العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكالية الديني والسياسي في العلاقة بين الدولة السلطانية والأوقاف المسيحية في القدس العثمانية

إشكالية الديني والسياسي في العلاقة بين الدولة السلطانية والأوقاف المسيحية في القدس العثمانية

The Problematic Religious and Political Relationship between the Sultanate and the Christian Awqāf (Endowments) in Ottoman Jerusalem

موسى سرور

الملخّص

تنطلق الدراسة من إشكالية مفادها أنه على الرغم من أن الدولة السلطانية العثمانية ورثت القانون الإسلامي وتبنته في التعامل مع الأوقاف في الولايات العثمانية، فإنها تبنت في عصر التنظيمات (1839-1878) سياسة "عدائية" جديدة له، خاصة فيما يتعلق بالأوقاف الخيرية الإسلامية. وفي المقابل، التزمت بهذا القانون فيما يتعلق بالأوقاف المسيحية. تحاول الدراسة الكشف عن الأسباب الكامنة وراء هذه السياسة ذات المعايير المزدوجة. بمعنى تفسير إشكالية الديني والسياسي في العلاقة بين الدولة السلطانية والأوقاف المسيحية في القدس العثمانية. وتفترض أن الأوقاف المسيحية بشقيها الخيري والذري في الدولة العثمانية بشكل عام، وفي القدس بشكل خاص، كانت مستثناة من سياسات الدولة العثمانية وقوانينها "الإصلاحية" تجاه الأوقاف، ولم تتعرض للسياسة "العدائية" نفسها التي تعرضت لها الأوقاف الخيرية الإسلامية، بل على العكس كانت هذه التشريعات الجديدة الدرع الحامي للأوقاف المسيحية ومنحتها حصانة أمام سياسات الدولة الجديدة في ذلك العصر.

Abstract

The Ottoman Sultanate inherited and adopted Islamic law in dealing with Awqāf (endowments) in the Ottoman provinces but during the Tanzimat era (1839 - 1878), it adopted a new “hostile” policy towards this law, especially with regard to Islamic charitable awqāf. In contrast, it complied with this law regarding Christian awqāf. The study explores the reasons behind this double standard, clarifying the problematic religious and political relationship between the sultanate and the Christian endowments in Ottoman Jerusalem. It advances the assumption that the Christian endowments, both public access and privately distributed, in the Ottoman Empire and particularly in Jerusalem were safeguarded from the same “hostile” policy affecting the Islamic charitable endowments. On the contrary, these legislations served as a shield, providing immunity to the Christian endowments from the new state policies.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة العثمانية
  • الوقف الإسلامي
  • الوقف المسيحي
  • عصر التنظيمات
  • القدس
Keywords:
  • Ottoman Empire
  • Islamic Endowments
  • Christian Endwoment
  • Waqf
  • Al-Quds
موسى سرور | Sroor *Musa
سرىور|
و
إشكالية الديني والسياسي في العلاقة بين الدولة
السلطانية والأوقاف المسيحية في القدس العثمنية
The Problematic Religious and Political Relationship
between the Sultanate and the Christian Awqāf
(Endowments) in Ottoman Jerusalem

تمتّعت الأوقاف عبر التاريخ الإسلامي حتى القرن التاسع عشر بالاستقلالية عن الدولة، سواء كانت أوقافًا إسلامية أم غير إسلامية (أوقاف أهل الذمة)؛ إذ منح القانون الإسلامي (الفقه الإسلامي) هذا النظام الوقفي العريق والمتوارث "حصانةً" للوقف أمام تقلّبات أنظمة الحكم في الدول الإسلامية المتعاقبة، من أمويين إلى عباسيين إلى فاطميين إلى مماليك إلى عثمانيين أتراك. واستمرت هذه الحصانة في كثير من الدول العربية والإسلامية، خلال الحقبة الاستعمارية ومرحلة ما بعد الاستعمار. ولم تنجح سياسات حكام هذه الدول وسلاطينها في احتواء الأوقاف والتجرّؤ على انتهاك حرمتها علنًا ومباشرة. بل، على العكس، شكّلت مؤسسة الأوقاف ملاذًا لبعض الأمراء والسلاطين وكبار الملّك والمتنفذين "بتبييض أموالهم وممتلكاتهم" وحمايتها من المصادرة كلما تقلّبت الأحوال ودارت الأزمان، أو تولّى منافسوهم ومعارضوهم السلطة. وقد لجأ إليها أيضًا بعض أفراد المجتمع المحلي لحماية أمواله من بطش الولاة والحكام، أو ضياعها وتفتيتها في حالة ترك مصيرها لنظام الإرث الإسلامي، فضلً عن اللجوء إليها باعتبارها وسيلة للتخليد عبر تأسيس مؤسسات وقفية تتصف بالديمومة، وتحمل أسماء واقفيها، مثل المدارس والتكايا والزوايا والمستشفيات والأسواق وغيرها، إضافة إلى اللجوء إليها لأسباب آخروية بصفتها وسيلة لدخول الجنة وغفران الذنوب والتقرّب إلى الله، باعتبار الوقف "صدقةً جارية"ً. لكن لم تبقَ المؤسسة الوقفية بعيدة عن "سلطوية" الدولة وسطوة قوانينها؛ فمنذ القرن التاسع عشر تحوّلت العلاقة بين الوقف والدولة من علاقة تكاملية إلى علاقة تصادمية تنافسية؛ إذ اعتبرت الدولة العثمانية أن الوقف يحرمها من مصادر دخل مهمة من جانب، ويُضع ف هيمنتَها وسطوتَها على مجتمعاتها المحلية من نخب ومهمشين من جانب آخر، فسنّت الكثير من التشريعات القانونية لنزع الحصانة؛ ليس من الوقف ومؤسساته فحسب، وإنما لإيجاد مسوغات "شرعية" تُجيز لها الاستحواذ على أموال الوقف وعقاراته أيضًا. ونتج من هذه السياسات تحولّات جذرية في ملكية الأوقاف الإسلامية في القدس، ولم تعكس أثرها، على نحو جوهري، على وجودها باعتبارها مؤسسات وقفية فحسب، بل على وظائفها وأهدافها التي كان لها الأثر الأكبر طوال الحقبات التاريخية السابقة في تقديم خدمات مجتمعية متعددة في غياب الدولة ومسؤولياتها المجتمعية؛ وخصوصًا بعد تحرير القدس من الاحتلال الفرنجي في عام 1187؛ إذ أصبحت هذه المؤسسة الوقفية، بفضل رأس المال الذي تُسيّره، مسؤولة عن الكثير من النشاطات الاجتماعية الحيوية. فتولّت الإنفاق على المؤسسة الدينية والروحية من مساجد وخوانق وزوايا وربط... إلخ، وعلى المؤسسات التعليمية من مدارس وزوايا ودورٍ للقرآن، والحديث، ومكتبات، وحلقات علم، وغيرها، وعلى المؤسسات الصحية (بيمارستانات). كما قامت بدور مهم في الرعاية المجتمعية ومحاربة الفقر وسد الفجوة بين الأغنياء والفقراء (التكايا وغيرها)، مع العلم أن هذه المؤسسات كلها أُسّست باعتبارها مؤسسات وقفية لا علاقة للدولة بها. تعارض هذا كله مع أيديولوجيا "الدولة السلطانية في عصر الحداثة" القائمة على احتكار الدولة لرأس المال؛ فقد اعتبرت المؤسسة الوقفية منافسًا لها يُهدّد وجودها؛ إذ يعدّ الوقف مصدرًا لتمويل مختلف المؤسسات ذات النفع العام، ومنها المؤسسات ذات النشاط السياسي، مثل المساجد والمدارس والمعاهد العليا، فضلً عن تمويل الفقهاء والعلماء وشرائح واسعة من المجتمعات المحلية. السؤال الذي يُطرح في هذا السياق، وتحاول هذه الدراسة الإجابة عنه، هو: هل تعرّضت الأوقاف المسيحية في القدس العثمانية للسياسة "العدائية" التي تعرّضت لها الأوقاف الخيرية الإسلامية؟ أم أن طوق النجاة كان حليفها؟ وهل كان للأوقاف المسيحية خصوصية في سياسات الدولة السلطانية؟ وما أسباب هذه الخصوصية في حالة وجودها؟ ولا سيما أن هذه الدولة اعتبرت رعاياها من غير المسلمين "أهل ذمة"، لم تَسْر عليهم أحكام الشريعة الإسلامية فحسب، بل "العرف" المجتمعي أيضًا، وذلك وفق التتابع التاريخي للدول الإسلامية منذ عهد الرسول.

تفترض الدراسة أن الأوقاف المسيحية في الدولة العثمانية، وخصوصًا في القدس، بشقيها الخيري والذري، كانت مُستثناةً من سياسات الدولة العثمانية وقوانينها "الإصلاحية"، ولم تتعرض للسياسة "العدائية" نفسها التي تعرضت لها الأوقاف الخيرية الإسلامية، بل على العكس تمامًا؛ كانت هذه التشريعات الجديدة بمنزلة الدرع الحامي للأوقاف المسيحية، ومنحتها "حصانةً" أمام سياسات الدولة الجديدة خلال فترة التنظيمات (1839 - 1878)1 وما بعدها. تنبع أهمية هذه الدراسة من إشكاليتها وهدفها؛ إذ تُلقي الضوء على سياسات الدولة العثمانية تجاه الأوقاف المسيحية. فكيف تعاملت هذه الدولة مع هذه الأوقاف على نحو مغاير تمامًا للأوقاف الإسلامية، وخصوصًا أن التشريعات العثمانية وقوانينها في ما يتعلق بالأوقاف ما زالت سارية المفعول في المحاكم الشرعية اليوم؟ ولماذا تعاملت معها كذلك؟ إنه من المتوقع و"البدهي" أن تُحافظ الدولة السلطانية العثمانية، التي اتّخذت من الشريعة الإسلامية مصدرًا لقوانينها وتشريعاتها، على حماية وضعية الوقف في القانون الإسلامي والتزامها، سواء أكان الوقف إسلاميًا أم لم يكن كذلك. وهذه الوضعية ضمنها القانون الإسلامي، واحترمتها الدول الإسلامية المتعاقبة كلها وأكدتها، واحترمها خلفاؤها وسلاطينها عبر العصور، ومن بينهم سلاطين آل عثمان أنفسهم. لكن أنْ تتنصّل هذه الدولة في آخر عهدها من حماية هذه الوضعية والخصوصية، وتلتزم حماية وضعية الوقف المسيحي فحسب، وتعتدي على الوقف الخيري الإسلامي، بموجب "قراءة جديدة" لتشريعات وفتاوى سبق أن أكّدها سلاطين آل عثمان أنفسهم ومؤسساتهم التشريعية واحترموها، فهذا يثير علامات الاستغراب والتساؤل: لماذا؟ وكيف؟ وخصوصًا أن سياسة الدولة السلطانية العثمانية تجاه المؤسسات الدينية المسيحية كانت معروفة منذ فتحها القسطنطينية (1453) عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وكنيسة آيا صوفيا خير شاهد على هذه السياسات3. تكمن أهمية هذه الدراسة، أيضًا، في أصالتها؛ وذلك بسبب نُدرة الأدبيات التي تتطرق إلى موضوعها. ففي المجمل، تتركز الدراسات حول الوقف ومسائله المختلفة، وقليلة هي الدراسات التي تناولت الوقف غير الإسلامي في القدس بشقيه المسيحي واليهودي. فعلى سبيل المثال، هنالك دراسة باللغة الفرنسية حول الأوقاف اليهودية في القدس والعلاقة بينها وبين الهجرة الصهيونية إلى القدس خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر4، ودراسة أخرى باللغة الفرنسية أيضًا تناولت الأوقاف المسيحية واليهودية في القدس خلال القرن التاسع عشر بأسلوب نقدي مقارن، ولم تتطرق إلى سياسات الدولة العثمانية تجاه هذه الأوقاف5. وفي المقابل، كانت الدراسات حول الأوقاف المسيحية في القدس أكثر حظًا؛ فاقتصر بعضها على تجميع الوقفيات التي

2  هذا أيضًا ما فعله المسلمون بعد فتحهم الأندلس؛ إذ طُرحت مسألة أوقاف أهل الذمة على القاضي أبي الفضل عياض (ت. 1149 م)، "وهم نصارى معاهدون، كانت لهم أملاك محبسة على كنيسة لهم، وكان قسيسو هذه الكنيسة يستغلون تلك الأموال في إدارة شؤون الكنيسة، والنفقة على أنفسهم، إلى أن وقعت الحرب وأجلاهم عنها أمير المؤمنين، فتحوّلت الكنيسة إلى مسجد، وأملاكها إلى أوقاف لمصلحة المسجد، ثم أراد السلطان ضم تلك الأموال إلى بيت المال، فهل له ذلك؟ فأجاب أن تحويل تلك الكنيسة إلى مسجد هو أوجب للمسلمين؛ إذ لا بد لهم من مسجد يُصلّون فيه، والكنيسة وأملاكها عند إجلاء النصارى عنها هي لبيت المال." ينظر: عبيد بوداود، "قراءة في أوقاف أهل الذمة بالأندلس"، مجلة الناصرية للدراسات التاريخية والاجتماعية، مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2016)، ص 186.

  1. بشأن هذه الفترة، ينظر: Demétrius Nicolaides & Grēgorius Aristarchēs, Législation ottomane ou recueil des lois, règlements, ordonnances, traités, capitulations et autres documents officiels de l’Empire Ottoman (Paris: frères Nicolaïdes, 1873); Roderic Davison, Reform in the Ottoman Empire 1856 - 18 76 (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1963); Paul Dumont, “La période des Tanzimât (1839 - 1878),” in: Robert Mantran (dir.), Histoire de l’Empire Ottoman (Paris: Fayard, 1989), pp. 459 - 522.
  2. Musa Sroor, “L’Immigration des juifs à Jérusalem et leurs waqf s entre 1800 et 1914: Objectifs charitables ou politiques?” Al- Mawaqif: Revue des études et des Recherches sur la Société et l’Histoire , no. 4 (2009), pp. 5 - 23.
  3. Musa Sroor, “Les waqf s chrétiens et juifs à Jérusalem aux XIXe siècle: Étude analytique, critique et comparative,” in: Sabine Saliba (dir.), Les fondations pieuses waqfs chez les chrétiens et les juifs: Du moyen âge à nos jours (Paris: Geuthner, 2016), pp. 215 - 233.

أسّستها الطوائف المسيحية في القدس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وذُكر ملخّصٌ لها، من دون دراستها وتحليلها6. كما ذكرت دراسة أخرى الأوقاف المسيحية في القدس في القرن التاسع عشر في قسم محدود من دراسة عن نصارى القدس7. في حين اقتصرت دراسات أخرى بشأن هذا الموضوع على تناول أوقاف طائفة واحدة من الطوائف المسيحية في القدس، مثل أوقاف الطائفة الأرثوذكسية في القدس8(، والأوقاف القبطية في هذه المدينة9.

أولً: الأوقاف غير الإس المية يف القانون الإس المي "الفقه الإس المي" ب ني النظرية والتطبيق: حالة القدس العثمنية

يلاحظ متتبع إجراءات تسجيل الوقفيات الإسلامية وغير الإسلامية في سجلات محكمة القدس الشرعية خلال الحقبة العثمانية، بوضوح تام، أن الأوقاف غير الإسلامية، سواء المسيحية أو اليهودية، كانت تخضع للأحكام الشرعية الإسلامية. وهذا لا يعني أن القدس شكّلت حالةً فريدةً في التاريخ العثماني، إنما كان ذلك عرفًا سائدًا ومُتّبعًا في المحاكم الشرعية كلها في الولايات والمدن العثمانية، مثل دمشق10 وبيروت11. يلاحظ أيضًا انعدام الفرق في تركيبة هذه الوقفيات وحيثياتها وما يتفرّع منها من قضايا وقفية؛ فهي لا تختلف بالمجمل باختلاف الطوائف الدينية. ويكمن الاختلاف الوحيد الذي يُمكن تسجيله في ديباجة الوقفيات فحسب؛ إذ تبدأ الوقفيات الإسلامية بالبسملة وذكر أهمية الوقف، باعتباره صدقةً جاريةً، ينال الواقف من خلال هذا العمل الأجر والثواب عند الله. فمعظم الوقفيات الإسلامية، إن لم نقل كلها، تبدأ بالديباجة التالية أو ما شابهها: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي وفق من أراده لفعل الخيرات وأجرى لهم المثوبات وأنالهم بها أعلى الدرجات والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالآيات الباهرات وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والكرامات. وبعد لما علم السيد... ما أعدّه الله للواقفين من جزيل الثواب وقول الصادق المصدوق إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّ من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له، أو كما قال صلى الله عليه وسلم"12. في حين أنّ الوقفيات المسيحية لا تبدأ بمثل هذه الديباجة، بل بالدخول مباشرة في الموضوع؛ إذ تشير إلى حضور الواقف إلى مجلس المحكمة طالبًا تسجيل أملاكه وقفًا لمصلحة جهة معيّنة، كما يتضح من الوقفية في الوثيقة.

  1. زياد المدني، الأوقاف المسيحية في القدس وجوارها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين 112 ه/ 1700 م - 1336 ه/  1918 م (عمان: [د. ن].، 2010.)
  2. أحمد حامد إبراهيم القضاة، نصارى القدس: دراسة في ضوء الوثائق العثمانية، سلسلة أطروحات الدكتوراه 67 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص
  3. رؤوف أبو جابر، "الأوقاف الأرثوذكسية في القدس"، في: الأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين: المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام، 10 - 14 أيلول 2006 م، المجلد الثالث: فلسطين. محمد عدنان البخيت (محرر) (عمان: لجنة تاريخ بلاد الشام، الجامعة الأردنية، 2008)، ص 595 - 629.
  4. محمد عفيفي، "الأوقاف والوجود القبطي في القدس في العصر الحديث والمعاصر"، في: الأوقاف في بلاد الشام، ص 535 - 549.
  5. للمقارنة، ينظر إجراءات تسجيل الوقفيات المسيحية في محكمة دمشق الشرعية العثمانية: Abdul Karim Rafeq, “The Establishment of Christian Waqf in the Court Records of Ottoman Damascus: A Comparative Study,” in: Saliba (dir.), pp. 165 - 195.
  6. للمقارنة، ينظر إجراءات تسجيل الوقفيات المسيحية في محكمة بيروت الشرعية العثمانية: Aurore Adada, “Les waqf s chrétiens d’après les archives du tribunal religieux ottoman de Beyrouth 1843 - 1909 ,” in: Saliba (dir.), pp. 249 - 263.
  7. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 298، أواخر ذي القعدة 1229 ه - 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1814، ص 50.

الوثيقة نموذج من الوقفيات المسيحية: وقف الراهب إبرامية أفريتوس أرولد في قرية المالحة غرب القدس

المصدر: سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 369، 19 جمادى الآخرة 1297 ه - 11 أيار/ مايو 1880، ص 18 - 19.

السؤال الذي يُطرح هنا: لماذا تتبع أوقاف المسيحيين وما يتعلق بها من إجراءات وقضايا الأحكام الشرعية الإسلامية؟ ولماذا يقتصر الاختلاف على الديباجة؟ للإجابة عن ذلك، لا بد من العودة إلى مواقف المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة من أوقاف غير المسلمين، التي اعتبرت أنها أوقاف "أهل ذمة"، وأنها تسري عليها أحكام الشريعة الإسلامية، باعتبارهم يعيشون في ظل دولة إسلامية ولا يحق لهم اتّباع إجراءات خاصة بطوائفهم غير الأحوال الشخصية والدينية. أما في ما يتعلق بالملكية والحيازة، فلا بد من خضوع "أهل الذمة"

للقانون الإسلامي، أي قانون الدولة التي يعيشون في ظلها. وتطوّر موقف المذاهب الإسلامية من مسألة أوقاف أهل الذمة بتغير الحقبات والفترات التاريخية. وفي هذا المقام، سيجري التركيز على تناول موقف المذهب الحنفي من هذه المسألة؛ لأنه مذهب الدولة العثمانية الرسمي. لم يكن موقف المذاهب من هذه المسألة - أوقاف غير المسلمين - مقتصرًا على الإجراءات المرعية، بل تعدّاها ليصل إلى مدى مشروعية وقف أهل الذمة، وإن كان ذلك يجوز أو لا يجوز، وإلى الحالات التي يجوز فيها والحالات التي لا يجوز فيها. وفي هذا السياق، تؤكد غالبية المذاهب جواز وقف "الذمي" إذا كان الموقوف عليه، أي المستفيد من عائدات الوقف، "قُربةً" عند المسلمين وعند أهل الذمة معًا، وأنه لا يجوز في حال كون الوقف "قُربةً" عند المسلمين فقط أو عندهم فقط13. فعلى سبيل المثال، إذا جعل الذمي داره وقفًا على جيرانه، جاز وقفه في حالة اشتراطه أن تؤول عائدات وقفه إلى كل فقير من جيرانه، مسلمًا كان أم ذميًّا. ويقصد هنا ب "القُربة" تلك القُرب التي لا تتأثر باختلاف الأديان، والتي تُعتبر ب رًّا وإحسانًا في الشرائع السماوية كلها، "كالوقف على دور العلم وأماكن العلاج وملاجئ اليتامى والمشُرّدين وغيرها من جهات الخير التي يعم نفعها". ومن القُرب المتفق عليها بين جميع الفقهاء: "وقف المسلمين على فقراء المسلمين وغير المسلمين؛ ووقف غير المسلمين على فقرائهم وفقراء المسلمين، ذلك لأن الصدقة على الفقير مهما كانت ديانته قُربة في اعتبار الإسلام، وكذا في اعتبارات الديانات الأخرى. وكذلك الاتفاق الحاصل لوقف المسلم والمسيحي واليهودي على بيت المقدس لتحقيق معنى القُربة في نظر الإسلام، وفي اعتقاد الواقف أيضًا"14. وبما أن بيت المقدس في يومنا هذا خرج من أيدي المسلمين، يرى الفقهاء بعدم جواز صرف ريع ما وُقِف عليه للقائمين على شؤونه مؤقتًا إلى أن يعود إلى المسلمين15. يشترط فقهاء الأحناف في وقف غير المسلم أن تتحقق فيه معنى القُربة في اعتقاده وفي نظر الإسلام. وبناءً عليه، أكد فقهاء الحنفية عدم جواز وقف الذمي عقاراته لمصلحة كنيسة أو معبد أو دار عبادة، "إذا جعل الذمي داره بيعة أو كنيسة أو بيت نار وقفًا أو أوقف أرضًا له على ما ذُكر أو على القسيسين أو الرهبان، وأشهد على أنه أخرجها من مُلكه للوجه الذي سُمّي في حالة صحته، لا يجوز ويكون باطلً، وهي كسائر أمواله تورث عنه بعد موته"16. لقد أجاز الفقهاء الأحناف أن يقف الذمي وقفًا على مصالح كنيسة لعمارتها وإنارتها، بشرط أن يشترط في حالة خراب الكنيسة أن تُحوَّل عائدات وقفه إلى مصلحة مسجد، أو إلى مصلحة الفقراء والمساكين في منطقة معيّنة17. وهذا ما يفسر سبب خلوّ وثائق الأوقاف المسيحية في القدس العثمانية من الوقف على الكنائس والأديرة. ويُظهر تحليل معطيات 36 وقفية مسيحية (تقسم هذه الوقفيات قسمين: 19 وقفًا خيريًّا، و 17 وقفًا ذريًّا) أُوقِفت في القدس خلال القرن التاسع عشر، ومسجلة في سجلات محكمة القدس الشرعية، أن هذه الأوقاف الخيرية التسعة عشر كلها، أ وقِفَت لمصلحة فقراء الطوائف الدينية التي ينتمي إليها الواقف. ولن نجد أي وقف منها لمصلحة مؤسسات دينية أو تعليمية أو خيرية. ومما يلاحظ أيضًا أنّ الواقفين اشترطوا، للاستفادة من أوقافهم، أن ينتمي المستفيد إلى فقراء طائفة الواقف في القدس؛ بمعنى عدم شمولهم فقراء الطوائف المسيحية الأخرى في القدس. وعلى سبيل المثال، نُشير إلى ما أوقفه عبد النور بن ميخائيل، مطران السريان في القدس، في 19 رمضان 1293 ه -  8 تشرين الأول/ أكتوبر 1876: "جميع الدار التي تشتمل على سفلي وعلوي، فالسفلي يشتمل على ست غرف ومطبخ وإيوان وساحة سماوية؛ والعلوي يشتمل على خمس غرف وساحة سماوية."

  1. محمد قدري باشا، قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشاكل الأوقاف (القاهرة: مكتبة الأهرام، 1928)، ص 39.
  2. أحمد علي الخطيب، الوقف والوصايا: ضربان من صدقة التطوع في الشريعة مع بيان الأحكام القانونية التي تنظمها (بغداد: جامعة بغداد، 1978)، ص 99.
  3. المرجع نفسه.
  4. إبراهيم بن موسى الطرابلسي، كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف، ط 2 (القاهرة: مطبعة هندية، 1902)، ص 141.
  5. قدري باشا، ص 41.

أنشأ هذا الواقفُ وقفَه لمصلحة فقراء رهبان السريان الساكنين في دير السريان في القدس، ثم من بعدهم على من يوجد من فقراء رهبان السريان في القدس، جيلً بعد جيل. فإذا انقرضوا، عاد وقفه إلى فقراء السريان أينما كانوا. فإن لم يوجد، فإلى جميع فقراء القدس18. وقد أوقف كرابيد بن يعقوب بن كرابيد الأرمني العثماني من "أهالي" القدس في 28 صفر 1303 ه -  6  حزيران/ يونيو 1885، قطعة الأرض المشتملة على دار تحوي أربع غرف ومطبخًا وصهريجين مُعدَّين لجمع ماء المطر، وأشجارًا مختلفة، لمصلحة فقراء رهبان الأرمن الساكنين في دير مار يعقوب في القدس وتوابعه، جيلً بعد جيل. وفي حالة انقراض ما ذكر، فإنّ وقفه يعود إلى مصلحة فقراء رهبان الأرمن في القدس. فإن لم يوجد، فإلى "م لَّة" الأرمن أينما كانوا. فإن لم يوجد، فإلى جميع فقراء القدس. فإن لم يوجد، فإلى الفقراء أينما كانوا19. أكد فقهاء الأحناف أيضًا عدم صحة وقف الذمي إذا جعل داره مسجدًا للمسلمين، أو أوصى بأن يُحَجّ عنه. ففي هذه الحالة يكون وقفه باطل20، والسبب في بطلانه "لكونه ليس مما يتقرّب به أهل الذمة إلى الله"21، وذلك لأنه، وإن كان قربةً في نظر الإسلام، فإنه ليس كذلك بالنسبة إلى عقيدته هو، أي الواقف. وفي الوقت نفسه لا يصح أن يقف ذمّي داره كنيسة، أو على كنيسة، لأنها وإن كانت قُربةً في حكم دينه فهي ليست قُربةً في حكم الإسلام. وهذا ما يقصده فقهاء الحنفية: "بشرط أن يكون الوقف قُربةً في ذاته وعند المتصرف"؛ بمعنى أن تكون الجهة الموقوفة عليها بحكم الشريعة الإسلامية بِرًّا وتَقرّبًا إلى الله، وأن يَعتقد الواقف بذلك أيضًا22. بينما يرى فقهاء الشافعية والحنابلة وجوب أن يتحقق في الجهة الموقوف عليها معنى القُربة بحسب أحكام الشريعة الإسلامية وحدها، من دون أي اعتبار لعقيدة الواقف نفسه. فعلى سبيل المثال، لو وقف مسيحي داره كنيسة أو معهدًا تبشيريًا، فوقفه غير صحيح، أمّا لو وقفها مسجدًا، فيُعتبر وقفه صحيحًا23. في المقابل، ومن المثير للجدل أيضًا؛ ما ذهب إليه الشيعة الإمامية (الجعفرية) عبر فقهائهم؛ إذ يرَون العكس تمامًا، فيشترطون في وقف غير المسلم: "أن يكون المصرف على جهة تُعتبر قُربى بمقتضى ديانة الواقف فحسب، دون نظر إلى أحكام الدين الإسلامي. وعليه لو وقف يهودي مثلً داره كنيسًا أو على مدرسة من مدارس اليهود، كان وقفه صحيحًا، أما لو وقفها مسجدًا أو على مسجد أو جمعية دينية إسلامية فإن وقفه غير صحيح"24. أما في ما يتعلق بالوقف الذري أو الأهلي أو العائلي، فأكد فقهاء الأحناف جواز الوقف الذري للذمي، بمعنى أن يقف عقاراته على نفسه، ومن ثم على أهل بيته وقرابته، على أن تؤول منفعة الوقف بعد انقراض ذريته إلى مصلحة جهة خيرية، مثل الفقراء والمساكين. ويقول الشيخ الإمام برهان الدين إبراهيم بن موسى الطرابلسي الحنفي (853 - 922 ه/ 1449 - 1615 م) في مخطوطة كتابالإسعاف في أحكام الأوقاف: "لو عيَّن غلتها لأقوام معينين أو لأهل بيته أو لقرابته أو لمواليه أو للفقراء منهم ثم من بعدهم للمساكين، فإنه يصح ويدخل فيه من أهل بيته وقرابته"25.

  1. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 367، 19 رمضان 1293 ه - 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1876، ص 121 - 122.
  2. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 373، 28 صفر 1303 ه - 6 حزيران/ يونيو 1885، ص 110 - 111.
  3. قدري باشا، ص 41.
  4. الطرابلسي، ص 141.
  5. الخطيب، ص 100.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه، ص 101.
  8. الطرابلسي، ص 142.

على الصعيد التطبيقي لهذه التشريعات، يظهر لنا من خلال تحليل سبعة عشر وقفًا ذرّيًا مسيحيًا في القدس، سُجّلت في سجلات محكمة القدس الشرعية خلال القرن التاسع عشر، أنها كلها تتماشى تمامًا مع هذه الأحكام. فنلاحظ أن معظم هذه الأوقاف لم تُوقف على النفس أولً، ومن ثم على ذرية الواقف جيلً بعد جيل، حتى انقراض ذرية الواقف، كما هو متعارف عليه في مثل هذا النوع من الأوقاف، بل أ وقِفت على النفس أولً خلال باقي العمر، ولم تُحوّل بعد موت الواقف إلى مصلحة ذريته أو عائلته، وإنما حُوّلت مباشرة إلى مصلحة جهات خيرية، وهذا ما يختلف عن الأوقاف العائلية الإسلامية. ويُفسَّر ذلك بأن هؤلاء الواقفين كانوا رهبانًا. وعلى سبيل المثال، نشير إلى ما أوقفه بن كرابيد بطريرك الأرمن في القدس والمتولي لأوقاف دير مار يعقوب الكائنة في حارة الأرمن في القدس، في 27 جمادى الآخرة 1302 ه -  13  نيسان/ أبريل  1885 م، ذلك أن "جميع الدارين المشتملتين على ثماني غرف وصالون كبير وإيوان وعلى مطبخين، مع ستة مخازن أسفلهما. أوقف الواقف هذا الوقف على نفسه طيلة حياته، ثم من بعده يكون وقفًا على فقراء رهبان الأرمن الساكنين بدير الأرمن، جيلً بعد جيل، فإذا انقرضوا يكون وقفًا على ملّة الأرمن في القدس، ثم على فقراء الأرمن أينما كانوا، فإن لم يوجد فعلى فقراء القدس جميعًا، فإن لم يوجد فعلى الفقراء أينما كانوا"26. وفي مثال آخر، أوقف في 8  ذي القعدة 1306 ه -  6 تموز/ يوليو 1889 م، أفتيموس متري بن يواني، رئيس ثاني كلية القيامة في القدس، السوق كلها التي أنشأها على أرض تابعة لأوقاف فقراء رهبان الروم في القدس، الكائنة خارج باب الخليل، والمؤجّرة له بأجرة سنوية قدرها مئة ليرة ذهبًا: "يتكوّن هذا السوق من عُلوي وسفلي، فالسفلي يشتمل على خمسة وأربعين دكانًا وغرفة وبئري ماء. والعلوي يشتمل على خمس وستين غرفة كبارًا وصغارًا ومنافع وحقوق شرعية. أنشأ هذا الواقف وقفه على نفسه مدة حياته، ثم من بعد موته على فقراء رهبان دير الروم بالقدس وتوابعها، ثم على فقراء م لَّة الروم في القدس وملحقاتها، فإن لم يوجد فعلى فقراء مِلَّة الروم في ولاية سوريا، فإن لم يوجد فعلى الفقراء والمساكين مطلقًا "27. كما أوقف نيقوديموس بن خريستو بن ديمتري الرومي العثماني، بطريرك م لَّة الروم في القدس في 21 ربيع الأول 1307 ه - 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889 م "جميع الدار والقهوة الكائنة بمدينة أزمير بحارة رنخيم من حارات البلدية الثانية، أوقف وقفه هذا على نفسه طيلة حياته، ثم من بعده على فقراء رهبان دير الروم بالقدس الشريف وتوابعها، ثم من بعدهم على فقراء م لَّة الروم في القدس وملحقاتها؛ فإن لم يوجد فعلى فقراء مِلَّة الروم في ولايتي سوريا وبيروت؛ فإن لم يوجد فعلى فقراء مِلَّة الروم الموجودين بولاية حلب، ثم على فقراء ملة الروم أينما كانوا "28. ومن خلال المثالين الأخيرين، نلاحظ أن الواقفيَن لم يقتصرا على وجود المستفيدين من أوقافهم في القدس أو فلسطين، بل خرجا من هذه الحدود، ليشملا ولايات سوريا وبيروت وحلب. وجدنا حالة وحيدة تبيّن أن الواقف حوَّل وقفه بعد موته إلى أخيه فحسب، وليس إلى أولاده أو زوجته، ويمكن أن نفسر ذلك بأنه كان راهبًا ولم يتزوج. واشترط هذا الواقف أن يعود وقفه بعد موته إلى أخيه، وبعد موت أخيه إلى زوجة أخيه. ففي 21 ربيع الأول 1307 ه -  15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889 م، أوقف الراهب حنانيا أفندي أخريستيو الرومي العثماني الدار كلها الكائنة في مدينة أزمير، حارة إياد تميري، وقفه على نفسه مدة حياته، ثم من بعده على شقيقه الخواجا إيليا، ثم من بعد موت شقيقه إلى زوجة شقيقه بوليكسنس بنت ميخائيل القرصيد، ثم من بعد موتهما يعود وقفًا على فقراء رهبان دير الروم في القدس29.

  1. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 373، 27 جمادى الآخرة 1302 ه - 13 نيسان/ أبريل 1885، ص 63 - 64.
  2. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 378، 8 ذو القعدة 1306 ه - 6 تموز/ يوليو 1889، ص 166 - 167.
  3. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 378، 21 ربيع الأول 1307 ه - 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889، ص 211.
  4. المرجع نفسه، ص 212.

ثانيًا: الأوقاف المسيحية يف القدس العثمنية: إلزامية التشريع أم خصوصية الحالة؟

حافظت الدولة العثمانية منذ حكمها البلدان العربية عمومًا، والقدس خصوصًا، منذ عام 1516، على استقلالية المنظومة الوقفية، باعتبارها منظومةً شرعيةً تسير وفق الشريعة الإسلامية وتحكمها الأحكام والتشريعات الإسلامية بمذاهبها المختلفة. وعلى الرغم من تبنّي الدولة العثمانية المذهب الحنفي مذهبًا رسميًّا للدولة، فإنها تركت للمذاهب الأخرى حرية العمل في الولايات العربية، وخصوصًا في أحكام الوقف، تبعًا لمذاهب سكان الولايات، ولم تعمم مذهبها الرسمي وتفرضه في قضائها ومحاكمها الشرعية، حتى بعد تقنين أحكام هذا المذهب في عام 1876 في ما عُرف ب "مجلة الأحكام العدلية" أو "القانون المدني العثماني"30. لكنّ القرن التاسع عشر شهد تحوّل جذريًّا في سياسات الدولة واستراتيجيتها؛ ليس على صعيد علاقاتها الخارجية فحسب، بل على صعيد تشريعاتها وقوانينها التي صُبغت بصبغة "علمانية" أيضًا، وخصوصًا في مخرجات فترة "الإصلاح" (التنظيمات 1839 - 1878.) من الملاحظ أن المؤسسات الوقفية، على الرغم من تمتّعها بالحصانة الشرعية عبر العصور والقرون المنصرمة، فإنها لم تسلم من سياسات "الإصلاح العثماني" خلال القرن التاسع عشر التي عصفت بمكوّنات النسيج العثماني كلها وبركائز الدولة وهويتها، من جيش وتعليم وإعادة تنظيم العلاقة مع "أهل الذمة" والدول الأجنبية الراعية لهم، وقوانين وتشريعات جديدة، وصولً إلى تحديد صلاحيات السلطان نفسه عبر إصدار الدستور وتكوين مجلس المبعوثان. فحاجة الدولة الملحّة إلى الأموال، وخصوصًا بعد القضاء على الإنكشارية في عام 1826 وإنشاء بديل منها عرف باسم "النظام الجديد"، دفعتها إلى إعادة النظر في "مشروعية" المؤسسات الوقفية عبر إعادة تنظيمها، تمهيدًا لبسط السيطرة عليها والحدّ من استقلالها الإداري والمالي، وصولً إلى تحويل عائداتها المالية إلى خزينة الدولة، بدل من الجهات الموقوفة عليها. وتأتي أهمية تلك السياسة الجديدة في نظر الدولة من الانتشار الكبير للمؤسسات الوقفية في الولايات العثمانية وضخامة مساحة العقارات، وخصوصًا الأراضي الموقوفة عليها؛ إذ يشير قانون الأراضي العثماني الصادر في عام 1858 إلى أن ثلثَي أراضي الإمبراطورية العثمانية وقف31. وفي هذا الشأن، شهدت القدس خلال الفترات الإسلامية اهتمامًا ملحوظًا ومتزايدًا بتأسيس الأوقاف فيها بشقّيها الإسلامي وغير الإسلامي، وبنوعيها الخيري والأهلي العائلي، ووصلت إلى ذروتها مع نهاية العهد العثماني، وخصوصًا مع نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من هذه الزيادة الكبرى في عدد المؤسسات الوقفية ودورها المتعدد الخدمات32، فإنها لم تتطور، ولم تتماشَ مع عصرنة المجتمع وحداثته وتطوّره. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن المدارس الوقفية التي أسّسها الأيوبيون منذ عام 1187، والتي أسّسها المماليك لاحقًا، أو تلك التي أسّسها العثمانيون، على الرغم من قلّتها في مطلع القرن السادس عشر؛ ما عاد نظامها التعليمي ومناهجها ملائميَن للتعليم الحديث، وخصوصًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي واكب القدس بخاصة والولايات

  1. ينظر في هذا الخصوص: Musa Sroor, “Le code civil ottoman et l’usurpation des biens waqf s: Le cas de Jérusalem entre 1876 - 1914 ,” in: Ouddène Boughoufala (dir.), L’historien Nacerddine Saidouni précurseur des études ottomanes en Algérie (Algérie: Publications du laboratoire des recherches Sociologique et Historique; Université de Mascara, 2014), pp. 5 - 30.
  2. ينظر: "قانون الأراضي العثماني 1858 "، موسوعة القوانين وأحكام المحاكم الفلسطينية، مقام، شوهد في 23 / 2 / 2021، في: R 7 aKzS 3 / ly. bit:// https
  3. هنالك مئات المؤسسات الوقفية من تعليمية وصحية وخيرية ودينية، أُسّست في القدس عبر تلك الحقب، هذا عدا مئات الوقفيات الذرية: للاستزادة في هذا الشأن، ينظر: Musa Sroor, Fondations pieuses en mouvement: de la transformation du statut de propriété des bien waqfs à Jérusalem 1858 - 19 17 (Damas: IFPO, IREMAM, 2010), pp. 145 - 256.

العثمانية بعامة، والذي أطلق عليه "علمنة التعليم"33. هذا إذا افترضنا أن هذه المؤسسات التعليمية حافظت على ديمومتها ونشاطها الأكاديمي منذ النشأة، غير آخذين في الحسبان التراجع والتدهور اللذين شهدتهما مع بدايات الحكم العثماني خلال القرن السادس عشر، والتدهور الكبير خلال القرون اللاحقة، وصولً إلى الانهيار التام خلال القرن التاسع عشر، فقد ساهم المسؤولون عنها من إداريين ومنتفعين أيضًا، إلى حدّ بعيد، في تدهورها؛ نظرًا إلى عدم التزامهم بشروط الواقف34، والفساد الإداري والمالي الذي عانته المؤسسات الوقفية عبر العصور، وبسبب تعسّف ذي الشوكة وتسلّطه في القدس؛ من ولاة، ومتنفذين، وعسكريين، ونخب محلية أخرى، فضل عن تراجع واردات المؤسسات الوقفية، بسبب تراجع إيراداتها، الناتج من عدم تحديث طرائق استغلالها بأنواعها المختلفة، سواء إيجار العقارات من محالٍّ ودُور أو أراضٍ زراعية، أو بسبب عدم مواكبتهم التطورات المجتمعية. وهذا كلّه لم يساهم في تراجع الخدمات التي تُقدّمها هذه المؤسسات فحسب، بل ساهم أيضًا في خراب عمارتها بسبب انعدام أموال لصيانتها وتجديدها؛ ما دفع متولّيها إمّا إلى تغيير شروط الواقف ببيعها وفق "فقه الحيلة" كاستبدالها35، وإما تأجيرها بعقد الخلوّ المرصد الشرعي36، أو تحويلها إلى مسكن خاص بهم37، أو تركها خرابًا. أعطى هذا التراجع والتدهور الكبيران اللذان شهدتهما المؤسسات الوقفية في القدس، وخصوصًا خلال القرن الأخير من الحكم العثماني، مسوّغًا للدولة باتخاذ سياسات عُرفت ب "الإصلاحية"، لإعادة النظر في قوانين الوقف وتشريعاته من أجل تسهيل عملية تفكيك هذه المؤسسات والاستحواذ على المهم من عائداتها، وتحويل عقاراتها إلى ملكية الدولة، وإعادة رسم هويتها وتحديد شخصيتها بما يخدم مصالح الدولة وسياساتها الداخلية والخارجية؛ وليس ذلك على الصعيدين الاقتصادي والسياسي فحسب، بل على الصعيد الديني أيضًا. ومبُرّر الدولة في تبنّي سياسات مخالفة لقانون الوقف في الشريعة الإسلامية هو "أن أحكام الوقف هي أحكام اجتهادية مؤسّسة على النقاش العقلي وليس على نصوص ثابتة في مصادر التشريع الإسلامي: القرآن والسُنّة النبوية، ومن ثمة إصلاح الأوقاف بحسب الحاجات الاجتماعية"38. وهذا ما سلكته أيضًا الدول القُطرية من سياسات "عدائية" في العالم العربي والإسلامي بعد الاستقلال،

  1. حول علمنة التعليم في العهد العثماني، ينظر: Randi Deguilhem-Schoem, “Reflections on the Secularisation of Education in the 19 th Century Ottoman Empire: the Syrian Provinces,” in: Kemal ÇIÇEK et al. (éd.), The Great Ottoman, Turkish Civilisation (Ankara: Yeni Türkiye, 2000), pp. 662 - 667 ; Randi Deguilhem-Schoem, “A Revolution in Learning? The Islamic Contribution of the Ottoman State Schools: Examples from the Syrian Provinces,” in: Ali ÇAKSU (éd.), International Congress on Learning and Education in the Ottoman World (Istanbul: IRCICA, 12 - 15 April 1999), pp. 285 - 295 ; Selçuk Akşin Somel, The Modernization of Public Education in the Ottoman Empire 1839 - 19 08 (Leiden: Brill, 2001).
  2. يقصد بشروط الواقف الشروط التي أقرّها القانون الإسلامي للواقف، والتي يشترطها عند تأسيس وقفة، ويلتزم القاضي بتنفيذها حتى بعد وفاة الواقف، وتُسمى الشروط العشرة: الإدخال والإخراج، الإعطاء والحرمان، الزيادة والنقصان، التغيير والتبديل، وأخيرًا الإبدال والاستبدال. ينظر: Sroor, Fondations pieuses en mouvement , pp. 105 - 107.
  3. الاستبدال في الوقف هو استبدال عقار وقفي بعقار وقفي آخر، أو بمبلغ من المال، على أن يتم شراء عقار بهذا المبلغ، ووقفه بدلً من العقار الذي تمّ بيعه. ينظر:., Ibid. p. 135
  4. عقد الخلو المرصد الشرعي هو عقد شرعي يمنحه القاضي بموجب اتفاق بين متولّي الوقف ومستأجر عقار وقفيّ خربٍ، يتعهد بموجبه المستأجر بترميم العقار الوقفي وصيانته، ليقوم بعدها باستئجاره، ويُسمى المبلغ الذي ينفقه المستأجر في الترميم "خلوًا مرصدًا شرعيًا"، ويسجل هذا المبلغ دينًا على الوقف ولا يُسدّد من قيمة إيجار العقار الوقفي. ينظر: 132. p ,. Ibid.
  5. هناك أكثر من 40 مدرسة وقفية "قرآنية" في القدس، حوّلها القائمون عليها إلى سكن خاص، مثل المدرسة الجوهرية التي أصبحت مسكنًا لعائلة مقدسية. بشأن هذه القضية، ينظر: Musa Sroor, “La transformation des biens waqf s en propriété privée (jérusalémite et étrangère) à Jérusalem, 1858 - 1917 ,” in: Roger Heacock (dir.), Temps et espaces en Palestine: Flux et résistances identitaires (Beyrouth: Institut français du Proche-Orient, 2008), pp. 97 - 128.
  6. غماري طيبي، "الدولة والمؤسسات الوقفية: مناقشة لعلاقة السياسي بالديني من خلال الوقف"، مجلة الناصرية للدراسات الاجتماعية والتاريخية، العدد 7 (حزيران/ يونيو 2016)، ص 361.

تجاه المؤسسات الوقفية، لتجريد الوقف من مصادر قوته واستقلاله؛ إذ جرى وضع الوقف الخيري تحت سلطة وزارة "أوقاف وشؤون دينية"، وإلغاء الأوقاف الذرية أو الأهلية، كما حصل في سورية وتونس وليبيا ومصر وغيرها من الأقطار. عودًا على بدء، وتتويجًا للتوجّهات العثمانية الجديدة في ما يتعلق بالمؤسسات الوقفية، أسّست الدولة العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني (1808 - 1839) وزارة جديدة في عام 1826، عُرفت باسم "نظارات أوقاف همايون"؛ أي وزارة الأوقاف، من أجل إعادة تنظيم المنظومة الوقفية في الأراضي العثمانية وتسهيل بسط الدولة يدها على العقارات الوقفية39. وتعرّضت الأوقاف الإسلامية في القدس منذ تلك الفترة إلى مصادرة من الدولة؛ ليس الأوقاف الخيرية فحسب، بل الأوقاف الذرية أيضًا التي اعتُب رت مُستثناةً من سياسات الدولة وقوانينها المتعلقة بالوقف، وذلك تحت ذريعة سوء الإدارة40. وهذه السياسات هي نفسها التي تبنّاها محمد علي باشا (1796 - 1849) في فلسطين خلال حكمه بلاد الشام (1831 - 1840)؛ إذ صادر عقارات الأوقاف المهمة في القدس، مثل وقف خاصكي سلطان الذي يتضمن أراضي تزيد على ثلاثين قرية فلسطينية41. وبعد عودة السيطرة العثمانية على القدس في عام 1840، أنشأت الدولة العثمانية فيها دائرة خاصة لإدارة شؤون الأوقاف في فلسطين تتبع مباشرة وزارة الأوقاف في إسطنبول؛ إذ اعتبُر مديرها المسؤول الأول عن إدارة الأوقاف في القدس وتطبيق القوانين الجديدة المتعلقة بالوقف42. كما أصدرت الدولة العثمانية قانونًا جديدًا للأراضي في 7 رمضان 1274 ه -  21 نيسان/ أبريل 1858 م، يُقَنن كل القوانين والفرمانات السلطانية المتعلقة بالأراضي على غرار قانون الأراضي الفرنسي، وقد كان هذا القانون بنكهة عثمانية، وهو أول قانون يخرق "قدسية" الوقف وحُرمَة المساس به. جاء قانون الأراضي في عام 1858، ليُسوّغ سياسة الدولة وإجراءاتها المُتّخذة في حق عقارات المؤسسات الوقفية التي أنشأها أمراء أو سلاطين طوال الفترات التاريخية السابقة، والتي امتدت أكثر من سبعة قرون؛ إذ قسّمت المادة الأولى من هذا القانون أراضي الدولة السلطانية خمسة أقسام: أراضٍ مملوكة، وأراضٍ ميرية، وأراضٍ موقوفة، وأراضٍ متروكة، وأراضٍ موات43. وخُصّصت المادة الرابعة من هذا القانون لتعريف المقصود بالأراضي الموقوفة كما يلي: الأراضي الموقوفة قسمان، القسم الأول: هو الأراضي التي حال كونها كانت من الأراضي المملوكة صحيحًا قد صار وقفها توفيقًا للشرع الشريف، فرقبة أمثال هذه الأراضي موقوفة وجميع حقوق التصرّف فيها راجعة إلى جانب الوقف، فلا تجري عليها المعاملات القانونية، لأنه من كون يلزم العمل بحسب شرط الواقف مهما كان، فلهذا لا يصير البحث في هذا القانون عن هذا القسم من الأراضي الموقوفة. القسم الثاني: هو الأراضي المفرزة من الأراضي الميرية ووقفها حضرات السلاطين الع ظام، أو التي وقفها آخرون بالذات بالإذن السلطاني، فرقبة أمثال هذه الأراضي من كونها تعتبر فقط عبارة عن إفراز قطعة من الأراضي الميرية وتخصيص منافعها الميرية كأعشار ورسوماتها إلى جهة ما من طرف السلطنة السَّنيّة. فالأراضي الموقوفة على هذا النسق ليست من الأوقاف الصحيحة، وأكثر الأراضي الموقوفة الكائنة في الممالك المحروسة هي من هذا النوع. فالأراضي الموقوفة الكائنة على هذه الصورة من قبيل التخصيصات، فمن

  1. Randi Deguilhem-Schoem, “Ottoman Waqf Administrative Reorganization in Syria Provinces: The Case of Damacsus,” Arab Historical Review for Ottoman Studies , no. 5  /  6 (1992), p. 34.
  2. Urum Kupferschmidt, The Supreme Muslim Council: Islam under the British Mandate for Palestine (Leiden: Brill, 1987), p. 115.
  3. Sroor, Fondations pieuses en mouvement , p. 240.
  4. Ibid., p. 241.
  5. قانون الأراضي العثماني لعام 1858، المادة الأولى.

كونها هي مثل الأراضي الميرية صرفًا، رقبتها عائدة إلى بيت المال، فلهذا تجري في حقها على التمام المعاملات القانونية التي يأتي ذكرها وتفصيلها44. ظهر من هذه المادة ما يُسمى "الوقف الصحيح" و"الوقف غير الصحيح"، ويفهم منه أن الوقف الذي يعود أصل رقبته إلى ملك الواقف، يُعتبر وقفًا صحيحًا، يحتفظ بصفة الوقف ولا تسري عليه قوانين الأراضي الجديدة، في حين أنّ الوقف الذي أوقفه السلاطين، وتعود رقبته إلى بيت المال، يُعتبَر وقفًا غير صحيح؛ بمعنى أنّ صفة الوقف تُلغى عنه ويعاد إلى ملكية بيت مال المسلمين، أي كما كانت ملكيته قبل تحويله إلى وقف. ومن ثمّ تجري عليه أحكام الأراضي الميرية نفسها45. يلُاحظ من خلال دراسة أوقاف فلسطين بعامة، والقدس بخاصة، أن معظم المؤسسات الوقفية الإسلامية المهمة في البلدة القديمة في القدس أنشأها أمراء المماليك وآل عثمان وسلاطينهم، ولا تشير وثائق وقفهم إلى ملكيتهم العقارات الموقوفة، كما يظهر جليًّا في الوقفيات كلّها. وتجدر الإشارة إلى أن هنالك نحو 160 قرية في فلسطين أوقفت من هؤلاء على مؤسسات القدس الوقفية46. واستمرت هذه العقارات، من قرى ومزارع، محتفظة بصفتها الوقفية طوال الفترات التاريخية حتى احتلال إبراهيم باشا فلسطين في عام 1831، لما صادرها وألغى صفة الوقف عنها وأعادها إلى خزينة الدولة، ومنها - كما ذُكر سابقًا - قرى وقف خاصكي سلطان. وبعد عودة الحكم العثماني إلى الشام، احتفظت هذه العقارات بصفتها الوقفية، على الرغم من مصادرة الدولة عائداتها تيمّنًا بسياسة العهد السابق. لكن هذا الإجراء لم يكن يتماشى مع الأحكام الفقهية التي كانت سائدة في الدولة العثمانية، والتي ضمنت لهذه العقارات الحصانة من الدولة وسياساتها. فكان لا بد من إصدار أحكام وتشريعات جديدة تشُرعِن عملية مصادرة الدولة تلك العقارات وتملّكها إيّاها. ولا يحرم بقاء هذه العقارات المهمة الدولةَ من عائدات هذه العقارات المهمة فحسب، بل من بسط سيطرتها ونفوذها أيضًا على الفئات المجتمعية المستفيدة والمهيمنة على تلك العقارات الوقفية، سواء كان ذلك بالنسبة إلى نخب المدينة المقدسة وأعيانها أو الفلاحين العاملين في هذه العقارات والخاضعين لسلطة الأعيان، لا لسلطة الدولة فعليًا. السؤال الذي يُطرح هنا: كيف تعاملت هذه السياسات مع الأوقاف المسيحية؟ يلاحظ متتبع السياسات العثمانية ومخرجاتها، من قوانين وفرمانات، استثناء الأوقاف غير الإسلامية من هذه السياسات، شأنها شأن الأوقاف الذرية؛ إذ اعتبرها "نظام إدارة الأوقاف الصادر في 19 جمادى الآخرة 1280 ه، الموافق الأول من (كانون الأول [ديسمبر] 1863 م")، أوقافًا مستثناة، بمعنى استقلالها عن إدارة الدولة للأوقاف وتدخلّات الدولة، وأنه لا سلطة للدولة السلطانية عليها. ومنحَ القانون العثماني ممثلي الطوائف الدينية حق الإدارة والإشراف على كل ما أ وقف لمصلحة المؤسسات والطوائف الدينية غير الإسلامية47، ومن هنا يأتي حق هؤلاء الممثلين في إدارة أوقاف طوائفهم الدينية بصفة مستقلة. وجاء هذا النظام ليؤكد ويفصّل ما جاء به الخط الهمايوني العثماني الصادر في عام 1856 الذي نص بوضوح على أن "للمسيحيين بواسطة رؤسائهم الروحيين، والمجالس الموجودة لديهم، أن يديروا بملء الحرية الأملاك الموقوفة المختصة بطوائفهم بدون أن يراجعوا بهذا الخصوص السلطات المدنية النظامية"48.

  1. المرجع نفسه، المادة الرابعة.
  2. بشأن الوقف الصحيح والوقف غير الصحيح، وأثر ذلك في خصخصة عقارات الوقف الإسلامي في القدس، ينظر: موسى سرور، "الوقف الصحيح وغير الصحيح بين المصالح الشخصية والتطبيقات الفقهية: دراسة حالة وقف بيت لحم وبيت جالا بين عامين 1948 - 1967 "، مجلة الناصرية للدراسات التاريخية والاجتماعية، مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو  2016)، ص  121 - 160.
  3. Sroor, Fondations pieuses en mouvement , pp. 184 - 194.
  4. Ibid., p. 248.
  5. زهدي يكن، الوقف في الشريعة والقانون (بيروت: دار النهضة العربية، 1388 ه - 1967 م)، ص 288.

كما منحت الفرمانات السلطانية البطاركة في الولايات العثمانية، حق "التولية" على أوقاف طوائفهم الدينية، بمعنى حق الإشراف وإدارة هذه الأوقاف؛ إذ نصّت على أن "الطوائف ذاتها تفصل المسائل المتعلقة بالوقف دون أن يتدخّل أحدٌ في تدبير شؤون عقارات الطائفة." وبموجب هذه النصوص كان للرؤساء الروحانيين حقُّ تعيين المتولين على الوقف مهما كان نوعه، واستمر هذا الأمر حتى بعد زوال الحكم العثماني في عام 1917 عن فلسطين49. وهذا ما يُفسّر ربط الأوقاف المسيحية في القدس برؤساء الطوائف وتعيينهم متولّيًا لأوقافهم. على سبيل المثال، نشير إلى الوقف الخيري الذي أسّسه الورنبت طبونت بن نفوص بن مقصود الدمشقي الذي جعل التولية على وقفه، الذي أنشأه في 28 صفر 1303 ه -  6 كانون الأول/ ديسمبر 1885 م، بيد المطران أرميا أفندي بن إسحاق القائمقام البطريركخانه في دير مار يعقوب. ثم من بعده تكون التولية لمن يكون بطريركًا ومتكلمًا على أوقاف دير مار يعقوب في القدس50. كما عيَّن كرابيد بن يعقوب بن كرابيد الأرمني، الشخص نفسه، المذكور سابقًا، متولّيًا على وقفه الخيري الذي أنشأه في القدس، في 28 صفر   1303 ه -  6 كانون الأول/ ديسمبر 1885 م51. وعيَّن الخواجا يعقوب بن المعلم يوسف عطا اللاتيني، في بداية جمادى الأولى 1280 ه - تشرين الأول/ أكتوبر 1863 م، متولّيًا على وقفه الخيري الكائن في القدس عبد النور مطران السريان في القدس، ثم من بعده لمن يكون مطرانًا للسريان في القدس52. أما في ما يتعلق بالأوقاف الذرية "العائلية"، فاحتفظ الواقفون بالتولية على أوقافهم لأنفسهم خلال فترة حياتهم. لكنهم اشترطوا أن تكون التولية على هذه الأوقاف بعد موتهم تحت إشراف رؤساء طوائفهم الدينية وكبار رهبانهم والمتكلمين على أوقاف طوائفهم في القدس؛ كما هي عليه الحال في الأوقاف الخيرية السابقة الذكر. وللاستدلال على ذلك، نورد الأمثلة التالية: في 27 جمادى الأولى 1302 ه -  13 نيسان/ أبريل 1885 م، اشترط الواقف بن كرابيد بطريرك الأرمن أن تكون التولية على وقفه الكائن خارج أبواب مدينة يافا لنفسه طوال فترة حياته، ثم بعد موته تنتقل إلى من يكون بطريركًا ومتكلمًا على أوقاف الأرمن في دير يعقوب في القدس53. ونشير أيضًا إلى المثال التالي: في 8 ذي القعدة 1306 ه -  6 تموز/ يوليو 1889 م، احتفظ الواقف أفتيموس متري بن يواني بالتولية على وقفه لنفسه مدة حياته، واشترط أن يتولّى هذا المنصب بعد موته البطريرك مقوديموس بطريرك الروم في القدس وملحقاتها، ثم من بعده لمن يكون بطريركًا ومتكلّمًا على رهبان ملّة الروم في القدس54. لم نجد بين هذه الوثائق إلّ وثيقة واحدة تشير إلى احتفاظ الواقف بالتولية على وقفه لنفسه، ثم من بعده لبعض أفراد عائلته فحسب، وليس لجيل بعد جيل. وتتمثل هذه الحالة بما يلي: في 21   ربيع الأول 1307 ه -  15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889 م، اشترط الواقف الراهب حنانيا أفندي أخريستيو الرومي العثماني التولية على وقفه لنفسه مدة حياته، ثم من بعده لأخيه الخواجا إيليا، ثم من بعده لزوجة أخيه بوليكسنس بنت ميخائيل القرصيد، ثم من بعدها إلى نيقوديموس بطريرك الروم في القدس، ثم من بعده لمن يقوم مقامه55. يلاحظ أن معظم الواقفين، سواء في الوقف العائلي أو الخيري، اتفقوا على أن يكون قاضي القدس هو المتولي والناظر على أوقافه في حالة تحوّل هذه الأوقاف إلى جميع فقراء القدس بعد انقراض المستفيدين منها. وهذا لا يعني احتفاظ هذا القاضي بهذه الوظيفة؛

  1. المرجع نفسه، ص 289.
  2. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 373، 28 صفر 1303 ه- 6 كانون الأول/ ديسمبر 1885، ص 109 - 110.
  3. المرجع نفسه.
  4. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 347، بداية جمادى الأولى 1280 ه - تشرين الأول/ أكتوبر 1863، ص 394.
  5. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 373، 27 جمادى الأولى 1302 ه - 13 نيسان/ أبريل 1885، ص 63 - 64.
  6. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 378، 8 ذو القعدة، 1306 ه - 6 تموز/ يوليو 1889، ص 166 - 167.
  7. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 378، 21 ربيع الأول 1307 ه - 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1889، ص 212.

إذ اشترط هؤلاء الواقفون أن يعيّ قاضي القدس متوليًا أمينًا على هذه الأوقاف من بين فقراء القدس. وفي هذا السياق، نشير إلى المثال التالي: في 19 رمضان   1293 ه -  8 تشرين الأول/ أكتوبر 1876 م، اشترط الواقف عبد النور بن ميخائيل مطران السريان في القدس التولية لنفسه مدة حياته، ثم من بعده لمن يكون مطرانًا على فقراء رهبان السريان في القدس ومتكلمًا وكبيرًا عليهم، وفي حالة انقراضهم يتحوّل الوقف لمصلحة فقراء القدس جميعهم، وإذا آل الوقف إلى جميع الفقراء، فالتولية تكون لقاضي القدس، يُعيَّن من بين هؤلاء من يراه أمينًا على هذا الوقف56. لكن هناك من الواقفين من خرج عن هذه العادة الدارجة ولم يكلّف قاضي القدس بتعيينه متولّيًا على وقفه في حالة تحوّل عائدات الوقف إلى الفقراء، إنما حوَّل هذه التولية إلى جهات خارجية؛ ليس خارج حدود القدس وفلسطين فحسب، بل خارج حدود الإمبراطورية العثمانية؛ إذ اشترط حنا أفندي ولد إبراهيم حنا حنانيا الرومي العثماني التولية على وقفه، الذي أنشأه في 6 جمادى الأولى 1315 ه - 3  تشرين الثاني/ نوفمبر  1897 م، إلى الخوري أنطوان بلوني الطلياني مدير دار الأيتام في مدينة بيت لحم، ثم لمن يتولّى منصبه. وفي حالة تعذّر تحقيق ذلك، اشترط أن تُحَوّل التولية إلى رئيس جمعية بروكانت الكاردينال ليد داكدسكي في إيطاليا، وإن لم يكن موجودًا فإلى قداسة البابا في روما57. أدّت هذه الاستراتيجية، المتمثلة في اشتراط الواقفين أن تكون التولية تحت إشراف رؤساء طوائفهم الدينية، إلى تكريس وتجميع معظم عقارات الأوقاف التابعة لطائفة معيّنة في يد رئيس هذه الطائفة أو المتكلم باسمها؛ ما جعل هؤلاء لا يديرون عشرات العقارات الوقفية فحسب، بل المئات منها في مدينة القدس. ولتوضيح ذلك نذكر العقارات الوقفية التي كانت تحت إشراف أباروسيوس بن قسطنطين بن متري بطريرك ملّة الروم في القدس، الذي شغل أيضًا منصب المتولّي الشرعي والمتكلم على أوقاف فقراء رهبان الروم في القدس وملحقاتها. فقد بلغ عددها، حتى بداية شعبان 1309 ه - مطلع آذار/ مارس 1892 م؛ ما يزيد على 72 عقارًا وقفيًا. ولم تقتصر هذه العقارات على حارة النصارى في القدس، بل امتدت لتشمل الحارات المجاورة58. وما عزّز ثقة الواقفين بوضع أوقافهم تحت إشراف رؤساء طوائفهم الدينية هو تمتع هؤلاء بالشرعية القانونية، وهي تتمثل باعتراف الباب العالي بوظائف رؤساء هذه الطوائف المسيحية وأدوارهم. وتجسّد هذا الاعتراف بالبراءات السلطانية التي كانت تمنحها لهم السلطة العثمانية لإضفاء صفة القانونية والشرعية على أعمالهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عُيّن كيركبوس بطريركًا للأرمن في القدس، ومتكلّمًا على أوقافهم بموجب براءة سلطانية مؤرخة في 19 ذي القعدة 1305 ه/ 1888 م59.

ثالثًا: الأوقاف المسيحية يف القدس العثمنية: بين إشكالية الديني والسيايس

من خلال ما تقدم نتساءل: لماذا اعتبرت الدولة السلطانية الأوقاف غير الإسلامية (أوقاف المسيحيين واليهود) أوقافًا مُستثناة؟ من خلال قراءة عميقة للتاريخ العثماني بمكوّناته التشريعية والسياسية، يمكن أن تُعزى هذه الإجراءات إلى سببين: الأول: شرعي قانوني يعود إلى شروط صحة الوقف وشرعيته؛ إذ إن من أهم الشروط التي أجمع عليها الفقهاء لصحة الوقف، على الرغم من اختلافهم في الكثير من أحكامه (مثل جواز وقف المنقول أو عدمه) "أن يكون الموقوف متقوّمًا ومعلومًا للواقف وقت توقيعه

  1. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 367، 19 رمضان 1293 ه - 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1876، ص 121 - 122.
  2. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 390، 6 جمادى الأولى 1315 ه - 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1897، ص 161 - 162.
  3. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 383، بداية شعبان 1309 ه - مطلع آذار/ مارس 1892، ص 13.
  4. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 385، 24 شعبان 1313 ه - 9 شباط/ فبراير 1896، ص 148.

لعقد الوقف، وأن يكون مملوكًا للواقف عند وقفه ملكًا باتًّا لا شك فيه، وخلاف ذلك يعتبر وقفًا غير صحيح"60. لكن مع انتشار ظاهرة الوقف على نحو ملحوظ في أواخر الفترة الأيوبية، وخلال العصر المملوكي على وجه الخصوص، وإنشاء الأمراء والسلاطين الكثير من المؤسسات الوقفية، مثل المساجد والمدارس والزوايا والخوانق، ووجوب ربط هذه المؤسسات بموارد اقتصادية لا تنقطع في حالة وفاتهم، كان لا بد لهؤلاء من وقف أراضٍ زراعية واسعة تشمل قرى ومزارعَ. لكن تجسّدت المشكلة التي كانت تواجه هؤلاء في الأحكام الفقهية التي تشترط ملكية الواقف للعقار الموقوف، وخصوصًا أن هؤلاء السلاطين كانوا لا يُفرّقون بين ملكياتهم الخاصة والملكيات التابعة لخزينة الدولة. ونظرًا إلى النفوذ الكبير الذي احتلّته تلك الفئة في المجتمع، فإنهم لم يلتزموا هذا الشرط الفقهي، وأنشؤوا المئات من المؤسسات الوقفية المهمة والمُمَولة من أراضٍ زراعية واسعة تابعة لخزينة الدولة. وهو الأمر الذي واجه معضلة لدى فقهاء الدولة، استدعت تطوير القواعد الفقهية ذات العلاقة، واستحداث قواعد فقهية جديدة تسوّغ هذا العمل اللاشرعي الذي لا يمكنهم رفضه تجنّبًا لعدم مخالفة حكامهم. وأمام هذه المعضلة، أوجد علماء الشام ومصر ما عُرف بوقف الإرصاد، أو وقف التخصيصات61. وأفتى شيخ الإسلام في عهد السلطان سليمان القانوني (926 - 974 ه/ 1520 - 1566 م) أبو سعود أفندي (تولّى المشيخة خلال الفترة 952 - 982 ه/ 1545 - 1574 م) بأن "أوقاف الملوك والأمراء لا يرعى شروطها إذا كانت من بيت المال أو تؤول إليه، وأن ما عُلِم بالشراء فوقف ذلك صحيح "62. لكن لم يستنكر أبو سعود أفندي قيام سلطانه سليمان وزوجته روكسلانة بتحويل قرى ومزارع عدة تابعة لخزينة الدولة إلى أوقاف لمصلحة مؤسساتهم الخيرية، من دون أن يثبت تملّكهما هذه الأراضي، مثل أوقاف تكية خاصكي سلطان في القدس، بل أقرّ بجواز ذلك63. بما أنه لا يمكن أن يتصرف "أهل الذمة" في أراضي الدولة وأن يحوّلوها إلى أوقاف، ولا يمكنهم بموجب القانون الإسلامي تحويل ما يملكون إلى أوقاف إلّ بعد إثبات ملكيتهم وخالص تصرفهم في العقار موضوع الوقف، شأنهم في ذلك شأن المسلمين الذين يوقفون عقاراتهم وقفًا ذريًّا ويثبتون ملكيتهم للعقار، وهو من الشروط الأساسية لصحة الوقف، عُدَّت هذه الأوقاف من الوقف الصحيح. وفي هذا السياق نشير إلى المثال التالي: "في أواسط رجب سنة 1250 ه/ 3 تشرين الثاني [نوفمبر] 1834 م اشترى الذمي جريس ولد حنا علوشية الرومي بماله دون مال غيره من السيد إبراهيم بن المرحوم السيد عبيد حجيج الحاضر معه بالمجلس الشرعي والذي باعه بيعًا باتًّا ما هو له وجار في ملكه وطلق تصرفه وحيازته الشرعية وآيل إليه إرثًا عن والده ويَده واضعة على ذلك إلى حين صدور هذا البيع الباتّ، وذلك جميع الحصة الشائعة وقدرها قيراطان وخُمس قيراط من أصل كامل أربعة وعشرون [كذا] قيراطًا في جميع الحاكورة الصغيرة الكائنة بالقدس الشريف بالقرب من أبي قصيبة بمحلة النصارى المشتملة على صهريج [...] بيعًا باتًّا صحيحًا مرعيًّا لازمًا معتبرًا لا غبُن فيه ولا فساد، مشتملً على الإيجاب والقبول بثمن قدره وبيانه خمسين [كذا] قرشًا أسديًا مقبوضة بيد البائع من يد المشتري حسب اعترافه بقبض ذلك، الاعتراف الشرعي وصدور عقد البيع الباتّ بينهما [...] أقرّ واعترف وأشهد الذمي جريس المرسوم أنه وقف وحبس وسبل ما هو له وجار في ملكه وطلق تصرفه وذلك جميع الحصة المشتراه [كذا] [...] أوقف هذا على نفسه مدة حياته ثم من بعده على ولديه الموجودين الآن هما حمايل وعطا الله، وعلى من يحدثه الله له من الأولاد الذكور، ثم من بعدهم على أولادهم الذكور [...] وإذا انقرضوا عاد ذلك وقفًا على مصالح الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى الشريف "[...]64.

  1. عبد الجليل عشوب، كتاب الوقف، ط 2 (القاهرة: مطبعة الرجاء، 1935)، ص 21 - 23.
  2. سرور، ص 133.
  3. محمد أسعد الحسيني، المنهل الصافي في الوقف وأحكامه، والوثائق التاريخية للأراضي والحقوق الوقفية الإسلامية في فلسطينوخارجها، جمع وترتيب محمد أسعد الإمام الحسيني (القدس: وكالة أبو عرفة، [د. ت.])، ص 29.
  4. بشأن هذه المسألة، ينظر: سرور، ص 121 - 161.
  5. سجل محكمة القدس الشرعية، رقم 319، أواسط رجب 1250 ه - 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1834 م، ص 44 - 45.

السبب الثاني والأهم، سياسي؛ فقد اتّسمت سياسة الدولة العثمانية تجاه "أهل الذمة" خلال فترة التنظيمات بالتسامح والمساواة إرضاءً للدول الغربية الراعية لطوائفها الدينية والحامية لها. وهذا ما عبّرت عنه روح مُخرجات التنظيمات العثمانية ابتداءً من خط شريف كلخانة في عام 183965، مرورًا بخط همايون في عام 1856، وانتهاءً بقانون تملّك الأجانب في عام 1867. وأزالت هذه المُخرجات كل أشكال التمييز بين رعايا الدولة العثمانية؛ بمعنى أنها أزالت أشكال التفرقة كلها بين رعايا السلطان من مسلمين وغير مسلمين، إضافة إلى إلغاء الجزية التي اعتُبِرت عبر العصور الإسلامية تمييزًا بين المسلم وغير المسلم، ورمزًا لخضوع غير المسلم للمسلم. مثّل قانون تملك الأجانب في عام 1867 مرحلة جديدة من مراحل التنافس الأجنبي على الملكية العقارية في القدس، يمكن تسميتهاِ "مرحلة التنافس والتصادم"، وقد تميّزت بفتح الباب أمام الدول الأجنبية ورعاياها لتملّك العقارات في القدس من دون عوائق، على أن تصدّق حكومات هذه الدول على هذا القانون. وسارعت الدول الراغبة في التملك إلى التصديق عليه. ففي وزارة الخارجية العثمانية في إسطنبول، وقّع سفراء فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والسويد والنرويج في الوقت نفسه هذا القانون، ثم وقّعته النمسا في عام 1868. وفي عام 1869، وقّعه سفراء بروسيا ونيوزلندا والدنمارك وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، ثم مُن حَت الرخصة في فترة لاحقة إلى كل من إيطاليا واليونان66. وهكذا، سهّلت القوانين العثمانية الجديدة عملية تملّك الأجانب عقارات في القدس. ونتيجة لذلك، شهدت هذه الفترة موجة واسعة من عمليات الشراء، ورافق ذلك عمليات بناء مؤسسات أجنبية؛ دينية، وثقافية، واقتصادية، وبيوت سكنية، فقد شكّلت القدس في القرن التاسع عشر محور اهتمام الدول الأوروبية في وضع أقدام لها على الأرض المقدسة عمومًا، والقدس خصوصًا. تكمن منابع التغلغل الأوروبي في فلسطين في القرن التاسع عشر في اعتقاد أن الإشراف على الأرض المقدسة يجب ألا يقتصر على دولة واحدة من القوى الكبرى؛ إذ كانت كل قوة من هذه القوى الدولية تطمع في بناء وجودها في فلسطين وتدعيمه بطرائق سلمية، مثل التغلغل الديني والثقافي وحماية الأقليات الدينية. لهذا، شجّعت هذه الدول، بقوة، النشاطات التبشيرية والخيرية والثقافية التي كان يقوم بها رعاياها في الأرض المقدسة. ويمكن ملاحظة مدى نفوذ كل دولة أجنبية من خلال المؤسسات الدينية والخيرية التي أ نشئت بكثافة في القدس في القرن التاسع عشر. وقد تمثلت هذه المؤسسات بالمدارس والمستشفيات والأديرة والكنائس وغيرها67. لم يكن لهذا الأمر أن يتحقق لولا تمكّن القوى الأجنبية الكبرى من تملّك العقارات في القدس، ومن ضمنها الأوقاف، سواء كان ذلك من خلال الشراء المباشر، أو الإيجار بأنواعه المختلفة، أو تملّكها عن طريق منح السلاطين العثمانيين في ضوء علاقات سياسية أو دينية هِبات مباشرة. ما كان لها أن تتم لولا سياسات الدولة العثمانية وقوانينها التي مكّنت هؤلاء، ليس من التملك في هذه المدينة فحسب، بل من تحويل مؤسسات وقفية إسلامية مهمة أيضًا، كان لها دور مهم في تاريخ القدس واعتبرت من معالم القدس ورموزها، إلى ملكيات غير وقفية لمصلحة دول أجنبية، ومؤسسات وقفية مسيحية أيضًا بطرائق قانونية وشرعية68.

  1. بشأن هذا المرسوم، ينظر: محمود علي عامر، "حركة الإصلاح في الدولة العثمانية"، دراسات تاريخية، العدد 91 - 92 (2005)، ص 122 - 124.
  2. George Young, Corps de droit ottoman: Recueil des codes, lois, règlements, ordonnances et actes les plus importants du droit intérieur, et d’études sur le droit coutumier de l’Empire Ottoman , vol. 1 (Oxford: The Clarendon Press, 1905), pp. 335 - 336.
  3. Roger Heacock, “La Palestine dans les relations internationales (1798 - 1914),” in: Dominique Trimbur & Ran Aronsohn (dir.), De Bonaparte à Balfour, la France, l’Europe occidentale et la Palestine 1779 - 1 917 (Paris: CNRS Editions, 2001), pp. 36 - 41.
  4. بشأن هذه المسألة، ينظر: موسى سرور، "الأوقاف الإسلامية في حارة نصارى القدس والتحول إلى أملاك مسيحية خلال القرن التاسع عشر"، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، السنة 21، العدد 41  /  42 (كانون الأول/ ديسمبر 2010)، ص 145 - 207.

خاتمة: حصانة مستمرة أم انتهاك ذايت؟

لم تتعرّض السياسات العثمانية الجديدة التي ميَّزت القرن التاسع عشر، والتي عصفت بالمؤسسات الوقفية الإسلامية، للأوقاف غير الإسلامية بعامة، والأوقاف المسيحية بخاصة، إنما، على العكس، منحتها حصانة لم تُمنح لأي مؤسسات وقفية أخرى، حتى لأوقاف أعظم سلاطين آل عثمان سليمان القانوني؛ إذ أخذت المؤسسات الوقفية الإسلامية في المدينة المقدسة، بدءًا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في التراجع واختفاء المؤسسات الوقفية الخيرية وإحجام النخب الإسلامية عن تحويل أملاكهم إلى أوقاف خيرية، وتحويل عدد قليل منهم أملاكه إلى أوقاف ذرية فحسب؛ الأمر الذي عكس أثره في جدوى تأسيس أوقاف خيرية إسلامية جديدة في ظل هذه السياسات العدائية. وقد أحصى الباحث زياد المدني 138 وقفًا إسلاميًا ذريًّا في القدس وجوارها، من دون أن يكون بينها وقف خيري واحد خلال القرن التاسع عشر69. وفي المقابل، تمتعت الأوقاف المسيحية بحصانة أمام سلطوية الدولة العثمانية وتشريعاتها ذات المكيالين: عدائي تجاه الأوقاف الخيرية الإسلامية، وضامنة وحامية للأوقاف غير الإسلامية بشقيها الخيري والذري. وكمخرجات لهذه السياسات، أخذت الأوقاف غير الإسلامية في الانتعاش؛ إذ اعتبرت هذه الفترة عصرًا ذهبيًّا لهذه الأوقاف. وأحصى المدني أيضًا 56  وقفية مسيحية أُسّست في القدس وبيت لحم وبيت جالا ورام الله وجفنا والمالحة خلال القرن التاسع عشر، ومعظمها خيري70. بينما يعتمد موسى سرور، في دراسته "الأوقاف المسيحية واليهودية في القدس خلال القرن التاسع عشر: دراسة تحليلية نقدية مقارنة"71، على مُعطيات 71 وقفية للمسيحيين واليهود في القدس خلال القرن التاسع عشر، منها 36 وقفية مسيحية، معظمها خيري أيضًا. وعلى الرغم من أن الأوقاف المسيحية تمتّعت بحصانة في القانون العثماني وقوانين السلطات المتعاقبة، مثل الانتدابية والأردنية والاحتلال الإسرائيلي، فإنه سُرّب جزء منها إلى حركة الاستيطان الصهيونية بطرائق مختلفة، منها الإيجار والبيع، وخصوصًا ما باعه بعض القائمين عليها بصفة مخالفة للقوانين والتشريعات المتوارثة كلها؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن البطريركية الأرثوذكسية كانت تمتلك حتى عام 1984 "ما مساحته 245 دونمًا من أراضي إلى درجة الأولى في القدس، و 868 دونمًا حول دير مار إلياس على طريق بيت لحم، و 350 دونمًا حول دير العيزرية على طريق أريحا"، فضلً عن امتلاكها 357 دكانًا في حارتَي النصارى والدباغة في القدس، و 167 بيتًا وشقة في القدس72. ففي عام 1948، "قام البطريرك تيوثاس الأول (1935 - 1955) بإيجار مساحات كبيرة ولمدة طويلة من أراضي البطريركية خارج أسوار القدس للوكالة اليهودية لبناء عمارة الكنيست ومقر رؤساء إسرائيل ومنزل رئيس الوزراء وبناية وزارة التعليم. وبعد ذلك بخمسين سنة اقترح البطريرك إيرينوس الأول (2001 - 2005) على رئيس وزراء إسرائيل أرئيل شارون بموجب كتاب مؤرخ في 10 تموز سنة 2002 لبحث إمكانية نقل الملكية الكاملة لجميع الأوقاف الأرثوذكسية في مدينة القدس، إلى حكومة إسرائيل. وذلك لاسترضاء حكومة إسرائيل وتشجيعها على الاعتراف بانتخابه بطريركًا للمدينة المقدسة، خصوصًا وأنه يتطرّق إلى اعتبار القدس مدينة موحدة رغم معارضة ذلك لجميع قرارات هيئة الأمم ولجميع الحكومات العربية وعلى الأخص حكومة الأردن". وما زلنا نسمع بين فينة وأخرى عبر الصحافة عن صفقات بيع عقارات جديدة.

  1. ينظر: زياد المدني، الأوقاف في القدس وجوارها في القرن التاسع عشر الميلادي 1215 ه/ 1800 م - 1336 ه/ 1918 م (عمان: [د. ن].، 2004.)
  2. المرجع نفسه.
  3. Sroor, “Les waqfs chrétiens,” pp. 215 - 233.
  4. أبو جابر، ص 604.
  5. المرجع نفسه، ص 607 - 608.

المراجع

العربية

يونيو 2016.)

وخارجها. جمع وترتيب محمد أسعد الإمام الحسيني. القدس: وكالة أبو عرفة، [د. ت.].

جامعة بغداد، 1978.

العربية للدراسات العثمانية. السنة 21. عدد 41  /  42 (كانون الأول/ ديسمبر 2010.)

عامين 1948 - 1967." مجلة الناصرية للدراسات التاريخية والاجتماعية. مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2016.)

الطرابلسي، إبراهيم بن موسى. كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف. ط 2. القاهرة: مطبعة هندية، 1902.

الاجتماعية والتاريخية. مج 7، العدد 1 (حزيران/ يونيو 2016.)

عامر، محمود علي. "حركة الإصلاح في الدولة العثمانية"، دراسات تاريخية. العدد 91 - 92 (2005.)

عشوب، عبد الجليل. كتاب الوقف. ط 2. القاهرة: مطبعة الرجاء، 1935.

"قانون الأراضي العثماني 1858." موسوعة القوانين وأحكام المحاكم الفلسطينية. في: R 7 aKzS 3 / ly. bit:// https

قدري، محمد. قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشاكل الأوقاف. القاهرة: مكتبة الأهرام، 1928.

دراسات الوحدة العربية، 2007.

عمان: [د. ن].، 2010.

References

الأوقاف في بلاد الشام منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين: المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام 10 - 14 أيلول 2006 م. المجلد الثالث: فلسطين. محمد عدنان البخيت (محرر). عمان: لجنة تاريخ بلاد الشام. الجامعة الأردنية، 2008. بوداود، عبيد. "قراءة في أوقاف أهل الذمة بالأندلس." مجلة الناصرية للدراسات التاريخية والاجتماعية. مج 7، العدد 1 (حزيران/ الحسيني، محمد أسعد. المنهل الصافي في الوقف وأحكامه والوثائق التاريخية للأراضي والحقوق الوقفية الإسلامية في فلسطين الخطيب، أحمد علي. الوقف والوصايا: ضربان من صدقة التطوع في الشريعة مع بيان الأحكام القانونية التي تنظمها. بغداد: سرور، موسى. "الأوقاف الإسلامية في حارة نصارى القدس والتحوّل إلى أملاك مسيحية خلال القرن التاسع عشر." المجلة التاريخية _______. "الوقف الصحيح وغير الصحيح بين المصالح الشخصية والتطبيقات الفقهية: دراسة حالة وقف بيت لحم وبيت جالا بين طيبي، غماري. "الدولة والمؤسسات الوقفية: مناقشة لعلاقة السياسي بالديني من خلال الوقف." مجلة الناصرية للدراسات القضاة، أحمد حامد إبراهيم. نصارى القدس: دراسة في ضوء الوثائق العثمانية. سلسلة أطروحات الدكتوراه 67. بيروت: مركز المدني، زياد. الأوقاف المسيحية في القدس وجوارها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين 112 ه/ 1700 م - 1336 ه/ 1918 م.._______ الأوقاف في القدس وجوارها في القرن التاسع عشر الميلادي 1215 ه/ 1800 م - 1336 ه/ 1918 م. عمان: [د. ن].، 2004. يكن، زهدي. الوقف في الشريعة والقانون. بيروت: دار النهضة العربية، 1388 ه/ 1967 م. سجل محكمة القدس الشرعية. رقم 298، 1229 ه/ 1814 م.

________. رقم 319، 1250 ه/ 1834 م. • ________. رقم 347، 1280 ه/ 1863 م. • ________. رقم 367، 1293 ه/ 1876 م. • ________. رقم 369، 1297 ه/ 1880 م. • ________. رقم 373، 1303 ه/ 1885 م. • ________. رقم 378، 1307 ه/ 1889 م. • ________. رقم 383، 1309 ه/ 1892 م. • ________. رقم 385، 1313 ه/ 1896 م. • ________. رقم 390، 1315 ه/ 1897 م. •

الأجنبية

• Boughoufala, Ouddène (dir.). L’historien Nacerddine Saidouni précurseur des études ottomanes en Algérie.

Algérie: Publications du laboratoire des recherches Sociologique et Historique, Université de Mascara, 2014.

• Çaksu, Ali (éd.). International Congress on Learning and Education in the Ottoman World. Istanbul: IRCICA,

• Davison, Roderic. Reform in the Ottoman Empire 1856-18 76. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1963.

• Deguilhem-Schoem, Randi. “Ottoman Waqf Administrative Reorganization in Syria Provinces: The Case of

• Heacock, Roger (dir.) Temps et espaces en Palestine: Flux et résistances identitaires. Beyrouth: Institut français

• Kupferschmidt, Urum. The Supreme Muslim Council: Islam under the British Mandate for Palestine. Leiden:

• Nicolaides, Demétrius & Grēgorius Aristarchēs. Législation ottomane ou recueil des lois, règlements, ordonnances,

• Saliba, Sabine (dir.). Les Fondations pieuses waqfs chez les Chrétiens et les Juifs: Du moyen âge à nos jours.

12-15 April 1999.

• Çiçek, Kemal (éd.). The Great Ottoman, Turkish Civilisation. Ankara: Yeni Türkiye, 2000.

Damacsus.” Arab Historical Review for Ottoman Studies. no. 5-6 (1992).

du Proche-Orient, 2008.

Brill, 1987.

• Mantran, Robert (dir.). Histoire de l’Empire Ottoman. Paris: Fayard, 1989.

traités, capitulations et autres documents officiels de l’Empire Ottoman. Paris: frères Nicolaïdes, 1873.

Paris: Geuthner, 2016.

• Somel, Selçuk Akşin. The Modernization of Public Education in the Ottoman Empire 1839-19 08. Leiden: Brill,

• Sroor, Musa. “L’Immigration des juifs à Jérusalem et leurs waqfs entre 1800 et 1914: Objectifs charitables ou

politiques?” Al- Mawaqif: Revue des études et des Recherches sur la Société et l’Histoire. no. 4 (2009).

• _______. Fondations pieuses en mouvement: De la transformation du statut de propriété des bien waqfs à

Jérusalem 1858-19 17. Damas: IFPO, IREMAM, 2010.

• Trimbur, Dominique & Ran Aronsohn (dir.). De Bonaparte à Balfour, la France, l’Europe occidentale et la

Palestine 1779-19 17. Paris: CNRS Editions, 2001.

• Young, George. Corps de droit ottoman: Recueil des codes, lois, règlements, ordonnances et actes les plus

importants du droit intérieur, et d’études sur le droit coutumier de l’Empire Ottoman. vol. 1. Oxford: The

Clarendon Press, 1905.