المعرفة التاريخية والدولة لدى مؤرخي الأطراف في البلاد التونسية خلال العصر الحديث
“Historical Knowledge and the State among Historians of Rural Tunisia in the Modern Era”
الملخّص
<p>يقسم بعض المؤرخين الإخباريين إلى منتجي معرفة تاريخية موضوعها الدولة أساسًا، وإلى آخرين منتجي معرفة تاريخية يتعلق موضوعها بجهاتهم. ذكر أحمد عبد السلام العديد من الإخباريين الموالين للدولة، وقدّم لمؤلفاتهم، من بينهم ابن أبي دينار في القرن السابع عشر، وحسين خوجة والوزير السراج وحمودة بن عبد العزيز في القرن الثامن عشر، وخير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وغيرهم في القرن التاسع عشر. وركز هؤلاء المؤرخون في أخبار السلطة المركزية، ولم يجرِ التطرق إلى أخبار الجهات والمجتمعات الطرفية في متونهم ومؤلفاتهم إلا بقدر تدخل الدولة فيها. ويهتم مؤرخو النواحي بأخبار جهاتهم والمجتمعات المحلية وأهل المناطق الطرفية التي يكتبون عنها. وذكر بعضهم أيضًا أحمد عبد السلام في رسالته في تاريخ الثقافة، ومن بينهم في القرن السابع عشر، المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي، وفي القرن التاسع عشر محمود مقديش الصفاقسي ومحمد أبو راس الجربي، وبقي بعضهم إلى تواريخ متأخرة غير معروف لدى الخاصة والعامة بسبب عدم الترجمة له، من بينهم سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي وسعيد بن تعاريت الجربي وغيرهما. وركز هؤلاء في هياكل النفوذ المحلية، ولم يهتمّوا بأخبار الدولة إلا بقدر ما لهياكل النفوذ المحلية علاقة بها. وفي الحصيلة، تكون أخبار الدولة في إنتاج المعرفة التاريخية لدى هؤلاء، طرفية بالنسبة إلى الأخبار المتعلقة بهياكل النفوذ المحلي، ويكون الأمر على النقيض من ذلك لدى أولئك.</p> <p>وتمثل الدولة والمجتمعات المحلية ومؤسسات النفوذ المحلي تركيبات سياسية ومجتمعية معقدة تشارك فيها أطراف عدّة وفاعلون اجتماعيّون من بينهم المؤرِّخون أنفسهم. وتنشأ في الحالات جميعها معادلة بين المؤرخ بوصفه فاعلًا اجتماعيًّا، والمؤرخ بوصفه منتِجًا للمعرفة التاريخية.</p> <p>واستنادًا إلى هذا المنطق سندرس علاقة المعرفة التاريخية بالدولة وطبيعتها في متون الإخباري سليمان بن أحمد الحيلاتي والإخباري محمد أبو راس الجربي ورسائلهما. وينتمي كلاهما إلى جزيرة جربة ولذلك ينعت كل منهما بالجربي ويتخذان من الجزيرة، خلال عهد الأتراك العثمانيين، موضوع متنهما. وقد كانت جربة حينها تحت حكم عائلات أعيانٍ إباضية وخصوصًا عائلة الشيخ مسعود بن صالح السمومني. وكان آخر أمراء الحكم ومشايخه في جربة، السمومني الذي تولّ الحكم سنة 1558، ثم عائلة بن جلود التي انقرضت بوفاة الشيخ سعيد بن محمد بن صالح بن جلود سنة 1800-1801. ومرت جربة حينها من تبعية الإيالة الطرابلسية التي استمرت من سنة 1551-1552 حتى بداية القرن السابع عشر، ثم أُلحقت بالإيالة التونسية، وبلا رجعة، بداية من عهد يوسف داي (1610-1937).</p> <p> والمهم أن نفهم طبيعة المعرفة التاريخية التي أنتجها الإخباري الحيلاتي المتوفّ نهاية القرن السابع عشر، والإخباري الجربي المتوفّ في مطلع القرن التاسع عشر. ما مكانة الدولة ومنزلة أخبار منطقة جربة في متنهما؟ وما علاقة الوضع الاجتماعي الذي كان يشغل هذا وذاك بإنتاج المعرفة التاريخية؟ وهل لهما خلفية معيَّنة يستتران وراءها ومشروع سياسي ومجتمعي يروِّجان له ويدافعان عنه؟ وهل هذه المشاريع متشابهة أم متنافرة؟</p>
Abstract
Lecturer in the Faculty of Arts and Humanities in Manouba and a member of the Maghreb Studies Laboratory at the Faculty of Humanities and Social Sciences in Tunis, Tunisia. 2 Abdelhamid Henia, "Historiographie moderne en Tunisie et mémoires de l'Etat (XVIIIe-XIXe siècle)," in: Ecritures de l'histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie , coordination A. El Moudden, A. Henia, A. Benhadda (Rabat: Faculté des lettres et des sciences humaines, 2007).
- التاريخ
- الدولة
- المؤرخ
- تونس
- المعرفة
- Historical Knowledge
- and the State among Historians
- Rural Tunisia
- the Modern Era
يقسم بعض المؤرخين1 الإخباريين إلى منتجي معرفة تاريخية موضوعها الدولة أساسًا، وإلى آخرين منتجي معرفة تاريخية يتعلق موضوعها بجهاتهم. ذكر أحمد عبد السلام العديد من الإخباريين الموالين للدولة، وقدّم لمؤلفاتهم، من بينهم ابن أبي دينار في القرن السابع عشر، وحسين خوجة والوزير السراج وحمودة بن عبد العزيز في القرن الثامن عشر، وخير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وغيرهم في القرن التاسع عشر3. وركز هؤلاء المؤرخون في أخبار السلطة المركزية، ولم يجر التطرق إلى أخبار الجهات والمجتمعات الطرفية في متونهم ومؤلفاتهم إلا بقدر تدخل الدولة فيها. ويهتم مؤرخو النواحي بأخبار جهاتهم والمجتمعات المحلية وأهل المناطق الطرفية التي يكتبون عنها. وذكر بعضهم أيضًا أحمد عبد السلام في رسالته في تاريخ الثقافة، ومن بينهم في القرن السابع عشر، المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي، وفي القرن التاسع عشر محمود مقديش الصفاقسي ومحمد أبو راس الجربي، وبقي بعضهم إلى تواريخ متأخرة غير معروف لدى الخاصة والعامة بسبب عدم الترجمة له، من بينهم سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي وسعيد بن تعاريت الجربي4 وغيرهما. وركز هؤلاء في هياكل النفوذ المحلية، ولم يهتمّوا بأخبار الدولة إلا بقدر ما لهياكل النفوذ المحلية علاقة بها. وفي الحصيلة، تكون أخبار الدولة في إنتاج المعرفة التاريخية لدى هؤلاء، طرفية بالنسبة إلى الأخبار المتعلقة بهياكل النفوذ المحلي، ويكون الأمر على النقيض من ذلك لدى أولئك. وتمثل الدولة والمجتمعات المحلية ومؤسسات النفوذ المحلي تركيبات سياسية ومجتمعية معقدة تشارك فيها أطراف عدّة وفاعلون اجتماعيّون من بينهم المؤرِّخون أنفسهم. وتنشأ في الح لات جميعها معادلة بين المؤرخ بوصفه فاعلًاجتماعيًّا، والمؤرخ بوصفه منت جًا للمعرفة التاريخية. واستنادًا إلى هذا المنطق سندرس علاقة المعرفة التاريخية بالدولة وطبيعتها في متون الإخباري سليمان بن أحمد الحيلاتي والإخباري محمد أبو راس الجربي ورسائلهما. وينتمي كلاهما إلى جزيرة جربة ولذلك ينعت كل منهما بالجربي ويتخذان من الجزيرة، خلال عهد
الأتراك العثمانيين، موضوع متنهما. وقد كانت جربة حينها تحت حكم عائلات أعيان إباضية وخصوصًا عائلة الشيخ مسعود بن صالح السمومني. وكان آخر أمراء الحكم ومشايخه في جربة، السمومني الذي تولّ الحكم سنة 1558، ثم عائلة بن جلود التي انقرضت بوفاة الشيخ سعيد بن محمد بن صالح بن جلود سنة 1800 - 1801. ومرت جربة حينها من تبعية الإيالة الطرابلسية التي استمرت من سنة 1551 - 1552 حتى بداية القرن السابع عشر، ثم أُلحقت بالإيالة التونسية، وبلا رجعة، بداية من عهد يوسف داي (1610 - 1637)5. والمهم أن نفهم طبيعة المعرفة التاريخية التي أنتجها الإخباري الحيلاتي المتوفّ نهاية القرن السابع عشر، والإخباري الجربي المتوف في مطلع القرن التاسع عشر. ما مكانة الدولة ومنزلة أخبار منطقة جربة في متنهما؟ وما علاقة الوضع لاجتماعي الذي كان يشغل هذا وذاك بإنتاج المعرفة التاريخية؟ وهل لهما خلفية معيَّنة يستتران وراءها ومشروع سياسي ومجتمعي يروِّجان له ويدافعان عنه؟ وهل هذه المشاريع متشابهة أم متنافرة؟
الموضوع واحد والمعرفة التاريخية جمعًا
نتطرق إلى الكتابة التاريخية وكيفية إنتاج المعرفة التاريخية لدى الحيلاتي6 والجربي7 في مستوى الخبر التاريخي أولً، وتهمنا في الحالتين كلتيهما الأخبار الواردة في خطابيهما في سياق العلاقة بالدولة، وفي الحالة التي نحن فيها، دولة الأتراك العثمانيين في طرابلس وفي تونس من حيث زمانها والفاعلون لاجتماعيون فيها ومجالها ثم مكانة البناءات الطرفية منها. كما نتطرَّق إلى الخبر التاريخي في علاقة بالتركيبة السياسية و لاجتماعية التي تمثلها هياكل النفوذ المحلي، والحالة التي تهمنا هي حالة النظام السياسي والإداري الإباضي، المعروف في جزيرة جربة بنظام العزابة من حيث مؤسساته وذاكرة أهل الجزيرة ووحدة ترابه أو عدمها. ويذهب اهتمامنا إلى مستوى ثانٍ لتناول الموضوعات التي يتطرق إليها الإخباريَّان كلاهما، وما تفرزه من اختلاف في صوغ خطابيهما في مدونة خاصة بهما من حيث طبيعتها وتقاطعها أو تنافرها، كما نسعى إلى إبراز الحدود الفاصلة و/ أو الواصلة بين نسيج الخبر في متن كليهما. كما سنتطرق إلى موضوع من الموضوعات المشتركة التي تم تناولها في المتنين كليهما، فنتناوله مثالً للدرس والتمحيص. واخترنا من بين الأخبار المشتركة الواردة في متني الحيلاتي والجربي خبرًا يمثل حدثًا تاريخيًّا تأسيسيًّا، مفاده: قطع جزيرة جربة علاقتها بالعهد الحفصي وتبعيتها للبلاد التونسية، ودخولها إلى الإمبراطورية العثمانية وتبعيتها لها، وهي بذلك تصبح طرفًا ضمن إيالة طرابلس. ويتمثل الخبر بدخول درغوث باشا والي طرابلس إلى الجزيرة، وضمّها إلى الإيالة الطرابلسية التي فتحها الأتراك العثمانيون سنة 1551 ‑ 1552. ويقول الحيلاتي بخصوص ذلك: "وفي سنة ستة وستين دخل الشيخ مسعود بن صالح (السمومني) جربة ووقعت الفتنة بين سدويكش ومستاوة والأتراك وعرب الحزم في مرسى سدويكش فكانت الدائرة على سدويكش وتمادت الفتن والقتل بين الفريقين سبعة أشهر وجاء الباشا درغوث من طرابلس مع أولاد شبل والسبعة وزوارة وخلق كثير برًا وبحرًا ونزل قشتيل الوادي فالتقى مع الشيخ مسعود والوهبية في سبخة القشتيل فوقعت الدائرة على الوهبية لكثرة جنود طورغود ومات منهم ألف ومائتان ومات من الأتراك ومستاوة ومن معهم خلق كثير، ووقع من الفيء والسبي وهتك الحريم ما لم يأذن به الله"8.
أما الجربي فيروي الخبر نفسه على النحو الآتي: "وفي سنة ستين وتسعمائة قدم صاحب طرابلس درغوث باشا الى الجزيرة بعساكره من الترك وزوارة والسبعة وأولاد شبل ولما سمع أهل الجزيرة بقدومه ارسلوا الى صاحب تونس أحمد بن الحسن الحفصي يستمدونه فلم يلتفت اليهم لعجزه واختلاف أمره فهاجمهم درغوث باشا ودخل الجزيرة ونزل على الساحل القبلي واجتمعت أهل الجزيرة وقاتلوا قتال شديدًا وترادفت العربان مع درغوث باشا فانهزم اهل الجزيرة واستشهد منهم الف ومائتا شهيد وافترق الباقون واستولى درغوث باشا على الجزيرة ورتب قوانينها واستخلف عليها عامله الشيخ مسعود السمومني ورجع الى طرابلس سنة سبع وتسعين وتسعمائة وكان أهل المدينة في كدر من جور عمال طرابلس فأرسلوا الى صاحب تونس وفي ذلك التاريخ دخلت الترك لمدينة تونس والحكم بايدي البلكباشية في الديوان"9. أورد الحيلاتي والجربي الخبر مركّبًا. ويمكن أن يعدّ في حد ذاته خطابًا يحتوي على عناصر عدّة، منها رؤية كل إ خباري للزمن من خلال علاقته بالدولة. ويضع الحيلاتي الخبر سنة 966 ه/ 1558 ‑ 1559 م، والجربي سنة 960 ه/ 1552 - 1553 م أي بمسافة زمنية تقدر بست سنوات. ولم يكن فارق السنوات كبيرًا ولكنه ليس بلا مقابل أو بلا معنى. ومهما يكن من أمر، يركز الحيلاتي خبره في السمومني، شيخ الحكم في جربة. وقد أُعطي آل السمومني والأسرة10 مقاليدَ مشيخة الجزيرة منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي تقريبًا. وكانت مؤسسة شيخ جربة تمثّل بناء سياسيًّا محليًّا هرميًّا يرمز إليه. ويشق ذلك البناء التفكير المذهبي الإباضي ويعرف بنظام العزابة11. ويجعل الحيلاتي من هياكل النفوذ المحلي مركزًا لخبره. وتمثّل الأخبار التي لا ترتبط بشيخ جربة، كالأتراك وعرب الحزم وغيرهم، ملاحق الخبر المتعلق بالسمومني أو أطرافه12. ويهتم الحيلاتي بنتائج الخبر المرتبط بأهل جربة في مختلف المراحل. ويصبح مرسى سدويكش حينئذ في مرحلة أولى مكانًا للذاكرة، يرتبط بمواجهة سدويكش ومستاوة وتحالف مستاوة مع الأتراك وعرب الحزم، فنعت المواجهة مع مستاوة بالفتنة. ثم جعل قشتيل الوادي مكانًا لذاكرة آخر مشهد مواجهة بين السمومني وباشا طرابلس درغوث وحلفائه. فلم تكن المؤسسة المخزنية تعني الحيلاتي إلا حينما ترتبط بالسلطة المحلية وتتدخّل في الجزيرة. فلا تكون الدولة في الحصيلة غائبة في خبر الحيلاتي بل يكون لها موقع طرفي. وفي المقابل يركز الجربي الخبر في دخول الأتراك إلى جربة13 وخصوصًا الأفعال التي قام بها درغوث باشا بوصفه رمزًا لمركز حكم ونفوذ. ويهتم أيضًا بهزيمة أهل جربة واستشهاد بعضهم وتشتُّت بعضهم الآخر. ويعير الجربي الفعل المخزني الذي قام به درغوث باشا بجربة قبل مغادرته الجزيرة أهمية. وبعد استيلاء درغوث باشا على جربة رتب قوانينها واستخلف فيها السمومني، فحول مؤرخنا منصبه من وضع شيخ جربة، بمعنى شيخ الجزيرة أو شيخ البلد، إلى عاملها. ويشير الجربي في مناسبتين إلى علاقة أهل جربة بالمركز تونس، فقد راسل هؤلاء صاحب تونس في زمن بحثهم عن حليف لمواجهة درغوث باشا والتصدي لدخوله أرض جربة، ثم في زمن مواجهة جَور عمال طرابلس العاملين في الجزيرة. ويدل هذا الإيماء على أن الراوي ينحاز إلى أتراك تونس ويفضلهم على نظرائهم في طرابلس.
Gilles Veinstein, "Aperçus sur l'entrée de l'île de Djerba dans l'orbite ottomane," in: Les provinces arabes et leurs sources documentaires à l'époque ottomane, CER sur les provinces arabes à l'époque ottomane (Tunis: 1984).
ولم يقتصر الخلاف بين الحيلاتي والجربي على صوغ الخبر وروايته وفق المنطق الذي بيَّناه فحسب، بل يتجاوز ذلك ليمتد إلى كيفية التطرق إلى الموضوعات وتناول روايتها، فقد تطرق الإ خباريان إلى الموضوعات نفسها وعلاقتها بالمجال المجتمعي الواحد الذيِ هو جزيرة جربة، وبالدولة ذاتها التي هي سلطة طرابلس، ثمَّ سلطة تونس. ونذكر منها الأحداث السياسية والمعالم الدينية وأخبار المشايخ أو العلماء. ومن بين هذه الموضوعات العديدة، نتوقف عند موضوع واحد، يتمثَّل بما يسميه الحيلاتي مساجد الشطوط ويسميه الجربي مزاراتها وحصونها. ويذكر الحيلاتي نوعين من المواقع والمعالم ذات العلاقة بالمنظومة الدفاعية المحلية في جربة؛ الأبراج ومنها القشتيل بمعنى قشتيل الوادي أو بمعنى ما يعرف اليوم بالبرج الغازي مصطفى14، وبرج قصر مسعود أو برج مسعود. وكان لهذه الأماكن صبغة دفاعية عسكرية أو أمنية، وكان أهل جربة يقرّون بأن هذه المنشآت الدفاعية كانت للمخزن في إنشائها وفي حيازتها وفي رمزيتها، فكانوا يدفعون لدولة البايات المرادييّن ثم الحسينيين أداءً: "وعليهم أداء يخرج للحصارات"15. وكان يوظف هذا الأداء حينها لترميم تلك المعالم وصيانتها. وقد استفاد منها المخزن أكثر مما استفاد منها أهل الجزيرة، وكانت هذه الأماكن مسرحًا لمعارك دارت رحاها بين الأتراك العثمانيين والنصارى، قبل أن تستقر الجزيرة في أيدي الأتراك. وقد استغل أهل جربة أنفسهم تلك الأبراج لمواجهة القوى الخارجية المعادية، خصوصًا النصارى سنة 1560. واستغل شيخ جربة والوهبية برج القشتيل سجنًا حينما كانت تضعف السلطة المركزية في الجزيرة ويقوى نفوذ الهياكل المحلية (العزابة). وقد سجن أهل جربة فيها السمومني، المتوفى سنة 967 ه/ 1559 - 1560 م، بعد أن عزلوه، وكان قد جار عليهم وظلَمهم16. ومن جهة أخرى، يركز الحيلاتي في مساجد الشطوط، ويخصص لها رسالة منفردة من رسائله؛ نظرًا إلى أهمية دورها العسكري في المنظومة المحلية التي تشمل أيضًا التنظيم السياسي والإداري، ويميزها عن مساجد الحوم (مفردها حومة) وتنتشر مساجد الشطوط التي يدلّ اسمها على السواحل، وكانت تعلّم حدود الجزيرة الجغرافية. ويبلغ عددها أكثر من 25 مسجدًا. وكانت رباطات لخفر السواحل. وقد كان مشايخ العزابة في الجزيرة كالشيخ إلياس بن داود الهواري أحد شيوخ العزابة في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، يزورون هذه المساجد بصفة دورية، فكانت الزيارة إحدى عادات هياكل العزابة. وكانت الغاية منها تفقُّد الأماكن وشدّ أزر المرابطين وتحفيز همم المقيمين فيها وإقامة الصلاة معهم17. وقد كانت مساجد الشطوط تنسب إلى أفراد تؤكد الذاكرة علاقة القرابة بهم، فيقال: "مسجد عمّي عمر" الكائن في صدغيان، أو إلى أفراد يربط بينهم جدّ واحد، فيقال مثلً: "مسجد أولاد ابن زكرياء"، أو ينسب المسجد إلى فقيه أو شيخ، وهكذا. وقد يطلق على المسجد أسماء نسبة إلى المكان أو إلى حجمه مقارنةً ببقية المساجد الأخرى القريبة منه، فيقال مثلً: "المسجد الكبير". ولا نعثر في رسائل الحيلاتي على أي معلم ديني يكون في وضع الجامع. فالجوامع لدى الإباضية تتطلب شروط إقامة الجمعة ومن بينها شرط توافر الحاكم العادل كما سنرى18. ولما لم يكن هذا الشرط متوافرًا، كانت مساجد إباضية جربة جميعها في وضع المساجد، ولم تكن البتة في وضع الجوامع. ومهما يكن من أمر، فقد مثَّلت مساجد الشطوط حلقةً من حلقات المنظومة الدفاعية في جربة، ضمن نظام العزابة الإباضي،
وهي الحصون المتقدمة ضمن المنظومة الدفاعية المحلية في جربة. وقد أدت مساجد الحوم أيضًا دورًا حربيًّا متأخِّرًا في أكثر من مناسبة في الجزيرة. كما كان لتخطيط المنازل أيضًا الدور نفسه؛ أي دور المراقبة والدفاع. شملت نظرة الحيلاتي إلى الحصون والمنظومة الدفاعية في جربة، مكونات هياكل النفوذ المحلي ومؤسساتها. فقد كان النظام المعروف بنظام العزابة يشمل جهازًا سياسيًّا وإداريًّا إلى جانب المؤسسات لاجتماعية (وهو الجهاز الذي تكرس من خلاله الرابطة لاجتماعية والتضامن والتكافل بين أفراد المجموعة الواحدة)، وجهاز دفاعي وأمني، وهو الذي مثَّل موضوع اهتمامنا. واهتم الجربي في المقابل بالمنظومة الدفاعية في جربة. وأحصى سبعة أبراج في الجزيرة، شملت البرج الكبير المسمى الحصار ويقع على الساحل الشمالي، شرقي مرسى حومة السوق، وبرج جليج الجديد الذي أحدثه حمودة باشا الحسيني ويقع غربي المرسى المذكور، وبرج آجيم الذي يقع على الساحل الغربي. كما أنَّ هناك أربعة أبراج تقع على الساحل الشرقي: وهي برج تاربلة، وبرج القنطرة، والبرج المسمى بقشتيل الواد، وبرج آغير. واشتمل الساحل الشرقي على هذا العدد من الأبراج، لأن الخطر المحدق بالجزيرة كان يأتيها من هذه الناحية. ويرجع بناء هذه الأبراج جميعها إلى حضور السلطة المركزية في صيغتها المحلية في الجزيرة في فتراتها المختلفة والمتعاقبة. فقد أ سِّس البرج الكبير المسمى الحصار مثلً في عهد أبي فارس الحفصي، وقد كان الحفصي أميرًا على تونس وقدم إلى جربة لنجدة أهلها من الحملة الإسبانية19. أما برج جليج الجديد فقد شيّده حمودة باشا الحسيني الذي ساند أسرة القرمنلي بإيالة طرابلس، ووقف ضدّ الخطر المحدق بجربة جرّاء تدخل علي برغل في الجزيرة20. وجعل الجربي مساجد الشطوط في الجزيرة التي تعدّها الإباضية جزءًا من المنظومة الدفاعية ومراكز لخفر السواحل ومراقبة الأعداء في البحر، مزارات لا غير، ارتبطت بأولياء صالحين واضطلعت بوظيفة دينية مالكية تقوم في ما تقوم، على التصوف. وكان لأصحابها بركة يرجى منها الفائدة للزائرين وغيرهم. وقد أحصى الجربي من بين هذه المزارات ما يقارب العشرين مزارًا، تتوزع حول الجزيرة، بحيث ترسم حدودها الجغرافية. وفي الحصيلة، أخرج الجربي مساجد الشطوط من دائرة المنظومة الدفاعية المحلية الإباضية، وحشرها ضمن المنظومة الدينية المحلية المالكية. وكان "المالكية" الحلفاء الموضوعيين للسلطة المركزية التي كانت بيد الأتراك أصحاب لانتماء المذهبي الحنفي. فكانت رؤية الجربي مخالفة نظيرتها، رؤية الحيلاتي، تمامًا على الرغم من أن موضوعهما واحد. وبناءً عليه، فإن لاختلاف في علاقة الحيلاتي والجربي بالزمن، أدى إلى اختلاف مدونة كليهما أيضًا. يستعمل الحيلاتي في مدونته ألفاظًا ومصطلحات تخص الفاعلين لاجتماعيين المحليين، فيذكر لفظة سدويكش وكلماتٍ، نحو: مستاوة ووهبية، فضلً عن لفظ الشيخ، إلخ. وتخص هذه الألفاظ مستويات تتمثل بالجانب الإثني والقبلي و لانقسام الديني المذهبي والتنظيم السياسي الذي تمثله لفظة شيخ جربة وترمز إليه. وفي المقابل يستعمل الجربي لفظة أهل جربة وهي عبارة يمكن أن يكون لها معنيان: يتمثل الأول بسكان جربة الأصليين، وهذا هو المعنى الأرجح الوارد في خطابه. والثاني حكماء جربة وأعيانها ممثلين بمجلس العزابة الأعلى، وهو المعنى المستبعد استعماله من طرف مؤرخنا. ويستعمل الجربي ضمن مدونته ألفاظًا، نحو: "العامل" مكان "الشيخ" والقسم بمعنى التقسيم الترابي والإداري المحلي. وهو لا يعدّ السمومني شيخًا بمعنى شيخ جربة أو شيخ البلد أو شيخ الجزيرة كما يتداول لدى أهل جربة، بل يصفه ب "العامل" بمعنى القايد أو الوالي أو عامل الباشا في الجزيرة. فمؤسسة رأس التركيبة المحلية السياسية والإدارية واحدة، ولكن نظرة الإ خباريين إليها مختلفة، ويرجعِ ذلك إلى اختلاف مواقع الحيلاتي والجربي من الدولة والمجتمع، ولا يختلف الإ خباريان في ما سوى ذلك من المدونة، فيستعمل كلاهماِ لفظة الأتراك وألفاظًا أخرى دالَّة على باقي القوى المتحالفة معهم من الجزء القارّي القريب من جربة، كأولاد شبل وزوارة والسبعة... إلخ.
ويبدو جليًا أن للحيلاتي والجربي منطقهما في إنتاج المعرفة التاريخية في مختلف مستوياتها. ويرجع ذلك إلى أن المؤرخ في الحصيلة هو ليس مؤرخًا فحسب، بل هو فاعل اجتماعي أيضًا. ويتجلّ ذلك من خلال تفحُّص الروايات الإخبارية واختلاف العناصر التي تكونهاِ. فمن وراء هذا وذاك انتماء وانخراط في منظومات سياسية وإدارية مختلفة في مستويات مؤسَّسية وترابية مختلفة أيضًا. ومهما يكن من أمر، فإن المعرفة التاريخية تكون في علاقة بالدولة ولا تخرج عن نطاقها. فالقاسم المشترك بين الحيلاتي والجربي هو حضور الدولة في معرفتهما التاريخية على الرغم من اختلاف مكانة الدولة في الخبر لدى كليهما. وتكون مكانة الدولة رفيعة القدر لدى الجربي، مقارنةً بما كان عليه البناء السياسي الطرفي في جربة الذي يعرف بنظام العزابة ويلاحظ خلاف ذلك لدى الحيلاتي. ثمّ إن للحيلاتي والجربي منطقهما في معالجة الواقع الطرفي الذي تمثله جزيرة جربة. والسؤال المطروح في هذا السياق هو: هل يعود اختلاف إنتاج المعرفة التاريخية إلى موقع هذا الإخباري أو ذاك في مجتمعه، ومكانته ومركزه فيه؟ِ
الإِخباري بين معروف ومجهول
ينظر اليوم إلى الحيلاتي والجربي على أنهما إِخباريان، وبغض النظر عن أن الأول عاش في القرن السابع عشر وتوفي سنة 1688 - 1689 بينما يعدّ الثاني من مؤرخي القرن التاسع عشر وتوفي بعد سنة 1807، وقد كانت المعرفة التاريخية والخطاب الذي يتمثل بمتنيهما بلا شك على علاقة بموقع كليهما من مجتمعهما، وبمنزلتهما فيه وبالمسافة التي تفصلهما عن الدولة وهياكلها. ويعترف متتبعو تراجم المؤرخين بانتماء الحيلاتي إلى جربة وأهلها. أما في حالة الجربي فيعترف له بعض المؤرخين ب لانتماء إلى أهل جربة وفي المقابل ينكر بعضهم الآخر عليه انتماءه إليهم ويشككون في رواية أصله إلى جربة. استمد الحيلاتي علاقته بأهل جربة ومكانته فيهم، من عناصر عدّة؛ فهو ينتمي إلى حومة جعبيرة في جربة والحومة هي الحلقة الترابية الدنيا في التقسيم الترابي لنظام العزابة، وغالبًا ما تعرف الحومة بمسجدها، فيمثِّل المسجد المكان المنظم المجتمعي للحومة21. ويمثِّل الحيلاتي أيضًا بالنسبة إلى معاصريه وإلى الأجيال الإباضية المتعاقبة بعد وفاته الشيخ العالم. وقد شهد عصره العديد من مشايخ العلم الكبار فاحتل مكانة رفيعة بينهم ونعته الجربي نفسه بقوله: "هو شيخ مشايخ عصره ووحيد دهره"22 ووصفه سعيد بن تعاريت بأنّه: "الشيخ التحرير العالم أبو الربيع سليمان أحمد الحيلاتي محي ما انطمس من آثار أهل الدعوة برسائله وتقييداته المفيدة التي تقدم الكلام عليه والأخذ منه في تاريخ مجالس العلماء والتعريف بهم وذكر مشاهدهم ومقابرهم واجتماعاتهم بجربة وقد اعتنى بهذا الشأن عناية يشكر عليها رأيت له رسالة قيل فيها مشاهد المشايخ وأماكن أضرحتهم ومناقبهم وابتدأ بأبي منصور. ورأيت له قدر ورقة قيل فيها بعض المشايخ ومواضيع المجالس للعلم والتعليم والإفتاء ومن المتولي في ذلك من كل عصر وابتداء بالشيخ العلامة بوعيش بن موسى الجربي وقد رتب وجمع نسبة الدين من زمنه الى النبي صلى الله عليه وسلم [...] ورأيت له أجوبة لأسئلة في الفقه والأحكام الشرعية وكان [...] معاصر للشيخ العلامة أبي عبيد الله محمد ابن أبي ستة الشهير بالمحشي [...] توفي في آخر المائة الحادية بعد الألف [...] وأما الحيلاتي فإنّه توفي في آخر المحرم سنة 1099 ه (1688 - 1689 م) وقبر سليمان الحيلاتي شرقي قبر أبيه قبلة مسجد البوليمانيين بحومة فصيل وقد حقق موت الحيلاتي ومدفنه الشيخ يوسف بن يحي البلاز"23.
خلف لنا الحيلاتي مجموعة من الرسائل بعضها كامل وبعضها مبتور وناقص سواء في أوله أو في آخره، وشغل وظيفة مدرس، وتُعد هذه الوظيفة حينها من وظائف نظام العزابة في مجال التعليم وقام بمهمة الإفتاء في زمانه ومكَّن من إحياء الذاكرة الإباضية. وأسَّس لمدرسة في الكتابة التاريخية بالنسبة إلى الإباضية، فخطا خطاه مثلً في القرن التاسع عشر الشيخ سعيد بن الحاج علي بن حمزة بن تعاريت المتوفى سنة 1289 ه/ 1871 - 1872 م فرغ من تأليف رسالة في تاريخ جربة سنة 1274 ه/ 1857 - 1858 م24. وانخرط الحيلاتي في مجموعته الإباضية الوهبية أيضًا عن طريق عائلته، أي أسرة الحيلاتيين فكان أبوه أحمد بن محمّد الحيلاتي المتوفى سنة 1648 - 1649 م رجلً وصف بالتقي والمحافظ وكان "دأبه العبادة وزيارة المساجد"25. وكان الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الحيلاتي هو الذي أعطى مكانة للعائلة. فبعد سياحة علمية في مدارس جربة ومساجدها ارتحل إلى جبل نفوسة ثم القاهرة حيث درس في المدرسة الإباضية وجامع الأزهر. وكان "الحامل لعلم المعقول من القاهرة إلى جربة"26. وأهَّله تكوينه وكفاءته لتولي رئاسة مجلس العزابة خلال القرن السادس عشر الميلادي. وتعدُّ أسرة الحيلاتي من منظور العلماء والمشايخ الإباضية في جربة وخارجها، من العائلات القواعد التي يقوم عليها المجتمع المحلي في الجزيرة. وكانت أخبار الحيلاتي المتعلقة بالزمن بخصوص انتمائه الشخصي والعائلي والطائفي مطاب قة مطابَقةً كاملة للزمن لدى هياكل النفوذ المحلي، أي العزابة. وقد ركز في مشايخ العلم والدين ومشايخ الحكم، ويذكر في مقدمة إحدى رسائله: "ذكر شيء مما جرى على السلف ذكرته ليتسلى به الخلف مختصرًا مما اعتنى بجمعه بعضهم". فهو يركز في مَن عاش قبله ومن سيأتي بعده من أجيال الإباضية ولم يتطرق إلى زمن الدولة إلا بقدر ما كان له علاقة بأخبار الداخل المحلي. وقد ترجم قلة قليلة للحيلاتي، من بينهم محمد محفوظ الذي قدم له تقديمًا موجزًا ونسي ذكره كليًّا أحمد عبد السلام الذي اهتم بالترجمة للمؤرخين التونسيين، وخصوصًا في القرن السابع عشر. وفي المقابل، يعرف الجربي باسمه (محمد) وباسم عائلته (أبو راس) من دون الإحالة على سلفه (الأب، الجد... إلخ) ولا نعرف شيئًا عن الحومة التي ولد فيها ونشأ، ولا عن أفراد عائلته ولا الخطط التي يمكن أن يكون تولَّها، وإلى أي مجموعة مذهبية أو إثنية انتمى. ونعلم في المقابل، أنّه ينعت ب "الجربي" لا غير. ولم يكن يحظى بالإجماع على الرغم من ذلك النعت بخصوص رواية أصله. وقد اختلف الدارسون في حقيقة انتمائه إلى جربة وإلى الإباضية. ويمكن أن نميّز في هذا الأمر بين ثلاثة اتجاهات أفرزها النقاش حول تعريف الجربي. يتمثّل لاتجاه الأول بما كتب محمد المرزوقي الذي تولى تحقيق كتاب مؤنس الأحبة في أخبار جربة، وكذلك أحمد عبد السلام صاحب رسالة في تاريخ الثقافة خصصها لدراسة المؤرخين التونسيين في القرون (السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر). وقد نفى محقق "المؤنس" أن يكون محمد أبو راس الجربي هو محمد أبو راس أحمد الناصر الدرعي المغربي صاحب الرحلة. ولاحظ أحمد عبد السلام من جهته أننا "لا نعلم إلا القليل عن مؤلفه (كتاب المؤنس) محمد أبو راس الذي يضيف بعضهم إلى اسمه الناصر أو أحمد الناصر ولعلهم مخطئون في ذلك"27. ولإثبات هوية مؤلفنا، لجأ المرزوقي إلى التحقيق الميداني للتعريف به لكن بلا جدوى. فلقد اهتدى إلى وجود عائلة أبو راس بجهة غيزن في جربة وكان لها فروع منتشرة في أماكن عدّة داخل الجزيرة وخارجها، ولم يمكنه اتصاله ببعض أفراد العائلة من الحصول على أي علم عن صاحب المؤنس. ويعترف عبد السلام المرزوقي بأن الجربي قد ولد في جزيرة جربة "حيث قضى حياته على ما يبدو، وحيث شاهد عن كثب الأحداث التي جرت في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ميلادي والتي رواها في كتابه"28.
ويمثل لاتجاه الثاني المؤرخ محمد علي الحبيب الذي كتب مقالةً بعنوان: "نبأ الإيوان لأبي راس الناصري المعسكري الجزائري مصدر جديد حول القيروان"29. ناقش فيها نسبة الجربي وانتماءه لجزيرة جربة وأهلها من عدمه. ويزعم مؤرخنا أن الجربي، صاحب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة" هو نفسه مؤلِّف نبأ الإيوان بجمع الديوان في ذكر صُلحاء مدينة القيروانالذي هو محمد أبو راس بن أحمد [...] الراشدي قبيلة، والمعسكري إقامة ومدفنًا، والجزائري نسبة لبلده المتوفى سنة 1823. ويذهب إلى القول إنّ محمد المرزوقي أهمل لاسم الكامل للكاتب الذي ورد في ديباجة النسخة الخلدونية على غلاف كتابه وعوّض المرزوقي لاسم بكنية الجربي من دون تبريرات أو مستندات. ويعدّ محمد علي الحبيب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة" من التآليف الثانوية لدى المعسكري. ويرى مؤرخنا من جهة أخرى أن صاحب "نبأ الإيوان" مرّ على جربة في بعض أسفاره ولكنه لم يكن له علم بوجود المذهب الإباضي. ويزعم أن جربة أصبحت حينها في حضيرة المالكية ويرى أن التراجم المختصرة لمشايخ الإباضية في كتاب مؤنس الأحبة لا تدل على انتماء الجربي لجربة. فكانت مشاركة محمد علي الحبيب في نقاش مسألة انتماء الجربي من الناحية الإبستيمولوجية، ومن الناحية الفلسفية التاريخية تنطلق من خارج واقع جربة، ومن خارج خطاب الجربي نفسه. فكان عليه التمييز بين ما يقوله النص وما لا يذكره، وخصوصًا ما يتحمله الواقع التاريخي لجربة خلال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلاديين. فقد الإباضيّون في جربة حينها زمن الجربي كثيرًا من نفوذهم، مع ضعف واضح في مؤسسات هياكلهم المحلية (العزابة) ولكن بقي وزن أعيان الإباضية قائمًا بفضل هيبة مشايخ الدين والعلم والفقهاء الإباضييّن وبحضور أعيان المال وتنظيمهم جميعًا للرابطة لاجتماعية التقليدية في حوم جربة القائمة على المساجد الإباضية، ومن خلال العلاقة بشتات أهل جربة كما جرت العادة. وضمن لاتجاه الثالث، يكشف الشيخ سالم بن يعقوب عن مؤرخنا بقوله: "ولا هو من العائلات الجربية الملقبة ببوراس "30. ويذكر أن مؤلف "مؤنس الأحبة في أخبار جربة" هو أحمد أبو راس القيرواني ويعرفه بالقول: "كان موظفا بجربة زمن الباي حمودة باشا الحسيني وهو قيرواني وليس بجربي. ألفه سنة 1223 ه وذكر فيه حميدة بن عياد المتولي على جربة سنة 1223 ه"31. وكان الشيخ سالم بن يعقوب مدرِّس الإباضية بجربة ومؤرخها، ولد في عام 1903 وتوفي عام 1988. ويذكر الصادق بن مرزوق في أحد أقواله: "هذا ما رواه لنا مؤلف كتاب مؤنس الأحبة ولم يكن من الإباضيين أو الجربييّن" ويعدُّ ابن مرزوق هو الآخر من مشايخ العلم الإباضية أيضًا، وهو معاصر للشيخ بن يعقوب32. ونعتقد أن هذا النقاش الذي خلفته رواية الأصل المتعلقة بالجربي لدى مختلف المؤرخين والدارسين كان الأصل فيه تطبيق الإباضية مبدأ "البراءة" (ويقابل هذا المصطلح مصطلح الولاية) فيه. ويستنتج ذلك من مخالفة خطابه المنطق الإباضي المعتمد بجربة كما عبّ عنه الحيلاتي وغيره من بعد. كما يستنتج من موقف مشايخ الإباضية، كالشيخ سالم بن يعقوب والصادق بن مرزوق وغيرهما من الجربي. ويتهم الجربي على نحو معلنٍ أو غير ذلك، بأنه طمس الذاكرة الإباضية التي اشتغل عليها قبله الحيلاتي، ومسّ تراجم العلماء الإباضية وكافأ بخطابه وبمعرفته التاريخية المخزن على حساب هياكل النفوذ المحلي الإباضية. والبراءة هي آلية لا ينفرد بها الإباضية وحدهم، بل وُجدت لدى مذاهب إسلامية أخرى، ولدى اليهود وتقضي بطرد الفرد من الجماعة حين يقوم بفعل يُعدّ خطرًا، ولا يتماشى مع المنظومة الطائفية وتماسك أفرادها. وتكون انعكاسات تطبيقها على الفرد حاسمة إلى حدّ نسيانه من الذاكرة الجماعية لمجموعته.
وأصبح الجربي خارج دائرة جماعته، وتنكَّر له أفراد عائلته وأسقطوه من الذاكرة العائلية33. ونحن نذهب إلى ما ذهب إليه المرزوقي وعبد السلام؛ أنّ أصل المؤلف من جربة، وتدل الأخبار الواردة في متن كتابه، وبلا شك، على ذلك. وبالرجوع إلى علاقة الجربي بإنتاج المعرفة التاريخية، فقد كان فاعلًاجتماعيًا تركزت أخباره في سلطة تونس المركزية، وكان مواليًا للباي حمودة باشا الذي وصفه ب "المؤيد المنصور" وكانت هذه المو لاة المطلقة للمخزن سببًا في إخراجه من الملة الإباضية34. ومهما يكن من أمر، فقد كان الحيلاتي ابن بيئته المحلية، يعلن انتماءه الإباضي في العديد من مواضع رسائله بالتصريح أو بالتلميح. وقد تولّ وظائف من صلب نظام العزابة، ولم يتولَّ البتة في المقابل الخطط المخزنية، بل كان بعيدًا عنها. وكانت أخبار جماعته تحتل مركز أخباره كما رأينا، أما أخبار المخزن فكانت في الأطراف. وبقدر ما خصّ الحيلاتي الدولة بطرف أخباره، أهمل تمامًا فئات اجتماعية كانت تشترك مع الإباضية في سكنى الجزيرة. فنسي ذكر الأخبار المتعلقة باليهود؛ لأن الإباضية لم يكونوا يخشون من اليهود شيئًا؛ لقلّة عددهم ولضعف وزنهم السياسي، ولم يتحدث عن "العرب" إلا بقدر ما كانوا يمثلون خطرًا على مؤسسات العزابة، ولم يتحدث أيضًا عن العائلات المخالفة مذهبيًا (مالكية وحنفية). وفي المقابل، تطرق في أخباره إلى الأتراك، وكان الجانب السياسي وقضايا مجموعته الإباضية هو ما يهمُّه. أما الجربي فلا شيء يدلّ على أنّه شغل وظيفةً رسمية. وقد كانت علاقته بالمخزن تندرج ضمن الولاء السياسي للسلطة المركزية. وفي الحصيلة تنكّر الجربي لإباضيته ولانتمائه السياسي إلى مجموعته ولانتمائه المذهبي، وقد كان ثمن ذلك تنكّر إباضية جربة له، ونسيانه من طرف ذاكرة عائلته. وفي علاقة بالمعرفة التاريخية، كان للمخزن ولأهل جربة حضور في أخبار الحيلاتي والجربي. ويتمثل اختلافهما بتركيز الجربي في أخبار السلطة المركزية في الأساس، بينما تركَّزت أخبار الحيلاتي في ما يخصّ أهل جربة وهياكل النفوذ المحلي. وفي الحصيلة، قد يكون الفرد فاعلًاجتماعيًّا في وظائف المؤسسات المحلية أو في المؤسسات الرسمية التي يشغلها، أو في الفكر الذي يحمله، ويروجه ويدافع عنه أو لاثنين معًا. ولكن السؤال المطروح في حالتي الحيلاتي والجربي، هو: ما النظام السياسي و لاجتماعي الذي ينتمي إليه الحيلاتي والجربي ويدافعان عنه؟
استعملات المعرفة التاريخية
تعرضنا إلى كيفية صوغ الخبر عند الحيلاتي والجربي من جانب الزمن والمدونة وغيرهما. ثم حاولنا معرفة مكانتيهما ومنزلتيهما من المجموعة المحلية من جهة، والمخزن من جهة أخرى. وقد تبيَّ أن صياغة المعرفة التاريخية مرتبطة بوضع الفاعل لاجتماعي، وقد يكون الفاعل لاجتماعي هو الأصل لدى الإخباري في إنتاجه المعرفة التاريخية. لكن السؤال المطروح هنا: ما المنظومة السياسيةِ و لاجتماعية التي اختار الحيلاتي والجربي لانخراط فيها انطلاقًا من إنتاج المعرفة التاريخية من جهة، ووضع الأخبار من جهة أخرى؟ يركز الحيلاتي أخباره في مشايخ العلم والدين ومشايخ الحكم الذين يشغلون في حقيقة الأمر مؤسسات هياكل النفوذ المحلي المعروفة بنظام العزابة. ولا يهتم بأمور العامة إلا بقدر ما يرتبط ذلك بتدخل مؤسسات العزابة وسياسة مشايخ الحكم. ويدرج جربة في تبعية طرابلس وعمالتها، خصوصًا مع درغوث باشا، بداية من 1551 - 1552. وتتحول جربة إلى تبعية تونس بداية من 1014 ه/ 1605 - 1606 م. وقد وظف أتراك طرابلس وسلطة ولاية تونس على أهل جربة، إضافة إلى الأداء العادي المعروف لدى أهل جربة بالسنوية، أداء غير
عادي من دية وخطية35. ويثير الحيلاتي مؤشرات دالة على طبيعة علاقة أهل جربة بسلطة ولاية طرابلس، وولاية تونس التي كانت في الح لات جميعها، سلطة استبدادية وتسلطية قمعية. ولكننا نلاحظ على المدى الطويل أنّه يفرز مرحلة يخصها بعناية منفردة، وينظر إليها نظرة إيجابية، تتمثل ببداية رجوع جربة إلى حكم تونس (نعود إليها لاحقًا.) كما نلاحظ حصول نقاش فكري سياسي بين أهل جربة وعلمائها يرتبط بالعلاقة بالأتراك وبوجودهم في الجزيرة، وتبعيتها السياسية للحكم المركزي. وقد ذهب بعضهم إلى القول: ما دام القائد يتبع في حكمه دولة الخلافة ويرجع إليها، فإن على البلاد الإسلامية جميعها أن تسمع وتطيع، إذا طالبها ولاة تلك الدولة بالطاعة سواء أكان مركز الولاية في طرابلس أم في تونس. وذهب بعضهم الآخر إلى القول إن جربة تابعة في طبيعتها وحكمها لتونس، وهي دولة مسلمة على أهلها المحافظة على ارتباطها، وعلى أهلها ألّ يخالفوا ذلك، سواء أبقيت تونس مستقلة أم صارت من ولايات دولة الخلافة36. ونحن نفترض أنّ الحيلاتي كان من أنصار هؤلاء واستبشر بتبعية جربة لتونس. ومهما يكن من أمر، فقد كانت السلطة المركزية حاضرة في إنتاج المعرفة التاريخية للحيلاتي الذي رأى أن الوضع الطبيعي يكمن في تبعية أهل جربة لتونس وليس في وضع آخر. وعند العودة إلى المعرفة التاريخية التي أنتجها الحيلاتي نجده يورد ما يأتي: "وفي السنة الرابعة عشر في أولها وردت الأخبار بأن مجباها (جزيرة جربة) رجع لعسكر تونس"، ثم يضيف "وتولى أهل تونس أمر جربة وكان مبدأ دولتهم حميدًا"37. ويقول في خبر آخر: "وفي سنة اربعة وعشرين حرث أهل جربة في الدخلة القبلية وقد قل من لم يخرج اليها وصار زرعًا خصيبًا لم يعهد مثله فأتته محلة من تونس نزلت عليه وحمته من العرب حتى حصدوه ودرسوه ودخلوا به ولم يعطوا منه شيئًا لأحد"38. وكان أهل جربة وما زالوا إلى اليوم يملكون أراضيَ في الدخلة، وهي الأرض القارية المحاذية للجزيرة من جهة جرجيس. فالجزيرة لا تنتج حبوبًا وهي لا تكتفي بذاتها كباقي الجزر الأخرى. وتمثل أرض الدخلة إلى اليوم، المجال الفلاحي الحيوي لأهل جربة. وقد كانت هذه الأملاك مهددة من القبائل المجاورة كورغمة وعكارة وغيرها. وقد وجد أهل جربة في الحالة التي تعنينا حماية من السلطة المركزية في تونس كما هو منتظر في تلك الح لات. فكان لهم وفقًا لذلك القيام بجميع الأشغال الممهدة لجني ثمار زرعهم. ثم إن السلطة لم تأخذ مقابلً تحت أي عنوان كان (إضافيًّا، غير عادي، وغيره). ونزل الحيلاتي حينئذ المعرفة التاريخية بهدف خدمة المشروع المجتمعي الذي كان يجد الإباضيّون فيه أنفسهم وكانوا يعملون على تكريسه في حيّز الواقع، وهو مشروع تكون فيه الدولة حاضرة لكن في سياق الدولة "الحامية" بلا ابتزاز، والدولة الحاضنة بلا تسلط. وورد في الأدب الإباضي وفي سير المشايخ الإباضية في موضوع استباحة أموال المسلمين من عدمها من طرف السلطة الحامية، ما يساير الرؤية التي يعبِّ عنها الحيلاتي في خطابه39، ونذكر من بين الأمثلة العديدة التي تكرس رؤية الإباضية للعلاقة بين الدولة والمجتمع والسياسة المثلى، مثال هجوم قبيلة ورفجومة الصفرية على القيروان واستباحتهم أعراض أهلها وأموالهم، ثم استغاثة أهلها بإمام طرابلس أبي الخطاب عبد الله علي المعافري الإباضي، وإغاثته إياهم وانهزام الصفريين أمام جيوشه، ثم عودته إلى طرابلس من
دون أخذ شيء مما خلّفوه. وكذلك هجوم ابن طولون بجيشه على طرابلس هازمًا الأغالبة، واستغاثة طرابلس بأبي منصور إلياس، والي نفوسة من طرف الرستميين فأغاثهم، وهزم جيش ابن طولون، ورجع إلى مقره مع جيشه من دون أن يلحقهم دائق أو ثوب من متاع ابن طولون40. ويأخذ إنتاج المعرفة التاريخية لدى الحيلاتي في الحسبان المنظومة السياسية والإدارية المحلية القائمة على هياكل نظام العزابة الإباضي في جربة، خلال القرن السابع عشر الميلادي وقبله، ويتخذ منها مشروعًا مجتمعيًّا وهو من الناحية السياسية نظام قائم على علاقة مجتمعية هرمية، ومن الناحية لاجتماعية على رابطة التضامن بين الأفراد التي تتمحور حول المسجد عمومًا ودور الأوقاف فيه. وكان الحيلاتي جزءًا لا يتجزّأ من تلك المنظومة، وكان مشروع الإباضية يقوم على مبدأ مفاده أن السلطة المركزية لا تتدخل إلا بقدر، بينما يبقى القول الفصل في الأطراف، لهياكل النفوذ المحلي. ولن نعود إلى كيفية صوغ المعرفة التاريخية لدى الجربي وما ينتج منها، ولكن سنهتم برؤيته لجربة بوصفها موضوع مؤلفه، من خلال مسائل تطرق إليها في العلاقة بحضور الدولة أو غيابها. وقد عرف من خلال موضوعات تطرق إليها في زمن الجزيرة، فتوقف عند آثارها القديمة التي ترجع إلى ما قبل الإسلام، بينما أهمل الحيلاتي ذكر آثار الجزيرة القديمة جميعها، ونسي في الحصيلة التعريج على زمن "الجاهلية". وربط الجربي العديد من الأماكن في جربة بعهد "الجاهلية" بعضها مسيحي، وبعضها غير ذلك. وبذلك فقد شمل خطابه ما قبل الإسلام وما بعده. إنّ الأماكن في نظر الجربي تنتمي إلى تراب، والتراب يمثِّل جزءًا من الدولة التي يروّج لها. وقد سبق أن تطرقنا إلى رؤية الجربي للأبراج بوصفها أماكن ترمز للسلطة المركزية. فحينما يتحدث عن برج جليج يخبر بأنّ حمودة باشا الذي يصفه بقوله "المؤيد" هو من شيَّده. ويقف بذلك عند حضور الدولة في الجزيرة ورموزها. ويسجل ولاءه لهذا الباي الذي كان معاصرًا له41. ومن جهة أخرى، وخلافًا للحيلاتي الذي ينسى مشايخ العلم والدين غير الإباضيين من آل المنياوي والشيخ المالكي إبراهيم الجمني الذي نزل الجزيرة سنة 1673، لفت الجربي النظر لاثني عشر شيخ علمٍ ودين من مشايخ الجزيرة، ولم يقدِّم أيًّا منهم على أساس انتمائه الإباضي، بل ذكره ولم يذكر صفته المذهبية، فاستوى لديه المالكي كإبراهيم الجمني، والإباضي كاليهراسني وغيره. وقام بتدبر خطاب يحتوي مشايخ العلم والدين والمتصوفة جميعهم بلا تمييز. وقد وصف مشايخ الإباضية بما يوصف به نظراؤهم المالكية، نحو: "مستجاب الدعوة"، أو وصف العالم الواحد منهم "بالولي الصالح"، وهكذا42. فكانت رؤيته لجربة تقوم على أنها تمثّل طرفًا لتراب مجتمعي ملحق بالدولة، فكان فكر المشايخ من فكر الدولة، والنقيض أيضًا صحيح. ويخصص الجربي لموضوع الخطط مكانة في متنه، يذكر منها تسع خطط: ست منها يعطيها وضع الجوامع، ويضيف إليها المدرسة الجمنية وبرج أغير وبرج القنطرة وبرج جليج. وما هو لافت في هذه الخطط مسألة تعريف أماكن إقامة الشعائر الدينية الإباضية، فيجعل منها جوامع كما سبق أن ذكرنا، في حين أن الإباضية تضع شروطًا لإقامة صلاة الجمعة. والملاحظ أن أول صلاة للجمعة أ قيمت في الجزيرة وقعت في مسجد الشيخ بحومة السوق في عهد موسى بن جلود سنة 1668 - 166943. وبعبارة أخرى، لا يصح استعمال لفظة جامع في الوسط الإباضي سوى بعد هذا التاريخ، وهو من التأثيرات المالكية في الوسط الإباضي. أما الأمر الثاني، فإن باقي الخطط كانت أماكن مخزنية أكثر منها أماكن أهلية. وقد أسس آخر بايات الدولة
Mohamed Merimi, "L'altérité ibadhite d'Oman selon Ibn Battûta," in: Etre étranger au Maghreb et ailleurs , sous la direction de M L Gharbi, FLAH de Manouba, FSHS de Tunis (Tunis: Laboratoire Diraset, 2011), pp. 33 - 60.
المرادية المدرسة الجمنية التي شهدت توسعة في عهد مؤسس الدولة الحسينية، حسين بن علي44. وكانت الدولة حاضرة بقوّة في الأبراج التي ذكرها الجربي في خططه. فضلً عن ذلك فقد قسم الجربي الجزيرة تقسيمًا إداريًّا إلى أقسام، وهو ما يحيل إلى "الأخماس" التي هي دوائر جبائية45. أما الحيلاتي فيسميها بأسمائها فيقول: صدغيان أو صدويكش وهكذا. ومجمل القول إنّ المعرفة التاريخية التي أنتجها الجربي، بما احتوته من التعريف بالجزيرة بآثارها وأبراجها ومراسيها وأسواقها وحاراتها وأقسامها، كانت ترمي إلى الترويج لمشروع مجتمعي وسياسي، هو مشروع الدولة الترابية. بدأ تكوُّنها منذ عهد الدايات، واستمر إلى عهد دولة حمودة باشا الحسيني المعاصر لمؤرِّخنا، وبدأ الأمر بتثبيت القبائل وتحديد حقوق المخزن، وانتهت مع الجربي باحتواء تراث البلاد بأطرافها، وإعلاء راية الدولة46.
الخاتمة
لم تكن رؤية المؤرخين التونسيين للدولة والمجتمع رؤية واحدة، وكان للخبر التاريخي علاقة بالزمن والموضوعات والمدونة والألفاظ المستعملة أكثر من استعمال واحد. ويدل مثال الجربي على أن المؤرخين الموالين للمخزن قد يقعون في الأطراف، وقد لا يكونون أصحاب خطط أو رواتبية لدى المخزن، بل يكون لهم فكر مخزني داعم لدولة ترابية قوية. وبهذا المعنى فإن وجود الدولة لديهم هو الذي يحدد مفهوم الأطراف، لا غيره. وكان انتماء الحيلاتي الإباضي وانخراطه ضمن منظومة العزابة كافييْ لتكون له رؤية من منظور إباضي للدولة. وقد كان للإباضية انتظار تاريخي من الدولة، ويكون مكان الدولة في خطابهم في الأطراف على أهميتها ودورها في كونها تحمي وتغيث بلا ابتزاز. ونحن نذهب إلى لاعتقاد أن الأهم في رواية الأصل لدى الجربي هو المعرفة التاريخية التي خلفها لنا، ونعني الخبر من حيث تركيبته وزمانه ومدونته واستعم لاته وغاياته والهدف منه. ونحن لا نذهب إلى ما ذهب إليه الدارسون الإباضية الذين تبرؤوا من الجربي بوعي أو بلا وعي. ولا نذهب أيضًا إلى ما ذهب إليه غير الإباضية الذين نظروا إلى مؤلف الجربي من الخارج واستنتجوا بتسرع، ومن دون تعمق رواية أصل خاطئة لمؤرخ جربة، وقد بينت المعرفة التاريخية التي أنتجها مدى وعيه بالخطاب السياسي، ومدى إدراكه للدولة في علاقة بالتركيبة المجتمعية المحلية كما كان للدولة في خطابه حضور مركزي، ولهياكل النفوذ المحلي حضورٌ طرفي على خلاف ما هو الأمر لدى الحيلاتي. وفي الحصيلة، فقد كان للإخباريَّيْ (الحيلاتي، والجربي) منطق ومصالح برزت جليةً في المعرفة التاريخية المنْتَجة لكليهما.
المراجع
العربيّة
الإمام، رشاد. سياسة حمودة باشا في تونس 1782 - 1814. تونس: الجامعة التونسية، 1980.
ابن تعاريت، سعيد. رسالة في تاريخ جربة في تراجم علماء الجزيرة وذكر أمرائها من بني السمومني وبني الجلود (مخطوط.) حومة السوق - جربة، المكتبة البارونية.
الجربي، محمّد أبو راس. مؤنس الأحبة في أخبار جربة. تحقيق محمد المرزوقي. تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1960.
الجعبيري، فرحات. نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة. تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1975.
معسكر المجتمع والتاريخ. الجزائر: منشورات مخبر البحوث لاجتماعية والتاريخية، جامعة معسكر، 2014.
خوجة، حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق الطاهر المعموري. تونس: الدار العربية للكتاب، 1975.
الحيلاتي، سليمان. علماء جربة المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي. تحقيق محمد قوجة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
عبد السلام، أحمد. المؤرخون التونسيون في القرون 17 و 18 و 19 م، رسالة في تاريخ الثقافة. نقلها أحمد عبد السلام وعبد الرزاق الحليوي. قرطاج: بيت الحكمة، 1993.
غريب، رشيد. برج الغازي مصطفى. مدنين: جمعية صيانة جزيرة جربة، مطبعة الجنوب، 1977.
المريمي، محمّد. إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث. ط 2. تونس: نشر كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة/ مجمع الأطرش للكتاب المختص / مخبر دراسات مغاربية، 2015.
. "الفئات لاجتماعية بجربة وعلاقتها بالسلطة المركزية خلال العصر الحديث". مذكرة شهادة الكفاءة في البحث. نوقشت في كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية بتونس، 1990.
معمر، علي يحي. الأباضية في موكب التاريخ، الأباضية بتونس. ط 3. بيروت: دار الثقافة، د. ت.
هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية، بناء الدولة والمجال. تونس: تبر الزمن، 2012.
ابن يعقوب، سالم. تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية. تونس: سراس للنشر، 2006.
ابن يعقوب وقوجة، قاسم. "رد على مقال نشر بالحياة الثقافية سابقًا." الحياة الثقافية. العدد 38 (1985.)
الأجنبية
• Henia, Abdelhamid. Ecritures de l'histoire du Maghreb: Identité, mémoire et historiographie. Coordination A. El
• Merimi, Mohamed et al. Etre étranger au Maghreb et ailleurs. Sous la direction de Mohamed Lazhar Gharbi.
• Veinstein, G. "Aperçus sur l'entrée de l'île de Djerba dans l'orbite ottomane." Les provinces arabes et leurs
References
Moudden, A. Henia, A. Benhadda. Rabat: F. L. S. H., 2007.
Tunis: FLAH de Manouba, FSHS de Tunis. Tunis: Laboratoire Diraset, 2011.
sources documentaires à l'époque ottomane. CER, Tunis: 1984.