المعرفة التاريخية والدولة لدى مؤرخي الأطراف في البلاد التونسية خلال العصر الحديث

المؤلفون

  • المؤلف

  • محمد المريمي

الكلمات المفتاحية:

التاريخ، الدولة، المؤرخ، تونس، المعرفة

الملخص

يقسم بعض المؤرخين الإخباريين إلى منتجي معرفة تاريخية موضوعها الدولة أساسًا، وإلى آخرين منتجي معرفة تاريخية يتعلق موضوعها بجهاتهم. ذكر أحمد عبد السلام العديد من الإخباريين الموالين للدولة، وقدّم لمؤلفاتهم، من بينهم ابن أبي دينار في القرن السابع عشر، وحسين خوجة والوزير السراج وحمودة بن عبد العزيز في القرن الثامن عشر، وخير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وغيرهم في القرن التاسع عشر. وركز هؤلاء المؤرخون في أخبار السلطة المركزية، ولم يجرِ التطرق إلى أخبار الجهات والمجتمعات الطرفية في متونهم ومؤلفاتهم إلا بقدر تدخل الدولة فيها. ويهتم مؤرخو النواحي بأخبار جهاتهم والمجتمعات المحلية وأهل المناطق الطرفية التي يكتبون عنها. وذكر بعضهم أيضًا أحمد عبد السلام في رسالته في تاريخ الثقافة، ومن بينهم في القرن السابع عشر، المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي، وفي القرن التاسع عشر محمود مقديش الصفاقسي ومحمد أبو راس الجربي، وبقي بعضهم إلى تواريخ متأخرة غير معروف لدى الخاصة والعامة بسبب عدم الترجمة له، من بينهم سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي وسعيد بن تعاريت الجربي وغيرهما. وركز هؤلاء في هياكل النفوذ المحلية، ولم يهتمّوا بأخبار الدولة إلا بقدر ما لهياكل النفوذ المحلية علاقة بها. وفي الحصيلة، تكون أخبار الدولة في إنتاج المعرفة التاريخية لدى هؤلاء، طرفية بالنسبة إلى الأخبار المتعلقة بهياكل النفوذ المحلي، ويكون الأمر على النقيض من ذلك لدى أولئك.

وتمثل الدولة والمجتمعات المحلية ومؤسسات النفوذ المحلي تركيبات سياسية ومجتمعية معقدة تشارك فيها أطراف عدّة وفاعلون اجتماعيّون من بينهم المؤرِّخون أنفسهم. وتنشأ في الحالات جميعها معادلة بين المؤرخ بوصفه فاعلًا اجتماعيًّا، والمؤرخ بوصفه منتِجًا للمعرفة التاريخية.

واستنادًا إلى هذا المنطق سندرس علاقة المعرفة التاريخية بالدولة وطبيعتها في متون الإخباري سليمان بن أحمد الحيلاتي والإخباري محمد أبو راس الجربي ورسائلهما. وينتمي كلاهما إلى جزيرة جربة ولذلك ينعت كل منهما بالجربي ويتخذان من الجزيرة، خلال عهد الأتراك العثمانيين، موضوع متنهما. وقد كانت جربة حينها تحت حكم عائلات أعيانٍ إباضية وخصوصًا عائلة الشيخ مسعود بن صالح السمومني. وكان آخر أمراء الحكم ومشايخه في جربة، السمومني الذي تولّ الحكم سنة 1558، ثم عائلة بن جلود التي انقرضت بوفاة الشيخ سعيد بن محمد بن صالح بن جلود سنة 1800-1801. ومرت جربة حينها من تبعية الإيالة الطرابلسية التي استمرت من سنة 1551-1552 حتى بداية القرن السابع عشر، ثم أُلحقت بالإيالة التونسية، وبلا رجعة، بداية من عهد يوسف داي (1610-1937).

 والمهم أن نفهم طبيعة المعرفة التاريخية التي أنتجها الإخباري الحيلاتي المتوفّ نهاية القرن السابع عشر، والإخباري الجربي المتوفّ في مطلع القرن التاسع عشر. ما مكانة الدولة ومنزلة أخبار منطقة جربة في متنهما؟ وما علاقة الوضع الاجتماعي الذي كان يشغل هذا وذاك بإنتاج المعرفة التاريخية؟ وهل لهما خلفية معيَّنة يستتران وراءها ومشروع سياسي ومجتمعي يروِّجان له ويدافعان عنه؟ وهل هذه المشاريع متشابهة أم متنافرة؟

المراجع

  1. أستاذ محاضر في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة وعضو بمخبر دراسات مغاربية في كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية بتونس، تونس.
  2. أحمد عبد السلام، المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م، رسالة في تاريخ الثقافة، نقلها أحمد عبد السلام وعبد الرزاق الحليوي (قرطاج: بيت الحكمة، 1993)، ص 155.
  3. سعيد بن تعاريت، رسالة في تاريخ جربة في تراجم علماء الجزيرة وذكر أمرائها من بني السمومني وبني الجلود، مخطوط، المكتبة البارونية، حومة السوق - جربة.
  4. بخصوص انتقال جزيرة جربة من تبعية الإيالة الطرابلسية إلى الإيالة التونسية، انظر: محمد المريمي، "الفئات لاجتماعية بجربة وعلاقتها بالسلطة المركزية خلال العصر الحديث"، مذكرة شهادة الكفاءة في البحث، كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية بتونس، 1990 (غير منشورة)، ص 95.
  5. سليمان الحيلاتي، علماء جربة المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي، تحقيق محمد قوجة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.)
  6. محمد أبو راس الجربي، مؤنس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق محمد المرزوقي (تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1960.)
  7. للمزيد من لاطلاع على نظام العزابة، انظر: فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة (تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1975)؛ محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث (تونس: نشر كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة/ مجمع الأطرش للكتاب المختص / مخبر دراسات مغاربية،
  8. لمعرفة استعمال لفظة شيخ في الوسط الإباضي في جربة، انظر:
  9. يذهب الجربي إلى لاهتمام بأخبار السلطة المركزية في مختلف العهود التي مرت بها جربة وأهلها. ومثَّل ذلك منهجه وطريقة روايته للخبر قبل تنصيب الأتراك العثمانيين في الجزيرة وأثناء حكمهم. ويمثل ذلك في حد ذاته الخطاب الذي اعتمده في علاقته بالدولة والمجتمع.
  10. رشيد غريب، برج الغازي مصطفى (مدنين: مطبعة الجنوب، 1977)، ص 2.
  11. الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر رقم 1 (1087 - 1092 ه/ 1676 - 1681 م.)
  12. المرجع نفسه، ص 95.
  13. عبد الله السدويكشي، "رسالة في حكم صلاة الجمعة وشروطها"، في: ابن تعاريت. أراد صاحب الرسالة الرد على شيخ المخالفين ابن براهم (لعلّه أحد مشايخ أسرة الجمني في حومة السوق) لترك العزابة صلاة الجمعة.
  14. رشاد الإمام، سياسة حمودة باشا في تونس 1782 - 14 18 (تونس: الجامعة التونسية، 1980)، ص 229.
  15. يؤدّي المسجد في المجتمع الإباضي دورًا أساسيًا ويقوم على جماعة المصلين، وهي أهم مؤسسة في المسجد وهي التي تتولى تعيين من يتولى المؤسسات الأخرى داخل المسجد، منها الوكيل أو الوكيلَ ن والإمام والمؤذن والوقّاد... إلخ. ويكون على ملك الجماعة أملاك الوقف جميعها التي تكون تحت تصرفهم وفقًا للفقه الإباضي. ويؤسس المسجد لرابطة اجتماعية بين المصلين ويشع على أفراد الحومة كلِّهم.
  16. سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية (تونس: سراس للنشر، 2006)، ص 242.
  17. عبد السلام، ص 322.
  18. محمد علي الحبيب، "نبأ الإيوان" لأبي راس الناصري المعسكري الجزائري، في: معسكر المجتمع والتاريخ (الجزائر: منشورات مخبر البحوث لاجتماعية والتاريخية، جامعة معسكر، 2014)، ص 49 - 93.
  19. ابن يعقوب، ص 17.
  20. الصادق بن مرزوق، "أبو ظاهر إسماعيل الجيطالي: حياته ومآثره"، في: أعمال الملتقى حول تاريخ جربة (المعهد القومي للآثار والفنون/ جمعية صيانة جزيرة جربة، نيسان/ أبريل 1982)، ص 50.
  21. انظر في موضوع: "البراءة" وتطبيقاتها بجربة، في: فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية بجربة (تونس: معهد الآثار، 1975)، ص 98؛ محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث، ص 309.
  22. لا شك في أن الجربي عاش حدث دخول علي برغل إلى جربة سنة 1792، وقيام حمودة باشا بتخليصها من حاكم طرابلس حينها.
  23. المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث، ص 155.
  24. علي يحي معمر، الأباضية في موكب التاريخ، الأباضية بتونس، الحلقة الثالثة (بيروت: دار الثقافة، د.ت.)، ص 296.
  25. المرجع نفسه، ص 23.
  26. لم تكن الدولة الرستمية التي كان التفكير المذهبي الإباضي يشق مؤسساتها تجمع الأموال أو تفرض الضرائب على الناس، وإنما تجمع الزكاة وفق النظام الإسلامي. وتحرص على صرفها في وجوهها التي عينها الكتاب الكريم وكانت زكاة جربة لا تخرج منها، فقد كان عامل الدولة يجمعها من أصحابها ثم يصرفها بحرص شديد في الوجوه التي تصُرف فيها الزكاة، انظر: يحي معمر، ص 211 - 212.
  27. ابن يعقوب وقاسم قوجة، "رد على مقال نشر بالحياة الثقافية سابقًا"، الحياة الثقافية، العدد 38 (1985)، ص 247 - 250.
  28. هناك اختلاف بين مفهوم الولي الصالح لدى المالكية ولدى الإباضية. فالولي الصالح لدى هؤلاء هو من ينزوي بنفسه ويبتعد عن الناس، قصد التعبد والتأسيس لعلاقة مباشرة بالله. أمّا الولي الصالح لدى المالكية، فيُزار ويُتبرك به ويتوسط بين العبد وخالقه، انظر:
  29. حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق الطاهر المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب، 1975)، ص 130.
  30. الأرشيف الوطني التونسي، الدفتر رقم 1 (1087 - 1092 ه/ 1676 - 1681 م.)
  31. انظر: عبد الحميد هنية، تونس العثمانية، بناء الدولة والمجال (تونس: تبر الزمن، 2012.)

التنزيلات

منشور

2018-01-01

إحصاءات الاستخدام

41 مشاهدة 64 تنزيل

إصدار

القسم

ندوة أسطور