعين منفصلين وهما الاقتصاد السياسي وتاريخ الاقتصاد. ويبدو أنّ اللسانيات يجب في نظر دي سوسير أن تدرك ضرورة انشطارها إلى علمين: علم يعدّ الموضوع خارج الزمن، وآخر يعالجه في بعده التاريخي التعاقبي. تشبه اللسانيات التزامنية علم الاقتصاد السياسي لأنّ العلمين معًا يشتغلان بمفهوم القيمة، والعلمان معًا معنيان بنسق التكافؤ بين أشياء من طبيعة مختلفة. في الاقتصاد ينبني التكافؤ بين العمل والأجر، وفي اللسان بين الدال (الصورة الصوتية) والمدلول (الصورة الذهنية)، ففي كلتا الحالتين نربط بين شيئين مختلفين. في كتاب "حب اللغة" (978 1) يثير مؤلّفه جان كلود ميلنر مسألة في غاية الأهمية، تضع دي سوسير في سياق الاستمرارية لا القطيعة مع لسانيات القرن التاسع عشر: لسانيات المقارنة والتاريخ. ذلك أنّ مسعى دي سوسير لم يكن في أي لحظة يتمثّل بسحب بساط الشرعية العلمية عن اللسانيات التاريخية، الأمر الذي فعله تشومسكي تجاه البنيوية والسلوكية في سياق تأسيسه اللسانيات التوليدية. وفي محاضرات دي سوسير تبرز للقارئ المتأني خلفيتان: خلفية الفلسفة الكانطية التي تمدّ صاحب المحاضرات بتصوّره لما يجب أن يكون عليه العلم، أي تصوره لمثال العلم (Science la de Idéal) القائم على فصل ظواهر الأشياء عن الأشياء في ذاتها، فاللغة هي الشيء في ذاته واللسان هو الظاهرة، الصوت المادي هو الشيء في ذاته والظاهرة هي الفونيم، الفكرة أو المعنى هي الشيء في ذاته والمدلول هو الظاهرة. أمّا الخلفية الثانية فتبرز من خلال إقراره أنّ اللسانيات الموجودة، والتي يتعيّ تأسيسها هي تلك المتماهية مع النحو المقارن، التخصص الوحيد الذي مارسه دي سوسير. لكنه سيكتشف، في عرضه الشروط العامة التي تسمح بوجودها، أنها ليست الصيغة الوحيدة الممكنة للسانيات علمية. بتعبير آخر، إذا كانت مفاهيم مثل اللسان، والدليل والاختلاف، ضرورية للانخراط في إعادة بناء الهندوأوروبية أصلً تاريخيًا يتيح إضاءة التحول التاريخي لمؤسسة اللغة، فإنّ لها بعدًا أعم وطاقة استكشافية تتيح استشراف سواحل جديدة. التركيز على السواحل الجديدة هو ما جعل الباحثين يظنون أنّ دي سوسير في محاضراته يؤسس علمًا جديدًا غير مسبوق. لكنّ الفحص المتأني يكشف خطأ هذا الظن، فالمتأمّل لتاريخ اللسانيات يتبيّ له بوضوح أنه لا يوجد في اللسانيات التي ظهرت بعد دي سوسير، وخصوصًا فنولوجية تروبتسكوي، أمرٌ لم يوجد قبلً في لسانيات النحو المقارن. يتمثّل الجديد بأنّ دي سوسير، عبر دفاعه عن مشروعية لسانيات لازمنية (سانكورنية)، يقدّم أطروحتين: أولاهما أنه لا ينكر دور الزمن في التأثير في الأشياء، فليس ثمة ما يمنع فعلَ الزمن من أن يطال اللغة، ثانيهما أنه سيَعُدّ، في الوقت ذاته، أنّ الزمن لا يؤثّر في اللسان إلّ من خلال اتصاله بالكتلة المتكلمة (parlante masse). ولتوضيح الفكرة علينا أن نراجع الفصل الثالث من محاضرات دي سوسير ونستحضر بعض التعريفات الأولية التي تقوم عليها نظريته: ميز دي سوسير عنصرين داخل اللغة: اللسان والكلام. فاللسان هو اللغة ناقص الكلام، وهو مجموع العادات اللسانية التي تمكّن من الفهم والإفهام. هذا التعريف للسان يتركه خارج واقعيته الاجتماعية، إذ يجعل منه شيئًا غير واقعي، مادام أنه لا يشمل سوى مظهر من مظاهر الواقع، ونعني به المظهر الفردي. نحتاج لمفهوم الكتلة المتكلمة لنحصل على لسان (لأنه لا يوجد تامًّا إلّ في الكتلة المتكلمة) أي إنّها الشرط الضروري لوجوده. وخلافًا لما توحي به المظاهر الخادعة ليست هناك لحظة يكون فيها اللسان مجرّدًا من صبغته الاجتماعية،
لأنه ببساطة ظاهرة سيميولوجية، وتعدّ طبيعته الاجتماعية من مجمل خصائصه الداخلية. وهكذا فإنّ التعريف الشافي والكافي للسان لا يتحقق إلّ بربطة بالكتلة المتكلّمة. ضمن شروط مثل هذه يكون اللسان قابلً للحياة لا حيًّا، لأننا لم نراعِ سوى البعد الاجتماعي ولم نول عناية للبعد التاريخي. بمعنى أنه لا يمكن إدخال بعد الزمن في اللسان بمعزل عن ارتباطه بالكتلة المتكلمة. فإذا نحن اعتمدنا اللسان في الزمن، من دون الكتلة المتكلمة، ربما لن نلحظ أي تغيير، لأنه، أي الزمن، لن يقوى على التأثير فيه. وإن نحن اعتمدنا الكتلة المتكلمة من دون الزمن، فإننا لن نلمس أثر القوى الاجتماعية وهي تؤثّر في اللسان. لنكون في قلب الواقع يجب النظر إلى العناصر الثلاثة في الآن نفسه: اللسان والكتلة المتكلمة والزمن. وفي هذه الحالة يغدو اللسان مقيّدًا، غير حرّ، شأنه شأن جميع المؤسسات الاجتماعية لأنّ الزمن سيتيح للقوى الاجتماعية الفاعلة تطويرَ آثار فعلها فيه في حدود لا تؤثّر في وظيفته الاجتماعية، ونصل بذلك إلى مبدأ الاستمرارية الذي يلغي الحرية. لكنّها أي الاستمرارية تستلزم بالضرورة التغيير، أي تعديل العلاقات داخل اللسان. ممّا لا شك فيه أنّ هذا التحليل قد أسس اللسانيات الحديثة. ومهّد لعصر البنية بوصفه عصرًا لم يعد يحفل بالرؤية التاريخية التي تنظر إلى الظواهر، موضوعات البحث، في سياق تحولاتها التاريخية. هذا العصر بقدر ما كان واعدًا بناء على قرائن التقدم المبهر في فنولوجية مدرسة براغ كان أيضًا مخيّبًا بسبب فشله في تحقيق مبتغى دفين وهو أن يكون منطلقًا لبناء نماذج للمعقولية صالحة للعلوم الإنسانية. لا أحد يشكك الآن في أفول عصر البنيوية، حتى في معقلها الأصلي الذي هو اللسانيات التي لم تحتفظ من الإرث النيوي إلّ بخصيصة السنكرونية، واضعة إياها في سياق العلوم المعرفية. وهو سياق إشكالي مختلف جذريًّا عن سياق المنشأ. ضمن هذا السياق المعرفي سيغدو الزمن المهم هو زمن الاكتساب، أي زمن الانتقال من الحالة المعرفية الأولى التي تمثّل للمعرفة النحوية الفطرية إلى الحالة المعرفية القارة أي النحو الخاص. وهو نحو يبلوره الطفل بفضل تفاعل التجربة التي يتعرض إليها مع النحو الكلي، أو المبادئ المسبقة الفطرية للملكة اللغوية. على هذا النحو نعود إلى العقلانية التي طالما ناهضها كل من المشتغلين بالتاريخ وبالبنية.
حيدر سعيد
تحقيب التابع
إنّ إنتاج السرد التأريخي - بكل تأكيد - لا يقتصر على المؤرخين والمشتغلين بالكتابة التأريخية، وهو ليس عملً أكاديميًّا مختبريًّا، بل إنه عمل يساهم فيه المخيالُ الاجتماعي، والخطاب السياسي، والتنشئة الاجتماعية، والإعلام، والمناهج الدراسية، وغير ذلك. ويتضمن كلُّ سرد تأريخي تقطيعًا ما للزمن. ومن ثمّ، ليس التحقيبُ التأريخي تصنيفًا علميًّا فحسب، بقدر ما هو شكل من أشكال التمثلّات الاجتماعية للزمان، والتأريخ، والماضي، والذاكرة، والأحداث، والتطور. غير أنّ السجال في التحقيب الذي شهدته العقود الأخيرة، مع وعيه بهذه المصادرات السالفة، هو - في الحقيقة - سجال في "منطقيّة" التحقيبات التأريخية، ومن ثمَّ علميتها ووجاهتها النظرية؛ بمعنى أنّ السجال في التحقيب التأريخي، مع وعيه بخضوع عمليات التحقيب للمخيال الاجتماعي، يحصر النقاش في التحقيب بوصفه عملً أكاديميًّا. وفي الحقيقة، ثمّة منطقة قد تكون مشتركةً، ما بين التحقيبات الناتجة من تصورات اجتماعية، والتحقيبات الأكاديمية، أو بالأحرى، قد تكون التحقيبات الأكاديمية خاضعةً للتصورات العامة، وليست منفصلةً عنها. ولعل جزءًا أساسيًّا
من التحقيبات (أو أشكال تمثيل الماضي)، بما في ذلك الشعبية أو العامة، يُبنى على "تحولات بنيوية"، أو "قطائع" بحسب غاستون باشلار، وميشيل فوكو أيضًا. فعلى سبيل المثال، عندما نضع سنة 921 1 حقبةً جديدةً في تأريخ العراق الحديث، فإنّ ذلك بسبب حدوث تحوّل، مع هذا التأريخ، في البنية السياسية؛ بنية الحكم وممارسة السلطة. المشكلة أنّ المخيال العامّ (ويتبعه النتاج الأكاديمي) يربط بهذا التحول سائرَ البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. بمعنى أنه لا يستطيع تمييز تداخل البنى (وكذلك الأكاديميون أيضًا)، بما أنها مجردة وغير مرئية. فينبنى، في المخيال الاجتماعي، تصوّرُ أنه مع تحول البنية السياسية، تحدث تحولات بنيوية، اجتماعية واقتصادية وثقافية، ومع قيام دولة حديثة في العراق، تغيرت البنية العشائرية، على سبيل المثال، وبدأت حقبة جديدة في الخطاب الديني، على سبيل المثال مرةً أخرى، وما إلى ذلك، وهي أمور قد لا تكون صحيحةً بالضرورة. وهنا، يبدو التحقيب إشكاليًّا: حين يعجز المشتغل بالحقل العلمي عن الإبصار بالبنى المجردة وتمييزها.
التحقيب والمركزية الغربية
إنّ الإشكال الأكثر أهميةً للتحقيب التأريخي، في تصوّري، هو إشكال آخر. فحين بدأتُ في زيارة أوروبا، منذ نحو عشر سنوات أو أكثر قليلً، لفت نظري، من بين أمور عديدة، ولا سيما في الزيارات التي كانت تحدث في فصل الخريف، أنّ صورة الخريف التي نتداولها (صورة الأشجار والشوارع والطرقات المملوءة من الأوراق الصفراء) هي صورة أوروبية، أكثر منها صورةً كونيةً. فهي صورة غير موجودة (على هذا النحو المكثّف، على الأقل) في المنطقة التي فيها وُلدت ونشأت، وإليها أنتمي؛ أعني منطقة المشرق العربي، أو الشرق الأوسط. أقول هاتين العبارتين "المشرق العربي"، و"الشرق الأوسط" بحذر، لأنهما خاضعتان لرؤية خاصة للتقسيم الجغرافي، وهما مرتبطتان بنزعة "مركزية أوروبية". ومرة أخرى، أستعمل بالحذر نفسه مفهوم "المركزية الأوروبية". فهو كذلك أداة تحليلية أوروبية، أطلقها مفكرون نقديون أوروبيون، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ووقع تحت تأثيره أجيال من المثقفين العرب، منهم - وربما في صدارتهم.- جيلي ولكن، لا مناص، في هذا السياق، من استعمال هذه الأداة التحليلية. غير أنني أردت، من خلال هذه المفاهيم المتداخلة، أن ألمّح إلى موضوع علاقتنا بالمعرفة الغربية التي أجد أنها في جوهر هذا النقاش. فمتى تبدأ هذه المعرفة؟ ومتى تنتهي؟ ومتى تكون معرفةً كونيةً؟ ثمّ متى تكون معرفةً محلّيةً محكومةً بعملية منهجية من أجل كَوْننَتها بطريقة قسرية؟ لن أفصّل في الطابع الإشكالي لهذه العلاقة، ولكنني أجد أنّ التلميح لها أكثر ممّا هو ضروري. وفي الحقيقة، خضع تقسيم العالم، أو مفصلته، أو تقطيعه، الجغرافي والتأريخي، أو الزماني والمكاني، إلى نظرة مركزية أوروبية. ولعل الإشارة إلى صورة الخريف الأوروبية محاولة للكشف عن هذه النظرة. فحتى تقسيم الفصول الأربعة يخضع لنزعة مركزية أوروبية، أكثر من خضوعه لتقسيم طبيعي فيزيائي كوني. ولعل دراسةً مفصّلةً لطريقة تقسيم أزمنة السنة، في الثقافات اللاغربية، ما قبل عولمة قيم الثقافة الغربية، ستكشف أنّ لهذه الثقافات طرقًا أخرى في التقسيم. فالقرآن - مثلا - يتحدث عن فصلين هما الشتاء والصيف؛ وذلك من خلال الآية ﴿إِيلَفهِمْ رِحْلةَ الشّ تَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، وقد وردت كلٌّ من كلمتي "الشتاء" و"الصيف"، في القرآن، مرةً واحدةً، مجتمعتين، في سورة "قريش"، في حين لم يستعمل القرآن كلمتي "الربيع" و"الخريف". وقد ظل تقسيم السنة إلى فصلين كبيرين، هما الشتاء والصيف، أمرًا سائدًا في الثقافة
الشعبية في المنطقة إلى هذه اللحظة، فضلً عن الحديث عن حقبٍ أكثر تفصيلً. وإذا كانت بعض الثقافات المجاورة تحتفل بقدوم الربيع، في 21 آذار/ مارس، وهو احتفال ذو أصول زرادشتية، فإنّ العرب لم يعرفوا مثل هذا الاحتفال. ومن جانب آخر، يقول ابن منظور حين يتحدث عن التقسيم الرباعي لفصول السنة: "إنّ العرب يجعلون السّنة ستّة أزمنة" (مادة: خ، ر، ف).
إعادة تقطيع التأريخ العريب وفق هياكل غربية
لا شكّ في أنّ الوقوع تحت تأثير المركزية الأوروبية يُمثّل جزءًا من ملمح عامّ وأساسي في الثقافة العربية الحديثة، بل في الثقافات اللاغربية على نحو عامّ. غير أنّ هذه المركزية، في التحقيب التأريخي، لم تُنتج تحقيبًا منقولً نقلً حرفيًّا. ففي الحقل المسمّى "التأريخ العامّ" (والحقل والتسمية أنفسهما خاضعان لمركزية أوروبية. ولعله من المهمّ، في هذا السياق، دراسة مصادر التصور المتمثّل بوجود تأريخ كوني عامّ وموحّد، بدلً من وجود تواريخ خاصة ومختلفة)، وباستثناء "التسليع" الأكاديمي الذي أنتج مناهج ومقررات دراسيةً تنقل، نقلً حرفيًّا، تقسيم التأريخ العامّ إلى ثلاثة عصور كبرى، هي: العصر القديم، والعصر الوسيط، والعصر الحديث، أخذت الثقافةُ العربية هذه الثلاثية، وأعادت تقسيم المادة التأريخية العربية (أو الإسلامية في هذا السياق)، وفقًا لها، فتحدّثت عن ثلاث حقب، هي: الحقبة القديمة؛ وهي الحقبة الممتدة من نشوء الإسلام إلى سقوط بغداد سنة 656 للهجرة، وأدمجت فيها حقبة ما قبل الإسلام (عدّتها النظرةُ الأيديولوجية القومية العربية للتأريخ العربي تمهيدًا لحقبة الإسلام، وتحفّظت في التسمية القرآنية لها "الجاهلية"، بوصفها تتضمن معنىًانفعاليًّا يحطّ من شأن العرب قبل الإسلام). الحقبة ما بعد سقوط بغداد إلى العصر الحديث؛ وهي حقبة تناظر "العصر الوسيط" في التقسيم الأوروبي للتأريخ العامّ، من جهة أنها حقبةُ انحطاطٍ وتخلّفٍ. وما عدا هذا التقسيم، أهمل التأريخُ العربي المدرَّس، في المناهج والمقررات الدراسية هذه الحقبةَ، إهمالً شبه كلّ، على نحوٍ جعلها أشبه ما تكون ب "الثقب الأسود" في التأريخ العربي. الحقبة الحديثة التي تبدأ مع ما يسمى "النهضة العربية الحديثة"، في مناظرة للنهضة الأوروبية؛ وهي نهضة يُؤرَّخ لها بتعرُّف العرب الحداثةَ الأوروبية. ويُؤرَّخ لهذا التعرّف نفسِه بالحملة الفرنسية على مصر وما أعقبها من قيام دولة محمد علي باشا في مصر مطلع القرن التاسع عشر. وفي الحقيقة، يمثّل هذا التحديد شكلً آخر من أشكال المركزية، وهي مركزية فرعية، تعمّم التأريخَ المصري الخاص بوصفه الملامح العامة للتأريخ العربي. ولكن، حين تعرَّفت مصر الحداثةَ في مطلع القرن التاسع عشر، لم يكن للعراق، أو بلاد الشام، أو الخليج والجزيرة واليمن، أو المغرب العربي، أو السودان، تعرّفٌ للحداثة بعدُ. وربما كان لكلّ منطقة من هذه المناطق تأريخها الخاص، وتعرّفها الخاص للحداثة. فالعراق، مثلً، لم يتعرّف الحداثة إلا مع الكولونيالية البريطانية التي أفضت إلى تأسيس دولة حديثة فيها، أنموذجُها مقتبسٌ من الحداثة السياسية الأوروبية. هذا يعني أنّ العرب لم يستطيعوا إبداع منطق لتقسيم تأريخهم غير هذا التقسيم: عصر كلاسيكي مجيد، ثم عصر انحطاط وتخلف، ثم نهضة من جديد.
التحقيب داخل حقول المعرفة
لا ينفصل التحقيب داخل حقول المعرفة العلمية عن منطق التابعية للمركزية الأوروبية. والمثال الذي سأستعمله، في هذا السياق، هو تقسيم التأريخ الأدبي العربي، وقد اشتغلت به منذ سنوات عديدة.
فالتأريخ الأدبي العربي على النحو الذي يجري تعليمه في الأقسام والكليات المتخصصة، يُقسَّم بحسب العصور السياسية. فعصوره هي: الأدب الجاهلي، ثمّ الأدب الإسلامي، والأدب الأموي، والأدب العباسي، وأدب العصور المظلمة، ثم الأدب الحديث. وهذا يعني أنّ التأريخ الأدبي العربي لا يعتمد ثلاثيةَ التأريخ العامّ المذكورة آنفًا فقط، بل إنه يعيد تقسيم العصر الكلاسيكي بحسب الحقب السياسية. ويستند هذا المنطق في التقسيم إلى الاتجاه الذي كان سائدًا في حقل التأريخ الأدبي في فرنسا أواخرَ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين (هيبوليت تين Taine Hippolyte - غوستاف لانسون Lanson Gustave)، وقد أخذه بعضُ الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في فرنسا في الربع الأول من القرن العشرين، في أثناء سيادة هذا الاتجاه النظري في التأريخ الأدبي (تقسيم التأريخ الأدبي بحسب الحقب السياسية)، وتبنّوه، ثمّ اعتمدوه في مناهج التعليم في الأقسام والكليات المتخصصة، حين تولّوا مناصبَ قرارٍ أكاديمي بعد عودتهم. إنني أتحدث عن طه حسين الذي أحسب أنه يرجع إليه تبني نظرية التأريخ الأدبي الفرنسية، واعتمادها لتقسيم حقب التأريخ الأدبي العربي، ثم اعتماد هذا التقسيم للتعليم الأكاديمي. ومن ثمَّ نقلت عنه الجامعاتُ العربية التي لم تكتفِ بمرجعية خارجية غربية، بل اتخذت مرجعيةً ثانويةً هي المرجعية المصرية. وهذا يظهر في أمور كثيرة، منها مثلً: تجميع حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية في مجمّع واحد يحمل اسم "كلية الآداب"، ومنها الجمع بين حقلي القانون والعلوم السياسية، ونحو ذلك. لقد تعرض ذلك التقسيمُ إلى نقدٍ، حتى داخل أواسط المشتغلين العرب بالتأريخ الأدبي. فالأدب (والفن عمومًا) لا يتغير بالتغير السياسي، والبنيةُ الفنية لا تتبع البنيةَ السياسية في التغير. فذلك التقسيم، إذن، هو أحد مظاهر عدم القدرة على إبصار البنية الأدبية وتمييزها. وحتى مع تعرُّف الثقافة العربية البنيويةَ، في النظرية والنقد الأدبيين، منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي نظرية تُفسّ أدبيةَ الأدب على أساس شكلاني محض، لم يتمّ إنجاز تأريخ أدبيّ شكلاني، يعيد تحقيب التاريخ الأدبي العربي بحسب بُناه الشكلانية، ويمكن أن يرفض - مثلا - أنّ الشعر الجاهلي ينتهي بمجيء الإسلام، بل يمكن أن يتحدث عن أنّ نمط الاستعارة Metaphor الجاهلية لا ينتهي إلا مع لحظة أبي تمام، في مطلع القرن الثالث للهجرة، حين غيّ نمط الاستعارة الشعرية. وهذا التقسيم - بكلّ تأكيد - لا يَعبُ فقط الحقبَ السياسية التي لا تمتثل لها الأشكالُ الأدبية، بل تعبرها وتتجاوزها، بل إنه يَعبُ كذلك الموضوعات والبنية الثيميّة. وفي النتيجة، ظلّ التأريخ الأدبي العربي - إلى هذه اللحظة - يُدرّس بحسب تقسيمه إلى الحقب السياسية. ولكنْ ثمّة من يجادل في أنّ التحقيب الشكلاني، أو أيّ أنماط أخرى للتحقيب، قد تكون صالحةً للنقاش النقدي المتخصص (وليس للتعليم الأكاديمي)، غير أنه من المُؤكَّد أنّ تاريخًا أدبيًّا يُعلَّم على هذه الشاكلة سيُسِّخ لدى المتعلم أنّ أدبية الأدب لا تتحقق - في واحد من مستوياتها على الأقل - من خلال بناه الشكلية، وليس فقط أنّ للأدب تأريخًا موازيًا للتأريخ الاجتماعي، بل إنه يتغير بحسب التغيرات السياسية. وعلى الرغم من أنّ معارضة التأريخ الأدبي اللانسوني بالتأريخ الأدبي الشكلاني لن يخرج بالمشتغلين العرب عن حدود النظريات الغربية، فإنه يبدو أنّ التأريخ اللانسوني سهلٌ وقابل ل "التسليع" الأكاديمي، في حين أنّ التاريخ الشكلاني في حاجة إلى إبداع استثنائي. وهو ما لا يستطيعه التابع الذي خلّفت فيه التابعيةُ كسلً عقليًّا، وتركته خارج دائرة الإبداع. إنّ هذا المقالة تقوم، في الحقيقة، على إيراد أمثلة مختلفة للتابعية. لكنْ من المهم أيضًا أنّ نقد هذه التابعية لا يتضمن إشارةً إلى إمكانيةِ منطقٍ خاص للتفكير خارج المنطق العالمي (وينبغي له ألَّ يتضمن ذلك)، ولكن العالمية - كذلك - ينبغي ألَّ تعنيَ أنه ليس ثمّة طريقة أخرى في التفكير غير الطريقة الغربية.
إنّ العالمية تعني إيمانًا عميقًا بأننا (نحن وتراثنا وتأريخنا) جزء من العالم وتراثه وتأريخه، وفي الوقت نفسه، تعني تحررًا من قيود المركزية التي تريد أن تفرض أحاديةً في التفكير. والعالمية لا تتنكّر، ولا تُنكر الدورَ العظيم والاستثنائي الذي اضطلعت به الحضارة الغربية الحديثة، ولكنها تريد أن تدمج فيها، ومعها، إمكانات أخرى. وكما كان على المشتغل بالمعرفة أن يبصر ويميز البنى المجردة، يبدو أنه عليه أن يميّز الآن - وربّما أكثر من أيّ وقت مضى - متى تكون المعرفةُ الغربية ذاتَ مضمون مركزي أحاديّ، ومتى تكون عالميةً كونيةً.
أيمن أحمد الدسوقي
الزمن الثقايف وترجمنية التحقيب
بالنظر إلى تخصصّي بالأدب المقارن، كنت أفكّر في طبيعة العلاقة بين إشكاليات التاريخ الأدبي وإشكاليات التاريخ العامّ في ما يخص التحقيب، ولا سيما في سياق المناظرات والسجالات والجدالات في مجال الأدب العالمي وتحت ما يعرف ب "ما لا يتُرجَم تحقيبيًا"Periodization of Untranslatables. فعلى سبيل المثال، هناك إشكالية تحديد نشوء الرواية في مختلف الآداب العالمية، وتكمن الإشكالية بطبيعتها في فكرة "النشوء" نفسها كما تكمن في إشكالية فهم "الرواية" بوصفها جنسًا أدبيًّا يُشكّل قمّة تطور الممارسات السردية. وهذا المثال لا يدلّ على إجحاف فكري ومعرفي بمفهوم الزمن في الثقافة الأخرى فحسب، ولكن أيضًا بالخصوصية الفنية والثقافية للممارسات السردية. هذا إلى جانب إشكاليات الخلاف حول بدء ظهور الرواية في شكلها الحديث وأوّل رواية. فالخلافات في أوّل رواية عربية مازالت قائمةً. وكلّ هذه الإشكاليات إنما هي من تداعيات اللّبس المعرفي لطبيعة "الحداثة" وعلاقتها بمفهوم "الزمن" في الأدب وفي التاريخ على حدّ سواء. وعلى اختلاف الممارسات وتاريخها، يذهب عدد كثير من مؤرخي الأدب إلى أنّ الرواية نشأت تقريبًا في الوقت نفسه في الأدب الياباني وفي الأدب الكوري وفي الأدب العربي، في بدايات القرن العشرين، ولكن هذا لا يعني أننا يمكن أن نترجم سياقات هذا النشوء وتاريخ الممارسات السردية معرفيًّا كظاهرة تحقيبية؛ أي إنّ هذه المقاربات ومثيلاتها لا تفيدنا معرفيًّا في ما يخص طبيعة الممارسات الفنية والجمالية من ناحية الظاهرة الأدبية. أمّا من ناحية الفكر الزمني أو التزمين، فكلّنا يعرف ما يُسمى عصر النهضة في القرن الثامن عشر في أوروبا وما يُعرف بالنهضة في التاريخ العربي الحديث، وكلّنا على علم بإشكاليات هذا المصطلح وكيف أنه يؤدِّي، بالضرورة، إلى "تأخر" النهضة العربية في الظهور (علاوةً على تحديد هذا الظهور جغرافيًّا في مناطق المشرق العربي من دون غيرها). وتتفاقم تداعيات هذه الإشكالية ما إن نبدأ في تفحّص إشكاليات الفهم الاصطلاحي النهضوي وما استتبعه من تحقيبٍ للتاريخ الفكري والثقافي في المنطقة. فمن خلال نظرة مقارنة بين التاريخ العامّ والتاريخ الأدبي من ناحية مفاهيم التحقيب وممارساته، تظهر معظم الإشكاليات التي ناقشناها. فمثلً في مقابل فكرة "الحدث التاريخي" أو "الظاهرة التاريخية"، يجرى طرح "الممارسة الأدبية" أو "النصوصية" بديلً في
مجال الأدب المقارن، وحتى نخرج من تحديدات النص الأدبي، أو الأجناس الأدبية، أو الأنواع الأدبية التي فرضتها منهجيات التأريخ الأدبي كمقابل للحدث أو الظاهرة. وعندنا فكرة السلالات وما يقابلها ضمن ما يُعرف ب "العبقريات" أو فكرة "التفريد" التي نقوم على أساسها بتحقيب الأدب أو الإنتاج الأدبي في ثقافة ما، أو في الثقافة العربية، حول شخصيات بعينها مثل عنترة، أو المتنبي، أو نجيب محفوظ، أو عبد الفتاح كيليطو في المغرب، وهكذا. هذا إلى جانب الإشكالية الرئيسة المتمثّلة بتحقيب الأدب بحسب التاريخ السياسي؛ إذ تتبع الظواهر والممارسات الأدبية فترات الحكم السياسي (مثلما هو الشأن في "الأدب الأموي")، إضافةً إلى أفعال التحقيب الفاصل تاريخيًّا ومعرفيًّا على غرار فكرة "الجاهلية" التي لا تزال تهيمن على الفكر العربي. لا شكّ في أنّ الإشكالية في الفهم التحقيبي هي في أساسها إشكالية معرفية لكنّ ما يجرى طرحه الآن تحت إشكاليات "ما لا يتُرجَم"Untranslatability هو ضرورة تحديد طبيعة هذه المعرفة بطريقة التأويل المقارن. فالمشكلة لا تكمن فقط في العنف المعرفي الذي يسعى لتطبيق فكرة اللحظة الحاضرة كلحظة مؤسسة للفكر التاريخي (كما تحدّد في القرن التاسع عشر في ألمانيا) وهيمنة فكر الحداثة. وكما رأينا، فإنّ إشكالية تطبيق مفهوم اللحظة الحاضرة على تاريخ ثقافة أخرى أو على فهمها للزمن ولعلاقتها بالماضي (وهي أيضًا علاقة مستقبلية) تتجلى بوضوح في كثير من مداخلات الزملاء. سوف أركّز، في ما بقيَ من هذه المداخلة، في الإشكالية المعرفية من منحى تأويلي ترجماني، في ما يخص فعل التحقيب وموضعته في الزمن، وفي اللحظة التاريخية، أو ما يطلق عليه الجابري "الزمن الثقافي". فهذا الزمن كما يعرفه الجابري هو ذلك النظام اللاشعوري الذي يحدّد إمكان المعرفة من خلال أنظمة وطرائق ووسائل إجرائية. وهذا المفهوم في الحقيقة إنما هو إعادة توصيف لمفهوم "النظرة إلى العالم"، وقد ارتبط ظهوره بنشأة الفكر التاريخي في سياقات الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر. هذا الزمن الثقافي العربي، بحسب الجابري، لم يتشكل بعد. وسبب ذلك هو أننا نعيش في الثقافة العربية أزمنةً أو حقبًا منفصلةً لا تتأصل في وعينا في الزمن الحاضر على نحوٍ تتابعي أو تراكمي. فنحن نتحدث عن العصر الجاهلي والعصر الإسلامي عند القرن الثامن الهجري، ومعه يقف التأريخ الهجري ونفقد حقبةً كاملةً هي الحقبة العثمانية ثمّ عصر النهضة؛ إذ يبدأ التأريخ بالقرن التاسع عشر الميلادي. وهذا يأتي عكس التحقيب الأوروبي الذي يتشكّل في قرون متتالية تبدأ من القرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد، وتنتهي إلى اللحظة الحاضرة في تراتبية تاريخية ومعرفية. وفي الحقيقة، فإنّ هذا الافتراض التحقيبي المعرفي قد واجه نقدًا مستفيضًا بدءًا بأعمال الفيلسوف الألماني نيتشه، ومرورًا بالتحقيب الماركسي ونظريات فالتر بنيامين، ومؤخرًا تناوُل الفيلسوف الفرنسي آلين باديو لمفهوم "القرن" تحديدًا. تقترن إشكالية غياب هذا الزمن الثقافي الذي يحدّد منطق التحقيب بما يطرحه الجابري تحت إشكالية "تداخل الأزمنة الثقافية"؛ أي تعدّد منطق الحدث الممركز لفعل التحقيب من منطقة عربية إلى أخرى. فالعصور الثلاثة تبقى متزامنةً في الوعي العربي، وإنما ننتقل في المكان على حدّ تعبيره؛ إذ ننتقل في الوعي التاريخي العربي من الجزيرة العربية، إلى بغداد العباسيين، فإلى فاس وقرطبة (أي إلى الموحدين)، فإلى قاهرة الفاطميين ومصر - محمد علي ورفاعة الطهطاوي، وهكذا.
ويرى عبد الله العروي الأمر نفسه من حيث المبدأ؛ إذ يعرض خلال مناقشته لاقتراحات مارشال هودجسن صعوبة توحيد التاريخ الإسلامي. فلا نستطيع أن ننظر إلى حقبة الامبراطوريات الثلاث مثلً (العثمانية والفارسية والمغولية، 1500 - 800 1) من المنظور نفسه بين الآستانة والقاهرة ودمشق. وسواء تعلّق الأمر بمستوى الحدث السياسي أو مستوى الأسُر الحاكمة يتشكّل التاريخ الإسلامي في الوعي العامّ، بوصفه تاريخ أمّة وليس بوصفه تاريخًا متجزّئا. ومن جانب مفهوم اللحظة والزمن وضرورة إنتاج دراسات معمقة لمفهوم الزمن تحديدًا، إذا سلّمنا بأنّ التاريخ هو أيضًا، كما دار في النقاش، هو فعلُ الزمن وليس فقط نتاج الحدث أو الظاهرة أو السلالة. أمّا إذا قارنّا فهم التاريخ من منطلق مفهوم الفاعلين فيه، على ما طُرح في ورقة العمل، فإنّ تتبع فهم التحقيب كثيرًا ما يعود بنا إلى الأطر المعرفية للمحقّبين أنفسهم؛ ما يخفي دور الفاعلين على المستويات الاجتماعية الدنيا (حضور العامّة والجموع في التاريخ) كما يبخس دور الموضعة الاجتماعية للمحقّب كمبدأ معرفي. وهذه الإشكالية، في الحقيقة، بالنسبة إلى الفهم السائد للفاعلين في التاريخ، تنعكس أيضًا في التاريخ الأدبي الذي تحوّل إلى سجلات لتاريخ المثقف العربي ذاته ونشأته وتطوره، مع اعتماد ذكورية هذا التاريخ التكويني في أغلبه. فالتاريخ الأدبي مثلً، قام باستبعاد الأدب الشعبي والسيرة الشعبية؛ بسبب مركزية اللحظة الحاضرة كفكرة حداثية. وهذا يقابله، في رأيي، استبعاد للذاكرة الجماعية وتمثلّاتها في الاستمرارية الثقافية لتاريخ المجتمعات كمصدر تاريخي معرفي. وفي هذا السياق يمكننا أن نفرّق بين الذاكرة الجماعية (كما عرّفها موريس هالبواكس والذاكرة الثقافية (كما عرّفها كلّ من يان أسمان وبول كونرتونعلى سبيل المثال). فالذاكرة الثقافية هي مفهوم محدّد جدًّا في رأيي وأبعد من الذاكرة الجماعية؛ إذ إنها كثيرًا ما تعود إلى نحو 00 1 عام، لا أكثر. لكنّ الذاكرة الثقافية تعود إلى أبعد من ذلك، وهي ذاكرة تتأصل في ممارسات ثقافية جماعية، لغوية وغير لغوية، وتخرج على الذاكرة المؤسساتية التي هي بمنزلة السجلّ الرسمي للتاريخ، أو بالأحرى تتخارج عليها ظاهراتيًا؛ أي إنّ الموروثات الجماعية في اللغة المحكيّة وفي الأفعال والإشارات والممارسات الثقافية هي بمنزلة اللاوعي للتاريخ الرسمي "الواعي"، بحسب يان أسمان في تعريفه للعلاقة بين الذاكرة الثقافية والذاكرة المؤسساتية المدونة. وفي رأيي، شاهدنا الكثير من ذلك في السنوات الأخيرة، وفي تضاعيف الحراك الثوري منذ عام 2011. فقد قامت جموع الشعب في ميدان التحرير، على سبيل المثال، بتفعيل أشكال كثيرة للتعبير جرى استدعاؤها من الذاكرة الثقافية، وهو ما قمت بتعريفه في كتابي مؤخرًا تحت مفهوم "الأمارة" كممارسة متأصلة في الذاكرة الثقافية المصرية. وكان الهدف من ذلك هو محاولة فهم الطاقة التواصلية للعلاقات الجماعية ولاستدعاءات الذاكرة التاريخية وتداعياتها في لحظة حاضرة على نحوٍ إبداعي، بما أنّ اللحظات التاريخية توجد في مساحات مكانية تتحول إلى "اجتماع تعاوني" على حدّ تعبير المرصفي؛ وليس ذلك بفعل التحقيب الزمني، بل بفعل اللُّحمة
الاجتماعية. ثمّ إنّ الأمارات التي بدأت تتشكّل تلقائيًّا على مستوى الكلمة، والعبارة، والصور، وأشكال كثيرة من التمسرح للأفراد في تجمعات بعينها، وبالإشارة أو الذكر، أو بتفعيل سياقات تاريخية من حقب متعدّدة، وليست من الحقبة الواحدة، في النهاية تشكِّل كلّها جزءًا لا يتجزّأ من مفهوم الفاعلين يعتمد الذاكرة الثقافية والممارسة الثقافية كمادّة معرفية، وليس فقط كمادة خامٍ يتمّ تشكيلها من الباحث أو المؤرخ. عبد الأحد السبتي: شكرًا. إذن انتهت العروض ونبدأ النقاش.
القسم الثاين: مناقشات
محمد الطاهر المنصوري: أوّلً، ما لاحظته، من خلال مداخلات بعضهم في هذه الأمسية، هو الحديث عن الأزمنة. وفي البداية، ننظر إلى بروديل، نجد أنّه جاءنا بزمن "طويل" وزمن "متوسط" وآخر "قصير"، ثم هناك من أضاف زمنًا "بالغ الطول"؛ مثل إمانويل لوروا لادوري Ladurie Roy Le Emmanuel في كتابه فلاحو لانغدوك Les Paysans de Languedoc، ولكن ينبغي أن نعرف أنه ليس هناك زمن واحد بالنسبة إلى فترة ما. فهناك زمن التاجر، وزمن رجل الدين، وزمن الفلاح. وهناك كتاب طريف أشرف عليه جاك لو غوف Goff Le Jacques هو رجل العصر الوسيط L'homme médiéval. وفي هذا الكتاب هناك فصل مهمّ حول زمن التاجر وزمن الكنيسة، وكيف أنّ التجّار استطاعوا أن يزحزحوا زمن الكنيسة؛ ليستفيدوا من الزمن ويشغلوا عددًا أكثر من اليد العاملة. وهذه المسألة مهمّة جدًّا. ثمّ إنّ التحقيب ليس تاريخًا، وإنما هو عنصر مساعد لدراسة التاريخ. فإذا أخذنا المثال الذي ذكره الأستاذ مولدي في ما يتعلّق بما قبل الديك وما بعده، أو ما قبل الخروف وما بعده، ومثال الأستاذ إسماعيل عندما تحدث عن إضراب 972 1 وكيف تحصّل السجناء على حبّة "البندورة"، فإنّ التحقيب هو هذه الفواصل الزمنية؛ أي ما قبل 972 1 وما الذي حدث بعد 972 1. فهذه مسألة، لا بدّ من أخذها في الحسبان. وينبغي ألّ ننسى أنّ التحقيب هو اصطلاح ليس بأمر موضوعي، وأنّه اختيار. فأنت مثلً تختار إضراب 972 1، وأنا أختار حرب 967 1، وكلا الاختيارين خاضع لشروط معيّنة. وإنّ النقطة التي سأختم بها، أنّنا داخل هذا التحقيب ندرس الظواهر الاجتماعية وندرس الظواهر الاقتصادية. فمثلً، ما الذي تغيّ بالنسبة إلى الأسير بعد 972 1؟ فهذا الحدث هو محطة في الطريق، أو علامة مرور في الطريق. عبد الأحد السبتي: شكرًا. الكلمة للأستاذ الشويري. يوسف الشويري: أنا أريد البدء بمفارقة المصباحي بمعنى أنه نفى التحقيب، ثمّ قدّم تحقيبًا للمخيال، فهناك المخيال القديم اليوناني والإسلامي، والمخيال الحديث، ومخيال ما بعد الحداثة. ومن ثمّ، فإنّ هناك تحقيبًا للمخيال، وهذه مفارقة تستحق التسجيل وأنا أشكره، على كلّ حال، على هذه المساهمة، وكما قال الأستاذ الطاهر المنصوري، ينبغي أن يستفيد المؤرخون من غير المؤرخين، بمعني أنّ هذه الجلسة الأخيرة لم يساهم فيها المؤرخون، ولكنها كانت، في ما أرى، من أفضل الجلسات، بخاصة من الناحية النظرية ومن ناحية الفهم أيضًا. أنتقل إلى نقطة أخرى وأربط كلامي بما قاله الأستاذ مولدي بشأن المثال المتعلّق بالآخر بالنسبة إلى التحقيب، وما قاله الأستاذ إسماعيل حول الزمن الفلسطيني الذي يختلف كمًّا ونوعًا عن الأزمنة الأخرى؛ بمعني أنّ إسرائيل تلغي الطفولة الفلسطينية مثلً. ومن
ثمّ، فإنّ مرحلة طويلة من عمر الشخص لا يختبرها كما يختبرها الآخرون. وهناك أزمنة أخرى قد تلغيها إسرائيل أو تعدّلها أو تبدّلها. لذا، ينبغي أن ننظر إلى الزمن الفلسطيني بوصفه حالةً خاصةً ونسلّط الأضواء عليه. وبالنسبة إلى الكلام على دي سوسير، وأنا قد فُتنت بهذا اللقاء واللغة الجميلة التي أُلقيت بها المحاضرة، يخيّل إليّ أنّنا قد نلخّص دي سوسير في مفهومين؛ أحدهما "ديكرونيك" والآخر "سنكرونيك"؛ أي التوالد والتزامن. وأعتقد أنّ الورقة تدور حول هذين المفهومين. لكن هناك تعليق آخر مختصر جدًّا في ما يتعلّق بقول الأستاذ أيمن دسوقي؛ إذ ينبغي أن نستفيد ممّا قاله حول الذاكرة التاريخية، ونحن لم ننظر إلى هذه الناحية؛ أي إننا لم نهتمّ بالفرق بين الذاكرة التاريخية والتأريخ. فالذاكرة التاريخية علم مختلف كليًّا عن علم التأريخ، وهذه نقطة ينبغي أن نطوّرها، ونركّز فيها، ونستفيد منها مستقبلً. الأستاذ حيدر: مداخلتي هي بشأن ورقة الدكتور محمد بلبول، وأنا أتفق معه في قراءته لسوسير. فكتاب "محاضرات في علم اللغة العامّ" ليس دعوةً إلى اعتماد السنكرونية، بل بالعكس. فقد أراد سوسير أن يميز بين منهجيتين في دراسة اللغة، المنهج السنكروني والمنهج الديكروني، وثلث الكتاب هو محاضرات عن اللسانيات الديكرونية بالنسبة إلى من قرأ هذا الكتاب، وسوسر نفسُه يقول: أنا أريد أن أنتهي من التدريس في جامعة جنيف حتى أعود إلى ولعي الشخصي بالفيلولوجيا (النحو المقارن). لكنّ دي سوسير البنيوي، أو دي سوسير السنكروني - إن صحّ التعبير - هو صناعة حلقة براغ في بيانها الأول عام 928 1 في المؤتمر الدولي الأول للسانيات، وهو أمرٌ داخله أمرٌ سياسي بمعنى أنّ المؤتمرين هم منشقّون عن المعسكر الاشتراكي، وأرادوا أن يواجهوا فكر الحتمية التاريخية التي جاء بها الروس، وتروتسكي في كتابه حول الأدب والثورة يقول إنّ الفكر الشكلاني هو العدو الأول للثورة. لكن أنا ملاحظتي الأساسية هي أنّ اللسانيات لم تُشغل كثيرًا بقضية التحقيب. وأرى أنّ قضية اللسانيات التاريخية هي أمر آخر. ففعل اللغة بوصفها خاضعةً لتطور تاريخي، بحسب رأيي، أمر مختلف عن التحقيب. مشكلتنا مع التراث اللغوي العربي القديم هي افتقاد الوعى التاريخي، وهذا أنتج مجموعةً من المشكلات. نحن عندنا مشكلة اسمها المعجم العربي. فاللغويون العرب تعاملوا مع التراث 350 عامًا من عمر اللغة العربية كما لو أنها كانت مرحلةً زمنيةً واحدةً؛ لذلك هذا الإنتاج الضخم للمعجم العربي هو إنتاج عدم وعي بأنّ اللغة العربية هي في الحقيقة نتاج تطورات تاريخية، وليست مرحلةً زمنيةً معيّنةً. الأستاذ بلبول: أنا أتفق مع جاء في كلامك، لكنني أريد أن أثير مسألةً هي الطريقة التي أُلقي بها العرض والسرعة والقفز على بعض الأشياء. الفكرة هي أنّ اللسانيات التاريخية استبدلت مفهوم الحقبة بمفهوم الحالة State. وهذا الأمر أساسي بالنظر إلى طبيعة اللغة؛ لأنّ اللغة مفهوم حدّ بين الطبيعي والاجتماعي. فحينما تخوضُ في اللغة، تُعالج موضوعًا طبيعيًّا (مثل عالم الطبيعة) وفي الوقت نفسه تعالج موضوعًا اجتماعيًّا. وهذه "الازدواجية" هي التي جعلت الحقبة التي تظهر في العلوم الإنسانية كحقبة، وهي بالنسبة إلى اللسانيّ حالة. ونجد هذا عند تشومسكي الذي يأخذ مفهوم الحالة كحالة اجتماعية، كحالة أولى؛ وهي حالة النحو الكلّ. فهو يعدّ أنّ هذه الحالة هي حالة معرفية زمنية أنطولوجية، وليست افتراضًا، وهو لا يتحدث عن الحقبة، وعندما يتحدث عن عميلة اكتساب، فهو يميز بين حالة أولى، وحالة نهائية، ولا يعُنى بالحالات الوسطى. فطبيعة الموضوع، مفهوم الحقبة، يتمظهر عبر الحالة. الأستاذ مولدي الأحمر: إنّ التحقيب في رأيي، كأداة، هو التمثّل للزمن الذي يملؤه نشاطُ الفاعلين، بمن فيهم المحقّبون والطرفان؛ الفاعل والمحقّب المحترف لا يمكن لهما أن يكونا خارج الفعل؛ أي خارج الصراع، والفعل والصراع هما عمل تبادلي. وأنهي بقولٍ في موضوع "النكتة". فمن خلال وليمة الديك، بالنسبة إلينا نحن العرب، فإنّ المستعمر لم يستدعِنا إلى وليمة، بل جاء إلى بيتنا وذبح ديكًا من عندنا وأنشأ وليمةً موضوعها زمننا ووعينا، ومن الصعب أن تخرج من هذه العلاقة التي بُنيت في الأجساد والأشياء من
دون العودة إلى الفعل التاريخي؛ لأنّ العودة إلى هذا الفعل تعني إعادة ترتيب الزمن التاريخي، ونحن إلى حدّ الآن لا نستطيع أن نرجع ونعود في الفعل التاريخي، حتى المحلّ، وفي الربيع العربي، كتب أحد التونسيين التونسيون استعادوا الزمن في الربيع العربي. وينبغي أن تُفهم استعاده الزمن؛ أي استعادة الفعل والدخول من موقع الفاعل في التبادل لكي يُعطى معنى للزمن ويصبح للتحقيب مدلول جديد. ياسر سليمان: بشأن الكلام على الزمن لفت انتباهي كثيرًا ما قاله الأستاذ المنصوري في الصباح، وهو تحقيب الأحداث، تحقيب الظواهر، تحقيب السلالات. وإذا كان الزمن هو حسب الطبيعة، فهو يسير بطريقة واضحة، ولكن لا شكّ في أنّ زمن السجين هو زمن مختلف. فالأزمان مختلفة وهي كثيرة جدًّا. فإلى حد ماّ، بفلسفتنا للزمن، استخدمنا دبابةً في ضرب ذبابة. وسوف أنهي بأمر واحد، وقد كنت أودّ أن يأتيَ الأستاذ مولدي بمثال آخر، وهو بعد مضيّ عامٍ على أحداث سبتمبر 2001، سألني في بريطانيا أشخاص من البي بي سي BBC؛ وقد كانوا يستطلعون الآراء: هل تتذكر أين كنت في ذلك اليوم؟ قلت إنني أتذكر بالضبط، لكنني أتذكر بقوَّة أكثر كثيرًا وبحضور قويّ يوم الاثنين 5 يونيو 967 1، هذا طبعًا زمني أنا. أردت أن أقول إنّك طبعًا تستطيع أن تختار اللحظة الزمنية الحاسمة بالنسبة إليك. محمد بلبول: بالنسبة إلى الزمن الذي تحدّث عنه الأستاذ ياسر هو الزمن هو الذي يفسد الأشياء. فهناك زمن يتلف الأشياء، واللغة كائن يتعرض للتّلف على نحوٍ ما. وهذا التلف يظهر في بنياتها الصوتية، وفي بنياتها التركيبية، وهذا ربما هو الذي جعل الناس يتحدثون كيف أنّ الزمن له فعل النحت، فهو ينحت كالريح التي تنحت الصخور فتغير تضاريسها، وكذلك شأن الزمن في فعله تجاه اللغة، فهو يغيّ بنيتها وهذه المشكلة واجهها نحّاة القرن 9 1 ومازال الناس يواجهونها. فلماذا تتغير اللغة؟ لماذا لا تبقي اللغات على حال؟ وما الأشياء التي تثبت في اللغة؟ وماهي الأشياء التي تتغير؟ يقول تشومسكي إنّ اللغة لا تتغير، وإنّ ما يتغير هو في اللغة هو الصوت، وهذا الخطأ الذي ارتكبه التاريخيون حينما عدّوا أنّ الصوت هو اللغة. هذه هي الإشكالات المتعلقة بالزمن التي حاولت أن أثيرها. وقد كان دي سوسير مهووسًا بهذه الفكرة، على الرغم من قوله بوجود لسانيات ديكرونية وسنكرونية وأنه حدّد اللسان كحالة تزامنية، ولكنه بقي دائمًا يحاول أن يفسر العامل الذي يجعل اللغة تتغير. عبد الأحد السبتي: على الرغم من تشعّب الحوار والمداخلات، أظن أنّه كان هناك عمل منتج. لكن ثمّة تعقيب بسيط بشأن مستويات المداخلات والمناقشات. فالمستوي الأوّل هو التحقيب كوعي إبستيمولوجي؛ يعني أنّ المؤرخ يحاول أن يناقش التحقيب، ليعيَ إبستيمولوجيًّا ما يفعله وكيفية تعامله مع الزمن. إضافةً إلى القضية الإيستوغرافية التي أشرت إليها في الصباح، ثمّ الموضوع الأخير؛ أي قضية الزمن. وهذا يحيل كذلك على بعض ما أشارت إليه المداخلات، وعلى بعض النقاط المهمّة التي كانت حول المؤرخ وغير المؤرخ، وعلى حوارات نظرية مؤسّسة، من بينها مسألة الحوار بين جون يولفتس مع بروديل، وحوار ليفي ستروس Strauss - Lévi Claude حول البنية والحدث، وفي النهاية أعطي الكلمة للأستاذ بنحادة بوصفه منظمًا. الأستاذ عبد الرحيم بنحادة: الكلمة الأخيرة هي كلمة شكر لكم على تحملكم عناء اليوم الطويل، أعتقد أنّ هذه الندوة بلغت الأهداف المرجوّة على الأقلّ من خلال مستويات ثلاثة. المستوى الأول عرضت فيه للتحقيب كهاجس نظري لدى المؤرخ، فبحثت في أشكاله وبناءاته واستعمالاته. أمّا المستوى الثاني، فهو عندما عرضت فيه للتحقيب كممارسة في مجالات تاريخية محدّدة. وأمّا المستوى الثالث، أنها فتحت الشرفة لتطلّ على التحقيب/ التصنيف في مجالات الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية. مرّةً أخرى أشكركم على سعة صدركم، وأستغلّ هذه المناسبة لتوجيه جزيل الشكر لعزمي بشارة على رعايته لملتقيات مجلة أسطور وندواتها.
قائمة المصادر والمراجع
نظرات حديثة يف تحقيب تاريخ المغرب
المراجع العربية
تاريخ المغرب: تحيين وتركيب، محمد القبلي (مشرف)، الرباط: المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011.
السبتي، عبد الأحد وعبد الرحمان لخصاصي. من الشاي إلى الأتاي. العادة والتاريخ، ط 1، الرباط/ الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ سلسلة بحوث ودراسات رقم 25، مطبعة النجاح الجديدة، 999 1.
السبتي، عبد الأحد. بين الزطاط وقاطع الطريق. أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2009.
المراجع الأجنبية
حول الزمن التاريخي يف كتابة تاريخ فلسطين والفلسطينيين
أندرسون، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ثائر ديب (مترجم (، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
دوماني، بشارة. إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700 - 1900، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 998 1.
شوفاني، الياس. الموجز في تاريخ فلسطين السياسي منذ فجر التاريخ وحتى سنة 1949، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 996 1.
عمارة، محمد. إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين، القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 998 1.
الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 990 1.
المراجع الأجنبية
• Doumani, Beshara B. “Rediscovering Ottoman Palestine: Writing Palestinians into History,” Journal of Palestine
• Ra'ad, Bassem L. Hidden Histories: Palestine and the Eastern Mediterranean , London: Pluto Press, 2010.
• Tamari, Salim. Mountain against the Sea: Essays on Palestinian Society and Culture , Berkeley: University of
• Zammito, John. “Koselleck’s Philosophy of Historical Time(S) and the Practice of History,” History and Theory ,
• Rivet, Daniel. Histoire du Maroc: de Moulay Idrîs à Mohammed VI , Paris: Fayard, 2012.
Studies , vol. 21 , no. 2 (winter, 1992), pp. 5 - 28.
California Press, 2009.
vol. 43 (February 2004).
نماذج يف تحقيب التاريخ العثمني
تحقيب مفهوم الخيال
المراجع العربية
ابن رشد، أبو الوليد. تفسير ما بعد الطبيعة، موريسبويج (محقّق)، ط 2، بيروت: دار المشرق، 973 1. العامة للكتاب، 975 1.
ابن عربي، محيي الدين. الفتوحات المكية، بيروت: دار الكتاب، د.ت.
الشيرازي، صدر الدين. الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 999 1.. تفسير القرآن الكريم، قم: بيدار، د.ت.
المراجع الأجنبية
اللغة: من الحقبة إلى الحالة
المراجع الأجنبية
• Hammer-Purgstall, Joseph von. Histoire de l'Empire ottoman, depuis son origine jusqu'à nos jours, Paris: Impr.
de Béthune et Plon, 1844.
• Mantran, Robert. Histoire de l'Empire ottoman, Paris: Fayard, 1989.
• Shaw, Stanford J. History of the Ottoman Empire and Modern Turkey , Vol. 2 , Cambridge: Cambridge University, 1977.
• Uzunçarşılı, Ismail Hakkı. Osmanlı Tarihi, Ankara: Türk Tarih Kurumu, 1983.
ابن سينا، أبو علي الحسين بن سينا. الشفاء -الطبيعيات 6 النفس، جورج قنواتي وسعيد زايد (مترجمان)، القاهرة: الهيئة المصرية
• Sobre verdad y mentira , 4 th edn., Madrid: tecnos, 2004.
• Avicenna Commemoration Volume, Calcutta: India, 1956.
• Chomsky, Noam. Knowledge of Language , New York: Praeger, 1986.
• Lyons, John. Introduction to Theoretical Linguistics , Cambridge: Cambridge University Press, 1968.
• Ruelle, Pierre. "Une Définition de la Philologie…", Académie royale de langue et de littérature de Belgique ,
Bruxelles, 11 / 12 / 1982 , at: http://bit.ly/ 1 RCFEYS
• Saussure, Ferdinand De. Cours de Linguistique Générale. Paris: Payot, 1955.
الزمن الثقايف وترجمنية التحقيب
باللغة العربية
الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009. المرصفي، حسين. رسالة الكلم الثمان، خالد زيادة (محقّق)، القاهرة: مكتبة مدبولي، 2011.
باللغة الأجنبية
• Apter, Emily. Against World Literature: On the Politics of Untranslatability, New York: Verso, 2013.
• Assmann, Jan. Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance and Political Imagination,
Cambridge: Cambridge University Press, 2011.
• Assmann, Jan. Religion and Cultural Memory , Rodney Livingstone (trans), Stanford: Stanford University Press, 2006.
• El-Desouky, Ayman A., The Intellectual and the People in Egyptian Literature and Culture: Amāra and the 2011
Revolution , Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2014.
• Connerton, Paul. How Societies Remember, Cambridge: Cambridge University Press, 1989.
• Halbwachs, Maurice. On Collective Memory , L. A. Coser (trans), Chicago: The University of Chicago Press, 1992.