العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نقاش في نظرية بول وِتِك عن قيام الدولة العثمانية

نقاش في نظرية بول وِتِك عن قيام الدولة العثمانية

A Debate on Paul Wittek's Thesis about the Rise of Ottoman Empire

أنيس عبد الخالق محمود

Anis A. Mahmoud

الملخّص

ظلّت نظرية المؤرخ النمساوي بول وِتِك أقوى النظريات حتى ثمانينيّات القرن العشرين في تفسر قيام الدولة العثمانية وتوسّعها، فقد بدأت تتعرَّض لانتقادات شديدة أدّت إلى تقويضها إلى حدٍّ كبير. يناقش الباحث، استنادًا إلى الدراسات الحديثة، صحّة الأُسس المادية والفكرية لتلك النظرية، ويخرج باستنتاج مفاده أنها نظريةٌ تجاوزها الزمن ولم تعُد مقبولةً لتفسر قيام الدولة العثمانية لسببين: الأوّل أنّ وِتِك لم يفهم معنى "الغزو" لدى العثمانيين الأوائل ضمن إطاره التاريخيّ الصحيح، بل فهمه بمعنى "الجهاد في سبيل الله" ونشر الإسلام. والثاني أن هناك الكثير من الشكوك بشأن توظيفه الأدلّة التي اعتمد عليها لإثبات فرضيّته، وهي الفصل الخاص بالعثمانيين ضمن كتاب إسكندرنامه، والكتابة المنقوشة على جامع "شهادات" في بورصة سنة 1337 م. ويتبيّن من خلال البحث أن وِتِك قد تلاعب بالأدلّة التي كانت بين يديه، وأن جميع الأُسس الفكرية والمادية التي استخدمها لا تدعم نظريته. وفي النتيجة، فإن نظريته لم تعد صالحةً لتفسير قيام الدولة العثمانية.

Abstract

The Ghaza or Ghazi thesis of Austrian historian Paul Wittek (1894 - 1978) remained the most powerful theory to explain the rise and expansion of the Ottoman Empire until it began to face severe criticism the 1980 s that led it to be largely undermined. Relying on new studies, this paper discusses the soundness of the material and its intellectual foundations and concludes the theory is no longer valid. Two principal reasons are given for why the theory is now obsolete. First, Wittek did not understand the meaning of ghazw (raid, conquest) for the early Ottomans in its proper historical framework, but took it to mean “ jihad fi sabil Allah ” (holy war) and the spreading of Islam. Second, there are many doubts over Wittek's use of the evidence he relied on to prove his theory ­found in the chapter on the Ottomans in Ahmedi's Iskandernameh and the inscription on “Shehadet” Mosque in Bursa of 1337. It transpired that Paul Wittek manipulated the evidence he had and that all the intellectual and material foundations he used fail to support his theory. As a consequence, his theory is no longer a valid explanation for the rise of the Ottoman Empire.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة العثمانية
  • القرن الرابع عشر الميلادي
  • نظريات
  • بول وتك
Keywords:
  • Ottoman Empire
  • Paul Wittek
  • 14th Century
  • Historical Theory

مقدمة

يناقش هذا البحث قضيةً مهمّةً من قضايا التاريخ العثمانيّ تتعلّق بقيام الدولة ونشوئها. وتعدّ هذه المسألة من القضايا الحسّاسة والمثيرة للجدل في تاريخ الدولة العثمانية؛ ذلك أن تاريخها المبكّر لم يدوَّن خلال القرن الأوّل لتأسيس الدولة (القرن الرابع عشر)، وأن أولى المدوّنات الخاصّة بالتاريخ العثمانيّ (ملحمة إسكندرنامهللشاعر أحمدي) كانت مقتضبةً إلى حدٍّ كبير ومليئةً بأساطير تتعلّق بأصل آل عثمان، فضلً عن أن معظم مَن كتبوا خلال القرون اللاحقة، ولا سيَّما خلال مراحل أوج الدولة في القرنيَن الخامس عشر والسادس عشر، كانوا يميلون إلى تمجيد أعمال السلاطين العثمانيين، وراحوا يكتبون تاريخ آبائهم وأجدادهم بما ينسجم مع هذا التاريخ "العظيم"، وترتّب على ذلك أن ضاعت الحقائق التي تفسِّ أسباب نجاح تحوّل هذه الإمارة الصغيرة إلى دولة، ومن ثمَّ إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريّات في العالم في مدّة قياسية. ونتيجةً لذلك، ظهرت الحاجة إلى دراسة تلك الأسباب دراسةً علميةً بعيدة عن الروايات العاطفية وغير الواقعية التي وضعها المؤرِّخون العثمانيون الأوائل. وعلى هذا الأساس، ظهرت ثلاث نظريات أساسية (هي نظريات غبِنْز، وكوبريلي، ووتِك على التوالي) لتفسير قيام الدولة العثمانية وتوسُّعها خلال المرحلة المبكّرة من تاريخها، وكانت آخرها (نظرية وتِك) أقوى تلك النظريات، ولذلك يعدّ كتاب وتِك مهمًّا، ويعدُّ نقاش ما ورد فيه أهمّ. في سنة 1938 نشر المستشرقُ المؤرِّخُ النمساويُّ بول وتِك (1894 - 1978) كتابه المعنونقيام الدولة العثمانية1، الذي رفض فيه انتماء آل عثمان إلى قبيلة قايي (إحدى قبائل الأوغوز)، وقال إن الدولة العثمانية قامت وتوسَّعت على مبدأ "الغزو". وظلَّت هذه النظرية أقوى نظريات تفسير قيام الدولة العثمانية حتى ثمانينيّات القرن العشرين، حينما بدأت تتعرَّض لانتقادات شديدة أدّت إلى تقويضها إلى حدٍّ كبير. ولكن على الرغم من أن "الغزو" أمرٌ طبيعيٌّ في نشوء الدول، فإن بول وتِك أثار جدلً واسعًا بتأكيده أنه سببُ قيام الدولة العثمانية، وأن محاربة المسيحيين كانت أهمّ عامل في توسُّع دولتهم في مراحلها الأولى2. تكمن الإشكالية الرئيسة في نظرية وتِك في مسألتين رئيستين، الأولى أنه لم يفهم معنى "الغزو" لدى العثمانيين الأوائل ضمن إطاره التاريخيّ الصحيح، بل فهمه بمعنى "الجهاد في سبيل الله" ونشر الإسلام. والثانية أن هناك الكثير من الشكوك بشأن الأدلّة التي اعتمد عليها لإثبات فرضيّته (وهي ملحمة إسكندرنامه للشاعر أحمدي والكتابة الموجودة على جامع "شهادت" في بورصة). على هذا الأساس، يفترض الباحث أن النظرية لم تعُد مقبولةً لتفسير قيام الدولة العثمانية، وأن هناك أسبابًا أخرى لقيام الدولة العثمانية وتوسُّعها. ينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسة تناولت: أوّلً: النظريات التي سبقت نظرية بول وتِك. ثانيًا: نظرية "الغزو" لدى بول وتِك وآراء المؤرِّخين بشأنها. ثالثًا: تفكيك الأسس التي قامت عليها نظرية وِتُِك. ورابعًا: وجهة نظر بديلة عن قيام الدولة العثمانية وتوسُّعها. واعتمد الباحث في كتابة هذا البحث على مجموعة من الدراسات الحديثة، لعلّ في مقدّمتها وأهمّها كتاب المؤرِّخ الأميركيّ هيث لوري

  1. Paul Wittek, The Rise of the Ottoman Empire (London: B. Franklin, 1938). وقد طُبع هذا الكتاب عدة طبعات بعد ذلك. وفي سنة 2012 نشرت مجموعة مؤلفات بول وِتك في كتاب واحد بعنوان: Paul Wittek, The Rise of the Ottoman Empire: Studies in the History of Turkey, Thirteenth-Fifteenth Centuries , Colin Heywood (ed.), (London: Routledge, 2012). وقد صدرت ترجمة للطبعة الأولى إلى العربية، انظر: بول وتك: قيام الإمبراطورية العثمانية، ترجمة صفاء الشيخ حمد (دمشق: دار الرائي، 2010). ويذكر أن الكتاب في الأصل كان سلسلة محاضرات ألقاها بول وتك في لندن في أيار/ مايو 1937، وضع فيها ما أصبح يعرف ب "نظرية الغَزْو". وقد اعتمد الباحث طبعة سنة 1938 الإنكليزية؛ لوجود أخطاء كبيرة في الترجمة العربية.
  2. Wittek, pp. 2 - 3.

الذي اعتمد الباحث عليه في المحور الثالث، وهو بعنوان: طبيعة الدولة العثمانية المبكّرة (2003) Ottoman Early of Nature The State وأطروحة المؤرّخ التركي الدكتور حلمي قاجار التي اعتمد الباحث عليها في المحور الرابع، وهي بعنوان: مرآة للسلطان: أيديولوجيا A Mirror for the Sultan: State Ideology in the Early Ottoman م) 1453 - 1300 الدولة في المدوّنات العثمانية المبكّرة (

. Chronicles (1300-1453) , University of Ghent , Faculty of Arts and Philosophy (2015)

أوّلً: النظريات التي سبقت نظرية بول وتِك

دفعت ندرة المصادر العثمانية في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي علماء التاريخ العثمانيّ إلى تقديم فرضيّات عن أصل العثمانيين وتأسيس دولتهم. وقد جرت محاولاتٌ في القرن العشرين لتفسير نجاحهم في تأسيس دولة مترامية الأطراف أيضًا. غير أن الإشكالية المركزية تركَّزت في تفسير قدرة الدولة العثمانية على التوسُّع من إمارة صغيرة إلى قوّة عالمية خلال بضعة عقود والاستمرار لأكثر من ستة قرون. وضمن هذا الإطار طُرحت عدّة آراء ونظريات يمكن إيجازها فيما يلي:

1. نظرية هربرت آدامز غبنز

في سنة 1916 قدَّم عالم اللاهوت الأميركيّ هربرت آدامز غ (بِنْز 1880 - 1934) نظريةً ذكر فيها أن المسيحيين هُم سبب نجاح العثمانيين، "لأن المجنّدين المسيحيين والبيزنطيين الذين اعتنقوا الإسلام هم الذين أسّسوا الدولة العثمانية"3. ويأتي هذا الرأي في سياق نظرته إلى أن العثمانيين هُم "جنسٌ جديدٌ" ناتجٌ من اختلاط الأتراك بغيرهم من الشعوب اليونانية والبلقانية التي يشكّل المسيحيون أهمّ عنصر فيها، وأن قيام الدولة العثمانية كان حصيلة "امتزاج الدّم الآسيويّ البدويّ بالأصل الأوروبيّ"4. وعزَّز غبِنْز نظريّته بالقول إن هذه الدولة العثمانية القوية لا يمكن أن تكون قد ظهرت من جذور إسلامية وتركية ف، لأن القبائل التركية البدوية صِ لم يكن بمقدورها تأسيس دولةٍ منظَّمة5، وإن الحكومة والطبقة الحاكمة فيها كانت فاسدةً، وإن العثمانيّ كسولٌ وعديمُ المبادئ إلى حدٍّ يمنعه من فهم معايير التقدُّم الحضاري6. أمّا عن توسُّع الدولة، فقد قال: "إن هذا الجنس الجديد هو الذي ضَمِنَ استمرار تجربة الإدارة البيزنطية ولكن بمظهر إسلاميّ"7. وفي الوقت الذي أكّد فيه أنّ العثمانيين، لكونهم ورثة تقاليد الإدارة البيزنطية، بقوا أشبه بخليط إسلامي - بيزنطيّ حتى فَتْح العالَمِ العربيِّ في مطلع القرن السادس عشر، شدّد على أن الدين الإسلاميّ أدّى إلى تقوية الخليط الجديد. وأخيرًا، أكّد ضرورة التركيز على أن العثمانيين استغلّوا العوامل الخارجية المختلفة (مثل ضعف الدولة البيزنطية بسبب الصراعات الأُسرية) التي أدّت إلى سلسلةٍ من الحروب المتكرّرة، ونجحوا في بناء دولتهم لكونهم "خليطًا عرقيًّا" أكثر تفوُّقًا من العناصر التي تكوّن منها، لأنه مزَج بين الدّم الآسيويّ البريّ والأصل الأوروبيّ، ونجح في اقتباس أُسس الإدارة البيزنطية8. وبعد سنوات بدأت الردود والآراء المخالفة تتوالى، ويمكن إيجازها فيما يلي:

  1. Herbert E. Gibbons, The Foundation of the Ottoman Empire (New York: The Century Co., 1916), p. 41. يُذكر اسمه في بعض المصادر العربية بصيغة غيبونز أو كيبونز أو جيبونز، وهي صيغ غير صحيحة، والصحيح كما هو مثبت هنا (غ.)بِنْز
  2. Ibid., p. 51.
  3. Ibid., pp. 27 , 46.
  4. Ibid., p. 74.
  5. Ibid., p. 57.
  6. Ibid., p. 78.

2. نظرية محمَّد فؤاد كوبريلي

في سنة 1922 قدّم المؤرِّخُ التركيُّ محمَّد فؤاد كوبريلي (1890 - 1966) أوّل ردوده على نظرية غ بِنْز في نظريةٍ أكّد فيها دور الموروث البدويّ التركيّ في نشوء الدولة العثمانية، وقال فيها إن العثمانيين تأثّروا بالإرث الإداريّ السلجوقيّ والإيلخانيّ المغوليّ، وإن الدولة العثمانية ما هي إلّ مزيجٌ من قبائل تركية متعدّدة كانت تعيش في الأناضول، وإن الحكم العثمانيّ هو نتاجُ هاتين التجربتين الموروثتين، وإن الحياة الحضرية بين أتراك الأناضول في القرن الرابع عشر كانت متطوّرةً إلى الحدّ الذي اجتذب الأتراكَ الذين خدموا في المؤسّسات الإدارية السلجوقية والإيلخانية، بل وحتى المملوكية، وكان من نتيجة ذلك أن تحوَّل اهتمامهم من الحياة العسكرية إلى الحياة الاجتماعية والثقافية والمؤسّسات التي أقاموا عليها نظام حكمهم9. ومعنى ذلك أنه يرفض ما ذهب إليه غبِنْز عن وجود أصل بيزنطيٍّ للمؤسّسة الإدارية العثمانية. وبعد أن نجح في إثبات جذور المؤسّسة الإدارية العثمانية المبكّرة من السلاجقة والإيلخانيين، اعترض على فكرة عدم كفاءة العثمانيين في إنشاء دولة من دون أن يتأثّروا بالتجربة البيزنطية في بناء مؤسّسات الدولة10. وفي سنة 1934ْف تشكَّلت من خليط من خطا كوبريلي خطوةً أخرى حينما قدَّم نظريةً تقول إن الدولة العثمانية هي دولةٌ تركية صِ الشعوب البيزنطية والسلافية والتركية، وأكّد أنها تشكّلت من خليط من القبائل التركية في الأناضول التي ورثت أساليب الإدارة والحكم من السلاجقة والإيلخانيين11.

3. نظرية فريدريك غيزه

في سنة 1924 جاء الردّ الآخر على نظرية غبِنْز من المؤرِّخ الألماني فريدريك غيزه (1870 - 1940) الذي أشار في بحث مهمّ تناول فيه أصل الدولة العثمانية إلى تنظيمات الحِرَفيين والتجّار المعروفة باسم التنظيمات الآخية (أو الآخيّات)، التي نشأت وازدهرت في الأناضول خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر12، لخدمة الناس عن طريق التجارة والحِرف وتأسيس تجربة لإدارة البلاد وتوفير الأمن والاستقرار للحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدن بعد انهيار سلطة السلاجقة في أعقاب اجتياح المغول للأناضول في سنة 1248 م13.

4. نظرية وليام لانغر وروبرت بلَيك

في سنة 1932 جاء الردّ الثالث على نظرية غبِنْز من المؤرِّخيَن الأميركيين وليام لانغر (1896 - 1977) وروبرت بلَيْك (1886 - 1950) اللذين رفضا رأي غبِنْز القائل إن البنية الإدارية العثمانية موروثةٌ من البيزنطيين بالكامل، وأكّدا أن الدولة العثمانية قامت وتوسّعت نتيجة عاملين: التسامح الإسلاميّ الذي طبّقه الأتراك في الأناضول بهدف تشجيع المسيحيين البيزنطيين على اعتناق الإسلام، وموقع الدولة العثمانية الجغرافيّ على حدود بيزنطة الضعيفة. غير أنهما أكّدا، مثل فريدريك غيزه، أن الآخيّات التي ظهرت في مدن الأناضول هي التي شكَّلت أُسس تجربة العثمانيين المبكّرة في الإدارة، وكانت بمنزلة حلقة وصل لجمع شعوب شمال غرب الأناضول،

  1. محمد فؤاد كوبريلي، قيام الدولة العثمانية، ترجمة أحمد السعيد سليمان (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967)، ص 22. وقد نشر كوبريلي نظريته في سنة 1935، وهي في الأصل ثلاث محاضرات ألقاها في مركز الدراسات التركية بجامعة السوربون، وصدرت كتابًا بعنوان: Mehmet Fuat Köprülü, Les origines de l'empire ottoman (Paris: Porcupine Press, 1935).
  2. كوبريلي، ص 20 - 25، وصفحات متفرقة.
  3. المرجع نفسه، ص 22.
  4. Friedrich Giese, “Das Problem der Entstehung des Osmanischen Reiches,” Zeitschrift für Semitistik und verwandte Gebiete , vol. 2 (1924), pp. 246 ‑ 271.
  5. تقابل التنظيمات الآخية أصحاب الحرف أو الأصناف في التاريخ الإسلامي. لمزيد من المعلومات عن هذه التنظيمات، انظر: Bernard Lewis, “Islamic Guilds,” The Economic History Review , vol. A 8 , no. 1 (1937), pp. 26 - 33.

ولم يقتصر دورُها على توفير التضامن بين الحِرَفييّن، بل امتدّ ليشمل توفير الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة الاجتماعية في مدن الأناضول أيضًا14. من جهة أخرى، وعلى الرغم من تلك الانتقادات، لاقت نظرية غبِنْز ترحيبًا واسعًا لدى بعض المؤرِّخين، أمثال الرومانيّ نيكولاي يورغا (1871 - 1940) الذي قال إن أتراك البراري لم يأتوا بشيءٍ جديد، وكلّ ما قاموا به أنهم واصلوا العمل بالمؤسّسات البيزنطية15، والفرنسيّ شارل ديل (1859 - 1944) الذي شاطره الرأي وقال إن الأتراك ليسوا إلّ محاربين قساة، وإنهم ليسوا إداريين ولا علم لهم بالسياسة، وإنهم يدينون كثيرًا إلى ما قدّمته لهم بيزنطة من مؤسّسات ونظمٍ إدارية؛ لأنهم كانوا في حاجة إلى إداريين ودبلوماسيين ووجدوا ضالّتهم في المسيحيين المنتشرين بأعداد كبيرة في الدولة العثمانية16. ولكن يبدو أن هذين المؤرِّخين كانا يعبِّان عن رأي الكثير من المؤرِّخين الغربيين الذين يرون أن الأتراك أدنى من الأوروبيين، وأغفلا أن الدولة العثمانية الناشئة كانت لها علاقاتٌ مع القوى الرئيسة المجاورة الأخرى، كالسلاجقة والمماليك والبنادقة والجنوييّن والمغول الإيلخانييّن.

ثانيًا: نظرية "الغزو" لدى بول وتِك وآراء المؤرِّخين بشأنها

ردًّا على محمَّد فؤاد كوبريلي ألقى بول وتِك سلسلة محاضرات في جامعة لندن في أيار/ مايو 1937 (نشرتها الجمعية الآسيوية الملكية في سنة 1938) وضع فيها ما أصبح يُعرف ب "نظرية الغزو" thesis - Gaza17، لتفسير قيام الدولة العثمانية، قائلً إن هذه الدولة توسَّعت بسبب مَيلها إلى الجهاد (أو الغزوات)، وإن العثمانيين الأوائل لم يكونوا من قبائل الأوغوز البدوية أو شعبًا مترابط النسَب، بل هُم قبائل من مسلمي الأناضول كانوا يمارسون الغزو واجتمعوا على محاربة جيرانهم المسيحيين (الكفّار)18، وإن جذورهم تعود إلى أواخر العصر السلجوقيّ الذي نمَت فيه قوّة محاربي الثغور، وكان من نتيجة ذلك أن نشأت جماعةٌ خاصّةٌ تزايد تأثيرها وأخذت تسيطر على الأراضي البيزنطية والسلجوقية19. وذكر وتِك أن العثمانيين أطلقوا على حملاتهم تسمية "غزوات" ليشرعنوها ويضفوا عليها صفةً دينيةً، وأن شاعر البلاط العثمانيّ أحمدي20 ذكر السلاطين العثمانيين بلقب "ملوك غزاة"، وعرَّف الغازي بأنه "عبد الله وسيف الله وناصر أهل الدين "21. وذكر وتِك

  1. William L. Langer & Robert P. Blake, “The Rise of the Ottoman Turks and Its Historical Background,” American Historical Review , vol. 37 (1932), pp. 468 - 505.
  2. Nicolae Iorga, Byzance aprés Byzance: Continuation de l'histoire de la vie byzantine (Bucarest: L'Institut d'études byzantines, 1935).
  3. Charles Diehl, Byzance: Grandeur et Décadence (Paris: Flammarion, 1920), pp. 325 - 326.
  4. على الرغم من أن وتك يستخدم تعبير "الحرب المقدسة" للإشارة إلى "الغزو"، فإنه يقصد "الجهاد"، وليس مفهوم "الحرب المقدسة" الأوروبي الذي نشأ مع بداية الحروب الصليبية بهدف انتزاع بيت المقدس من المسلمين.
  5. Wittek, pp. 14 , 20 , 51.
  6. Ibid., p. 2.
  7. هو تاج الدين إبراهيم بن خضر، المعروف باسم أحمدي (1333 - 1412 م)، صاحب ملحمة إسكندرنامهالشعرية (وهي أول نص تاريخي عثماني، يعود تاريخه إلى سنة 1400 م.)
  8. عن ملحمة إسكندرنامهالشعرية، انظر: Kemal Silay, “Ahmedī's History of Ottoman Dynasty,” Journal of Turkish Studies , vol. 16 (1992), p.  129 ; Ahmedî, History of the Kings of the Ottoman Lineage and Their Holy Raids Against the Infidels , Kemal Silay (ed.), (Harvard: The University Press, 2004), p. 27 ; Caroline G. Sawyer, “Revising Alexander: Structure and Evolution Ahmedî's Ottoman Iskendernâme,” Edebiyât , vol. 13 , no. 2 (2003), pp. 225 - 243 ; عمرو محمد عبد الباقي أبو العلا، "إسكندرنامه أحمدي"، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كليّة الآداب، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر، 1981 (لم يطلع الباحث على نسخة من هذه الأطروحة).

أيضًا أن "الغزو" هو العامل الأوّل والدافع المحرِّك لتوسُّع الدولة العثمانية منذ نشوئها حتى سقوطها، وأنها حينما تخلَّت عنه بعد إخفاقها في حصار فيينا الثاني في سنة 1683، بدأت تفقد معظم ممتلكاتها في أوروبا لتنهار أخيرًا بعد هزيمتها في حروب البلقان (1912 - 1913) التي أجبرت العثمانيين على الاستسلام وقضت على طموحهم بالسيطرة على الدول المسيحية22. ومثل نظرية غبِنز، تباينت مواقف المؤرِّخين تجاه نظرية وتِك بين مؤيّد ومعارض، على النحو التالي: في سنة 1947 رفض المؤرِّخ اليونانيّ جورجياديس أرناكيس (1912 - 1976) في كتابه المعنون العثمانيون الأوائلنظرية وتِك، وأكّد، في المقابل، عدم وجود دافع دينيٍّ عند فتح شمال شرق الأناضول الذي امتدّ أكثر من نصف قرن، وذكر أن العثمانيين صادفوا فلّحين مستائين من حكّامهم البيزنطيين، وأن تسامحهم هو الذي سهّل نشر الإسلام بين أعداد كبيرة من السكان ومن ثمَّ اندماجهم في الدولة23. وفي سنة 1971 رفض أستاذ البيزنطيّات الأميركيّ سبيروس فرايانس (1928 -) نظرية وتِك أيضًا، وأكد أن الأتراك كانوا ينشرون الإسلام في الأناضول منذ أكثر من مئتَيْ سنة قبل ظهور العثمانيين، وأن حياة السهوب التركية شبه البدوية كانت تشجّع "الغزو"، وأنها الدافع وراء الفتوح العثمانية المبكّرة أكثر من أيّ حماسة للإسلام24. وفي سنة 1979 رفضت أستاذة التاريخ العثمانيّ المجرية جولا كالدي - ناجي (1927 - 2011) نظرية وتِك أيضًا، وذكرت أن العثمانيين كانوا مسلمين بالاسم فقط خلال المرحلة المبكّرة من التاريخ العثمانيّ، ولا يمكن أن نقول إن حملاتهم الأولى تمثّل مفهوم "الغزو" بمعنى "نشر الإسلام"، وذلك لعدم وجود صراع بين المسيحية والإسلام حينذاك25. غير أن المؤرِّخ التركي خليل إينالجك (1916 - 2016) دافع في سنة 1980 عن نظرية وتِك وأكّد أهمية "الغزو" (بمعنى الجهاد) بوصفه عامل توحيدٍ في تجاوُز الانقسامات القبَلية وظهور الدولة العثمانية وتوسُّعها26، وأكّد (مثل وتِك) أن مجتمع الأناضول له خصائص ثقافيةٌ ثابتةٌ، وهو مشرَّبٌ بفكرة الجهاد لتوسيع "دار الإسلام"27. وعليه، فهو يرى أن فكرة "الغزو" تنسجم مع فلسفة الإسلام في حكم العالم، غير أن "الغازي" (وهنا يختلف مع وتِك) لا يسعى لمقاتلة المسيحيين بدافع الحقد الدينيّ، ولكن الدولة العثمانية استخدمته لشرعنة قتالها ضدّ القوى المسيحية والإسلامية المنافسة لها. وبذلك يكون إينالجك هو المؤرِّخ الوحيد الذي قَبِل معظم ما جاء في نظرية وتِك ووافق عليه. ولكن في الوقت الذي أيّد فيه رأي وتِك في أن إمارة عثمان غازي الحدودية الصغيرة "نذرت نفسها للجهاد ضدّ بيزنطة المسيحية"28، وتبنّى فرضيّته في أن الغزو "كان عاملً مهمًّا في تأسيس الدولة العثمانية وتطوُّرها "29، شدّد

  1. Wittek, p. 2.
  2. George Georgiades Arnakis, Hoi protoi othomanoi (Athens: N. Frandjeskakis, 1947), pp. 32 – 33. لم يطلع الباحث على نسخة من هذا الكتاب، والمعلومات المثبّتة في المتن مأخوذة من: Heath W. Lowry, The Nature of the Early Ottoman State (Albany: State University of New York Press, 2003), p. 9.
  3. Speros Vryonis, The Decline of Medieval Hellenism in Asia Minor and the Process of Islamization from the Eleventh through the Fifteenth Century (Berkeley and Los Angeles, CA: University of California Press, 1971).
  4. Gyula Kaldy-Nagy, “The Holy War 'Jihad' in the First Centuries of the Ottoman Empire,” Harvard Ukrainian Studies , vols. 3 - 4 , part 1 (1979 - 1980), pp. 467 - 473.
  5. Halil Inalcik, “The Question of the Emergence of the Ottoman State,” International Journal of Turkish Studies , vol. 2 (1980), p. 75.
  6. Ibid., p. 71.
  7. خليل إينالجك، تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة محمد م. الأرناؤوط، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2014)، ص 18.
  8. المرجع نفسه، ص 19.

(مثل كوبريلي وبخلاف وتِك) على أصول العثمانيين القبَلية30. وعلى الرغم من أنه رفض نظرية غبِنْز ووصفها بأنها "تكهُّنات لا أساس لها من الصحّة"، فإنه تبنّى حجّتها الأساسية حينما أكّد (كما أكّد وتِك) أنّ هناك خلفيةً مشتركةً بين محاربي بيزنطة و"الغزاة" المسلمين أدّت إلى اندماجهم بطريقة أسفرت عن نشوء إمبراطورية حدودية حقيقية ودولة عالمية تعامل جميع الأديان والأعراق معاملةً واحدةً، ووحّدت البلقان المسيحيّ الأرثوذوكسيّ بالأناضول الإسلاميّ في دولة واحدة31. وشدّد إينالجك على أهمية هجرة أعداد كبيرة من القبائل التركمانية إلى الأناضول، مؤكِّدًا أهمية "الغزو" بوصفه عامل توحيدٍ شجَّع "الغزاة" على فتح المنطقة واستعباد أهلها32. ولعلّ هذا الرأي كان محاولةً للتوفيق بين تأكيد كوبريلي الأصولَ القبَلية للعثمانيين ونظرية وتِك عن "الغزو". ولكن بعد إينالجك استؤنفت الاعتراضات على نظرية وتِك مُجدّدًا. ففي سنة 1983 اعترض أستاذ الدراسات العثمانية المؤرِّخ الأنثروبولوجيّ الأميركيّ رودي بول لندنر (1943 -) على نظرية وتِك مؤكّدًا أن تجنيد المسيحيين البيزنطيين في الجيش العثمانيّ يتعارض مع فرضية "الغزو"، وأن ما كان يدفع العثمانيين الأوائل إلى التوسُّع هو الرغبة في النهب والسلب، لكونهم ينحدرون من البدو الشامانيين33 الذين لا تنسجم عاداتهم وتقاليدهم مع روح الإسلام. وبناءً على ذلك، رفض فكرة "الغزو" ووصفها بأنها "أوهامٌ دينيةٌ" وضعَها كُتّابُ البلاط في أواخر القرن الخامس عشر لتفسير قيام الدولة العثمانية34. وذكر أن المؤرِّخين المتأخرين الذين صوّروا العثمانيين الأوائل أبطالً تحرّكهم فكرة "الغزو" (بمعنى الجهاد) كانوا يُسقِطون أفكارهم ورُؤاهم المعاصرة على الماضي35. وفي سنة 1984 ظهر اعتراضٌ آخر على نظرية وتِك، وذلك حينما نشر أستاذ العثمانيّات المجريّ بال فودر (1955 -) بحثًا مهمًّا عن ملحمة أحمدي أوضح فيه أن مفهومَي "الغزو" و"الغازي" اللذين وردا في ملحمة إسكندرنامه (أهمّ مصادر وتِك) ما هما إلّ تعبيرٌ مجازيٌّ صوّر فيهما أحمدي الحكّامَ العثمانيين بما يخدم أهدافهم السياسية36. ويعدُّ هذا البحث من البحوث الأصيلة التي تناولت أصل العثمانيين لأنه يفنّد أهمّ دليل قدّمه وتِك لدعم فرضيّته37. وفي سنة 1986 انتقد أستاذ الدراسات العثمانية الأميركيّ رونالد جيننغز (1942 - 1996) أسلوب وتِك بانتقاء عباراتٍ من ملحمة إسكندرنامهوالكتابة المثبّتة على جامع "شهادت"، وأكّد أن إصرار وتِك على فكرة "الغزو" لا معنى له، لأن فتح البلقان كان نتيجة جهد مشترك بين العثمانيين المسلمين والمسيحيين38. غير أن هذه الحجّة ليست جديدةً كليًّا، إذ سبقته فيها المؤرِّخة جولا كالدي- ناجي التي ذكرت عدم وجود صراع بين المسيحية والإسلام حينذاك كما أسلف الباحث.

  1. Inalcik, p. 71.
  2. إينالجك، ص 20 - 21.
  3. Inalcik, p. 75.
  4. الشامانيّة دين بدائي من أديان آسيا الوسطى وسيبيريا والتبت، يعتقد أتباعه أنه يوجد عالم محجوب هو عالم الآلهة والشياطين وأرواح الأجداد، وأن هذا العالم لا يستجيب إلا للشامان، وهو كاهن يستخدم السحر لمعالجة المرضى وكشف المخفي والسيطرة على الحوادث. للتفاصيل، انظر: سامي سعيد الأحمد، "الشامانيّة"، مجلة البلاغ، السنة 2، العدد 6 (آب/ أغسطس 1968)، ص 78 - 91.
  5. Rudi Paul Lindner, Nomads and Ottomans in Medieval Anatolia (Bloomington, IN: Indiana University Press, 1983), p. 110.
  6. Ibid., pp. 2 - 50.
  7. Pal Fodor, “Ahmedi's Dasitan as a Source of Early Ottoman History,” Acta Orientalia Academiae Scientiarum Hungaricae , vol.  38 (1984), p. 50.
  8. Ibid., pp. 41 - 54.
  9. Ronald C. Jennings, “Some Thoughts on the Gazi-Thesis,” Wiener Zeitschrift für die Kunde Des Morgenlandes , vol. 76 (1986), pp. 151 - 161.

وفي سنة 1993 نشر العلّمة اللغويُّ التركيُّ شيناسي تكين (1933 - 2004) بحثين ذكر فيهما أن الكتابة الموجودة على جامع "شهادت" مزوّرةٌ وتعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وليس إلى سنة 1337 م كما يزعم وتِك39، لأن الألقاب المستعملة في الجامع لم تكن متداولةً بين العثمانيين حتى القرن السادس عشر40. وسنعاود الإشارة إلى هذه النقطة في سياق تفنيد الأُسس التي قامت عليها نظرية وتِك. وفي سنة 1994 عاود خليل إينالجك تأكيد دور "الغزو" في التاريخ العثمانيّ المبكّر، غير أنه خفّف لهجته هذه المرّة عن "دولة عالمية تعامل جميع الأديان والأجناس معاملةً واحدةً" واستبدلها ب  "دولة عثمانية ظهرت في نحو سنة 1300 م على شكل إمارة حدودية صغيرة نذرت نفسها للجهاد على حدود السلطنة السلجوقية والإمبراطورية البيزنطية، وقد أسهمت تلك 'الغزوات' الحدودية في بقاء الدولة لستة قرون"41. وعند هذه النقطة يُعدّل إينالجك نظرية "الغزو" بتأكيده، متّفقًا مع كوبريلي، الأصول التركية للدولة، ولكنّه أقرَّ بأن "الغزو" هو سبب وجود العثمانيين وتوسُّع دولتهم. وفي سنة 1995 قام أستاذ التاريخ العثمانيّ في جامعة إستانبول فريدون أمجن (1958 -) بمراجعة مصادر الأناضول خلال القرن الرابع عشر، وعالج موضوع "الغزو" و"الغزاة" بدقّة، وركّز على الرقعة التي ظهر فيها هذان المفهومان في مجموعة كبيرة من المدوّنات الباقية من دويلات تركمانية أخرى في الأناضول خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وبناءً على ما توصّل إليه، نفى وجود هذين المصطلحيَن عند العثمانيين الأوائل42. وفي تلك السنة أيضًا (1995)، دافع المؤرِّخ التركيّ جمال كفادار (1954 -) عن نظرية وتِك، وأعاد في كتابه المعنون بين عالمينبناء صورة متوازنة عن ثقافة الأناضول ومجتمعه في التاريخ العثمانيّ المبكّر43، واختتم بأن وتِك كان أكثر مرونةً من غيره، لأنه حاول تعشيق روايته عن العثمانيين "ورثة الغزاة" باضمحلال الوجود البيزنطيّ في بيثينيا (شمال غرب الأناضول) وبإشارات عن حالات انشقاق بين الرعايا البيزنطيين. لكن استخدامه المفرط لأيديولوجيا "الحرب المقدّسة" لم يترك مجالً كبيرًا للنظر إلى العوامل الأخرى على نحو جاد44. وفي سنة 2003 اعترض المؤرِّخ الأميركيّ هيث لوري (1942 -) على مفهوم "الغزو" أيضًا، وأكد أن العثمانيين كانوا يقصدون به كسب الغنائم والعبيد، وأن الدولة العثمانية تأسّست بجهود قادة مسلمين ومسيحيين توحّدوا في "تحالفٍ للنهب يستوعب كلّ مَن يستطيع أن يجمع الغنائم والعبيد، وأن هذا هو الدافع - وليس الحماسة للإسلام - الذي اجتذب أعدادًا متزايدةً من المحاربين إلى العثمانيين"45، ولذلك "حارب العثمانيّون في البلقان بدافع الطمع وقامت دولتهم بسبب تعاون دول البلقان المسيحيّ ونبلاء بيزنطة مع

  1. Șinasi Tekin, “Türk Dünyasında 'Gaza' ve Cihad Kavramları Üzerine Düsünceler: Baslangıçtan Osmanlıların Fetret Devrine Kadar,” Tarih ve Toplum , no. 109 (January 1993), pp. 9 - 18.
  2. Ibid., pp. 73 - 76. ويرى المؤرخ الأميركيّ هيث لوري أن حجج شيناسي تكين غير مقنعة. للتفاصيل بشأن ذلك، انظر: 35 - 34 , Lowry.
  3. خليل إينالجك ودونالد كواترت، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية، ترجمة عبد اللطيف الحارس وقاسم عبده قاسم، مج 1 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص 55. ويذكر أن هذا الكتاب هو ترجمة عن الأصل الإنكليزي: Halil Inalcik& Donald Quateart, An Economic and Social History of the Ottoman Empire, 1300-19 14 (Cambridge: The University Press, 1994).
  4. Feridun Emecen, “Gazaya Dair: XIV. Yüzyıl Kaynakları Arasında Bir Gezinti,” in: Hakkı Dursun Yıldız (ed.), Hakkı Dursun Yıldız'a Armağan (İstanbul: Türk Tarihi Kurumu, 1995), pp. 191 - 197.
  5. Cemal Kafadar, Between Two Worlds: The Construction of the Ottoman State (Berkeley, CA: University of California Press, 1995), pp.
  6. Ibid., p. 58.
  7. Lowry, pp. 46 , 52 - 54.

السلاطين العثمانيين"46. وكان لهذا التعاون أثرٌ كبيرٌ في قيام الدولة العثمانية بسبب قلّة الموارد البشرية الماهرة بين الأتراك المسلمين الذين لم يكن بإمكانهم بناء مؤسّسات حكومية في بداية الأمر47. وأخيرًا، في سنة 2004 اعترض المؤرِّخان البريطانيّان كولن هيوود وكولن إمبر على تفسير وتِك للتاريخ العثمانيّ المبكّر. فبينما يرى هيوود أن فكرة "البطل الغازي" إنّما هي فكرةٌ مثاليةٌ، وأن تفسير وتِك كان مبطّنًا وفاسدًا48، يرى إمبر أن تحليله "خاطئٌ ولا يمكن أن يصمد أمام المنهج العلميّ"، غير أنه اعترف بأن التاريخ العثمانيّ خلال القرن الرابع عشر كان مبهمًا جدًّا بسبب ندرة المصادر الموثوقة، وأننا لا نملك مصادر معاصرة تسمح بإعادة تركيبه49. وفي بحث آخر، قال إنّ المؤرِّخين الذين يحاولون إعادة تركيب تاريخ هذه المرحلة من التاريخ العثمانيّ إنما يقومون بما فعله أسلافهم في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أي إنهم يُسقِطون آراء عصرهم على عصر سابق50. باختصار، لم ينجح المؤرِّخون حتى سنة 2004 في تقديم نظرية بديلة من "الغزو"، غير أنهم قدّموا تفسيرات أدق وأكثر إقناعًا عن نشوء إمارة آل عثمان وتوسُّعها. وأخيرًا، نجح المؤرّخ الأميركي هيث لوري في تفكيك الأسس التي قامت عليها نظرية وِتُِك. فما تلك الأسس؟ وكيف جرى تفكيكها؟ هذا ما سنتناوله في المحور الثالث.ُ

ثالثًا: تفكيك الأسس التي قامت عليها نظرية وتِك

قبل أن يبدأ الباحث بموضوع تفكيك الأسس التي قامت عليها نظرية وِتُِك لا بدَّ من توضيح أن هذه النظرية قامت على فكرة "الغزو" التي بُنيت بدورها على أساسين، هما ملحمة إسكندرنامهللشاعر أحمدي، والكتابة الموجودة على جامع "شهادت" في بورصة التي ورد فيها أن أورخان بن عثمان (1326 - 1359 م) هو الذي شيّده في سنة 1337 م وذُكر فيها هذا السلطان بلقب "سلطان الغزاة". ولأن مفهوم "الغزو" لدى وتِك كان يعني "الجهاد في سبيل الله" لنشر الإسلام، فسيعالج الباحث صحّة الأسس المادية التي قامت عليها فكرة "الغزو"، ومن ثمَّ سيعالج معنى تلك المفردة لدى العثمانيين الأوائل.

1. ملحمة إسكندرنامه للشاعر أحمدي

كانت ملحمة الشاعر أحمديإسكندرنامه (كتاب الإسكندر) التي يعود تاريخها إلى سنة 1400 م أهمَّ دليل لنظرية "الغزو"؛ إذ استخدم وتِك ذيلها المعنون "تواريخ ملوك آل عثمان" لتأكيد نظريّته. وتمثّل هذه الملحمة أوّل أُنموذجٍ عثمانيٍّ للأدب المعروف باسم مرآة الأمراء (أو نصائح الحكّام). وتؤكد قراءةٌ دقيقةٌ لذيلها أن أحمدي خصّصه لهدفين: تحذير بايزيد الأوّل (ومن بعده ابنه الأمير سليمان جلبي) من محاربة الأمراء المسلمين في الأناضول، وتأكيد العدل بوصفه أهمّ عامل من عوامل الحكم الرشيد؛ إذ كان أحمدي يؤكد في صفحات كتابه كافّةً أن السلاطين والأمراء العثمانيين غزاةٌ وعادلون، وهو ما تجلّ في مقدّمته حينما قال إنهم "من أوّلهم إلى

  1. Ibid., pp. 54 , 57 , 70 , 77 , 89 - 93.
  2. Ibid., pp. 134 - 136.
  3. Colin Heywood, “Wittek and the Austrian Tradition,” Journal of the Royal Asiatic Society , vol. 120 , no. 1 (1988), pp. 7 - 25.
  4. Colin Imber, “The Legend of Osman Gazi,” in: E. Zachariadou (ed.), The Ottoman Emirate, 1300-13 80 (Rethymnon: Crete University Press, 1993), p. 75.
  5. Colin Imber, “The Ottoman Dynastic Myth,” Turcica , vol. 19 (1987), pp. 7 - 27.

آخرهم مسلمون وعادلون أيضًا"51. ولذلك، يقارن في المقدمة بين الحكّام المغول المعروفين بظلمهم والعثمانيين الأوائل المعروفين بعدلهم52. ولكن حينما استخدم وتِك هذا المصدر وقع في عددٍ من الأخطاء، منها: أخذه مفهوم "الغزو" عن أحمدي وعدّه الدافعَ الحقيقيَّ والقوّةَ المحرِّكةَ لقيام الدولة العثمانية وتوسُّعها، في حين كان الأخيرُ يخاطب رعايا الدولة العثمانية وليس أعداءها الأوروبيين؛ لأن ملحمة إسكندرنامهلم تكن أكثر من قصيدة شعبية عن تاريخ العثمانيين كما يقول المؤرِّخ التركيّ حلمي قاجار53. وكان أحمدي يدرك أن استغلال "الغزو" للتوسُّع على حساب القوى الإسلامية قد ينطوي على محاذير، كتلك التي حدثت في هزيمة السلطان بايزيد الأوّل (يلدرم)، (1389 - 1402 م) في معركة أنقرة (28 تموز/ يوليو 1402 م) التي تركت نتائج مأساويةً كادت تودي بالدولة في بداية تأسيسها. استخدامه مقدمة الملحمة بانتقائية كبيرة؛ إذ يكشف المؤرِّخ هيث لوري أن وتِك اقتبس عباراتٍ من المقدّمة فقط، أي 13 بيتًا من أصل 334 بيتًا (الأبيات 14 - 20 و 25 - 30، أي أقل من 4 في المئة من إجماليّ النص المخصّص للسلاطين العثمانيين الأوائل)54، وفسَّ العبارات التي انتقاها بما يتناقض مع نصّ الملحمة الكامل، وهي العبارات التي تؤيّد رأيه في أن العثمانيين الأوائل هم "عباد الله مكلّفون بتطهير الأرض من دنس الشِ" ك55، و"أن الغازي هو وسيلة دين الله وسيف الله وحامي المؤمنين وناصرهم "56. ثمَّ يستشهد بالآية: لَ﴿و   الَّذِينَ قُتِلُواتَحْس بَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:  169)57. ويؤكّد استشهاد وتِك بهذه الآية أنه كان يرى أن المهمّة الرئيسة للدولة العثمانية هي نشر الإسلام. قبوله حِيل أحمدي على علّتها من دون أن يكون له رأيٌ فيها. فمن أجل أن يثبت أحمدي هدفه في قيام الدولة على مبدأ "الغزو " (الجهاد)، تلاعب بحقائق التاريخ وحوّرها وأبرز حقائق على حساب أخرى، وأكّد أنه سيكتب ملحمةً ميّز فيها "الغزاة" العثمانيين الأوائل (عثمان وأورخان ومراد) الذين قاتلوا المسيحيين في الغرب من بايزيد الذي تخلّ عن "الغزو" وحارب المسلمين في الشرق58. ولذلك قام بحذف جميع غزوات بايزيد الأوّل ضدّ بيزنطة والبلقان59، وركّز على معركته ضدّ تيمورلنك؛ ليثبت أنه انهزم بعد أن تخلّ عن "غزو" المسيحيين وحارب تيمورلنك المسلم. ولم يكتفِ أحمدي بذلك، بل لجأ إلى إبراز مفاسد بايزيد الأول أمام ولده سليمان جلبي؛ ليثبت له التناقض الحادّ بين السلاطين السابقين (عثمان وأورخان ومراد الأول) الذين نجحوا بالغزو لأنهم مسلمون أتقياء، ووالده "الباحث عن الملذات الذي تخلّ عن دور الغازي وقاتل جيرانه المسلمين"60، وانهزم نتيجةً لذلك. ومن أمثلة هذه المفاسد، ما قيل عن دور زوجته الصربية أوليفيرا ووزيره علي

  1. Silay, pp. 135 , 145.
  2. Ibid. Philosophy, University of Ghent, Belgium, 2005 , p. 99.
  3. Hilmi Kaçar, “A Mirror for the Sultan: State Ideology in the Early Ottoman Chronicles (1300 - 1453),” PhD dissertation, Faculty of Arts and ومن هذه الحملات فرض الحصار على القسطنطينية في سنة 1393 م وحملته على نيغبولي (نيكوبوليس) سنة 1396 م، انظر: أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني (بيروت: دار الشروق، 1982)، ص 50 - 55.
  4. Wittek, p. 14 ; Lowry, p. 15.
  5. Ibid., p. 16.
  6. Wittek, p. 14.
  7. Ibid.
  8. Ibid., p. 25.
  9. Fodor, p. 42 ;
  10. Lowry, pp. 29 - 30.

باشا في إفساده وتشجيعه على شرب الخمر، وكذلك القصة التي رفض فيها قاضي بورصة الملّ شمس الدين فناري قبول شهادته في المحكمة، لأنه لم يكن يؤدّي صلاة الجماعة61. وكان الخطأ الذي وقع فيه وتِك أنه قَبِل مقدمة إسكندرنامهمن دون أن ينتبه إلى مآرب أحمدي السياسية. والخلاصة، إن محاولة وتِك في بناء نظرية استنادًا إلى بضعة أسطر من مقدمة ملحمة إسكندرنامههي محاولةٌ ضعيفةٌ ولا تصمد أمام النقد عند قراءة النص الكامل للملحمة، ويمكن القول إن مصطلح "الغزو" الذي ورد فيها كان تعبيرًا مجازيًّا ليس إلّ، كان الهدف منه تنبيه الأمير سليمان جلبي إلى أن سقوط والده بايزيد الأوّل كان بسبب محاربة جيرانه المغول المسلمين في الأناضول والتخلّ عن مهاجمة المسيحيين وتوسيع الدولة غربًا، وأن التركيز على "الغزو" لم يكن سوى حيلة كان الهدف منها المقارنة بين الماضي المشرق والمستقبل المبهم. وبذلك تقوَّض الأساس الأوّل الذي بنى وتِك نظريّته عليه.

2 ي. الكتابة المنقوشة على جامع "شهادت" ف بورصة (1337)م

كان الدليل الثاني الذي قدّمه وتِك لدعم نظريّته هو الكتابة الموجودة على جامع "شهادت" الذي شيّده أورخان غازي في بورصة والتي ذُكر فيها بألقاب: "السلطان بن سلطان الغزاة، غازي بن الغازي، ماركيز [كذا] الآفاق، بطل العالم"62. واستنادًا إلى هذه الألقاب ذكر وتِك أن "هذه المجموعة من الألقاب فريدةٌ من نوعها في المراسم العثمانية، في حين كانت تُستخدَم في العصر السلجوقيّ صيغٌ تقليديةٌ تختلف تمام الاختلاف". وبناءً على ذلك، استنتج: "أن هذه الصيغة الفريدة من نوعها ما هي إلّ تعبيرٌ لحقيقة تاريخيةٍ تشبه الحقيقة السائدة في فصل أحمدي"63. غير أن التمعُّن فيما ذكره وتِك وإخضاعه للنقد يكشف حقائق مناقضةً أخرى. فقد أخضع المؤرِّخ هيث لوري هذه الكتابة لفحص دقيق وخرج بنتائج متعدّدة تنسف نظرية وتِك من أساسها، ويمكن إجمالها بالنقاط التالية: في البداية، يورد لوري حجّةً دامغةً ومعلومةً فريدةً تتعلّق بموقع الكتابة المنقوشة على الجامع حينما يقول إن الكتابة التذكارية التي استشهد بها وتِك تقع في أعلى الباب الشرقيّ لجامع "شهادت" الذي شُيّد تخليدًا للسلطان مراد الأوّل (خداوندكار) الذي لقي مصرعه في سنة 1389 م، أي بعد نحو 52 سنةً من تاريخ الكتابة. ولمّا كانت الكتابة تعود إلى سنة 738 ه/ 1337 م، وتذكر صراحةً أن أورخان بن عثمان هو الذي أنشأها، فمن المستحيل أن يكون الموقع الحاليّ هو موقعها الأصليّ، وهي لا تعود إلى جامع أورخان كما يفترض معظم العلماء؛ لأن هناك كتابةً تؤكّد تأكيدًا واضحًا أن تاريخ ترميم هذا المبنى كان في سنة 820 ه/ 1417 م، أي في زمن محمَّد (الأوّل) بن بايزيد "الذي أصلح هذه العمارة التي بناها أورخان بك بن عثمان بك في سنة 740 ه/ 1339 م، ودمّرها آل قرمان حينما غزوا بورصة في سنة 1413 م"64. وبناءً عليه، فإن مسألة أصل الكتابة التي ذكرها وتِك أمرٌ مشكوكٌ فيه، ولا علم لنا بما يمكن أن تكون عليه زخرفتها الأصلية أو متى انتقلت إلى موقعها الحالي.

  1. Mükrimin Halil Yınanç, “Bayezid I,” İslam Ansiklopedisi , vol. 2 (1962), pp. 369 - 392 , 389 - 390 ; بشأن هذه الحادثة، انظر أيضًا: أورخان محمد علي، روائع التاريخ العثماني (المنصورة: دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2007)، ص  26 - 27.
  2. Wittek, pp. 14 - 15.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 34. [" 1] أمر بهذه العمارة الشريفة [2] سلطان الغزاة والمجاهدين أورخان بك بن [3] عُثمان بك طاب ثراهما في سنة أربعين وسبعمائة وحرق ولد [4] قرمان ثمَّ أمر الناظر وهو الوزير الكبير بايزيد باشا بإشارة [5] السلطان بن السلطا[ن] محمَّد بن بايزيد خان خُلِّد سلطانه في سنة عشرين وثمانمائة"، انظر: Robert Mantran, “Les Inscriptions Arabes de Brousse,” Bulletin D'Etudes Orientales , vol. 14 (1954), p. 90. وردت العبارة التالية على الجامع: "اللهم اغفر لصاحب هذا المسجد، وهو الأمير الكبير، المعظَّم المجاهد، سلطان الغزاة، غازي بن الغازي، شجاع الدولة والدين والآفاق، بهلوان [محذوفة] أورخان بن عُثمان أدام الله عُمره. أمر المسجد المبارك لرضاء الله تعالى. مَن بنى مسجدًا لله [بنى الله له بيتًا] في الجنّة".

عند تحليله عبارة "ألقاب فريدة من نوعها في المراسم العثمانية"، قال لوري إن أوّل سؤال يتبادر إلى ذهن المؤرِّخ لا بدَّ أن يكون عن أصل تلك الألقاب، ولا سيَّما أن أهمّ لقب "السلطان" الذي ذكره وتِك لم يكن بين الألقاب التي عُرف بها أورخان، وهو ما لم ينتبه إليه وتِك. اتخذ وتِك قراءته الخاطئة لتلك الكتابة دليلً نهائيًّا على رأيه القائل إن ملحمة إسكندرنامههي "حقيقةٌ تاريخيةٌ"، وإن "الغزو" هو أهمّ عامل في توسُّع العثمانيين65. إن التمعُّن جيّدًا في الكتابة المنقوشة يكشف أن أحمدي استعمل مفهومَي "الغزو" و"الغزاة" تعبيرًا مجازيًّا. إن وتِك لم يذكر في أيٍّ من جوامع بورصة بالتحديد شاهد الكتابة. إنه لم يذكر النص الكامل الذي اقتبس منه الأسطر التي استدلّ بها. وبعد أن يورد لوري هذه الحجج، يختتم بالقول: "وليس هذا من قبيل المصادفة، لأنه [وتِك] لو أجاب عن تلك الأسئلة، فإن تأكيده عن وجود 'حقيقة تاريخية' تكمن في تلك الكتابة سيقوّض نظريّته"66. وعلى أساس هذه الثغرات بدأ بتحليل الكتابة المنقوشة على الجامع وخرج بالنتائج التالية: إن أصل الكتابة التي استدلّ بها وتِك مشكوكٌ فيه (وسبقت الإشارة إلى أن المؤرِّخ شيناسي تكين أوضح أن الكتابة المنقوشة في جامع "شهادت" مزوَّرةٌ، وأن تاريخها يعود بالفعل إلى القرن التاسع عشر وليس إلى سنة 1337 م كما يقول وتِك). بينما ذكر وتِك أن الألقاب المذكورة في كتابة الجامع وردت بصيغة "السلطان، ابن سلطان الغزاة، الغازي، ابن الغازي، ماركيز الآفاق، بطل العالم"67، تُظهر القراءة الصحيحة التي ذكرها روبير مانتران أن الألقاب وردت بصيغة "الأمير الكبير المعظّم المجاهد، سلطان الغزاة، غازي بن الغازي، شجاع الدولة والدين والآفاق، بهلوان [الزمان]، أورخان بن عثمان"68. ومعنى ذلك أن وتِك حرَّف الألقاب أو قرأها بطريقة خاطئة. وقد ترتّبت على ذلك سلسلةٌ أخرى من الأخطاء، ومنها: أوّلً، أن وتِك أطلق لقب "السلطان" على أورخان، بينما ورد اللقب في الأصل بصيغة "الأمير الكبير، المجاهد في سبيل الله"69. ولا شكّ في أن إخفاء اللقبين الأخيرين كان مقصودًا كما يقول هيث لوري، وهذا خطأ كبير. ثانيًا، أنه ذكر لقب "ماركيز الآفاق"، وهو لقبٌ أوروبيٌّ أسقطه على العثمانيين. ولذلك، يقول لوري إنه عند تصحيح الإضافة التي أضافها وتِك إلى ألقاب أورخان، ستتقوَّض نظريّته عن جِدّة الألقاب الموجودة في الكتابة المنقوشة، ومن ثمَّ سيتقوِّض تأكيده أن تلك الألقاب تمثّل "حقيقةً تاريخية"ً70. ذكر لوري أن الألقاب التي قال وتِك إنها موجودةٌ على الجامع (وهي: السلطان، ابن سلطان الغزاة، الغازي ابن الغازي) ليست موجودةً على الجامع أصلً، وهو ما يؤكّد أن أورخان لم يطلق على نفسه لقب "سلطان"، بل لقب "سلطان الغزاة "71.

  1. Lowry, pp. 33 - 34.
  2. Ibid.
  3. Wittek, p. 53.
  4. Mantran, p. 89.
  5. Ibid.
  6. Ibid.
  7. Ibid., p. 37.

ولأن وتِك تجاهل لقب "الأمير الكبير المعظّم المجاهد" المذكور في الكتابة، فمعنى ذلك أنه ربَّما لم يشاهد الكتابة أصلً، بل نقلها من شخص قرأ له النص كما يفترض هيث لوري72. ولأنه لم يذكر مَن قرأ له النص، فمن الصعب أن نعرف الأسباب التي أدّت إلى وقوعه في هذه الأخطاء. وتثير هذه الحقائق أسئلةً مهمّةً تلقي بالشكّ على نظرية وتِك من أساسها، من قبيل: هل قام وتِك بزيارة بورصة فعلً خلال السنوات (1927 - 1932)، حينما كان يعمل في معهد الآثار الألماني بإستانبول73، أم أن شخصًا آخر قرأ له النص؟ وهل اعتمد على النص الذي نشره المؤرّخ التركيّ أحمد توحيد (1904 - 1966) في سنة 191274، وهو النص المنشور الوحيد للكتابة حينذاك؟ وما يزيد الأمر غموضًا أن إجابات وتِك تلقي المزيد من الشكوك على هذه التساؤلات. فعندما استشهد في كتابه الصادر سنة 1938 بما نشره أحمد توحيد عن الجامع، قال إنه قرأ هذه الكتابة للمرّة الأولى75، ونسيَ أنه ذكر سابقًا في دراسة له عن إمارة منتشه (1934) أن أحمد توحيد "أخطأ تمامًا في قراءة الكتابة المنقوشة على الجامع"76. والغريب أنه ألمح في هذه الدراسة إلى أنه سينشر صورةً فوتوغرافيةً لً لكتابة سنةَّووصفًا مفص 1337 م في المجلد الأوّل من مجلة دراسات رومية عثمانية Studien Rumtürkische، ولأنه لم ينشر ما أشار إليه، فإن الإشكاليّات الناشئة من أخطائه في قراءة كتابة الجامع لا تزال بلا جواب. ومهما يكن من أمر، فإن قراءة أحمد توحيد تفوق قراءة وتِك من جميع الأوجه كما يقول لوري. فمثلً، يطلق أحمد توحيد على أورخان لقب "الأمير الكبير" وليس "السلطان" أو "مرزبان الآفاق"، بدلً من "ماركيز الآفاق" لدى وتِك، و"بهلوان جهان"، بدلً من "بطل العالم" لدى وتِك77. ومعنى ذلك أن قراءة وتِك للكتابة المنقوشة على الجامع تختلف عمّا هو موجودٌ فعلً في عدّة أوجه. إلى جانب ذلك، لا يبدو أن رأي وتِك عن جِدّة الألقاب العثمانية واختلافها عن الألقاب السلجوقية78 يتّفق مع الكتابة المنقوشة على الجامع؛ لأن الألقاب الواردة فيها تشبه الألقاب السلجوقية (مثل الأمير الكبير المُعظّم المجاهد، شجاع الدولة والدين... إلخ)، وهو ما يتناقض مع جميع الألقاب العثمانية في بورصة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وإن تغافل وتِك عن تلك الألقاب في كتابه يضعف حجّته عن جِدّة الكتابة المنقوشة على الجامع، ومن ثمَّ يضعف حجّته عن "الغزو". وفوق هذا وذاك يؤكّد لوري أن الكتابات الباقية في جوامع بورصة الأخرى تُظهر أن العثمانيين استعملوا ألقابًا مختلفةً لا يشبه أيٌّ منها الألقاب السلجوقية كما تشبهها كتابة جامع "شهادت"، وأن أحد الألقاب يحمل صفات لا تعكس الواقع تمامًا، وهو اللقب الذي وردت فيه عبارة "سلطان الغزاة والمجاهدين أورخان بك بن عثمان بك"79، وهو ما يثبت أن إطلاق لقب "سلطان الغزاة" على أورخان ليس جديدًا على قراءة وتِك للكتابة الموجودة على الجامع80. إلى جانب ذلك، أطلق بايزيد الأوّل على نفسه في "أولو جامع" (الجامع الكبير)

  1. Ibid.
  2. Heywood, p. 10.
  3. Ahmed Tevhid, “Bursa'da En Eski Kitabe,” Tarihi Osmanı Encümeni Mecmuası , vol. 29 (1912), pp. 318 - 320.
  4. Wittek, p. 53.
  5. Paul Wittek, Das Fürstentum Mentesche: Studie zur Geschichte Westkleinasiens im 13-1 5 (İstanbul: Universum druckerei, 1934).
  6. Lowry, p. 38.
  7. Wittek, The Rise of Ottoman Empire , p. 15.
  8. Lowry, p. 37 ; Mantran, p. 90.
  9. Lowry, p. 39.

في بورصة لقب "السلطان المُعظّم بايزيد خان بن مراد"81 وهنا أيضًا لا  يبدو أن الحكّام العثمانيين كانوا يستخدمون خلال القرن الرابع عشر صيغًا جديدةً عمًّا كان سائدًا في العصر السلجوقيّ كما يقول وتِك82. إلى جانب ذلك، ذُكر على ضريح بايزيد الأوّل الذي شُيّد في سنة 1406 م لقب "السلطان الأعظم، مولى ملوك العرب والعجم"83. وأخيرًا، أطلق السلطان محمَّد جلبي الأوّل (1413 - 1421 م) على نفسه لقب "السلطان بن السلاطين، السلطان محمَّد بن بايزيد... إلخ"84. إلى جانب ذلك، بعكس ما قاله وتِك عن جِدّة الألقاب العثمانية، كان لقب الغازي موجودًا في مجموعة كبيرة من كتابات الأناضول خلال القرن الرابع عشر، ومنها كتابةٌ يعود تاريخها إلى سنة 1378 م على "أولو جامع" في مانيسّا، ورد فيها لقب حاكم صاروخان إسحاق خان بن إلياس بصيغة "السلطان الأعظم ناصر الغزاة والمجاهدين"85. وهناك كتابةٌ تعود إلى سنة 1312 م لآيدين أوغلو في مدينة بيرجي في غرب الأناضول أُطلق على بانيها آيدين أوغلو محمَّد بك لقب "مولانا الأمير الكبير الغازي"86. وفي مدينة ميلاس (بيجين) في منتشه هناك كتابةٌ يعود تاريخها إلى سنة 1378 م على جامع غازي أحمد في حي بدر الدين خوجة ورد فيها لقبه بصيغة "سلطان ملوك العرب والعجم، الغازي أحمد بك"87. ويقول لوري إن من المستبعد ألّ يكون وتِك قد اطّلع على تلك الألقاب لأنه نشر دراسةً عن تلك الإمارة في سنة 193488. يتبيَّ مما تقدّم أن المؤرِّخين الذين انتقدوا نظرية "الغزو" لم يتمعّنوا في الطريقة التي وظّف بها وتِك كتابة جامع "شهادت"، وأن لقبَي "الغزو" و"الغزاة" اللذين ذكر وتِك أنهما خاصّان بالعثمانيين في الكتابة المنقوشة على ذلك الجامع كانا موجودَين لدى السلاجقة وأمراء الأناضول الآخرين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر أيضًا.

3. الغزو عند العثمنيين الأوائل لا يعني الجهاد

المسألة الثالثة التي يجب أن تخضع للتدقيق والنقد في نظرية وتِك هي استخدامه مفهوم "الغزو" بمعنى "الجهاد في سبيل الله " وتأكيد أنه الدافع الأوّل والعنصر المحرّك لقيام الدولة العثمانية وتوسُّعها. ويبدو أن هذا المفهوم مثيرٌ للجدل في التاريخ العثمانيّ المبكّر؛ لأن المصادر العثمانية المبكّرة لم تستعمله كما يقول المؤرِّخ حلمي قاجار89، فضلً عن أنه لا يعني الجهاد، وأن المصادر العثمانية المبكّرة كانت تميِّز بين مفهومَي "الغزو" و"الجهاد"، ولم تكن تستخدم المفهوم الأخير. إلى جانب ذلك، فإن مفهوم "الجهاد" الذي استخدمه

  1. Mantran, p. 91. "ممّا عمل برسم السلطان المعظَّم بايزيد خان بن مراد بتاريخ سنة اثنين وثمان مائة."
  2. Lowry, p. 39.
  3. Mantran, p. 104. [" 1] هذه روضة السلطان السعيد المرحوم ومغفور بايزيد خان [2] بن مراد خان بناها السلطان الأعظم مولى ملوك العرب والعجم سليمان خان [3] بن بايزيد خان خلَّد الله مُلكه في أوّل شهر المحرَّم لسنة تسع وثمانمائة". وفي الجانب [" 1] قد وقع الفراغ [2] من هذه العمارة المبار[3]كة على يد العبد الضعيف عليّ بن [4] حسين غفر الله لهما [5] في ربيع الآخر سنة تسع وثمانمائة".
  4. Ibid., p. 92. "وقف السلطان الأعظم والخاقان الأكرم سلطان الشرق والغرب وخاقان العجم والعرب المؤيَّد بتأييد ربّ العالمين غياث الدنيا والدين السلطان بن السلطان، السلطان محمَّد بن بايزيد بن مراد بن أورخان، خلَّد الله في خلافة الأرض مُلكه [...] واتّفق إتمامها في ذي الحجّة، حجّة [كذا] اثنين وعشرين وثمانمائة".
  5. Lowry, p. 42.
  6. Ibid.
  7. Ibid.
  8. Ibid.
  9. Kaçar, p. 103.

العثمانيون في أواخر القرن السابع عشر لم يكن يستخدم بمعنى توسيع أراضي الإسلام، بل الدفاع عن "دار الإسلام" في حال تعرّضها لتهديد خارجيّ، ولا سيَّما في منتصف القرن التاسع عشر عندما وُظِّف لمقاومة التدخُّل الاستعماري البريطانيّ في الهند، وخلال الحرب العالمية الأولى أيضًا حينما أعلنه العرب بإيعاز من "الخليفة" العثمانيّ. أمّا مصطلح "الغزو" فكان يعني لدى السلاطين العثمانيين الأوائل، عندما كتب أحمدي ملحمته، "مهاجمة أراضي العدو". وعند إمعان النظر في المصادر، نرى أن أصول مفردة "غزو" ترجع إلى الموروث التركيّ قبل الإسلام؛ إذ تذكر المصادر أن لقبَي "الغازي" و"ألب" (أي المحارب الشجاع) كانا يضافان إلى اسم عثمان بك (السلطان عثمان الأوّل) وحاشيته. وتحدّث عاشق باشا زاده (1400 - 1484 م) عن مقاتلين يُطلق عليهم لقب "غازي" التفّوا حول عثمان وكانوا يشنّون "الغزوات" بإمرته90. وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم الشاعر عاشق باشا (1271 - 1332 م)91 لقب "ألب" في كتابه غريبنامه (كتاب الغريب)92؛ علمًا أنه كان يستخدم المفردتين "غازي" و"ألب" بمعنى واحد93. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن فرقة "الغزاة" العثمانية انبثقت من فرقة "الألب" التركية هذه، وحاربت أعداءها المسيحيين والمسلمين باسم الجهاد. ويرى المؤرِّخ الرومانيّ آرييل دَيجي (1905 - 1976) أن البدو الأتراك لم يكونوا يميّزون مفردة "الغزو" من "آقين" المستخدَمة في براري آسيا الوسطى والمشتقّة من الفعل "آقمق"، أي "يندفع"، أو "يهاجم أرض العدو"94. وكان الشاعر أحمدي يستخدم المفردتين بمعنى واحد أيضًا95، وهو ما أشار إليه كلٌّ من كولن إمبر وهيث لوري، مع أنهما فرَّقا بين المفردتين بقولهما إن الأولى تحمل معنى دينيًّا والثانية تحمل معنى دنيويًّا. وبمرور الوقت أصبحت المفردتان تعنيان "الفتح"96. وعليه، فقد كان "الغزو" يعني الجهدَ العسكريَّ الذي رافق قيام الدولة واستغلّه العثمانيون ليشرعنوا به توسُّعهم. ومعنى ذلك أن وتِك لم يكن مخطئًا في هذه النقطة تحديدًا، غير أنه لم يدرك أن دعوة العثمانيين الأوائل للغزو كانت موجَّهةً إلى الاستهلاك الداخليّ كما أشرنا من قبل. ولا شكّ في أن المؤرِّخين العثمانيين الأوائل، ولا سيَّما الشاعر أحمدي، بالغوا في استخدام مفردة "الغزو" ووظّفوها سياسيًّا لشرعنة حكم العثمانيين وتوسيع سلطتهم السياسية. ويرى كولن إمبر أيضًا أن مفهوم "الغازي" الوارد في إسكندرنامهوالمدوّنات العثمانية المبكّرة الأخرى ليس أكثر من ترجمة لمفردة "آقنجي" التركية97، التي تعني عند العثمانيين كسب الغنائم والعبيد وليس نشر الإسلام98. ومعنى ذلك أن مفردتَ "غزو" و"غازي" كانتا مرادفتين لمفردتَ "آقين" و"آقينجي" خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وقد أجمع المؤرِّخون العثمانيون الأوائل على أن مفردة "آقين" كانت تُستخدم في الحملات ضدّ القوى المجاورة، ولكن أحمدي هو الوحيد الذي استعمل مفردتَ "غازي" و"آقين" بمعنى واحد في حديثه عن الغزوات وحملات جمع العبيد والغنائم99؛ إذ أوضح في ملحمته أن الغازي العثمانيّ هو عبد لله، وهو الذي

  1. عاشق باشا زاده، تواريخ آل عثماندن: عاشق باشا زاده تاريخي (إستانبول: مطبعة عامرة، 1914)، ص 2.
  2. اسمه علي بن المخلص بن الشيخ إلياس، وشهرته عاشق باشا: من شعراء التصوف في القرن الرابع عشر، اشتهر بالزهد والتقوى، وهو جد الكاتب عاشق باشا زاده صاحب كتاب تواريخ آل عثمان، انظر: بديعة محمد عبد العال، الأدب التركي العثماني (القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2007)، ص 26 - 27.
  3. كوبريلي، ص 147.
  4. عاشق باشا، غريبنامه، نسخة غير مرقمة شبه كاملة من مخطوط الكتاب في جامعة لايبزك، 005. Turc. Cod، ويبلغ عدد ورقاتها 564 ورقة، صفحات متفرقة.
  5. A. Decei, “Akındjı,” in: Encyclopaedia of Islam , vol. I, 2 nd ed. (Leiden: Brill, 1986), p. 340.
  6. Ahmedî, 30.
  7. Imber, “The Legend of Osman Gazi,” p. 73 ; Lowry, p. 45.
  8. Imber, “The Legend of Osman Gazi,” pp. 73 - 74.
  9. Lowry, pp. 45 - 46.
  10. Ibid., p. 46.

سيطهّر العالَم من رجس الشِك ويقتل "الكفّار" ويدمّر جميع كنائسهم100، وهو ما يؤكّده هيث لوري بقوله إن العثمانيين الأوائل طوال القرن الخامس عشر لم يكونوا يعدّون "الغزو" (آقين) فريضةً دينيةً لنشر الإسلام بين "الكفّار"، بل غارةً لجمع الغنائم والعبيد والنهب101؛ ومعنى ذلك أن وتِك لم يفهم المقصود بمفردة "غزو" حينذاك، ولم يضعها في سياقها التاريخيّ الصحيح.

رابعًا: وجهة نظر بديلة لقيام الدولة العثمنية وتوسُّعها

بعد تفكيك الأسس المادية والفكرية التي قامت عليها نظرية وتِك، بدأ المؤرِّخون بتقديم وجهات نظر بديلةً لأسس قيام الدولة العثمانية وتوسُّعها، ويمكن إجمالها في ثلاث نقاط:

1. التوفيق بين ثقافة آسيا الوسطى ومبادئ الإسلام

يرى المؤرَّخ حلمي قاجار102 أن الدولة العثمانية هي نتاج امتزاج ثقافة آسيا الوسطى البدوية بمبادئ الإسلام، إذ يقول: "إن أتراك آسيا الوسطى اعتنقوا الإسلام عن طريق الحركات الصوفية في خراسان بتأثير دراويش الطرق الصوفية الذين انتقلوا إلى براري آسيا الوسطى ونقلوا الإسلام إلى الأتراك ممزوجًا بأفكارهم الصوفية"103. وقد جسَّد العلّمة والمؤرِّخ الأويغوريّ محمود الكاشغري (1005 - 1102 م) ذلك التأثير بقوله: "والغُزية [الأوغوز] لمّا اختلطت بالفرس نسيت كثيرًا من لغة الترك واستعملت الفارسية بدلً منها"104. وكان للتصوُّف دورٌ قويٌّ جدًا في الثقافة الشعبية بين الأتراك، ويكمن أحد أسباب ازدهاره في طبيعة الأديان المختلفة قبل الإسلام التي سهَّلت اعتناقه بين القبائل التركية المختلفة. وكانت الديانات البوذية والمانويّة والشامانيّة وغيرها من الديانات ذات الطبيعة الصوفية واسعة الانتشار بين أتراك آسيا الوسطى قبل الإسلام. وحينما جاء الإسلام انتشرت الطرق الصوفية بينهم بقوّة، وازدهرت عواصمُ إسلاميةٌ مثل بخارى وسمرقند105، غير أن آثار أديانهم وتقاليدهم القديمة ظلَّت قائمةً بينهم حتى بعد أن اعتنقوا الإسلام؛ بمعنى أنهم حافظوا على معتقداتهم وتقاليدهم القديمة وطبَّقوا الإسلام بما ينسجم معها. وقد أشار المؤرِّخ التركيّ أحمد يشار أوجاق (1945 -) إلى أن هذه التجربة تطوَّرت تلقائيًّا من جمع بقايا عدّة تقاليد بدوية مع مبادئ الإسلام وصَوْغها من جديد بما يتلاءم مع ظروف الطبيعة البدوية القاسية في آسيا الوسطى106. وكان الشاعر والمتصوِّف التركيّ خوجة أحمد يسَويّ(1093 - 1166 م) أوّل وأهمَّ مَن جسَّد هذه التجربة الصوفية المبكّرة، ومثَّلت تعاليمه القائمة على فلسفة وحدة الوجود لمحي الدين بن عربيّ بداية مدرسة فكرية في تركستان وما وراء النهر امتد تأثيرها إلى الأناضول والبلقان107. ولم يقتصر تأثير فلسفته على مفاهيم متصوِفّي عصره، مثل الشاعر يونس أمره (1238 - 1320 م) وجلال الدين الرومي (1207 - 1273 م)، بل امتد ليشمل التفسير الصوفيّ في معظم العالم الإسلاميّ حتى اليوم أيضًا108.

  1. Silay, pp. 136 - 138.
  2. Lowry, p. 52.
  3. تجدر الإشارة إلى وجود تشابه كبير بين ما ورد في أطروحة حلمي قاجار وما ورد في كتاب جمال كفادار المشار إليهما سابقًا.
  4. Kaçar, p. 111.
  5. محمود بن الحسين بن محمد الكاشغري، ديوان لغات الترك، ج 1 (الإستانة: مطبعة عامرة، 1915)، ص 73.
  6. Jean-Paul Roux, La Religion des Turcs et des Mongols (Paris: Payot, 1984), pp. 59 - 98 ; Kaçar, p. 111.
  7. Ahmet Yaşar Ocak, “The Interpretation of Islam by the Turks throughout the Historical Process,” in: Ergun Çağatay & Dogan Kuban (eds.), The Turkic Speaking Peoples: 2,000 Years of Art and Culture from Inner Asia to the Balkans (Munich: Prestel, 2006), p. 326 ; Kaçar, pp.
  8. F. Iz, “Ahmad Yasawi,” in: Encyclopaedia of Islam , vol. I, 2 nd ed. pp. 298 - 299.
  9. Ocak, pp. 394 - 395 ; Kaçar, pp. 112.

2. سياسة التسامح العثمنية تجاه الديانات الأخرى

إن ما يدلّ على أن وتِك أخطأ في قراءة مفهوم "الغزو" هو أن العثمانيين انتهجوا سياسة التسامح تجاه المسيحيين واليهود في الأراضي التي سيطروا عليها، وهو ما يدلّ على أن توسيع نفوذ السلطة العثمانية وإخضاع القوى المنافسة أو إضعافها على الأقل، وليس نشر الإسلام كما يقول وتِك، كان الهدف الأوّل من حملات التوسُّع العثمانية. وقد أشار خليل إينالجك إلى أنهم حاولوا استرضاء غير المسلمين في الأراضي المفتوحة، وحافظوا على قوانينهم وتقاليدهم وامتيازاتهم كما كانت قبل الحكم العثمانيّ، واستعانوا بغير المسلمين في قيادة الجيوش والإدارة العثمانية109، ومنحوهم حُرية التعليم والسكن والرعاية الاجتماعية وممارسة عباداتهم وشعائرهم الدينية ضمن الدولة، واستثنوهم من الخدمة العسكرية، وكان هذا تقليدًا معروفًا في التاريخ الإسلاميّ. وبعد فتح القسطنطينية احتفظ البطريرك الأرثوذوكسيّ اليونانيّ غناديوس والمستوطنة الجنوية في ضاحية غلَطة بوضعهم وامتيازاتهم110. ويقول عاشق باشا زاده إن عثمان الأوّل حاول أن يقيم علاقاتٍ طيّبةً مع جيرانه المسيحيين. وحينما أصرّ شقيقه غوندوز ألب على مهاجمة القرى المسيحية المجاورة، احتجَّ قائلً: "لو دمّرنا المناطق المحيطة، فلا يمكن أن تتطوَّر مدينتنا قره حصار"111. وحينما سُئل عن سبب احترامه الكبير واهتمامه بالمسيحيين في مدينة بيله جك، أجاب: "لأنهم جيراننا، وحينما نصل إلى هذا المكان، سنشعر بالغُربة. ولأنهم لطفاء معنا، لا بدَّ أن نُشعرهم أنهم بخير"112. وحينما استولى على بورصة في سنة 1326 م، قَبِل فديةً قدرها ثلاثون ألف فلورين لتسليم المدينة عِوضًا عن قتل المسيحيين فيها أو إرغامهم على اعتناق الإسلام113. وذكر الرحّالة البرغندي دو لا بروكييه عند زيارته المدينة في سنة 1432 م أن العثمانيين كانوا يوزِّعون صدقات من "الخبز والخمر [كذا] واللحم على فقراء [المسيحيين] لوجه الله"114. وبصفته مسيحيًّا غربيًّا، استغرب من عدم حرمان أقرانه المسيحيين من الخدمات الاجتماعية العثمانية115. إلى جانب ذلك، تعاملت الدولة العثمانية مع رعاياها اليهود بدرجة عالية من التسامح ومنحتهم حريّاتٍ واسعةً حينما كانوا يتعرَّضون للاضطهاد في أوروبا. فحينما علم عثمان الأوّل بوجود طائفة يهودية في بورصة، سمح لها ببناء معبد فيها بعد أن كان اليهود مضطهَدين في ظلّ الحكم البيزنطيّ؛ وهو ما جعلهم يرحِّبون بالعثمانيين ويُعدّونهم مخلِّصين116. وفي سنة 1394 م سمح السلطان بايزيد الأوّل ليهود فرنسا الذين كان الملك شارل السادس (1386 - 1422 م) يضطهدهم، باللجوء إلى الدولة العثمانية117. ومن الأمثلة المهمّة الأخرى على تسامح العثمانيين تجاه اليهود قيام السلطان بايزيد الثاني (1481 - 1512) بإرسال أسطول لإنقاذ يهود إسبانيا في سنة 1492 وإيوائهم في الدولة العثمانية118.

  1. Halil Inalcik, “Ottoman Methods of Conquest,” Studia Islamica, vol. 2 (1954), pp. 103 - 129.
  2. Halil Inalcik, “The Policy of Mehmed II toward the Greek Population of Istanbul and the Byzantine Buildings of the City,” Dumbarton Oaks Papers , vol. 23 - 24 (1969 - 1970), pp. 231 - 249 ; مصطفى، ص 67 - 70.
  3. زاده، ص 8 - 9.
  4. المرجع نفسه، ص 11 - 12، 14.
  5. المرجع نفسه، ص 17، 23 - 24.
  6. Bertrandon de la Broquière, Le voyage d'outremer de Bertrandon de la Broquière , Ch. Schefer (ed.), (Paris: E. Leroux, 1892), p. 133.
  7. Ibid., pp. 133 - 134.
  8. Moise Franco, Essai sur l'histoire des Israélites de l'Empire Ottoman depuis les origines jusqu'à nos jours (Paris: Durlacher, 1897), pp.
  9. Elli Kohen, History of the Turkish Jews and Sephardim: Memories of a Past Golden Age (Lanham, MD: University Press of America, 2007), p. 7.
  10. Abraham Galanté, Histoire des Juifs d'Istanbul: Depuis la prise de cette ville en 1453 par Fatih Mehmet II jusqu'à nos jours I , vol. I (Istanbul: Hüsnütabiat, 1941), pp. 7 - 11.

تشير هذه الأمثلة وغيرها إلى أن المسيحيين واليهود كانوا يتمتّعون بالحرية والحماية والأمان في ظل الدولة العثمانية التي لم تكن تطلب منهم سوى الجزية، ولذلك لم يشعر الكثير من الفلاحين المسيحيين في البلقان بالندم حينما خضعوا للحكم العثمانيّ، لأنهم كانوا يعانون الضرائب الباهظة التي كان يفرضها عليهم سادتهم الإقطاعيّون119، وهو ما يفسِّ السهولة التي تمكّن بها العثمانيون من السيطرة على البلقان من دون مقاومة من المسيحيين المحلّيين. يتبيّ مما تقدَّم أن العثمانيين لم يتوسّعوا في أراضي القوى المسيحية المجاورة لوجود عداء دينيّ (إسلامي - مسيحيّ) كما ذكر وتِك، بل وفّروا الأمن لغير المسلمين. ولا شكّ في أن هذا الموقف كان نابعًا من التسامح الإسلاميّ تجاه الأديان الأخرى، ومن كون اليهود والمسيحيين أهل كتاب لا فَرْق بينهم وبين المسلمين. وعلى الرغم من اعتراف وتِك بهذا التسامح، فإنه لم يركِّز عليه في كتابه ووصفه بأنه "إجراء انتهازيّ" ليس إلّ، وذكر أن المسلمين لم يهتمّوا إلّ بجمع الجزية من غير المسلمين120. ولعلَّه تجاهل سياسة التسامح العثمانية لأنها تقوِّض نظريّته.

3 ي. تأكيد العثمنيين العدالة ف الحكم

كان العامل الثالث لقيام الدولة العثمانية وتوسُّعها هو تأكيد العدل لدى العثمانيين. وعند التدقيق في مقدمة ملحمة إسكندرنامه يتّضح أن أحمدي يبدأ بالتمهيد لحكم العثمانيين بالإشارة إلى عدالتهم مقارنةً بظلم المغول، وهو يعدُّ تلك العدالة مسوِّغًا شرعيًّا لحكمهم بقوله: "وبعد أن ذكرنا جميع أولئك الطغاة [المغول]، لا بدَّ أن نتذكر جميع العادلين أيضًا، ونذكر البكوات [الأمراء]، وهم حكّام مسلمون وعادلون. وسنختتم بتاريخهم هذا الكتاب [...] فمَن يأتي أخيرًا ويبقى، لا بدَّ أن يكون أفضلُ من أسلافه"121. في هذه الملحمة شدّد أحمدي على مبدأ العدالة في الحكم، وأقام شرعية العثمانيين عليها. وفي حديثه عن تعاقب الحُكم في آسيا الوسطى ألمح إلى ضرورة قبول الحاكم وقانونه في حال ضمانه العدل والحكم الرشيد. وكان السبب الذي دفعه إلى تأكيد ذلك ضُعف شرعية العثمانيين؛ لأنّ الدين أو النسَب غير كافييَن لشرعنة قيام دولتهم في المرحلة المبكّرة. فمن جهة، لم يعد للخليفة العباسيّ، الذي كان من المقرَّر أن يبارك حكمهم، وجودٌ بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية في بغداد سنة 1258 م. ومن جهة أخرى، لم يكن العثمانيون من الأسُر البارزة بين قبائل الأوغوز ليكون لهم أساسٌ قويٌّ في الحكم122. ولذلك حاولوا تأسيس قاعدة قوية يقوم عليها حكمهم، ودخلوا في صراع على السلطة مع الإمارات التركية الإسلامية الأخرى في المنطقة؛ أي إنهم عوّضوا ما كانوا يفتقرون إليه (من شرعيةٍ وأصالةِ نسبٍ) بالحكم العادل الذي التزموا به قدر الإمكان وصار مبدأً أساسيًّا لحكمهم. وكانت قوّة السلطة المركزية من سِمات المحافظة على التوازن بين القانون والشريعة الإسلامية. ولأن القانون أمرٌ وضعيٌّ وأكثر مرونةً، كان اعتماد الدولة عليه أكبر من اعتمادها على الشريعة. غير أن فكرة العدالة العثمانية اقتضت التوفيق بينه وبين الشريعة.

خاتمة

في ختام هذا البحث نخلص إلى أن الوثيقة لا غنى عنها في دراسة التاريخ؛ ذلك أنه كلّما غابت الوثائق، زادت التخمينات والفرضيّات والاحتمالات. فلو كان القرن الأوّل من عُمر الدولة العثمانية مدوَّنًا، أو كانت لدينا وفرةٌ كافيةٌ من المصادر عنه، ربَّما لكانت

  1. Stefan Pasco, La révolte populaire de Transylvanie des années 1437-14 38 (Bucarest: Editions de l'Académie de la République roumaine, 1964), pp. 34 - 107 ; Kaçar, pp. 110.
  2. Wittek, The Rise of the Ottoman Empire , pp. 43 - 45.
  3. Silay, p. 144.
  4. Ibid., pp. 135 , 137 , 143 , 171 , 175.

الصورة أوضح عن أسباب قيام هذه الدولة وتوسُّعها في مراحلها الأولى. لكن يبدو أن غياب المصادر الكافية قد فتح أبواب الاجتهاد والتأويل على مصراعيها أمام المؤرِّخين والباحثين. وما دامت الوثيقة غائبةً، فلا يمكن أن تكون هناك حقيقةٌ مطلقةٌ في التاريخ. ويعدّ هذا الموضوع مثالً حقيقيًّا لِما يمكن أن نسمّيه "التاريخ المتغيّ". فكلما كان التاريخ غامضًا بسبب شُحّ المصادر، كان أكثر عُرضةً للتغيير والاجتهادات. ورأينا في هذا البحث أن هناك الكثير من النظريات والتفسيرات عن قيام الدولة العثمانية، وكان كلٌّ منها يعدُّ "حقيقةً ثابتةً" في حينه. ولكن بمرور الزمن وبالكشف عن وثائق جديدة، تظهر أفكارٌ جديدةٌ وتفسيراتٌ مغايرةٌ. فمن غ (بِنْز 1916) إلى كوبريلي (1937) إلى وِت (ِك 1938) كان هذا الموضوع يتغيَّ باستمرار، وكان الباحثون والمؤرِّخون (المعترضون والمتفقون) يبتعدون أو يقتربون من هذه التفسيرات من قريب أو بعيد. ولأن نظرية وتِك كانت آخر تلك التفسيرات وأهمّها، ولو إلى حين، فقد صمدت زمنًا أطول. غير أن التاريخ لا يتوقف عند حدّ وتِك؛ إذ فُتح باب النقاش بشأن هذه النظرية من جديد في ثمانينيّات القرن الماضي، ويبدو أنها بدأت تتعرّض لضربات قاسية تنسفها من أساسها منذ مطلع القرن الحاليّ. وقد رأينا أن الحجج التي قدّمها المؤرِّخ هيث لوري كانت من القوّة بما لا يدع مجالً للشكّ في ضرورة إعادة النظر في نظرية وتِك ووضع تفسيرات جديدة لقيام الدولة العثمانية. وبعد تقوّض الأسس التي قامت عليها نظرية وتِك ظهرت تفسيراتٌ جديدةٌ لقيام الدولة العثمانية، وبرز مؤرِّخون حاولوا أن يضعوا تفسيرات أكثر إقناعًا تنسجم مع الموروث التركي - الإسلاميّ للأتراك العثمانيين. ويبدو أن هذه التفسيرات مقنعةٌ ومقبولةٌ حتى الآن. ولكن هل يمكن أن نجزم بأنها التفسيرات النهائية والحاسمة لهذا الموضوع؟ لا يبدو الأمر كذلك، فربّما يظهر بعد بضع سنوات تفسيرٌ آخر أكثر إقناعًا. يبيّ البحث أيضًا أننا لا يمكن أن نركن إلى أيّ تفسير أو نظرية، أو نثق بأيٍّ منهما، مهما كانا قويَيّن ومقنعيَن ما لم نتأكّد من صحّة الأسس التي قامَا عليها. لقد بيّنت النتائج التي كشف عنها المؤرِّخ هيث لوري أن بول وتِك تلاعب، ربّما إلى حدّ التزوير، بالأدلة التي بين يديه في أكثر من مرّة، وبطريقة فاقت تصوّر المعجبين بنظريّته. فقد بالغ في تفسير قيام الدولة العثمانية وتوسُّعها على أساس "الغزو"، في حين أن هذه المفردة لم تكن تعني "الجهاد" لدى العثمانيين الأوائل. وعلى الرغم من أن نظرية "الغزو" في حدّ ذاتها ليست خاطئةً، فإنه لم يدرك أن دعوة العثمانيين الأوائل إلى الغزو كانت موجَّهةً للاستهلاك الداخليّ لشرعنة قيام دولتهم. ولعلّ السبب الذي دفعه إلى الوقوع في هذا الخطأ هو أن المؤرِّخين العثمانيين الأوائل الذين دوَّنوا تواريخَ آل عثمان بالغوا في استخدام مفردة "الغزو". وربّما في هذه النقطة وحدها يمكن أن نبرِّئه. إلى جانب ذلك، أكّدت مراجعة المصدرين اللذين اعتمد عليهما وتِك لدعم نظريّته في "الغزو"، إسكندرنامهوكتابة جامع "شهادت"، أنه حرَّفَ الأدلة التي استند إليها؛ إذ تكشف القراءة الدقيقة التي أجراها هيث لوري لملحمة إسكندرنامهمعنى مختلفًا جدًّا عمّا ذكره. وحينما تُقرأ اللغة الموجودة على كتابة جامع "شهادت" قراءةً صحيحةً ستظهر فيها معانٍ تختلف كثيرًا عن المعاني التي طرحها وتِك. وسبقت الإشارة إلى عدّة أمراء آخرين في الأناضول خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر أطلقوا على أنفسهم تلك الألقاب، ولم يكن لبعضهم حدودٌ مع أيّ دولة مسيحية. وقد حاول وتِك أن يدعم ما انتقاه منإسكندرنامهبقراءات وتفسيرات محرَّفة لمعاني الكتابة المنقوشة في جامع "شهادت"، إلّ أن المؤرِّخ هيث لوري أثبت أنها لم تكن مدعومةً بالمصادر. ولذلك تقوّضت محاولة وتِك لإثبات دور "الغزاة" العثمانيين في قيام الدولة وتوسُّعها. وعلى الرغم من تأكيدات وتِك أنّ الألقاب التي استخدمها السلاطين العثمانيون كانت جديدةً، فإنّ جميع تلك الألقاب كانت موجودةً بين قادة أو أمراء أتراك آخرين حينذاك، وكانت تمثّل المفردات السياسية السائدة في

الأناضول خلال القرن الرابع عشر ولا تمثّل الواقع التاريخيّ. فقد عرَّف الكُتّاب اللاحقون مفردتَ "غزو" و"غازي" بمعناهما الإسلامي المعروف، غير أن هذا المعنى أُسقط وطُبّق على واقع عثمانيّ مختلف كثيرًا في القرن الرابع عشر. وأخيرًا، يبدو أن قوّة أدلة نظرية وتِك تكمن في دوره في استنطاق مصادره بما كان يريده هو، وليس بقوّة أدلّته نفسها. فقد أثبت البحث أنّ كلًّ من إسكندرنامهوالكتابة المنقوشة على جامع "شهادت" في بورصة لا يؤيّد تفسيره حينما يخضع لقراءة ناقدة صحيحة، وهو ما اتضح من ترجمته لكتابة الجامع عندما أهمل الألقاب التي لا تتوافق مع رأيه. وبصرف النظر عن أن الألقاب الواردة في تلك الكتابة تمثّل تطوّرًا جديدًا في التاريخ العثمانيّ المبكّر، فهي تمثّل مدى تأثُّر العثمانيين بالموروث السلجوقي - الإيلخانيّ. باختصار، يمكن أن نقول إن جميع الأسس الفكرية والمادية التي استخدمها وِتُِك لا تدعم نظريّته، وإن نظريّته، نتيجةً لذلك، لم تعد صالحةً لتفسير قيام الدولة العثمانية.

المراجع

العربية والتركية القديمة (العثمنية)

مصر، 1981.

الأحمد، سامي سعيد. "الشامانيّة". مجلة البلاغ. السنة 2. العدد 6 (آب/ أغسطس 1968.)

قاسم. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007.

زاده، عاشق باشا. تواريخ آل عثماندن: عاشق باشا زاده تاريخي. إستانبول: مطبعة عامرة، 1914.

عاشق باشا. غريبنامه. نسخة غير مرقمة شبه كاملة من مخطوط الكتاب في جامعة لايبزك، 005. Turc. Cod.

عبد العال، بديعة محمد. الأدب التركي العثماني. القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2007.

علي، أورخان محمد. روائع التاريخ العثماني. المنصورة: دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2007.

الكاشغري، محمود بن الحسين بن محمد. ديوان لغات الترك. الإستانة: مطبعة عامرة، 1915.

مصطفى، أحمد عبد الرحيم. في أصول التاريخ العثماني. بيروت: دار الشروق، 1982.

وتك، بول. قيام الإمبراطورية العثمانية. ترجمة صفاء الشيخ حمد. دمشق: دار الرائي، 2010.

الأجنبية

References

أبو العلا، عمرو محمد عبد الباقي. "إسكندرنامه أحمدي". أطروحة دكتوراه (غير منشورة). كلية الآداب. جامعة عين شمس. القاهرة، إينالجك، خليل. تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار. ترجمة محمد م. الأرناؤوط. ط 2. بيروت: دار المدار الإسلامي، إينالجك، خليل ودونالد كواترت. التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية. ترجمة عبد اللطيف الحارس وقاسم عبده كوبريلي، محمد فؤاد. قيام الدولة العثمانية. ترجمة أحمد السعيد سليمان. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967.

• Ahmedî. History of the Kings of the Ottoman Lineage and Their Holy Raids Against the Infidels. Kemal Silay

(ed.). Harvard: The University Press, 2004.

• Arnakis, George Georgiades. Hoi protoi othomanoi. Athens: N. Frandjeskakis, 1947.

• Çağatay, Ergun & Dogan Kuban (eds.). The Turkic Speaking Peoples: 2,000 Years of Art and Culture from Inner

Asia to the Balkans. Munich: Prestel, 2006.

• De la Broquière, Bertrandon. Le voyage d'outremer de Bertrandon de la Broquière. Ch. Schefer (ed.). Paris: E.

Leroux, 1892.

• Diehl, Charles. Byzance: Grandeur et Décadence. Paris: Flammarion, 1920.

• Encyclopaedia of Islam. 2 nd ed. Leiden: Brill, 1986.

• Fodor, Pal. “Ahmedi's Dasitan as a Source of Early Ottoman History.” Acta Orientalia Academiae Scientiarum

Hungaricae. vol.  38 (1984).

• Franco, Moise. Essai sur l'histoire des Israélites de l'Empire Ottoman depuis les origines jusqu'à nos jours. Paris:

Durlacher, 1897.

• Galanté, Abraham. Histoire des Juifs d'Istanbul: Depuis la prise de cette ville en 1453 par Fatih Mehmet II

jusqu'à nos jours I. Istanbul: Hüsnütabiat, 1941.

• Gibbons, Herbert E. The Foundation of the Ottoman Empire. New York: The Century Co., 1916.

• Giese, Friedrich. “Das Problem der Entstehung des Osmanischen Reiches.” Zeitschrift für Semitistik und

verwandte Gebiete. vol. 2 (1924).

• Heywood, Colin. “Wittek and the Austrian Tradition.” Journal of the Royal Asiatic Society. vol. 120. no. 1 (1988).

• Imber, Colin. “The Ottoman Dynastic Myth.” Turcica. vol. 19 (1987).

• ________. “The Legend of Osman Gazi.” in: E. Zachariadou (ed.). The Ottoman Emirate, 1300-13 80. Rethymnon:

Crete University Press, 1993.

• Inalcik, Halil. “Ottoman Methods of Conquest.” Studia Islamica. vol. 2 (1954).

• ________. “The Policy of Mehmed II toward the Greek Population of Istanbul and the Byzantine Buildings of

the City.” Dumbarton Oaks Papers. vol. 23-24 (1969-1970).

• ________. “The Question of the Emergence of the Ottoman State.” International Journal of Turkish Studies.

vol. 2 (1980).

• Inalcik, Halil & Donald Quateart. An Economic and Social History of the Ottoman Empire, 1300-19 14. Cambridge:

The University Press, 1994.

• Iorga, Nicolae. Byzance aprés Byzance: Continuation de l'histoire de la vie byzantine. Bucarest: A l'Institut

d'études byzantines, 1935.

• Jennings, Ronald C. “Some Thoughts on the Gazi-Thesis.” Wiener Zeitschrift für die Kunde Des Morgenlandes.

vol. 76 (1986).

• Kaçar, Hilmi. “A Mirror for the Sultan: State Ideology in the Early Ottoman Chronicles (1300-1453).” PhD

dissertation. Faculty of Arts and Philosophy. University of Ghent. Belgium. 2005.

• Kafadar, Cemal. Between Two Worlds: The Construction of the Ottoman State. Berkeley, CA: University of

California Press, 1995.

• Kaldy-Nagy, Gyula. “The Holy War 'Jihad' in the First Centuries of the Ottoman Empire.” Harvard Ukrainian

Studies. vols. 3-4. part 1 (1979-1980).

• Kohen, Elli. History of the Turkish Jews and Sephardim: Memories of a Past Golden Age. Lanham, MD:

University Press of America, 2007.

• Köprülü, Mehmet Fuat. Les origines de l'empire ottoman. Paris: Porcupine Press, 1935.

• Langer, William L. & Robert P. Blake. “The Rise of the Ottoman Turks and Its Historical Background.” American

Historical Review. vol. 37 (1932).

• Lewis, Bernard. “Islamic Guilds.” The Economic History Review. vol. A 8. no. 1 (1937).

• Lindner, Rudi Paul. Nomads and Ottomans in Medieval Anatolia. Bloomington, IN: Indiana University Press,

• Lowry, Heath W. The Nature of the Early Ottoman State. Albany: State University of New York Press, 2003.

• Mantran, Robert. “Les Inscriptions Arabes de Brousse.” Bulletin D'Etudes Orientales. vol. 14 (1954).

• Pasco, Stefan. La révolte populaire de Transylvanie des années 1437-14 38. Bucarest: Editions de l'Académie de

la République roumaine, 1964.

• Roux, Jean-Paul. La Religion des Turcs et des Mongols. Paris: Payot, 1984.

• Sawyer, Caroline G. “Revising Alexander: Structure and Evolution Ahmedî's Ottoman Iskendernâme.” Edebiyât.

vol. 13. no. 2 (2003).

• Silay, Kemal. “Ahmedī's History of Ottoman Dynasty.” Journal of Turkish Studies. vol. 16 (1992).

• Tekin, Șinasi. “Türk Dünyasında 'Gaza' ve Cihad Kavramları Üzerine Düsünceler: Baslangıçtan Osmanlıların

Fetret Devrine Kadar.” Tarih ve Toplum. no. 109 (January 1993).

• Tevhid, Ahmed. “Bursa'da En Eski Kitabe.” Tarihi Osmanı Encümeni Mecmuası. vol. 29 (1912).

• Vryonis, Speros. The Decline of Medieval Hellenism in Asia Minor and the Process of Islamization from the

Eleventh through the Fifteenth Century. Berkeley and Los Angeles, CA: University of California Press, 1971.

• Wittek, Paul. Das Fürstentum Mentesche: Studie zur Geschichte Westkleinasiens im 13-1 5. İstanbul: Universum

druckerei, 1934.

• ________. The Rise of the Ottoman Empire. London: B. Franklin, 1938.

• ________. The Rise of the Ottoman Empire: Studies in the History of Turkey, Thirteenth-Fifteenth Centuries.

Colin Heywood (ed.). London: Routledge, 2012.

• Yıldız, Hakkı Dursun (ed.). Hakkı Dursun Yıldız'a Armağan. İstanbul: Türk Tarihi Kurumu, 1995.

• Yınanç, Mükrimin Halil. “Bayezid I.” İslam Ansiklopedisi. vol. 2 (1962).

• Zachariadou, E. (ed.). The Ottoman Emirate, 1300-13 80. Rethymnon: Crete University Press, 1993.