العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أصداء تصريح بلفور في المغرب الأقصى

أصداء تصريح بلفور في المغرب الأقصى

Echoes of the Balfour Declaration in Morocco

جامع بيضا

Jamaa Baida

الملخّص

كان المغرب الأقصى من البلاد الإسلامية التي تعيش فيها، منذ أكثر من ألفَي سنة، أقلية يهودية مهمة تعدّ نفسها جزءًا لا ينفصم عن ساكنة هذه الديار. وتحت راية الإسلام، حافظت على عاداتها وعلى شعائرها الدينية تحت مظلة السلاطين الذين تقع على كواهلهم مسؤولية حماية أهل الذمة. غير أن هذا الوضع الذي عمّر قرونًا، بدأ يتكدر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بفعل الضغوط الاستعمارية على المغرب، ومحاولات بعض القوى الغربية المراهنة على الأقلية اليهودية، من أجل زعزعة توازنات المجتمع التقليدي المغربي، وانتهاز فرصة لإضعاف السلطة المركزية؛ تمهيدًا للهيمنة الاستعمارية.

Abstract

Director of the Moroccan Archives, Rabat, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • وعد بالفور
  • الإنتداب البريطاني
  • فلسطين
  • الإعلام
  • المغرب

مقدمة

كان المغرب الأقصى من البلاد الإسلامية التي تعيش فيها، منذ أكثر من ألفَي سنة، أقلية يهودية مهمة تعدّ نفسها جزءًا لا ينفصم عن ساكنة هذه الديار. وتحت راية الإسلام، حافظت على عاداتها وعلى شعائرها الدينية تحت مظلة السلاطين الذين تقع على كواهلهم مسؤولية حماية أهل الذمة. غير أن هذا الوضع الذي عمّر قرونًا، بدأ يتكدر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بفعل الضغوط الاستعمارية على المغرب، ومحاولات بعض القوى الغربية المراهنة على الأقلية اليهودية، من أجل زعزعة توازنات المجتمع التقليدي المغربي، وانتهاز فرصة لإضعاف السلطة المركزية؛ تمهيدًا للهيمنة الاستعمارية.

أولً: إرهاصات الحركة الصهيونية يف المغرب

وفد على المغرب، بعد سنوات قليلة من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897، بعض الناشطين الصهاينة الأجانب، ومعظمهم من يهود أوروبا الوسطى والشرقية (الأشكيناز)، من أجل بثّ أفكارهم في الأوساط اليهودية المحلية. وقد استهدفت دعايتهم أول الأمر نخبة من المتعلمين، خريجي مدارس الرابطة اليهودية العالمية التي نشطت بالمغرب منذ عام 1862. ومعلوم أن هذه الرابطة، التي أُسّست بصفتها جمعية غير حكومية في باريس، لم تكن في تلك الآونة تشاطر عمل الحركة الصهيونية على اقتلاع يهود العالم من مواطنهم الأصلية وتهجيرهم إلى فلسطين، ولكنها، على العكس من ذلك، كانت تهدف إلى ربطهم بالحضارة الفرنسية، بل تجنيس بعضهم. أمّا علاقة اليهود المغاربة بفكرة الهجرة إلى فلسطين، فهي بالفعل علاقة قديمة، ولكن طابعها ظل دومًا في الدائرة الدينية التي تشبه كثيرًا تعلُّق المسلمين بمكة والمدينة. وأحيانًا، كان ارتباط اليهود المغاربة بفلسطين يكتسي طابعًا خرافيًا مفاده أن اليهودي المغربي حينما يبلغ من العمر عتيّه، تكون أمنيته المثلى هي الحج إلى فلسطين ليتوفاه القدر هناك، حتى يبقى جسده سليمًا يوم الحشر. وبعد أن شاع خبر تصريح اللورد بلفور، وزير خارجية بريطانيا (تشرين الثاني/ نوفمبر 1917)، رمت الدعاية الصهيونية بثقلها في المغرب أكثر من أي وقت مضى، محاوِلةً إقناع اليهود بأن الوقت قد حان للانضمام بحماس إلى مشروع "الوطن القومي اليهودي" في فلسطين، وهو أمرٌ كان غريبًا كل الغرابة عن السواد الأعظم من تلك الملة. وبذلك شكّلت أصداء تصريح بلفور في المغرب الأقصى منعطفًا خطِرًا في تاريخ أكبر أقلية يهودية في العالم الإسلامي. فما تجلياته الكبرى في بلد فقَد استقلاله منذ عام 1912 بخضوعه للسيطرة الأجنبية؟ وما مختلف العناصر المؤثرة والمصالح المتناقضة (داخليًا وخارجيًا) التي ارتبطت بأصداء تصريح بلفور في المغرب الأقصى؟ في الظرفية التي جاء فيها هذا التصريح، وقبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، كانت توجد في فلسطين "جمعية اليهود المغاربة" التي كانت توجّه إلى مراسليها في المغرب الأقصى دعوات إلى الاكتتاب؛ من أجل دعم المعوزين من الجالية اليهودية المغربية

  1. مدير أرشيف المغرب، الرباط، المملكة المغربية.

المقيمة بفلسطين. ولما كانت تداعيات وعد بلفور تنذر بجعل هذه الإعانات تخرج عن دائرة طابعها الديني والإنساني، فإن ممثل الجمهورية الفرنسية بالمغرب، المقيم العام، الجنرال ليوطي، وهو العارف بطبيعة المجتمع المغربي، قد تنبّه لخطورة مثل تلك الاكتتابات على العلاقات بين مسلمي المغرب ويهوده، وعلى ولاء اليهود للسلطة المركزية التي يمثّلها سلطان البلاد. وفضلً عن ذلك، كان من شأن هذا الأمر أن يفتح المجال لنشاطات سياسية ونقابية مختلفة قد يصعب التحكم فيها مستقبلً. وتحت إصرار وزير الخارجية الفرنسي، ستيفن بيشون Pichon Stephen، قبِل الجنرال، على مضض، السماح بعمليات الاكتتاب، شريطة حصرها في الأوساط الحضرية، من دون البوادي التي كان يقطنها أغلبية اليهود1. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ليوطي كان منشغلً بالدرجة الأولى بالأوضاع في المغرب، بينما كان وزير خارجية فرنسا يحاول التودد إلى القوى الصهيونية في فلسطين من أجل ضمان نفوذ فرنسي في المنطقة بعد اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916، وعدم ترك المجال حكرًا على البريطانيين. وعلاوة على أن الجنرال ليوطي كان يسعى لإظهار نفسه وفيًا لمقتضيات عقد الحماية الموقَّع في عام 1912 الذي يجعل المغاربة، مهما كانت ديانتهم، من رعية السلطان، فقد كان يحترس من إبراز أيّ تناقض مع سياسته "الإسلامية" (التودد إلى السلطان والعلماء والأشراف) التي نهجها ببراعة طوال زمن الحرب العالمية الأولى، حتى يستميل المسلمين المغاربة، ويجعل الآلاف منهم يولّون ظهورهم للدعايتين الألمانية والعثمانية، وينخرطون في معمعة الحرب الأوروبية الطاحنة تحت راية الجمهورية الفرنسية. وفي هذا السياق، فضَّل الناشطون الصهاينة أن يوجّهوا الجهد الأعظم من دعايتهم إلى المنطقة الشمالية من المغرب، وهي المنطقة التي سبق لفرنسا أن فوّتتها لإسبانيا، أو إلى مدينة طنجة ذات الطابع الدولي. وهكذا، رأت النور في تطوان (وهي عاصمة المنطقة الخليفية الرازحة تحت الاحتلال الإسباني) جمعية بعنوان "شبات صهيون" (العودة إلى صهيون) تحت رئاسة أبراهام عزرائيل، زعيم يهود تطوان. وامتدادًا لهذا التوجه، ظهرت في مدينة العرائش عام 1918 مجلة كول إسرائيل Israel Kol (صوت إسرائيل) التي كانت أسبوعية تُحرَّر باللغة الإسبانية، ويديرها يعقوب ليفي. أما في طنجة الدولية، فقد ظهرت ابتداءً من عام 1924 أسبوعية ريناسيمنتو دي إسرائيل Israel de Renaciemento (نهضة إسرائيل) التي كانت تصدر بالإسبانية، ويديرها الصحافي الإسباني/ البولوني أنشيل بيرل Perl Anshel. لم يقنع الناشطون الصهاينة بالاختراق الذي حقّقوه في شمال المغرب، ووجّهوا عناية مكثفة إلى المنطقة السلطانية التي تسكنها الغالبية العظمى من اليهود المغاربة، فحاولوا استقطابهم للانخراط في الفدرالية الصهيونية الفرنسية، وجعلهم يتبرعون بأموالهم لفائدة الصندوق القومي اليهودي بباريس. وتزعَّم هذه الدعاية مناضل كبير في مدينة فاس؛ هو يوسف ليفي الذي كان يوزع مختلف المنشورات والجرائد الصهيونية التي ترد عليه من الخارج بلغات عدة. وقد حاول بعض الناشطين إصدار جريدة بالدار البيضاء بعنوان أور هاماروب Hamarob Or (نور المغرب)، لكنها لم تعمّر طويلً، بسبب معارضة الإقامة العامة الفرنسية، ومعارضة يحيى زاكوري، مفتش المؤسسات اليهودية الذي كان من المناوئين للنشاط الصهيوني في المغرب؛ ففي رسالة بعث بها إلى الإقامة العامة الفرنسية، في 6 أيلول/ سبتمبر 1919، جوابًا عن بعض الأسئلة التي وردت إليه من تلك الجهة الرسمية الفرنسية، كتب ما يلي: "يشرّفني أن أوافيكم بالمعلومات التي طلبتموها مني: لقد بدأت الهجرة إلى فلسطين في نيسان/ أبريل 1919، والجدول رفقته يبين لكم العدد الشهري للمهاجرين بين فاتح نيسان/ أبريل و 31 آب/ أغسطس 1919. إن المناطق التي شملتها هذه الهجرة هي الدار البيضاء ومراكش. وتتم المغادرة من ميناء الدار البيضاء نحو مرسيليا.

  1. كان عدد اليهود المغاربة في المنطقة السلطانية في عامَي 1918 و 1919 بين 110 آلاف و 115 ألف نسمة.

أسباب هذه الهجرة: يوجد لدى يهود شمال إفريقيا، وبالخصوص في المغرب، معتقد خرافي أكثر من كونه دينيًا، ولكنه راسخ في أذهان بعض المتعصبين، مفاده أنه في القدس، الأرض المقدسة بالنسبة إلى اليهود، لا تتعرض الجثث للتحلل بعد الوفاة، بل تظل سليمة حتى زمن الحياة المستقبلية. وقد ساهم في إعطاء نفَس جديد لهذه الهجرة ما ورد على الناس من أخبار تحقيق السلام بعد الحرب العظمى واحتلال فلسطين من لدن قوة أوروبية كبرى قد تُحقق ليهود هذا البلد الأمن الشامل وحرية دينية كبيرة. لم تكن الصهيونية غريبة كليًا عن هذه الحركة. وإن لم تكن أحد الأسباب الأساسية، فإني أعتقد أنها أثَّرت على نحو ما، وأقنعت بعض المترددين الذين رغبوا في أن يكونوا أول المستفيدين من الوطن القومي اليهودي الجديد. إنني أعتبر الصهيونية، التي حاولت التأثير في بعض الأذهان، خطرًا كبيرًا بالنسبة إلى اليهود المغاربة، وأشاطر في ذلك رأي الرابطة اليهودية العالمية، وآراء ثلة راقية من الشخصيات اليهودية الفرنسية. وإذا كانت الإقامة العامة تشاطر وجهة نظري في الموضوع، فالمصلحة العامة تقتضي التزام اليقظة والحيلولة، بتكتم فعال، دون تفشي الدعاية الصهيونية في المغرب"2. وبالفعل، يمكن القول إنه طوال زمن مأمورية المقيم العام ليوطي في المغرب، من عام 1912 إلى عام 1925، استطاعت الإدارة الفرنسية كبح جماح الدعاية الصهيونية في المغرب. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ ليوطي رفض الاستجابة لطلبات ملحّة من العالِم المستشرق البريطاني ذي الأصول الروسية ناحوم سلوش Slouschz Nahum الذي كان، بذريعة مشروع إعادة تنظيم المحاكم العبرية بالمغرب، يُمني النفس بالحصول على وظيفة مستشار لدى الإقامة العامة الفرنسية بالرباط، وهو موقع قد يسمح له بالدعاية للمشروع الصهيوني على نطاق واسع. وقد فطن الجنرال ليوطي إلى الأهداف الحقيقية لهذا الرجل الذي سبق له أن تعاون مع "البعثة العلمية بطنجة" في أوائل القرن العشرين، فراسل المقيم العام وزارة الخارجية الفرنسية في 8 حزيران/ يونيو 1919 في الموضوع، ومما كتبه: "في ظل الظروف الحالية، من الأهمية إبقاء الجالية اليهودية المغربية بمعزل عن الحركة الصهيونية التي لم تجد دعايتها حتى الآن في البلاد آذانًا صاغية. وإن مسايرة وجهة نظر السيد سلوش قد تعني التوجه طواعية نحو صعوبات تنجم عن إحداث تيار فكري في المغرب لا قِبل له به"7. لكن هذا الموقف الرسمي لم يثنِناشطي الصهيونية - وجلهم من الأجانب الأشكيناز - عن عزمهم وإصرارهم؛ فتوجّه رئيس مجموعة صهيونية بالدار البيضاء برسالة مؤرخة في فاتح آب/ أغسطس 1919 إلى رئيس المصالح البلدية بالمدينة ذاتها، محاولً - بعد الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الفرنسية وغيره من السياسيين الفرنسيين، وكذا إلى التصريح المعروف بوعد بلفور - إقناع مخاطبه بأن الأفكار الصهيونية تتناغم كليًا والمبادئ الديمقراطية والليبرالية التي تنافح عنها فرنسا، وأنها لا تستهدف البتة الإخلال بسلطة المخزن التي دأب اليهود المغاربة في الامتثال لها، وأنه ينبغي الاعتراف بالحركة الصهيونية بالمغرب السلطاني، كما هي الحال في الدول المتقدمة، بل حتى في المغرب الخليفي وفي طنجة، وأن أيّ اعتراض على ذلك قد يثير الاستغراب والشعور بالألم وخيبة الأمل8. ومن فصول هذه السياسة التي نهجها ليوطي تصديه لجوناثان ثورز Thursz Jonathan، وهو ناشط صهيوني حلّ بالمغرب عام 1923، بتفويض من المنظمة الصهيونية العالمية؛ من أجل جمع التبرعات لفائدة المشروع الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منبر دعائي في

3  Copie de la lettre de Yahya Zagury, Archives de l'Alliance Israélite Universelle, Paris, Liasse (Maroc IV, c 11 , Casablanca). 4  Copie numérique aux Archives du Maroc, FRMAE. 1 MA 5661  -  0107. 5  Archives du Maroc, G 0691 Questions juives diverses (1929  -  1949).

المغرب. كان ثورز من مواليد وارسو ببولونيا عام 1895، وكان يحمل جواز سفر بريطانيًا، وقد تمكّن في وقت وجيز من أن يبَرُز بوصفه زعيمًا صهيونيًا في المغرب، ويستقطب أتباعًا ناب عنهم في مؤتمرات صهيونية عالمية؛ في فيينا عام 1925، وبال عام 1931، وأنفرس عام 1938، لكنه لم يتمكن من تحقيق حلمه بتأسيس منبر دعائي بالدار البيضاء إلا عام 1926، بعد نهاية مأمورية المقيم العام ليوطي في المغرب. وغني عن البيان أن الموقف الفرنسي في عهد ليوطي لم يكن من منطلق مبدئي راسخ بقدر ما كان مناورة تكتيكية؛ فقد كان يتفادى، عمومًا، السماح بنشاط صهيوني علني من شأنه إثارة حفيظة الأغلبية المسلمة أو أيّ قلاقل. ويظهر ذلك جليًا في تعامل السلطات مع مهمة ناثان هالبيرن Halpern Nathan، مندوب مؤسسة "كيرين هايسود" Hayessod Keren (صندوق إعادة البناء) بالمغرب؛ إذ تم الترخيص له في عام 1924 بجمع ما استطاع من التبرعات في أوساط يهود بعض الحواضر من أجل مشروع إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين؛ لأنه التزم بكثير من الحيطة والحذر، ممتثلً في ذلك لتعليمات الإدارة التي تكفَّلت بإيصال المحاصيل المالية إلى القدس عبر القنصلية العامة الفرنسية. وعلى الرغم من أن نداءات الصهيونية كانت تحقِّق، سنة بعد سنة، اختراقًا في الأوساط اليهودية، فإنها وجدت أحيانًا في الأوساط ذاتها مقاوَمة قليلة، تمثلت بالأساس في معارضة أولئك الذين لا يرون مستقبلً لليهود المغاربة إلا في حظيرة الجنسية الفرنسية، على نهج بني جلدتهم في الجزائر الذين تمتعوا بالجنسية الفرنسية منذ قرار أدولف كريميو Crémieux Adolphe في عام 1870. وهذا التيار الفكري والسياسي هو الذي نشر، في عام 1932 بالدار البيضاء، جريدة لونيون ماروكين Marocaine Union ' L (الوحدة المغربية) التي كانت ترى في الصهيونية حركة طوباوية، وتدعو إلى بديل يكمن في موالاة فرنسا قلبًا وقالبًا.

ثانيًا: الدعاية الصهيونية يف واضحة النهار

بعد نهاية مأمورية ليوطي بالمغرب، تحقق لجوناثان ثورز ما أراده بتأسيس مجلة لافونير إلوستري (المستقبل المصوَّر) عام 1926، وأصبح للدعاية الصهيونية في البلاد أداة إعلامية تماهت وأهداف وعد بلفور تماهيًا شاملً؛ بالتبشير بوطن قومي يهودي في فلسطين، وتعبئة التبرعات من أجله في واضحة النهار، ومتابعة تطورات السعي لإقامته (الصورة 1). وهكذا استغلت المجلة حلول الذكرى الثلاثين للمؤتمر الصهيوني في بال بسويسرا (1897  -  1927)، لتكرس يوم الفاتح من حزيران/ يونيو 1927 يومًا للتبرع من أجل الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وذلك تحت شعار "يوم الشيكل"9. ومما أقدمت عليه هذه المجلة أيضًا نشرها، تحت عنوان "ديفيد ليتواك" Litwak David، وفي حلقات عديدة، ابتداءً من نيسان/ أبريل 1928، الترجمة الفرنسية لكتاب نشره ثيودور هرتزل بالألمانية عام 1898. لقد تزامن انفتاح المجال للدعاية الصهيونية في المغرب مع انكسار شوكة المقاومة المسلحة التي كان يقودها الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاحتلال الاستعماري في منطقة الريف شمالي المغرب، ومع ميلاد الحركة الوطنية السياسية المتشبعة إلى حد كبير بأفكار القومية العربية الوافدة من الشرق. وكان طبيعيًا في هذه الظرفية أن تبدي الحركة الوطنية الناشئة تعاطفًا وتضامنًا مع الفلسطينيين المستهدَفين في حقوقهم فوق وطنهم الفلسطيني. ومن تجليات هذا التضامن تلك العريضة التي وجّهها الوطنيون المغاربة، إثر أحداث فلسطين في أيلول/ سبتمبر 1929، إلى الحكومة البريطانية، وجاء فيها: "استاء عموم المغاربة المسلمين استياءً عميقًا للحوادث المؤلمة التي وقعت في فلسطين، والظلم الفادح الذي أصاب المسلمين هناك من جرّاء المساعي الصهيونية ومطالبها المضحكة [...] فنحن الآن، إزاء

6  L'Avenir Illustré , 27 / 5 / 1927 , p. 17.

هذه الحوادث، لا يسعنا إلا أن نرفع إليكم احتجاجاتنا العنيفة الشديدة الصارمة على هذه الأعمال غير السائغة شرعًا، ونبدي استياءنا العميق من كل ما يمسّ بالأماكن المقدسة في فلسطين"10. وقد كان لهذه العريضة التي تصدَّرها محمد الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعلال الفاسي، وعبد الوهاب الفاسي، والحسن أبو عياد صدى في الصحافة بفرنسا، وكذا في المغرب. ومما جاء في يومية لوماتانالباريسية أن القضية الفلسطينية وحَّدت موقف الأعيان الذين كانوا يمثلون المغرب التقليدي أو القديم مع كتلة الشباب الوطني الذين بادروا إلى العريضة وإلى جمع آلاف التوقيعات، وكذا التبرعات المالية لفائدة الفلسطينيين11. وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الفرنسية قد اندهشت للصدى الذي وجدته القضية الفلسطينية لدى المغاربة على الرغم من الحصار الإعلامي الذي كان مضروبًا عليهم حتى لا يتواصلوا مع أحداث المشرق العربي. ولكن هذا الحصار لم يَحُل دون اتصالات تمّت في فرنسا بين الطلبة المغاربة وزملائهم الفلسطينيين. وفي هذا الصدد، كتب محمد بن الحسن الوزاني ما يلي: "بمناسبة حركة العريضة أثناء قضائي للعطلة الصيفية بفاس، أتيح لي أن أقوم في المغرب بنشاط سياسي وصحفي، متحملً مسؤولية حركة احتجاجية على العدوان الصهيوني الإنكليزي بفلسطين. وقد كان لي وقتئذ باعث خاص على عملٍ كهذا، وهو ما كان يربطني في باريس من أوثق الصلات بفوج من الطلبة الفلسطينيين كانوا من خيرة الشباب العربي المثقف المتقدم وطنيةً وحماسًا. وبفضل هذا، كنت حسن الاطلاع على القضية الفلسطينية، وأسرارها ورجالها. وبعد عودتي لباريس أطلعت الطلبة الفلسطينيين على ما جرى تضامنًا مع قضيتهم، فزادهم هذا حبًّا للمغرب والمغاربة، واقتناعًا بأنهم ليسوا وحدهم في المعركة الدائرة في فلسطين ضد الصهاينة والإنكليز، بل إن قضيتهم قضية الجميع من المشرق إلى المغرب"12. أما محمد الفاسي، الذي ينسب إلى نفسه هو أيضًا فضل المبادرة في الحركة التضامنية التي شهدتها مدينة فاس، فيتحدث عن "أول انتفاضة مغربية في سبيل القدس" منذ الإعلان عن وعد بلفور. وفي ذلك يقول: "كان ذلك في صيف السنة المذكورة [أي 1929]، وقد كنت طالبًا بباريس، ورجعت لمسقط رأسي لقضاء العطلة [...] وذلك أنني رأيت يومًا في الصفحة الأولى من الجريدة الفرنسية التي بدأت تصدر بفاس Fès de Courrier Le صورة لمسجد سيدنا عمر، رضي الله عنه، بالقدس، مع خبر يقول إن اليهود، بموافقة الإنكليز، هدموا هذا المسجد الذي له في نفوس المسلمين حرمة كبيرة، فاغتظت لهذا النبأ، وأخذتني ثورة في نفسي، وقلت لا بد أن نفعل شيئًا أمام هذه الإهانة، وفكرت في القيام بكتابة عريضة احتجاج تُوقَّع من قِبل أكبر عدد ممكن من المواطنين [...] وقد عبَّنا في هذه الوثيقة الأولى من نوعها عن سخط أهل فاس على هذا العمل الشنيع، وعما أصابهم من ألم نفساني عميق، وحمَّلنا مسؤولية هذا التعدي على مقدساتنا لإنكلترا ولليهود الصهيونيين"14. ومن الطرائف المتصلة بهذا الحدث أن أصحاب مبادرة العريضة، عندما أرادوا استنساخها بالتصوير، قاموا بذلك في حي الملاح حيث يوجد المصور الوحيد بفاس، وهو مواطن يهودي يدعى "أبو حصيرة". مثّلت قضية فلسطين، وكذا المطالب الإصلاحية للحركة الوطنية المغربية، أرضية للتضامن والتنسيق بين نخبة من المغاربة والمشرق العربي. وقد تعزّز التواصل بين الطرفين في شأن القضية الفلسطينية وتطوراتها بزيارة الأمير شكيب أرسلان لطنجة وتطوان في آب/ أغسطس 1930، وهي مناسبة جرت فيها مشاورات مع الوطنيين المغاربة. ومثَّل أحد الوطنيين المغاربة، وهو محمد بنونة، زملاءه في المؤتمر الإسلامي العام الذي انعقد في القدس، في كانون الأول/ ديسمبر 1931، بدعوة من مفتي فلسطين، الحاج أمين الحسيني،

  1. نص الرسالة المؤرخة في 6 أيلول/ سبتمبر 1929 منشور في: محمد حسن الوزاني، مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحررية المغربية، ج 1](د.م.[: مؤسسة محمد حسن الوزاني،]د.ت.[)، ص، 469  -  470.
  2. المرجع نفسه، ص 473.
  3. المرجع نفسه، ص 478.
  4. محمد الفاسي، "أول انتفاضة مغربية في سبيل القدس"، دعوة الحق، العدد 215 (1981.)
  5. المرجع نفسه.

لتدارس المخاطر المحدقة بالفلسطينيين وبأراضيهم، والتنسيق لمواجهة انحياز الحكومة البريطانية، والغرب عمومًا، إلى المشروع الصهيوني. ولم تكن الحركة الوطنية المغربية تفوِّت أيّ فرصة متاحة لإبداء التعاطف مع القضية الفلسطينية، والتنديد ببعض اليهود المغاربة الذين بدأت تستهويهم الدعاية الصهيونية. وقد بلغ الأمر بهؤلاء الناشطين في نيسان/ أبريل 1934 درجة سمحوا فيها لأنفسهم باستفزاز مشاعر الأغلبية المسلمة في طنجة الدولية، عندما حملوا العلَم الصهيوني أثناء استعراض للكشفية اليهودية بالمدينة، فأثار ذلك تظاهرة احتجاجية أمام مقر مندوب السلطان. وقد نددت جريدة الحياة التطوانية بما سمَّته "ذيول مسألة الصهيونية بطنجة "، مستنكرةً عملً طائشًا كان في الإمكان أن يؤدي إلى حوادث مؤسفة. والأمر نفسه فعلته بالمنطقة السلطانية جريدة لاكسيون دي بيبل (عمل الشعب) التي ذكَّرت اليهود المغاربة أن لا علَم لهم في هذا البلد إلا العلَم المغربي وحده. وفي خضمّ التطورات التي أفرزها تصريح بلفور في الساحة السياسية البريطانية، أقدمت اللجنة المَلكية على إصدار تقرير عام 1937، يقضي بتقسيم فلسطين وجعل القدس تحت الإدارة البريطانية. وقد أقدم ثلة من المغاربة المتنورين، من المسلمين واليهود، على التنديد بهذا المشروع في عريضة مرفوعة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 9 آب/ أغسطس 1937، ضمَّنوها تحذيرهم من مغبّة أيّ تقسيم "مشؤوم" يرمي بالمنطقة في غياهب التوتر والقلاقل غير محسوبة العواقب، كما عبَّ الموقعون عن آمالهم في ميلاد "دولة فلسطينية مستقلة، تسيِّها مؤسسات ديموقراطية وبرلمانية، وهو النظام الكفيل وحده بضمان حقوقهم بكل مساواة للعنصرين الفلسطينيين في وطنهم العزيز".

ثالثًا: نحو اجتثاث الحضور اليهودي يف المغرب

تمثّل مظاهر التعاطف والتضامن مع القضية الفلسطينية، التي رصدنا بعضها على الساحة المغربية خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، نتيجة للتطورات والتعقيدات المنبثقة من تصريح اللورد بلفور، جانبًا من صورة عامة غلب عليها توتر متزايد في العلاقات بين الأغلبية المسلمة في المغرب وأقليته اليهودية؛ فكلما نجحت الصهيونية في اختراق هذه العلاقات كانت الأمور تسير نحو الإخلال بتوازنات اجتماعية عمّرت قرونًا في ظروف اتسمت عمومًا بالتعايش السلمي والاحترام المتبادل. ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، انحاز المقيم العام نوكَيس لحكومة فيشي خلال العام التالي. وفي ظل هذا التوجه، خفتَ صوت الدعاية الصهيونية، وكذا المنابر الإعلامية للحركة الوطنية. أما جوناثان ثورز، فشدّ الرحال إلى الولايات المتحدة الأميركية ليضع خبرته تحت تصرف الصهيونية العالمية والحكومة الأميركية، وقد اختار العيش هناك حتى وافته المنية عام 1976، وعمره 81 سنة. لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية تطورات خطِرة على الساحة الدولية، رسمت خريطة جديدة هيأت الطريق لاغتصاب فلسطين وتحقيق وعد بلفور بإنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. ولم يكن المغرب الأقصى في منأى عن هذه التطورات التي أذنت باجتثاث ساكنته اليهودية التي تفرَّقت في هجرات متتالية في مختلف بقاع المعمورة، ومنها إسرائيل التي عملت بوسائل شتى على استقطاب العدد الأكبر منها. ويكفي للدلالة على ذلك أن نشير إلى أنّ السكان اليهود بالمغرب قد بلغ عددهم 250 ألف نسمة عام 1948 (ضمن مجموع سكان عام بلغ آنئذ 8 ملايين نسمة)، ثمّ بلغ 160 ألف نسمة عام 1960، ثم 40 ألف نسمة عام 1967، وأقل من 4 آلاف نسمة في الوقت الحاضر.

13  L'Action du Peuple , 13 / 4 / 1934.

  1. الحياة (تطوان)، 3  /  5  /  1934، ص 8. كانت هذه الصحيفة الوطنية تفتح أعمدتها لبعض الكتّاب اليهود للتعبير عن آرائهم في نازلة كانت تنذر بقلاقل تعكّر صفو العلاقات بين المسلمين واليهود المغاربة.
  2. محمد كنبيب، يهود المغرب، 1912  -  1948، ترجمة إدريس بنسعيد (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998)، ص 334.
جريدة لافونير إلوستري تعلن انطلاق المؤتمر الصهيوني السابع عشر
جريدة لافونير إلوستري تعلن انطلاق المؤتمر الصهيوني السابع عشر
المصدر:
" l ' inauguration solennelle du 17 ème congrès ," L ' Avenir Illustré , 6 ème année , no. 161 , 9 / 7 / 1931.
1 6

المراجع

الأجنبية

العربية

[د.ت.]. الفاسي، محمد. "أول انتفاضة مغربية في سبيل القدس". دعوة الحق. العدد 215 (1981). كنبيب، محمد. يهود المغرب، 1912  -  1948. ترجمة إدريس بنسعيد. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998.

• Archives de l'Alliance Israélite Universelle. Paris. Liasse (Maroc IV, c 11 , Casablanca).

• Archives du Maroc. G 0691 Questions juives diverses (1929  -  1949).

• Archives du Maroc. FRMAE. 1 MA 5661  -  0107.

الوزاني، محمد حسن. مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحررية المغربية.]د.م.[: مؤسسة محمد حسن الوزاني،