العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مقامات بديع الزمان الهمذاني: النص والمخطوطات والتاريخ

مقامات بديع الزمان الهمذاني: النص والمخطوطات والتاريخ

The Maqāmāt of Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī: Text, Manuscript and History

بلال الأرفه لي

موريس بومرانتز

الملخّص

تبدأ هذه المقالة رحلة البحث عن نص الهمذاني في التراث المخطوط، واصفةً بعض مزايا هذا النص وتاريخ تشكيله، فتعالج قضية جمع المقامات، وخصائص مجموع مقامات الهمذاني بصفتها عملاً أدبياً في ضوء مخطوطات النص التي وصلتنا، وتعرض المادّة الأدبية التي لم تتضمنها طبعة محمد عبده التي نُشرت أواخر القرن التاسع عشر. تخلص المقالة إلى أن مجموع مقامات الهمذاني، قبل طبعة محمد عبده، كان مدوّنة متغيرة نَمت على مرّ الزمن بتأثير من مجموع مقامات أبي محمد الحريري.

Abstract

This article represents the preliminary findings of a study of the textual history of the Maqāmāt of Badīʿ al- Zamān al-Hamadhānī. The article discusses different extant manuscript collections of the Maqāmāt, examines the ways that the different manuscript recensions of the Maqāmāt reflect features of the work’s literary history, and presents new material absent in the most commonly available version of the Maqāmāt, that published by noted Egyptian scholar Muhammad Abdu during the nineteenth century. The conclusion of the article argues that prior to the edition of ʿAbduh, the Maqāmāt of al-Hamadhānī was an open corpus that grew as a result of the influence of the larger collection of Abū Muḥammad al-Ḥarīrī.

الكلمات المفتاحية:
  • بديع الزمان الهمذاني
  • مقامات
  • مخطوطة
  • محمد عبده
  • أبو محمد الحريري
Keywords:
  • Badīʿ al-Zamān al-HamadhānÄ«
  • Maqāmāt
  • AbÅ« Muḥammad al-ḤarÄ«rÄ«
  • Manuscript
  • Muhammad Abdu
بلال الأرفه لي | Orfalli Bilal *
موريس بومرانتز | Pomerantz **Maurice
موريس بومرانتز | Pomerantz Maurice* صاحب كرسي صوفيا للدراسات العربية في جامعة ولاية أوهايو.
* * أستاذ الأدب العربي في جامعة نيويورك -أبو ظبي.
تبدأ هذه المقالة رحلة البحث عن نص الهمذاني في التراث المخطوط، واصفةً بعض مزايا هذا النص وتاريخ تشكيله، فتعالج
قضية جمع المقامات، وخصائص مجموع مقامات الهمذاني بصفتها عملً أدبيًا في ضوء مخطوطات النص التي وصلتنا،
وتعرض المادّة الأدبية التي لم تتضمنها طبعة محمد عبده التي نُرت أواخر القرن التاسع عر. تخلص المقالة إلى أن
مجموع مقامات الهمذاني، قبل طبعة محمد عبده، كان مدوّنة متغيرة نَت على مرّ الزمن بتأثير من مجموع مقامات أبي
محمد الحريري.
This article represents the preliminary findings of a study of the textual history of the Maqāmāt of Badīʿ al-
Zamān al-Hamadhānī. The article discusses different extant manuscript collections of the Maqāmāt , examines
the ways that the different manuscript recensions of the Maqāmāt reflect features of the work’s literary history,
and presents new material absent in the most commonly available version of the Maqāmāt , that published by
noted Egyptian scholar Muhammad Abdu during the nineteenth century. The conclusion of the article argues that
prior to the edition of ʿAbduh, the Maqāmāt of al-Hamadhānī was an open corpus that grew as a result of the
influence of the larger collection of Abū Muḥammad al-Ḥarīrī
مقامات بديع الزمان الهمذاني:
النص والمخطوطات والتاريخ
The Maqāmāt of Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī:
Text, Manuscript and History
موريس بومرانتز | Pomerantz Maurice
مقامات بديع الزمان الهمذاني:
النص والمخطوطات والتاريخ
The Maqāmāt of Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī:
Text, Manuscript and History

مقدّمة1

شكّلت مقامات بديع الزمان الهمذاني (ت 398 ه/ 008 1 م) موضوع دراسة لعدد كبير من الكتب والمقالات في حقل الدراسات العربية2. ونظرًا إلى أنّ الهمذاني هو مبدع هذا الفن الذي ترك أثرًا كبيرًا في الأدب العربي والعالمي عامّة على مدى أكثر من ألف سنة، فإنّ مقاماته تكتسب أهمية خاصة. لكن، على الرغم من هذه الأهمية، ومنذ صدور طبعة محمد عبده لمقامات الهمذاني سنة 889 1، لم تطرح الدراسات عن المقامات أسئلة عن التاريخ النصي لهذا العمل؛ فقد ساد الاعتقاد أنّ محمد عبده عدّل النص في مواضع قليلة ليتوافق مع العرف الأخلاقي السائد في عصره، وفي ما عدا ذلك رسخ في أذهان الدارسين أنّ النص المطبوع يمثّل ما قاله الهمذاني، وبذلك أضحى نص محمد عبده، بكلّ سلبياته وأخطائه، في الغالب، المرجع المعتمد عند الحديث عن مقامات الهمذاني. ولا ريب في أنّ الاعتماد على نص محمد عبده يشكّل عقبة أمام الدارسين الراغبين في تحليل النص، ويحرمهم في الوقت نفسه فهْمَ البيئة الأدبية التي شكّلت النص الأدبي ورعته. وليس أدلّ على ما نذهب إليه من أنّ المستشرق البريطاني د. س ريتشاردز Richards Donald Sidney نشر في سنة 991 1 مقالة يبيّ فيها خطورة الاعتماد على طبعة محمد عبده، مشيرًا إلى أنّ عددًا من خصائص النص التي سلّم بها الدارسون على أنها من نتاج الهمذاني، كعناوين المقامات وترتيبها، لا يمتّ إلى الهمذاني بصلة، بل هو نتيجة تناقل النص ونسخه عبر العصور3. بيّنت دراسة حديثة لإبراهيم جريس صعوبة تأويل نص الهمذاني في غياب طبعة علمية، مظهرةً أنّ اعتماد الدارسين على الرواية المتأخّرة لنص الهمذاني أفضى إلى تحليل مفردات وعبارات دخيلة على النص الأصلي4. ويتّخذ جريس المقامة البشرية موضوعًا لدراسته، وهي المقامة التي شكّك عدد من الباحثين في صحة نسبتها إلى الهمذاني، وذلك لخلوّها من بعض خصائص مقامات الهمذاني الرئيسة. إلّ أنّ جريس يثبت أنّ المقامة البشرية موجودة ضمن أقدم مجموع لمقامات الهمذاني (فاتح 097 4)، الأمر الذي يعزّز نسبتها إليه. ومن هنا نرى أنّ الدراسة الفيلولوجية لنص الهمذاني في ضوء تاريخ النص ستشكّل الأساس السليم الذي يقوم عليه التحليل الأدبي للنص. تبدأ مقالتنا هذه رحلة البحث عن نص الهمذاني في التراث المخطوط، واصفةً بعض مزايا هذا النص وتاريخ تشكيله. يعالج القسم الأول من المقالة قضية جمع المقامات، ويتناول القسم الثاني خصائص مجموع مقامات الهمذاني كعمل أدبي في ضوء مخطوطات النص التي وصلتنا، في حين يركّز القسم الثالث على المادة الأدبية التي لم تتضمّنها طبعة محمد عبده، أكثر الطبعات شيوعًا. وتخلص المقالة إلى أنّ مجموع مقامات الهمذاني، قبل طبعة محمد عبده، كان مدوّنة متغيّة نمَت على مرّ الزمن بتأثير من مجموع مقامات الحريري.

جمع المقامات

غالب الظن أنّ مقامات الهمذاني لم تكن تمثّل عنده عملً أدبيًا متكاملً، على الأقل في المرحلة الأولى من تأليفها؛ فالشاعر مثلً يبدأ بنظم القصائد ومن ثمّ يجمعها في ديوان حين يتشكّل لديه عدد كافٍ منها، ويمكن للشاعر أن يضيف قصائد إلى ديوانه المجموع في مرحلة لاحقة. وغالبًا ما يجمع الديوانَ أحدُ المقرّبين من الشاعر أو رواته في حياته أو بعد وفاته. هذا الأمر يصحّ أيضًا في دواوين الرسائل والخطب، ولعلّه الأقرب إلى الصواب أيضًا في ما يتعلّق بمقامات الهمذاني وجمعها.

  1. يدين الباحثان لرمزي بعلبكي ووحيد بهمردي لقراءتهما مسوّدة هذا البحث والتعليق عليها، ولمحمد كاظم رحمتي لتزويدهما بنسخ من مخطوطات مقامات الهمذاني من إيران، ولمكتبات السليمانية، ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية School of Oriental and African Studies (SOAS)، وجامعة يال Yale University لتعاونها في إنجاز هذا العمل.
  2. انظر البيبليوغرافيا المتضمّنة في: Jaakko Hämeen-Anttila, Maqama: A History of a Genre , Diskurse der Arabistik; 5 (Wiesbaden: Harrassowitz, 2002).
  3. Donald Sidney Richards, "The Maqāmāt of al-Hamadhānī: General Remarks and a Consideration of the Manuscripts," Journal of Arabic Literature , vol. 22 (1991), pp. 89 - 99.
  4. Ibrahim Geries, "Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī’s Maqāma of Bishr b. 'Awāna (al-Bishriyya)," Middle Eastern Literatures , vol. 14 (2011), pp. 121 - 153 especially pp. 125 - 126.

لقد عالج عدد من الدارسين قضية جمع مقامات الهمذاني، نظرًا إلى أهمية النص التاريخية والأدبية، فطرحوا غير فرضية حول هذا الجمع. وأوّل هؤلاء الدارسين كان د. س ريتشاردز الذي قسّم مخطوطات الهمذاني إلى المجموعتين التاليتين: المجموعة العثمانية العائدة إلى القرن 9 ه/ 5 1 م، والممثّلة في ستة مخطوطات، يحوي كلّ منها 50 مقامة. المجموعة الأوّلية، من القرن 6 ه/ 21 م إلى القرن 8 ه/ 41 م والممثّلة بثلاثة مخطوطات تحتوي على 19، 33، و 0 4 مقامةً بترتيب مختلف عن المجموعة العثمانية. أما هامين- أنتل Anttila - Hämeen، فيطرح في كتابه عن تاريخ فن المقامة Maqama: A History of the Genre فكرة وجود مجموعة من مقامات الهمذاني في شمال أفريقيا تتضمّن ما بين 0 302 و مقامة. يعتمد هامين-أنتلّ في طرحه على دراسة ريتشاردز، وعلى عبارة لابن شرف القيرواني (ت 60 4 ه / 067 1 م) في "مسائل الانتقاد" تشير إلى أنّ مجموع مقامات الهمذاني 0 2 مقامة، وعلى الاقتباسات التي يسوقها أبو إسحق إبراهيم بن علي الحصري (ت بعد 22-1021 / 3 14 م) في كتابه زهر الآداب. يشير هامين - أنتلّ إلى أن هذه المجموعة الصغيرة المكوّنة من 0 2 مقامة تعود إلى القسم الأول من مقامات الهمذاني وفقًا لترتيب طبعة محمد عبده5. وبناءً على ما يشير إليه هامين -، من المحتمل وجود مجموعة قديمة لمقامات أنتلّ الهمذاني بين أيدي النسّاخ، خاصةً أن الهمذاني وضع عددًا من المقامات وأشار إليها في مناظرته المشهورة مع أبي بكر الخوارزمي (ت 383 ه/ 993 م) قبل وضعه مقامات أخرى متأخّرة زمنًا، منها تلك التي يمدح فيها خلف بن أحمد الذي تولّ حكم سجستان سنة 393 ه/ 003 1 م. ويبقى طرح هامين - أنتلّ فرضية ما لم يتمّ اكتشاف مخطوط لهذا المجموع الافتراضي المبكّر. على الرغم من غياب مثل هذا المخطوط، لا شكّ في أنّ مقامات الهمذاني كانت منتشرة ومتداولة في أثناء حياته أو بُعيد وفاته؛ فعلاوة على اقتباسات الحصري المطوّلة، يقتبس معاصره أبو منصور الثعالبي (ت 9 24 ه / 039 1 م) من مقاماته في ثمار القلوبويتيمة الدهر6. ولئن كان الثعالبي قد التقى الهمذاني، فمن غير المرجَّح أن يكون الحصري قد التقاه، خاصةً أنّ الهمذاني لم يغادر فارس، والحصري لم يسافر إليها، وهذا ممّا يرجّح أن يكون الحصري قد اعتمد على مصدر مكتوب كان موجودًا في شمال أفريقيا عند تأليفه زهر الآداب.

خصائص مجموع المقامات يف ضوء التراث المخطوط

من البديهي أن يلاحظ متلقّو مقامات الهمذاني، قرّاءً ومستمعين، نوعًا من التشابه بين مقامة وأخرى، وأن ينظروا إليها على أنها عمل متجانس في كثير من جوانبه. ومن البيّ أنّ هؤلاء المتلقيّن لم يلقَوا صعوبة في إدراك مفهوم المقامة، على جدَّته، وذلك لأنّ المقامات، بطبيعتها، مجموعة من "الأخبار" يرويها شخص واحد عن نفسه أو عن رحلات شخص آخر ومغامراته. ومع أنّ الراوي والبطل وهميان، فإنّ عملية جمع هذه الأخبار في كتاب واحد لم تكن غريبة عن بيئة حفلت بالأسانيد والمرويات؛ فمجموع المقامات يشبه إلى حدٍّ ما المسند الذي يجمع مرويات شخص واحد، وتصبح الرواية بذلك هي ناظم الكتاب الرئيس7. ويبدو أنّ النسّاخ اعتمدوا في جمعهم مقامات الهمذاني في مجلّد واحد على فهمهم لمصطلح المقامة كما تبلور في مرحلة لاحقة لزمن المؤلّف نفسه، أي بعد أن نشأت مجموعات أدبية، من مثل مجموعة ابن ناقيا (ت 85 4 ه/ 2211 م) بمقاماتها العشر، أو - بصورة أخص- مجموعة أبي القاسم الحريري (ت 516 ه/ 2211 م) بمقاماتها الخمسين. إنّ مخطوطات مقامات الهمذاني تشير إلى وعي متزايد بخصائص مجموعات المقامات التي تمثّل كتبًا مستقلّة ومتكاملة عضويًا، وهذا يتبدّى في كتابة مقدّمات للمجموعة الواحدة، والالتزام بوحدة الشخصيات الرئيسة، والتقيد بعدد ثابت للمقامات في المجموعة الواحدة.

  1. Hämeen-Anttila, Maqama: A History of a Genre , pp. 118 - 119.
  2. أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنصوب، محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق) (القاهرة: دار المعارف، 985 1)، ص 03 2؛ وللاقتباسات من "يتيمة الدهر"، انظر مقالة إبراهيم جريس: Ibrahim Geries, "On Jaakko Hämeen-Antilla, Maqama: A History of a Genre " Middle Eastern Literatures , vol. 8 (2005), pp. 187 - 195 , esp. p. 188.
  3. انظر: Gregor Schoeler, The Genesis of Literature in Islam: From the Aural to the Read , Shawkat M. Toorawa (trans.), The New Edinburgh Islamic Surveys (Edinburgh: Edinburgh University press, 2009), p. 79.

المقدّمات

غالبًا ما تتضمّن الكتب العائدة إلى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي مقدّمات، ولو جمع الهمذاني مقاماته بنفسه لكان من المتوقّع أن يقدّم لها بنفسه8؛ فمنذ مجموع ابن ناقيا، صار من المعتاد أن يقدّم مؤلّف أي مجموعٍ للمقامات عمله الأدبي، مُظهرًا دوره التأليفي بصيغة المتكلّم. ومع أنّ مخطوطات مجموع مقامات الهمذاني تبدأ غالبًا بمقدّمة، فإنّ من الملاحَظ أنّ هذه المقدّمة ليست من وضع الهمذاني نفسه، وتلك صفة تميز مجموعه عن سائر المجموعات اللاحقة. ونجد في مخطوطات مقامات الهمذاني العائدة إلى ما قبل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي9 مقدّمتين مختلفتين، في اثنتين منهما أضافهما النسّاخ، فمقدّمة مخطوطة مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية (ورقة 2 أ) هي: "فهذا ممّا أملاها الأستاذ الإمام الفاضل أبو الفضل بديع الزمان أحمد بن الحسين الهمذاني روايةً عن عيسى بن هشام من مقامات أبي الفتح الإسكندري".

مقدّمة مخطوطة مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية، ورقة 2 أ

أمّا في مخطوطة آيا صوفيا 83 24، فنجد المقدّمة التالية: "هذه المقامات أملاها الأستاذ أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني بنيسابور وذكر أنّه أنشأها على لسان أبي الفتح الإسكندري ورواها عن عيسى بن هشام وذكر غيره أنها من إنشاء أبي الحسين أحمد بن فارس وتواتر الخبر بذلك".

  1. انظر: Bilal Orfali, "The Art of the Muqaddima in the Works of Abū Manṣūr al-Thaʿālibī (d. 429 / 1039)," in: Lale Behzadi & Vahid Behmardi (eds.), The weaving of words: Approaches to classical Arabic prose , Beiruter Texte und Studien; 112 (Beirut: Orient-Institute; Würzburg: Ergon in Kommission, 2009), pp. 181 - 202. ويشير غريغور شولر في كتابه عن المروي والمكتوب في الفترة الإسلامية المبكّرة: Gregor Schoeler, The Oral and the Written in Early Islam , Uwe Vagelpohl (trans.), James E. Montgomery (eds.), Routledge Studies in Middle Eastern Literatures; 13 (London: Routledge, 2006), p. 46. إلى التمييز في الثقافة اليونانية بين مدوّنات الباحث الشخصية hypomnēma والكتب الأدبية التي تُؤلَّف وفقًا لمعايير ثابتة syngramma.
  2. مط فاتح 4097 (520 ه/ 6 211 م)، ومط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 7280 4 (القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي)، ومط يال سالسبري 63 (603 ه/ 06 21 م)، ومط آيا صوفيا 4283 (692 ه/ 5 221 م)، ومط باريس 3923 (8 ه/.) 41 م

مقدّمة مخطوطة آيا صوفيا 4283

وجدير بالذكر هنا أنّ مخطوط باريس 3923 (ورقة 3 أ) -وهو المخطوط الوحيد بين المخطوطات الخمسة الأقدم الذي يجمع بين رسائل الهمذاني ومقاماته- يتحدّث عن المقامات لا بوصفها عملا أدبيًا مستقلاًّ، بل بصفتها "من المقامات التي أملاها على ألسنة المكدّين"، ملمحًا بذلك إلى أنها مجموعة من مقامات فردية وليست عملا أدبيًا متكاملً. أما في ما يتعلّق بالمخطوطات المتأخّرة نسبيًا، فمخطوط نور عثمانية 4270 (064 1 ه / 654 1 م)، ومخطوط ولي الدين أفندي 2640 (6 211 ه / 714 1 م)، ومخطوط رئيس الكتّاب 912 (30 11 ه / 718 1 م)، يبدأ كلّ منها بمقدّمة متأثّرة إلى حدّ بعيد بعبارة ابن شرف القيرواني في "مسائل الانتقاد"، ولا سيما منها قوله أنّ بديع الزمان الهمذاني "زوّر" المقامات التي أنشأها "بديهةً" على لسان راوية يدعى عيسى بن هشام يزعم أنّه سمعها عن بليغ يسمّيه أبا الفتح الإسكندري10.

مقدّمة مخطوط نور عثمانية، ورقة 1 ب

  1. يصرّح أحمد بن عبد المؤمن الشريشي (ت 620 ه/ 221 م) في شرح مقامات الحريري، محمد عبد المنعم خفاجي (مشرف ومصحّح) (بيروت: المكتبة الثقافية، 952 1)، ص 1-15، بأنّ الهمذاني كان يؤلّف مقاماته "ارتجالاً" في ختام مجلسه وفقًا لأغراض يقترحها الحضور.

الشخصيات الرئيسة

يلُاحَظ في مجموعات المقامات ثبات الشخصية والراوية؛ ففي ما يتعلّق بمقامات الهمذاني، من الشائع عدّ الراوية عيسى بن هشام وعدّ البطل الرئيس أبا الفتح الإسكندري. غير أنّ فكرة ثبات الراوية والبطل لم تكن ضرورةً في بدايات التأليف في المقامات، ولم تغدُ كذلك إلى أن بدأ متلقّو مقامات الهمذاني تأويل النص والتفاعل معه. فعلى سبيل المثال، تقتصر مجموعة مقامات ابن ناقيا على بطل واحد (اليشكري)، ولكن الراوية يتغيّ من مقامةٍ إلى أخرى؛ فمجموعة مقاماته تنتظم بعامل المكان (بغداد)، وتختلف بهذا اختلافًا كبيرًا عن النمط الهمذاني القائم على حركة الراوي والبطل11. ويبدو أنّ التزام الحريري براوية وبطلٍ ثابتين في مجموعة مقاماته (الحارث بن همام وأبو زيد السَّوجي) كان ذا أثرٍ كبير في تأليف المقامات التي تلت عصر الحريري. وبالعودة إلى أقدم مخطوط لمقامات الهمذاني، مخطوط فاتح 097 4، نرى أنّه يتضمّن مقامات لا يرويها عيسى بن هشام. فهذا المخطوط، على سبيل المثال، يتضمّن المقامة البشرية، وهي مرويّة، كما يشير إبراهيم جريس، على لسان الحسن (أو الحسين) بن محمد الفارسيني12. وكذلك المقامة الصيمرية مرويّة على لسان شخصية حقيقية، أي محمد بن إسحق المعروف بأبي العنبس الصيمري المتوفّ سنة 75 2 ه / 888 م13. إذًا، لم تكن شخصية الراوية الواحد عاملً أساسيًا في مجموعات المقامات الأولى، كذلك الأمر بالنسبة إلى شخصية البطل الواحد، وهذا أمرٌ بيٌّ في مقامات الهمذاني؛ إذ من المعروف أنّ البطل متغيّ في مقامات الهمذاني، وأنّ أبا الفتح الإسكندري، وإن كان يظهر في غالبية المقامات، ليس الشخصية الوحيدة، بل هناك شخصيات أخرى تظهر في المقامات المدحية الموجّهة إلى الأمير خلف بن أحمد، وتقوم أيضًا بدورٍ احتيالي14. ليس من دليل على أنّ مقامات الهمذاني كانت متداولة بصفتها مجموعة أدبية واحدة في زمانه، غير أنّ الهمذاني نفسه يشير إلى مقاماته في مناظرته المشهورة مع أبي بكر الخوارزمي على أنها "مقامات الإسكندري"، وأنّ عمله كان "رواية" هذه المقامات15. وجدير بالذكر أنّ المقامة الأسدية تبدأ بالعبارة التالية: "حدّثنا عيسى بن هشام قال كان يبلغني من مقامات الإسكندري ومقالاته ما يَصغى إليه النفور وينتفض له العصفور"16. ويستدلّ من هذه الإشارات أنّ الهمذاني نأى بنفسه عن عمله الأدبي كمؤلّف مباشر له، ولعل الظاهر يوحي بأنّ المقامات هي من تأليف الإسكندري.

عدد المقامات يف المخطوطات وترتيبها

نبّه د. س ريشاردز إلى أنّ ترتيب المقالات في مخطوط فاتح 097 4، وهو الأقدم كما أشرنا سابقًا، مختلف عن ترتيب طبعة محمد عبده. وهذا الترتيب القديم للمقامات مماثل للترتيب المعتمد في مخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 7280 4 العائد إلى القرن التاسع عشر الميلادي والمنسوخ

  1. للسفر والانتقال في مقامات الهمذاني، انظر مقالة: محمد بريري، "الرحيل في’مقامات‘ بديع الزمان الهمذاني: الإيحاءات والمغزى"، ألف، العدد 26 (006 2)، ص 138-158.
  2. انظر مناقشة إبراهيم جريس لهذه الشخصية في: Geries, "Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī’s Maqāma of Bishr b. 'Awāna (al-Bishriyya)," p. 130. إلاّ أنّ جريس لم يتوصّل إلى تحديد تلك الشخصية، وجدير بالذكر أنّ الهمذاني في مخطوط باريس 3239 يقتبس شعرًا لبركويه الزنجاني برواية أبي عبد الله الفارسيني، والذي قد يكون الراوية نفسه للمقامة البشرية.
  3. انظر: Hämeen-Anttila, Maqama: A History of a Genre , p. 44.
  4. المصدر نفسه، ص 60.
  5. انظر عبارة الهمذاني: "... تجهيز قدحٍ علينا فيما روينا من مقامات الإسكندري"، في:أحمد بن الحسن بن يحي بديع الزمان الهمذاني، كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان، إبراهيم بن السيد علي الأحدب الطرابلسي الحنفي (محقّق) (بيروت: دار التراث، [د.ت.])، ص 389-390؛ ومط باريس 3239، ورقة. 2 أ
  6. أحمد بن الحسن بن يحيى بديع الزمان الهمذاني، مقامات بديع الزمان الهمذاني، محمد عبده (محقق)، ط 0 1 (بيروت: دار المشرق، 002 2)، ص 9 2. ومن الملاحظ هنا أنّ رواية مخطوط فاتح 097 4 ومخطوط يال 63 هي: "ما يُصغي إليه الفُور"، ويبدو أن كلمة "الفُور"، جمع فائر، وهي الظباء (انظر اللسان "فور")، قد استُبدلت ب "النفور".

عن مخطوط أقدم يعود إلى سنة 562 ه/ 7-1166 م، ومخطوط يال- سالسبري Yale, Salsbury Manuscript 63 المنسوخ في سنة 603 ه/ 06 21 م. إنّ التشابه بين هذه المخطوطات، من حيث الترتيب، يشير إلى علاقة بينها؛ وقد يسوّغ افتراض وجود مجموع لمقامات الهمذاني بين أيدي النسّاخ يعود إلى ما قبل سنة 520 ه/ 6 211 م، أي بما يربو على القرن من وفاة الهمذاني. وجدير بالذكر أنّ وجود أربعين مقامة في المخطوط الأقدم ربما يكون محاكاة لمجموعات الحديث المتضمّنة أربعين حديثًا17. وعلى الرغم من وجود أربعين مقامةٍ في المخطوط الأقدم، فإنّ عدد المقامات في مخطَوطي يال -سالسبري ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية يصل إلى خمسين. أمّا المقامات العشر الإضافية، فهي إمّا مُلَح للهمذاني وإمّا مقامات أخرى منسوبة إليه. يرى هامين- أنتلّ أنّ مُلَح الهمذاني التي يغيب عنها الراوي والبطل، كانت قيد التداول خارج مجموعة المقامات ومجموعة الرسائل، وأنّ جامعًا مجهولً قد زادها على مجموع المقامات18. أمّا إبراهيم جريس، فيخلص إلى أنّ هذه المُلَح أخبار وإنشاءات للهمذاني أو عنه، وأنها عُدّت مقامات في مرحلة لاحقة19. ومن الملاحَظ أنّ مخطَوطيْ يال - سالسبري ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية يتضمّنان سبع مُلَح تقع في نهاية المجموعتين تقريبًا (بترتيب 37-43 في مخطوط يال-سالسبري و 3-50 4 في مخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية). يضيف مخطوطا يال-سالسبري ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية ثلاث مقامات ليصل العدد الإجمالي إلى خمسين؛ ففي مخطوط يال - سالسبري نجد مقامةً على هيئة رسالة، والمقامتين المطلبية والطبّية (وهذه الأخيرة ليست موجودة في طبعة محمد عبده)20، ونجد في مخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية ثلاث مقامات لم تتضمّنها طبعة محمد عبده، ولمّا كانت غير مسمّاة ارتأينا أنّ نسمّيها الهمذانية والشريفية والخاتمية (أنظر جدول المقارنة بين المخطوطات في الملاحق). من اللافت حقًّا أنّ نموّ مجموع مقامات الهمذاني من 0 4 إلى 50 قد حصل في القرن نفسه الذي ألّف فيه الحريري مقاماته الخمسين، الأمر الذي ينمّ عن أثرٍ لمجموع الحريري في تشكّل المجموع الهمذاني، خاصةً بعد ذيوع صيت مقامات الحريري وتفوّقها من حيث الشهرة على مقامات الهمذاني21. علاوة على ذلك، يبدو أنّ مدلول كلمة مقامة في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي يختلف عن مدلولها في عصور لاحقة، وهو أمر يفسّ إدخال المُلَح الهمذانية إلى مجموع المقامات في الفترة المبكّرة. ويبدو أنّ النسّاخ في ذلك القرن كانوا مطّلعين على مادّة أدبية تصلح لأن تُنسب إلى الهمذاني على أنها مقامات. ولسنا ننسى في هذا المجال أنّ المقامات الستّ المدحية (الناجمية، والخلَفية، والنيسابورية، والملوكية، والسارية، والتميمية) لا وجود لها في مخطوطات المقامات التي ترجع إلى ما قبل القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. يبدو أنّ النسّاخ، أو بعض متلقّي النص، كانوا على وعي ببعض المسائل المتعلّقة بمجموع مقامات الهمذاني؛ من ذلك مثلً أنّ قارئًا لمخطوط فاتح أضاف في الورقة 2 أ منه ما يلي: "رأيت له مقامتين ليستا هنا أحداهما خمرية وأوّلها اتفق لي في عنفوان الشبيبة والأخرى طبّية أوّلها عن لي الاجتياز ببلاد الأهواز وعدّة المقامات أربعمائة قاله مصنفها والثعالبي".

  1. نجد في مخطوط فاتح 097 4 (ورقة 2 أ) العبارة التالية: "كتاب المقامات الأربعين". وفي ما يتعلّق بمجموعات الحديث الأربعينية، انظر: Jonathan A. C. Brown, Hadith: Muhammad's Legacy in the Medieval and Modern World , Foundations of Islam (Oxford: Oneworld Publications, 2009), pp. 55 - 56.
  2. Hämeen-Anttila, Maqama: A History of a Genre , p. 77.
  3. Geries, "Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī’s Maqāma of Bishr b. 'Awāna (al-Bishriyya)," p. 130.
  4. انظر: Bilal W. Orfali and Maurice A. Pomerantz, "A Lost Maqāma of Badīʿ al-Zamān al-Hamaḏānī?" Arabica , vol. 60 (2013), pp. 245 – 271 , esp. p. 248.
  5. يقول أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي، على سبيل المثال فيصبح الأعشى في صناعة الإنشا (القاهرة: المطبعة الأميرية، 919 1)، ص -110 41: "واعلم أن أوّل من فتح باب عمل المقامات علّمة الدهر وإمام الأدب البديع الهمذاني فعمل مقاماتهالمشهورة المنسوبة إليه، وهي في غاية من البلاغة وعلوّ الرتبة في الصنعة، ثم تلاه الإمام أبو محمد القاسم الحريري فعملمقاماته الخمسين المشهورة فجاءت نهاية في الحسن وأتت على الجزء الوافر من الحظّ وأقبل عليها الخاص والعام حتّى أنست مقامات البديع وصيرتها كالمرفوضة". والملاحظ هنا أن القلقشندي يتحدّث عن خمسين مقامة للحريري بينما يشير إلى مقامات مشهورة منسوبة إلى الهمذاني من دون تحديد عددها.

مخطوط فاتح، ورقة 2 أ

ويمكن، استنادًا إلى ما سبق، وبالعودة إلى 0 4 مخطوطًا لمجموع مقامات الهمذاني، تقسيم مخطوطات المجموع إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى، وهي أكثر المجموعات تجانسًا، تتألّف من المخطوطات الخمسة الأقدم، وهي: فاتح 097 4 ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 7280 4 ويال- سالسبري 63 وآيا صوفيا 83 24 وباريس 3923. المجموعة الثانية مكوّنة من 0 2 مخطوطًا تعود إلى ما بين القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي إلى القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي. تعتمد هذه المخطوطات ترتيب مخطوط فاتح 097 1، وتتضمّن عددًا آخر من المقامات والمُلَح، من بينها الهمذانية والشريفية والخاتمية. المجموعة الثالثة تتضمّن 5 1 مخطوطًا تعود إلى ما بين القرن العاشر الهجري/القرن السادس عشر الميلادي والقرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي. ترتيب المقامات في هذه المجموعة هو الترتيب الذي نجده في طبعة محمد عبده، وتتضمّن، إضافةً إلى المقامات الموجودة في مخطوط فاتح، المقامات التالية: المغزلية، والناجمية، والخلفية، والنيسابورية، والعلمية، والشعرية، والملوكية، والصفرية، والسارية، والتميمية، والخمرية.

مواد لم تتضمنها طبعة محمد عبده

المقامة الشامية

هذه المقامة مثبتة في بعض طبعات المقامات22، ولا يُشكّ في صحة نسبتها إلى الهمذاني. صحيح أنّ محمد عبده لم يضمّنها طبعته، إلّ أنّ ذلك مردّه إلى دواعٍ أخلاقية بحتة؛ إذ إنّه يقول في مقدّمة طبعته25: "وههنا ما ينبغي التنبيه عليه وهو أنّ في هذا المؤلَّف من مقامات البديع رحمه الله افتنانًا في أنواع من الكلام كثيرة ربّما كان منها ما يستحي الأديب من قراءته. ويخجل مثلي من شرح عبارته. ولا يحمل بالسذّج أن يستشعروا معناه. أو تنساق أذهانهم إلى مغزاه. وأعوذ بالله أن أرمي صاحب المقامات بلائمة تنقص من قدره. أو أعيبه بما يحطّ من أمره. ولكنْ لكلّ زمانٍ مقال. ولكلّ خيال مجال. وهذا عذرنا في ترك المقامة الشامية. وإغفال بعض جمل من المقامة الرصافية. وكلمات من مقامة أخرى مع التنبيه على ذلك في مواضعه. والإشارة إلى السبب في مواقعه". يتّخذ الراوية عيسى بن هشام في هذه المقامة دورَ قاضٍ في بلاد الشام يختصم إليه رجل هو الإسكندري وامرأتان، الأولى تدّعي صداقًا، والثانية تلتمس طلاقًا ونفقة. يستمع القاضي إلى ادّعاء الرجل في تهرّبه من صداق الأولى، ثم يسمع ردّها، ثم دفاع الرجل الذي يتبيّ كذبه. بعدئذٍ تطلب الامرأة الثانية الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، فيحكم القاضي للامرأة بنفقة قدرها "مائة"26 في الشهر. إلّ أنّ الإسكندري يجد أنّ هذا فوق الطاقة، فيهدّده القاضي بإبرام الطلاق. يعود الإسكندري بعد شهرين ليلتمس تخفيف النفقة فينذره القاضي بإبرام الطلاق مجدّدًا، عند ذلك ينشد الإسكندري أبياتًا في هجائه.

المقامة الشامية في مخطوط فاتح، ورقة 28 أ 28 -ب

  1. انظر مثلً: أحمد بن الحسين بديع الزمان الهمذاني: مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني (قسطنطينية: مطبعة الجوائب، 98 21 ه)، ص 3-45 4؛ مقامات بديع الزمان الهمذاني (بيروت: دار الانتشار العربي، 009 2)، ص 157-158. 23 الهمذاني، مقامات بديع الزمان الهمذاني، تحقيق محمد عبده، ص 2. وجدير بالذكر أنّ محمد عبده يتصرّف في نص الهمذاني في عدد غير يسير من المقامات من دون أن يشير إلى ذلك في هوامش تحقيقه، ومثال ذلك صنيعه في المقامة الموصلية بتغييره موضع دسّ الجثّة من "الإست" إلى "الإبط"، الأمر الذي يغيّ مقصد صاحب المقامة من حيث انتهاك حرمة الميت على أبشع صورة ممكنة. 24 كذا جاء في الأصل من دون تحديد "المائة".

خاتمة المقامة السجستانية

وجدتُهم قافلة الحميرِ ففزت منهم بكِرا بَعيرِ وبالذي أنفق في المسيرِ نجد خاتمة هذه المقامة في مخطوط آيا صوفيا (الذي اعترى أوراقَه خلطٌ كبير)، ومخطوط يال - سالسبري 63، ومخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 7280 4، علاوة على عدد من المخطوطات المتأخّرة. أمّا طبعة محمد عبده، فلا تشتمل على تلك الخاتمة، وتنتهي فيها المقامة على النحو التالي: "فقلت كم يحلّ دواءَك هذا فقال يُحِلُّ الكيسُ ما شئتَ؟ فتركتُه وانصرفت"27. وهذا نص ما تبقّى من هذه المقامة اعتمادًا على مخطوط آيا صوفيا: يُخلى دواؤكَ فقال: يُخلى الكيس ما شئتَ فأما البطنُ فلا، فلمّا فرغ من مقامته صرتُ إليه وقلت: ما دعاك إلى هذا؟ فأنشأ يقولُ (من الرجز): وكنتُ مشتاقًا إلى الأمير وبالذي يُقضَمُ من شعير ثم ذكرت حوصلي وطيري فتركتهُ وانصرفتُ.

خاتمة المقامة السجستانية في مخطوط آيا صوفيا 4283

  1. المصدر نفسه، ص 23.

خاتمة المقامة السجستانية في مخطوط يال - سالسبري 63، ورقة 17 أ

خاتمة المقامة السجستانية في مخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 47280، ورقة 58 ب

المقامة الطبّية

المجموع القديم يجعلها أكثر موثوقية من خُمس المقامات المنشورة في طبعة محمد عبده. موضوع هذه المقامة، الموجودة حصرًا في مخطوط يال - سالسبري 63، هو الطبّ والصيدلة. يقصّ راوي المقامات المعتاد عيسى بن هشام مغامرةً لطبيب في مدينة الدونق مع رفقة من مدينة الأهواز. بعد تعداد بارع ومسجّع للأمراض النادرة والعقاقير التي تشفيها، يستطيع الطبيب، بمساعدة ابنه، أن يخدع هذه الرفقة ويحصّل منهم رزقه. وكما هي العادة في مقامات الهمذاني الأخرى، يكشف الراوي قناع أبي الفتح الإسكندري في نهاية المقامة. وقد ناقش بلال الأرفه لي وموريس بومرانتز صحة نسبة هذه المقامة إلى الهمذاني اعتمادًا على الأسلوب والشكل، مؤكّدَين أنّ وجودها ضمن هذا

المقامة الطبّية في مخطوط يال - سالسبري، ورقة 29 أ 30 -ب

  1. انظر: Orfali & Pomerantz, "A Lost Maqāma of Badīʿ al-Zamān al-Hamaḏānī?", pp. 270 – 271.

المقامة الهمذانية

وصلتنا هذه المقامة والمقامتان التاليتان في أكثر من أحد عشر مخطوطًا. ومضمون المقامة الهمذانية أنّ عيسى بن هشام يصل إلى مدينة همذان الخاضعة لزعامة شخص يدعوه الشريف الحسني. يلتحق عيسى بمجلس الحسني ويلتقي شخصًا "ينتمي لابن المشرّف الكاتب"، وآخر "بالدسكرة قد عاودَ الدَّعْوة الأولى [العبّاسية] وانْتَمى لبغداد". يبدأ هذا الرجل بإنشاد شعر يحن فيه إلى الزمن الماضي، ذاكرًا الشيب والشباب، وبعد ذلك ينتقل إلى تعداد المناطق البغدادية والمناطق القريبة منها. يخلص الشاعر بعدها إلى مدح الشريف الحسني بالجود والعطاء والإحسان، وهي صفات تمكّن الشاعر من التغلّب على "ريب الزمان". وفي البيتين الأخيرين يشير الرجل إلى سفره واختباره بخل الناس وَجودهم قبل أن ينصرف إلى حضرة الشريف. وفي ختام المقامة يتعرّف الشاعر إلى هوية الراوي عيسى بن هشام فينشد بيتًا في الغزل ينمّ عن هذا التعرّف ويتداركه ببيت آخر يستره، فيردّ عيسى بن هشام ببيتٍ يعِدُ الشاعرَ بكتمان سرّه.

المقامة الهمذانية في مخطوط جامعة اسطنبول 1227، ورقة 92 أ

  1. انظر البحث التالي بشأن موثوقية هذه المقامات الثلاث: Maurice A. Pomerantz & Bilal W. Orfali, "Three Maqāmāt Attributed to Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī (d. 398 / 1008)," Journal of Abbasid Studies , forthcoming.

المقامة الشريفية

راوية هذه المقامة هو ابن عيسى بن هشام، واسمه محمد. يروي محمد أنّه شهد أبا الفتح الإسكندري يكتب للشريف الحسني نيابةً عن طاهر بن محمد الإسكندري، وأنّ فحوى ما كتبه رغبته في العودة إلى حضرة الشريف ومدحه بعد أن اضطرّته صروف الدهر إلى ترك تلك الحضرة. ينتقل كاتب المقامة بعد ذلك إلى وصف ما لقيه في بُعده من شقاء وقلق وسهاد وبخل الباخلين، ليمدح الشريف مجدّدًا في الختام.

المقامة الشريفية في مخطوط مجلس مل 5764 / 2، ورقة 124 ب 125 -أ

المقامة الخاتمية

يروي عيسى بن هشام في هذه المقامة قصة خلاف حول "زوجَيْ خاتم" بينه وبين أبي سعد القائجاني، وقد كان أبو سعيد قد قايض أحد الزوجين ب" توزيع" ناله من الأستاذ أبي علي الحسن بن أحمد، ولكنه ندم بعد أن عرف قيمة الخاتمين. عند ذلك يتحدّى القائجاني الراويَ في لعبة شطرنج يكون الخاتمان فيها من نصيب الرابح، فإذا بالقائجاني يغشّ في اللعب مرّتين. وكان القائجاني أقرع لا يتجاسر أحدٌ على ذكر الرأس أو القرع في حضوره، فإذا بالراوي ينظم شعرًا ينذر فيه القائجاني ويذكر رأسه لأنه رفض تسليم الخاتمين الآخرين. وتستمرّ المكاتبة والخلاف وذكر القرَع إلى أن يجتمع الاثنان إلى مائدة أبي الحسن بن أحمد. إلّ أنّ الراوي يمتنع عن الطعام بسبب حضور القائجاني، وينشد أبياتًا يهجوه معرّضًا برأسه الأقرع. ولمّا استغرب أبو الحسن هذا الفعل على المائدة، قصّ عليه عيسى بن هشام ما حدث. في إثر ذلك تناول أبو الحسن الخاتمين من القائجاني وأعطاهما لعيسى وسأله أن يتوقّف عن الهجاء. وتنتهي المقامة بأبيات من الشعر لأحد الكتّاب يمدح فيها عيسى بن هشام لهجائه القاسي للقائجاني. غير أنّ القائجاني شكا هذا الأمر إلى الأستاذ أبي الحسن، فردّ عيسى بشعر يذكّر فيه القائجاني بأنه كان قد حذّره من مغبّة فعله.

المقامة الخاتمية في مخطوط مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية 47280، ورقة 122 ب 123 -أ

خاتمة

أسّس الهمذاني في مقاماته لفن ترك أثرًا كبيرًا في الأدب العربي والعالمي، غير أنّ نص الهمذاني نص مفتوح على كثير من الأسئلة التي لا تتعلّق بتأويله فحسب، بل أيضًا بجمعه وتكوينه وتاريخه وتداوله، وهذا ما حاولت هذه المقالة أن تتطرّق إليه. ويبدو أنّ مجموع مقامات الهمذاني تشكَّل على صورة كتاب في مرحلة لاحقة من حياة المؤلّف، وذلك بتأثير من مجموع مقامات الحريري الذي تضمّن خمسين مقامة. ولمّا كان ثمّة مجموع مبكّر لمقامات الهمذاني قيد التداول يتضمّن أربعين مقامة، فالظاهر أنّ نسّاخ مقامات الهمذاني وجامعيها أضافوا مقامات إلى هذا المجموع ليصل المجموع إلى خمسين. ومجمل تلك الإضافات مُلَح ورسائل ومقامات منسوبة إلى الهمذاني كانت قيد التداول في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. ولا يعنينا في هذا المقام صحّة نسبة هذه القطع الأدبية إلى الهمذاني بقدر ما يعنينا أنّ إضافتها إلى مجموع مقامات الهمذاني دليل على أنها همذانية الطابع، وأنّ مجموع مقاماته ظلّ قيد التشكّل حتّى القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي على أقلّ تقدير.

الملاحق

طبعة
محمد عبده
يال - سالسبري
63
مدرسة اللغات الشرقية والأفريقية
47280
فاتح
4097
13111البصرية
41222الفزارية
18333القزوينية
3444البلخية
5555الكوفية
1666القريضية
20777املقردية
21888األموصلية
6999الأسدية
23241010املحرزية
24251111المارستانية
26442121املوعظية
16121313المكفوفية
15134141الجاحظية
17141515األبخارية
8151616األأذربيجانية
2161717الأزاذية
19171818الساسانية
9181919الجرجانية
4192020اإلسجستانية
10201212الإصفهانية
29122222األحمدانية
11222323الأهوازية
12234242االبغداذية
7112525الغيلانية
30342626الرصافية
41262727الوصية
43272828الدينارية
33282929ارلحلوانية
51293030البشرية

البشرية 30

جدول مقارنة بين مخطوطات فاتح، ومدرسة اللغات الشرقية والأفريقية، ويال-سالسبري، وطبعة محمد عبده

المجاعية 31

25313131المجاعية
323232ارملشامية
22103333األمضيرية
36333434الأرمنية
42303535اإلصيمرية
35453636األإبليسية
27463737الأسودية
28473838العراقية
34353939ارلنهيدية
32364040املشيرازية
5049المطلبية
48الطبية
50رسالة 1
14ارلهمذانية
24الشريفية
43الخاتمية
3744ملحة 1
3845ملحة 2
3946ملحة 3
4047ملحة 4
4148ملحة 5
4249ملحة 6
4350مملحة 7
31المغزلية
37الناجمية
38الخلفية
39النيسابورية
40العلمية
44املشعرية
45الملوكية
46الصفرية
47السارية
48التميمية
49الخمرية

الخمرية

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

بريري، محمد. "الرحيل في ’مقامات‘ بديع الزمان الهمذاني: الإيحاءات والمغزى"، ألف، العدد 26، 006 2.

المعارف، 985 1.

الثقافية، 952 1.

القلقشندي، أحمد بن علي بن أحمد الفزاري. صبح الأعشى في صناعة الإنشا. القاهرة: المطبعة الأميرية، 919 1.

الحنفي (محقق). بيروت: دار التراث، [د.ت.].

-------------------. مقامات بديع الزمان الهمذاني. محمد عبده (محقق)، ط 0 1. بيروت: دار المشرق، 002 2.

------------------. مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني. قسطنطينية: مطبعة الجوائب، 98 21 ه.

------------------. مقامات بديع الزمان الهمذاني. بيروت: دار الانتشار العربي، 2009.

المراجع الأجنبية

الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل. ثمار القلوب: في المضاف والمنسوب. محمد أبو الفضل إبراهيم (محقق). القاهرة: دار القيسي، الشريشي أحمد بن عبدالمؤمن بن موسي أبو العباس، شرح مقامات الحريري. محمد عبد المنعم خفاجي (مشرف ومصحح). بيروت: المكتبة الهمذاني، أحمد بن الحسن بن يحي بديع الزمان. كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان. إبراهيم بن السيد علي الأحدب الطرابلسي

• Behzadi, Lale & Behmardi, Vahid (eds.). The Weaving of Words: Approaches to Classical Arabic Prose. Beirut: Orient-

Institut; Würzburg: Ergon in Kommission, 20 09.

• Brown , Jonathan A. C. Hadith: Muhammad's Legacy in the Medieval and Modern World. Oxford: Oneworld Publications, 2 009

• Geries, Ibrahim. “Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī’s Maqāma of Bishr b. 'Awāna (al-Bishriyya),” Middle Eastern Literatures ,

Vol. 1 4 , 2011.

• _____________. “On Jaakko Hämeen-Antilla, Maqāma: A History of a Genre ,” Middle Eastern Literatures , Vol. 8, 2005.

• Hämeen-Anttila, Jaakko. Maqama: A History of a Genre. Wiesbaden: Harrassowitz, 20 02. (Diskurse der Arabistik; 5)

• Orfali, Bilal W. & Pomerantz, Maurice A. “A Lost Maqāma of Badīʿ al-Zamān al-Hamaḏānī?” Arabica , Vol. 6 0 , 2013.

• Pomerantz, Maurice A. & Orfali, Bilal W. "Three Maqāmāt Attributed to Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī (d. 3 98 / 1008),”

Journal of Abbasid Studies , forthcoming.

• Richards, Donald Sidney. “The Maqāmāt of al-Hamadhānī: General Remarks and a Consideration of the Manuscripts,”

Journal of Arabic Literature , Vol. 22, 1991.

• Schoeler, Gregor. The Genesis of Literature in Islam: From the Aural to the Read. Shawkat M. Toorawa) Trans.). Edinburgh:

Edinburgh University press, 2 009.

• _____________. The Oral and the Written in Early Islam. Uwe Vagelpohl (Trans.), James E. Montgomery (Ed.). London:

Routledge, 2006. (Routledge Studies in Middle Eastern Literatures; 13)