الصراع السياسي في المغرب قبيل الحماية الفرنسية
Political Conflict in Morocco Prior to the French Protectorate
الملخّص
يستقرئ البحث طبيعة الصراع السياسي الذي شهده المغرب في فترة ما قبل الحماية الفرنسية عام 1912م، وهي مرحلة مخاض وتحوّل سياسيين، مهّدت بطريقة أو بأخرى للسقوط السياسي للمخزن، بعد أن كشفت الانتفاضات والصراعات السياسية علله المزمنة وأزماته الحادة. تتتبع الورقة محاور الصراع السياسي من خلال ثلاثة عناصر رئيسة; يتناول العنصر الأول التنافس السياسي بين أسرتين مخزنيتين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهما آل الجامعي وآل بن موسى، وما أسفر عنه من إنهاك مؤسسة المخزن، والحد من الكاريزما التي تمتعت بها، خاصة خلال فترة حكم الحسن الأول (1873-1894). فيما درس العنصر الثاني أبرز حركتين أسهمتا في استنزاف إمكانات المخزن المادية والرمزية، وهما حركة الجيلاني ابن إدريس الزرهوني الذي دخل في مواجهة مسلحة مع جيوش السلطان عبد العزيز; واختصت الحركة الثانية حركة الريسوني في اختطاف الأجانب، وفي توتر العلاقة بين المخزن والقوى الأجنبية، وما نتج عنها من إرهاق مالية المخزن وقيمه الرمزية والسياسية. أما العنصر الثالث فخصص للكشف عن طبيعة الصراع بين الفاعلين السياسيين المباشرين (السلطان عبد العزيز، وأخيه عبد الحفيظ)، وما نتج عنه من حراك سياسي داخلي مشفوع ببروز المدونات الدستورية وأشكال التعاقد السياسي التي حاولت التأصيل للواقع الجديد. كما أشرنا إلى أهمية استقراء مخبر التاريخ، لمساءلة الواقع الراهن على أساس أنّ صور التاريخ تظلّ متحركة ومساعدة على فهم الحاضر بكل تعقيداته ومظاهره المتباينة والمختلفة.
Abstract
This paper discusses periods of political conflict that defined Morocco before the French protectorate in 1912 and focuses on three main areas of study. The first analyses the political rivalry between two ancient families –Al Alboukhari and Al Jamiai – during the second half of the 19 th century, especially during the reign of Hassan I (1873 - 1894). The second examines two movements that contributed to the depletion of Moroccan state, the first one under Jilali Ben Idris Zerhouni and his armed confrontation with the armies of the Sultan Abdul Aziz; and the second under Rissouli, which was known for its abduction of foreigners that led to strained relations between Maghzen and the foreign powers. The third area of study unveils the conflict between the direct political actors Sultan Abdul Aziz and his brother Abdul Hafeez, and the resulting internal political dynamics accompanied by the emergence of constitutional writing and forms of political contracting. Through these events, the paper portrays the political mechanisms used during a critical period of Morocco marked by the then-impending fall of Morocco to the French protectorate in 1912.
- ما قبل الحماية الفرنسية
- المغرب
- صراع سياسي
- المخزن
- القبائل
- Before the French Protectorate
- Morocco
- Political conflict
- Maghzen
- Tribes
مقدّمة
تبحث الدراسة في آليات تصريف التنافس السياسي داخل بنية الدولة المغربية في آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كما أنّها تتوخّى رصد الثابت والمتحوّل في الممارسة السياسية لمكوّنات الفعل المخزني. وإذا كان السلطان الركيزة الأساس في ممارسة الفعل السياسي، فإنّ الحجّاب والوزراء والثوّار ساهموا بدور محوري في رسم العلاقة مع أطياف الممارسة السياسية في المغرب في القرن التاسع عشر. ضمن هذا السياق، نرصد عناصر الموضوع من ثلاث زوايا متكاملة: تخص الزاوية الأولى التنافس السياسي بين أشهر أسرتين مخزنيتين خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهما آل الجامعي وآل بن موسى. ونحن إذ نحلّل طبيعة التنافس السياسي الذي عرفه مخزن الحسن الأول بين الأسرتين، فإنّنا نروم لفت الانتباه إلى أننا نكشف في الحقيقة عن أحوالنا الراهنة، ونستحضر التاريخ الماضي لنفسر به حاضرنا الآني بكل تشعباته وتعقيداته السياسية والإدارية؛ أليست الحظوة محصورة حتى الوقت الراهن في فئات وأسر توارثت امتيازات الثروة والسلطة، وتراكم لديها نفوذ وكلمة مسموعة لدى صنّاع القرار في المغرب؟ وتخصّ الزاوية الثانية دراسة أبرز حركتين ساهمتا في استنزاف إمكانات المخزن المادية والرمزية، وهما حركة الجيلاني بن إدريس الزرهوني الذي دخل في مواجهة مسلحة مع جيوش السلطان عبد العزيز، والحركة التي اختصت باختطاف الأجانب وبتوتير العلاقة بين المخزن والقوى الأجنبية، وما نجم عن ذلك من إرهاق مالية المخزن وقيمه الرمزية والسياسية. شهدت فترة ما قبل الحماية (1912) تجاذبات سياسية وأمنية استغلت هشاشة بناء الدولة، وتعددت من خلالها أوجهُ الخلل السياسي، وهو ما أوجد حالة من الفراغ استغلت عناصرَه القوى الاستعماريةُ التي كانت تبتغي تفتيت الوحدة الداخلية وإذكاء الصراعات، بغية توفير الإطار الملائم لتدخّلها السياسي والعسكري. ونختم الحديث بالزاوية الثالثة الخاصة بالكشف عن طبيعة الصراع بين الفاعلين السياسيين المباشرين (السلطان عبد العزيز وأخيه عبد الحفيظ)، وما أسفر عنه الصراع من حراك سياسي داخلي مشفوع ببروز المدوّنات الدستورية وأشكال التعاقد السياسي التي حاولت التأصيل للواقع الجديد. ونبيّ من ثنايا مجموع هذه الحوادث آليات تصريف الخلافات السياسية في فترة تاريخية حرجة، اتسمت بقرب سقوط المغرب في مخالب الحماية الفرنسية عام 1912. فما هي خصوصيات التنافس السياسي الذي شهده المغرب قبيل الحماية الفرنسية؟ وما هي الثوابت التي تحكّمت في ذلك؟ وهل حقّق ذلك إضافة نوعية للممارسة السياسية؟ وكيف نوظّف تاريخنا الوطني لفهم الحاضر وتعقيداته وتشعّباته ومنعرجاته المختلفة والمتباينة؟
وفاة الحسن الأول وبروز التناقضات السياسية
لا يجادل أحد في أنّ وفاة الحسن الأول (1873 - 1894) بداية لمسلسل أخير من مراحل السقوط الذي حاول، من ثناياه، السلطان السالف تفادي وقوعه من طريق استغلال التناقضات الأوروبية لمصلحة بقاء الدولة واستمرار وظائفها. وبموته "المفاجئ"، انكشف ما كان مستورًا من العلل الباقية، وبرزت مأساة المغرب سلطة ومجتمعًا. تدلّ هذه القضية على مسألة بالغة الأهمية، وهي أنّ تاريخنا الممتد والطويل لم ينطلق من قواعد مؤسساتية واضحة المعالم ووظيفية المقاصد؛ فبمجرد غياب السلطة الكاريزماتية (إدريس الثاني، ويوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن بن علي، والمنصور السعدي، والمولى إسماعيل،
ومحمد بن عبد الله، والحسن الأول)، تعود أوجه الخمول والجمود إلى دوائر الفعل السياسي والاجتماعي، وينتشر العبث، وتنتشر الأزمة، ويدبّ الخلل، وتعمّ الفوضى، وكأنّ ذلك دَيْدن هذه الأمّة التي افتقدت من يجدد لها أمر سياستها. ويلخص الحجوي صورة المغرب مع بداية القرن العشرين، قائلً: " كان المغرب فيه مختلً من كلّ الواجهات المالية والحربية والسياسية والأخلاقية، والفوضى ضاربة أطنابها، والجيش لا جيش، والمالية هي عين الفقر، وأطراف المغرب لا تعرف نظامًا ولا أحكامًا ولا تؤدي جباية"1. من جانب آخر، تتحدث المصادر التاريخية عن شخصية الحاجب أحمد بن موسى، مهندس عهد الوصاية، بنوع من الإعجاب والتقدير، ويصفه ابن زيدان ب "داهية الحجّاب والوزراء"2، عندما أخفى نبأ وفاة السلطان الحسن الأول، خشية وقوع الاضطراب والفوضى، وأجَّل ذلك إلى حين تمهيده أمور إجراءات البيعة للسلطان الجديد المولى عبد العزيز. وقال عنه المشرفي أنّه كان "ذكيًا، متأدبًا، ذا مكائد وحيل"3. لم ينس الحاجب أحمد بن موسى أنّ أسرة آل الجامعي تولَّت الحظوة داخل المخزن الحسني إثر وفاة موسى بن أحمد، "فأصبح ابن العربي الجامعي4 الصدرَ الأعظمَ، وعوّضه أخوه السيد محمد الصغير في وزارة الحرب، ومنذئذ تزايد تأثيرهم المتفوق داخل المخزن الحسني"5. ولا شكّ في أنّ ذلك كان على حساب أسرة آل بن موسى التي انتظرت اللحظة التاريخية الملائمة لرد الأمور إلى ما كانت عليه سالفًا. خلف المولى الحسن الأول عددٌ كبير من الأبناء6، وانحاز الحاجب بن موسى إلى المولى عبد العزيز، وهو انحياز يستمدّ مشروعيته من إقدام الحسن الأول على عزل ابنه المولى محمد "لما ثبت لديه من أفعال صدرت منه غير مرضية وأحوال استبدادية [....] وقدّم نجله[...] المولى عبد العزيز لشغفه به وكثرة حنانته عليه وملازمته له حضرًا وسفرًا، فلذلك قدّمه مع صغر سنّه"7. وهي مواصفات لا تليق ولا تكفي، في نظرنا، إسناد أمر إمامة الأمّة وإدارة شؤونها، كما أنّ ملامح فشل هذا الاختيار تبيّنت عندما آلت السلطة إلى المخزن العزيزي من بعد.
وفاة الحسن الأول وشدة التنافس السيايس بين آل البخاري وآل الجامعي
ضمن هذا الإطار، أدرك الحاجب خصوصيات الغلبة في الحكم ومتطلباتها، فاستخدم ذكاءه ومكره وحيله لتثبيت مواقعه في السلطة ونيل امتيازاتها؛ فبذل "العطاءَ للوفود عليه في ذلك الوقت، وعم الناسَ معروفُه [....] فاستقام له الأمر بذلك أمر الملك، وطأطأت له الرؤوسُ ولم يبق له منازع فتمكن من الوزارة العظمى، بل وبأمر الملك كله"8.
اعتُبِ آل بن موسى "من أشهر الأسر البخارية في القرن التاسع عشر [....] تولى أفرادها مناصب الوزارة والحجابة ورئاسة العسكر "9. ويبدو أنّ السلطة المخزنية كانت تبحث منذ عهد المولى إسماعيل عن عصبية عسكرية تصرّف شؤونها الأمنية والجبائية والعسكرية، وتتجنب بها ومن خلالها، أشكالَ المعارضة الداخلية في المدن والبوادي، وخاصة في مدينة فاس. مع استمرار هذه الخدمات، تمكنت هذه الفئة، ومنها أسرة آل بن موسى، من تثبيت نفوذها ماديًا وسياسيًا. وتجلّ ذلك من خلال إزاحة الفئات المنافسة، وفي مقدمتها أولاد الجامعي؛ فقد اشتد "التنافس بين آل بن موسى وأولاد الجامعي حول استمالة السلطان القاصر واحتوائه ثمّ الحكم باسمه"10. في هذا السياق، "لم يزل في قلب الوزير المعطي الجامعي وفريقه شيء من أمر البيعة، لما كان بينه وبين الحاجب من الشحناء"11، وهذا ما سمح ببروز مواقف متشددة من باحماد، "وخاصة من قِبل السيد العربي الزبدي والسيد محمد الصغير اللذين حاولا المقاومة، بادعائهما أنّ المولى عبد العزيز كان صغير السن، وأنّ السلطان الحقيقي هو باحماد"12. ويبدو أنّ الغلبة حالفت من اتصف بالمكر والذكاء والحيل. وبدأ الوزير الأعظم أحمد بن موسى تعيين رجال عهده الجديد، فجعل "أخاه السعيد وزير الحرب مكان السيد محمد الصغير بن العربي الجامعي، وولّ أخاه الثاني رتبة الحجّاب مكانه - ويضيف المشرفي- وهو المتصرف على الكلّ في الحقيقة، لا تخرج عن أمره شاذة ولا فاذة، وإنّما جعلهما صورة"13. نتساءل هنا عن غاية الطموحات السياسية للحاجب أحمد بن موسى: هل كان الرجل يحمل مشروعًا سياسيًا ينبني على ممارسة السلطة المطلقة، المستندة إلى توظيف رمزية النسب الشريف للمولى عبد العزيز الذي جُرِّد من إرادة الفعل والممارسة السياسية؟ وهل كان المخزن المغربي حينئذ في وضع يؤهّله إنتاج نخبة سياسية جديدة ونمط حكم جديد، يشبه، في صورته الظاهرية، ما أقدم عليه حكام التوكوجاوا14 في اليابان، عندما وثبوا على السلطة، وأقاموا نظامًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا صارمًا يقوم على أساس العلاقات الإقطاعية والتقاليد الكونفوشيوسية وسياسة العزلة الطوعية التي دامت 250 عامًا، وعندما أقاموا شرعية نظامهم السياسي على مبدأ الحكم باسم الإمبراطور الذي أضحت سلطاته رمزية وصورية؟ تبدو ملامح هذه التساؤلات فيما ذكره المشرفي، مستفهمًا أسباب استبداد الوزير أحمد بن موسى، ومستحضرًا الإفادة الخلدونية في فهم آليات تداول السلطة ودور العصبية في تحقيق الغلبة والانتصار؛ فبعد حديثه عن الانفراد بالحكم، واستغلال صغر سن السلطان، وعجزه عن القيام بمقتضيات الملك، أضاف قائلً: "فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه، أو قبيله، ويورى بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه للاستبداد [.......] وهذه كانت حالة هذا الوزير"15. إلّ أنّ صاحب الحلل البهية نقض مقدمات تفسيره للحوادث،
مستأنفًا: "وكان البعض يسيءُ به الظن، لما ادّخره من الذخائر العظام مع آلة الحرب، بأنه إذا استحكمت له صبغة الرياسة والاستبداد، لا بدّ أن يحول الملْك إليه، ويؤْثر به عشيرته وأبناءه من بعده، كما وقع لبني بويه والترك وكافور الإخشيدي، وغيرهم بالمشرق وللمنصور بن أبي عامر"16. لم يكن باحماد كذلك في نظر المشرفي، وينسب المسألة إلى أصحاب الظنون الفاسدة والنيات المبيتة. لكن، ألم يقُل الحجوي إنّ أحمد بن موسى مارس سياسة تقوم على مبدأ "إضعاف القبائل، وإطلاق يد العمال بالسلب والنهب لأجل أن يأتوه بأيديهم عامرة ليعمر خزينته"17. من جانب آخر، نتساءل، كما تساءل خالد بن الصغير، عن السر في بقاء السلطان في "مكناس مدة استغرقت ثمانية عشر يومًا قبل دخول فاس، وهي المدينة التي لا تكتمل بيعةُ سلطان جديد إلّ فيها وبها. وربما هناك سؤال سابق عن هذا وأكبر أهمية لا بدّ من إثارته، ويتعلق بهوية الأشخاص الذين مكنوا عبد العزيز من تولّ الحكم خلفًا لوالده ومكانتهم"18. نقلب الفرضيات، ونفحص الشهادات التي قدمها ابن الصغير، وفي أثناء البحث والتقصي، لا نجد أجوبة مقْنعة وكافية للأسئلة المُثارة، وكان يكفينا الاطلاع على ما دوّنه المشرفي لتتبيّ لنا الحجج المعقولة التي يسردها صاحب الحلل البهية لتفسير الإشكال؛ فقد تحدّث عن حرب خفية دارت بين أولاد الجامعي والحاجب ابن موسى إثر وفاة الحسن الأول، وتبدو مقدمات المؤامرة في قوله: "فلمّا نهض السلطان من الرباط يريد ما سواه من الأمصار، مال الوزير - الحاج المعطي - إلى التوجه إلى فاس، قائلً إنها قاعدة المغرب وقطب رحاه، وباحتلالها يسهّل كلّ شيء. ومال الحاجب إلى المرور بمكناسة الزيتون، قائلً إنّ العادة قاضية بالمرور بها لا بدّ، لكونها مقرّ الجيوش، ودار ملْك مولانا إسماعيل، ووسيلة لزيارة مولانا إدريس بن عبد الله [....] لقربه منها، ولأنّ أهل فاس قد وصلت بيعتهم وتمّ أمرهم، وأنّ الأعيان منهم يردون علينا بها، ولا يفوتنا شيء من أغراضها. فجنح السلطانُ لكلام الحاجب وأمر المرور بها ليقضي الواجب، فلما حلّ بها وأقام، والوزير والحاجب كلّ منهما يريد بصاحبه الانتقام، إلى أن تمكّنت مكيدة الحاجب بعصبية جيش البخاري، وظهر صيته وانتشر أمره ونهيه في الأمصار والبراري"19. يمكن القول، من مجريات الأمور السالفة، إنّ الأحقاد التاريخية وحدّة التنافس بين أسرة أولاد الجامعي وآل ابن موسى أدّت دورًا محددًا في السرّية التامة التي أدار من خلالها الحاجب أمر وفاة المولى الحسن الأول20، والتمهيد لمبايعة المولى عبد العزيز. والأكيد أن سياسة القرب والحظوة التي نهجها المولى الحسن الأول تجاه أولاد الجامعي على حساب أمراء الحجابة، لم تكن لتمرّ من دون استثمار الحدث الجديد إلى أبعد مدى ممكن؛ فهي جعلت الوزير الحاج المعطي يضيق ذرعًا "لكونه الوزير الأعظم و[كون] أخيه السيد محمد الصغير وزير الحرب، فجعل يدعو خفية لبيعة مولاي محمد بن مولاي الحسن المعزول بمراكش"21.
حسم الانتماء العصبي والذكاء المتوقد المسألة، ونجح الحاجب في المكوث تلك المدة الكافية في مكناس، حيث تتمركز عصبيته، متجنّبًا دخول مدينة فاس، حيث عصبية أولاد الجامعي وجيش شراقة الموالين لهم. تُفسر القضية إذًا، بتوظيف موازين القوى في حلبة الصراع بشأن السلطة، وتمكُّن الحاجب، بحيله ودسائسه، من إطاحة الصدر الأعظم ومناصريه. وقد دخل المخزن مرحلة جديدة لم يتحقّق لها النضج الكافي، ولم تستند إلى ركائز مجتمعية قوية تكفل لها عناصر الدوام والاستمرارية. بل يمكن القول إنّ القضية لم تتعد المغامرة الشخصية، وفاحت من خلالها عناصر الانتقام والحقد؛ "ولم يكتف باحماد بتوجيه سهامه إلى أولاد الجامعي، ومناصريهم بالحبس ليتأكّلوا في غياهب السجون، بل سلّط مبضعه كذلك على ثروتهم التي تراكمت على عهد عدة سلاطين من أجل تجفيف مناهل قوتهم المادية، فصادر كلّ ممتلكاتهم في المدن والبوادي، وافتعل لهم طابورًا من المداينين اعتمدت دعاويهم باطلً ودون وجه حق"22.
عهد الوصاية وطبيعة لاستقرار الداخيل
حقق عهد الوصاية للمغرب استقرارًا نسبيًا، وامتلك الحاجب موسى بن أحمد قدرات متميزة في ضبط إيقاع التوازن الداخلي، واتضح ذلك من خلال نجاحه في القضاء على الانتفاضات التي عرفها المغرب في بداية هذا العهد؛ إذ تُعَدّ انتفاضة الرحامنة أهم تحد واجهته السلطة الجديدة، وأبان باحماد من خلالها دراية كبيرة بمعالجة قضية الخارجين عن أوامر السلطان. ويفصّل لويس أرنو في مقدمات هذه الانتفاضة23، ويختمها بالغنائم التي حصل عليها المخزن جرّاء هذه "الملحمة"، والتي قُدرت بآلاف الأسرى، وفرضه على الرحامنة "أداء الضرائب المتأخرة لمدة سنتين، ومساهمة حربية ضخمة، تبلغ 200.000 دورو، بهدف منعهم من الانتفاضة مجددًا"24. وقد كشف باحماد "عن فهم سياسي لا يجادَل ومعرفة دقيقة بأوساط الأهالي مكّنته من إرساء الهدوء بالجنوب الغربي للمملكة"25. أثنى الأعرج السليماني على عهد الوصاية، وقال عن باحماد أنّه "قام بسياسة الجمهور، قيام رجل مضطلع بالأمور، وقبض على صولجان إدارة المملكة، وسار بسيرة حسنة محافظًا على ناموس الإمامة، سالكًا سبل الاستقامة، مقتفيًا آثار المولى حسن في سياسته الداخلية والخارجية"26. وإذا كنا نتفق معه بشأن استمرار معالم السياسة الداخلية نفسها خلال عهد الحسن الأول، فإنّ سياسته الخارجية لم تكن كذلك، بدليل إعراضه عن موضوع البعثات التعليمية إلى أوروبا ولا مبالاته بأفواج المتعلمين الذين عادوا في عهده إلى المغرب. تبدو ملامح غياب النضج الكافي داخل التجربة السياسية الجديدة، وافتقاد هذه التجربة الشروط المجتمعية القمينة بضمان استمراريتها، في أفول نجمها مع غياب مهندسها الأبرز باحماد؛ ففي عام 1899 "تسارعت المنايا لأخذ أولاد السيد موسى بن أحمد، الذين هم وزراء الدولة، فكان أولهم موت السعيد بن موسى الذي هو حينئذ وزير الحرب [...] ثم مات عقبه أخوه إدريس الحاجب [...] وبعده مات الوزير الأعظم السيد أحمد بن موسى بن أحمد [...] في [أيار/ مايو 1900] [....] وبموته اختل النظام وانفصمت عرى الأحكام [....] لما كان عليه - بحسب المشرفي- من النصيحة وحسن التدبير واقتفاء أثر سياسة من قبله، وهو إذ ذاك بكلّ أحوالهم خبير"27.
وإذا كان صاحبالحلل البهية يسند الخبرة وحسن التدبير والنصيحة، واقتفاء سياسة الحسن الأول، إلى الوزير الأعظم، فإنّ حكمه هذا يكتنفه الاضطراب مرة أخرى، حين يعقب على ذلك في الموضع نفسه قائلً: "ومن الحكم قولهم: أربعة أشياء لا يدوم معها ملْك: غش الوزير، وسوء التدبير، وخبث النية، وظلم الرعية"28، مثبتًا له، تلميحًا، إحدى هذه الصفات أو بعضها، وخاصة أنه أتبع ذلك بذكر تفاصيل الثروة المالية الضخمة التي تركها وراءه، وأجمل المشرفي مقدار ثروته قائلً: "فيكون دخل السلطان أقل من عشر دخل الوزير بكثير في هذه المدة "29. ذكر الأعرج السليماني، من جهته، سمة الاستقرار الداخلي الذي عرفه المغرب في عهد الوصاية، "ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن هلك الحاجب أحمد بن موسى [....] وبموته ظهرت الأوابد، واختلفت العقائد، وتطلعت رؤوس الشياطين، وتغيّ نظام الحكومة بالمرة، ووقع الانقلاب الفجائي في هيأتها [.......] فعمّت الفوضى في البلاد وطغى حاضرها والباد"30. كما أسِف ابن زيدان على انقراض عهد الوصاية، فبموت مهندس الاستبداد "حدثت حوادث، وفظائع يشيب لها الرضيع، ووقع الدخيل في الدولة واختل النظام وفسدت الأحوال"31. كان من علامات ذلك امتداد يد الخائنين - كما يسمّيهم ابن زيدان - إلى التركة الضخمة التي خلّفها الوزير أحمد بن موسى، "ولم يصل المخزن من أمتعته المبيعة بأسواق المدن بعد سمسرتها إلّ النزر اليسير -وأضاف قائلً - كما مدت أيدي النهب والاختلاس في أموال غيره وأمتعته ممن صدر الأمر بحيازة أموالهم لبيت المال كابن العلام قائد المشور [...] والفشار، ولم يقع الاقتصار على أخذ أموال من ذكر من المستخدمين وضمها إلى بيت المال، بل مدت اليد العادية في كلّ من له أدنى علقة أو اتصال بهما من الأقارب والأباعد"32. يمكننا القول إنّ تجربة عهد الوصاية لم تكن خيارًا مجتمعيًا، يؤسس الانتقال بالسلطة من طور الاستبداد إلى مرحلة تنفيذ سلطة وطنية راشدة؛ إنها إعادة إنتاج الصورة القديمة بأدوات جديدة ومشوّهة. لذا، لا عجب أن تموت التجربة بوفاة صاحبها، فهي لم تؤسس قواعد تداول سياسي حقيقي حين حُجِّم دور المولى عبد العزيز، ولم تتُرك له متنفسات حقيقية لاكتساب تجربة الحكم، وممارسة السياسة الداخلية والخارجية، ومواصلة خيار التحديث المتعثر الذي قطع فيه المولى الحسن الأول أشواطًا مهمة.
نهاية تجربة باحمد وبداية حكم عبد العزيز
لم تكن تجربة حكم باحماد حدثًا سياسيًا عاديًا، بل شكّلت استثناء فريدًا في تاريخ ممارسة السلطة السياسية في المغرب. لذا، لم يكن "مستغربًا أن نجد أعضاء الدائرة المخزنية، إثر وفاة أحمد بن موسى، يبايعون المولى عبد العزيز من جديد لأنّ ملْكه كان موقوف التنفيذ في ظل استبداد الوزير الصدر"33. وبموت الوزير الكبير في 13 أيار/ مايو 1900 بدأ، في نظر وايزغربر، نهاية المغرب العتيق34. دشنت فترة حكم المولى عبد العزيز نهاية ما يمكن نعته بمسير الإصلاح الذي دشنه والده مع إيفاده البعثات التعليمية نحو بلاد الغرب الأوروبي؛ فلم يتمكن السلطان الجديد من مواصلة المسيرة التنموية، فبقي الوضع على ما كان عليه زمن بداية عهد المولى الحسن الأول. عرف هذا العهد أخطر النكبات التي باتت تهدد كيان الدولة والمجتمع، ومنها احتلال وجدة والدار البيضاء، وقبلهما توات ومجموعة من التخوم الصحراوية في الجهة الجنوبية الشرقية للمغرب.
ومن علامات الوهن السياسي، في نظر الأعرج السليماني، أن تصدر "لتسيير دفة السياسة من الوزراء من لم تتقدم تجربة وبلوا الأمور كما ينبغي ولا قرؤوها دراسة، ولا ارتقوا فيها بالتدريج والتجربة [....] كلّ واحد يترصّد غيره ليقتنصه ويستبدّ بالمغنم دونه"35. كما وصف السليماني المهدي المنبهي36 قائلً: "وإن كان هذا الخلق شهمًا شجاعًا كريمًا عربيًا، فإنّ معلوماته في العلم والسياسة قليلة أو معدومة، [وهو] غير متدرب على جلائل الأمور ولا له مقدرة بسياسة الجمهور"37. أصبحت السلطة في يد الوزراء الأربعة38، كما يسمّيهم المشرفي. وذكر أنّه "وقع الاتفاق بينهم لما هم عليه من المشاحنة في ما بينهم والعداوة الخفية وافتراق الكلمة، بسبب الحسد والمزاحمة على نفوذ الكلمة والرضى، على أنّه لا يختص واحد منهم بإبرام شيء أو نقضه، من كلّ ما يتعلق بالأمور السياسية والأحكام المخزنية والتنفيذات السلطانية، وغير ذلك [....] إلّ بعد اجتماعهم على ذلك ومشاركتهم فيه واتفاقهم على وقوعه أو عدمه"39. لكن أين موقع السلطان ممّا كان يحدث داخل دهاليز السياسة المغربية؟ يبدو أنّ الوزير المنبهي قد تفتقت "عبقريته" عن الحل الملائم. إنّ ما كان يعني المنبهي - على ما اشتهر من ألسنة الناس - هو أن يُدخل السرور على السلطان "ويقويه على ذلك بأمور المخترعات الإنكليزية، من زخارف صوره وعجائب صنعته وكلّ ما أمكنه جلبه له ممّا يوافق طبعه وهواه"40. ويفصّل وايزغربر في أدوات التسلية المستوردة؛ ممثَّلة في السيارات وآلات البيانو وأجهزة الطهو والساعات والراديو والحيوانات المفترسة والبدلات وفساتين النساء والقبعات والحلي والألعاب الميكانيكية وآلات التصوير، ومنها واحدة بالذهب الخالص41. لم يبتدع الوزير المنبهي هذه الوسيلة، بل كانت سياسة هداية ورشاد اتبعها الحاجب الوزير أحمد بن موسى، إذ كان يحجب "الصبي عن الناس ويعوذه اللذات التي يدعو إليها ترف أحواله [....] وينسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبد عليه"42. تتعلق المسألة بالاستغراق في اللهو بأموال بيت المال، وذلك في لحظة تاريخية كانت تتطلب المزيد من الحزم والجد للذود عن كيان الأمّة والدولة، خاصة إذا علمنا أنّ "كلّ الأدباء الذين تحدثوا عن "لهو الملوك" يتفقون على أنّ ممارسته بلا حدود، والإفراط فيه يؤديان إلى ضياع السياسة وخراب المملكة"43. وفي هذا الإطار قال الأعرج السليماني عن الحسن الأول إنّه "فطم نفسه عن رضاع الملاهي، فلم يعرف اللهو ما هو، ولا البطالة ما هي، لعلمه أنّ الملْك واللّهو ضدّان، وأن ليس لالتقائهما ندّان"44. من جانب آخر يمكن قراءة أزمة شرعية النظام السياسي، وحجم التدخلات الخارجية من خلال ثورة الجيلاني بن إدريس الزرهوني وانتفاضة الريسولي.
حركة الجيلايل بن إدريس الزرهوني
وصفت الكتابات السلطانية الزرهوني بالفتّان، ونعتته بأقبح الألفاظ والألقاب. وعدّ نفسه، من الجهة المقابلة، وارثًا شرعيًا للحكم، بصفته المولى محمد بن السلطان الحسن الأول. طاف الجيلالي "قبائل المغرب ومدنه، وبشّ من كان يلقاه بأنه سيكون له شأن وملْك، وربما دعا بعض الأشراف والعلماء إلى متابعته، فلم يجد منهم أذنًا صاغية، إلى أن ألقته المقادير بقبيلة غياتة، فصار يطوف مداشرها وقراها على 'حمارة'، ومعه كتب وأوراق يعظ الناس بها، ويحط من قدر السلطان ورجاله، ويرفع شأن نفسه، ويحرّض من يلقاه على إثارة الفتنة باسم الدين، وتغيير المنكر، متأوّهًا على الدين وضيعته، باكيًا على الإسلام وغربته، إلى أن قال له شخص في جماعة: لو وجدنا السبيل للشريف مولاي محمد ابن مولاي الحسن لبايعناه. ففي الحين رفع عقيرته بالبكاء وادّعى أنه هو مولاي محمد ابن مولاي الحسن الموتور في ملْكه، المستبد عليه في سلطانه الذي يستحقه بإرثه من أبيه"45. يستحق هذا النص منّا التأمل والتحليل، إذ تبدو من خلاله مقدمات التعبئة للفكرة والترويج لها. وقد حاول الزرهوني الحط من قيمة زعيم الحركة عندما نأى بالأشراف والعلماء عن مساندة دعوته، وهو ما يجعلنا نقول إنّ القاعدة المناصرة له من قبيلة غياتة وغيرها افتقدت عنصري العلم والشرف، وهما أساس البيعة ورباط الملْك. ونستنتج، من خلال الإخراج القصصي للنص، أنّ قبيلة غياتة وقبائل أخرى لم تكن بالمستوى الوضيع الذي ألمح إليه من قبل؛ فالسبيل الوحيد، من وجهة نظرها، إلى التغيير هو الانتماء إلى دائرة الأسرة المالكة. وليس من حق أحد أن يثور على النظام ما لم يحزْ الشرعية التاريخية والرمزية. وهنا سيلتقط الجيلالي بن إدريس هذه الإشارة التي يبدو أنها كانت مرتبة سابقًا، ليزعم أنّه هو نفسه المولى محمد ابن الحسن الأول. حمل ابن زيدان على الزرهوني بشدة، فقد كانت للزرهوني "معرفة بفنون السحر، أضل بها كثيرًا من الغوغاء، وصار يدّعي أنه هو المولى محمد نجل السلطان [...] الحسن الأول وصنو السلطان المولى عبد العزيز"46. وأرجع أسباب استفحال أمر "الفتّان" إلى الغوغاء والرعاع الذين خدعتهم حيله وطلاسمه التي كان يمارسها في مناطق تجوله واستقراره. لكننا لا نجد إشارة تشكِّك في مسؤولية النظام العزيزي، وفي دوره في الإضرار بالقضية الوطنية وعجزه عن مدافعة التكالب الاستعماري عن مجموعة من المناطق والتخوم، وعلاقة ذلك بإنتاج أمثال "الفتّان" وغيره. وتحدّث الأعرج السليماني عنه قائلً: "وكنت كثيرًا ما أراه يتظاهر بالزهد والعفاف وكثرة التلاوة والأذكار "47. كما تدخّلت الفتوى الرسمية لإضفاء المشروعية على النظام العزيزي، فصرّحت قائلة: "وأمّا ما صدر في هذا الزمان من الثائر الفتّان من الخروج عن الطاعة وفراق الجماعة ومحاربة جيش السلطان والتلبيس على الناس بالسفسطة والبهتان، فهو من الذنوب الكبائر المذمومة عند الأوائل والأواخر"48. اهتمت الفتوى بالموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة عن مسألة الخروج عن بيعة السلطان والدعوة إلى حركة سياسية بديلة، ورأت في ذلك إضعافًا لبقايا القوة الموجودة، وانحازت إلى أولوية درء المفاسد. وكانت انتفاضة "الفتّان"، بالنسبة إليها، سببًا للبلقنة السياسية، في زمن لم تتوان القوى الغربية في استغلال الثغرات الداخلية لتعميق الجروح والدفع بالأزمة إلى أبعد مدى ممكن.
دلت حركة الجيلاني بن إدريس الزرهوني على اهتزاز صدقية الدولة وهيبتها، وعبّت عن رفض ممارسات النظام العزيزي، والتعلق بأي وسيلة ممكنة، وبأي زعامة تخاطب عواطف الناس وآمالهم، وخاصة عندما عدّت نفسها جزءًا من النسق الداخلي للسلطة الحاكمة؛ فقد "تسببت سياسة المولى عبد العزيز، من الناحية الاجتماعية والدينية، في تشكيل رأي عام، يصنِّف السلطانَ ضمن الصف المسيحي"49. ولا شك في أنّ الفوضى السياسية التي عرفها هذا العهد استمدت أسسها وتبريراتها من هذا التصنيف. دلّ مجمل هذه الإشارات على أنّ محاولات التغيير كانت عاجزة عن الخروج على النسق العام الذي انبنت عليه آليات التداول السياسي في المغرب؛ فشكّلت استنساخًا وتجربة مكررة لما سبقها. وكانت تبحث عن مسوّغات شرعيتها من داخل نسق الحكم الداخلي، بصفته مؤشًّا حقيقيًا لقياس درجة فعالية ممارسة السلطة السياسية. واستغلت هذه الحركة مظاهر التذمر المجتمعي من سياسة المولى عبد العزيز الذي قَبِل تطبيق نظام الترتيب، وانفتح على مؤسسات القرض الرأسمالي بما سمح بنشوء "معارضة – راديكالية - دينية - وسياسية وقبلية [....] استطاعت أن تخترق على المستوى نفسه، مواقع النظام نفسه"50. كما دلّت بالدرجة نفسها على تعلق المجتمع بمؤسسة السلطان عندما كانت تؤسس البدائل الممكنة للنهوض والتنمية. تدلّ طبيعة هذه الرؤية، بقوة، على ضآلة دور القاعدة والنخبة في صوغ تجربة جديدة تؤسس سكة تنموية حديثة، ينخرط في السير عليها كلّ من الدولة والمجتمع، بصورة متناغمة ومتكاملة. وما يمكن قوله بصفة نسبية في هذا المجال هو إنّه بانتهاء عهد الدولة العصبية مع كلّ من المرابطين والموحّدين، أصبحت حلبة الحكم السياسي فاقدة مبدأ القاعدة المجتمعية، ممثَّلة في العصبية والنِّحلة. وأضحى النسبُ الشريفُ المعيارَ الأساس الذي يؤطّر الحياة العامة مع كلّ من الدولة السعدية والعلوية. ووجدنا أنفسنا أمام قطيعة لم تسمح ببلورة مسير سياسي يعالج قضية التداول السياسي ويدفع في اتجاه مراكمة التجربة، وتأسيس منطق الدولة المستقرة والفاعلة على مرّ الدهور والفترات التاريخية المتعاقبة. لكن، ألم تقم الدول العصبية نفسها بنفي هذه الخاصية وربط منطق السلطة بذاتها ومصالحها الفئوية؟ ألم تتأسس التجربة الموحدية على نفي معظم ما أنتجته عصبية لمتونة؟ ألم يتنكر مؤرّخو مصمودة لإنجازات المرابطين ففرضوا نمطًا إخباريًا ينال من الخصم وينتصر للإنجازات التي دوّنها البيذق وصاحبالحلل الموشية، وعبد الواحد المراكشي وغيرهم؟ تغيب في تاريخنا المؤسسات الثابتة والمستقرة التي تستمر مع زوال الدول والعصبيات. ونفقد، من ثمّ، الخزّان الحقيقي للتراكمات السياسية والمجتمعية القمينة بتوفير الشروط الفاعلة لإنجاز الأدوار التاريخية الكبرى. ولقد أدى غياب هذه التقاليد إلى إنتاج انفصام جلي بين الدولة والمجتمع، وافتقدنا الحاضن الذي لا يمكن، من دونه، صناعة التغيير والتحول نحو الأفضل، تنمويًا وبشريًا واجتماعيًا وسياسيًا. كان الفقيه الحجوي يعي فكرة التراكم والمرحلية في صناعة قرارات الدولة والمجتمع، فالنظام العصري في أوروبا القائم آنئذ على نظام المجالس الشورية الانتخابية، في نظره، "لم يتكوّن دفعيًا، بل كان نتيجة قرائح أمم أوجدته تدريجًا في أجيال متطاولة"51. لقد أدركت القوى الغربية، وخاصة الفرنسية منها، حجم الثقوب المتناثرة داخل مجالات السلطة والمجتمع، فأذكت الصراعات ووظفت، بأسلوب غير مباشر، حركة الجيلاني الزرهوني في مشروعها الاستعماري العام. وإذا تمكن الزرهوني من تحقيق انتصارات كثيرة على الجيش المخزني، فإنّه لم يقدّم بديلً سياسيًا بالمستويات الدنيا لممارسة السلطة السياسية، بل حُددت له أدوار معينة نفذها، من دون وعي منه، لخدمة أهداف فرنسا الإستراتيجية في شمال أفريقيا، بغية إضعاف المؤسسة المخزنية وانتزاع مجموعة من الاتفاقات والمصالح الاستعمارية.
ولقد أشار الحجوي، من وجهة نظر مقارنة، إلى أنّ "النظام الذي تسير به الدول الإسلامية من أقدم عصرها قد هرم [....] فتشوّه وجهه بالأخلاق السافلة الفاشية وعدم التعلم، فيضطر السلطان لتولية الجاهلين، فلا يحسنون، إذ لا علم [....] والنظام الذي أسسته الدولة العصرية وجرى مفعوله في العالم [....] لا وجود له، ولم تتوافر في المغرب أسبابه ومعداته"52. كما امتلك الحجوي وعيًا تاريخيًا مكّنه من توظيف فكرة التراكم لفهم الحاضر وتفسير أسباب انحطاط العالم الإسلامي عامة، والمغرب خاصة، من طريق مقارنته بضده الأوروبي. لكننا لا نتفق معه عندما ينأى بالسلطان عن أسباب الفشل، ويصفه بالحالة المتقدمة، أو بالجزيرة المنعزلة التي فقدت المحيط المتناغم مع تصوراته الإصلاحية، وهو عين ما ذهب إليه ابن زيدان عندما حمّل بطانة السوء أسباب فشل البعثات التعليمية المغربية في عهد الحسن الأول. ولا يمكننا إنكار دور بطانة السوء في تعطيل مسيرة التنمية داخل أي مجتمع يصبو إلى التغيير والإصلاح. لكن هذه البطانة هي، مع ذلك، منتج خالص للقادة السياسيين، وعندما تفشل هذه النخبة في الحد من فسادها وإفسادها، يكون فشلها دليلً على عدم أهليتها للحكم وممارسة سلطة راشدة وفاعلة.
الريسوين والمواجهة مع الأجانب
من جانب آخر، مثّلت حركة الريسوني (أو الريسولي)53 أخطر تحدٍّ للسلطة المخزنية، خاصة بعد اعتراضه الأجانب وخطفهم، "وامتداد نفوذه داخل المثلث الرابط بين طنجة وتطوان والعرائش"54. ونتجت خطورة حركة الريسولي من وجوده في منطقة قريبة من طنجة، مركز التمثيل الدبلوماسي الأجنبي. وقد كان، هو نفسه، واعيًا بهذه الخصوصيات، ما جعله يقدم على اختطاف الشخصيات الوازنة سياسيًا ودبلوماسيًا. ويبدو أنّ طموحاته السياسية المتنامية ساهمت بدور أساسي في تكوين شخصيته، ويتضح ذلك من خلال نتائج المفاوضات التي كانت تعقب عمليات الاختطاف، فبعد أخذ الأميركي أيون بيرديكاريس Ion Perdicaris رهينة لديه، نجح الريسولي في انتزاع منصب قائد الفحص. ويبدو أنّ عمق الأزمة البنيوية للمخزن العزيزي، وعدم وجود كاريزماتية تستحق الخضوع والامتثال، ساهما في استمرار علاقاته المتوترة مع المخزن والقوى الأجنبية. وفي هذا الإطار كان خيار الفوضى والاختطاف الملاذ الحصين للريسولي. توّج الريسولي مسيرته هذه بالاختطاف الشهير للقائد هاري ماكلين Harry MacLean (الإنكليزي) الذي كان في مهمة تفاوضية معه. وقد "ظل ماكلين أسيرًا من [كانون الأول] / دجنبر 1906 م إلى 6 [شباط] / فبراير 1908 م"55، وتدخّل الإنكليز لإطلاقه مقابل منح الريسولي الحماية الإنكليزية، و 20000 جنيه، وإطلاق بعض أنصاره.
دلّ مجموع هذه الحوادث على وجود خلل كبير في ممارسة الفعل السياسي وضبط إيقاع التوازن الداخلي. ويبدو أنّ السلطة العزيزية فقدت مقومات رؤية إصلاحية لمعالجة الإكراهات الداخلية والتحديات الخارجية. وضمن هذا السياق ذكر الحجوي "أنّ مولاي عبد العزيز قد جالت في رأسه فكرةُ الشورى والديمقراطية وأتاه سفراؤُه بهذه الأفكار، ففعل بها، وكان أول ما فعله جعل مجلس شورى من الوزراء ينعقد كلّ يوم للتداول في الأمور المهمة تعرض عليهم [....]، لكن الأمّة جاهلة والوزراء معهم قصور وتنافس"56. وقد برزت الفكرة بعد السفارتين اللتين توجهتا إلى كلّ من إنكلترا بقيادة المنبهي، والأخرى التي يممت قِبلتها نحو فرنسا وروسيا. نثير هنا سؤالين يتعلقان بمقدمات إصلاح من هذا النمط، في مجتمع غارق في الأمية، وتحت قيادة نخبة سياسية فاسدة ومفسدة، كما يصفها الحجوي: ما هو المطلوب إنجازه تاريخيًا وسياسيًا في مثل الوضعية التي كان يعيشها المغرب؛ أهو استيراد الأفكار والتصورات الإصلاحية، كما يوصي بها "الخبراء الأجانب"، أم إصلاح المجتمع ومنظومته الثقافية والتعليمية، وتأسيس قاعدة مجتمعية واعية بحجم التحديات التي تنتظرها داخليًا وخارجيًا؟ يفرض هذا المخرج الأخير الذي نعتقد أهميته، على السلطة الحاكمة التنازل عن كبريائها، وإشراك النخب والفئات الاجتماعية والدينية في هذا المشروع التاريخي. ويأتي، بناءً عليه، التفعيلُ السياسي ثمرةً ونتيجة لممارسة سلطة راشدة في علاقة الدولة بالمجتمع ومكوناته الأساسية. يشكك هذا السؤال، إذًا، في حقيقة منظور السلطة للإصلاح، إذ يبدو فاقدًا مقدمات النجاح، كما أنه يوضح المسافة السحيقة التي كانت تفصل بين المخزن، الحالم بمشروع لن يتحقق، والمجتمع الغارق في معاني الفوضى والفاقد لأي تطلع تنموي حقيقي.
الصراع بين المولى عبد العزيز والموىل عبد الحفيظ بشأن السلطة
يمكن القول إنّ المولى عبد العزيز "لمّا [....] رأى قصور مدارك الأمّة وأنها لم تظفر بدواء تشير به، عقد المؤتمر بالخزيرات، ولم يعد لاستشارة الأمّة، فوقع في غضبها وكان سببًا في ثورة أخيه المولى عبد الحفيظ"57. مثّل القَبول العزيزي ببنود مؤتمر الجزيرة الخضراء بدايةَ انقطاع الصلة بين المخزن ومجلس الأعيان، فلم "تقع استشارتُه إبان انعقاد المؤتمر ولا من بعده، وإنّما أذن لهؤلاء الممثلين بالانصراف، دون أن يقع جمعُهم وإعلامهم بنتيجة المؤتمر، ومن غير جبر خواطرهم بكلمة فضلً عن الأخذ برأيهم"58. ويبدو أنّ حالة الطلاق السياسي كانت قدرًا محتومًا بين الطرفين. وتبيّ لأهل العقد والحل ضرورة تجاوز الوضع الجديد، والانطلاق نحو تأسيس عقد سياسي، سمّي بالبيعة الحفيظية، فبدأ يبرز اسم المرشح البارز - عبد الحفيظ - خليفةً محتملً لتحقيق الانتقال السياسي العسير، وتطلّب ذلك مجموعة من المذكرات التوضيحية من هذا الجانب أو ذاك، وانتهت بوضع شروط البيعة السياسية المشهورة. على مستوى آخر، أنتج الصراع بين الأخوين مقدمات تنظير سياسي حقيقي لحالة سياسية مأزومة، فقد حمل محمد بن عبد الكبير الكتاني (1873 - 1909) بشدة على الاقتراحات الفرنسية، ويبدو أنه امتلك مقدمات وعي سياسي أهلته إدراك طبيعة المقايضات
الاستعمارية بين القوى الإمبريالية المتربصة بسيادة المغرب ووحدته السياسية. ولم يكتف الرجل بالتنبيه والإشارة إلى مواطن الخلل، بل انخرط أيضًا في حمأة السياسة ودهاليزها المظلمة التي أفضت به إلى الموت في عهد السلطان عبد الحفيظ. يستمدّ الرجل قيمته من مكانة العلم، ومن الوعي بخطورة المرحلة التاريخية التي كانت تمرّ بها مؤسسات السلطة وممارساتها المخلة بعناصر السيادة والاستقلال، "وكانت تواليه فئات عريضة من الحرفيين والتجار الصغار"59، وبدا أثر ذلك في ما يسمّى ثورة المكس، عندما "رفضت ساكنة مدينة فاس أداء حقوق الأسواق، وضريبة التبغ"60. تمثّل ثورةُ المكس هذه مقدمات التغيير الأولى التي عجلت بإطاحة المولى عبد العزيز وتولية أخيه المولى عبد الحفيظ الذي أبدى استعداده لنقض السياسة السالفة وتأسيس سلطة وطنية راشدة، وهي ظاهرة تكررت أكثر من مرة في تاريخ المغرب السياسي، ومن ذلك ما حدث في عهد السلطان المولى سليمان.
بداية عهد المولى عبد الحفيظ والصراع السيايس مع المعارضين
تثار أمامنا في هذا المبحث علاقة المد والجزر بين المخزن ورموزه السياسية من جهة، والنخب المعارضة، من تيار الزوايا، أو القبائل وفئات الأعيان والعلماء من جهة أخرى. فإذا كانت فترة السلاطين الكبار قد حجّمت دور هذه النخب وأدمجتها، نسبيًا، ضمن نسق السياسة المرسومة، فإنّ أزمة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتراجع الكاريزماتية السلطانية، سمحا ببلورة مقدمات مشروع سياسي يروم النيل من امتيازات السلطة المطلقة، وتأسيس ما يمكن نعته ببوادر حكم ملكي دستوري؛ فقد شهدت الفترة الكثير من المشاريع الدستورية التي تلازمت مع عودة مجموعة من وفود البعثات التعليمية، واستقرار بعض النخب الفكرية المشرقية في المغرب. لهذا يمكن القول إنّنا أمام بوادر يقظة حقيقية على مستوى التنظيرات السياسية والدستورية التي يمكن عدّها امتدادًا لفكرة الاستعداد التي نظّرت لها نخب النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كالكردودي والتسولي واللجائي [....] وخاصة بعد هزيمتي إيسلي (1844) وتطوان (1860.) حصل عبد الحفيظ على "مساندة سياسية ومعنوية من زعماء المناطق الجنوبية، وفي مقدمتهم الجلاوي، والمتوكي، الكندافي"61، كما سانده مجموعُ الفئات الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي، من أعيان وعلماء وغيرهم. ويمكن القول إنّ الجلاوي منحه القوة المادية اللازمة لإبرام هذا العقد التوافقي، بل إنّ وايزغربر تحدّث عن عملية الضغط والتهديد بالتصفية الجسدية ضد كلّ من حاول الامتناع عن توقيع صك البيعة المشروطة62. وقد حمل "الجلاوي معه 500 فارس، وجنّدت الرحامنة العدد نفسه، وجنّد الكندافي 200، وقد شكّل مجموع العدد نواة الجيش الحفيظي"63. كانت البيعة الحفيظية مشروطة بمطلب الجهاد، ومثقلة بمجموعات من الالتزامات الداخلية والخارجية. ولم تكن بصمات محمد بن عبد الكبير الكتاني غائبة عن الصوغ النهائي لصك هذه البيعة. ولمّا كان الرجل يدرك حجم المكابدة والمشاق الملقاة على كاهل السلطة السياسية والمجتمع، فإنّه بحث عن مخرج ظنَّه ناجعًا، وهو تكليف المجمع الأهلي بمهمة المشاركة في تحمل تبعات البيعة المشروطة.
لم يعتد المخزن المغربي هذا النوع من الخطاب من عالم عرف قواعد السياسة ومنعرجاتها، وأدرك أهمية الإيمان والسياسة في حلبة النزال الدبلوماسي، وانتقل من مجرد التنبيه والتنظير إلى مبدأ الاقتراح العملي والحلول الواقعية والصعبة. ولم يستسغ أحد مثقفينا امتلاك رجل الفقه والعقيدة زمام النضال السياسي، وقد أورد إحدى رسائل الكتاني التي جاء فيها: "وقد علمتم ما وصل إليه الأجانب اليوم من النفوذ في العالم، فإنّما وصلوا إلى ذلك بأمور، منها الحرية التي عبّ عنها الشرع الكريم بالقسطاس والعدل والنصيحة وعدم المحاباة، والقيام في كلّ موطن وما يقتضيه، ومعرفة كلّ منصب وما يطلبه، وعدم إهمال بعضهم بعضًا، ومعرفتهم بحق من ظهر فيه أدنى نبوغ وتيقّظ"64. ويعقّب على ذلك قائلً: "وهذا إقرار علني بتقدم الآخر، وتأخّر الذات، لكن وسيلة التجاوز التي يقرّها الشيخ الكتاني، في نظره، لا تخرج عن نطاق دعوة الجهاد التي تبقى مجرد دعوة طوباوية بل وانتحارية، نظرًا لميزان القوى المختل. وهنا لا يتداخل فحسب الدين مع السياسة، ولكن يتداخل العقل مع اللاعقل والواقع مع المخيال (أو الأسطورة")65. التقط عثمان أشقرا هذه الإشارات وخرج بهذا الاستنتاج، وحكم على هذا الفكر الإصلاحي بالانتحار والطوباوية واللاعقلانية والأسطورية، مستدلً على ذلك بإكراهات الواقع واختلال ميزان القوى لمصلحة القوى الإمبريالية، واستحالة فكرة الجهاد التي بويع على أساسها المولى عبد الحفيظ. كما تُفصح المراسلات بين السلطان الجديد وزعيم الزاوية الكتانية عن عدم اكتفاء الثاني بالتنبيه إلى مواطن الخلل، بل إنّه قد وضع حلولً عدّها ملائمة، جسّدتها توجيهاته الواردة في الوثيقة السالفة الذكر. واقترح على السلطان اقتسام تبعات مواجهة الردود الدولية المعارضة، بمنح المجمع الأهلي صلاحية الموافقة على بنود مؤتمر الجزيرة الخضراء أو رفضها، ووضع مطالب القوى الأجنبية أمام الأمر الواقع. كما كُتب كثير من المقالات في صحيفة لسان المغرب66، وقيّمها صاحبنا بأنها مقالات إصلاحية مهمّة67. تتطلب الإجابة عن هذا الحكم ذكرَ الوقائع وتحليها، والتقاط عناصر الخلل لدى صاحب كتاب العطب المغربي، من خلال منحى المقارنة بين المغرب واليابان، انسجامًا مع الأطروحة التي تبنّاها بحثه، وخاصة أنه ضمَّن كتابه المذكور محورًا في موضوع التحديث بين اليابان والمغرب (1853 - 1906.) لا ينكر أي باحث في تاريخ اليابان الحديث الدور المحوري الذي أدته شخصية سايغو تاكاموري Saigō Takamori68 في إطاحة النظام الشوجوني الصارم، القائم على قواعد علاقات الولاء الإقطاعية، وما نتج منها من التزامات متبادلة وصارمة. وقد شكّل تاكاموري أوكوبو توشيميتشي مع رفيقيه okubo toshimichi69 و kido takayoshi كيدو تاكايوشي70 ثالوثًا أسس ميلاد عهد الميجي. واختلف
وبقي متمسكًا بثقافة الساموراي التي يمكن تصنيفها، في مقاييس بعض الباحثين، بالمحافِظة والانتحارية واللاعقلانية.
بالقيم التي دعا تاكاموري إلى التشبث بها، ولم يُنعت يومًا بكونه مثاليًا، أو بحالة أسطورية لا تؤمن بموازين القوى.
للرأي العام الفاسي الموقعين البيعة"71. وممّا جاء فيها:
الحدود المغربية. ӵ وأن يباشر إخراج الجنس المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما وأن يستخير الله في تطهير رعيته من دنس الحمايات. ӵ ӵ والتنزيه من اتباع إشارة الأجانب في أمور الدولة ӵ وإن دعت الضرورة إلى اتحاد أو تعاضد، فليكن مع إخواننا المسلمين: كآل عثمان ӵ وإذا عرض ما يوجب مفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية: فلا يبرم أمر منها إلّ بعد الصدع به للأمة ӵ وأن يوجه - أيده الله - وجهته الشريفة لاتخاذ وسائل الاستعداد، لمدافعة عن البلاد والعباد ӵ ӵ وأن يقر [....] برفع ضرر المكوس"72.
الإصلاح الدستوري. تاكاموري مع الأوليغارشية الحاكمة وتكتلات الزايباتسو73 الاحتكارية في درجة الانفتاح على الحضارة الغربية، وبقي متشبثًا بتقاليد الساموراي، وبالقيم الثقافية اليابانية القديمة، والتجأ إلى المدرسة وعاءً حاضنًا لمعتقداته الفكرية والسياسية، ومارس شعيرة السيبوكو74، لم يتنكر اليابانيون لزعيم قبيلة ساتسوما، ولم توصف حركته، داخل اليابان، بالطوباوية والأسطورية والانتحارية، وبإشارة رمزية ومعبّة، عفا عنه الإمبراطور الميجي بعد وفاته، وأقيمت له النصب التذكارية، واكتشف اليابانيون، بعد مرحلة الانفتاح، أهمية التزود
لقد تلقى المخزن الحفيظي وقبله العزيزي الكثير من الاقتراحات الدستورية، لكن نصائح زعيم الزاوية الكتانية اتخذت منحى خطِرًا في مآل العلاقة بين السلطة والمجتمع. وقد اتسمت هذه النصائح بطابع الإلزام من خلال الشروط التي تضمنتها البيعة الحفيظية التي جاءت تتويجًا لما سمّاه المنوني الثورة الشعبية "التي اقترحها محمد بن عبد الكبير الكتاني، وتبنّاها – بالموافقة عليها - كافة الممثلين
"أن يسعى جهده في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات [....]، وأن يعمل وسعه في استرجاع الجهات المأخوذة من
يطول بنا سرد جميع الشروط الواردة في البيعة الحفيظية، إلّ أنّ ما سبق ذكره يبيّ لنا حجم التحديات التي واجهت السلطان الجديد. ونتساءل عن حقيقة الوعاء المجتمعي والسياسي وحجمه الذي كان لزامًا عليه الارتقاء إلى المستويات الدنيا من هذا الخطاب/
فهل كانت بنية المخزن، بتراكماتها التاريخية وطبيعة المجتمع التي حكمَتْه مبادئ الحماية القنصلية والنزعة الفوضوية لقادة الشمال والجنوب، كفيلة بتحقيق فرص النجاح أمام مشروع تبنّى حلولً جذرية لعلاقات الداخل والخارج، واستهدف إنجاح عملية التوافق السياسي الجديد؟ كانت تجربة البيعة الحفيظية "مشروعًا لثورة إصلاحية ذات أهداف وطنية واضحة"75، وهو ما أكده عبد القادر الشاوي، لكن التحالف الذي بايع المخزن الحفيظي حمل في أحشائه ألغامًا كثيرة؛ فقد تأكد من مجريات الأمور اللاحقة أنّ المولى عبد الحفيظ توسل بالمناورة والدسائس للالتفاف حول شروط البيعة. وتسابق القواد الكبار في استغلال الوضع الجديد للتقرب من القادة العسكريين الفرنسيين، والحصول على الإقطاعات والامتيازات المادية؛ فقد سارع المدني الجلاوي في عام 1911 إلى تسليم العقيد الفرنسي مانجان "مفاتيح مدينة مراكش، وأمضى في الفترة نفسها اتفاقًا منفردًا مع بنك كبير للشؤون الفرنسية لأجل ضمان الرساميل والتقنيين لعصرنة نظام السقاية في أملاكه"76. ويمكن القول إنّنا أمام لحظة ملغومة في تاريخنا الوطني، افتقدنا فيها مقومات النجاح. وما كان لهذا النجاح أن يتحقق في ظل التحالف البراغماتي الهش الذي شكّل فيه القواد الكبار محوره الأساس. وبقيت فكرة البيعة المشروطة في حاجة إلى من يرتقي إلى معانيها ودلالتها، ويؤسس مرحلة جديدة في تاريخ الممارسة السياسية في المغرب. يمكن القول إنّ المقاومة المسلحة في الريف مع محمد بن عبد الكريم الخطابي وفي الأطلس والصحراء، منحت المعنى الإجرائي لشروط البيعة الحفيظية، ونجحت، نجاحًا كبيرًا، في تأسيس بدائل ممكنة لاسترجاع الكرامة الوطنية. وعلى وجه الإجمال، يمكن تلخيص ما ورد في هذا المبحث بما أورده الحجوي: "بدأ انقلاب الحوادث بالمغرب بثورة أبي حمارة التي سببت فقر مالية المغرب والسلف الأوروبي، ثم سقوط المالية بيد إدارة السلف وفناء حماة المغرب وأبطاله في الحروب الداخلية. وقد اختل وضاع الأمن، وفسدت الأخلاق، وتكالبت الناس على الرياسات الوهمية وجمع الحطام. وتسلّط على مناصب الدولة كلّ دخيل جاهل، فجرّ ذلك إلى تلاشي الدولة العزيزية، وتتابعت المحن وأظلم جو المغرب. وفي أثناء ذلك وقعت معاهدة 8 [نيسان] / أبريل 1904 م، بين فرنسا والإنكليز، ثمّ مؤتمر الجزيرة الخضراء [...] وإثر المؤتمر بيسير سقطت الدولة العزيزية، وقامت الدولة الحفيظية. ثمّ وقع إثر ذلك الاحتلال، ثمّ إعلان الحماية [....] هذه إحدى عشرة سنة رأى المغرب فيها من الأهوال والشدائد ما يشيب له الرضيع وتندك له الجبال"77. لكن من جانب آخر، لم يكن سقوط مشروع البيعة الدستورية نهاية المسعى، بل يمكن عدّه لحظة رمزية أسست بداية المقاومة المسلحة التي تمثّل تجسيدًا لمطلب الجهاد الذي بويع على أساسه المولى عبد الحفيظ. وفي هذا الإطار، نتساءل: ألم تنطلق مقاومة أسرة ماء العينين ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وموحى أوحمو الزياني، وأحمد الحنصالي، والشريف أمزيان وغيرهم كثير، من قاعدة الجهاد واسترداد ما ضاع من سيادة الدولة والمجتمع وكرامتهما؟ ألم يتنكر كلّ هؤلاء لإكراهات الواقع السياسي ومتطلباته البراغماتية، واختاروا، بدل ذلك، خيار المقاومة، لبعثرة عناصر الإستراتيجية الاستعمارية في أفق إزاحتها من المشهد السياسي الداخلي؟ فالإصلاح يتحقق ضمن شروط سياسية وفكرية تمنح الغاية والمعنى لنخب التغيير التي تحتاج لتنزيل تصوراتها إلى قاعدة مجتمعية، تعي طبيعة التحديات الداخلية والخارجية، ويتكاثف بذلك جهدها لصناعة الحوادث التاريخية الكبرى.
وتعدّ الحماية القنصلية أحد الأوجه والمؤشّات التي تمكننا من قياس درجة انخراط المجتمع المغربي، خلال القرن التاسع عشر، في مسيرة الفعل الإصلاحي ومشاركته الطوعية والإيجابية في صناعة التنمية.
خاتمة
هل حقق التنافس بين آل الجامعي وآل بن موسى قيمة مضافة للممارسة السياسية داخل المغرب في آخر عهدي المولى الحسن والسلطان عبد العزيز؟ وكيف تمّ تدبير الاختلاف بين الجناحين الأساسين في مخزن الحسن الأول؟ وأي دور أداه السلطان في الموازنة بينهما في أفق الاتجاه بالدولة نحو الفعالية التنموية؟ يمكن القول إنّ كاريزما الحسن الأول لم تسمح للتناقضات السياسية بالبروز والنيل من سيادة الدولة وهيبتها. فقد استطاع السلطان، عبر مجمل الحركات التي قام بها في جميع نواحي المغرب شرقًا وغربًا وشمالً وجنوبًا، ضبطَ إيقاع التوازن السياسي والحد من نفوذ الأسر المتنافسة حول السلطة وامتيازاتها المادية والرمزية. ولكن، بتولّ المولى عبد العزيز، تزايد نفوذ هذه الأسر التي أبانت عن جشع سياسي مكشوف، خاصة بعد سيطرة باحماد على السلطة مستغلً حداثة سن السلطان، الأمر الذي أفقد المغرب فرصة تاريخية لمواصلة سياسة الإصلاحات التي بلغت أوجها في عهد الحسن الأول. نجح باحماد، بشهادة ابن زيدان والمشرفي والسليماني، في إخماد الاحتجاجات الداخلية، إلّ أنّ ذلك كان إلى حين، ولم تتأسس تجربته في سياسة الوصاية على قواعد سياسية سليمة تؤسس منطق التراكم وتنتصر لاختيارات المواطنة الفاعلة والناجعة. لم يفسح التنافس السياسي المجال أمام ممارسة ناجعة لترتيب أمور الداخل، وبدل ذلك استغرق آل بن موسى في الحفاظ على الامتيازات المتوارثة. من جانب آخر، لم يمتلك عهد الوصاية نظرة ثاقبة في العلاقات الخارجية وفي استثمار الكفاءات التعليمية التي درست في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وجبل طارق، بل أ همل أفرادها كما تشهد على ذلك الوثائق والمراسلات المختلفة. ويمكن اتخاذ ذلك مؤشًّا على القيمة السلبية التي أفرزها التنافس السياسي الذي جنّب المغرب بناء ذاته وإصلاح ثغراته الإدارية والاقتصادية والجبائية والاجتماعية في فترة تاريخية حرجة من ذاكرتنا الوطنية. أمّا الانتفاضات الداخلية (حركة الجيلاني بن إدريس الزرهوني نموذجًا)، واختطاف الأجانب، وتأزيم العلاقة بين المخزن والدول الغربية (الريسولي نموذجًا)، فذلك كلّه يمثّل مؤشّ ا يدلّ على عمق الثغرات الداخلية التي منحت الآخر الفرصة كي يفرض شروطه السياسية والأمنية ويعمّق الجروح المالية والاقتصادية للدولة المغربية، بغية الانقضاض عليها والنيل من سيادتها. لكن برزت ضمن سياق المعارضة الداخلية بوادر نهضة سياسية ودستورية، كان جديرًا بها أن تحقّق تراكمات إيجابية على مستوى بناء الدولة وتقعيد أسسها الدستورية، إلّ أنّ فرض الحماية الفرنسية عام 1912، أحدث قطيعة جلية في نسق التنافس السياسي الداخلي الذي عاد إلى الظهور بعد إصدار الظهير البربري عام 1930، وتأسيس كتلة العمل الوطني، وبروز التيارات السياسية التي ستغْني الحقل السياسي المغربي بمدوناتها الفكرية والسياسية وبممارستها الفعل النضالي عبر المقاومة السياسية والعسكرية. تمثّل الزوايا الثلاث التي حلّلنا عناصرها حالة مشتركة، أبانت عن عمق الأزمة السياسية التي شهدها المغرب قبيل الحماية الفرنسية (1912)، وهي أزمة لم تستفد منها سوى القوى الأوروبية التي دخلت في سباق محموم للانفراد باحتلال البلاد؛ فلم تضفِ
الأسر المتنافسة على السلطة أي قيمة سياسية وإدارية، بل لم تتعد نظرتها حدود الانتقام والاستفادة من امتيازات السلطة، ولم تمتلك أدنى مستويات المواطنة الفاعلة والإيجابية. بالمستوى نفسه، لم تقدّم حركات التمرّد الداخلي سوى المزيد من حالات الفوضى والاضطراب التي عجلت بالتدخل العسكري الفرنسي وفرض معاهدة الحماية. أمّا مؤسسة العلماء، فقد تمتعت باستقلالية متميزة أهّلتها المساهمة في إطاحة السلطان عبد العزيز، وتولية أخيه عبد الحفيظ ببيعة مشروطة. ولا شك في أنها استفادت من سعة الاطلاع على المدونات الدستورية التي وردت على المغرب مع بداية القرن العشرين. إلّ أن ذلك لم يكن كافيًا - في نظرنا - للنهوض وتأسيس البدائل المتقدمة، إذ إنّه احتاج وعاءً مجتمعيًا مكافئًا لها وقادرًا على احتضانها والدفاع عنها، وهو عنصر لم تتوافر مقتضياته في المغرب خلال الفترة موضوع الدراسة. تتشابه صور الماضي والحاضر، ونقرأ عللَنا الآنية من ثنايا صور التاريخ ومضامينه المتحركة، وتظل أسئلة التنمية والثورة والإصلاح متجددة دومًا، وبحاجة إلى وعي تاريخي متقدم يشخّص الحوادث، وينقّب عن الأعطاب، ويتجنّب الألغام التي تكشفها دروس التاريخ وع.ِبره
قائمة المصادر والمراجع
المراجع العربية
ابن زيدان، عبد الرحمن. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. الرباط: المطبعة الوطنية، 1990.
ابن الصغير، خالد. بريطانيا وإشكالية الإصلاح في المغرب 1886 - 1904. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2003.
أشقرا، عثمان. العطب المغربي (بحث في أصول التحديث وإعاقاته بالمغرب)، مراكش: منشورات الملتقى، 2003.
البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999.
. الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. فاس: المطبعة الجديدة. [د. ت.].
. النظام في الإسلام. الرباط: المطبعة الوطنية، 1982.
أسمير، 2001.
التاريخ المعاصر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس - المغرب، 1997.
والعلوم الإنسانية، ابن مسيك، 1990.
الشاوي، عبد القادر. السلفية والوطنية. بيروت: مؤسسة الأبحاث الجامعية، 1958.
الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006.
(دارس ومحقق). الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1905.
المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب الحديث. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1985.
البادية المغربية عبر التاريخ. تنسيق إبراهيم بوطالب. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس في الرباط. الدار الحجوي، محمد بن الحسن. دفتر تقاييدلحوادث تاريخية: أيام المولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ. الرباط، رقم ح 128.
الخلوفي، محمد الصغير. انتحار المغرب الأقصى بيد ثواره: مذكرة الفقيه محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري (1874 - 1956): نموذج من الكتابات السياسية في مطلع القرن العشرين. زكي مبارك (مقدم). الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1994. الزرهوني، أبو العباس أحمد. عمدة الراوين في تاريخ تطاوين. جعفر بن الحاج السلمي (محقق). ط 2. طنجة: منشورات جمعية تطاون السليماني، محمد بن محمد بن الأعرج. "زبدة التاريخ وزهرة الشماريخ". عبد الرزاق بنواحي (محقق). رسالة دبلوم الدراسات العليا في الشاوي، عبد القادر. "التخلف والنهضة أو المغرب والغرب". مجلة بصماتالعدد 5. منشورات جامعة الحسن الثاني، كلية الآداب العلام، عز الدين. الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة 324. الكويت: المجلس العلوي، محمد الفلاح. جامع القرويين والفكر السلفي 1873 - 1914. منشورات مجلة أمل. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1994. المشرفي، محمد بن محمد بن مصطفى. الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية وعد بعض مفاخرها غير المتناهية. إدريس بوهليلة وقفات في تاريخ المغرب: دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بوطالب. عبد المجيد القدوري (منسق). منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس في الرباط. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2001.
المراجع الأجنبية
• Arnaud, Louis. Au temps des Mehallas ou le Maroc de 1860 à 1912. Casablanca: Editions Atlantides, 1952.
• Julien, Charles-André. Le Maroc face aux impérialismes, 1415 - 1956. Paris: Editions J. A., 1978.
• Karow, Léonard. Neuf années au service du Maroc 1900 - 1908 , Monique Miége & Jean-Louis Miége, (trans.),
Collection mémoire du Maroc. Rabat: Editions La Porte, 1998.
• Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme Marocain (1830 - 1912). Casablanca:
Centre Culturel Arabe, 1993.
• Weisgerber, Frédéric-Guillaume. Au seuil du Maroc moderne. Rabat: Editions La Porte, 1974.