ماهية المصادر الإسلامية المبكرة واختلاف آراء الباحثين في أهميتها التاريخية
The Nature of Early Islamic Sources and Academics' Differing Views of their Historical Significance
الملخّص
يعالج هذا البحث مشكلة المصادر العربية الإسلامية المعتمدة في كتابة تاريخ المسلمين. وهي مصادر غير مباشرة بحكم كتابتها بعد قرن ونصف القرن من حدوث وقائعها، وتفتقر إلى الوثائق الأرشيفية والآثار المكتوبة والصامتة بوصفها مصادر مباشرة، على الرغم من تعدّدها وتنوّعها بين إخبارية وأدبية وفقهية وجغرافية وكتب حديث وتفسر وطبقات وتراجم. واختلفت آراء الباحثن، وبخاصة المستشرقين منهم، في تقييم هذه المصادر غير المباشرة في كتابة تاريخ المسلمين الأوّل؛ فمنهم من يرى أنّها جديرة بالثقة لكتابة هذا التاريخ، ومنهم من يرى أنّها غير موثوق بها لتكون مادة أولية للقيام بهذه المهمة لعدم أصالتها. وللاطلاع على هذا الاختلاف بين الباحثين وحسمه، قمنا بتعديد المقاربات التي اعتمدها المؤرخون في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ وتتمثل بالمقاربة الوصفية التي تثق بكلّ ما ورد في المصادر العربية الإسامية، والمقاربة النقدية التي تعتمد على هذه المادة مع إخضاعها للنقد الصارم ومقارنتها بما ورد في المصادر الأجنبية بخاصّة منها الإغريقية والسريانية، والمقاربة التشكيكية التي تشكّك في صدقية المادة الواردة في المصادر العربية الإسامية، مقابل الاعتماد كليًّا على المصادر الأجنبية، عى الرغم من أنّ طبيعتها لا تختلف عن المصادر الأولى.
Abstract
This paper offers a reconsideration of the Arab-Islamic resources which form the basis for Arab history. Written up to 150 years after the events they describe, the histories in question cover multiple stylistic forms—narrative, literary, juristic, geographical, and books of Hadith , exegesis, biographies or tabaqat and translations. They lack archival documents or other material that might be considered a primary source. Researchers, especially orientalists, disagree on the validity of these secondary sources and their reliability for writing the history of early Muslim communities. This paper revisits that debate. It begins by enumerating the approaches adopted by historians working between the end of the nineteenth and twentieth centuries. The approaches were: descriptive, which trusts everything found in the Arab Islamic sources; critical, which relies on the same material but subjects it to stringent criticism and compares it with non-Arabic sources, especially Hellenic and Assyrian sources; and a skeptical approach that doubts the credibility of the material found in the Arab Islamic sources and favors the wholesale adoption of non-Arabic sources, even though these suffer from the same problems as the Arabic materials.
- تدوين
- رواية
- مقاربة
- مصادر.
- Tadween
- Narrative
- Approach
- Documents
مقدمة
لكتابة تاريخ أيّ فترة زمنية في أي مجال جغرافي يجب الاعتماد على المصادر التي عادةً ما تتنوع وتتعدد؛ فإذا نظرنا في مسألة هذه المصادر بالنسبة إلى فترة الإسلام المبكر، نجد أنّها اتسمت بانعدام التدوين التاريخي الرسمي. وخلافًا لما يتبادر إلى ذهن غير المختصين، تختص المصادر الإسلامية المبكرة بالوفرة والتنوع، مع تفاوت مهمّ في القيمة والأهمية المتّصلة بالأحداث والفترات؛ إذ يتعين على الباحث فيها أن يعود إلى القرآن والتفاسير والأحاديث النبوية وكتب السيرة، والأخبار والتراجم وكتب الفرق والنّحل والفقه والأحكام وكتب الجغرافيا والمسالك والممالك، وحتى كتب الأدب والشّعر والأمثال. وفضلً عن تنوع المصادر المعتمدة، لا بد من الأخذ في الحسبان الفرق بين المصادر المتقدمة التي لم يتجاوز تأليفها القرن الرابع للهجرة/ العاشر للميلاد، والمصادر المتأخرة التي تكاثرت ابتداءً من القرن السابع للهجرة/ الرابع عشر للميلاد، لأنّ المصادر الأولى أدقّ وأكثر تفصيلً، وذلك لتعدّد روايات الحدث الواحد واختلاف النظر إلى الظاهرة المدروسة. ولكن، يجب ألّ يقلل هذا الأمر من أهمية المصادر المتأخرة التي يمكن أن نعثر فيها على شذرات قديمة أخلّت بها المصادر المتقدمة. وإلى جانب التمييز بين المصادر المتقدمة والمتأخرة يحسن التمييز بين الكتابات السنّية والكتابات الخوارجية والكتابات ذات الميول الشيعية. وهي كتابات يزداد التضارب بينها في ما يتعلق بالأحداث والمواقف الواردة فيها كلّما تقدّمنا في الزمان. إنّ المصادر الإسلامية التي تؤرخ للفترة التأسيسية متعددة. لكن مادّتها غير متوازنة لا تتكافأ فيها الفترات والأحداث؛ ففي ما يتعلق بالسيرة النبوية نجد أنّ مادة فترة المدينة أوفر بكثير من مادة فترة مكة وأكثر تاريخيةً منها، وما توافر من أخبارٍ ومعلومات عن فتح العراق مثلً لأهمّ بكثير ممّا يتوافر من مادة عن فتح "بلاد المغرب" أو مناطق شرق آسيا. تتّسم المادة في مختلف المصادر أيضًا بالتعقيد والتشعب في بعض الأحيان، والوضوح والبساطة في أحيان أخرى. فما ورد فيها مثلً عن إنشاء عمر بن الخطاب ديوان العطاء وحكم أرض السواد من العراق لهو شديد التعقيد والتشعّب حتّى إنّه ليس من السهل فهم إن كان العطاء يوزَّع بحسب القرابة من الرسول أو بحسب الأقدمية في الإسلام والبلاء في الجهاد. كما أنّ الاطلاع على المصادر بمختلف أنواعها لا يخوّل فهم إن كانت أرض السواد فيئًا لكل المسلمين (أي ملكًا مشاعًا بينهم) أو فيئًا لفاتحي هذه الأرض فقط، وبناءً على ذلك ما يمكن أن يكون نصيب كل فرد من السواد. أمّا الأحداث الواضحة والمبسّطة فتهتمّ عادةً بتواريخ تتالي الخلفاء على الحكم أو المعلومات المتعلّقة بالأحداث الكبرى، مثل أحداث الفتوح أو الحروب الأهلية على الرغم من أنّ التعمّق في دراسة هذه الأحداث يكشف التعقيد والغموض. فضلً عن خاصيات المصادر الإسلامية المبكرة هذه، فإنّها تختصّ بطبيعة تحدّد ماهيّتها. وهذا ما جعل الباحثين يتجادلون ويختلفون في تقييم قيمة هذه المصادر؛ فمنهم من عدّها مادةً غير موثوق بها لكتابة تاريخ المسلمين الأوّل، ومنهم من رأى أنّ هذه المصادر تحتوي مادّة يمكن أن يقع اعتمادها لكتابة هذا التاريخ. فكيف يمكن تحديد ماهية هذه المصادر؟ وما هي آراء الباحثين بخصوص أهمية هذه المصادر وقيمتها في كتابة تاريخ المسلمين المبكر؟
يف طبيعة المصادر الإسلامية المبكرة
تنقسم المصادر التي نعتمدها لكتابة تاريخ ما إلى مصادر مباشرة وغير مباشرة. أما المصادر المباشرة فتشمل الآثار المادية المكتوبة مثل النّقائش والمسكوكات والآثار المادية الصامتة كالمعالم الدينية والمعماريّة والخزف، والآثار المكتوبة التي حُفظت في أراشيف إدارات الدول
أو عند الخواصّ مثل الرّسائل الرسميّة وعهود الصّلح والقرارات وعقود الملكيّة والمذكرات الشّخصيّة وغيرها من الوثائق المباشرة التي وصلت إلينا بأصولها، أي كما كتبها أصحابها المباشرون. وأما المصادر المكتوبة غير المباشرة فهي عادةً ما تكون آثارًا مكتوبة وصلت إلينا بشكليها المخطوط والمطبوع. وتتميّز هذه المصادر غير المباشرة بكونها إعادة إنتاج لكتابات رسمية وغير رسمية، لذلك يتمثل أبرز ما تتّسم به بعدم مواكبتها الأحداث التي تنقلها. تنتمي المصادر الإسلامية المبكرة إلى صنف المصادر غير المباشرة؛ فباستثناء بعض القطع النقدية المتفرقة في كثير من متاحف العالم وبعض النقائش وآثار القصور الأموية وبعض المنمنمات، لا تكاد توجد أيّ آثار مادية تمكّن من دراسة أيّ ناحية من نواحي الإسلام المبكر بخاصة فترة النبوة، وفترة الخلفاء الراشدين وحتّى العهد الأموي. وفضلً عن قلّة المصادر المادية المباشرة وشحّ ما تتيحه من معلومات، لا نكاد نعثر على آثار مكتوبة مباشرة. تحدّثنا المصادر غير المباشرة كثيرًا عن رسائلَ بعث بها النبي إلى ملوك العرب والفرس والبيزنطيين، وتحدّثنا أيضًا عن صلح الحديبية ووثيقة دستور المدينة التي نشر جميعها محمد حميد الله في كتاب بعنوان مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة1. يتبادر إلى الذهن أنّ الباحث الباكستاني حميد الله قد جمع هذه الوثائق بأصولها ثم حقّقها ونشرها. غير أنّ المتأمّل فيها يجد أنّ ما سمّاه هذا الباحث وثائق لا يعدو أن يكون تجميعًا لها من خلال مصادر القرن الثالث؛ مثل تاريخ الطبريوأنساب البلاذري أو فتوحه وطبقاتابن سعد وغيرها من المصادر. وهي بذلك لا تمثّل سوى إعادة كتابة لما أُعيد إنتاجه في القرن الثالث عن كتابات يعود تدوينها في أحسن الحالات إلى منتصف القرن الثاني للهجرة. تورد المصادر غير المباشرة التي دُونت في منتصف القرنين الثاني والثالث للهجرة كثيرًا من عهود الصلح التي عقدها المسلمون مع شعوب المناطق المغلوبة في العهدين الراشدي والأموي. وتورد هذه المصادر أيضًا العديد من الرسائل والخطب الرسمية في هذين العهدين. وكثيرًا ما يُضيف مؤلّفو هذه المصادر لفظ "رأيت بأمّ عيني" لأوّل شخص في سلسلة الإسناد الذي يروي خبر عهد الصلح أو الرسالة أو الخطاب، غير أنّ هذا التدقيق لا يعفي من عدّ ما تنقله هذه المصادر إعادة إنتاج لما تحويه وليست الوثائق بعينها، وهو الأمر الذي يحوّلها من وثائق أصيلة Authentique إلى نصوص إخبارية غير مباشرة. وتورد هذه المصادر غير المباشرة أيضًا كثيرًا من المعلومات عن ديوان الإنشاء الذي أسّسه الأمويون منذ عهد معاوية بن أبي سفيان. ولكن، ما وصلنا من رسائل دواوين الإنشاء في دمشق وعواصم أقاليم الإمبراطورية الإسلامية لا يمثّل سوى نسبة ضئيلة من الرسائل المكتوبة على ورق البردي في مصر، ويعود تدوينها على ما يبدو إلى بداية الفتح الإسلامي لمصر؛ أما بقية الرسائل الأخرى التي من المفروض أن تكون أطنانًا من الورق فلم يصل إلينا منها سوى ما وقع إعادة كتابته في المصادر اللاحقة للعهد الأموي. فضلً عن كلّ ما قيل عن مصادر الفترة الإسلامية المبكّرة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تدوين أحداثها في شكل مؤلّفات متعدّدة ومتنوّعة لم يتمّ إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة. ووقع استعادة كتابتها في مؤلفات القرن الثالث للهجرة ما أدى إلى فقدان كتابات القرن الثاني للهجرة إلّ ما ندر منها؛ مثل كتاب وقعة صفينلنصر بن مزاحم المتوفى عام 160 ه. أدّى بروز التدوين بوصفه حركة ثقافية رسمية شاملة في منتصف القرن الثاني للهجرة إلى طرح مسألة نقل المعرفة من جيل إلى آخر. فهل تناقل المسلمون معرفتهم بتاريخهم المبكّر شفويًا؟ أم هل تناقلوه شفويًا ومكتوبًا في آن واحد؟
لا يمكن الإجابة قطعيًا عن هذا السؤال؛ إذ اختلفت آراء الباحثين في هذا الشأن؛ فمنهم من يرى أنّ ما وصلنا من مادة تاريخية وأدبية في كتب القرن الثالث للهجرة بخاصة لم يكن في الأصل سوى مادة شفوية تمّ تناقلها من جيل إلى جيل طيلة قرنين كاملين من الزمن. ومن القائلين بهذا الرأي نذكر تحديدًا لامنس Lammens. H وسوفجيه Sauvaget. J وبلاشير Blachère. R وكايتاني Caetani. T تلاهم كثير من المستشرقين الجدد مثل ونزبرو Wansbrough. J وكوك Cook. M وكراون Crone. P وغيرهم. ومن هؤلاء الباحثين من دافع عن فكرة التدوين المبكّر للرواية الإسلاميّة مثل شبرنجر منذ 1855 "حول التدوين المبكر للرواية الإسلامية فنقل نصوصًا وأثبت عدم صحّة الرأي القائل بأنّ الحديث كان يُتداول أساسًا بالرواية الشفوية"2، وهوروفنتس Horovitz. J الذي قام من خلال اهتمامه بمؤلّفي السيرة النبوية منذ 1927 بدحض فكرة النقل الشفوي للرواية الإسلامية المبكّرة3، وبإعادة بناء الروايات الشفاهية المتعلّقة بالسيرة، بيّ أنّها تمثّل في الأصل نصوصًا مكتوبة تمّ استعادتها كليًا أو جزئيًا في الكتب الإخبارية للقرن الثالث للهجرة. ومن هؤلاء الدارسين من أطنب في تبيان خطأ كثير من المستشرقين في الحكم على الروايات الإسلامية المبكّرة مثل فؤاد سزكين الذي أكّد أنّ المسلمين ورثوا أسلوب النقل الشفوي للكتب المدوّنة عن فترة ما قبل الإسلام4. أمّا شاكر مصطفى فيذكر في ما يتعلق بمسألة نقل المعرفة عند المسلمين خلال عصر ما قبل التدوين الرسمي أنّها كانت تقوم على ثلاث عمليات متتالية؛ تبدأ بعملية الاستماع إلى الشهادة من الشهود المباشرين للحدث التاريخي وهي عملية شفهية خالصة، ثم عملية حفظ المعلومات التي لا تتمّ عن طريق الذاكرة وحدها بل تتمّ في أغلب الحالات من الأحوال بالتسجيل والتدوين الكتابي الشخصي، تليها عملية نقل المعلومات إلى الآخرين، وهي بدورها عملية شفهية. ويرى شاكر مصطفى أنّ شك الدارسين في موثوقية ما ورد في المصادر من مادة تاريخية يرجع إلى خلطهم بين هذه العمليات الثلاث التي لا يُقرّون فيها بوجود فعل الكتابة من الأصل5. حاول سزكين تفسير الأسباب التي جعلت "الباحثين وخاصة منهم الكثير من المستشرقين يخطئون في الحكم على الروايات الإسلامية ذات الشكل المتميز الفريد والتي قد تكون ورثت أسلوب نقلها عن فترة ما قبل الإسلام، حيث كانت دواوين الشعر تروى شفويًا عن طريق الرواة مع أنّها كانت مكتوبة مدوّنة، ومن المرجّح أنّ صحابة الرسول كانوا يروون كتبه (رسائله) أو أوامر الخلفاء إلى الولاة بنفس الطريقة"6. أمّا الرسائل والكتب التي انبثقت من الدولة الإسلامية المبكّرة، وأمام ما يوجّه من نقد إلى الإسلام المبكّر لعدم وجود أرشيف يحفظ كل وثائق هذه الفترة، فقد قامت وداد القاضي بمحاولات في اتجاه توثيق الرسائل وعهود الصلح الإسلامية التي تعود إلى القرن الأوّل للهجرة. ويمكن تقسيم الرسائل الإسلامية المبكّرة إلى ثلاثة أنواع؛ وهي الرسائل الإدارية، والرسائل السياسية، ويتعلّق كلاهما بالدولة، والرسائل العقدية وهي الرسائل المنسوبة إلى الحسن البصري والحسن بن محمد بن الحنفية وعمر بن عبد العزيز في موضوعَي الإرجاء والقدر7.
بالنسبة إلى الرسائل العقدية، فالخوض فيها ليس من اختصاصنا. أمّا الرسائل الإدارية فقد وقع ما يشبه الاتفاق على توثيقها بسبب اكتشاف كميات من أوراق البردي خلال القرن التاسع عشر، نشرها عدد من المستشرقين؛ منهم بخاصة كارل هاينرش بيكر Beker. H. K وأدولف غروهمان Grohmann. A ونابيا أبوط Abbott. N. لقد اعتمدت هذه الرسائل البردية الموجودة أساسًا في مصر نماذج لقياس مدى موثوقية بقية الرسائل الإدارية المتعلقة بالعهد الأموي بخاصة منذ عهد عبد الملك بن مروان. وأما الرسائل السياسية فتمثّل أكثر ما وصلنا من رسائل الفترة المبكرة. وهي أعسر الرسائل في التوثيق، ومع ذلك، فإنّ عملية توثيقها ليست مستحيلة منهجًا8. انطلقت الباحثة وداد القاضي من إنشاء ديوان الرسائل في عهد معاوية بن أبي سفيان. وافترضت أنّ الوصول إلى الرسائل بنصوصها الأصلية (على الأقل بالنسبة إلى الفترة الثانية من العهد الأموي) لم يكن أمرًا مستحيلً، غير أنّ الخراب والدمار اللذَين لحقا بأجهزة الدولة الأموية في دمشق وحرّان ربما يكونان سببًا في إتلاف هذه الرسائل على الأقل بالنسبة إلى المركز. أمّا الأطراف، فقد بقي أرشيف رسائلها محفوظًا إلى فترة لاحقة بدليل وجود برديات مصر التي تمّ العثور عليها بعد مرور أكثر من ألف سنة9. وفي محاولة توثيقها عهود الصلح الإسلامية المحفوظة في كتب التاريخ والخراج والأموال، اتّبعت وداد القاضي طريقتين أساسيتين: اقتبست الطريقة الأولى من ألبرشت نوث Noth. A. وهي طريقة اعتمد فيها أساسًا على مقارنة شكل كتابة الوثائق ومحتوياتها من خلال عدّة أشخاص رأوا بأمّ أعينهم النسخ الأصلية للعهود المروية؛ مثل أبي عبيد بن سلّم في "الأموال"، والبلاذري في "فتوح البلدان"، وابن أعثم الكوفي في "الفتوح"، وحتّى ابن عساكر (ت. 512 ه / 1123 م) في تاريخ دمشق. وقد تمكّن نوث بعد التدقيق والبحث في عهود الصلح العائدة إلى القرن الأوّل للهجرة من التوصّل إلى أنّها، وإن كانت لا تمثّل نقلً نصيًا حرفيًا لأصول العهود المبرمة زمن الفتح، ليست موضوعة من حيث المبدأ وإنّما الأمر الذي حدث أنّ روايتها وقع تناقلها خلال فترة زمنية طويلة وبصفة شفوية على الأكثر، فحدثت ألوان من الخلل فيها (استبدال المفردات بمفردات مطابقة في المعنى مخالفة في اللفظ أو السهو عن عبارة) وهي بصورة عامّة يمكن أن تعطي صورة تقريبية لخصائص المعاهدات المكتوبة وشكلها في عصر الفتوحات المبكر10. تمثّل الطريقة الثانية منهجًا خاصًا استنبطته المؤلّفة، ويمثّل إضافة شخصية في دراسة عهود الصلح. ويقوم هذا المنهج على "مقارنة بعض خصائص هذه العهود من حيث الشكل بخصائص وثائق إدارية وصلتنا نصوصها الأصلية على ورق البردي، وإن كانت ترجع إلى عصر متأخّر عن عصر الفتوح الرئيسي بين سنتي 81 و 110 ه "11. ومن خلال هذه المقارنة، توصلت وداد القاضي إلى "تعزيز موثوقية هذه العهود المدروسة من حيث الخصائص العامّة لها، بحيث يمكن اعتبارها صورة طيبة عن المادة الأصلية المفقودة"12. هكذا إذًا، ومن خلال هذه المحاولات من أجل توثيق الرسائل والعهود الرسمية الإسلامية المبكّرة، وإن لم تكن تمثّل الأصول، يتبيّ أنّ حالتها التي وصلت إلينا والتي تعود إلى القرن الثالث للهجرة وفي أقصى الحالات إلى النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، لم تكن من الاختلاق والكذب والتزوير بما يجعل اعتمادها غير ممكن بالنسبة إلى المؤرّخ.
ولئن كان البعض قد أكّد التدوين الإسلامي المبكّر، وبذل البعض الآخر جهدًا لتوثيق العديد من "الوثائق" الإسلامية الأولى، فإنّ هشام جعيط لم يُبدِ حرصًا خاصًا على إثبات أنّ الروايات الإسلامية المبكّرة كانت مكتوبة وتمّ تناقلها على هذا الأساس، بقدر ما حرص على إبراز فضل إخباريين كأبي مخنف لهثوا وراء أصالة الماضي، فاقتلعوا بذلك المادة التاريخية المجمّعة من أهواء النقل الشفوي وسجّلوها ليستفيد منها مؤرخون مجمّعون من أمثال الطبري والبلاذري13. فالمسألة في ما كتبه جعيط لا تتعلّق بالتدوين المبكّر أو المتأخّر لما كان يتناقله المسلمون من أخبار الإسلام الأوّل أو حتّى ما سبقه، وإنما تتعلّق بسيرورة تاريخية بدأت ببروز الوعي التاريخي بعد أحداث الفتنة الثانية مباشرة، فظهر بذلك مجمّعون محترفون de Professionnels collective mémoire la احترفوا بأخبار الإسلام الأول عن طريق المشافهة ليظهر بعدهم بين 80 ه و 100 ه جيل ثانٍ اعتمد في نقل هذه الأخبار إلى جانب الذاكرة على الصحف الشخصية، ومنهم انتقل الأمر إلى الذين نشطوا بين 100 ه و 401 ه والذين كثر معهم تدوين الأخبار في صحف شخصية دون أن يبلغ مرحلة التدوين التاريخي التي بدأت مع أبي مخنف المتوفّ عام 157 ه وتلاه سيف بن عمر والواقدي والمدائني. وبذلك تكون المادة التي اعتمدها مؤلّفو القرن الثالث مادةً مكتوبة أساسًا. وقد أدّى ظهور هذه الكتب الموسوعية إلى اندثار الكتب السابقة باستثناء وقعة صفيّن لنصر بن مزاحم (أي تلك التي تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني وقبله بقليل). بناءً على ما تقدّم، يمكن عدّ ما وصلنا من كتابات عن صدر الإسلام تتويجًا لسيرورة إنتاج مادة تاريخية توافر فيها عديد العناصر التي تجعل اعتمادها لا يتنافى مع الكتابة التاريخية، وتتمثل أساسًا ب: الكتابة المبكرة لكثير من عناصر المادة التاريخية في ما يتعلق بالوثائق الرسمية (رسائل، وعهود صلح) التي ضاعت أصولها ووصلتنا في صور لا تختلف عن الأصول إلّ في بعض المفردات وليس المعاني، أو الأخبار التي سجّلت خلال القرن الأوّل وبداية القرن الثاني بصفة فردية وجزئية قبل أن تصبح منذ النصف الثاني من القرن الثاني حركة ثقافية عامّة لتتويج سيرورة تاريخية تعود جذورها إلى أكثر من قرن، بذل خلالها مؤرخون كبار من أمثال أبي مخنف، وسيف بن عمر، والواقدي والمدائني، جهدًا جبّارًا لتخليص المادة الخامّ من كلّ ما علق بها من تناقضات وفوضى، فانتقوا منها وحذفوا وأعادوا صياغتها حتى أصبحت مادة تاريخية لم يتمثّلها مؤلّفوها من واقع ذهني واجتماعي وثقافي لزمنهم، وإنّما تمثّلوها من عالم سبقهم بقرن من حياتهم، وهو ما يحيل إلى خيال تاريخي متطابق مع ما حدث فعل14. دور محترفي الذاكرة الذين برزوا منذ نهاية الفتنة الثانية في الحفاظ على ذاكرة الأمة من التلف. ويبدو أنّ هؤلاء كانوا يتدربون بطريقة خاصة تكاد تجعلهم يتذكّرون حرفيًا كل ما يسمعون أو يقرؤون لما يمكن أن يوصموا به من الضعف في الحافظة والجهل إذا ما اعتمدوا على صحف مكتوبة "إذ كان من دواعي الفخر عند المسلمين الأوائل الاعتماد على الحافظة وحدها في كلّ وقت ومكان وعدم اللجوء إلى المدوّنات وعدم الاشتغال بالتدوين"15. تقيُّد المسلمين الأوائل منذ فترة مبكرة ب "علم الجرح والتعديل" الذي يقوم على أساس "نقد السند ونقد التحصيل". ويذكر أيمن فؤاد السيد في هذا الصدد أنّ "النقد ظهر مبكّرًا مع ظهور رواية الخبر، ولكنّه لم يمارس بقصد تمييز الصحيح من الزائف إلّ بعد انقسام
المسلمين وظهور الفتن"16. وهذا ما يعني أنّ المسلمين، وهم ينقلون أخبار الفترة الإسلامية الأولى، لم يكن بإمكانهم أن يرووا ما يشاؤون دون قيد أو ضبط، لأنّهم لو لم يتقيدوا بشروط رواية الأخبار فإنّهم يُجَرّحون ويُتّهمون بالضعف ومن ثمّ تُسحب منهم الثقة في رواية الأخبار. الرحلات التي كان يتكبّدها مجمّعو الأخبار والتي كانت تستغرق الفترة الأكبر من أعمارهم من أجل التثبّت في الأخبار والسعي إلى استقائها من مصادرها الأصلية، ما يوحي بوجودها مكتوبة في أماكن معينة. تباينت الآراء إذًا حول مدى فائدة اعتماد المادة الواردة في المصادر غير المباشرة في كتابة التاريخ الإسلامي المبكّر. وعلى الرغم من هذا الاختلاف في تقييمها، فقد اتفقت ضمنيًا على تدوينها المتأخّر ممّا أفقدها عدّ الدارسين لها وثائق مباشرة. وما الخلط بينها بوصفها مصادر غير مباشرة وغير أصيلة وبين الوثائق المباشرة لوصولها إلى الدارسين بأصولها إلا نتيجة الخلط الشائع بين الوثيقة والنص الإخباري أو الأدبي والناتج فيما نعتقد من الخلط بين المصطلحات في اللغات الأوروبية ذات الجذور اللاتينية مثل الفرنسية التي تستعمل لفظ Document وترجمته وثيقة في اللغة العربية على كلّ ما يصلح استعماله حجّةً أو مصدرًا للمعلومات. غير أنّ اللغة الفرنسية وربّما بقية اللغات الأوروبية لا تكتفي بذكر كلمة Document وإنّما تضيف ألفاظًا أخرى لتدقيق طبيعتها؛ كأن نجد, archive ' d Document
. Document juridique , Document épigraphique , Document littéraire
أمّا في اللغة العربية فإنّ المصادر تُقسّم إلى صنفين كبيرين: الوثائق أو المصادر الأرشيفية، والكتابات السردية ومنها النصوص الأدبية والإخبارية والفقهية والجغرافية. ويُفرّق جعيط بين هذين النوعين من المصادر، فيذكر أنّ المصادر السردية دُوّنت عن وعي من أجل ترك شهادة في حين تُشارك الوثائق الأرشيفية في الحركة العادية للوجود الإنساني17. على هذا الأساس من التفريق بين معنى المصادر في اللغة العربية وبعض اللغات الأوروبية، يتّضح أنّ مصادر الإسلام المبكّر هي أساسًا مصادر غير مباشرة كُتبت بعد زمن طويل من حدوث الأحداث التي ترويها وتكاد تفتقر كليًا إلى وثائق بأصولها.
مقاربات الباحثين يف اعتمد المصادر الإسلاميّة لكتابة تاريخ المسلمين المبكّر
مثلما تعدّدت مواقف الباحثين التقييمية للمصادر الإسلامية المبكّرة، تعدّدت أيضًا المقاربات التي اعتمدوها في تاريخ المسلمين الأوّل بالاعتماد على هذه المصادر:
المقاربة التمجيدية
توخّى أغلب الدارسين المسلمين بخاصة من المؤرخين هذه المقاربة؛ إذ رأوا أنّ ما ورد في المصادر العربية عن فترة الإسلام المبكّر يمثّل حقائق مطلقة ومسلّمات لا يرقى إليها الشك. فكان تعاملهم مع نصوص هذه الفترة من الإسلام كأنّها "مقدّسات"، وليست نصوصًا تاريخية قابلة للنقد. ما حدا بهؤلاء المؤرخين إلى أن يعتمدوا كلّ ما ورد عن هذه الفترة التأسيسية ليكتبوا عنها ما يشبه الميتاتاريخ وليس التاريخ.
المقاربة الوصفية
تعتمد هذه المقاربة على ما ورد في المصادر دون إعمال الفكر النقدي. وسادت هذه المقاربة الوصفية للمصادر العربية كتابة تاريخ المسلمين المبكّر منذ العصور الوسطى وتواصلت إلى وقتنا الحاضر. وأهمّ ما يميّز الكتابة التاريخية عند أصحاب هذه المقاربة هو الأسلوب الجذّاب الذي يثير فضول القارئ. ومن أقطاب هذه المقاربة يمكن أن نذكر موير Muir. W وجرامباوم Grunbaum. V وكيندي Kennedy. H ووات Watt. M. W وعبد الحي شعبان. إلى جانب أصحاب المقاربتين التمجيديّة والوصفية، برزت مجموعة من المستشرقين أبدت حرصًا خاصًا على نقد الروايات الإسلامية المتعلّقة بالإسلام الأوّل، قصد تخليصها ممّا علق بها من الشوائب التي طرأت عليها عبر السنين، غير أنّ بعضهم بالغ في نقد هذه الروايات وشكّك في ما وصلنا منها. وهنا لا بدّ من تأكيد فضل الاستشراق في بحث قضايا الإسلام المبكر، بخاصة قضية المصادر التي دار حولها جدل شارك فيه إلى جانب المستشرقين العديد من الدارسين المسلمين. وقد استغرق هذا الجدل زمنًا يفوق القرن وأسفر عن تبلور أكثر من موقف اتخذه الباحثون تجاه هذه المصادر المتضمّنة مادة ضخمة عن الإسلام المبكّر. ويمكن حصر هذه المواقف في مقاربتين بارزتين:
المقاربة التشكيكيّة
يمكن نعت أصحاب هذه المقاربة ب "التشكيكيين"، لتشكيكهم في أصالة كلّ ما رُوي عن الإسلام الأوّل من روايات سواء أكانت أحاديث أم أخبارًا أم غيرها. وتُرجع وداد القاضي إثارة هذه المسألة إلى "الغموض الذي لا يزال يحيط بالتدوين التاريخي عند العرب"18. وبلغ أمر التشكيك في صدقية الروايات الإسلامية في صدر الإسلام أوجه في فترتين مهمتين؛ بدأت الأولى منذ أواخر القرن التاسع عشر مع ما كتبه المستشرق المجري جولدزيهر Goldzhier الذي يرى سزكين "أنّه يصرّ على مفهوم خطأ يقول بأنّ الرواية العربية لم تكن إلّ شفوية"19. أمّا الثانية فتعود إلى أواخر القرن العشرين إثر صدور كتاب Coranic Studies لونزبرو Wansbrough عام 1977 الذي شكّك في موثوقية النصوص العربية القديمة بما في ذلك القرآن نفسه، وصدور كتاب Hagarism لكرون وكوك& Crone. P Cook. M عام 1977 أيضًا، وفيه تمّ نزع أيّ موثوقية عن النصوص العربية ووقع تفضيل النصوص "غير الإسلامية" عليها مثل النصوص اليونانية والسريانية20، لأنّ النصوص العربية "المتأخّرة" التدوين بحسب هذين المؤلفين لا يمكن سوى الاستئناس بها مع اعتماد كلّ على غيرها من النصوص21. ولم يكتف هؤلاء المشككون بنفي أيّ أهمية عن المصادر الإسلامية التي تتضمّن روايات عن الإسلام المبكّر، وإنّما هاجموا كثيرًا من كبار المستشرقين من أمثال ريتر Ritter، ومادلونج Madlung، وفان آس Ess Van، في محاولاتهم ردّ بعض النصوص إلى القرن الأوّل22. وتخلّل فترتي أوج التشكيك في صدقية المصادر الإسلامية الراجعة إلى الفترة الأولى، العديد من الكتابات التي نسجت على منوال ما كتبه جولدزيهر مثل مادة "الطبري" في دائرة المعارف الإسلامية، وأكّد
صاحبها أنّ أبا جرير الذي عاش في أواخر القرن الثالث للهجرة (310 ه / 923 م)، استمدّ مادّته تارةً من الرواية الشفوية، وتارةً أخرى من المصادر المدوّنة23. أمّا سوفاجيه فقد رأى أنّ مصادر مادة الكتب التي وصلت إلينا إنّما هي شفوية24. ولذلك فإنّ المعلومات الواردة فيها لا معنى لها. وبالطريقة نفسها شكّك بلاشير في مؤلّفات اللغويين المفضّل الضّبي (ت. 168 ه / 784 م) وابن الأعرابي (231 ه / 844 م)25. وتواصل شكّ كثير من المستشرقين في نقطة أو أكثر من مادة التاريخ الإسلامي المبكّر فنتج من ذلك عدد من الدراسات القيّمة التي طوّرت إلى حدّ كبير المنهج النقدي في التعامل مع هذه المادة. ومن أبرز هذه الدراسات ما كتبه دي كوجويهٍCojoe De. J. M وفلهاوزن Welhausen. Y في أواخر القرن التاسع عشر؛ وكايتاني ولامنس وشاخت Shacht. J وبرانشفيك Brunshvig. R في النصف الأوّل من القرن العشرين26. كان الشكّ في أصالة بعض عناصر التاريخ الإسلامي المبكّر قائمًا منذ أواخر القرن التاسع عشر. لكن أهدافه الأساسية كانت منصبّة على ما يبدو في اتجاه تركيز منهج نقدي صارم من أجل التفريق بين ما هو تاريخي في هذه المادة يساعد على إعادة تركيب النواة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية للقرون اللاحقة، وما هو إضافي ووهمي وأسطوري وقع إلحاقه بالمادة الأصلية لأسباب دينية عقائدية واجتماعية حضارية، وهو أمر طبيعي ينمّ عن مناخ اجتماعي سليم في مجتمع متعدّد الانتماءات الإثنية والدينية والاجتماعية والحضارية. أمّا الموجة التشكيكية المتأخّرة التي ظهرت في العالم الأنجلوسكسوني أساسًا ومن أقطابها ونزبرو وكراون وكوك وجرالد هاوتنغ وموشي شارون وجوديت كورن ويهودا نيفو ونورمان كلدر، فإنّها تنفي "الأصالة" عن كلّ أنواع المصادر العربية الإسلامية وصدقيتها. ويدعو معظم أقطاب هذه الموجة إلى اعتماد المصادر الأجنبية، بخاصّة اليونانية والسريانية عوضًا عن المصادر العربية الإسلامية. يعدّ هذا التمشّ الجديد الذي نقده كثير من الباحثين المستشرقين الآخرين في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية خطيرًا لأكثر من سبب: لا يمكن دراسة تاريخ أمّة ما باعتماد مصادر "أجنبية" اعتمادًا رئيسًا، بخاصة إذا كان لهذه الأمة مصادرها، ومن ثمّ يصبح اعتماد المصادر الأجنبية أمرًا مستحسنًا إذا كانت الغاية منه المقارنة والإثراء والإضافة والإيضاح والتدقيق. ماذا نفعل في حالة غياب هذه المصادر "الأجنبية" في بعض المناطق وبعض الفترات مثلما هو الشأن بالنسبة إلى دراسة تاريخ "شمال أفريقيا" خلال القرنين الأوّل والثاني للهجرة، بحيث لا نجد أيّ مصادر يمكن اعتمادها باستثناء المصادر العربية المتأخّرة عن الفترة، فهل نحذفها من التاريخ بحجّة أنّ ما يوجد من مصادر لا يمكّن من الوصول إلى "الواقع الحقيقي"27 الذي نادت به المدرسة التاريخية الوضعية منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع العلم أنّ هذا المنهج التاريخي قد تجاوزه علماء الغرب منذ زمن طويل.
المقاربة النقدية
استفاد المشككون في "أصالة" المادة الإسلامية المبكّرة كثيرًا من أصحاب المقاربة النقدية للمصادر. بدأ ظهور هذه المقاربة منذ منتصف القرن التاسع عشر. وهو الزمن الذي برزت خلاله المدرسة الوضعية في أوروبا. قامت المقاربة النقدية للمصادر على عاملين؛ يتعلّق أوّلهما بنقل المعرفة من شخص إلى آخر وما يمكن أن يلحق المادة التاريخية من جرّاء هذا النقل، بخاصة إذا ما تعلّق الأمر بالإخباريين المتأخّرين من الذين تأثّروا بالجدل العقائدي ما من شأنه أن يؤثّر في المادة التاريخية في اتّجاه تحريفها بتضخيم بعض جوانبها أو طمسه. أمّا العامل الثاني فتتقاسمه المقاربة النقدية مع المقاربة الوصفية؛ إذ يعتقد أنصار المقاربتين في هامشية مادة الحديث بالنسبة إلى إعادة تركيب التاريخ الإسلامي، لأنّ أساس هذه المادة بحسب أصحاب هاتين المقاربتين، غير تاريخي فضلً عن أنّ مشاغله دينية مستمدّة من النص القرآني. ويسوق لنا دونر بعض المؤلفين الذين اعتمدوا المقاربة النقدية للمصادر؛ فيبدأ بذكر دي كوجويه ثمّ فلهوزن، ثمّ يتعرّض إلى آخرين بخاصة منهم كايتاني28 مبرزًا أهمّ ما توصّلوا إليه من نتائج في نقد رواة المصادر، بخاصّة ابن إسحاق والواقدي بالنسبة إلى دي كوجويه، وسيف بن عمر بالنسبة إلى فلهوزن، مع الإشارة إلى امتناع كليهما عن التعرّض مباشرةً لحياة النبي محمد، وربما يعود هذا الامتناع إلى عدم ثقتهما بمادة الحديث29.
الحصيلة
كي ننتهي من الجدل القائم منذ أكثر من قرن بين الباحثين في "أصالة" الروايات الإسلامية المبكرة وإذا ما كان بالإمكان اعتمادها مادةً تاريخيةً لبحث قضايا الإسلام الأوّل أو لا، لا بدّ من التركيز على أنّ المقاربة التشكيكية التي برزت في أواخر القرن الماضي، استفادت كثيرًا من بحوث المقاربة النقدية للمصادر والمقاربة النقدية للحديث اللتين تطوّرتا في أواخر القرن التاسع عشر إلى حدود نهاية النصف الأوّل من القرن العشرين. غير أنّ المقاربتين الأخيرتين، على الرغم من أنّهما أشارتا إلى بعض الأساطير الخيالية وبعض التحوير والاختلال والاختلاق والإسقاط بشتى أنواعه في الروايات الإسلامية المبكرة، فهذا لم يمنع أصحابهما من الاعتراف بوجود مادة "أصيلة" يمكن التوصّل إليها باستعمال المنهج النقدي الصارم في التعامل مع هذه الروايات خلافًا لأصحاب المقاربة "التشكيكية" الذين أوغلوا في النقد إلى أن توصّلوا إلى أنّه لا وجود لحقيقة إطلاقًا في المصادر الإسلامية المبكرة، فكانت دعوة بعضهم إلى البحث في حقيقة الإسلام الأوّل خارج النصوص الإسلامية (كوك، وكراون)، وقول البعض الآخر باستحالة البحث في هذا الأمر (ونزبرو). لقد أثار ما توصّل إليه أقطاب المقاربة "التشكيكية" من نتائج حول الإسلام الأوّل كثيرًا من الضجيج في الأوساط الأكاديمية الغربية. ومن أبرز الذين كتبوا في هذا المجال المستشرق الفرنسي ديكوبار30 الذي استعرض في البداية أهمّ النتائج التي توصّل إليها كراون وكوك في كتابهما Hagarism، ثمّ ونزبرو في كتابيه Quranic Studies و The Sectarian Milieu. تقوم الفكرة الأساسية للكتاب الأوّل على أنّ ما سُمّي إسلامًا، مثّل في الحقيقة نتاجًا متأخّرًا نسبيًا لحركة التقاء ثم افتراق مع مجموعات دينية مسيحية وبخاصة يهودية. وقد حدث الالتقاء والافتراق في سورية، وبذلك يكون الإسلام مولودًا في سورية، بحسب
مؤلّفي كتاب Hagarism، وليس في مكّة أو في المدينة. أمّا أساس تأليف ونزبرو كتابيه فيتلخّص في استنتاجه استحالة كتابة تاريخ الإسلام الأوّل، ولا تعزى هذه الاستحالة إلى نقصٍ في المعلومات، وإنّما إلى عدّه لها ترتيبًا مناقبيًا متأخّرًا للماضي. ويعلّق ديكوبار31 على النتائج التي توصّل إليها مؤلفو الكتب المذكورة فينعتها بالمغالاة، لأنّ كراون وكوك اللذين نسفا أيّ أهمية للمصادر العربية الإسلامية، قد اعتمدا للقيام بذلك على مادة ضعيفة وفي بعض الأحيان مغلوطة. أمّا ونزبرو فقد سقط من دون أيّ حذر في عدّ المصادر الإسلامية المبكرة مصادر ألّفتها عناصر أجنبية عن العرب، وبذلك يضع مقاربته موضع تساؤل، لأنّ نعته العلماء المسلمين الأوائل بكونهم عراقيين متهوّدين أمر غير مقبول لا تاريخيًا ولا سوسيولوجيًا. وعلى الرغم من تقليل ديكوبار32 من أهمية النتائج التي توصّل إليها كراون وكوك وونزبرو، فهو لا ينكر أنّ طرح ما ورد فيها عن مادة المصادر العربية الإسلامية المبكرة يعدّ محرجًا ولافتًا للانتباه، لأنّه يضع الباحث أمام مشاكل حقيقية لعل أهمّها فعل ولادة الإسلام بوصفه ظاهرة دينية، مذكّرًا أنّ هذه المشاكل هي قديمة قدم الاستشراق الأكاديمي الذي نحَتْ البحوث فيه منحييَن؛ فإمّا اعتماد مادة مصدرية خارجية (آثار ومصادر أدبية خارجية)، وإمّا تسليط النقد الداخلي على مصادر داخلية (المصادر العربية الإسلامية)، مع رغبة في كلا الحالتين في عدم الخلط بين الميادين وعدم عدّ المصادر الأدبية العربية على أساس أنّها مصادر مباشرة، وهو الأمر الذي لم تستطع دراسات كراون وكوك وونزبرو تجنّب الخلط بين عناصره. وأمّا دونر33 فيعتقد أنّ تاريخ الإسلام الأوّل لا يمكن أن يوجد إلّ في النصوص وبقايا النصوص القديمة المنتشرة في كثير من الكتب التاريخية التي تعود إلى القرن الثالث للهجرة وما بعده. وهو ما توصّل إليه جعيّط34 من خلال تأكيده القيمة التاريخية لما وصل إلينا من مؤلفين كبار أمثال أبي مخنف وسيف بن عمر والسائب الكلبي والواقدي والمدائني الذين تؤدّي قراءة آثارهم المتأنية والثرية بالأشخاص والأحداث إلى الاندماج في واقعهم، ما يجعل الباحث في هذه الفترة كأنّه يعيش فيها حقًا. خلافًا لديكوبار ودونر وجعيط، كان تأثّر دي بريمار35 إيجابيًا بكتابات أصحاب المقاربة "التشكيكية"؛ إذ خصّص مقدمة كتابه لتأكيد عدم وجود وثائق عربية إسلامية مباشرة يمكن اعتمادها لكتابة التاريخ الإسلامي الأوّل. وأشار بطريقة غير مباشرة إلى أنّه لا يمكن تعويض هذا العيب الأساسي في طبيعة المصادر الإسلامية بالاعتماد الكلّ على المصادر السريانية واليونانية والأرمينية والقبطية المسيحية نظرًا إلى قلّة المعطيات الواردة فيها وعدم تناولها جميع القضايا المطروحة دراستها على مؤرخي الفترة التأسيسية للإسلام، على الرغم من أنّ هؤلاء المؤرخين ما زالوا لا يعتمدون المعطيات في هذه المصادر بما فيه الكفاية. وعلى هذا الأساس توصّل دي بريمار إلى استحالة كتابة تاريخ المسلمين الأوّل بخاصة سيرة نبيّهم. وعلى الرغم من هذا الاستنتاج الواضح لم يمتنع هذا المستشرق الفرنسي عن تناول العديد من القضايا المتعلقة بالتجارة وعرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ويثرب والهجرة و"دستور المدينة" واليهود والغزوات الإسلامية في عهد النبوّة، وغيرها، معتمدًا في ذلك على ما ورد في المصادر العربية الإسلامية بدرجة أولى، والمصادر الخارجية بدرجة ثانية36.
إنّ ما يثير الانتباه بالنسبة إلى جدل الباحثين في أصالة المادة المصدرية للإسلام المبكر هو التشكيك في صدقيتها بسبب كتابتها المتأخرة وغياب الوثائق الأرشيفية. وهو أمر يستوجب بعض التوقّف. لا يمكن كتابة التاريخ الإسلامي المبكر، بإقصاء المصادر الإسلامية بدعوى عدم أصالتها، لأنّ المصادر غير الإسلامية سواء أكانت يونانية أم سريانية أم أرمينية أم قبطية أم حتى عربية تعاني المشكل نفسه المتعلق بأصالة مادتها. إنّ هذه المصادر بمختلف أنواعها سواء أكانت إخبارية أم مناقبية أم جدالية تمجيدية، لم تصل إلينا كما هو شأن المصادر الإسلامية في أصولها، وإنّما في نسخ بعد عدة قرون من تأليفها الأصلي. وهذا ما يجعل تعويل كوك وكراون على هذه المصادر لكتابة التاريخ الإسلامي المبكر أمرًا لا معنى له لأنّها تفتقر إلى الأصالة مثلما هو شأن المصادر الإسلامية37. ولذلك يصبح اعتمادها لكتابة تاريخ الآخر العدوّ لا مبرّر له إلّ نظرة الاستعلاء التي تعوَّد عليها المسيحيون إزاء المسلمين منذ بداية الإسلام38. هذا فضلً عن أنّ التدوين غير المعاصر للأحداث لا يهمّ المسلمين وحدهم وإنّما يشتركون في ذلك مع الشعوب الأخرى؛ إذ يؤكّد لوسيان فيفر Febvre. L "أنّ الناس إلى حدود القرن السادس عشر ميلادي، كانوا يستمعون أكثر ممّا يرون ويدوّنون"39. أمّا رأي ونزبرو القائل باستحالة كتابة تاريخ المسلمين المبكر فلا يمكن أخذه مأخذ الجدّ، لأنّ المبررات التي يسوقها تفتقد الحجة والمنطق. كما يتسنّى رفض الرأي القائل بأنّ غياب الوثائق الأرشيفية يعيق كتابة التاريخ الإسلامي المبكر، لأنّ زمن المدرسة الوضعية الذي يستوجب وجود هذه الوثائق قد ولّ، ولأنّ غيابها لا يهمّ المسلمين وحدهم، وإنّما يهمّ كذلك الإغريق والرومان. وفي هذا الصدد يذكر جعيط أنّ المصادر المكتوبة بالنسبة إلى شمال أفريقيا في الفترة القديمة، وعلى الرغم من طول سيطرة الرومان عليها، تفتقد تقريبًا الأرشيف40، باستثناء النقائش التي لا يمكن أن تفيد في كلّ ما يهتمّ به المؤرخ، وبالنسبة إلى الفضاء المزمع كتابة تاريخه. وفي هذا السياق لا يفوتنا أن نسوق ما قاله شكسبير: "افترضوا أنّه لا يوجد أرشيف، ألا يكفي أن تنقل الحقيقة من عصر إلى عصر لتبلغ الأجيال المقبلة آخر يوم في العالم"41.
الخاتمة
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول بأنّ المقاربة التشكيكية مغرقة في المبالغة عندما تنفي كل صدقية عن المصادر الإسلامية في ما يتعلق بالإسلام المبكر، بخاصة وهي تتناول المسألة خارج النسق الإنساني لتجعلها خاصة بالمسلمين وحدهم، ممّا يوحي بأنّ أصحاب هذه المقاربة تعاملوا مع حضارة المسلمين وتاريخهم على أساس أنّهما دون مستوى حضارة الإغريق والرومان والبيزنطيين وحتى الغرب المسيحي وتاريخهم. لا نرمي من خلال هذه المآخذ إلى الدعوة إلى التعامل مع ما ورد في المصادر الإسلامية بوصفه حقائق مطلقة لا يجب نقدها ووضعها موضع التساؤل، بقدر ما ندعو إلى التعامل مع هذه المصادر على أساس المناهج المعتمدة في دراسة تاريخ الحضارات الأخرى، مع مقارنة المشاكل التي تعترضنا فيها على صعيد المنهج بما يشابهها في تاريخ الحضارات الأخرى التي عاصرتها أو سبقتها.
باعتماد هذه الطريقة في التعامل مع المصادر الإسلامية يمكن عدّ تاريخ المسلمين حلقة من حلقات التوجه العالمي42، وهي النظرة الوحيدة التي من شأنها أن تمكّن المؤرخين، سواء أكانوا من داخل هذه الحضارة أم من خارجها، من كتابة تاريخٍ أقرب إلى الإنصاف و"الموضوعية". إنّ الغرض من طرح هذا الموضوع بصفة مقتضبة هو دعوة المشتغلين على المصادر العربية الإسلامية المبكرة من العرب والمسلمين إلى إعادة النظر في المناهج المعتمدة في التعامل مع هذه المصادر من أجل إرساء طرق الكتابة الجديدة التي ما زالوا يصرّون على عدم الانخراط فيها على الرغم من أنّ مصادرهم تزخر بتعدّد القراءات43.
المراجع
العربية
جعيط، هشام. تأسيس الغرب الإسلامي. بيروت: دار الطليعة، 2004.
الحيدر آبادي، محمّد حميد الله. مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. ط 2. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956.
دونر، فرد. "تكوّن الدولة الإسلامية"، الاجتهاد، العدد 13 (خريف 1991).
سزكين، فؤاد. تاريخ التّاث العربي. ترجمة محمود فهمي حجازي. المملكة العربية السعودية: إدارة الثقافة والنشّر بالجامعة، ووزارة التعليم العالي، 1983.
علي، جواد. "موارد تاريخ الطبري"، مجلّة المجمع العلمي العراقي، ج 1 (1950).
القاضي، وداد. "مدخل إلى دراسة عهود الصلح الإسلامية زمن الفتوح". ورقة بحثية قدّمت في المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام. بلاد الشام في العهد الأموي. الندوة الثانية. عمّان، 1987.
مصطفى، شاكر. التاريخ العربي والمؤرّخون. بيروت: دار العلم للملايين، 1983.
• موافقات. تونس: الدار التونسية للنشر، 1989.
هوروفنتس، يوسف. المغازي الأولى ومؤلّفوها. ترجمة حسين نصار. القاهرة: مكتبة الخانجي، 2001.
الأجنبية
• Blachère, R. Histoire de la littérature arabe des origines à la fin du XV siècle. Paris: Adrien–Maison neuve, 1952.
• Djait, H. "Les sources écrites antérieures au XVème siècle, Histoire Générale de l'Afrique." Jeune Afrique (1980).
• Donner , F. Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing. Princeton, NJ: The
• Khoury, Th. Les théologiens byzantins et l'islam: Textes et Auteurs (VIII-XIII s.). Louvain: Nauwelaerts, 1969.
• Cook, M. Early Muslim Dogma. Princeton. NJ: Princeton University, 1980.
• De Cojoe, M. J. Mémoire sur la Conquête de la Syrie. Leiden: E. J. Brill, 1900.
• De Prémare, L.A. Les Fondations de l'Islam entre Ecriture et Histoire. Paris: Editions du Seuil, 2002.
• Décobert, C. Le Mendiant et le Combattant: L'institution de l'Islam. Paris: Éditions du Seuil, 1991.
• ________. La Grande Discorde: Religion et Politique de l'Islam des Origines. Paris: Gallimard, 1989.
Darwin Press, 1998.
• Édition critique de Kitab al-Buldan de Balathuri. Leiden: 1863 - 1866.
• Laroui, A. Islam et Histoire: Essai d'épisthémologie. Paris: Flammarion, 1999.
• Les Annales Islamologiques. Le Caire: Institut Français d'Archéologie, 1998.
• Martinez-Gros, G. "Mahomet, Prophète et Guerrier," Les collections de L'histoire. no. 30 (2006).
• Sauvaget, J. Introduction à l'Histoire de l'Orient Musulman. Paris: Adrien–Maison neuve, 1943.
• Sprenger, A. "On the origin and progress of writing down historical facts among the Musulmans." Journal of the
Asiatic Society of Bengal. no. 25 (1856 - 1857).
• Tolan, J. Les Sarrasins: L'islam dans L'imagination Européenne au Moyen Âge. Paris: Flammarion, 2003.
• Touati, Houari. "Les lecteurs des chroniques arabes." Conférence présentée dans le colloque international lecteurs
historiques des chroniques médiévales. Institut Français du Proche Orient de Damas. 10 / 12 / 2003.
• Wellhausen, von Julius. Das arabishe Reich und sein sturz. Berlin: Georg Reimer, 1902.
• _________. Prolegomena zur altesten Gechichtedes Islam. Berlin: G. Reimer, 1899.