أضواء جديدة على مواقف حمدان خوجة من المسألة الجزائرية من خلال مراسلتين إلى الباب العالي (1834-1835)
Hamdan Khoja’s Opinions on the Question of Algeria in His Correspondence to the Sublime Porte (1834-1835)
الملخّص
إنّ حمدان خوجة هو أحد الرجالات المركزيين في تاريخ الجزائر، لكونه كان مؤثرًا في العديد من الأحداث التي عرفتها الجزائر في بداية الاحتلال الفرنسي؛ ما جعل شخصيته مجالًا خِصبًا للعديدِ من الأبحاث مدحًا أو ذمًّا. لكنّ كثيرًا من الإشكالات التي أثيرت حوله، ولا تزال تُثار بشأن مواقفه، لم ترتكز على مُراسلاته إلى الباب العالي المحفوظة في الأرشيفات العثمانية؛ لذا حاولت هذه الدراسة إعادة تقديم مواقفه من خلال مُراسلتين من مجموع مراسلاته. وتكمُن أهمية هاتين المراسلتين في كونهما تحملان بعضًا من آرائه الصريحة، بطريقة مختلفة عمَّا تظهر في آثاره الأخرى. وتُقسم هذه الدراسة إلى محورين؛ أولهما يُعرِّف بالوثيقتين وأهميتهما، في حين يتتبع ثانيهما مواقف خوجة المختلفة بشأن المسألة الجزائرية.
Abstract
Hamdan bin Othman Khoja occupies a significant status in the modern history of Algeria due to his active involvement in several key events during the early French occupation. Consequently, he has been the subject of extensive research. However, several questions and controversies surrounding his positions and opinions persist, and a crucial aspect of Khoja’s writings and correspondence concerning the question of Algeria issue has not been adequately examined. To shed light on the positions of Hamdan Khoja, this research presents an analysis of two letters he addressed to the Ottoman state, preserved in the Ottoman archives. The significance of these documents lies in their portrayal of Khoja’s views in a manner distinct from his other writings, as they were addressed to what he perceived as an ally and pertained specifically to the Algerian issue. The research is divided into two main parts, the first of which introduces the documents and their relevance, while the second examines Khoja’s various positions on the question of Algeria through this correspondence.
- الجزائر
- الاحتلال الفرنسي
- المسألة الجزائرية
- حمدان خوجة
- الأرشيف العثماني
- Algeria
- French Occupation
- The Ottoman Archives
- Hamdan Khodja
| خير الدين سعيدي | Saidi *Kheireddine | |
| أضواء جديدة على مواقف حمدان خوجة من المسألة الجزائرية من خلال مراسلتين إلى الباب العالي 1)835-1834(Hamdan Khoja’s Opinions on the Question of Algeria in His Correspondence to the Sublime Porte (1834 - 1835) | |
مقدمة
ربما لا نُحيد عن الصواب إن قلنا إن حمدان بن عثمان خوجة، هو أحد الرجالات المهمين الذين أثاروا جدلًا في تاريخ الجزائر الحديث، بسبب أدواره ومواقفه المختلفة منذ الحصار الفرنسي للجزائر (1827) حتى رحيله إلى فرنسا، ومنها إلى إسطنبول. وقد اتخذ العديد من الباحثين من كتاب المرآة: لمحة تاريخية وإحصائية على إيالة الجزائر et historique Aperçu Aperçu: Miroir Le Alger ' d régence la sur statistique، الذي صنفه خوجة في عام 1833، وثيقة تاريخية تُعبر عن موقفه حيال ما كان يجري في الجزائر1، وبنوا عددًا من التصورات عن حقيقته ونشاطه؛ في حين أننا نرى أن مواقفه يجب أن تتجاوز هذا الكتاب، لتشمل كل ما تركه من كُتب ومُراسلات، حتى يمكن فعلًا مناقشة مواقفه وأدواره علمًّيًا وموضوعًّيًا، على نحو يُجاوز الأحكام القطعية من جهة، ويُناقش خوجة في سياقه التاريخي من جهة أخرى؛ ذلك أن غرضه من كتاب المرآة كان مخاطبة الطبقة السياسية في فرنسا. لذا، حاول ألا يخاطبهم بلهجة حادة، خاصة أنه كان لا يزال يأمل في خروج الفرنسيين من الجزائر، وحاول أن يفصل بين العسكريين الفرنسيين الموجودين في الجزائر والسلطة السياسية الموجودة في باريس، كما ذكر ذلك العديد من الباحثين؛ ومنهم أبو القاسم سعد الله، وعميراوي أحميدة، وعبد القادر جغلول2. ومن أجل ذلك، تسعى هذه الدراسة للكشف عن الصورة المُكِّمّلة لمواقف خوجة، من خلال أحد مصادره، مُمََّثّلةً في مُراسلاته مع الباب العالي. لقد كان لهذه المراسلات تأثيرٌ كبيرٌ في سياسة الدولة العثمانية تجاه المسألة الجزائرية3. ولئن لم تتحرك هذه السياسة، كما يُفترض، لمص حلة المقاومة، فإن ما يُهمُنا منها هو استقاء المعطيات المتعلقة بمواقف خوجة وتصوّراته، ذلك أن هذه المراسلات كانت تُعبّر بوضوح عن عدد من التصوّرات التي كان يُؤمن بها فيما يتعلق بالمسألة الجزائرية، أو أنها، على أقل تقدير، تلقي الضوء على جوانب ما زالت مجهولة إلى اليوم في مواقفه السياسية الصريحة خلال المرحلة محل الدراسة. تكمن أهمية هذه المراسلات فيما يلي: أولًا، تُجمل التأريخ للمسألة الجزائرية من بداية الحصار البحري إلى عام 1834، وهي لا تقتصر على المسألة الجزائرية في الحيّز الجغرافي للجزائر، بل تتعداها إلى التطورات التي عرفتها المسألة في فرنسا أيضًا. ثانيًا، هذه المراسلات تردّ على عدد من الكتابات الفرنسية، خاصة منها تلك التي تصوّر خوجة في صورة المتعاون المُحبّ المولع بفرنسا، مثل كتابات جورج يفر ولويس أندريه بيشو4، وهذا من أجل إيهام الجزائريين بأنّ أسلافهم من المتنورين والمص حلين لم يكن لهم مشكلة مع وجود فرنسا على أرضهم، أو في التعامل معها. لذا، قد تضيء لنا مُراسلات خوجة العديدَ من مواقفه السياسية المتوارية التي تبنّاها خلال الفترة 1830 - 1833، وهي تلك السنوات التي قضاها عضوًا في المجلس البَلدِي5 الذي استحدثه الفرنسيون غداة احتلالهم مدينة الجزائر. ويُعدّ هذا الأمر إحدى الحجج التي
استخدمتها الدراسات الغربية لتأكيد فرضية أنّ خوجة أحد السياسيين المناهضين للوجود الفرنسي في الجزائر، لكن ذلك كان بطريقة "غير متطرفة"6. سنحاول أن نجعل من مراسلتين أساسيتين السندَ الرئيس للبناء العام لهذه الدراسة، لكونهما تحويان عددًا من المُعطيات التي لم ترد في كتابات خوجة السابقة. ومن أجل تقديم هذه الوثائق وما تحتويه على نحو صحيح ومنهجي، اعتمدنا على المنهج الت لحيلي، في عملية نقد الأصول المعتمدة في هذه الدراسة، شكلًا ومضمونًا، وارتكزنا على المنهج التأويلي في محاولة تفسير مواقف خوجة التي بثها في صلب المراسلتين اللتين بين أيدينا، وتجاوز منطوقهما ما سكتنا عنه، حتى يُتاح لنا مقارنة ما رصدناه في متن هاتين الوثيقتين، مع ما هو موجودٌ ضمن المصادر الأخرى، ثم مقابلتها بالسياق العام للأحداث التاريخية.
أوّالًا: تعريف عام بالوثيقتين محل الدراسة
المراسلة الأولى، بعث بها كل من حمدان بن عثمان خوجة ومصطفى بن إبراهيم باشا إلى الباب العالي من باريس، في 29 ربيع الأول 1249 ه - آب/ أغسطس 1833 م، وهي بداية فترة إقامة خوجة في فرنسا. وقد وردت هذه المراسلة بتوكيلٍ من أهالي الجزائر وأعيانها وساكنيها، كما يُفهم من قول خوجة في آخر المراسلة: "كتبه الفقير الحقير الجزائرليحمدان بن المرحوم دفتر دار عثمان خوجة عن لسان أهل الجزائر بحكم الوكالة، وعن إذن الواضع اسمه"7. كان أول مَن أشار إلى هذه المراسلة هو أرجومنت كوران في أطروحته للدكتوراه "السياسية العثمانية تجاه احتلال الجزائر"؛ إذ تكلم على تواصل خوجة، من باريس، مع الباب العالي، برسالة بشأن ما كان يحدث في الجزائر8. ثم استخدمها عبد الجليل التميمي بعد ذلك، في أطروحته هو أيضًا في سياق حديثه عن مساعي خوجة الدبلوماسية لمص حلة المسألة الجزائرية. ثم نشر ترجمةً لنص هذه الوثيقة، لكنه لم يتعمّق في ت لحيلها وربطها بالسياق العام الذي وصلت فيه، ولم يُشِر أيضًا إلى مكانها ورقمها في الأرشيف العثماني حاليّا9. تقع الوثيقة في صفحة واحدة، مكتوبة باللغة العثمانية، ضمن العلبة 139، من الملف رقم 42، في ملفات "الإرادة" التي تحمل رمز مختصرًا DUİT. İ في الأرشيف العثماني. وتكمن أهمية هذه الوثيقة في كونها أول مُراسلةٍ يبعث بها خوجة إلى السلطان العثماني من أجل التدخل في المسألة الجزائرية. كما أنها أول مُراسلة له مع جهة غير فرنسية؛ إذ دأب خوجة قبل عام 1833 على توجيه مُراسلاته وشكاواه حصرًا إلى السلطات الفرنسية، سواء منها العسكرية أو المدنية10. وتحمل هذه المراسلة العديد من التصوّرات المختلفة عما ورد في مراسلاته إلى السلطات الفرنسية؛ المحفوظة في الأرشيف أو المدرجة في كتابه المرآة11.
أما المراسلة الثانية، فكانت موجّهة إلى أمير البحار تشنغال أوغلو محمد طاهر باشا Paşa Tahir Mehmed Çengeloğlu12، بحسب ما أورده خوجة نفسه في المُغلف الذي وصلت فيه هذه المراسلة14، الموجودة في الأرشيف العثماني (تحديدًا في قسم الخط الهمايوني HAT، علبة رقم 831، ملف رقم D - 37528) من بين المراسلات الواردة. لم تكن هذه المراسلة هي الثانية فعليّا في مُراسلات خوجة إلى الباب العالي كما قد يُفهم، بل هي المراسلة الرابعة في الأصل؛ من الناحية الترتيبية. فقد سبقتها ثلاث مُراسلات أخرى بعثها نيابة عن سكان مدينة الجزائر وأعيانها، كما يُفهم من المتن: "وكنت أرسلت لجنابكم ثلاث مكاتب، ولم تعلمني إّلا بوصول واحدة"15؛ ما يعني وجود رسالتين، ثانية وثالثة، لم نقف عليهما في الأرشيف العثماني. وربما لم تصَلا إلى يد السلطات العثمانية تمامًا لطارئ ما؛ إذ لو كانتَا في الأرشيف العثماني، لكُنّا عثرنا عليها؛ لأن مُعظم ما كان يصل إلى الباب العالي، كان يُصنف ويُفهرس ويؤرشف. وتؤكد هذه المراسلة في طيّاتها أن أولى المراسلات التي وصلت إلى الباب العالي، من خوجة، هي فعلًا المراسلة الأولى التي سبق أن أشرنا إليها، وعنوانها "عرض الحال"، وقد وصلت - على أغلب الظن - من باريس. أما المراسلة الثانية التي بين أيدينا، فهي رٌّدٌ على مُراسلةٍ وصلت إلى خوجة من محمد طاهر باشا، في أوائل ذي الحجة 1250 ه/ 1835 م، ويشير خوجة إلى ذلك بقوله: "نُعلِم جنابكم أنه وصلني مكتوبكم المؤرخ ماه16 ذي الحجة، وفهمت كل ما ذكرت لي، ونعم ما فعلت"17. نشر فكري طونا المراسلة الثانية بعد ترجمتها من النسخة العثمانية التي كانت هي أيضًا قد نُقِلت من لغتها الأصلية التي كُتبت بها، أي من العربية إلى العثمانية، كي تُعرض على السلطان العثماني محمود الثاني؛ بمعنى أن طونا نشر النص المترجم عن العثمانية، كما أشار إليها التميمي في مُحلقات كتابه بحوث ووثائق في التاريخ المغربي، لكنه قدّم نص الم حلقة على نص آخر تابع في الأصل لمتن الرسالة؛ ما أحدث نوعًا من الاضطراب على آخر المراسلة. وهكذا، اجتمعت جملة من الأسباب جعلتنا نعيد نشر النسخة الأصلية التي وقفنا عليها في الأرشيف العثماني، بلغتها الأصلية العربية، وهي: أولًا، خُلوّ ما ترجمه طونا من المُحلقة التي أضافها خوجة إلى النص الأصلي باللغة العربية في هامش مراسلته18؛ ثانيًا، أهمية موضوع الرسالة وعدم انتشار ترجمة طونا؛ ثالثًا، الاضطراب الذي حصل في النص الذي نشره التميمي بتقديمه متن الم حلقة على جزء من المتن الأصلي للنص، وتأخيره جزءًا من النص الأصلي وجعله هو الم حلقة. ودفعتنا هذه الأمور كلها إلى إعادة ترتيب النص الأصلي الذي أرسله خوجة إلى محمد طاهر باشا في الملاحق، ونشره.
ثانيًا: موقف حمدان خوجة من لااحتلال الفرنسي للجزائر
من أهم النقاط التي يجب أن نشير إليها، من خلال هاتين المراسلتين، نظرة خوجة إلى الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ إذ كثيرًا ما أشير إلى أن عمله في مهمات لفائدة الفرنسيين، يُمثل شكلًا من أشكال التعاون أو التواطؤ مع السلطات الفرنسية؛ ولعل من أسباب هذه الأحكام ما كان يثبته خوجة نفسه في مُراسلاته وشكواه إلى الفرنسيين، أو ما أثبته ابنه علي رضا أفندي في مواضع مُختلفة، على نحو يكاد يكون متناقضًا، بشأن الأسباب التي حملت والده على التعامل مع السلطات الفرنسية في أثناء وجوده في الجزائر. ومن ناحية أخرى، يوجد من اعتبره رائدًا ل حلركة الوطنية في مرحلة متقدمة من تاريخ الجزائر، كما يرى أبو القاسم سعد في كتاباته؛ غير أننا لن نُفِّصّل في هذه المسألة في هذا السياق، بل سنتحدّث مباشرة عن نظرته إلى الوجود الفرنسي تحديدًا19. لقد أقر خوجة، في عبارة صريحة، في أولى مُراسلته إلى الباب العالي، بأن ما حل بالجزائر مصيبة لم يشهد التاريخ مثلها طوال سبعة آلاف سنة، بل جعل من خسارة الدولة العثمانية لبعض أقطارها لمص حلة روسيا في منطقة البلقان أمرًا هِّيِنًا، مقارنةً بما يلُاقيه الجزائريون من مأساة سبّبها الوجود الفرنسي في الجزائر؛ إذ يقول:"لم يقع طوال سبعة آلاف سنة من تاريخ البشرية ظلم مثل هذا الظلم". ولم يتوقف الأمر عند الاعتقاد أن الاحتلال الفرنسي للجزائر ظلم لم ترَ الإنسانية مثله كما ذكر، بل أكد في المراسلة الثانية أنه يُفضل الهجرة من الجزائر إن هي أصبحت فعلًا تحت يد الكفار: "ولو كان لا يضمحل[أي: الحكم الفرنسي]، فأنا لا أقيمُ في الجزائر، إلا إذا كانت بيد الدولة العلّية، ولا أتفق مع أحدٍ، ولا أساعد على إعطاء الجزية للكفار"20. يبدو هنا موقفه واضحًا في رفضه الاستكانة أو الخضوع للفرنسيين. بل إن مظاهر رفضه وعدم تسليمه بالاحتلال الفرنسي للجزائر – فيما نقف عليه في المراسلة الأولى إلى السلطان محمود الثاني - كثيرةٌ21؛ إذ يرجوه أن يتدخل من أجل حل المسألة الجزائرية، وأّلا يترك الأمر للفرنسيين. وهنا، نجده يشير إلى الإشاعات التي كانت تنشرها فرنسا بادّعائها أن وجودها في الجزائر إنما كان برضا السلطان وتزكيته22. ولهذا، يطلب في هذه المراسلة معاقبة الجزائريين إن كانوا يستحقون العقاب؛ لكن بيد السلطان، وليس بيد أعداء الدين من الفرنسيين: "إن كان لنا ذنبٌ فالعفو منك، فإن لم تعفُ عَّنَا، وكان لنا ذنبٌ وكتبت علينا العقاب، فليكن ذلك بيدك مباشرةً، لا تُسلط على أبنائك عدوّهم ليُعاقبهم"23. لهذا، نجده في المراسلة نفسها، يعترض بشدة على توسيع فرنسا مناطق نفوذها واحتلالها مدنًا عدة، تحت دعاوى لا أساس لها. فهو يستنكر مهاجمة القوات الفرنسية بجاية، ويعترض على احتلالهم وهران والمرسى الكبير، ويتأسف على توسعهم في بونه والبليدة والمدية ومستغانم من دون وجه حق، ويبيّن أن الفرنسيين هم الذين بدؤوا الحرب، في كل مرة من المرات الماضية، لا غيرهم. كما يُعبر في موضع آخر عن تأسفه على نمط العلاقة بين الباب العالي والدولة الفرنسية؛ إذ يستغرب كيف أن الفرنسيين يدّعون أن علاقتهم بالباب العالي جيدة، لكنهم في الوقت نفسه يستولون على أراضٍ تابعة له. لذا، نجده يستفهم، باستنكار، طبيعة هذه العلاقة، ويقول عن الفرنسيين: "إن كانوا أعداءً للسلطان، فليرفعوا بشدورهم [كذا]، وإن كانوا صلحًا، فما وجه استيلائهم على
ممالكه [...]؟"24. ولم تتوقف اعتراضات خوجة على الوجود الفرنسي في الجزائر على الباب العالي، أو على الفرنسيين، بل امتدت إلى تقاعس باي تونس عن نصرة إخوانه في الجزائر وتهجّمه على الحاج أحمد، باي الشرق. وكان لومه مبنيّا على اعتبارات عدة، منها: أن باي تونس أقرب الحكام التابعين إلى السلطان العثماني؛ إذ كان يرى الجزائرَ تُحتل وتُهاجم من طرف الكفرة الفرنسيين، لكنه لا يقوم بأي شيء لدفع ذلك. ولم يسعَ لإمداد إخوانه بما يحتاجون إليه من مالٍ وسلاحٍ، بل على العكس من ذلك، منع عليهم شراء ما يحتاجون إليه من مؤونة وسلاحٍطاعة للفرنسيين، وخوفًا منهم أو طمعًا فيما عندهم25. لو كان خوجة فعلًا يُماري الفرنسيين، أو يؤمن بإمكانية بقائهم في الجزائر، أو أن عمله معهم كان عن قناعة وإيمان بهم، فهل كان يتحدث عنهم بهذه الطريقة؟ أو يُشنع على مَن يُعينهم؟ هل كان يطلب من السلطان، أكثر من مرة، في هاتين المراسلتين التدخل من أجل إنصاف الجزائريين واسترجاع الجزائر؟ ألا يبدو إصراره على كشف الظلم الذي يمارسه الفرنسيون في الجزائر ومبادرتهم بالحرب في كل اتجاه دليلًا على أطماعهم التوسعية بأنه يقف ضد مشروعهم؟ ثم ألم يكن يسعه أن يستفيد مما كان يستفيد منه غيره في الجزائر ويلتزم الصمت؟ يُجيب خوجة نفسه عن هذه الأسئلة، بقوله: "أنا قد جاهدت بقلمي، والرعايا بسيوفهم، فجاهدوا بألسنتكم. أنت يا أخي تعرف بأنني في سن الستين ونيّف، ومَستورٌ بستر الله؛ لا طمع لي في مال ولا منصبٍ ولا أهلية لي. وعزمت على الهجرة بعيالي وأولادي إلى بيت الله. وكانوا [كذا] 'الفرنسيس' أخذوا مني مصادرةً، م لًا كبيرًا، كما هو مقيدٌ في تآليفي. وأنا ترافعت معهم ليؤدوا لي ما أخذوا مني، سواء أعطوا أو منعوا؛ أَرجِع إلى الجزائر وأتوجه لبيت الله إن شاء الله. لذا كان يسعني ما وسع غيري وأسكت. لكن يا أخي الغيرة الإسلامية حملتني على أن أكتب وخاطرت بنفسي وأعلمتكم؛ فالغوث الغوث بحال أمة سيدنا محمد، أَعلِمُوا سلطانها بحال الإسلام والمسلمين. وإن امتنعتم، فهذا خطي أرسلوه، ولو لم يكن فيه رسوم لائقة بالدولة. إّلا أن حال الاستغاثة يُغتفَرُ فيه ما لا يُغتفَرُ في غيره، الغياث الغياث، الفرنسيس لا يخرج من الجزائر إّلا بقوة سلطانية، ومواعيده لا أصل لها. وتعدية كل يوم يزداد، وليس فينا مَن يبلغ سلطاننا هذا الحال. الله الله لا تقِّصِرُوا، وبادروا وأدركوا أمة سيدنا محمد والسلام"26. فهل يمكن لمن هذه حاله أن يكون مُتعاونًا مع الوجود الفرنسي في بلده أو مُزكيًا له؟ لم يتوقف خوجة عند هذا الحد، بل نبّه من راسله إلى أنّ فيما يكتبه مخاطرةً كبرى عليه وعلى أهله، لهذا ينص على ذلك صراحة، بقوله: "وأنا يا أخي وحدي وأولادي وعيالي تحت أيدي الكفار، وأنا في بلادهم، لم أقصر فيما أقدر عليه بلساني وقلمي، ولو أن الكفار يعلمون شطر ما فعلت من: تحريرات وتأليف كتب ومراسلات مع الأجناس، وغير ذلك مما لا أقدر على تحريره، كل ذلك لأجل إنقاذ البلاد، [...] لأكلوا لحمي وأوقعوا بي"27. ففي هذا المتن، بيّن خوجة مدى الخطر الذي يمكن أن يُحدِق به في إذا ما وقعت مكاتباته في يد الفرنسيين، لكن هذا لم يمنعه من تقديم وجهة نظره والأخبار المختلفة بشأن الاحتلال الفرنسي للجزائر، وما يعانيه الأهالي من ظلمٍ. إنه يوضح موقفه منه بصراحة، على الرغم من أنّه- وهذا من البديهي - لا يستطيع التعبير عن رأيه بهذه الصراحة كلها في مُراسلاته مع السلطات العسكرية والسياسية الفرنسية. وحتى نتعرف أكثر إلى مواقفه، من المهم أن نشير أيضًا إلى علاقته بالمتغيرات التاريخية المختلفة التي عايشها، كي نفهم السياق العام لنظرته ومواقفه المختلفة من الأفراد المؤثرين والشخصيات الفاعلة في القضية الجزائرية في ذلك الوقت، ونقصد أحمد باي والأمير عبد القادر وأحمد بوضربة.
ثالثًا: موقف خوجة من الشخصيات الفاعلة في المسألة الجزائرية في بداية لااحتلال الفرنسي (1834-1830)
من المهم أن نُؤكد، قبل معرفة مواقف خوجة من الشخصيات التي سنخصّها بالذكر من خلال مُراسلتيه إلى الباب العالي، أن هذه المواقف ستشهد في مرحلة زمنية مُتقدمة تغيرًا. ولهذا حددنا في العنوان التاريخ (1830 - 1834)، لأنه يحمل في طيّاته نظرة خوجة إلى بعض الشخصيات في إطار سياق زمني مُحدد، كما أنّ بعض المواقف السلبية ستغدو إيجابية، في حين أن موقفه الإيجابي من أحمد باي واقتراحه توليته على الجزائر في بداية المراسلات مع الباب العالي، سيتغير في اتجاه معاكس في مرحلة مُتقدمة تاريخًّيًا؛ ليس بسبب أحمد باي، بل بسبب التغيرات التي كانت تجري حينئذ، وفي مقدمتها المفاوضات التي كانت بين الباب العالي وفرنسا28في تأقلمٍمع الوضع الجديد والأحداث المستجدة. ذهب خوجة في مراسلته الأولى إلى ما هو أبعد من طلب تدخل الدولة العثمانية بشأن المسألة الجزائرية، بل إنه أصبح يصف الأشخاص الذين يتعاونون مع الفرنسيين تارة بالمنافقين، وتارة أخرى بالملاعين، وقد وصفهم في مواطن أخرى بالمرتدّين والكفرة؛ ولهذا رأى أنه يجب أّلا يُعامل الجزائريون والمسألة الجزائرية كلها بذنب هؤلاء النفر من الناس، ويتضح هذا فيما كتب إلى السلطان العثماني: "إذا كان من بينهم29 خمسة أو عشرة منافقين، يجب أّلا يُرمى غيرهم بنفاقهم، حاش لله أن يعتقد مولانا مثل هذا". وقد تجاوز في موطن آخر التلميح الذي استخدمه في هذا النص إلى التصريح بأسماء مَن يقصد من كلامه في مُراسلته الثانية، وتفصيل بعض أفعالهم؛ إذ أوضح أنه يقصد بكلامه أحمد بوضربة ومَن شايعه، فقد جاء في نص المراسلة الثانية: "[...] ولو بقي النصارى العيسويون وحدهم ولم يمنعهم النصارى المحمدِيُون لما كان ذلك [...] لكن يا أخي هنا اللعين 'بوضربة' وأضرابه الذين بالجزائر يمدونه30 وجُل ما يتحيلون عليه أن يبقى الفرنسيس في الجزائر، فهم أعوانه ويضمنون له طاعة الرعية. ثم إنه لما خاف31خروجهم32 قال لهم: 'إن أهل الجزائر في غاية الحُزن؛ لتوهم خروج الجزائر من يد الفرنسيس وعودها للترك الظالمين، الذين أحرقونا وأكلوا لحومنا وأموالنا33، فإن كان ولا بد من الخروج، فأرسلوا إلى الجزائر ابن الراي، ويكون أهل الجزائر هم دائرته وعمالته، أو سلّمُوها للعرب، ويكون الوالي من جملة هذه الدولة الفرنساوية وتحت حكمها'، وهذا الشيء على هذه الصورة، سمعته ولم أرَه، وهو بسبب كون زوجته فرنسية ويعرف اللسان، ويمشي كل يوم إلى دار الوزير". يوضح هذا النص أيضًا موقف خوجة من أحمد بوضربة في عام 1834 توضيحًا صريحًا. ونلاحظ تحامل خوجة على أحمد بوضربة؛ إذ يُصر على وصفه ب "المنافق" و"اللعين"، بل إنه وصفه ب "المرتد"؛ لكونه يتعامل مع الفرنسيين، بل إنه وصفه في آخر هذه المراسلة بالكافر صراحة، وذلك بقوله: "[...] بعد ذلك أرسلوا إلى بوضربة الكافر، ولم أدرِ ما قال لهم"34. ربما لا نُخطئ إن قلنا إنّ المنافسة التي كانت بين الرجُلين هي سر هذا العداء بينهما؛ ومن ثم، جرى توجيه الاتهامات الخطِرة بالكفر والردة ضد بوضربة الذي كان يُفضل أن يتولى مُسلمًا، أهليّا، شؤون الإيالة، على أن يكون تحت سلطة الفرنسيين، مقابل أن
يتولى شخصٌ من العثمانيين أمر الإيالة من جديد، وهو أمرٌ عارضه خوجة بحُججٍعديدة، منها أنّ أحمد باي والمسلمين في الجزائر لا يرضون بأن يكونوا تبَعًا لمسلمٍخاضع للفرنسيين. وقد ردّ بوضربة على ذلك بأن اقترح على خوجة أن يُبقي هذا الأمر سرّا بين أعيان الجزائر والفرنسيين؛ لأن العرب داخل الجزائر لا ينقادون إّلا لمن يكون حاكمًا في الجزائر، وهم لعدم علمهم سينقادون إلى حاكم الجزائر الذي يكون مُتعاونًا مع الفرنسيين. فإذا رفض أحمد باي بيعته والتسليم له، قام عليه أهالي قسنطينة، لنكثه العهد لحاكم الجزائر، ونصّبوا في مكانه مَن يكون مواليًا للجزائر. إّلا أن خوجة بقي مُصِرًا على رفض هذا الاقتراح، ورأى في اقتراح بوضربة تخليطًا. لذا؛ عرّض بسببه، في إحدى فقرات مراسلته، بأحمد بوضربة ومَن كان على رأيه، بقوله: "[...] وهذا ليس تخليط بوضربة وحده، بل له بطانة في الجزائر، أراذل سفلة، شِلّة كتبوا له بمضمون هذا، ووضعوا به خطوط أيديهم مقدار مائة من أولاد العرب الذين في بلادنا"35. يمكن تفسير الخلاف بين الرجلين بأمرين أساسيين؛ أولهما تصور كل واحدٍ منهما لطبيعة الوجود العثماني في الجزائر، بمعنى أن خوجة كان يرى العثمانيين أصحاب أرض، في حين أن بوضربة كان يراهم وافدين يقفون في وجه صعود الأهالي من أمثاله. وثانيهما - وربما كان هذا هو الأهم - هو رؤية كل واحد منهما طريقة حل المسألة الجزائرية. فخوجة لا يُخفي توجهه ضمن الإطار العثماني؛ لذا كان يرى أن تدخّل الدولة العثمانية واسترجاع الجزائر، ثم تنصيب نظام محلّي تابعٍلسلطة الباب العالي، كما سنوضح ذلك لاحقًا، هو الحل. في حين كان بوضربة يرى أنه يجب تجاوز العثمانيين كلًّيًا، والاستفادة من الحضارة والثقافة الفرنسيتين، بالتعاون مع الحكومة الفرنسية، لإنشاء نظام حكم "وطني قومي"، وهذا ما يبرر دعم أحمد بوضربة للأمير عبد القادر في باريس؛ إذ يذكر خوجة عنه ما يلي: "وبوضربة في باريس ينوّه بعبد القادر ويُسميه في الكازينوهات ب 'أمير المومنين عبد القادر'، وسمعتها أنا من فمه"36. يوجد سبب ثالث قد يكون أساسيًا في هذا الخلاف والنظرة المتباينة بين الرجلين، مردّه الفئة الاجتماعية التي ينحدر منها كل واحدٍ منهما: فخوجة محسوبٌ على الكراغلة الحضر، في حين أن أحمد بوضربة محسوبٌ على الحضر البلديين أو الم لحيين، وهو أمرٌ جعل لكل منهما رؤيةً وتصُّوُرًا، ومشروعًا مُختلفًا عن الآخر. ويوجد أيضًا خلاف جوهري يتحكّم في موقف كل منهما من طبيعة الحكم تحت لواء النصارى، وهو ما يُفسر، في رأينا، الحدة الدائمة والمُستمِرة بين الرجُلين إلى مرحلة مُتأخرة، وذلك عندما أصبح الأمير عبد القادر الممثل الوحيد لمقاومة الفرنسيين. ويؤمن بوضربة بأن الفرنسيين ليسوا كما كان يعتقد، وأن نظرتهم إلى الجزائري لن تتغير. ستتحسن العلاقة بين الرجلين في مرحلة لاحقة، عندما يفترقان، ويقيم أحمد بوضربة في باريس، في حين ينتقل خوجة إلى الإقامة في إسطنبول. وما يُؤكد أن الخلاف بينهما كان بسبب التنافس أنه لما انتهت أسباب التنافس بينهما في الجزائر، في أواخر الثلاثينيات، عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي بينهما، وهذا ما توضحه المراسلة الموجودة في الأرشيف الفرنسي، التي أرسلها خوجة نفسه إلى أحمد بوضربة، واصفًا إيّاه بالأخ والصديق. ونجد أن موقف خوجة من الأمير عبد القادر كان سلبيًا في مراسلاته الأولى. ففي أثناء حديثه عن حركة المقاومة التي كان يقودها الأخير، عمد إلى الاستهانة بها والتقليل من شأن صاحبها، وأظهر نوعًا من الجفاء والاستصغار بذكرها، وذلك في قوله مثلًا: "وهو عبد القادر بن محيي الدين كان في مدة الإسلام في وهران، وفي نواحيها، يدّعي الولاية هو وأبوه، ولما دخل الفرنسيس بقي مع باقي المسلمين يحاصر وهران بنيّة الجهاد"، فكتب إليه بوضربة: "[...] أن الفرنسيس يخرج من الجزائر، وأن [كذا] تصالحه وتعقد معه شُروطًا، فإنه عند الخروج يسلمها لك ولا يدخلها الترك، وأغواه بمثل هذه الأماني". فكاتب عبد القادر مع الفرنسيس وصالحه. وأخذ معه نصارى جملة، سمّوهم قنصلًا وأتباعه، ورفع الحصار عن "وهران" والنصارى الذين عنده مرادهم أن يتآلفوا مع العرب ويتعلموا طريق تلمسان وغيرها.
لكن نظرة خوجة تتغير مع مرور الوقت، ولا سيما في أثناء إقامته في إسطنبول، في عام 1836، فقد تواصل مع الأمير عبد القادر بمراسلات ودّية، يحثه فيها على التواصل مع الباب العالي وربط علاقات معه طلبًا لإعانته في حربه ضد الفرنسيين. وهو ما حدث فعليًا لاحقًا بحسب ما توضحه إحدى مراسلات الأمير عبد القادر إلى خوجة؛ إذ أثنى على اقتراحه، وكاتب في ذلك السلطان العثماني والصدر الأعظم37. وكان خوجة يشتغل في ذلك الوقت بالترجمة، فكُلّف بترجمة مراسلات الأمير عبد القادر، وشرح ما كان غامضًا فيها؛ ما جعل الأمير عبد القادر يصفه في إحدى مُراسلاته بالأخ: "[...] أخينا في الله العلامة سيّد حمدان خوجة ما زال محمود المبادئ والغاية"38، وهذا الأمر يتيح القول إن علاقات خوجة كلها موسومة بالتطور والتغيُر لاعتبارات عديدة، أهمها: الموقف الشخصي من الاحتلال الفرنسي، والموقف من العلاقة مع الباب العالي، ثم طموح كل شخصية ومدى تصادمها مع مشروع خوجة وولائه للباب العالي. أما علاقة خوجة بأحمد باي، فقد كانت تختلف في اتجاهها وطبيعتها عن علاقاته مع أحمد بوضربة والأمير عبد القادر، فقد كانت العلاقة بين الرجلين قديمة، يحكمها الاحترام المتبادل والود الدائم الذي يعود إلى مرحلة ما قبل احتلال فرنسا للجزائر، كما كان يقر كل منهما ذلك في مراسلاته مع الباب العالي39. ولهذا، نجده يؤدي دورَ الناصح والمستشار غير الرسمي لأحمد باي في أثناء تقديمه عروض الصلح التي أتى بها مرتين من حاكم الجزائر40. وكان خوجة يدفع الباب العالي دفعًا لتعيين أحمد باي وتزكيته قائدًا للمقاومة ضد الفرنسيين في بايلك الشرق، بلقب باشا على الجزائر؛ إذ نوّه بخصاله في مُراسلته الأولى للسلطان العثماني: "عبدكم باي قسنطينة الحاج أحمد باي، ابن باي، رجل عاقل وشجاع وعاقل تشريفه بحكم ولاية الجزائر مناسب جدّا"41. غير أنه لا ذكر لأحمد باي في المراسلة الثانية الموجهة إلى القبطان داريا محمود طاهر باشا، وربما رأى خوجة أنْ لا ضرورة ل حلديث عن تولية أحمد باي على الجزائر في ذلك الوقت، لأنه ركز على محاولة إظهار الوضع الذي كان في الجزائر، والوضع الذي كان سائدًا في فرنسا بشأن الجزائر أيضًا. أما الموقف الداعم من خوجة لأحمد باي بين عامي 1833 و 1834، الذي سبق الحديث عنه، فيرجع إلى اعتبارات عديدة، منها ما هو شخصي، يتمثّل في العلاقات الجيّدة بين الرجلين، التي يمكن إرجاعها إلى علاقة المصاهرة بين أحمد باي وخوجة التي توردها بعض الكتابات42، وهذه العلاقة كثيرًا ما نجدها مبثوثة في مُراسلاتهما الشخصية في الأرشيف العثماني، أو في مذكّراتهما الشخصية43، ومنها ما يتعلق بالوضع العام في الجزائر؛ إذ كان خوجة يرى في أحمد باي المُمثل الوحيد للسلطة العثمانية السابقة في الجزائر بعد سقوط حسين باشا في الجزائر، ومصطفى بومزراق في التيطري، وحسن باي في وهران. ويوجد سبب لعله يكون حاسمًا في نظرة خوجة إلى المسألة، وهو يتعلق بالإثنية التي ينحدر منها الرجلان، من حيث كونهما من كراغلة الجزائر الذين يشعرون بخصوصيتهم الوطنية وجذورهم العثمانية. غير أن دعم خوجة لأحمد باي سرعان ما تراجع عنه في مراسلاته المتأخرة مع الباب
العالي، بعد وصوله إلى إسطنبول، متأثرًا بموقف الدولة العثمانية الداعم ل حلل الدبلوماسي مع الفرنسيين والمتخوّف من أي دعم عسكري لأحمد باي قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع فرنسا44.
رابعًا: موقف خوجة من طبيعة الحكم العثماني الذي يجب أن يسود في الجزائر
من الأمور التي كثيرًا ما يجري تجاوزها عند الحديث عن خوجة، نظرته إلى الحكم العثماني، فأغلب الدراسات تأخذ ذلك إجم لًا؛ فإما تجعله مُوافقًا على حكم العثمانيين أو مُعارضًا له. ولكننا، من خلال هاتين المراسلتين، نقف على جوانب أخرى لنظرته إلى الحكم السياسي العثماني في الجزائر. فقد كان رجلًا ذا اّطلّاع واسع ونظرة ناقدة، وهذا نتيجة طبيعية اكتسبها من كثرة ترحاله وبناء علاقات مع العالم الخارجي قبل الاحتلال الفرنسي وفي أثنائه؛ ما منحه نظرة أكثرَ شمولًا واتساعًا في تقدير مآلات الأمور45. فمثلًا، نجده يُقر بضرورة استمرار الترابط بين الجزائريين والباب العالي، لكن ذلك وفق تصورٍ وطني مختلف عن النموذج السابق ل حلكم العثماني في الجزائر. فهو يرى أنه من المهم جًّدًا أن يستمر هذا الترابط؛ ولهذا لم يكتف بالأمل في تدخل السلطان العثماني لحل المسألة الجزائرية، بل تجاوز ذلك إلى اقتراح نظام جديد ل حلكم في الجزائر، و"أوجاقات" الغرب الباقية (تونس وطرابلس). لكنه ركز في حديثه على إيالة الجزائر؛ إذ رأى أنه من المهم أولًا أن يُعَيَّن باشا على الجزائر، يكون من أهلها، حتى يسهل عليه حل مشكلاتها؛ وطلب أن يكون هذا الحاكم عادلًا، فضلًا عن وجوب تفاهمه مع سكان البلد الم لحيين، حتى يكون حكمه أكثر يسرًا. واقترح خوجة، أيضًا، أن يتم إنشاء ديوانٍ يضم العقلاء والعلماء والعارفين بأخبار الدول وأخبار البربر في الجزائر، لتذليل الصعاب كلها إن وُجِدَت. ورأى أنه من الواجب تعيين ما بين أربعة أو عشرة أشخاص آخرين لإعانة الباشا في مهماته؛ وذلك من خلال ما قاله في المراسلة الأولى46؛ بمعنى أن خوجة كان فعلًا مُتجاوزًا تمامًا فكرة بقاء فرنسا في الجزائر. لذا، كان يفكر فيما بعد الوجود الفرنسي المؤقت في الجزائر. وكان موقفه من البقاء في الجزائر تحت حكم الفرنسيين واضحًا وجليّا؛ إذ أكد في أكثر من موضع أنه سيُغادر الجزائر كلّها إن بقيت القوات الفرنسية فيها، وأن عودته إليها مرتهنة بعودة الحكم العثماني إليها أيضًا. كما كان يُؤكد في مراسلته الثانية إلى القبطان داريا، أنه لن يعود إلى الجزائر مع الوجود الفرنسي: "أنت يا أخي تعرف أنني في سن الستين ونيّف، ومستورٌ بستر الله؛ لا طمع لي في مال ولا منصبٍ، ولا أهلية لي، وعزمت على الهجرة بعيالي وأولادي، إلى بيت الله، وكان 'الفرنسيس' أخذوا مني مصادرةً، م لًا كبيرًا، كما هو مقيدٌ في تآليفي، وأنا ترافعت معهم ليؤدوا لي ما أخذوا منّي، سواء أعطوا أو منعوا أرِجَِع إلى الجزائر وأتوجه لبيت الله إن شاءالله"47، أي إن خطة خوجة الشخصية، كانت مرسومة للاستقرار في البيت الحرام، بعيدًا عن حكم الفرنسيس، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن الاعتراضات عليه في مهمات الوساطة والتمثيل التي كُلف بها لدى الفرنسيين في الفترة 1830 - 1833 غير مُؤسسة. ومن ثمّ، نرى أنه كان مُضطرًا إلى ذلك تحت إكراهات الخوف من الفرنسيين، ومن الابتزازات التي كان يتعرّض لها من اليهود48، وبدافع استرجاع ما سلبه الفرنسيون منه.
خاتمة
لقد ركزنا في عرضنا لهاتين الوثيقتين على مواقف حمدان خوجة بشأن موضوعين؛ هما الاحتلال الفرنسي والوجود العثماني، وقد أشرنا إلى علاقاته مع شخصيات مركزية خلال تلك المرحلة من تاريخ الجزائر، غير أن هاتين الوثيقتين تحملان العديد من العناصر التي تستحق البحث والتنقيب وإعادة مساءلتها. لذا، نعتقد أن هذه الدراسة ما هي إّلا مُقدمة لدراسات في آثار ومراسلات ومكاتبات خوجة التي لا تزال حبيسة الأرشيف العثماني، لتفصح أكثر فأكثر عن جوانب مهمة من حياة صاحبها ومواقفه. إنّ الدراسات البيوغرافية من بين أصعب أصناف الدراسات التاريخية، وذلك أنها غالبًا ما تنتهي إلى إصدار أحكام بشأن سيرة علم ما أو مسيرته، في حين أن الهدف يجب أن يكون إبراز تعقّد المسارات ضمن سياقات وأحداث مختلفة. لذا، من المهم جدّا الإحاطة الكافية بهذه الشخصية ودراسة آثارها كلها على حِدة، ثم ربط مختلف الآثار المكتوبة التي خلّفها صاحبها حتى يمكن الوصول إلى سيرة ذاتية تحمل خصائص الشخصية المراد دراستها كلها. وهذا ما يُحيلنا إلى ضرورة تعميق الدراسات الخاصة بمؤلفات حمدان خوجة كلها، وفي مقدمتها مراسلاته المختلفة مع مختلف الأطراف والجهات، لكن هذا لا يمنع الإشارة إلى عدد من المخرجات بناءً على الوثيقتين اللتين اعتمدناهما، وأهمها ما يلي: معرفة أنّ حمدان خوجة يجب أن يُدرس وفق سياقه الزمني، وأن تُدرس مواقفه بتأنٍ، ولا يمكن إصدار أحكام بشأنها إّل بعد التوقف عند آثاره المادية كلها، خاصة منها مراسلاته في الأرشيفات العثمانية، ذلك أنها تتميز بالكثرة من جهة، وتنوّع مواضيعها من جهة أخرى. يمكننا القول، من خلال ما وقفنا عليه في هاتين المراسلتين، إن خوجة لم يكن ينظر بعين الارتياح والترحيب إلى الوجود الفرنسي، كما تريد بعض الدراسات الفرنسية إظهاره، بل كان مناهضًا له، ويسعى بقدراته كلها للتعبير عن استنكاره للتجاوزات العسكرية، وهو يأمل أن تتراجع فرنسا عن الاحتلال، ويخرج الاستعمار من الجزائر. غير أن طريقته في التعامل مع الوجود الفرنسي لم تعتمد على المواجهة الحربية المباشرة التي فضّلها أحمد باي مثلًا، بل كان يرى أن استرجاع الجزائر يمكن أن يحدث دبلوماسًّيًا من خلال تدخل السلطان العثماني محمود الثاني مباشرة في القضية الجزائرية. يمكننا أن نقول إن مواقفه من الشخصيات التي في محيطه، كثيرًا ما كانت متقلّبة، أو بالأحرى متطوّرة، ومرتبطة بالسياق الزمني، ولم تحكمها المص حلة الشخصية، كما قد يُتصور، بقدر ما ارتبطت بسياق زماني اختلفت فيه المعطيات، وتوطدت فيه المعارف لديه؛ إذ نجده في هاتين الوثيقتين يطلق أحكامًا قاسية على أحمد بوضربة والأمير عبد القادر بسبب تصوراتِهما المختلفة لحل القضية الجزائرية، ويُرشّح أحمد باي لباشوية الجزائر. لكن علاقاته ومواقفه تتغير مع مرور الزمن، وهذا دليل على تطور أفكاره ونظرته في رأينا، وليس دليلًا على ضعفه أو تلوّنه كما يدعي بعضهم. يمكننا تأكيد أن خوجة كان صاحب رؤية محددة لحل المسألة الجزائرية ضمن سياقها الزمني، ثم بعد ذلك القيام بعدد من الإصلاحات السياسية والإدارية في الجزائر وأوجاقات الغرب، على نحو يضمن استقلاليتها الداخلية وتبعيتها الخارجية للباب العالي. ويمكن تأكيد أن نظرته إلى الأمور كانت دائمًا في سياق ما يحدث في منطقة البحر المتوسط، ومرتبطة بذلك إلى حدّ بعيد؛ فهو وإن كان متأثرًا بالفكر القومي الذي عايشه في أوروبا وشاهد تنامي الفكر الوطني في العديد من البلدان في المتوسط، مثل اليونان ودول البلقان، فإنه في الوقت نفسه كان مؤمنًا بأن القومية بنموذجها الأوروبي قد لا تلائم سياق البلدان الإسلامية، ذلك أن ما كان يجمع مختلف الإثنيات داخل الدولة العثمانية ليس القومية، بل الوحدة الإسلامية.
الملحقات
الملحق (1)
أولى مراسلات حمدان خوجة إلى الباب العالي
الملحق (2)
رسالة حمدان خوجة إلى القبطان داريا تشنغال أوغلو محمد طاهر باشا ص 1: [الغلاف] سيدي المعظم المحترم مولانا سيدي محمد طاهر قبطان باشا
الملحق (3)
رسالة حمدان خوجة إلى القبطان داريا محمود تشنغال أوغلو طاهر باشا
نص مراسلة حمدان بن عثمان خوجة إلى القبطان باشا محمود طاهر باشا ص 2: الحمدلله... صلىاللهعلىسيدنامحمدوسلم حضرة الجناب المحترم، سيدي "محمود"، دام محمود السيرة، طاهر السريرة، بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نعلم جنابكمأنهوصلنيمكتوبكمالمؤرخ [مايو/ أيار] ماهذيالحجة، وفهمت كل ما ذكرت لي، ونعم ما فعلت، حيث أرسلت عرض الحال، جزاك الله بحسن الجزاء، ويرى الحاضر ما لا يرى الغائب، وكنت أرسلت لجنابكم ثلاث مكاتب، ولم تعلمني إّلا بوصول واحدة، ونعلمك يا أخي وأنّ [كذا] في باريس تكلموا في ديوانهم، في القامرة، في 29 و 30 [نيسان/] أبريل س 1، س 2، س 3، ما يجيب الجديد أن الجزائر لا تنفعهم لاختلاف الأديان والعادة واللسان، مع ظلمهم وتعدّيهم، والمصروفات كل سنة أربعون مليون، والنتيجة موهومة، وذكروا جلّ ما في كتابي الذي ألفتُه أنا49، وكل ذلك مذكور في قزتيات باريس المسمى "مونتر" فانظره. والراي والوزراء هذا مرادهم، لكن الأمر بحكم سنجق ثلاثة ألوان في يد العوام، وتصرف الراي إنما هو تنفيذ لأغراض العوام، والعوام لا يعلمون الجزائر وماهيتها، إّلا من الذين مشوا إليها، من أبناء جنسهم، وهم ذاقوا لذة النهب والظلم، واستولوا على أملاك المسلمين، لإجازة سمّوها كراءً مُؤبدًا، فباعوها في باريس بألوف، وليت شعري! كيف يُباع المتأَّجَر! وكلهم سفلة أراذل، ولا يمكن أن يكونوا إلا كذلك؛ إذ لا يترك بلاده ورفاهيته ويستوطن بلاد خربةٍ كالجزائر في يومنا هذا إّلا الأراذل وأقل الناس، وقد رأيتهم وقد شيعوا بين أبناء جنسهم في فرنسا بأنّ وطن الجزائر يُنبت القهوة والفلفل والجلينة، وأنها أعلى من أرض الهند، إلى آخر الخرافات. فلما سَمِعوا كلام الديوان، تكالبوا وكتبوا في الجرنالات، ما أرى أن الراي لا يمكنه ردها للإسلام إلا جبرًا، ولا شك أن يتحيل على ذلك بكثيرِ القتل والظلم؛ حتى لا ينقاد له أحدٌ من الرعية، ويرغب الدولة العلية وسائر الأجناس الإفرنجية أن يمهلوه ريثما يلتمس وجهًا لتغير رأي العوام، وهيهات. ولا ينبؤك [يُنبِئُك] مثل خبير، بل مَثلُهم كمَن عجز عن قلع شجرةٍ لاستحكام عروقها، فأخّرها عامًا آخر، فإنها تزداد استحكامًا، ويزداد هو ضُعفًا وكِبرًا، ولو بقي النصارى العيسويون وحدهم ولم يمنعهم النصارى المحمدِيُون لما كان ذلك، لكن يا أخي هنا اللعين "بوضربة" وأضرابه الذين بالجزائر يمدونه وجل ما يتحيّلون عليه أن يبقى الفرنسيس في الجزائر، فهم أعوانه ويضمنون له طاعة الرعية، ثم إنه لما خاف خروجهم قال لهم: "بأن أهل الجزائر في غاية الحُزن؛ لتوهم خروج الجزائر من يد الفرنسيس وعودها للترك الظالمين. الذين أحرقونا وأكلوا لحومنا وأموالنا50، فإن كان ولا بد من الخروج، فأرسلوا إلى الجزائر ابن الراي، ويكون أهل الجزائر هم دائرته وعمالته، أو سلّمُوها للعرب، ويكون الوالي من جملة هذه الدولة الفرنساوية وتحت حكمه". وهذا الشيء على هذه الصورة سمعته ولم أرَه، وهو بسبب كون زوجته فرنسية ويعرف اللسان، ويمشي كل يوم لدار الوزير، وسمعت بأنه التزم لهم بكذا كذا مليون سنوي، يعطيها للفرنسيس، لكنه لأنه خاف أن أهدم ما بناه، إذ ربما يشاوروني أو يلتمسوا [يلتمسون] كفالتي أو غير ذلك. فأتاني وقال لي: "الجزائر يريدون أن يخرجوا منها والرعية لا تقبل، كونها تبقى بيد المسلمين أحسن ولنا تأويلٌ إذا اتفقنا على كلمة واحدة، وهي أن يسُّمُوا علينا مُسلِمًا يكون تحت حمايتهم، وأن نلتزم لهم بما يريدون سنويًا، ونكون سببًا في استخلاص الجزائر". فقلت له: "الرعية والحاج أحمد وغيره، لا يقبلون الذي يتولى تحت النصارى". فأجابني: "أن العرب لا يعلمون ما بيننا وبين الفرنسيس، ولا يتبعون إّلا الجزائر، وإذا يطلع فيهم سنجق الإسلام يطيع 'الحاج أحمد' أو يقتله قومه؛ لأن العبرة عندهم للجزائر". فقلت له: "نعم كذلك، لكن الرعية تسمع من تونس شرقًا ومن فاس غربًا، وإطاعة العرب للجزائر؛ لأنه كان فيها خليفة الزمان، السلطان 'محمود'، هذا الرأي أظنه لا ينتج، ثم من أين المال لترتيب العساكر! وإعطاء الفرنسيين!". فقال: "نقول
للرعايا إننا اشترينا الجزائر، وعندي خطوط شيوخ الوطن، يقولون اشتروا الجزائر بالمال ونحن نعطوكم [نعطيكم] ما تحتاجون، وإذا لم يكن نتعذر للفرنسيين فلا يطالبوننا مدة سنين". فقلت له: "البلاد للعثمانلي، فكيف نلتزم بإخراجها من حكمه؟ ونلتزم بإعطاء الخراج للكفار بغير إذنه؟ "، قال: "العثمانلي لا يقدر أن يعارض الفرنسيس، ولا يُعرّض نفسه لعداوة الفرنسيس، لأنه قوي". فقلت له: "أنا لا أدخل في مثل هذا الشيء. والدولة العثمانية تصطاد الأرنب بالكريطة، ومن أين تعرف أن الفرنسيين لا يضعف ولا يضمحل ملكه؟ ولو كان لا يضمحل فأنا لا أقيم في الجزائر إّلا إذا كانت بيد الدولة العلية، ولا أتفق مع أحدٍ، ولا أساعد على إعطاء الجزية للكفار". وهذا تخليط بوضربة ليس وحده، بل له بطانة في الجزائر، أراذل سفلة، شِلّة كتبوا له بمضمون هذا ووضعوا به خطوط أيديهم مقدار مائة من أولاد العرب الذين في بلادنا، والذي ترجم لهم بالفرنساوي هو الذي حكى لي صورتها، وكلامه الذي قاله لي يشهد بصحة ذلك، والفرنسيس في غاية الطمع، فانظر ماذا وعد الوسائط والكتاب بالمال وكلهم سفلة مفاليس، الواعد والموعود. وأنا يا أخي وحدي ليس لي إلا القلم، أَكْتبُ. وعرضها على الدولة في ذمتكم، ومن جملة ما فعل هذا المُرتدّ أنه تحيّل على أن يُظهِر واحدًا من العرب، ويحبّبه للفرنسيس، لعل أنه يسلموا [أنهم يسلمون] له البلاد، وهو "عبد القادر بن محيي الدين"، كان في مدة الإسلام في "وهران" وفي نواحيها، يدعي الولاية هو وأبوه، ولما دخل الفرنسيس بقي مع باقي المسلمين يحاصر وهران بنيّة الجهاد، فكتب إليه بوضربة: "[...] أن الفرنسيس يخرج من الجزائر، وإن تصالحه وتعقد معه شُروطًا، فإنه عند الخروج يسلمها لك ولا يدخلها الترك، وأغواه بمثل هذه الأماني". فكاتب عبد القادر مع الفرنسيس وصالحه. وأخذ معه نصارى جملة، سمّوهم قنصلًا وأتباعه، ورفع الحصار عن 'وهران' والنصارى الذين عنده مرادهم أن يتآلفوا مع العرب ويتعلموا طريق تلمسان وغيرها". ولما تسامع أهل تلمسان وآغا الدائرة مصطفى بن إسماعيل لم - يَرْضُوا [كذا] –بهذا الصلح، وقالوا: "جهاد هذا الخارجي مقدم على جهاد الكفار"، فقصدوه وكسروه، وفر بشرذمة قليلة إلى "معسكر" وهو محصورٌ فيها، وبوضربة في باريس ينوّه بعبد القادر ويُسميه في الكازينوهات ب "أمير المومنين عبد القادر"، وسمعتها أنا من فمه، ولما وصل خبر أنه محصورٌ في معسكر؛ شرع يقول: "كل ما أصاب أمير المؤمنين بسبب ص حله معكم، وإذا لم تعاونوه فعار عليكم"، وشَّيَع بين الناس هذا الكلام، ويحرض الفرنسيس على إخراج العساكر وقتال المسلمين، هذه يا أخي آفة وفتنة لا أقدر على إطفائها والنصارى المحمديون أضر علينا من النصارى العيسويين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وزيادة خير مما يتعجب منه أن تعلم في ديننا أن الكفار إذا استولوا على بلاد المسلمين يفترض فرض عين على من يليهم أن يعينوا المسلمين، والتونسية عوض ما يعينونا كانوا اشتروا قسنطينة ووهران من الفرنسيس بغير أمر مولانا السلطان، والتزموا أن يعطوا للفرنسيس م لًا سنويّا، فعاقبهم مولانا السلطان نصره الله وفسخوا ذلك البيع. وفي هذه السنة الماضية استولى الفرنسيس على بلدة بجاية، ووقعت له حروب مع أهلها، واستولى عليها بدون مُوجبٍ ولا سبَبٍ، وإلى تاريخنا لا يزال المسلمون يحاربون الكفار بها، ويحاصرونهم، وفي أول أيار/ مايو وقعت حرب أحد عشر يومًا لم ينقطع البارود، والمركب الفرنساوي خرج، والحرب مسترسلة، وكانوا أرسلوا فرقطون [ربما فرقاطة] إلى تونس، وأمروا باي تونس أن لا يمِّكِن المسلمين من اشتراء البارود والسلاح. ويمنع كل من يمشي إلى قسنطينة ونواحيها من أن يكون له آلة الحرب. فأجابهم بالسمع والطاعة. فانظر يا أخي إن كان بوضربة مُفلِسٌ ومُرتَدٌ [مفلسًا ومرتدًا]، فهذا أمير مسلمٌ تحت حكم السلطان، يرى بلدان السلطان بجواره يَستولي عليها الكُفار، فيمنعهم مما يجب عليه أن يمدّهم به، يُحِرِّم البيع لهم، فهذا حال المسلمين مثل شياه بلا راع، والفرنسيس يَّدَعِي: أنه أخذ الجزائر لأجل ثأره مع حسين باشا، وأي وجه له لأخذ وهران! ربما يقول حسن باي أعطاها له. ما وجه أخذ بونه ربما يقول "إبراهيم باي" سَّلَمه له القصبة، فما وجه خروجه للبليدة والمدية وقتال المسلمين والاستيلاء على بلادهم؟ ما وجه أخذ
"مستغانم" وقتله المسلمين مع أنهم لم يبدؤوه بالحرب! ما وجه أخذ "بجاية" وقتال أهلها والاستيلاء عليها؟ مع أنّ مراكب "بجاية" كانوا يأتون للجزائر ولم يبدؤه [كذا] بالحرب، وهذه البلاد بأجمعها للسلطان محمود نصره الله. ص 3: تفهم يا أخي أن الفرنسيس كانوا أرسلوا رج لًا من قوم الديوان لينظروا أحوال الجزائر وسَّمّوهُم كوميسيون، فمشوا ورأوا الجزائر ورجعوا، ثم أمروهم أن يكتبوا كل ما رأوه وما ظهر لهم، فكتبوا وتشاوروا، وقبل أن يتحوّل اتفاقهم، أرسلوا إلي وإلى كل مَن مشى إلى الجزائر وسألوه عن رأيه، فكلّ واحدٍ قال ما ظهر له، فأرسلوا لي وحضرت في جمعيتهم وأنا صائم في رمضان، فسألوني، فقلت كلّ ما أعرفه في كتابي. فقالوا لي: "إذا [ردَدنا] المظالم، وعملنا العدل والإنصاف، فهل تطيعنا الرعية؟"، فقلت: "لا يطيعوكم [تطيعكم]، ولا يأمنوكم [تأمنكم] أبدًا"، وأبطلت جميع ما[...]51 بعد ذلك أرسلوا إلى "بوضربة" الكافر، ولم أدرِ ما قال لهم. ويوم التاريخ وجدت كتابًا ألّفه "الكوميسيون" وأعطوه لرجال الديوان، التمست جواب بوضربة، فوجدت أنه قال لهم: "المسلمون لا أمان فيهم، وشيمتهم الغدر، وإذا تحبوا [تحبون] أن تنقاد لكم الرعية، فاجعلوا الأمير فرنساويًا وكاهيته مسلمون [مسلمين] عربًا"، إلى آخر ما يطول ذكره من جملته أن يكون الحكم فرنساوي وأن لا بد من رفع حكم شريعة المسلمين، وفي هذا المعنى كلام كثير، وأنا أتحيل أن أشتري هذا الكتاب وأرسله إليكم لترسلوه لحضرة مولانا السلطان، ويراه بعينه، لأن لا يحملنا على المبالغة، وإن لم يمكن أن نشتريه أُلِخِّص لكم كل ما فيه وأرسله لكم لتنظروه إن شاء الله مع أوّل مُسافرٍ لأزمير والسلام. ص 3: محمد ارامي [كذا] وكيل الجزائر في تونس والآن ساكن في أزمير 27 جمادى الثانية سنة 1250 ه. ملحقة رسالة حمدان خوجة لطاهر باشا والبشدور الفرنسيس في إسلامبول وسنجق الفرنسيس داخل وخارج إلى إسلامبول، إن كانوا أعداء للسلطان فليرفعوا بشدورهم، وإن كانوا صلحًا فما وجه استيلائهم على ممالكه! وأهالي مملكتنا المرتدون منهم أفراد قليلة لا يبلغون المائة، وباقي المسلمين كما تعلم قد نُفي أغنياءهم [أغنياؤهم]، وبقي ضعفاؤهم أكثرهم يتكفف الناس، يطلبون الصدقة وأهمتهم أنفسهم، ولا يعرفون بأي طريقة يرفعون شكواهم إلى سلطان الزمان مولانا السلطان "محمود" وهو في ديار بعيدة عنهم، لا يسمع بشرح حالهم، ولا يعلم ما هو واقع بهم، والأعراب والبوادي - ولله الحمد - إيمانهم صحيح، وسكتهم وخطبتهم باسم السلطان "محمود" أيده الله، ولم يقصروا فيما يقدرون من الجهاد، وعدم تمكين الكفار من الخروج إليهم، إّلا أنهم لا يعرفون كيف يرفعون شكواهم إلى السلطان؛ إذ إنهم برابر. وأنا يا أخي وحدي وأولادي وعيالي تحت أيدي الكفار، وأنا في بلادهم، لم أقصر فيما أقدر عليه بلساني وقلمي، ولو أن الكفار يعلمون شطر ما فعلت من: تحريرات، وتأليف كتب، ومراسلات مع الأجناس وغير ذلك مما لا قدر على تحريره، كل ذلك لأجل إنقاذ البلاد [...] لأكلوا لحمي وأوقعوا بي. والحمد لله، ستر الله. وبعد كل مقال أنا كتبت وبيّنت وأنتم يُحرم عليكم السكوت، الله الله في دماء المسلمين، الله الله في ممالك الإسلام، الله الله في دين الإسلام، عِّرِفوا سلطاننا، اعِرضوا عليه حالنا، استعطفوا لنا شفقته ورحمته السلطانية، أنا قد جاهدت بقلمي، والرعايا بسيوفهم فجاهدوا بألسنتكم، أنت يا أخي تعرف أنني في سن الستين ونيّف، ومستورٌ
بستر الله؛ لا طمع لي في مال ولا منصبٍ، ولا أهلية لي، وعزمت على الهجرة بعيالي وأولادي، إلى بيت الله، وكان "الفرنسيس" أخذوا مني مصادرةً، م لًا كبيرًا، كما هو مقيدٌ في تآليفي، وأنا ترافعت معهم ليؤدوا لي ما أخذوا منّي، سواء أعطوا أو منعوا أَرجِع إلى الجزائر وأتوجه لبيت الله إن شاء الله، لذا كان يسعني ما وسع غيري وأسكت، لكن يا أخي الغيرة الإسلامية حملتني على أن أكتب وخاطرت بنفسي وأعلمتكم؛ فالغوث الغوث بحال أمة سيّدنا محمّد، أَعلموا سلطانها بحال الإسلام والمسلمين، وإن امتنعتم فهذا خطي أرسلوه، ولو لم يكن فيه رسوم لائقة بالدولة، إّلا أنّ حال الاستغاثة يُغتفَرُ فيه ما لا يُغتفَرُ في غيره، الغياث الغياث، الفرنسيس لا يخرج من الجزائر إّلا بقوّة سلطانية، ومواعيده لا أصل لها، وتعدية كل يوم يزداد وليس فينا مَن يبِّلِغ سلطاننا هذا الحال، الله الله لا تقِّصِرُوا، وبادروا وأدركوا أمّة سيّدنا محمّد والسلام. من أخيكم "حمدان" بن المرحوم "عثمان خوجة" وفقه الله 22 محرم 1250 ه.
المراجع
العربية
بن عبد الكريم، محمد. حمدان بن عثمان خوجة الجزائري ومذكراته. الجزائر: دار الوعي، 2017. الدراسات والبحوث عن الولايات العربية في العهد العثماني، 1985.
سعد الله، أبو القاسم. الحركة الوطنية الجزائرية. طبعة خاصة. الجزائر: دار البصائر، 2007. البصائر، 2017.
مراجع مترجمة (من الأرشيف)
بريطانيا. الأرشيف البريطاني. مكتب الخارجية. علبة 35. ملف 3.
الجمهورية التركية. الأرشيف العثماني. قسم أرشيف الخارجية. علبة 17. ملف 821. لف 4. 2. _______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة الداخلية. علبة 227. ملف 5. _______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة. علبة 139. ملف 24. لف 2. _______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة. علبة 139. ملف 24. لف 3. _______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة. علبة 139. ملف 13.
_______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة. علبة 139. ملف 25.
_______. الأرشيف العثماني. قسم أصول الإرادة. علبة 139. ملف 24، 2. _______. الأرشيف العثماني. قسم الخط الهمايوني. علبة 139. ملف 25، لف 4. _______. الأرشيف العثماني. قسم الخط الهمايوني. علبة 831. ملف 37528 د.- _______. الأرشيف العثماني. قسم الخط الهمايوني. علبة 831. ملف 37528 – د. لف 2.
العثمانية
رضا باشا، علي. مرآة الجزائر. ترجمة علي شوقي. إسطنبول: مجلس کبیر معارفي تنسیبیله، 1293 ه. التميمي، عبد الجليل. بحوث ووثائق في التاريخ المغربي: الجزائر وتونس وليبيا (1816 - 1871). زغوان، تونس: منشورات مركز خوجة، حمدان بن عثمان. المرآة: لمحة تاريخية وإحصائية على إيالة الجزائر. ترجمة محمد بن عبد الكريم. الجزائر: دار الوعي، سعيدوني، ناصر الدين. بايلك الشرق الجزائري من خلال الوثائق: الأرشيف والمذكرات والتقارير والمراسلات. الجزائر: دار سعيدي، خير الدين. حمدان بن عثمان خوجة: الفقيه الدبلوماسي. سلسلة أعلام الجزائر. الجزائر: دار الوطن اليوم، 2023.
الأجنبية
Age rup, Karl. "Algerian Negotiator Hamdan Khodja Building Anticolonial Critique on Identity Expression and
Khoja, Hamdan Ben Othman. Le Miroir: Aperçu historique et statistique sur la régence d'Alger. H.D. (trad.).
_______. Le Miroir: Aperçu historique et statistique sur la régence d'Alger. Paris: Sindbad Actes Sud, 1985.
Kuran, Ercüment. Cezayir'in Fransızlar Tarafından İşgal Karşısında Osmanlı Siyaseti 1827-18 47. İstanbul: Yenilik
Pichon, Louis André. Alger sous la domination française: Son état présent et son avenir. Paris: T. Barrois et B.
Saidi, Kheireddine. "Governing the Regency of Algeria (1832-1837)." Istanbul Journal of Arabic Studies
Temimi, Abdeljalil. Le Beylik de Constantine et Hādj Ahmed Bey (1830 – 1837). Tunis: Publications de la Revue
Yver, Georges. "Si Hamdan ben Othman Khodja [suivi du Mémoire de Si Hamdane]." Revue Africaine. no. 288
Admiration for the Colonizer." Res Rhetorica. vol. 7 , no. 2 (2020).
Paris: Imprimerie de Goetschy fils et compangnie, 1833.
basım evi, 1957.
Duprat, 1833.
(ISTANBULJAS). vol. 4 , no. 2 (2021 / 2022).
d'Histoire Maghrebine, 1978.