بعض ملامح تنظيم المجال الحضري في قرطبة من خلال كتاب ديوان الأحكام الكبرى لابن سهل
Urban Space Management in Cordoba
الملخّص
لم تحتل كتب الفتاوى والنوازل موقعًا متميزًا في قائمة مصادر الباحثين الذين اهتموا بدراسة العمران ومظاهر النمو الحضري في بعض مدن الأندلس، على الرغم ممّ تزخر به من مادة علمية. وقد ارتأينا في هذه الدراسة اعتماد نموذج من تلك الكتب للبحث في موضوع تنظيم المجال الحضري في قرطبة. ووجدنا ضالّتنا في كتاب "ديوان الأحكام الكبرى" لأبي الأصبغ عيسى بن سهل (ت. 486 هـ) الذي يتضمن مسائلَ وفتاوى غنية بمعلومات ومعطيات ذات صلة بالظاهرة الحضرية تسمح بالحديث عن "مجال حضري" في قرطبة كما يعرفه المختصون بالبحث في الظاهرة الحضرية. ونستطيع أن نقول، في ضوء المادة التي أمدّنا بها كتاب "ديوان الأحكام الكبرى"، إنّ جانبًا مهمًا من التدبّر والعقلانية كان حاضرًا في عملية تنظيم المجال الحضري في قرطبة على الرغم من بعض السلبيات التي شابته، ما يفنّد مقولة غياب العقلانية وضعف مستوى تنظيم المجال الحضري (في هذه المدينة، وفي مدن دار الإسلام عامةً) التي روّج لها كثيرًا بعض الباحثين الغربيين.
Abstract
Islamic theological works have not traditionally been reliable resources for research on the architecture and urban development of Andalusian cities. In this paper, a number of these books have been used in researching urban planning in Cordoba, particularly Diwan of Grand Judgments by Abi Al-Asbagh Issa bin Sahel (d. 486 of the Hijri Calender), which provides a rich resource on the study of the experience in the medieval cities of Al Andalus. This and similar works reveal various features of Cordoba’s urban development, such as the gradual loss of the tribal dimension in urban planning, the importance of spatial centralization, the lack of clear boundaries between private and public property in the communal use of the urban space, and the significance of religion in the organization of residential units. Based on the material in Issa bin Sahel’s work, one may conclude that a large amount of planning and rationality was present in the organization of urban space in Cordoba, despite various flaws. This thesis debunks the commonly-held argument, promoted by Western researchers, that rationality was absent and that urban planning was weak in the development of Cordoba and Islamic cities in general.
- منيات
- القيروان
- فاس
- الفتاوى
- حومة
- الأسواق
- gardens
- Kairouan
- Fes
- Fatwas
- Urban quarters
| يوسف نكادي| Ngadi *Youssef | ||
|---|---|---|
| يوسف نكادي | Ngadi Youssef | متخصص بتاريخ أوروبا الوسيط وتاريخ الأندلس. أستاذ تعليم عالٍ مساعد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية خلال الفترة 1984 - 2000 * بوجدة - المغرب. Historian of Europe in the Middle Ages, and on Arab-ruled Iberia. From 1984 to 2000, Nakadi was an Assistant Professor of Higher Education at the Faculty of Arts and Humanities in Oujda, Morocco. لم تحتل كتب الفتاوى والنوازل موقعًا متميزًا في قائمة مصادر الباحثين الذين اهتموا بدراسة العمران ومظاهر النمو الحضري في بعض مدن الأندلس، على الرغم ممّ تزخر به من مادة علمية. وقد ارتأينا في هذه الدراسة اعتمد نموذج من تلك الكتب للبحث في موضوع تنظيم المجال الحضري في قرطبة. ووجدنا ضالّتنا في كتاب "ديوان الأحكام الكبرى" لأبي الأصبغ عيسى بن سهل (ت. 486ه) الذي يتضمن مسائلَ وفتاوى غنية بمعلومات ومعطيات ذات صلة بالظاهرة الحضرية تسمح بالحديث عن "مجال حضري" في قرطبة كم يعرفه المختصون بالبحث في الظاهرة الحضرية. ونستطيع أن نقول، في ضوء المادة التي أمدّنا بها كتاب "ديوان الأحكام الكبرى"، إنّ جانبًا مهمً من التدبّر والعقلانية كان حاضرًا في عملية تنظيم المجال الحضري في قرطبة على الرغم من بعض السلبيات التي شابته، ما يفنّد مقولة غياب العقلانية وضعف مستوى تنظيم المجال الحضري (في هذه المدينة، وفي مدن دار الإس م عامةً) التي روّج لها كثيرًا بعض الباحثين الغربيين. كلمت مفتاحية: منيات، القيروان، فاس، الفتاوى، حومة، الأسواق، الحممات، الأفران، الزقاق. Islamic theological works have not traditionally been reliable resources for research on the architecture and urban development of Andalusian cities. In this paper, a number of these books have been used in researching urban planning in Cordoba, particularly Diwan of Grand Judgments by Abi Al-Asbagh Issa bin Sahel (d. 486 of the Hijri Calender), which provides a rich resource on the study of the experience in the medieval cities of Al Andalus. This and similar works reveal various features of Cordoba’s urban development, such as the gradual loss of the tribal dimension in urban planning, the importance of spatial centralization, the lack of clear boundaries between private and public property in the communal use of the urban space, and the significance of religion in the organization of residential units. Based on the material in Issa bin Sahel’s work, one may conclude that a large amount of planning and rationality was present in the organization of urban space in Cordoba, despite various flaws. This thesis debunks the commonly-held argument, promoted by Western researchers, that rationality was absent and that urban planning was weak in the development of Cordoba and Islamic cities in general. Keywords: gardens, Kairouan, Fes, fatwas, urban quarters, souks, hamams, bakeries, alleys. بعض ملامح تنظيم المجال الحضري في قرطبة من خلال كتاب ديوان الأحكام الكبرى لابن سهل Urban Space Management in Cordoba يوسف نكادي | Ngadi Youssef | |
| g ي| يو | ||
| بعض ملامح تنظيم المجال الحضري في قرطبة من خلال كتاب ديوان الأحكام الكبرى لابن سهل Urban Space Management in Cordoba | ||
مقدمة
منذ ثمانينيات القرن الماضي، أخذت كتب الفتاوى والنوازل تحتل موقعًا متميزًا في قائمة المصادر التي يعتمدها الباحثون في حضارة بلاد المغرب والأندلس وتاريخها. ويعزى ذلك لوفرة ما تقدّمه من مادةٍ علمية لا تتيحها المصادر التقليدية، كالحوليات التاريخية مثلً. وقد اعتمدنا على نماذج منها في بحثٍ رامَ الكشف عن جوانبَ من واقع البادية الأندلسية خلال القرن الخامس الهجري1. وها نحن نعتمد على نموذج آخر منها في هذه المقالة للحديث عن بعض ملامح تنظيم المجال الحضري في قرطبة. ويتعلق الأمر بكتاب "ديوان الأحكام الكبرى" لابن سهل. والجدير بالذكر أنّ ثلة من الباحثين خصّت قرطبة وحواضر أندلسية أخرى، بدراساتٍ قيّمة2، تناولت في فصول منها العمران ومظاهر النمو الحضري. وقد اعتمدت في تلك الدراسات على مختلف المصادر المتداولة من كتب تاريخٍ عام وكتب جغرافيا ورحلات وكتب الأدب، إضافةً إلى خلاصات بعض عمليات التنقيب الأثري، بينما كان اعتمادهم على المصنفات الفقهية، بمختلف مشاربها، محدودًا إلى حدٍ ما. وقد شدّد أحدهم في كونه وقف، وهو يسعى إلى تحقيق جملةٍ من فصول كتاب "ديوان الأحكام الكبرى"، على ما يزخر به من نصوص ذات صلة بالعمران، فقام باستخراجها وتحقيقها ونشرها في كتيّب مستقل3 أراد من خلاله وضع تلك النصوص رهن إشارة القرّاء، وتسليط الضوء على "عاملين حضارييَن التحما وساهما في تكوين المدينة العربية الإسلامية"؛ وهما "العامل الروحي والعامل المدني". وفي الاتجاه ذاته، حاول باحثٌ آخر اعتماد بعض المصنفات الفقهية لرصد مدى مواكبة التشريع الفقهي في الأندلس التطور العمراني والحضري4. ونحن لا ننوي، في هذه الدراسة، استحضار مختلف كتب الفقه للحديث عن العمران وعن النموّ الحضري في قرطبة. ولكنّنا سنحاول تسليط الضوء على جوانب من التنظيم الحضري فيها، كما ذكرنا سابقًا، من خلال مصنف ابن سهل لإبراز بعض خاصيات ذلك التنظيم من جهة، ولتبيان مدى قيمة المصنف المعتمد في دراسة من هذا القبيل، من جهة أخرى. ولد أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي الجياني سنة 413 ه، وتوفي سنة 486 ه. واشتهر بكونه كان أحد كبار القضاة والمفتين في أندلس القرن الخامس الهجري. انتقل بين جيان، مسقط رأسه، وقرطبة وإشبيلية وغرناطة وسبتة وطنجة، فقيهًا مشاورًا ومفتيًا وقاضيًا. فعدّه الكثير ممّن ترجموا له، ونقلوا لمعًا من أخباره، أمثال ابن الحاج الشهيد (ت. 529 ه) والقاضي عياض السبتي (ت. 544 ه)
وابن بشكوال (ت. 578 ه)، واحدًا من أكبر العارفين بالنوازل، والبصراء بشؤون الأحكام، ألّف فيها كتابًا مفيدًا اشتهر باسم "الأحكام الكبرى"، عوّل عليه الحكام والعلماء. قُدّر لهذا الكتاب أن تصلنا منه تسع نسخ، يوجد معظمها في خزانات مغربية، من بينها نسخة محفوظة في قسم المخطوطات في الخزانة العامة في الرباط (تحت رقم ق. 838) اطّلعنا عليها، واستقينا منها مادةً غزيرة استثمرناها في إنجاز أطروحتنا حول "الزراعة في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري"5، وفي إنجاز البحث المشار إليه سابقًا. وكان للتهامي الأزموري، أحد العلماء المغاربة المحدثين، كسب السبق في التعريف بهذا المخطوط حين نشر أحد أبوابه، وهو "باب في مسائل الاحتساب"، على صفحات عدد من مجلة هسبريس تمودا صدر سنة 1973. ثم قام الباحث المصري محمد عبد الوهاب خلاف بنشر مجموعة نصوص منه في ستّة كتيّبات من القطع المتوسط6 صدرت في الفترة الواقعة بين السنوات 1980 و 1985. وبعد هذا التاريخ، قُدّر لمصنّف ابن سهل أن يحظى بمزيد من اهتمام الباحثين الجامعيين العرب. فقد قامت الباحثة السعودية نورة محمد عبد العزيز التويجري بتحقيق قسمٍ أوّل منه في إطار رسالة جامعية لنيل الماجستير، وقسم ثانٍ منه لنيل شهادة الدكتوراه. ونشرت النص الكامل محققًا في كتاب من جزءين سنة 1995 تحت عنوان: "الإعلام بنوازل الأحكام" (عنوان رئيس)، وتحته عنوان فرعي "المعروف بالأحكام الكبرى". ثم ارتأى الباحث رشيد حميد النعيمي بدوره تحقيقه في إطار أطروحة جامعية لنيل الدكتوراه. ونشره سنة 1997 تحت عنوان: "ديوان الأحكام الكبرى". وقام الباحث محمد حسن إسماعيل بتحقيقه ونشرته مؤسسة دار الكتب العلمية سنة 005 2، تحت عنوان رئيس: "كتاب النوازل والأعلام"، وعنوان فرعي: "المسمى ديوان الأحكام الكبرى". ثم قام الباحث المصري يحيى مراد بتحقيقه ونشره ضمن إصدارات دار الحديث القاهرية سنة 007 2 تحت عنوان: "ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سيَ الحكّام". وتتوزع مادة كتاب ابن سهل على أبواب الفقه المعروفة؛ كباب القضاء والأحكام، وباب الوصايا، وباب الطلاق، وباب البيوع… ويتميز عن غيره من المصنفات النوازلية التي تعود إلى القرن الخامس الهجري، بكون صاحبه يستعرض في كلّ باب ما يتصل به من أحكام، ويفتي في الوقت ذاته في النوازل والمسائل المتصلة بذلك الباب، وقد تضمّن نوازل ومسائل في قضايا ذات صلة بالدور والحوانيت والمساجد والأفران والحمامات والمقابر والمسالك والمحجّات وغيرها من المنشآت والمرافق التي كانت تقدّم خدمات لسكان قرطبة. وعلى المنوال نفسه كان الأمر في غيرها من حواضر الأندلس. وقد وردت أهم تلك النوازل والمسائل ضمن مواد "باب في البيوع"، و"باب الصدقات والهبات"، و"باب مسائل الاحتساب". كانت الدور والأفران والحمامات والمساجد، وباقي المرافق، منتشرة في أحياء المدينة. وعرفت تلك الأحياء بالأرباض، إذ ورد فعلً ذكر أحدها في مصنف ابن سهل باسم "ربض حوانيت الريحاني"7. وبلغ عددها ما ينيف عن واحد وعشرين ربضًا عند اكتمال نمو
قرطبة بحسب إفادات بعض الباحثين9. وتوزعت بين سبعة أرباض في الجهة الشرقية، وتسعة أرباض في الجهة الغربية، وثلاثة أرباض في الجهة الجوفية، وربضين بالجهة القبلية10. تفيد مصادر القرن الرابع الهجري والدراسات الحديثة بأنّ تلك الأرباض كانت آهلة بالسكان الذين ارتبط معظمهم بأنشطة حضرية صرفة (سياسية - إدارية، ودينية، واقتصادية، وثقافية). ومن هذا المنطلق، نستطيع أن نتحدث عن مجال حضري في قرطبة، بما أنّ هذا الأخير، كما يعرّفه المختصون في الظاهرة الحضرية، هو "مجموعة متصلة، أو شبه متصلة، من الفضاءات الحضرية المكونة من مساكن ومنشآت دينية واقتصادية ومرافق عامة موجَّهة لخدمة السكان وإشباع حاجياتهم وتحقيق رغباتهم المادية والروحية"12. وتقتضي الضرورة العلمية توضيح أنّ التعريف المقترح لا ينصّ صراحةً على الفضاءات الخضراء التي تحتضنها المدينة، ممثّلة في المنتزهات والحدائق العمومية، على الرغم من أنّ عبارة "شبه متصلة" تسمح بإدراج هذه الفضاءات ضمن المجال الحضري. وكذلك كانت قرطبة، فإنّ الأرباض التي تألفت منها، لم تكن كلّها منشآت عمرانية متصلة على الرغم من قول بعض الباحثين، نقلً عن مصنفات جغرافية قديمة، بأنّ "المباني كانت متصلة بين قرطبة والزهراء والزاهرة"13. والواقع أنّ تلك المباني كانت تفصل بين بعضها البعض مجموعة جنّات وبساتين يملكها أفرادٌ من العامة ومنيات14 يملكها أفراد الأسرة الحاكمة، أو أفراد من خاصة المجتمع. وقد يحدث أن توجد بمحاذاة دار، جنّة محاطة بسور حسبما يتضح من قول ابن سهل: "كتبت إلى شيوخنا في قرطبة سنة 454 ه في موضوع رجل باع دارًا تتصل بها جنة محدق عليها وليس لها باب ولا طرق إلا على الدار"15. وقد يحدث أن توجد بين مجموعة دور، جنة مفتوحة، كما ورد في حديثه عن سوء تفاهم حصل بين رجل اشترى من أخوين "جنة بحاضرة قرطبة بشرقي مدينتها بربض حوانيت الريحاني بحومة مسجد أسلم"16. ويمكن أن نستشف، في ضوء هذه المعطيات الأولية، أنّ الربض كان يمثّل فضاء حضريًا، لأنّه كان يتألف من مجموعة حومات تضم كلّ واحدة منها عددًا من الدور والحوانيت ومسجدًا وفرنًا، على الأقل، وحمامًا. وإضافةً إلى ما ذُكر، كان بعض من الأرباض الواحد والعشرين يضمّ أسواقًا وقيساريات وورشات الصناع والحرفيين والقصور الخلافية والمنيات وعددًا من البساتين والجنّات والمقابر. وهذا ما يعطي المجال الحضري في قرطبة شكل لوحة فسيفساء بامتياز. كان كلّ فضاء من الفضاءات الحضرية، أي كلّ ربض من الأرباض، بمنزلة منصة تقوم فوقها حياة الإنسان، لأنّ أفراد المجتمع هم الذين كانوا يقيمون في المساكن المشيّدة فيها. وفيها كانوا يزاولون أنشطة يحصلون منها على معاشهم، وكانوا يمارسون فيها شعائرهم الدينية أيضًا.
وفي جميع الأحوال، كانت عملية الإقامة ومزاولة النشاط تنطوي على عملية تدبير يقوم بها الإنسان قصد تحقيق منفعة خاصة أو عامة. وهذا البعد السوسيو - اقتصادي هو بالذات ما يركّز عليه المهتمون بالظاهرة الحضرية، حين يذهبون إلى التأكيد أنّ عملية تنظيم المجال الحضري هي طريقة تدبير الإنسان ذلك المجال بهدف تحقيق المنفعة17. ومن الواضح أنّ عملية التدبير التي تشترك في القيام بها السلطات المشرفة على سير الشأن العام وسائر الأفراد المقيمين في المجال، تنطوي على نوعٍ من الإرادية18volontarisme un تجد تطبيقاتها في الشكل الذي تنتظم به المساكن والمنشآت العمرانية التي تؤثّث المجال الحضري. ومن ثم، تغدو عملية تنظيم المجال الحضري نوعًا من الإسقاط الاجتماعي والثقافي والسياسي لمجتمع من المجتمعات خلال فترة تاريخية معينة. وبعبارة أخرى، فإنّ قيام السلطات وأفراد المجتمع بتنظيم مجال معيّ، أو تدخّلهم لإعادة تشكيل ذلك المجال، من خلال تشييد مساكن ومنشآت وإقامة مرافق، أمر يعكس إلى حدٍ بعيد نوعية وطريقة تصوّر أفراد تلك الجماعة للعالم أو تمثّلها له. وهذا ما يستفاد من بعض الشواهد النوازلية التي يتضمنها كتاب "ديوان الأحكام الكبرى"، والتي سنعتمدها في استعراض بعض خاصيات المجال الحضري في قرطبة بعد أن تحدّثنا بإيجاز عن مواصفاته العامة.
أولً: تلايش البعد القبلي في تنظيم المجال الحضري
يرى بيير گيشار Guichard Pierre أنّ التعمير في مدينتَي القيروان وفاس جرى على أساس انتشار متجاور Juxtaposition Une للقبائل في المجال الحضري في المدينتين. ويعتقد أن تكون الظاهرة ذاتها قد تكررت في قرطبة، وفي غيرها من مدائن الأندلس بعد الفتح19. ومعنى ذلك، من وجهة نظره، أنّ تطابقًا حدث بين تنظيم المجال الحضري والتنظيم القبلي. ويبدو أنّ بيير گيشار ينطلق بهذا الخصوص من الظروف التي جرَت فيها عمليات الاستيطان في الأندلس خلال السنوات التي أعقبت الفتح، ويعمّم ذلك على القرون اللاحقة دون أن يأخذ في الحسبان التطورات التي شهدتها بنية المجتمع والعلاقات الاجتماعية؛ إذ انتهى أحد الباحثين في هذا الشأن إلى خلاصات مفادها أنّ العلاقات القبلية أخذت تشهد نوعًا من التلاشي منذ مطلع القرن الرابع الهجري20، وبخاصة في الحواضر. وممّا لا شك فيه أنّ المتغيرات والأحداث السياسية التي ظلت تشهدها الأندلس باستمرار منذ القرن المذكور زادت من تلاشي علاقات القرابة؛ إذ تراجع الزواج الداخلي، أي ذلك الذي يجري بين أطراف داخل الجماعة القرابية نفسها، كما شاعت ظاهرة الزواج
المختلط بين ذكور وإناث ينحدرون من أصول عرقية ودينية مختلفة. وفي الوقت ذاته، أضحى بإمكان عدد من الأفراد التسري بالجواري والإماء اللائي لم ينضب معينهنّ إلا بعد توقّف الحملات العسكرية في المعاقل المسيحية من شبه جزيرة أيبيريا. وتبعًا لذلك، لم تعد الأسر التي تربط بينها صلات قرابة، تحرص على الإقامة في دور (تجمعات سكنية) متجاورة. لقد أورد ابن سهل أسماء عدد كبير من الأشخاص عند حديثه عن عمليات بيع دار من الدور التي شكّلت أهمّ معالم الفضاء الحضري في قرطبة، أو شرائِها أو تحبيسها أو قسمتها، دون ذكر أسماء قبائلهم. كقوله: "كانت لإبراهيم بن محمد دار بحاضرة قرطبة بحومة مسجد الغلباطي"21. أو قوله، في معرض جوابه عن إحدى النوازل: "(...) دار ابن أشرس بالربض الشرقي من مدينة قرطبة على نهرها بحومة مسجد ضوء"22. وفي بعض الحالات يورد اسم الشخص منتسبًا إلى حرفة أو مهنة، كقوله في معرض جوابه عن إحدى النوازل: "غاب علي بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الخراز"23. وقوله: "ثبت عند ابن الليث موت مبارك الصياد الذي كانت له دار بحومة باب اليهود في درب ابن عبد الله"24. وتؤكد المعطيات التي يتضمنها بعض كتب التراجم هذا الاتجاه. إذ لم يقم واضعو مصنفات ما بعد منتصف القرن الرابع الهجري بربط أسماء الدور، عند الحديث عن المترجم لهم، بأسماء القبائل إلا في حالات نادرة، من قبيل حالة العالم أبي عبد الله محمد بن عيسى بن غانم بن محمد الغساني المعروف بالأندراشي، والذي يذكر ابن بشكوال، وهو يعرّف به، أنّ "سكناه بقرطبة بغدير ثعلبة بدور بني ادريس، وصلاته بمسجد ابن إدريس"25. ويستفاد من مصنف ابن سهل وغيره من المصنفات النوازلية، ككتاب "الأحكام" لأبي المطرف الشعبي المالقي26، و"كتاب الفتاوى" لأبي الوليد بن رشد القرطبي27، أنّ المتغيرات والأحداث السياسية المشار إليها، أفضت إلى حركية في أوساط الأسر القرطبية. وكانت تلك الحركية إرادية أحيانًا، ولكنّها أضحت قسرية منذ مطلع القرن الخامس الهجري بعد اندلاع ما يعرف بالفتنة سنة 400 ه28. فحدث أن غادر الحاضرة وأعمالها كثيرٌ من السكان، فرادى أو بمعية أفراد أسرهم، وتركوا دورًا وضياعًا سطا عليها الغير في سياق ظاهرة الغصب التي تفشّت آنذاك29. وما يهمنا في ما نحن بصدده في هذا المقام، هو أنّ من رحلوا عن قرطبة لم يكونوا يحرصون على الإقامة، في المدن التي التحقوا بها، في حومات يقطن فيها من تربطهم بهم صلات قرابة. وعلى الرغم من أنّ ابن سهل لم يعرض لحالات تنقّل أسر بعينها، فقد أورد معلومات كثيرة في أكثر من باب عن حالات "المغيب المتصل" التي كان "أبطالها" بعض أرباب الأسر الذين كانوا
يغادرون أسرهم إلى وجهات لا يعلمها أحد. ويغيبون لمدة قد تصل أحيانًا إلى العشرين سنة، تنقطع خلالها أخبارهم تمامًا30. ولا شك في أنّ المغيب المتصل لم يكن يقوم به أرباب الأسر وحدهم، وإنّما كان يرافقهم فيه أفراد أسرهم أيضًا، حسبما يستشف من نازلة أفتى فيها ابن رشد في موضوع "رجل غاب عن مكانه، وترك به دارا خربة". فلمّا طالت غيبته "عمد إليها بعض قرابته وبناها من ماله"31. فلو كان رب الدار رحل بمفرده، لما عمد صاحبنا إلى إعادة بنائها من تلقاء نفسه. ومهما يكن من أمر، فإنّ ما يهمنا في هذا الشأن، هو أنّ الغائبين، فرادى أو بمعية أفراد أسرهم، كانوا يقيمون إبان فترات غيابهم في حواضر في حومات لا يعرفهم فيها أحد، ولذلك كانت تنقطع أخبارهم. ومن القرائن الدالة أيضًا على تلاشي روابط القرابة، وجود مسائل يتضمنها "كتاب ديوان الأحكام الكبرى" تفيد بأنّ أسرًا مسلمة كانت تقيم في دور مجاورة لدور تقيم فيها أسرٌ من أهل الذمة، كما توضح ذلك مسألة تداولها ثلة من الفقهاء المشاورين، ومن بينهم ابن لبابة32، في موضوع وكيل يتيم أراد بيع دار يملكها ذلك اليتيم "لقربها من دور اليهود، وحيث تباع الخمر ويجتمع أهل الفساد والشر"33. ويؤكد أيضًا الأمر ذاته قول ابن سهل: "ابتدأ القاضي أبو المطرف عبد الرحمن بن سوار قبل وفاته النظر في مسألة طرحها المسمى حسان بن عبد الله الذي كانت له دار بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد صواب تلاصق دارا أخرى موقوفة على شنوغة اليهودي"34. وقريبًا من هذه النازلة، أفتى ابن رشد في موضوع "رجل باع داره من يهودي بحظه من بئر مشتركة" بينهما35.
ثانيًا: غلبة التمركز عىل المجال الحضري
تسمح مجموعة نوازل يتضمنها مصنف ابن سهل بالقول بأنّ المجال الحضري في قرطبة كان يغلب عليه التمركز بالنظر إلى قرب الوحدات السكنية من المساجد ومن الأسواق ومن المقابر، فضلً عن وجود جنات في بعض الأرباض بمحاذاة المنازل. ومن بين تلك النوازل، نازلة في موضوع تجار كانوا يؤدون الصلوات في حوانيتهم وبالقرب منها ثلاثة مساجد36. ونازلة في موضوع عيب اكتشفه رجل في جنة ابتاعها. وتقع الجنة شرقي قرطبة في ربض حوانيت الريحاني في حومة مسجد أسلم37. ونازلة في موضوع رجل اشترى عرصة ملاصقة لمقبرة أراد تحبيسها ليدفن فيها من يموت من ولده وأهله. وكان لرجل آخر دار ملاصقة لهذه العرصة39. وتؤكد نازلة طُرحت على أنظار ابن رشد40 بدورها ظاهرة التمركز على الرغم من أنّها لا تهمّ قرطبة. فقد سئل من مدينة باغة التابعة لكورة إلبيرة، في موضوع ورثةٍ آلت إليهم؛ "دور، وأراضٍ، وجنّات" تقع في إحدى جهات المدينة قاموا باستغلالها فترة من الزمن. وحدث، أيام حكم بني عباد، أن رأى والي تلك الجهة ضمّ ما بعد عن سور المدينة من ممتلكات عقارية إلى المدينة وإحاطتها بسور ثانٍ ليتحصن الناس بسبب
الفتنة. فدخلت تحت السور الجديد إحدى جنات الورثة السابق ذكرهم. فعمد إليها الوالي واقتطع من مساحتها ثلثًا، أو أكثر قليلا، أنشأ به حوانيت وقيسارية وفرنًا جعلها تابعة لبيت مال المسلمين. ثم عمد الورثة بدورهم، فقسموا ما تبقّى من الجنة عراصا باعوها لمن ابتنوا بها دورًا. وتفصح كتب التراجم هي الأخرى عن ظاهرة التمركز، حين يرد في معرض التعريف ببعض العلماء، قول مؤلف أحد تلك الكتب بأنّ فلانًا كان "سكناه بمقبرة كذا". كقول ابن بشكوال في التعريف بأحمد بن وليد بن هشام بن أبي المفوز (ت. 99 3 ه): "كان سكناه بمقبرة أبي العباس الوزير بزقاق الشبلاري"41. وكان يجاوره في سكنى المقبرة ذاتها العالم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن خيرون بن محارب (ت. 403 ه)42. ومما لا شك فيه، أنّ هذا التمركز ينسجم مع مقاصد تنظيم المجال الحضري التي كانت تروم خدمة الفرد والجماعة التي تقيم في ذلك المجال. وكانت تلك الخدمة تسري خلال فترة حياة الفرد والجماعة، وكذلك عند الوفاة وبعدها، حيث يوارى المتوفون الثرى في مقابر مجاورة للتجمعات السكنية. وتظل الصلات قائمة بينهم وبين أقربائهم من الأحياء الذين يستطيعون زيارة مقابرهم بانتظام بحكم قربها من الحومات. غير أنّ اختلالات كانت تترتب عن هذا التمركز. وكان يزيد من حدّتها سوء التدبير بوجهٍعام، وسلوك بعض الجماعات والأفراد بوجهٍخاص، حسبما يتضح من مجموعة نوازل ومسائل بتَّ فيها ابن سهل؛ فمقبرة "متعة" المحاذية لبعض الوحدات السكنية لم تعد، في وقتٍ من الأوقات، تحظى بالحرمة حين استُحدث فيها مسلكٌ فصَلها إلى قسمين، أصبح يسلكه الراجلون وكذلك العربات43. وحدث أيضًا أن استُحدثت مسالك في مقابر أخرى أخذ يسلكها أهل الذمة وهم متجهون بجنائزهم إلى مقابرهم، غير مكترثين بحرمة الموتى من المسلمين44. ومن المظاهر السلبية الأخرى التي ترتبت عن ظاهرة التمركز، ظاهرة وجود بعض قنوات تصريف المياه العادمة من الأحياء السكنية كانت تصبّ حمولتها في بعض المقابر، كما تفصح عن ذلك مسألة أوردها ابن سهل في موضوع الضرر الذي لحق بمقبرة "عامر"، وبالطريق المفضية إليها، بسبب تدفق مياه الدور، ومياه أحد الحمامات في المقبرة وتجمّعها في إحدى الحفر45. وتفيد المسألة ذاتها، بأنّ عددًا من الحمامات والأفران كان يقع بمحاذاة الدور، مما كان يلحق ضررًا بسكانها. كما هو الشأن بالنسبة إلى "دار ابن أشرس وهي دار كبيرة تقع بحومة مسجد ضوء بمحاذاة حمام أبدون"46. ودار المدعوّ عمر التي كان يقع بجوارها فرن أضرّ بصاحبها. فأقرّ شهود حدوث الضرر الذي كان يقضي بوجوب هدم الفرن47.
ثالثًا: عدم وجود حدود واضحة بين الملك الخاص والملك العام يف الاستعملات الاجتمعية للمجال الحضري
يميز المهتمون بالظاهرة الحضرية بين المجال الخاص والمجال العام، أو العمومي. وتطلق العبارة الأولى على كلّ منشأة، وكلّ فضاء مكشوف داخل منشأة تدخل ضمن الممتلكات الخاصة للأفراد. وبما أنّ الشريعة الإسلامية أقرّت حق التملّك، فقد كان كثير من الدور والأفران والحمامات والدكاكين، ومنشآت أخرى، يدخل ضمن ممتلكات أفراد خواص، أمّا عبارة "المجال العمومي"، فهي ذات دلالة غربية في المقام الأول، وتحيل عادةً، عند استعمالها، إلى "الأگورا" agora ' l في المدينة الإغريقية، أو الساحة أو الميدان في
المدن المعاصرة48. وهي فضاءات شاسعة مكشوفة دائرية أو مربعة أو مستطيلة تحيط بها منشآت عمرانية. وقد اتسع نطاق استعمال عبارة "المجال العمومي" في أبحاث المهتمين بالمدن والعمران، فأصبحت تطلق اليوم على كلّ فضاء أو منشأة لا تدخل ضمن الممتلكات الخاصة للأفراد، مثل البنايات الموجهة لخدمة عموم السكان وشبكة طرق المواصلات والمنتزهات وأرصفة الشوارع. ومن هذا المنطلق، يمكن تعداد المساجد والأسواق والمنتزهات والمحجّات والمسالك الطرقية التي كانت تشكّل جانبًا من الفضاءات الحضرية في مدن الأندلس، ضمن المجال العمومي، لا حق للأفراد فيها سوى حق الانتفاع المادي والروحي. ويتضح أنّ المعلومات القليلة التي أوردها ابن سهل عمّا نسمّيه بالمجال العمومي اقترنت بحديث عن المسالك والطرق. وهو ما عبّ عنه، على غرار جمهور الفقهاء، بقوله اقتضابًا "الطريق العامة"49، أو بقوله إسهابًا: "إنما السكك من جهة الأحباس التي حبسها المسلمون لمنافعهم"50. ونفهم أبعاد هذا التركيز على المسالك والطرق، إذا علمنا أنّها مثّلت موضوع رهان في العلاقة بين ما هو خاص وما هو عام. وتجلّ هذا الرهان في أنّ بعض الأفراد كانوا يستغلون نفوذهم، وكان آخرون يستغلون عدم وجود فواصل واضحة في أذهان عموم الناس بين الخاص والعام، فيتطاولون على الطرق لاقتطاع أجزاء منها وضمّها إلى ممتلكاتهم الخاصة، كما فعل المدعوّ سعيد بن محمد بن السليم الذي تطاول على جزء من محجة بقرطبة وضمّه إلى جنّته. فأفتى ابن سهل، حين طرحت عليه المسألة، بأنّ العملية غير جائزة، وعلى المعنيّ بالأمر العدول عمّا قام به51. وأوضح بالمناسبة أنّ الانتقاص من المحجة أو السكة لتوسعة دار، أو للزيادة في مساحة بستان، أمر غير جائز52. وعلى الرغم من أنّ عملً من هذا القبيل كان موضوع اختلاف بين الفقهاء، بين قائل بجوازه وقائل بعدم جوازه بالنظر إلى حجم المساحة المنتقصة، وضيق المسلك الذي تمّ منه الانتقاص أو رحابته، فقد ضمّ ابن سهل صوته إلى الغالبية العظمى من الفقهاء الذين شجبوا، منذ القرون الإسلامية الأولى، كلّ تجاوز كان يلحق ب "الملك العمومي" اقتداءً بما قام به الخليفة عمر بن الخطاب حين أمر بهدم كير وضعه حدّاد في الفضاء الذي يتسوق فيه عموم الناس53.
رابعًا: حضور مهمّ للقيم يف انتظام الوحدات السكنية
تشترك الوحدات السكنية في قرطبة، وفي غيرها من مدن الأندلس ومدن دار الإسلام بصورة عامة، في كون الدور فيها كانت موزّعة على أحياء. ذكر ابن سهل الواحد منها باسم "الحومة". وأورد أسماء الكثير من حومات قرطبة مقترنة باسم المسجد الذي يؤمّه سكانها.
ومن بينها "حومة مسجد البلنسي برحبة أبان"54، و"حومة مسجد عبادل "55، و"حومة مسجد أسلم "56، و"حومة مسجد صواب "57، و"حومة مسجد أبي رباح"59. ويستفاد من مصنف ابن سهل أنّ الحومات كانت تخترقها شبكة من الأزقة، بعضها رئيس وبعضها فرعي، وبعضها أزقة من دون منافذ. وكانت تصطف على يمين كلّ زقاق ويساره مجموعة من الدور. وفي بعض الأزقة كان يفصل بين الدور فرنٌ أو حمام. ويتضح أنّ الأزقة الفرعية والأزقة المغلقة في الحومة لم يكن يسلكها إلا القاطنون في الدور الواقعة في تلك الأزقة. وقلّما كان يسلك الزقاق الفرعي "أجانب"، إلا في حالة وجود حانوت، أو أكثر، ملاصق للدور يعرض صاحبه مواد غذائية أو بضائع أخرى حسبما يتضح من إحدى النوازل التي ورد فيها قول ابن سهل: "باع أحدهم دارا ينتظم بها حانوت له باب يفضي إلى الدار وباب آخر ينجز عليه"60. ويبدو أنّ الحومات كانت مجمعات سكنية مخصصة للإقامة في المقام الأول، ولذلك كانت الدور التي تؤلّفها منغلقة على الخارج ومنفتحة على فضاء بداخلها، أي فناء Patio. ولم تكن لمعظمها نوافذ في الواجهات المقابلة للأزقة باستثناء الباب الرئيس للمنزل. وقد استند نفرٌ من الباحثين الغربيين إلى هذا المعطى، وإلى غيره من المعطيات، كضيق الأزقة، ووجود بعضها من دون منافذ، للقول بضعف مستوى تنظيم المجال الحضري في المدن الأندلسية، ومدن العالم الإسلامي بوجهٍ عام61. وإذا كان هذا الموقف يُظهر فعلً حقيقة تاريخية، فالراجح أنّه ينطوي على كثير من الغلوّ، لأنّ العودة إلى بعض النصوص تفيد بأنّ جانبًا كبيرًا من العقلانية والتدبر كان حاضرًا في عملية تنظيم المجال الحضري. ويكفي أن نورد في هذا السياق نصًا بالغ الدلالة يتضمّنه كتاب "الأندلس في اقتباس الأنوار"62 يذكر واضعه بوضوح تام أنّ قرطبة "أم المدائن تقع على نهر كبير شيدت عليه قنطرة عظيمة حصينة من أجل البنيان قدرا وأعظمه خطرا. وهي من الجامع، المشهور أمره والشائع ذكره، في قبلته وبالقرب منه. فانتظم بها الشكل إلى الشكل. وجاءت كالفرع لذلك الأصل"63. ونستطيع أن نستشف من العبارتين الأخيرتين اللتين يتضمنهما النص أنّ تشييد هاتين المعلمتين جرى وفقًا لتخطيط Tracé Un مسبق. ولا شك في أنّ المنشآت والمرافق الأخرى التي أثّثت فضاء قرطبة اندرجت ضمن هذا التخطيط، ومن بين تلك المنشآت والمرافق "حوانيت ابتناها السلطان، كما يذكر ابن سهل، واكتراها الناس منه لتجارتهم. وبالقرب من هذه الحوانيت ثلاثة مساجد"64.
ويعزز ما ذكرناه عن حضور جانب من العقلانية والتدبر نصٌ ثانٍ يتضمنه كتاب "اختصار اقتباس الأنوار"، ذكر فيه مؤلفه، في سياق حديثه عن مدينة الزهراء، أنّها مدينة بالقرب من قرطبة، "بناها عبد الرحمن الناصر. وكانت من عجائب المباني جمالا وقوة وحسن ترتيب وإتقان هيئة"65. ومهما يكن من أمر، فإذا كان ضيق الأزقة، ووجود بعضها من دون منافذ وكذا انغلاق الدور، من بين الأمور التي تمثّل أحد المظاهر السلبية في عملية تنظيم المجال الحضري، فلا بد من التذكير بأنّ الباحثين الغربيين يتناسون هنا أيضًا مسألة مهمة، وهي أنّ المجال المسكون كان منتظمًا انتظامًا يتوافق مع نمط حياة الأسر الذي كان يقوم على مجموعة قيم تتمثّل بحرمة الذات وحرمة المكان، فضلً عن الحميمية والوقار وارتفاق الجار بالجار. وهي قيم يمكن عدّها بمنزلة مبادئ كانت تحكم العمران والتساكن في المدن الأندلسية، ومدن دار الإسلام عمومًا. تضمّن مصنف ابن سهل صورَ هذه القيم وتجلياتها في مجموعة نوازل ومسائل بتَّ فيها؛ من قبيل نازلة في موضوع رجل ذكر أنّ في دار جارته غرفة لها باب تخرج منه إلى سقيفة تجلس فيها، وأنّ الصاعد إلى السقيفة يطّلع على ما في قاعة داره، وأنّ في ذلك ضررًا عليه66. ونازلة ثانية في موضوع رجل يملك دارًا في حومة مسجد رباح اشتكى من جارته لإحداثها درجًا تصعد عليه إلى غرفة لها، فرأى أنّ إحداث الدرج يضر بالحائط الفاصل بين مسكنيهما67. ونازلة ثالثة في موضوع خلاف بين رجلين، قام أحدهما ببناء جدار فوق حائط جاره. فرفع هذا الأخير تظلّمه بدعوى عدم جواز هذا الفعل الذي ينمّ عن نوعٍ من التعدي على حقوق الغير68. وقريبًا من هذه النازلة، أثار ابن سهل مسائل تتصل بالرفوف الواقعة على الحيطان بين الجيران، كاتَب في شأنها شيوخ قرطبة قصد الاستشارة. ويتضح من فحوى هذه النوازل، ومن فحوى نوازل مماثلة أفتى فيها ابن رشد، أنّ مبدأَي التساكن وارتفاق الجار بالجار كانا يقضيان بأن يمتنع مالك دار عن إقامة رفٍ على حائطه يضع عليه شيئًا من القصب أو ما شابه ذلك. كما يقضي المبدآن بأن يمتنع الجار عن الزيادة في علوّ جدار فاصل بينه وبين جاره، لئلا يمنع عنه الهواء وأشعة الشمس والضوء لأنّها تأتي من السماء التي ليست ملكًا لأحد. كما يمتنع المالك عن إقامة رحى داخل داره لكونها تُحدث صوتًا يزعج الجيران.
خاتمة
لا بأس من التذكير في ختام هذه الصفحات أنّ قرطبة كانت تمثّل في عصر الخلافة أكبر مركز حضري في شبه جزيرة أيبيريا خلال فترة الوجود العربي الإسلامي فيها. كان ذلك المركز كثيف السكان حتى مطلع القرن الخامس الهجري. وكان يضمّ مجموعات كبرى من الدور والمنشآت والمرافق المدنية والدينية والاقتصادية دارت حولها مسائل نظرَ فيها ثلة من الفقهاء من بينهم ابن سهل. وتسمح المعطيات التي تتضمنها المسائل التي بتَّ فيها ابن سهل بالحديث عن مجال حضري كما يعرفه الباحثون المعاصرون اليوم. كما تسمح باستعراض بعض خاصيات تنظيمه.
وقد فوجئنا بغزارة تلك المعطيات التي يقلّ نظيرها في المؤلفات النوازلية التي وُضعت إبان فترة إنجاز كتاب "ديوان الأحكام الكبرى"، أو بعده بقليل، بما فيها "فتاوى ابن رشد" الذي تتألف النسخة المتداولة منه من ثلاثة أسفار. ولا تنحصر هذه الغزارة في الموضوع الذي تناولناه في هذه المقالة، بل تهمّ أيضًا مواضيع أخرى من قبيل موضوع "الجريمة والعقاب" الذي نوشك أن ننهي بحثًا مطولً يهمّه. فقد أمدّنا كتاب "ديوان الأحكام الكبرى" بفيضٍ من المعلومات حول الجرائم التي كانت أكثر انتشارًا في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري، وبالعقوبات التي كانت تسلّط على مرتكبيها. ولا شك في أنّ هذه الوفرة التي تهمّ قضايا متنوعة، هي التي حدَت بالباحث محمد عبد الوهاب خلاف إلى تبنّي المعيار الموضوعاتي في نشر النصوص التي استخرجها من هذا الكتاب. ولكن الملاحظة التي تسترعي الانتباه في هذا المقام، هي أنّ ما يتضمنه من معطيات تتصل بالمجال الحضري، ينطبق على النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وليس على القرن الموالي الذي عاش خلاله ابن سهل ما ينيف عن السبعين عامًا، على أساس أنّها لا تعرض للتحولات التي طرأت على المجال الحضري في قرطبة بعد اندلاع أحداث الفتنة سنة 400 ه. ومن المفيد التذكير بأنّ تلك الأحداث كان لها وقعٌ على العمران تحدّث عن مظاهره عددٌ من الشهود على العصر، وأبرزهم ابن حزم الذي يذكر ما نصّه: "أخبرني بعض الوراد من قرطبة - وقد استخبرته عنها - أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها [أي من مدينة قرطبة] وقد امّحت رسومها، وطمست أعلامها (...) وصارت صحاري مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس". ويبدو أنّ ابن حزم لم يبالغ في ما ذهب إليه. فقد أكّد صحة الخراب الذي تعرضت له قرطبة بعض المؤرخين المعاصرين؛ كالسيد عبد العزيز سالم الذي وسمه "بالدثور والنكبة"، وخصّه بصفحاتٍ مطولة ضمن الجزء الثاني من كتابه حول قرطبة.
قائمة المصادر والمراجع
المراجع العربية
ابن بشكوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك (ت. 578 ه). كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم، إبراهيم الأبياري (محقق)، القاهرة/ بيروت: دار الكتاب المصري - دار الكتاب اللبناني، 1989.
ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي (ت. 456 ه). رسائل ابن حزم، إحسان عباس (محقق)، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980 - 1983.
ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي (ت. 520 ه). فتاوى ابن رشد، المختار بن الطاهر التليلي (مقدم ومحقق)، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987.
ابن سهل، أبو الأصبغ عيسى بن عبد الله الأسدي (ت. 486 ه)، ديوان الأحكام الكبرى، أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام، يحيى مراد (محقق)، القاهرة: دار الحديث، 007 2.
الحميدي، أبو عبد الله محمد بن فتوح الأزدي (ت. 488 ه). جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، لجنة إحياء التراث (محقق)، القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966.
الرشاطي، أبو محمد عبد الله بن علي (ت. 542 ه)، ابن الخراط الإشبيلي، أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن (ت. 581 ه). الأندلس في اقتباس الأنوار وفي اختصار اقتباس الأنوار، إميليو مولينا لوبيث وخاثنتو بوسك بيلا (مقدم ومحقق)، مدريد: المجلس الأعلى للأبحاث العلمية ومعهد التعاون مع العالم العربي، 1990.
الشعبي المالقي، أبو المطرف عبد الرحمن بن قاسم (ت. 497 ه). الأحكام، الصادق الحلوي (محقق ومقدم)، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.
الطاهري، أحمد. "المجتمع الأندلسي في عصر الخلافة: انحلال الروابط القبلية والطائفية"، بحوث، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد الأول، (1988).
الطاهري، أحمد. دراسات ومباحث في تاريخ الأندلس (عصري الخلافة والطوائف)، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1993. سالم، السيد عبد العزيز. قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس (دراسة تاريخية، عمرانية، أثرية في العصر الإسلامي)، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1997.
فكري، أحمد. قرطبة في العصر الإسلامي (تاريخ وحضارة)، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1983.
نكادي، يوسف. الزراعة في الأندلس خلال القرن الخامس الهجري، وجدة: مطبعة الجسور، 007 2.
المراجع الأجنبية
• AllainYves-Marie et autres. Les espaces urbains. Concevoir, réaliser, gérer , Paris: Les Editions du Moniteur, 1987.
• Barraqué, Jean-Pierre. Saragosse à la fin du Moyen Age. Une ville sous influence , Paris: l’Harmattan, 1998.
• Gauthiez, Bernard. Espace urbain: Vocabulaire et morphologie , Paris: Les Editions du Patrimoine, 2003.
• Grosjean, Michèle & Thibaud, Jean (dir.). L’espace urbain en méthodes , Marseille: Editions Parenthèses, 2008.
• Guichard, Pierre. Genèse de la ville islamique en al-Andalus et au Maghreb occidental , Colloque organisé par la
Casa de Velazquez et le Consejo Superior de Investigaciones Cientificas, Madrid: éd. De la Casa de Velazquez, 1998.
• Panerai, Philippe. "Sur la notion de ville islamique", Peuples méditerranéens , No 46 , (1989).
• Toussaint, Jean-Yves & Zimmermann, Monique (dir.). User, observer, programmer et fabriquer l’espace public ,
Lausanne: Presses Polytechniques et Universitaires romandes, 2001.