هشام جعيط في ميزان السيرة النبوية الحديثة
On Hichem Djaït and Modern Prophetic Biography
الملخّص
تنظر هذه الدراسة أولًًا في مختارات من محطّات مختلفة في ما أنتجه الفكر العربي الحديث في السيرة النبوية عمومًا، ثمّ تحدّد ثانيًا، من خلال منهجية "موقعة النص في سياقه" المراحل الزمنية المختلفة التي مرّ بها نص السيرة، وتقف عند الخصائص التي اكتسبها النص في كلّ مرحلة. وتحاول أخيرًا، في ضوء هذا النتاج الفكري الحديث في السيرة، ومن خلال موقعة نص هشام جعيط ضمن سياق الخطاب الفكري الما بعد حداثوي، أن تلقي أضواء تقييميّة جديدة على "السيرة المحمدية" التي أنتجها
Abstract
This paper addresses the topic of modern prophetic biography and its intersection with the work of Hichem Djaït. First, it reviews selected examples of modern Arab biographic production on the Prophet Muhammad, alongside Djaït’s own work on the same topic from in his three-volume collection Fī as-Sīra an-Nabawiyya. Second, by situating the text in its historical context and exploring several exemplary case studies, the article sets out the different stages through which the text of the prophetic biography has passed, focusing especially on the characteristics that the text acquires at each of these stages. Finally, in light of the aforementioned modern intellectual production on the prophetic biography, and by situating Djaït’s work within the context of postmodern intellectual discourse, the article re-evaluates Djaït’s biography of the Prophet.
- هشام جعيط
- السيرة النبوية
- الوحي
- ما بعد الحداثة
- Hichem Djaït
- Prophetic Biography
- Revelation
- Postmodernism
| DOI: https://doi.org/10.31430/YRUE7730: الرقم التعريفي | |
| سمية الوحيشي | Louhichi *Soumaya | |
| هشام جعيط في ميزان السيرة النبوية الحديثة On Hichem Djaït and Modern Prophetic Biography |
مقدمة
تناولت الدراسات التاريخية إنتاج الباحث والمؤرخ التونسي هشام جعيط (1935 - 2021) في تاريخ الإسلام المبكر، وخاصّة السيرة النبويّة1، بمعزل عمّا أنتجه الفكر العربي الحديث خلال ما يزيد على قرن، وبمعزل عن توجهات الخطاب الفكري ما بعد الحداثوي، وما أنتجه من منهجيات عمل جديدة لدراسة الدين أو الظاهرة الدينية، بما فيها مسألتا الوحي والنبوّة، وهذا أدى إلى تعذّر الوعي بحجم النتاج العربي الحديث في ما يخص التاريخ الإسلامي المبكر والسيرة النبوية خاصة، كما تعذّر البحث في تأثر جعيط بالمناهج ما بعد الحداثوية في دراسته المسألة الدينية؛ ومن ثم تقييم أعمال جعيط بناءً على وعي بهذا النتاج العربي الحديث الممتد إلى أكثر من قرن من جهة، وبناءً على وعي بالتوجهات المنهجية ما بعد الحداثوية الجديدة وموقعه ضمنها من جهة أخرى. لم تنتج مؤلفات جعيط من فراغ دام قرونًا، كما يبدو أول وهلة؛ إذ تركز الدراسات على منهجية تعامله مع إنتاج السيرة الكلاسيكي (مثل السيرة النبوية لعبد الملك بن هشام وغيره)، والحقيقة أن مؤلفاته استندت إلى تراث حديث؛ إذ أضافت إلى هذا التراث وقدّمت الجديد في أحيان كثيرة، لكنها استفادت منه من حيث المنهج والمحتوى، خاصة أن جعيط نفسه أشار إلى أعمال بعض هؤلاء المؤرخين، وأبدى رأيه فيها، ومن أبرزها: كتابات صالح أحمد العلي (1918 - 2003)، وعبد العزيز الدوري (1919 - 2010)2. ثم إن جعيط ابن سياق جديد وخطاب فكري جديد، ألا وهو الخطاب ما بعد الحداثوي؛ لذا سيكون هذا الخطاب الجديد منطلقًا في هذه الدراسة، أنظر من خلاله إلى أهم النتائج العلمية التي توصل إليها في ما يخص المسألة الدينية عامّة، ولا سيما الوحي، وهي مسألة أفرد لها جعيط، إضافة إلى موضوعَي النبوّة والقرآن، الجزء الأول من ثلاثيّته. كما أبحث، من خلال الخطاب ما بعد الحداثوي، عما تبنّاه من هذه المناهج في دراسته السيرة النبوية.
أولً: لمحة عن السيرة النبوية الحديثة
سأبدأ بلمحة عن التراث الفكري الحديث في كتابات "السيرة النبوية الحديثة"، وسأقتصر في تناولي الموضوع على مختارات فحسب من مؤلفات السيرة3، أقف عندها وأجري بحثي في ضوئها؛ إذ لا تسمح المساحة المتاحة في هذه الدراسة باستيعاب جميع ما أنتجته السيرة الحديثة. وتبقى استنتاجاتي قابلة للتطوير في إطار دراسة تكون أكثر شمولً وتوسعًا. لا أدّعي هنا أن لي السبق في عملية التجميع الببليوغرافي بشأن ما كُتِب في السيرة النبوية الحديثة، بل ثمة دراسات مهمة سابقة، إلّ أنها توقفت جميعها دون العشريات الأخيرة، ولم يتجاوز أطولها وأحدثها العقد الثامن من الألفية الماضية4. والقائمة طويلة جدًّا
في هذا الباب، وتمتد زمنيًا إلى ما يزيد على قرن، وتتّسع جغرافيًّا لتشمل مختلف البلدان العربية، وإن حاز المجال المصري اهتمام معظم الدارسين. ترجع بدايات السيرة النبوية الحديثة إلى عصر النهضة العربية5، حيث قدّم إلينا رفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) في كتابه نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز: سيرة الرسول صىلّ الله عليه وسلّم، وهي أوّل سيرة نبوية في العصر الحديث، توخّى فيها منهجًا علميًّا واضحًا، ودرس الدعوة المحمدية في سياق الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائمًا في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة الإسلامية ثم بعد ظهورها6. وبحسب الدراسات التي أشرت إليها في الهامش، شهد العقدان الرابع والخامس من القرن العشرين خاصّة، زيادة ملحوظة في عدد مؤلفات السيرة الحديثة، فقد ذكر أنطوني ويسل أنه لم يبقَ في مصر كاتب ذو وزن لم يكتب في سيرة محمد. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ دراسة ويسل قد اقتصرت على المجال المصري7. من المؤلّفات المهتمّة بالسيرة كذلك كتابُ الأديب والمفكر المصري طه حسين (1889 - 1973) علىى هامش السيرة الذي نشره في ثلاثة أجزاء بين عامَي 1933 و 19468، إضافة إلى كتابه في الشعر الجاهليالذي صدر في عام 1926، والذي مَثُلَ بسببه أمام التحقيق9. ثمّ كتاب محمد حسين هيكل (1888 - 1956) حياة محمد (1935)، وقد طُبع مرّتين في العام نفسه، الثانية منهما مع ملحقين10، نظرًا إلى الإقبال الكبير على الكتاب، حتى من مشيخة الأزهر التي كان الشيخ مصطفى المراغي (1881 - 1945) على رأسها، وكان صديقًا لهيكل، وكان أكثر الإصدارات المثيرة للجدل في تلك الفترة، وقد أشبعها النقّاد درسًا ونقدًا؛ إذ أثار هيكل بآرائه في مسألة "بشرية الرسول" جدلً
واسعًا11، هذا على الرغم من أنّه ذهب مذهب محمد عبده الذي قال: "نريد أن ندخله [أي الرسول] في حوزة التاريخ الإنساني، إنسانًا شاعرًا بوجوده، مفكّرًا بعقله، منقادًا أوّلً بالوحي الإلهي، ثم بعواطفه وروحه، كما يدرس أبطال التاريخ، وعظماء الأمم"12. وغير هذه الكتابات كثير، نضيف إليها، كتاب محمد: المثل الكاملالذي نشره محمد أحمد جاد المولى (1883 - 1944) في عام 1931، وكتاب عباس محمود العقاد (1889 - 1964) عبقريّة محمد (1942)13. يرى دارسو السيرة النبوية الحديثة (شارل سميث، وأنطوني ويسل، وإدوارد سبانخ، وحسن بزاينية) أنّ الاتجاه الحديث بقي حذرًا في خوض المسائل الحساسة، على الرغم من اتّباعه منهجيات عمل حديثة - منها مسألة المعجزات والخوارق - بما في ذلك كتاب هيكل على "علميّته"، وعلى الرغم من دعم شيخ الأزهر وصديقه مصطفى المراغي له حينئذ، وقد تراجع طه حسين أيضًا في كتابه علىى هامش السيرة عن جرأته العلمية التي رأيناها في كتابه في الشعر الجاهلي. ويربط بعض الدارسين، على رأسهم شارل سميث، هذه المواقف الحذرة بالسياق الاجتماعي والسياسي لهؤلاء الكتّاب في هذه الفترة، ويرى أنهم كانوا واعين، من دون شك، بثقل الأزهر وبالثقل الاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي عمومًا، فاضطرّوا إلى "مهادنة" الخطاب الإسلاموي، لتبرئة أنفسهم أولً من تهم الردة، ولإنقاذ المشروع الإصلاحي ثانيًا14. وقد اقتصر كلّ من ويسل وسبانخ وسميث على المجال المصري، وعلى كتّاب السيرة المصرييّن. لذا، فهم لم يعرضوا مصير كتابات أخرى، لم تكن أحسن حظًّا، مثل كتاب معروف الرصافي (1875 - 1945) الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدّسالذي أنهى كتابته في عام 1933، وتأخر نشره حوالى سبعين عامًا حتى عام 200215. كتب الرصافي في مقدمة مؤلفه: "أصبحت لا أقيم للتاريخ وزنًا ولا أحسب له حسابًا لأنّ رأيته بيت الكذب [...] إذا نظرت فيه كنت كأني منه في كثبان من رمال الأباطيل قد تغلغلت في ذرات ضئيلة من شذور الحقيقة، فيتعذر أو يتعرسّ على المرء أن يستخلص من طيس أباطيله ذرّات شذور الحقيقة"16. وقد عبّ عن مواقف شديدة الجرأة؛ منها، على سبيل المثال، موقفه من غاية الدعوة المحمدية التي يقول عنها: "إنّ الغاية التي يرمي إليها محمد من الدعوة إلى الله أو من النبوّة ليست بدينية محضة، بدليل أنه قبل الجزية من غير العرب من أهل الكتاب والمجوس، إذ لا ريب أن أخذ الجزية منهم وتركهم على ما هم عليه من الكفر والضلال ينافي أنه لم يرسل إلّ لدعوة الناس كافة إلى التوحيد، أي إلى عبادة الله وحده لا شريك له"17. ويضيف: "وكيف ينكر علينا منكر ما قلناه من أن الغاية التي كان يرمي إليها محمد هي هذه، وقد صرح هو نفسه بها عدة مرات. فقد جاء في السيرة النبويّة لابن هشام وفي السيرة الحلبية لعلي برهان الدين الحلبي ما خلاصته: "لمّا مرض أبو طالب مرض وفاته، أتاه الملأ من قريش وطلبوا منه أن يكلم محمدًا في أن يتركهم وآلهتهم ويتركوه هم وشأنه، فدعاه أبو طالب وكلّمه في ذلك، فقال محمد: 'أرأيتكم إن أُعطيتُكم ما سألتم هل تعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟'. وهذا صريح في أنه يريد لهم الملك على العرب وأن العجم تطيعهم وتخضع لهم فتكون من رعاياهم، وذلك ليس من الدين لأن غاية الدين هي عبادة الله وحده لا شريك له"18. ويضيف كذلك: "ولقد كانت الغاية
التي يريدها محمد شائعة يعرفها حتى كفار قريش، فقد كان الأسود بن عبد يغوث وهو ابن خال محمد، إذا رأى المسلمين وما هم عليه من تقشف وخشونة عيش ورثاثة ثياب يقول مستهزئًا بهم: 'قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون كسررى وقيصر"'19. نشأت في العراق بداية الخمسينيات مدرسة تاريخية متميزة بكتابات نقديّة جادّة، كان من بين روّادها عبد العزيز الدوري وصالح أحمد العلي، إضافة إلى جواد علي (1907 - 1987) وهو صاحب كتاب في جزأين: تاريخ العرب قبل الإسام (1958)، وتاريخ العرب في الإسام: السيرة النبوية (1961)20. ونشر المفكّر السوري (من أصول فلسطينية) محمد عزّة دروزة (1887 - 1984) في أواخر الأربعينيات سيرة ضخمة بعنوان: سيرة الرسول: صُور مقتبسة من القرآن الكريم وتحليات ودراسات قرآنية، وقد طُبع الكتاب بجزأيه في العام نفسه، ويخص الجزء الأول العهد المكي، والجزء الثاني العهد المدني21. وإن تجاوزنا الشكل الكلاسيكي لكتابة السيرة، استحضرنا مسررحية محمّد صلىى الله عليه وسلمالتي كتبها الأديب توفيق الحكيم في عام 193622. وكذلك رواية محمد رسول الحرية، للصحافي المصري عبد الرحمن الشرقاوي (1920 - 1987) في عام 1962، وفي كلتيهما تناولٌ للسيرة بشكل أدبي. لعلّ من الأهميّة هنا الإشارة إلى أن كتابة السيرة الحديثة لم تقتصر على أقلام كتّاب مسلمين، فقد كتب الأديب اللبناني لبيب الرِّيايشِ(1889 - 1966)، وهو مسيحيّ الديانة، سيرة بعنوان: نفسيّة الرسول العربي: محمّد بن عبد الله السوبرمن الأوّل العالمي (1934)، وفيها تأثرٌ واضحٌ بعلمَي النفس والفلسفة الحديثة. وكتب نظمي لوقا جرجس (1920 - 1987)، وهو قبطي مصري، سيرة بعنوان محمد: الرسالة والرسول (1959)23.
ثانيًا: سياقات السير الحديثة
1 ي. السيرة المحمدية ف السياق القومي
يصعب الإلمام بكل نقاط المحتوى التي عالجتها كتابات السيرة النبوية الحديثة، لكنّني اخترت نقطة أراها مهمّة، ويمكن على أساسها تتبّع التحولّات والتطوّرات في الكتابات الحديثة بشأن السيرة، وصولً إلى سيرة جعيط، ألا وهي الصورة التي رسمتها هذه السير للرسول محمد. اتّبعت الدراسات التي اهتمت بالسيرة الحديثة منهجية الموقعة في السياقيَن الاجتماعي والسياسي لتحليل كتابات السير التي تناولتها، واتفقت في نتيجة مفادها أنّ هذه السير التي تقدّم صورًا للنبيّ محمد هي في الحقيقة مستمدة من السياق الذي عاش فيه كتّاب السيرة. وسأعرض في ما يأتي هذه المنهجية، وأستخلص أهمّ الملامح التي أسبغتها كل مرحلة تاريخية على صورة النبيّ محمد، لأمدّ الخيط بعدها إلى السياق الذي وضع فيه جعيط سيرته، وأحدّد الملامح التي أضافها إلى صورة النبيّ محمد. من خلال موقعة النصوص في سياقَيها السياسي والاجتماعي، يخلص ويسل، وسلوى إسماعيل وسبانخ، وبزاينية، وغيرهم، إلى أنّ كتابات السيرة في أواخر القرن التاسع عشر، وطوال النصف الأول من القرن العشرين، قد أضفت ملامح قومية عروبية على صورة
الرسول محمد؛ إذ يُنظر إلى النصف الأول من القرن العشرين عادةً على أنه فترة تبلور الفكر القومي العروبي وتمدّده، ونلاحظ حتّى في سيرة الطهطاوي - على الرغم من أنه كتبها في سياق لم تكن القومية العروبية فيه قد تبلورت بعد - نزعة قويّة إلى تكريس فكرة "العروبة"، وذلك في سياق كانت فيه النخبة العربية تطالب بدور سياسي أكبر في ظلّ الدولة العثمانية، وتنادي بحكم لامركزيّ يسمح بإدارة مستقلّة للولايات العربية، وكان عدد من الجمعيات العربية السررّية قد أ سّس خلال هذه الفترة مثل "جمعية بيروت السررية" في عام 1875. في هذا السياق، أكد معروف الرصافي أن "الغاية التي يرمي إليها محمد هي إحداث نهضة عربية دينية اجتماعية سياسية"24، ونقف هنا خاصّة عند عبارة "نهضة عربية" التي طبعت الخطاب القومي في تلك الفترة. ونلاحظ أن كتّاب السيرة النبوية خلال هذه الفترة المعنية، الذين عددنا أسماءهم وكتاباتهم في اللمحة التي قدمناها، ينتمون إلى النخبة القومية، سواء في مصر أو في العراق أو لبنان أو غيرها من البلدان العربية الناشئة حينها، وكان معظمهم منخرطًا في النشاطات السياسية والفكرية؛ فعباس محمود العقاد، مثلً، كان صحافيًا وأديبًا وناشطًا سياسيًا، وكان محمد حسين هيكل من أبرز المفكرين والناشطين السياسيين، وقد ترأّس حزب الأحرار الدستورييّن وتقلّد عدة مناصب وزارية، وترأّس أيضًا تحرير جريدة السياسة. ويرى ويسل أن هيكل الذي كان في البداية متّجهًا بأنظاره نحو الغرب، قد عاد، مع تقدم المدّ القومي، إلى اكتشاف التراث الثقافي العربي وضرورة توظيفه في بناء الهوية القومية العربية. يقول ويسل: "هناك ارتباط وثيق بين التغير في موقف هيكل تجاه الغرب وإرثه وتنامي النزعة القومية في تلك الأيام. لقد بدأ الناس يرون في التأثير الكبير ل 'الغرب' خطرًا محدقًا. أثار هذا روح القومية، وأدى إلى البحث عن الهوية الذاتية، والاهتمام المتزايد بالتاريخ الذاتي. قد تكون أحداث كثيرة في الحاضر مَدعاة للإحباط وخيبة الأمل، لكن الماضي أصبح مصدر إلهام للحاضر. كان هيكل يأمل أن يكون التاريخ الإسلامي مصدر إلهام للمسلمين المعاصرين شأن الثقافة اليونانية التي كانت مصدر إلهام لعصر النهضة الأوروبية"25. ولن انفرد الدوري بين روّاد القوميّة العربيّة بنظريّته التي تؤكّد أنّ وجود نظام سوسيو-اقتصادي واحد أو متشابه على الأقل هو عامل أساسي لإقامة كيان عروبي، فإنّه بقي محافظًا على رأي أغلبية القومييّن العرب التي ترى في اللغة العربية العنصر الأساس الذي يقوم عليه مفهوم "العروبة"، فالعروبة من هذا المنطلق هي كيان ثقافي، في الأساس، يجمع إثنيات وديانات مختلفة. بل يذهب الدوري إلى أبعد من هذا، فيدمج التراث الإسلامي - وسيرة الرسول محمد هي جزء من هذا التراث - في مكوّنات مفهوم "العروبة"26. يلاحظ إسرائيل كرشوني وجيمس جانكوفسكي في دراسة لهما؛ أن كتابات السيرة ما عادت موجهة في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين إلى طلاب الأزهر ورجال الدين فحسب، بل إلى جمهور أوسع، وخاصة "الأفندية"، وهم المتعلمون من أبناء الطبقة الوسطى الذين كانوا يمثلون شريحة ازداد عددها في تلك الفترة، فكانت توجد حاجة إلى مخاطبتهم من خلال قراءات جديدة للتاريخ الإسلامي المبكر عامّة، والسيرة النبوية خاصة، في محاولة لإدماج التراث الإسلامي بوصفه عنصرًا مكوّنًا لهوية قومية عربية تخدم في الوقت نفسه التوجه القومي العروبي27.
إن إدماج التراث الإسلامي، بوصفه عنصرًا مكوّنًا لهوية قومية عربية، لم يكن اتجاهًا خاصًّا بالقوميين العرب المسلمين، بل حذا حذوهم بعض القوميين المسيحيين أيضًا، وفي هذا الإطار كتب لبيب الرياشيي السيرة التي ذكرناها في المبحث الأول من هذه الدراسة، وذلك بغية تحقيق تقارب قومي عروبي يتجاوز النعرة الطائفية والمذهبية، خاصة أن لبنان تحديدًا قد هزّته عدة حروب طائفية، فاعتبر الرياشيي محمدًا منقذ العروبة من الفارسية والبيزنطية، وباني الأمة العربية. وكذلك كتب نظمي لوقا جرجس كتابه في سياق الثورة "الناصريّة"، وتحت قيادة الاتحاد القومي (1957 - 1962) الذي انصبّ مجهوده في هذه الفترة على توحيد طوائف الشعب المصري من مسلمين وأقباط خاصة، وقد اشتهر قول السياسي المصري المعروف مكرم عبيد (1889 - 1961): "نحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا"28. إضافة إلى هذه الملامح "القومية" التي تضفيها هذه الكتابات على السيرة، تركّزت كتابات السيرة في هذه المرحلة، وبصفة ملحوظة، على فكرة البطولة. فقرأ العقاد في كتابه عبقرية محمد شخصية الرسول محمد باعتباره بطلً كارزماتيًا، وكذلك الكاتب والدبلوماسي المصري عبد الرحمن عزام (1893 - 1976) الذي نشر في عام 1938 كتابًا عنوانه بطل الأبطال أو أبرز صفات النبي محمد29. قرأ هيكل الرسول محمد باعتباره رجلَ دولة ناجحًا. ولا يخفى هنا تأثير السياق الذي غلبت عليه الحركات النضالية والمطالب التحررية من المستعمر الإنكليزي أو الفرنسي أو الإيطالي30.
2 ي. السيرة المحمدية ف السياق الاشتراكي
تأثرت مرحلة الخمسينيات والستينيات بالفكر الثوري الاشتراكي الذي تبنّاه بعض المفكرين العرب، وقد ارتبط أكثر بثورة يوليو 1952 في مصر، التي كان جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من أهم قادتها. وعلى الرغم من قِصَ هذه الفترة، فإنّ الفكر الاشتراكي الثوري انعكس على كتابة السيرة نفسها؛ إذ سعى بعض الكتّاب إلى التبشير بالفكرة الاشتراكية من خلال كتابة سيرة حديثة للرسول محمد. فرأى الروائي والصحافي المصري عبد الرحمن الشرقاوي في الرسول محمد قائدَ حرب تحرير شعبية، ومدافعًا عن المستضعفين وعن حرية الإنسان، وضمّن أفكاره هذه نصوصًا نشرها في جريدة المساء في عام 1961، ثم جمعها في عام 1962 في الرواية المذكورة آنفًا محمد رسول الحرية31 التي تعكس بوضوح الواقع السياسي الذي وُضعت فيه، والذي طبعه توجّه عبد الناصر السياسي المتحمس للاشتراكية في ذلك الوقت. وقد قرأ الشرقاوي حياة الرسول محمد بعيون الثوري الاشتراكي، وأضفى على الكثير من المواقف والمحطات في سيرته روحًا ثورية اشتراكية، بل رأى فيه داعيًا إلى ثورة شعبية ومناديًا بالعدالة الاجتماعية. ويؤكد ويسل في هذا السياق البعد الأيديولوجي الخفي لهذه الرواية؛ إذ يرى فيها دعاية للأفكار الاشتراكية التي تبنّاها عبد الناصر في ذلك الوقت32. وقرأ فتحي رضوان سيرة الرسول محمد في ضوء أحداث الثورة، وكتب محمّد الثائر الأعظم (1962). وتجدر الإشارة إلى أن رضوان كان حينها وزيرًا للخارجية في عهد الحكومة الأولى في مصر بعد ثورة عام 1952. وكتب محمود شلبي اشتراكيّة محمّد (1962) بإيحاء من جمال عبد الناصر. وكتب عقيد محمّد فرج - وهو ضابط في الجيش - كتابين في حروب الرسول: محمّد المحارب (القاهرة، 1951)، والعبقرية العسكرية في غزوات الرسول (القاهرة، 1958)33.
3 ي. السيرة المحمدية ف السياق الإسلاموي
لم تكن الساحة خالية للتيار القومي العروبي، ولا للتيار الاشتراكي، بل كان هذان التياران في سجال دائم مع التيار الإسلاموي الذي نشأ باكرًا في مصر (عام 1928). فقد اتسعت شعبيّة جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر وخارجها، فتكوّنت لها حاضنة شعبية في سورية وفلسطين والأردن والعراق ولبنان، وذلك عقب إرسالها عددًا كبيرًا من المتطوّعين إلى الحرب في فلسطين في عام 1948 واحتضانها القضيّة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن المدّ الاجتماعي للحركة بلغ أوجه بعد حرب عام 1948، فإنّ الحركة فشلت في القيام بدور سياسي حاسم، وتأرجحت علاقة الجماعة بالسلطة في مصر بين مدّ وجزر، فكانوا قريبين حينًا من السلطات، ودخلوا أحيانًا أخرى في صراع دائم معها. فبعد حرب عام 1948 والهزيمة العربية، اتَّهم محمود فهمي النقراشيي، رئيس الحكومة آنذاك، الإخوان المسلمين بالخيانة، وأصدر أمرًا بحلّ جماعة الإخوان المسلمين في كانون الأول/ ديسمبر 1948، فكانت النتيجة سلسلة من الاغتيالات سقط ضحيّتها النقراشيي وحسن البنّا (قائد جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها). لكن الجماعة عادت ونشطت مع الضباط الأحرار، وكانت عضدها الأكبر في ثورة يوليو 1952، وفي القضاء على النظام الملكي، ثمّ امتلك الضباط الأحرار زمام السلطة. وعلى الرغم من إصدار قانون بحظر كل الجمعيات السياسية، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين اعتبُرت غيرَ سياسية، وسمح لها بالنشاط. في عام 1954 نُسبت إلى جماعة الإخوان المسلمين محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، فصدر قرار بحظرها، واعتقل العديد من أعضائها. وفي عام 1965 تصاعدت الأمور من جديد، وواجه الإخوان المسلمون تهمة محاولة الانقلاب على عبد الناصر، فاعتقل العديد منهم، وبعد محاكمة استمرّت شهورًا، أعدم بعضهم في عام 1966، وكان من بينهم المفكر الإسلامي سيد قطب، صاحب كتاب معالم في الطريق. وشهدت فترة حكم محمد أنور السادات تقاربًا، خاصّة في حرب أكتوبر 1973 وعمليّة استرجاع سيناء، ثم شهدت تباعدًا في إثر معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل في عام 1977 التي قوبلت بحركات معارضة قويّة، انتهت باغتياله في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1981. واكبت هذا المناخ السياسي المتوتر والدموي أحيانًا سجالات أيديولوجيّة خاصّة بين القومييّن والإسلامييّن، انعكست على الإنتاج الكتابي للسيرة النبوية؛ إذ علَت، خاصة في مصر، أصوات تنادي بضرورة المراجعة الإسلاميّة للتاريخ الإسلاميّ. ومثّلت هذه المراجعة آلية سعى التيار الإسلامي من خلالها لبلوغ هدفين: أوّلهما دحض الأيديولوجيات السياسية المنافسة (القومية والاشتراكية) وتقويضها، والتي قادت التحركات التحرريّة ضد الاستعمار الغربي، ثم استحوذت على الساحة السياسية في المرحلة الاستقلالية، لكنّها عجزت، بحسب منظور التيار الإسلامي، عن الحفاظ على هذه الاستقلاليّة، بل فرّطت في فلسطين. أمّا الهدف الثاني لهذه المراجعة، فهو تأسيس هويّة جديدة يكون الإسلام مرتكزها. ومن أهم السيَ التي كُتبت في هذا السّياق: حسن البنّا (1906 - 1949) نظرات في السيّرة34، ومصطفى السباعي (1915 - 1964) السيرة النبويّة: دروس وعبر35، ومحمّد سعيد رمضان البوطي (1929 - 2013) فقه السيرة36، ومحمد الغزالي فقه السيرة (1917 - 1996)37. يبيّ الباحث بزاينية الطابع الدعوي لهذه الكتابات، فيورد عن الغزالي قوله: "إنّني أكتب في السيرة، كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيّده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست [...] مؤرّخًا محايدًا مبتوت الصلة بمن يكتب عنه"38. كما يُحصي بزاينية الفعل
"دعا" ومشتقاته من خلال أنموذج السيرة التي كتبها مصطفى السباعي، وبيّ من خلالها أهمية هذا المصطلح في أدبيات الإخوان المسلمين39. كما أنّ الصورة التي قدمها الإسلاميون عن الرسول محمد تركز على البعد الدعوي والقيم الإنسانية، مثل الرحمة والعدل والسِّلم. وهو ما يظهر واضحًا من خلال العنوان الذي اختاره خالد محمد خالد (1920 - 1996) لأحد مؤلفاته الكثيرة حول الرسول محمد إنسانيات محمد40.
ثالثًا: السيرة المحمدية يف السياق ما بعد الحداثوي - سياق جعيط
يستخلص كلّ من سبانخ وويسل وسلوى إسماعيل وبزاينية أنّ كل هذه الكتابات، في السياقات الثلاثة التي عرضناها اشتركت في التركيز على محمد الإنسان؛ السياسي والعسكري والمصلح الاجتماعي، وأجحفت في تغليب القضايا الاجتماعية والسياسية، وقلّصت في المقابل التجربة الروحية للرسول محمد41، فيعلق ويسل على سيرة هيكل أنها أعطت حق محمد المحارب ورجل الدولة، ولم تقدّره حق قدره بصفته نبي الله، ويُبيّ أنّ مقاربة هيكل للتجربة الروحية للرسول محمد أغرقت في محاولة الفهم العقلاني، وعجزت عن الإلمام بالجانب الروحي، وتهدّد بأن تكون مقاربة سطحية للتجربة المحمدية: "كتاب هيكل ينصف محمد الجنرال ورجل الدولة، لكنه لا ينصف محمد النبي. عندما يسمع المرء أن هيكل يعتبر تجربة محمد الصوفية في الإسراء والمعراج متوافقة مع العلم الحديث، يميل إلى الاتفاق مع تعليق كينيث كراغ Cragg Kenneth: 'يترك القارئ مع الشعور غير المريح بأن هناك بعدًا مهمًّا ل 'الديني' - الذي بحث عنه [...] في الصوفية القديمة - قد غاب عن هذا الكاتب المعاصر للسيرة [...] أنّ المفتاح لفهم مدخل هيكل لتجربة محمد الدينية هو تعليقه الساذج تقريبًا بأن 'الملاحظة والتأمل متشابهان بالطبع'. من هذا يتضح أن المصطلحات الصوفية التي يستخدمها هيكل لا يقصد بها احتضان دلالتها الصوفية الممتلئة. إنّ التأمل ليس 'نشاطًا' صوفيًّا بقدر ما هو نشاط فكري وعقلاني للغاية [...] وهكذا يميل هيكل إلى جعل دعوة محمد تبدو سطحية، ويفهمها على أنها دعوة عقلانية يمكن الوصول إليها أيضًا من دون وحي "42. إن سيرة جعيط تُحدث نقلة نوعية في كتابة السيرة النبوية الحديثة؛ فهي تحاول رد الاعتبار إلى محمد النبيّ؛ إذ يكرّس جعيط جزءًا كاملً من ثلاثيّته (الجزء الأول) لدراسة "الوحي والقرآن والنبوّة"، وقد يبدو هنا أنه "يتطفّل" على مواضيع ميتافيزيقية، هي أبعد ما تكون عن مجال التاريخ. فما المنهج العلميّ الذي اتّبعه جعيط في دراسته هذه المسائل؟ سأتّبع في ما يأتي منهجية "موقعة النص في سياقه"، وهي المنهجية نفسها التي اعتمدتها الدراسات التي تناولت السيرة حديثًا، لكن حتى تتوضح لنا مساعي جعيط ومنهجيّته، أرى أن نخرج بسيرته من السياق الجغرافي الضيق - أي التونسي - لنموضعه في سياق أوسع، يوجد جعيط في الحقيقة في قلب سياق العولمة التي لا تتقيّد بالحدود الجغرافية الضيقة، وهذا السياق "العولمي" الذي عاش فيه ووضع فيه سيرته، غلب عليه سؤال ملحّ يتعلّق بموقع الدين في عالمنا الحديث، وطبعته النداءات المكثفة لحوار الحضارات والأديان. تمحور الخطاب الفكري في هذا السياق المعاصر حول انتقاد مفهوم الحداثة "التقليدي" الذي يكرس "الحداثة الواحدة" - بكل ما لها من مواقف إقصائية للدين - والتي تقوم على رؤية مركزية أوروبية ضيّقة ترى أن النظم المؤسساتية والثقافية التي صنعها الغرب ستكون السائدة في المجتمعات الأخرى، وهي الفكرة التي أعاد الباحث الأميركي دانيال لرنر (1917 - 1980) ترويجها في الستينيات؛ حين
بيّ أنّ منطقة الشرق الأوسط تقف أمام خيارين لا ثالث لهما، فإمّا "التحديث" - يقصد على النظام الغربي وبمفهوم الحداثة التي تُقصي الدين - أو "مكّة"43. وانتقد كل من شموئيل إيسنشتات وفولكر شمدت أطروحة "الحداثة الواحدة" هذه، وبيّنا أنّها إقصائية وقاصرة عن الإلمام بالتجارب الحداثويّة الأخرى في مناطق خارج الفضاء الجغرافي والثقافي لأوروبا الغربية خصوصًا، وحاولا تجاوزها بأطروحة "الحداثات المتعدّدة" Modernieties Multiple أو "الحداثات البديلة" Modernities Alternative التي يسعيان من خلالها لأخذ تجارب حداثوية مختلفة في الحسبان، لم يُقصَ فيها الدين، كما كانت الحال مع التجربة الحداثوية اللائكية تحديدًا44. بداية من ثمانينيات القرن العشرين، ظهرت أصوات تنادي بضرورة إعادة تقييم موقع الدين والتدين والروحانيات ودور كلّ من هذه الفواعل في إطار هذا المفهوم الجديد والأوسع للحداثة. وغطّت على هذا الخطاب الفكري الجديد مقولات، مثل "عودة المقدس" و"عودة الآلهة" بحسب فريدريش فيلهلم غراف45، أو "عودة القوة السحرية للعالم " Welt der Wiederverzauberung التي طبعها موريس برمان، أحد أهم أعلام هذا التيار46، وفيها ردٌّ واضح على المقولة الفيبرية "نزع السحر عن العالم " Welt der Entzauberung التي لخّص فيها ما لاحظه من شمول نزعة العقلنة لكلّ ميادين الحياة؛ من الفن، إلى الموسيقى، إلى التفكير47. فتح هذا الخطاب ما بعد الحداثوي المجال أمام الأسئلة الوجودية من جديد، واهتمّ كل من الخطاب الفلسفي والسوسيولوجي، في الأساس، بالتفكير في مناهج علمية جديدة، تُخوّل النظر في مسألة الدين والتدين والإيمان وما تعلّق بهما من مسائل روحانية، في إطار مفهوم حداثوي تعدّدي. سأتّخذ في ما يأتي من هذا الخطاب الجديد منطلقًا أنظر من خلاله إلى أهم النتائج العلمية التي توصّل إليها في ما يخص أحد المواضيع الإيمانية بامتياز، ألا وهي مسألة الوحي التي اخترناها مث لً ندرسه؛ لأنّ موضوع الوحي كان من أهم المسائل التي ناقشها جعيط في ثلاثيّته، فضلً عن أنه مثّل أحد أهم المواضيع التي شغلت الخطاب الفكري الفلسفي ما بعد الحداثوي. وحتى نفهم المدخل المنهجي الجديد الذي ارتآه الخطاب ما بعد الحداثوي لدراسة الدين، يجب أن نلقي نظرة مختصرة على مواقف الخطاب الفكري الفلسفي المتعلقة بمسألة الوحي قبل هذه التحولات التي أتى بها الخطاب ما بعد الحداثوي. في عصر التنوير كان هناك تياران فكريان مثلّا تحدّيًا للإيمان الديني ورؤيته بشأن مسألة الوحي؛ هما التيار العقلاني الذي أسسه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 - 1650) Descartes René، وخاصّة التفرعات التي نتجت منه بعد ذلك، وعلى رأسها مذهب الربوبية Deismus، ثم التيار التجريبي الذي أسسه جون لوك (1632 - 1704) Locke John. كان معتنقو مذهب الربوبية الفلسفي يؤمنون بفكرة وجود إله، وكذلك بفكرة اليوم الآخر وفكرة أبدية الروح، لكنهم يرون أنه يمكن التوصل إلى الحقيقة الإلهية وغيرها من الحقائق الجوهرية في الديانة المسيحية بالعقل، من دون الحاجة إلى الوحي الذي يرفضونه، كما يرفضون مسألة المعجزات، ويرون أن هذه الادّعاءات وغيرها في الديانة المسيحية لا تصمد أمام التمحيص العقلي،
ويجب العمل على تغييرها. فعمل هاربرت فون شربوري (1581 - 1648) Cherbury von Herbert على التأسيس لمفهوم "الدين الطبيعي العقلاني" Vernunftreligion Natürliche بديلً من مفهوم الدين القائم على فكرة الوحي. وفي المقابل، بقي معظم فلاسفة عصر التنوير الألمان ملتزمين بمبدأ الدين القائم على فكرة الوحي/ التجلّ، وانصبّت جهودهم في معظمها على إثبات توافق الموروث الديني مع مبادئ العقل. فمثلً، رفض غوتهولد إفرايم ليسينغ (1729 - 1781) Ephraim Gotthold Lessing الصلاحية المطلقة لمفهوم "الدين الطبيعي العقلاني" الذي يقول به معتنقو مذهب الربوبية، وأصرّ على إيجاد حجج وضعية للوحي، وذهب إلى القول إنّ الوحي هو آلية مساعدة - خاصة بالنسبة إلى من لم يكن لهم سبيل إلى وسائل النقد العقلي من عامّة الناس - لبلوغ الحقيقة. فالوحي لا يعوّض العقل في التدليل على الحقيقة الإلهية، بل إنّ العقل وحده، بمعزل عن الوحي، قادر على إدراك الحقيقة، لكنّ الوحي هو آلية مساعدة لمن لا تُتاح له الآليات العقلية من عامّة الناس. أمّا جون لوك، مؤسس المذهب التجريبي، ومن بعده ديفيد هيوم (1711 - 1776) Hume David، فإنهما قد رفضا أن يكون العقل وسيلة تحصل بها المعرفة اليقينية، بل آمنا بأنّ المعرفة اليقينية لا تحصل إلّ من خلال التجربة الحسية؛ أي من خلال اعتماد الحواس البشرية. وهما إذ يذهبان إلى إمكان الوصول إلى استنتاجات علمية بناءً على ملاحظة تجربة أو حدث متكرّر، فإنّ أحداثًا من نوع الوحي/ التجلّ والبعث أو المعجزات - التي هي من مقوّمات الفكر الديني المسيحي - لا تخوّل الوصول إلى معرفة يقينية؛ لأنها غير متكرّرة، وبناءً على هذا المنطلق يرفض منطق الفلسفة التجريبيّة فكرة الوحي/ التجلّ بوصفها وسيلة لحصول المعرفة اليقينية. ونتيجة لذلك، يضع الدين المسيحي والديانات القائمة على هذه الفكرة موضع تساؤل. جاء إيمانويل كانط (1724 - 1804) Kant Immanuel لينتقد المذهبين العقلاني والتجريبي، وينتهي إلى القول بمحدودية العقل وعجزه عن إثبات وجود الله وبلوغ الحقيقة المعرفية. أحدث كانط نقلة كوبرنيكية - نسبة إلى كوبرنيك - في الخطاب الفلسفي؛ من خلال الإقرار بمحدودية العقل ووقوفه دون إدراك الميتافيزيقيات، وتحوّلت وجهة الفلسفة، إثر ذلك، من البحث في الماهيات إلى البحث في أداة التفكير (العقل). وقد قامت أبحاث كانط المتعلقة بالعقل على مفهومين أساسييّن: مفهوم الظاهرة Phaenomenon والنومينون Noumenon الذي يُعبّ عنه بالشيء في ذاته sich an Ding؛ إذ يقول إن إمكانات العقل المعرفية محدودة، لذا لا يمكنه إلّ معرفة ظاهر الوجود، أما نومينون الوجود - أو الوجود في ذاته، أو الحقيقة - فلا يمكن للعقل إثباته ولا حتّى نفيه. وبهذا أصبح التفكير الكانطي منطلقًا لمذهبين متناقضين في ما بعد، فهو مثّل - ولا يزال - مرجعًا للتيار الإيماني الديني؛ إذ بيّ محدودية العقل الخالص في بلوغ المعرفة، لكن في الوقت نفسه سيصبح مفهوم النومينون الذي أسّس له كانط منطلق اللاأدرية في ما بعد. بعد كانط، انتقل الخطاب الفلسفي إلى تحديدات جديدة في علاقة الإنسان بالإله ونقد الدين عمومًا، وقد قلب لودفيغ فويرباخ (1804 - 1872) Feuerbach Ludwig من خلال نظريّة الإسقاط، نظرية الخلق المتداولة في الفكر الديني، وذهب إلى القول إن الله ليس هو الذي خلق البشر، بل إن الإنسان قد أوجد، أو خلق، فكرة الإله، وأسقط صفات "بشرية" في أسمى كمالها على ما سمّاه "الإله"، وهذه الصفات هي: "الحب اللانهائي"، و"الأخلاق المثالية"، و"العقل الكامل". ويفسرر فويرباخ فكرة الوحي بأنها حيلة ذكية للتغطية على عملية الإسقاط. وطوّر كارل ماركس (1818 - 1883) Marx Karl أفكار فويرباخ، وأضاف إليها أن الإنسان لم يخلق إلهه فحسب، بل جعل منه مهربًا وملاذًا من أوضاعه الاجتماعية المزرية، لكنّ الفكر الديني؛ إذ يعدُ ويواسي الإنسان بحياة أخروية عادلة، فإنّ مفعوله كان كمفعول المادّة المهدّئة والمخدرة التي ألهت الإنسان عن تغيير واقعه، ومنه مقولته الشهيرة: "الدين أفيون الشعوب". أمّا فريدريش نيتشه (1844 - 1900) Nietzsche Friedrich، فقد ذهب بنقده للدين إلى أقصى حد، وأعلن موت الإله، ليحلّ محلّه
الإنسان - الأعلى. وبناءً عليه، يرى نيتشه أنّ النظم التي أسّست لها الأديان القائمة على الوحي، ما عادت قائمة، وأن "الإنسان الأعلى" قادر على وضع نظم بديلة بنفسه ولنفسه48. في السياق ما بعد الحداثوي، عادت المسائل الدينية إلى السطح، وأصبحت من اهتمامات الخطاب الفكري والفلسفي من جديد، وقد سعى هذا الخطاب للتفكير في مناهج علميّة جديدة تخوّل للمفكر أو الفيلسوف أو المؤرّخ، أو غيرهم، دراسة مسألة الدين والتدين والإيمان ضمن مفهوم حداثوي تعددي. ولعلّ أهمّ الأطروحات في هذا الباب هي الأطروحات التي قدّمها الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (1889 - 1951) Wittgenstein Ludwig الذي أسّس مفهوم "إدراك الزوايا المختلفة" Aspektenwahrnehmungsmodell، ووظّفه ليكون مدخلً منهجيًّا لدراسة الدين. يقوم هذا المفهوم على فكرة أن صورة معيّنة تظهر في كلّ مرّة بشكل مختلف تمامًا، إذا غيّنا زاوية النظر التي ننظر منها، ويقدّم فيتغنشتاين شكلَ المكعب الذي لا يمكن أن يحيط المرء بالنظر إلى كل جوانبه من زاوية واحدة مث لً د لًّ على ذلك. فالشخص الواحد يحيط بجانب واحد لهذا المكعب؛ لذا عليه أن يستكشف رؤى أخرى، من جوانب مختلفة ويدركها. إنّ مفهوم "إدراك الزوايا المختلفة" الفيتغنشتايني يكشف عن إدراكات مختلفة للصورة نفسها في الوقت نفسه، ويُبيّ أن القدرة على تغيير زاوية النظر، هي شرط مهم، للوعي باختلاف الإدراكات لشيء معيّ، ومن بين ذلك التجربة الدينية نفسها. فأطروحة فيتغنشتاين تقوم على فكرة محورية مفادها أنّ التجربة الدينية/ الروحية لا تُفهم على أنّها تجربة تخص تقتصر على أناس معيّنين أو تخصّهم وحدهم (وهم المتديّنون). وهذا المنهج يقوم على فكرة تشريك الجميع - متديّنين كانوا أو غير متديّنين - في فهم التجربة الدينية/ الروحية - الوحي مثلً، وهو ما يتطلّب قبل كلّ شييء وعيًا باختلاف الإدراكات لهذه التجربة، وإقرارًا برؤية أو رؤى دينية معيّنة تتموقع ضمنها هذه التجربة. ويمكّن هذا المنهج كلّ شخص - مؤمنًا كان أو غير مؤمن - من إيجاد مدخل إلى التجربة الدينية، وذلك بعد موقعتها داخل رؤية دينية ما، وهو ما يسمح بإدراك زاويتها الإيمانية49. إذا انتقلنا من الخطاب الفكري إلى الواقع العملي، وضيّقنا دائرة السياق، لنركّز على فرنسا، وجدنا أنّ جعيط والسياق التونسي عمومًا، ولا سيما بحكم علاقات متجذّرة في التاريخ، معنيّان مباشرة بالتحولات في السياق الفرنسي؛ إذ أقصت القوانين الفرنسية تدريس الدين من المدارس الفرنسية بمقتضى قانون صدر في 28 آذار/ مارس 1882 ينص على إلغاء مادة تعليم الدين من المدارس الحكومية50. كان الجدل المتواصل بشأن المسألة الدينية ومسألة التعليم الديني، منذ عشريّات عدّة، قد بلغ في نسق واحد مع الخطاب الفلسفي ما بعد الحداثوي أوجه في ثمانينيات القرن العشرين، وعلت الأصوات منادية بأنّه لا يمكن دراسة التاريخ من دون الأخذ في الحسبان تاريخ الأديان، أو دراسة الفلسفة من دون فهم مبدئي لمفاهيم ميتافيزيقية مثل الإيمان أو الروح أو المقدس... إلخ، إلى حدّ أنّ فهم نتاج الفن الأوروبي يتوقّف على مدى الإلمام بالثقافة الدينية. كان الوعي بهذا الخلل المنهجي في فرنسا اللائكية والأصوات المحتجة الكثيرة من أسباب الانخراط في الخطاب الفكري ما بعد الحداثوي، والأخذ بآراء تكرّس دراسة الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية أو عمرانية مثلً. ورأى الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في اصطلاح "الظاهرة الدينية" اختيارًا موفقًا commode Emploi51.
في إثر دراسات ميدانية ونقاشات علمية طويلة، أ دمجت مادّة دراسة "الظاهرة الدينية" في البرامج المدرسية الفرنسيّة بداية منُ التسعينيات (يلُاحظ هنا التوافق الزمني مع سيرة جعيط). وأ نشئ في عامُ2002 المعهد الأوروبي لدراسة علوم الأديان européen Institut religions des sciences des الذي تفرّع من المدرسة التطبيقيّة للعلوم العليا études hautes des pratique École التي تعتبر المدرسة الأم، والتي ينصّ برنامجها على دراسة "علم الأديان" منذ عام 188652. فلنعد إلى جعيط وننظر في المنهج الذي اتّخذه لنفسه، والذي أشار إليه في مواضع عدّة من ثلاثيّته، ومن ذلك قوله: "وبعد، فهذا الكتاب [...] يعتبِ [...] كمعطى ما هو لبّ الدين الإسلامي: الوحي، الإيمان، البعث. وسواء كان المؤرّخ- المسلم وغير المسلم - مؤمنًا أو خارجًا عن الإيمان، فمنهجه الصحيح هو هذا، أي اعتبار المعطى كمعطى ومحاولة تحليله لا أكثر"53. نجد هنا أصداءً واضحة لمفهوم "إدراك الزوايا المختلفة" الفيتغنشتايني الذي تحدّثنا عنه، كما هو الشأن بالنسبة إلى منهج دراسة الدين باعتباره "ظاهرة دينية"؛ فجعيط هو ابن ذاك السياق العولمي الذي طغى عليه خطاب ما بعد الحداثة، وأكثر منه هو ابن السياق الفرنسي الذي على لائكيّته، لم يسلم من تبعات خطاب ما بعد الحداثة. وقد وجد جعيط في هذه المنهجية منهجًا تاريخيًا عقلانيًا، يخوّله الأخذ في الحسبان الجانب الروحي لتجربة الرسول محمد في السيرة التي وضعها. هذا عن منهجية جعيط في دراسة مسألة الوحي، لكن ماذا عن المصدر؟ أيّ مصدر يمكن لجعيط اعتماده في دراسة مسألة روحية ميتافيزيقية كمسألة الوحي؟ تقوم دراسة السيرة عند جعيط على فكرة مركزية وهي اعتماد القرآن مصدرًا أساسيًا54. وكثيرًا ما تُظهر الدراسات أن منهج جعيط في اعتماده القرآن مصدرًا أساسيًّا لكتابة السيرة النبوية، هو ما يميّز عمله ممّا سبق. وفي الواقع، سبقه في هذا عدد من كتّاب السيرة الحديثة، من بينهم هيكل الذي ذهب إلى منهج تقديم القرآن مصدرًا أساسيًا، لكن من دون الاستغناء عن المصادر التاريخية المكتوبة، مثل السيرة النبوية لابن إسحاق، ثمّ كتاب الطبقات الكبير لمحمد بن سعد، ثمّ أنساب الأشرافلأحمد بن يحيى البلاذري، ثمّ تاريخ الطبري. يقول هيكل: "إنّ أصدق مرجع للسيّرة إنّما هو القرآن الكريم، فإنّ فيه إشارة إلى كل حادث من حياة النبي العربي، يتّخذها الباحث منارًا يهتدي به في بحثه، ويُمحّص على ضيائه، ما ورد في كتب السُنّة، وما جاء في كتب السيرة المختلفة"55. وذهب محمّد عزّة دروزة إلى أبعد من هذا، فسعى في كتابه المذكور آنفًا سيرة الرسول: صُور مقتبسة من القرآن الكريم وتحليات ودراسات قرآنية إلى محاولة فريدة من نوعها في كتابة السيرة استنادًا إلى القرآن وحده، بصفته وثيقة أصليّة. ويؤكّد دروزة إمكان كتابة سيرة تقوم على القرآن بصفته مصدرًا وثيقًا ووحيدًا، بقوله: "أيقنت أن في الإمكان كتابة فصول للسيرة إذا لم تكن في نسق تاريخي مطّرد، كالذي كُتبت وتُكتب به كتب السيرة، وإذا لم تحتوِ أسماءً وأعلامًا وأرقامًا وتفصيلات مثلها، فإنها يُمكن أن تعطينا صورة صحيحة وقويّة ومشرقة، فيها أشياء كثيرة جديدة، تغاير ما هو مستقرّ في الأذهان"56. وعلى الرغم من اجتهاد دروزة في تطبيق منهجه، فإنه حاد - كما بيّ بزاينية في دراسته - عن بيانه هذا، واضطر إلى الاستعانة بالمصادر التاريخية المكتوبة الأخرى57. ولعلّ فشل
هذه المحاولة يدعم ما استقرّ عليه رأي جاكلين الشابي التي حسمت الأمر بقولها في دراسة لها إنه لا يمكن كتابة السيرة اعتمادًا على القرآن؛ لأنّه لا يقدم إلّ صورة ضبابية، و"غير مموقعة ضمن الحدث" événementielle - Non للرسول محمد. وترى الشابي أنّ المصادر المتقدمة لا تملأ هذه الثغرات المعلوماتية في السيرة النبوية؛ إذ تطغى عليها الأساطير، لذا فهي تلحّ على ألّ يؤخذ منها إلّ المعلومات التي لها ركيزة في القرآن، وتستنتج أن كتابة السيرة استنادًا إلى القرآن والمصادر المتقدمة - بعد تجاوز كل ما ليس له سند في القرآن - هي مهمّة مستحيلة Impossible Mission، وأن أقصى ما يمكن المؤرخ بلوغه هو استجلاء بعض ملامح السيرة58. كان جعيط، من دون شك، مطّلعًا على هذه الإشكالات وواعيًا بها، وقد أشار إلى جاكلين الشابي ودراستها وردّ عليها59، فحاول أن يجد حًّلًّ منهجيًّا ومخرجًا لهذه المعضلة، فميّز في سيرته بين دراسة المظاهر الميتافيزيقية، مثل الوحي والنبوّة (وهي موضوع الجزء الأول من سيرته)، وتدوين سيرة الرسول في مكّة والمدينة (محتوى الجزأين الثاني والثالث من سيرته)؛ بحيث بنى منهجه على فكرة مركزية مفادها الاستغناء بالقرآن عن المصادر الأخرى في مسألة الوحي، في حين رأى أن الطريقة المثلى في التأريخ للدعوة، وحياة الرسول محمد (ت. 632 م) في مكّة والمدينة، هي في الاعتماد على القرآن والأخبار المتقدمة في آن واحد. ويرى جعيط أنّ القرآن غنيٌّ بالمعلومات؛ ليس بالنسبة إلى مسألتي الوحي والقرآن فحسب، بل حتى في ما يخص سيرة الرسول عمومًا، ويرى أنّ المؤرخ للسيرة محظوظ، مقارنة بالمؤرخ لحياة عيسى المسيح مثلً. ولن لم يذكر جعيط اسم الشابي، فإنّ ردّه عليها واضح في قوله: "ليس صحيحًا أنّ القرآن لا يحوي إلّ القليل من التاريخ النبوي، فقسم كبير من سور الفترة المكيّة يستعرض فيه الصراع مع مشركي قريش ويقدّم جدالهم وردّ القرآن عليهم، وثمّة إشارات ثمينة إلى طفولة الرسول ونزول الوحي ورؤى محمد، بل الأهمّ من ذلك هو تطوّر محتوى الرسالة والدعوة، وهذا موجود وواضح في النصّ"60. في الوقت نفسه، ينبّه جعيط إلى اعتماد المصادر المكتوبة المتقدمة دون المتأخرة منها، فيكتب: "يجب تنبيه الباحث العربي ألّ يتجاوز القرن الثالث أو على الأكثر الرابع، وأنّ اعتماد مصادر متأخرة ليس من المنهج التاريخي في شييء، إلّ عندما نجد خبرًا قديمًا استُجع وهو يحصل بقلّة، مثلً عند ابن كثير في 'البداية والنهاية'، وابن حجر في 'التهذيب والإصابة"'61. ويختلف جعيط في هذا عن كتّاب السيرة العرب الذين لم يكن موقفهم من المصادر المتأخرة بذلك الحسم. ويحذو في منهجه هذا؛ أي اعتماد القرآن مصدرًا أساسيًا، إضافة إلى المصادر المتقدمة دون المتأخرة منها حذو مونتوغمري واط62 الذي يُقرّ له جعيط بالعمق والدقّة في أعماله63. ما يشد اهتمامنا، في هذا السياق، هو أن جعيط في آرائه بشأن القرآن مصدرًا للسيرة النبوية، لا يناقش موثوقية هذا المصدر، المتداول تحت اسم المصحف العثماني، مناقشة علمية جادة. بل يرى أنّ الرسول نفسه قد "سهر في آخر حياته، أو حتّى في كلّ معرض حياته على تنظيمه وهيكلته ومراقبة محتواه [أي القرآن]، بل إنّ النصّ [الذي] سجّله هو كتاب من الأصل في مكّة ذاتها، ولم يبق طويلً في شكله الشفوي. فهو متزامن تمامًا مع الرسول، حيث لا يمكن ترجيح أنّه أهمل هذا العمل، خصوصًا أنّ القرآن أساس كلّ الدعوة، وصار أساس الصلاة وأساس التشريع"64. وبناءً عليه ينسب جعيط عمليّة جمع القرآن إلى الرسول، ويرفض الرواية التقليدية التي ترى أن المصحف جُمِع بأمر الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ت. 656 م)، بل يرجّح أن زيد بن ثابت - الذي كان من ضمن اللجنة
التي كلّفها عثمان بعملية الجمع - قد اكتفى بمقارنة ما هو في صدور الرجال بما هو في المصحف65. ويشكّك جعيط في وجود مصاحف أخرى أشارت إليها المصادر الإسلامية القديمة، ويُؤكد أن "مصحف عثمان المتبقّي لدينا هو الأفضل والأصحّ والأقدم إن ثبت أن وُجدت مصاحف أخرى (أبيّ، عبد الله بن مسعود، عليّ). فالطبري يذكر أنّ رواته قد احتفظوا بالبعض منها أو بأقسام طفيفة منها، لكن من الواضح عندما نقرأها أن لا قيمة لها أمام النصّ العثماني. فما يذكره مزيّف في أغلبه إن لم يكن في كليّته"66. أمّا في مسألة ترتيب السور وعناوينها، فيختصر جعيط الإشكال في صعوبة الجزم إن كان هذا من عمل النبي أو لجنة عثمان. وأما مسألة أنّ ترتيب السور وعناوينها كان ثابتًا منذ البداية، فتبدو مسألة مفروغًا منها ولا تحتاج إلى تمحيص وتدقيق. ويأتي إقراره بإقحام عبارات أو كلمات مثل عبارة "وأمرهم شورى بينهم" - التي يذكرها جعيط مث لً شبه مؤكّد - ضمن تأكيدات متوالية مفادها أنّ الأمر يبقى في باب الاحتمال، مع استبعاد تامٍّ لأن يكون قد حُذف من النصّ شييء67. هل ما يُعبّ عنه جعيط ب "القناعة الحدسيّة" و"رابط الألفة بين الكاتب وموضوعه"68 هما المنهجان البديلان حين يرتطم الحدس النقدي بمسائل إيمانية حرجة؟ يتجاوز جعيط في موقفه التسليميّ هذا إشكالات مهمّة، سبق أن نبّهت لها الشابي في دراستها، التي تتحدث عن التسليم بالمصحف العثماني بصفته مصدرًا موثوقًا، وتذكّر بالقراءات المخالفة الواردة في المصحف العثماني69 وواقع وجود مصاحف أخرى أشارت إليها المصادر إلى جانب مصحف عثمان، منها صحيفة عبد الله بن مسعود التي ذكرها مثلً أبو الفرج بن الجوزي (ت. 1201 م) في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، والتي كانت مزامنة لصحيفة عثمان وبقيت- على الرغم من أمر الخليفة بإحراق كل الصحف عدا صحيفته - متداولة في الوسط الشيعي في بغداد حتى سقوطها على أيدي المغول في منتصف القرن الثالث عشر70. وهو إذ يتغاضى عن هذه الإشكالات التي أشارت إليها الشابي، فأنّ لحججه أن تصمد أمام نتائج الدراسات الحديثة بشأن مخطوطات صنعاء التي عثُر عليها في أثناء ترميم المسجد الكبير في عام 1972، والتي بيّنت كشوفات علمية أجريت على بعضها أنها طِرْس، بمعنى أنّها تحتوي على نصيّن: نصّ قرآني علويّ ظاهر مقروء وهو متطابق في معظمه مع نصّ عثمان، ونص - قرآني أيضً - آخر أدنى وهو مَمْحوٌّ، كان قد ا كُتب في وقت سابق، ثم مُحِيَ من أجل إعادة استعمال الحامل للكتابة. وقد جرى الكشف عن هذا النصّ الأدنى الممحوّ عبر وسائل تقنية حديثة (الأشعة فوق البنفسجية)، كما جرى اعتماد التقنيات الحديثة (الكربون الإشعاعي) لتحديد تاريخ النص الأدنى في الفترة بين عامي 632 و 669 ميلادي، ونشُرت أعمال مهمّة تقف عند اختلافات في صيغ الآيات وترتيب السور عمّا هي عليه في النص العلوي، وهو ما يدل على وجود نصيّن - على الأقل - فيهما اختلافات، وذلك قبل أن يصبح المصحف العثماني المرجع الأساس71.
خاتمة
لا تأخذ الدراسات التي تتعلّق بهشام جعيط، والتي تقيّم مساهماته البحثية في التاريخ المبكر للإسلام بشكل عامّ، وحياة الرسول بشكل خاص، ما أنتجه الفكر العربي الحديث خلال ما يزيد على قرن في الحسبان. ولا تأخذ هذه الدراسات في الحسبان أيضًا التطورات في الخطاب الفكري، وخاصة الخطاب الفلسفي الما بعد حداثوي الذي أنتج مناهج جديدة لدراسة الدين أو الظاهرة الدينية، بما فيها مسألتا الوحي والنبوّة. أدّى هذا الأمر إلى تقييم ثلاثية جعيط في السيرة النبوية بمعزل عن النتاج العربي الحديث في السيرة، وبمعزل عن الخطاب الفكري الما بعد حداثوي الذي نموقع جعيط ضمنه. قدّمت هذه الدراسة عرضًا لأهم الدراسات التي تناولت بالبحث السيرة النبوية الحديثة (خاصة دراسات شارل سميث، وأنطوني ويسل، وإدوارد سبانخ، وحسن بزاينية)، وبيّنت أنّ هذه الدراسات اعتمدت في تحليل كتابات السيرة الحديثة منهجية موقعة النص في سياقه الاجتماعي والسياسي، واتفقت في نتيجة مفادها أنّ صورة النبيّ محمد هي في الحقيقة، وفي كلّ مرّة، مستمدة من السياق الذي عاش فيه كتّاب السيرة. وعرضت هذه الدراسة بتوسع السياقات الزمنية المختلفة التي نشأ فيها نص السيرة الحديثة؛ وهي السياق القومي، ثم السياق الاشتراكي، ثم السياق الإسلامي، واستخلصت في كل مرّة الملامح التي أسبغها السياق على صورة النبي محمد، فهو في السياق القومي مكوّن مهمّ للهوية القومية العربية، وهو في السياق الاشتراكي رمز للتضامن والثورة الاجتماعية، في حين يركز النص الإسلاموي على صورة النبي بوصفه داعية، وعلى صفاته الإنسانية. امتدّت هذه الدراسة إلى السياق الذي كتب فيه جعيط ثلاثيّته في السيرة النبوية، واعتمدت منهجية موقعة النص نفسها في سياقه، من أجل الوقوف على الملامح التي أضافها نص جعيط إلى صورة النبيّ محمد. وتبيّ أنّ جعيط يدرس بتعمق مسألتَي الوحي والنبوة، ويركّز على صورة محمد النبي، وذلك في تأثر واضح بالخطاب الفلسفي الما بعد حداثوي، الذي أعاد إلى متناول البحث المسائل "الميتافيزيقية"، خاصة مسألتي الوحي والنبوة، وسعى للتفكير في منهج تاريخي عقلاني يأخذ في الحسبان الجانب الروحي والإيماني للمسألة الدينية. وتقف هذه الدراسة عند أصداء واضحة لأطروحة "إدراك الزوايا المختلفة" التي قدّمها الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، ووظفها لتكون مدخلً منهجيًّا لدراسة الدين.
المراجع
العربية
بزاينية، حسن. كتابة السيرة النبوية لدى العرب المحدثين: اتجاهاتها ووظائفها. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2014. البنا، حسن. نظرات في السيّرة. القاهرة: مكتبة الاعتصام، 1979.
بن عبد الجليل، المنصف. "ملاحظات في الوحي والقرآن والنبوة". حوليات الجامعة التونسية. العدد 44 (كانون الثاني/ يناير 2000). البوطي، محمّد سعيد رمضان. فقه السيرة النبوية. ط 2. دمشق: دار الفكر، 1968.
جعيط، هشام. في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة. بيروت: دار الطليعة، 1999.
__________. في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة. بيروت: دار الطليعة، 2007.
__________. في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام. بيروت: دار الطليعة، 2015.
__________. الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسام المبكّر. بيروت: دار الطليعة، 2015.
حسين، طه. علىى هامش السيرة. ج 1. القاهرة: دار المعارف، 1933.
__________. علىى هامش السيرة. ج 2. القاهرة: دار المعارف، 1937.
__________. علىى هامش السيرة. ج 3. القاهرة: دار المعارف، 1946.
حسين، محمد توفيق. "ما ساهم به المؤرخون العرب في المئة السّنة الأخيرة في دراسة التاريخ العربي وغيره". الأبحاث. الجامعة الأميركية في بيروت. مج 12 (حزيران/ يونيو 1959).
الحكيم، توفيق. محمد. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936.
خالد، خالد محمد. إنسانيات محمد. القاهرة: [د. ن].، 1963.
دروزة، محمد عزة. سيرة الرسول، صُور مقتبسة من القرآن الكريم وتحليات ودراسات قرآنية. القاهرة: مطبعة الاستقامة، 1948. الدوري، عبد العزيز. مقدّمة في تاريخ صدر الإسام. بغداد: مطبعة المعارف، 1949.
__________. التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984.
الرصافي، معروف. الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدّس. كولونيا: دار الجمل، 2002.
السباعي، مصطفى. السيرة النبويّة: دروس وعبر. دمشق: المكتب الإسلامي، 1972.
الشرقاوي، عبد الرحمن. محمد رسول الحرية. القاهرة: [د. ن].، 1962.
عزام، عبد الرحمن بك. بطل الأبطال أو أبرز صفات النبي محمد. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1938.
العقاد، عباس محمود. عبقرية محمد. القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1942.
العلي، أحمد صالح. دولة الرسول في المدينة: دراسة في تكونها وتنظيمها. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2001. علي، جواد. تاريخ العرب في الإسام: السيرة النبوية. بغداد: مطبعة الزعيم، 1961.
الغزالي، محمد. فقه السيرة. [د. م.]: [د. ن].، 1976.
لوقا، نظمي. محمد: الرسالة والرسول. القاهرة: مطابع دار الكتب الحديثة، 1959.
هيكل، محمد حسين. حياة محمد. القاهرة: مكتبة العرب، 1935.
الأجنبية
Berman, Morris, Die Wiederverzauberung der Welt: Am Ende des Newton'schen Zeitalters. Munich: Dianus-
Trikont Buchverl, 1983.
Bearman, P.J. et al., (eds.). The Encyclopaedia of Islam. New Edition. Bd. X. Leiden: Brill, 2000.
Bolens, Lucie et al. Les arabes et l'occident: Contacts et échanges. Arabiyya. no. 4. Genève: Labor et fides; Paris:
Publications orientalistes de France, 1982.
Browers, Michaelle & Charles Kurzman (eds.). An Islamic Reformation? Oxford: Lexington Books, 2004.
Chabbi, Jacqueline. "Histoire et tradition sacrée: la biographie impossible de Mahomet." Arabica. vol. 43 (1996).
Debray, Régis. "Qu'est-ce qu'un fait religieux?" Études. tome 397. no. 9 (Septembre 2002).
Eisenstadt, Shmuel. "Multiple Modernities." Daedalus. vol. 129 , no. 1 (2000).
Fondation du Roi Abdul Aziz Al Saoud. Enseigner la religion aujourd'hui? Casablanca: Fondation du Roi Abdul
Aziz Al Saoud pour les Etudes Islamiques et les Sciences Humaines, 2004.
Gershoni, Israel & James P. Jankowski. Redefining the Egyptian Nation 1930-19 45. Cambridge: Cambridge
University Press, 1995.
Goankar, D.P. (ed.). Alternative Modernities. Durham: Duke University Press, 2001.
Graf, Friedrich Wilhelm. Die Wiederkehr der Götter. Religion in der modernen Kultur. Munich: Beck, 2004.
Hourani, Albert. Arabic thought in the liberal age 1798-19 39. London/ New York: Oxford University Press, 1962.
Johansen, Baber. Haykal, Muḥammad Ḥusayn Haikal: Europa und der Orient im Weltbild eines Ägyptischen
Liberalen. Wiesbaden: Franz Steiner Verlag, 1967.
Lerner, Daniel. The Passing of Traditional Society: Modernizing the Middle East. Glencoe: Macmillan, 1958.
Melchert, Christopher. "Ibn Mujāhid and the Establishment of Seven Qur'anic Readings." Studia Islamica. no. 91 (2000).
Sabanegh, Edouard Sami. Muhammad B. Abdallah, " Le Prophète ": Portraits contemporains - Egypte 1930-1950.
Paris: J. Vrin, 1981.
Sadeghi, Behnam & Uwe Bergmann. "The Codex of a Companion of the Prophet and the Qur'ān of the Prophet."
Arabica. vol. 57 , no. 4 (2010).
Sadeghi, Behnam & Mohsen Goudarzi. "Ṣan'ā' 1 and the Origins of the Qur'ān." Der Islam. vol. 87 (2012).
Safran, Nadav. Egypt in Search of Political Community: An Analysis of the Intellectual and Political Evolution of
Schmidt, Volker H. "Multiple Modernities or Varieties of Modernity?" Current Sociology. vol. 54 , no. 1 (2006).
Smith, Charles D. "The 'Crisis of Orientation': The Shift of Egyptian Intellectuals to Islamic Subjects in the 1930."
__________. Islam and the Search for Social Order in Modern Egypt: A Biography of Muhammad Husayn Haykal.
Wessels, Antonie. A Modern Arabic Biography of Muḥammad: A Critical Study of Muhammad Husayn Haykal’s
Egypt 1804-1952. Cambridge: Harvard University Press, 1961.
International Journal of Middle East Studies. vol. 4 , no. 4 (October 1973).
Albany: State University of New York Press, 1983.
Stosch, Klaus von. Offenbarung. Paderborn: Schöningh, 2010.
Watt, Montgomery. Muhammad at Mecca. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Weber, Max. Wissenschaft als Beruf. Munich: Duncker & Humblot, 1919.
Hayāt Muhammad. Leiden: Brill, 1972.
الهوامش
- صدرت النسخة العربية في ثلاثة أجزاء على التوالي: هشام جعيط، في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة (بيروت: دار الطليعة، 1999)؛ هشام جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة (بيروت: دار الطليعة، 2007)؛ هشام جعيط، في السيرة النبوية - 3 - مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسام (بيروت: دار الطليعة، 2015). وقد كتب جعيط الجزأين الأول والثاني باللغة العربية، وتُرجِما في ما بعد إلى الفرنسية. أمّا الجزء الثالث، فقد كتبه بالفرنسية في عام 2012، وتُرجم إلى العربية في عام 2015. وصدرت ترجمة إنكليزية له بأجزائه الثلاثة عن دار الحكمة في تونس في عام 2014.
- أحمد صالح العلي، دولة الرسول في المدينة: دراسة في تكونها وتنظيمها (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2001)؛ عبد العزيز الدوري، مقدّمة في تاريخ صدر الإسام (بغداد: مطبعة المعارف، 1949.)
- اقتصرتُ على كتابات السيرة العربية السُنية فحسب، ولم أتطرّق إلى كتابات الشيعة والمسلمين غير العرب. كما تجدر الإشارة إلى أن كتابة السيرة لم تكن حكرًا على المسلمين، وستأتي إشارات إلى ذلك في هذا البحث.
- أهم الدراسات التي استعنتُ بها:
Antonie Wessels, A Modern Arabic Biography of Muhammad: A Critical Study of Muhammad Husayn Haykal's Hayāt Muhammad (Leiden: Brill, 1972); Edouard Sami Sabanegh, Muhammad B. Abdallah, " Le Prophète ": Portraits contemporains - Egypte 1930 - 19 50 (Paris: J. Vrin, 1981); Mahmoud Mourad, "La critique historique occidentale et les biographies arabes du prophète," in: Lucie Bolens et al., Les Arabes et l'Occident: contacts et échanges, Arabiyya , no. 4 (Genève: Labor et fides; Paris: Publications orientalistes de France, 1982), pp. 95 - 110 ; Salwa Ismail, "The Politics of Historical Revisionism: New Re-Readings of the Early Islamic Period," in: Michaelle Browers & Charles Kurzman (eds.), An Islamic Reformation? (Oxford: Lexington Books, 2004), pp. 101 - 124.
محمد توفيق حسين، "ما ساهم به المؤرخون العرب في المئة السّنة الأخيرة في دراسة التاريخ العربي وغيره"، الأبحاث، الجامعة الأميركية في بيروت، مج 12 (حزيران/ يونيو 1959)، ص 163 - 184، ملحق ص 260 - 265؛ حسن بزاينية، كتابة السيرة النبوية لدى العرب المحدثين: اتجاهاتها ووظائفها (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2014). - لا يزال رأي ألبرت حوراني في تحديد بدايات عصر النهضة العربية مع حملة نابليون على مصر في عام 1801 محافظًا على قيمته العلمية، ينظر:
Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age 1798 - 19 39 (London/ New York: Oxford University Press, 1962). - نشر كتابه في شكل حلقات في مجلّة روضة المدارس المصريّة بين عامي 1873 و 1875، وانقطع المؤرخون قبل الطهطاوي عن كتابة السيرة ما يزيد على أربعة قرون، وكانت آخر السيَر قبله بعنوان: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمونأو ما عُرف ب السيرة الحلبية لعلي برهان الدين الحلبي في القرن السادس عشر، ينظر: بزاينية، ص 46 - 47؛ من كتب السيرة أيضًا: محمد عبد الوهاب، مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (المملكة العربية السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1418 ه). لكنه في أغلب الدراسات الحديثة لا يُحسب ضمن مصنّفات السيرة الحديثة. في هذا الأمر، وفي ما يتعلّق بكتاب الطهطاوي، ينظر: محمد سيد بركة، "النص المجهول للطهطاوي! نهاية الإيجاز"، العربي، العدد 534 (أيار/ مايو 2003)؛ 584 - 559.
Sabanegh, pp. - Wessels, p. 2.
- طه حسين، على هامش السيرة، ج 1 (القاهرة: دار المعارف، 1933)؛ طه حسين، على هامش السيرة، ج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1937)؛ طه حسين، على هامش السيرة، ج 3 (القاهرة: دار المعارف، 1946)؛ يؤرخ نداف صفران في دراسته خطأ عام 1934 لنشر الجزء الأول، ويذكر ألبرت حوراني عام 1937 تاريخًا لنشر الجزء الأول، وعام 1943 تاريخًا لنشر الجزء الثالث الأخير، ينظر:
Nadav Safran, Egypt in Search of Political Community: An Analysis of The Intellectual and Political Evolution of Egypt 1804 - 19 52 (Cambridge: Harvard University Press, 1961), p. 168 ; Hourani, p. 333. - اضطرّ إلى تنقيح النسخة الثانية وإصدارها بعنوان: في الأدب الجاهلي (القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1927، ينظر:)
Pierre Cachia, "Ṭāhā Ḥusayn," in: P.J. Bearman et al. (eds.), The Encyclopaedia of Islam , New Edition, Bd. X (Leiden: Brill, 2000), pp. 95 a- 96 b. - محمد حسين هيكل، حياة محمد (القاهرة: مكتبة العرب، 1935). ينظر بشأن هذا الكتاب: بزاينية، ص 81؛
Wessels, esp. pp. 36 - 41 ; Charles D. Smith, Islam and the Search for Social Order in Modern Egypt: A Biography of Muhammad Husayn Haykal (Albany: State University of New York Press, 1983); Baber Johansen, Haykal, Muḥammad Ḥusayn Haikal: Europa und der Orient im Weltbild eines Ägyptischen Liberalen (Wiesbaden: Franz Steiner Verlag, 1967). - انتقده عبد الله بن علي النجدي القصيمي في كتابه: نقد كتاب حياة محمّد (مصر: المطبعة الرحمانية، 1935)، نقلً عن: بزاينية، ص 148.
- محمد عبده، الإسام والنصرانية: مع العلم والمدنية (مصر: مكتبة صبيح، 1954)، ص 210؛ ينظر: بزاينية، ص 133؛ 107. p , Ismail.
- عباس محمود العقاد، عبقرية محمد (القاهرة: المكتبة التجارية الكبرى، 1942.)
- Charles D. Smith, "The 'Crisis of Orientation': The Shift of Egyptian Intellectuals to Islamic Subjects in the 1930 ," International Journal of Middle East Studies , vol. 4 , no. 4 (October 1973), pp. 382 - 410.
- ينظر: معروف الرصافي، الشخصية المحمدية أو حلّ اللغز المقدّس (كولونيا: دار الجمل، 2002.)
- المرجع نفسه، ص 15.
- المرجع نفسه، ص 20.
- المرجع نفسه، ص 23.
- المرجع نفسه، ص 262.
- جواد علي، تاريخ العرب في الإسام: السيرة النبوية (بغداد: مطبعة الزعيم، 1961.)
- محمد عزة دروزة، سيرة الرسول: صُور مقتبسة من القرآن الكريم وتحليات ودراسات قرآنية، ج 2 (القاهرة: مطبعة الاستقامة، 1948.)
- توفيق الحكيم، محمد (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1936)، نُشرت هذه المسرحية مكتوبة، ثم قُدّمت مسموعة في الراديو في عام 1969، لكنها لم تُصوّر قط، بسبب منع تشخيص صورة الرسول محمد. ينظر:
Wessels, p. 11 ; Sabanegh, pp. 559 - 584. - نظمي لوقا، محمد: الرسالة والرسول (القاهرة: مطابع دار الكتب الحديثة، 1959.)
- الرصافي، ص 20 - 21.
- Wessels, p. 242.
- آراؤه هذه مبثوثة في كتابه: عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984). وقد تُرجم هذا الكتاب إلى الإنكليزية:
A.A. Duri, The Historical Formation of the Arab Nation: A Study in Identity and Consciousness , Lawrence Conrad (trans.) (London: Routledge, 1987). - Israel Gershoni & James P. Jankowski, Redefining the Egyptian Nation 1930 - 19 45 (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), esp. chap. 3 - 4.
- ينظر مثلً: مكرم عبيد، الكتاب الأسود في العهد الأسود (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2014 [1943.)]
- عبد الرحمن بك عزام، بطل الأبطال أو أبرز صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم (القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1938.)
- Wessels, p. 9.
- عبد الرحمن الشرقاوي، محمد رسول الحرية (القاهرة: [د. ن].، 1962.)
- بزاينية، ص 293؛ 108 - 107.
pp , Ismail؛ 21 - 20. pp , Wessels. - بزاينية، ص 66؛ 30. p , Wessels.
- حسن البنا، نظرات في السّيرة (القاهرة: مكتبة الاعتصام، 1979). وقد نشرها بعد وفاته أحمد عيسى عاشور.
- مصطفى السباعي، السيرة النبويّة: دروس وعبر (دمشق: المكتب الإسلامي، 1972). نشر النسخة الأولى عدنان زرزور، وكان السباعي قد هيّأها للنشر قبيل وفاته في عام 1964.
- محمّد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، ط 2 (دمشق: دار الفكر، 1968.)
- محمد الغزالي، فقه السيرة ([د. م.]: [د. ن].، 1976.)
- المرجع نفسه، ص 5؛ نقلً عن: بزاينية، ص 165.
- بزاينية، ص 166 - 167.
- خالد محمد خالد، إنسانيات محمد (القاهرة: [د. ن]، 1963)؛.
ff 113. p , Ismail - Sabanegh, pp. 286 , 387 , 535.
- Wessels, pp. 90 - 91.
- Daniel Lerner, The Passing of Traditional Society: Modernizing the Middle East (Glencoe: Macmillan, 1958), p. 405.
- Shmuel Eisenstadt, "Multiple Modernities," Daedalus , vol. 129 , no. 1 (2000), pp. 1 - 29 ; Volker H. Schmidt, "Multiple Modernities or Varieties of Modernity?" Current Sociology , vol. 54 , no. 1 (2006), pp. 77 - 97 ; D.P. Goankar (ed.), Alternative Modernities (Durham: Duke University Press, 2001).
- ينظر:
Friedrich Wilhelm Graf, Die Wiederkehr der Götter: Religion in der modernen Kultur (Munich: Beck, 2004). - ينظر:
Morris Berman, Die Wiederverzauberung der Welt: Am Ende des Newton'schen Zeitalters (Munich: Dianus-Trikont Buchverl, 1983). - Max Weber, Wissenschaft als Beruf (Munich: Duncker & Humblot, 1919), p. 16.
- رجعتُ في هذه اللمحة العامّة المتعلقة بتناول الفكر الفلسفي لمسألة الوحي/ التجلّي عبر التاريخ إلى مراجع مختلفة، أهمها:
Klaus Von Stosch, Offenbarung (Paderborn: Schöningh, 2010). - في ما يتعلق بأطروحة لودفيغ فيتغنشتاين، ينظر: 38.
pp , Stosch Von - 45. - للتوسع ينظر:
Mireille Estivalezes, "Enseignement religieux: Le problème en France," in: Fondation du Roi Abdul Aziz Al Saoud, Enseigner la religion aujourd'hui? (Casablanca: Fondation du Roi Abdul Aziz Al Saoud pour les Etudes Islamiques et les Sciences Humaines, 2004), pp. 9 - 18. - Régis Debray, "Qu'est-ce qu'un fait religieux?" Études , tome 397. no. 9 (Septembre 2002), pp. 169 - 180 , esp. 172.
- Estivalezes, p. 13.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة، ص 8.
- المرجع نفسه، ص 7.
- هيكل، ص 37.
- دروزة، سيرة الرسول، ج 1، ص 5 - 6؛ ينظر أيضًا: بزاينية، ص 175.
- بزاينية، ص 175، 179.
- Jacqueline Chabbi, "Histoire et tradition sacrée: La biographie impossible de Mahomet," Arabica , vol. 43 (1996), pp. 189 - 205 , esp. 204 - 205.
- جعيط، في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنبوّة، ص 57؛ جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة، ص 21.
- جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة، ص 21.
- المرجع نفسه، ص 41.
- يقول واط: "المنهج الأصح هو النظر إلى القرآن والكتابات المبكرة على أنها مصادر يكمّل بعضها بعضها الآخر، ولكل منها مساهمة أساسية في تاريخ تلك الفترة."
Montgomery Watt, Muhammad at Mecca (Oxford: Oxford University Press, 2004), p. XV. - جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة، ص 11.
- المرجع نفسه، ص 22.
- المرجع نفسه.
- المرجع نفسه، ص 23 - 24.
- المرجع نفسه، ص 23.
- يكتب جعيط: "فلن يكون من الوارد القيام بقراءة ساذجة، ولا بدّ من التسلّح باستمرار بالحذر النّقدي تجاه معطيات النّصوص، ولكن ليس التّطبيق الصّارم للمنهجيّة النّقديّة هو الذي يمكنه مساعدتنا على الرّؤية الواضحة، بقدر ما يُمكن أن يساعدنا على ذلك اكتساب قناعات حدْسيّة تستخلص من خلال تشبّع بطيء ومن خلال استجواب متواصل على امتداد القراءة، على حدّ سواء". ينظر: هشام جعيط، الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسام المبكّر (بيروت: دار الطليعة، 2015)، ص 8، 160.
- يراجع في هذا أيضًا رأي المنصف بن عبد الجليل في بحثه القيّم، "ملاحظات في الوحي والقرآن والنبوة"، حوليات الجامعة التونسية، العدد 44 (كانون الثاني/ يناير 2000)، ص 24 - 25؛ في ما يتعلق بالقراءات المختلفة، ينظر:
Christopher Melchert, "Ibn Mujāhid and the Establishment of Seven Qur'anic Readings," Studia Islamica , no. 91 (2000), pp. 5 - 22. - Chabbi, pp. 192 - 193.
- ينظر للتوسع:
Behnam Sadeghi & Uwe Bergmann, "The Codex of a Companion of the Prophet and the Qur'ān of the Prophet," Arabica , vol. 57 , no. 4 (2010), pp. 343 - 436 ; Behnam Sadeghi & Mohsen Goudarzi, "Ṣan'ā' 1 and the Origins of the Qur'ān," Der Islam , vol. 87 (2012), pp. 1 - 129.
تجدر الإشارة هنا إلى أن جعيط قد ذكر في الحقيقة هذه الصحف، لكن حين وضع كتابه لم تكن هذه الكشوفات العلمية قد أ جريت بعد، كما أن الدراسات المشار إليها قدُ نُشرت بعد نشر كتابه. في: جعيط، في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمّدية في مكّة، ص 24.