رشيد صيف :1799 قراءة في وثيقة الزيت والأرز
Rosetta, Summer of 1799: A Reading into Oil and Rice Documents
الملخّص
تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة حفرية في وثيقة "فردة" عينية استثنائية، فرضها جيش الاحتلال الفرنسي على أهالي رشيد خلال آب/ أغسطس 1799. وتقترح تحليلًا للظروف المعقدة الكامنة وراء إنتاج هذه الوثيقة، واستكشاف التطورات التراكمية، فقد فرض الفرنسيون ادعاءات ثقيلة مماثلة، مما عرّض اقتصاد مدينة رشيد وريفها لعملية تدهور مستمرة. جزء من الأسئلة المدرجة في إشكالية الدراسة يستهدف استكشاف ردود أفعال الناس إزاء تلك الطلبات المتتالية (النقدية والعينية) التي ناءت بها كواهلهم، وتحديد آثارها الملموسة، ولا سيما بالنسبة إلى التجار والحرفيين. تعتمد الدراسة منهجية "التاريخ الصغير" التي أصبح اختبارها ممكنًا بسبب الوثائق العديدة والغنية والمتنوعة (بالفرنسية والعربية)، والتي تدور حول رشيد، والتي لا تزال محفوظة في دور الأرشيف. إنها تتيح فرصة لفحص العديد من الجوانب المجهولة حول تطور العلاقة بين سلطات الاحتلال والسكان المحليين.
Abstract
This study offers a thorough reading of a requisition order [firda] for products in kind imposed by the Armée d’Orient on the people of Rosetta in August 1799. It then analyses the complex conditions behind its composition to shed light on cumulative developments, as the French had made similar weighty demands that pushed the city’s urban and rural economy into a continual process of deterioration. Some of the questions the study evaluates relate to people’s reactions to these successive requests (financial or otherwise) and identifying their tangible effects, especially in relation to merchants and artisans. The study uses the microhistorical approach, made possible by an array of informative documents (in French and Arabic) related to Rosetta that remain extant in archival collections, and provides the opportunity to investigate several unexplored aspects of how the occupying power’s relationship to the local population evolved.
- الاحتلال الفرنسي
- مدينة رشيد
- التاريخ الصغير
- الأرشيف
- French Occupation
- Rosetta
- Microhistorical Approach
- Archives
رشيد صيف 997:1 قراءة في وثيقة الزيت والأرز Rosetta, Summer of 1799: A Reading into Oil and Rice Documents
تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة حفرية في وثيقة "فردة" عينية استثنائية، فرضها جيش الاحتلال الفرنسي على أهالي رشيد خلال آب/ أغسطس 1799. وتقترح تحليلً للظروف المعقدة الكامنة وراء إنتاج هذه الوثيقة، واستكشاف التطورات التراكمية، فقد فرض الفرنسيون ادعاءات ثقيلة مماثلة، مما عرّض اقتصاد مدينة رشيد وريفها لعملية تدهور مستمرة. جزء من الأسئلة المدرجة في إشكالية الدراسة يستهدف استكشاف ردود أفعال الناس إزاء تلك الطلبات المتتالية (النقدية والعينية) التي ناءت بها كواهلهم، وتحديد آثارها الملموسة، ولا سيما بالنسبة إلى التجار والحرفيين. تعتمد الدراسة منهجية "التاريخ الصغير" التي أصبح اختبارها ممكنًا بسبب الوثائق العديدة والغنية والمتنوعة (بالفرنسية والعربية)، والتي تدور حول رشيد، والتي لا تزال محفوظة في دور الأرشيف. إنها تتيح فرصة لفحص العديد من الجوانب المجهولة حول تطور العلاقة بين سلطات الاحتلال والسكان المحليين.
This study offers a thorough reading of a requisition order [firda] for products in kind imposed by the Armée d’Orient on the people of Rosetta in August 1799. It then analyses the complex conditions behind its composition to shed light on cumulative developments, as the French had made similar weighty demands that pushed the city’s urban and rural economy into a continual process of deterioration. Some of the questions the study evaluates relate to people’s reactions to these successive requests (financial or otherwise) and identifying their tangible effects, especially in relation to merchants and artisans. The study uses the microhistorical approach, made possible by an array of informative documents (in French and Arabic) related to Rosetta that remain extant in archival collections, and provides the opportunity to investigate several unexplored aspects of how the occupying power’s relationship to the local population evolved.
أستاذ مشارك في قسم العلوم الإنسانية، برنامج التاريخ، كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر. Associate Professor of Modern and Contemporary History at the Department of Humanities, Qatar University. nasser.soliman@qu.edu.qa
مقدمة
تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة حفرية في وثيقة "الزيت والأرز"1، التي أصدرها الجيش الفرنسي خلال فترة احتلاله لمصر، في 31 آب/ أغسطس 1799. وهي وثيقة جرى توجيهها إلى أهالي مدينة رشيد (الواقعة على مصب الفرع الغربي لنهر النيل في البحر المتوسط). تضمنت مطلبًا استثنائيًا في شكل "سلفة إجبارية" (فردة)2، وتعيّن على تجار المدينة وحرفيِّيها، في غضون 24 ساعة،
توريد 800 قنطار من الأرز و 1800 لتر من الزيت. اشتملت الوثيقة على قائمة بأبرز تجار الأرز برشيد، ووُضِع أسفل كل اسم رقم محدد، يشير إلى الحصة المطلوبة، في حين
عُمِّمَت فردة الزيت على المعصراتية على نحو إجمالي3. هذه القراءة الأولى لا تساعدنا على فهم مغزى هذا التوزيع، أو تفسير علة أن
يكون مفردًا في حالة تجار الأرز، ومجملً في حالة الحرفيين (المعصراتية)، وقد كف محتوى الوثيقة أيضًا عن إبانة سبب تباين الرقم بين اسم وآخر، أو بين مجموعة وأخرى. وهكذا شابتها درجة من الغموض، بدت معها كما لو كانت "وثيقة صامتة"، مستعصية على الفهم، تنتظر من ينبش ذاكرة الحدث، بحثًا عن دلالة إصدارها ومغزاها في نهاية صيف 1799، وكيفية فهمها في سياق تاريخي أكبر من الحدث الذي يمثله مضمونها. ربما لا تلفت الوثيقة الانتباه في الوهلة الأولى، خاصة مع طبيعتها الجافة؛ إذ لا تعدو مجرد قائمة بأسماء وأرقام، لكنها مع ذلك تثير الأسئلة بأكثر مما يمكن أن تتيحه من إجابات. وهو ما مثَّل أوّل التحديات في قراءتها. لكن يجب الاعتراف بأن ذلك شكَّل
جاذبية خاصة لخوض تجربة البحث في الظروف التي اكتنفت عملية إنتاج الوثيقة، وهذا هو الرهان الأساسي لهذه الدراسة. والسؤال الإشكالي هو: كيف نقرأ هذه الوثيقة؟ وفي أي سياق يمكننا فتح المجال لتفسير محتواها النصي بحثًا عن مسار يمكّننا من استكشاف طبيعة اللحظة التي صيغ فيها النص المكتوب؟ إن الوثيقة لغز لصورة حاضرة وغائبة في الوقت ذاته؛ حاضرة بمكونها المادي ومحتواها، لكن الصورة الغائبة هي الصورة الكلية للحدث الذي كان يشملها. إن رهاننا المحدد أن نسعى لفهم الواقع المرجعي الذي أفرز كتابتها على هذا النحو، والإلمام بجوانبه التفصيلية باعتبار الوثيقة، التي ندرسها، جزءًا من قصة أكبر، وهو ما نأمل في سياقه أن يساعدنا
في بناء تفسير واقعي لمحتواها، وكشف المُخبّأ في نسيجها، وما تفيض به من دلالات ذات مغزى للقضية الحاضرة في النص. نتساءل في هذه الدراسة، أولً، عن الكيفية التي بموجبها جرى تأسيس أرشيف "جيش الشرق"، ونطرح بعض الفرضيات حول وجود عدد كبير نسبيًّا من الوثائق عن رشيد ومقاطعاتها. وإن كنا سنركز عدستنا على الظروف التي أدت إلى إنتاج الوثيقة. وخلال
تحليلنا، سنقترح التفكير في تطور العلاقة بين السلطات الفرنسية وأهالي رشيد، وخاصة مجموعة التجار، وذلك خلال السنة الأولى من الاحتلال، معتمدين في ذلك على مجموعة واسعة من المصادر الفرنسية والعربية. ولئن صار بعضها معروفًا، فإن غالبية مصادر الحملة الفرنسية لا تزال قابعة في أضابير الأرشيفات المختلفة.
1 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives (château de Vincennes), 2 ème ed. (1954), Série GR B 6 , armée d'Orient (Égypte), 1798 - 1801 , B 6 29 , le 11 Fructidor an 7 (31 Août 1799).
2 كان الجبرتي أول من رصد مطالب السلفة الإجبارية في الأيام الأولى من احتلال نابليون بونابرت للقاهرة، مشيرًا إلى أنها عُر ضَِت من خلال "ديوان القاهرة"، محددًا
أنها مبالغ مقررة على التجار وأهل الحرف والمتسببين، وذلك "على سبيل القرض والسلفية.. وأجلوا لها أجلً مقداره ستون يومًا"؛ أي إنه جرى الإعلان عن ترتيب سداد
السلفة بعد شهرين. ينظر: عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، ج 3 (القاهرة: مطبعة دار الكتب
والوثائق القومية، 1998)، ص 19 - 20 (يومية 13 - 14 صفر 1213 ه/ 27 - 28 تموز/ يوليو 1798). 3 عادةً ما كانت الضريبة تعمم على الطائفة كلّها، وكان شيخ الطائفة يوزّعها على أعضاء الطائفة، ينظر:
André Raymond, Artisans et commerçants au Caire au XVIIIe siècle , tome 2 (Damas: Presses de l' IFPO, 1974), pp. 528 , 562 - 564.
أوالً: أرشيف جيش الشرق بقلعة فانسين – باريس
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن ما هو متاح من الوثائق المحررة باللغة العربية، سواء كان من الإدارة الفرنسية أو ممن عملوا تحت سلطتها، خلال سنوات الاحتلال الثلاث، ليس سوى جزء صغير، لا يكاد يبلغ ألف وثيقة مودعة حاليًّا في أرشيف جيش الشرق
بوزارة الدفاع بقلعة فانسين في باريس4. وهذه المجموعة مصنفة ضمن سلسلة فرعية تحمل رمز 6 B GR، ويُعنى بها مجموعة
محافظ وثائق جيش الشرق وسجلاته. يتكون هذا الأرشيف من 199 محفظة. ولم يثبت بعد بوضوح تاريخ إنشاء هذه الوحدة الأرشيفية الكبيرة، ويبدو أنه خلال الانسحاب من مصر في عام 1801 لم تُتخذ أي تدابير عامة بشأن الوثائق التي قدمتها الإدارة الفرنسية أو تلك الموجهة إليها. فقد عاد معظم الضباط والإداريين إلى فرنسا حاملين أوراقهم الخاصة ووثائق مختلفة ناتجة من خدماتهم في الجيش. وفي ظروف مجهولة جرى إيداع بعض تلك الوثائق في أرشيف وزارة الحرب الفرنسية. وفي وقت لاحق، سلّم بعض الفاعلين أنفسهم (الجنرالات) وكذلك بعض ورثتهم مجموعات إضافية من الوثائق إلى المستودع الأرشيفي، مثل الأوراق التي قدّمها كل من الجنرال دوجا Dugua،
والجنرال بليار Belliard، والجنرال رينيه Reynier، وقدمت عائلة الجنرال بليار أيضًا أوراقًا أخرى للأرشيف. وكانت اللجنة التي
أنشئت في نيسان/ أبريلُ1850 لعمل جرد عام لمشمولات مستودع أرشيف وزارة الحرب هي التي أنتجت ثبتًا تحليليًّا للملفات والوثائق
المتعلقة بحملة مصر5. خلافًا لما أقدم عليه نابليون بونابرت، في عام 1807، من تدمير عدد من الوثائق التي وجدها تتعارض مع وجهة نظره إلى "الحقائق" وتضر بسمعته6. تشتمل محفوظات جيش الشرق على آلاف المستندات الفرنسية المتنوعة؛ منها رسائل وتقارير وأوامر، والبعض الآخر يأتي في شكل سجلات لمراسلات. وقد أتاح التحليل الشامل لهذا الأرشيف، إمكانية تحديد مجموعة تصل إلى 800 وثيقة7، مكتوبة جزئيًّا أو
كليًّا باللغة العربية، وأحيانًا باللغة التركية العثمانية. وتتضمن هذه المجموعة المتميزة طلبات أو شكاوى لبعض الأهالي، وعددًا ملحوظًا
منها يأتي في شكل جوابات والتماسات وعرض حالات ومستندات صادرة عن ديوان القاهرة، وأحيانًا عن دواوين الأقاليم، أو حتى وثائق من القرى، وعن إدارة الإيرادات والممتلكات العامة التي صارت بيد الجيش الفرنسي. وكثير من هذه الأوراق الوثائقية يأتي مصحوبًا بترجمات إيطالية وفرنسية. ومن المهمّ أن قسم محفوظات وثائق حملة "جيش الشرق" يحتفظ اليوم بمجموعة مهمة خاصة برشيد تغطي الفترة تموز/ يوليو
1798 – تشرين الثاني/ نوفمبر 1799، وهو ما ساعدنا على استثمار قيمتها المعرفية والتاريخية في دراسة "سلفة" الزيت والأرز. وهذه الفترة تتوافق، تقريبًا، مع فترة تولّي الجنرال مينو قيادة هذه المقاطعة. فبعد هذا التاريخ تركها لمهمات أخرى، بما في ذلك فترة تولّيه
4 لمعرفة المزيد عن تاريخ هذه المجموعات الأرشيفية بفانسين مع وصف موجز لسلسلة محافظ الحملة الفرنسية، ينظر:
Henri Zuber, Thierry Sarmant & Bertrand Fonck (dir.), Guide des archives et de la bibliothèque du Service Historique de la Défense (Paris: Service historique de la Défense, 2017), pp. 17 - 31 , 70.
5 هذا ما تظهره عملية جرد تحليلي لمحتويات الأرشيف، جرت في نيسان/ أبريل 1850، ولا يزال يحتفظ الأرشيف بهذا التقرير.
6 Clément de La Jonquière, L'Expédition d'Égypte 1798 - 1801 , tome 1 (Paris: H. Charles-Lavauzelle, 1899), p. 8 ; Yves Laissus, L'Egypte, une aventure savante (Paris: Fayard, 1998), p. 557.
7 تجدر الإشارة إلى أن مشروعًا يجري حاليًّا حول نشر كتاب يتضمن مختارات من الوثائق العربية المتعلقة بالحملة الفرنسية، تبلغ نحو 70 وثيقة، بوصفها عيّنة تعبّر
عن هذه المجموعة الأرشيفية. يشارك في هذا المشروع جهات متعددة: المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة IFAO، ومعهد الأبحاث والدراسات حول العالمين العربي
والإسلامي IREMAM، والمعهد الوطني للبحث العلمي CNRS، وجامعة أكس مارسيليا Université Marseille - Aix، بالتعاون مع أرشيف الوثائق التاريخية بوزارة
الحرب الفرنسية بقلعة فانسين.
قيادة الجيش بعد اغتيال الجنرال كليبر (حزيران/ يونيو 1800). وبعد وفاة مينو في إيطاليا عام 1810، جرى إرسال صندوقين إلى وزير الحربية يحتويان على أوراق، عثر عليها في منزله، قد تعود إلى فترة وجوده في مصر، وهي اليوم محفوظة في أرشيف قلعة فانسين8. كانت وثيقة الزيت والأرز – موضوع دراستنا - محفوظة في مجموعة الوثائق العربية بالأرشيف الحربي، عندما طالعها إليوس بُقطر (1784 - 1821) الذي جرى تكليفه بترجمة تلك الوثائق من العربية إلى الفرنسية9. وتعود أصول بُقطر إلى صعيد مصر، وكان
واحدًا من بين أولئك المهاجرين الأقباط والسوريين واليونانيين والمماليك الذين قرروا مغادرة مصر مع انسحاب جيش الشرق10.
وقد استقر العديد منهم في مرسيليا حيث شكلوا "المستعمرة المصرية" هناك، في قرية مقابلة لمنطقة كاستيلان الحالية Castellane. وجلبت وزارة الحرب بُقطر إلى باريس للاستفادة من مهاراته اللغوية الرائعة. ومن المعروف أنه أدّى دورًا مهمًّا في تدريس اللغة العامية
للمستشرقين الفرنسيين، ووضع أول قاموس فرنسي عربي (باللغة الدارجة)11. في المجمل، إن وجود وفرة من الوثائق المتميزة والمتنوعة عن رشيد إنما يعطي فرصة لتدقيق تحليلنا لوثيقة الزيت والأرز، ووضعها في سياق متصل مع التطورات التي مرت بها علاقة الأهالي بسلطات الاحتلال، ومناقشة مواقفهم إزاء السلف الإجبارية التي أثقلت كواهلهم بمغارمها وما تعرضوا له من عنف ومطاردة أحيانًا. لكن يمكن أن نطرح، في البداية، سؤ لً عما مثّلته رشيد من أهمية
بالنسبة إلى الجيش الفرنسي، وعمّا جعلها تصبح من أهم المدن التي كان يعوّل عليها في سد احتياجات الجيش إلى المؤن الغذائية.
ثانيًا: رشيد: مركز رئيس لإمدادات الجيش
كتب القنصل الفرنسي شارل ماجلون في تقرير شهير له عن مصر قبيل مجيء الحملة الفرنسية بأشهر معدودة: "الأرز المصري هو أفضل أرز في العالم"12. وكانت رشيد هي المدينة الأكثر شهرة بإنتاج الأرز، حتى إن علماء الحملة أطلقوا عليها "بلاد الأرز "13. وبحسب شهادة جولوا دي بوا إيميه أحد علماء الحملة، فإن حقول الأرز برشيد "هي التي صنعت ثروة هذه البلاد وشهرتها"14. كانت رشيد محاطة بأراضٍ زراعية غنية، خُصِّص جزء منها لزراعة الأرز. ولمّا كان الإنتاج من الأرز غير مخصص لاحتياجات
السكان فحسب، بل للتصدير أيضًا، فقد اشتهرت بوصفها أهم مدينة متوسطية تصدّر الأرز. لقد مثلت تجارة الأرز نشاطًا مهمًّا في
8 Service Historique de la Defense, château de Vincennes, pavillon de la Reine, Inventaire analytique , register no. 99 , 1 er dossier, 7 e feuille.
9 ثمة ملاحظة لكاتب بأرشيف فانسين، سجلها نحو منتصف القرن التاسع عشر، أسفل ترجمة فرنسية لواحدة من الوثائق العربية، وقد كانت خاصة بمنشور موجّه من
ديوان القاهرة إلى أهالي مصر بمناسبة توجه بونابرت إلى حملته على سوريا في بداية شباط/ فبراير 1799. وقال الكاتب في ملاحظته: "إن هذه الترجمة تمت بوساطة أحد
'اللاجئين' المصريين في فرنسا على نسخة مطبوعة باللغة العربية في القاهرة". ينظر:
Ministère des armées française, Service Historique de la Defence, Inventaire des archives, B 6 63 , 11 février (1799).
10 الجبرتي، ج 3، ص 298 (يومية 19 صفر 1216 / 1 يوليه 1801.) 11 للمزيد حول حياة بقطر في باريس وإفادة المستشرقين الفرنسيين من مهارته في تعليم العامية المصرية، ينظر:
Edme François Jomard, "Notice sur Ellious Bocthor, né en Égypte, professeur d'arabe vulgaire près la bibliothèque du roi," Extrait de la revue encyclopédique (Octobre 1821); A. Louca, "Ellious Bocthor, sa vie et son œuvre," Cahiers d'histoire égyptienne , 5 th ser., fascs. 5 - 6 (Décembre 1953), pp. 309 - 320 ; Ian Coller, Une France arabe. 1798 - 1831: Histoire des débuts de la diversité , Frédéric Joly (trad.) (Paris: Alma Editeur, 2014), pp. 185 - 186 , 197 - 198. 12 Charles Magallon, "Mémoire sur l'Égypte (9 février 1798)," Revue d'Égypte , tome III (1896), [pp. 205 - 224], p. 210. 13 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 21 , au Caire, le 25 Floréal an 7 (25 Avril
14 جولوا دي بوا إيميه، "مدينة رشيد"، في: موسوعة وصف مصر، ترجمة زهير الشايب، مج 3 (القاهرة: [د. ن].، 1992)، ص 23 - 24. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة
دي بوا إيميه نشرت كذلك في طبعة دار الشايب للنشرة الكاملة لكتاب وصف مصر، ينظر: دي بوا إيميه، "وصف مدينة رشيد"، في: وصف مصر: دراسات عن المدن
والأقاليم، ترجمة زهير الشايب، مج 3 (القاهرة: دار الشايب، 1999)، [ص 207 – 254]، ص 219.
رشيد؛ ما جعل تجار المدينة يستثمرون مبالغ كبيرة جدًّا في زراعته في المناطق الريفية المحيطة بالمدينة. وكان يجري نقل الأرز، الذي يجري حصاده بين تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر، إلى المدينة لأجل فصل القشرة في مضارب الأرز، وقبل تسويقه، كان يجري تخزينه في حواصل معدَّة لذلك. وعلى نطاق أكثر تواضعًا، كان الأمر نفسه ينطبق على البذور الزيتية، وبذور
اللفت والسمسم15، التي تُنتج في جميع أنحاء رشيد ثم تُعصر في ورش "معصراتية الزيت". وإلى جانب ذلك، كانت رشيد مركزًا مهمًّا
للحرف اليدوية، ولا سيما النسيج، وتجهيز المنتجات الزراعية. وخلافًا لشهرة رشيد بشأن إنتاجية الأرز وحقول زيت النخيل، كانت المدينة تمثل أهم مستودع للبضائع سواء كانت قادمة من القاهرة والصعيد لتصديرها عبر المتوسط أو لاستقبال البضائع التي تنزل بالإسكندرية قادمة من أوروبا16. وكانت الروابط التجارية بين الإسكندرية ورشيد وثيقة الصلة على نحو خاص. وبحسب ما رصدته صحيفة كورييه دي ليجيبت، كانت ثمة حركة شبه يومية لمرور القوافل التجارية المكثفة بين المدينتين محمّلة مؤنًا وبضائع17. ومنذ أيام الاحتلال الأولى تعرّض تجار الإسكندرية وحرفيّوها ورشيد للضغط والملاحقة، وذلك ليس لكونهما أولى المدن
التجارية التي شهدت بدايات الغزو فحسب، بل لشهرتهما في تصدير أهم الحبوب الغذائية إلى عالم المتوسط أيضًا. كتب دي بوا إيميه: "لقد استولينا، فور احتلالنا للإسكندرية على كل ما كان يوجد من مؤن ضرورية"18. وغداة دخول الجيش رشيد، كتب الأدميرال بروي Brueys: "بالأمس دخلت قواتنا رشيد.. إننا ننتظر بصبر كبير أن يُهيّئ لنا غزو مصر وسائل المعيشة، فلم
يبق لدينا من البسكويت سوى ما يكفي لخمسة عشر يوما"19. وبين أوراق الجنرال مينو، الذي عُيّن حاكمًا على إقليم رشيد في
6 تموز/ يوليو 1798، نجد خطابًا وجّهه إلى أهالي هذه المدينة وشيوخ القرى الملحقة بها، يلزمهم بتوفير "الجواميس والأغنام
والماعز والأرز والشعير والقش والفول والعدس لأجل الجيش"20. وطوال الوقت كان بونابرت يكتب في مراسلاته أن مدينة رشيد تُعدّ مكانًا مهمًّا يمكن الاعتماد عليه في الإمدادات الغذائية21، وكان يطالب جنرالاته بتجميع أكبر كمية ممكنة من الأرز
لأجل الجيش22. وحين توافرت في مخازن الجيش كميات كبيرة من الأرز والحبوب والسكر، لاح لبونابرت أن يقايض بها بعض
15 أفرد جيرار فصلً كاملً حول أنواع البذور الزيتية وصناعة الزيوت في مصر في زمن الحملة الفرنسية، ينظر: ب. س. جيرار، "الزراعة – الصناعات والحرف – التجارة"،
في: وصف مصر، ترجمة زهير الشايب، مج 4 (القاهرة: طبعة مكتبة مدبولي، 1978)، ص 191 - 195. 16 دي بوا إيميه، ص 13. 17 كانت هناك قافلة تجارية، مكوّنة من 200 جمل ومن 300 إلى 400 حمار، تحمل يوميًا بالمؤن والبضائع من تجار رشيد الذين يتوجهون بها إلى الإسكندرية، ينظر:
صحيفة كورييه دي ليجيبت Égypte ' l de Courrier، العدد 3، بتاريخ 20 فريمير سنة 6 للجمهورية الفرنسية/ 10 كانون الأول/ ديسمبر 1798، في: صحف بونابرت في
مصر 1798 - 1801 (القاهرة: دار العرب للبستاني، 1971)، ص 5. 18 دي بوا إيميه، ص 7. 19 رسالة من الأدميرال بروي إلى وزير البحرية والمستعمرات، بتاريخ 21 ميسدور عام 6 / 9 يوليو 1798، في: الأيام الأولى للحملة الفرنسية على مصر: رسائل
لقادتها، ترجمة يوسف شرارة (القاهرة: مكتبة الآداب مصر، 2011)، الخطاب رقم 3، ص 61 - 62.
20 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 5 (11 Août 1798);
وثيقة بتوقيع مينو، وهي عبارة عن نص جرى إعداده لإعلانه على مشايخ قرى رشيد، حال اجتماعه بهم، وقد عُق د الاجتماع في 18 آب/ أغسطس بمدينة رشيد؛ ينظر أيضً: ا
Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 6 (18 Août 1798), Liste autographe de Menou des décisions communiquées par lui aux cheikhs
تُرجم هذا النص إلى اللغة العربية، ثم نُسخت منه نسخٌ متعددة مكتوبة بخط اليد، وقد جرى حفظ العديد منها في:
Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 15. 21 Napoléon Bonaparte, Correspondance générale , tome 2: La Campagne d'Égypte et l'Avènement, 1798 - 17 99 (Paris: Editions Fayard, 2005), Corres. no. 2913 (24 Août 1798). 22 Ibid., Corres. no. 2605 , 2607 , 2859 (8 - 9 Juillet, 18 Août 1798).
المدن التجارية في سواحل البحر الأبيض المتوسط؛ في سبيل الحصول على سلع أخرى كان الجيش في حاجة ملحّة إليها؛ مثل
الأخشاب والنبيذ والكحول23.
ثالثًا: وثيقة استثنائية
يحتوي أرشيف جيش الشرق على العديد من الوثائق الفرنسية المتعلقة بطلبات شراء لسلع معينة، وتأتي غالبًا في صورة أوامر شبه
يومية24. في حين لم يصل إلينا من الوثائق المكتوبة باللغة العربية سوى أعداد قليلة، تتعلق بطلبات مرفوعة إلى السلطات الفرنسية، وبعضها الآخر يأتي في صورة شكوى أو المطالبة بإلغاء أمر أو إدخال تعديلات على أحد القرارات25. وبالنسبة إلى الوثيقة التي نعنى بها في هذه الدراسة، فإن الأمر يبدو مختلفًا، ذلك أن وثيقة الزيت والأرز هي القطعة الوثائقية الوحيدة التي وصلت إلينا في صيغة أمر عسكري صريح صادر باللغة العربية، ويتضمن فردة مصادرة عينية محددة بالأسماء والكميات المطلوبة. ومن جانب آخر، جاءت الوثيقة مصحوبة بختم الشمع الأحمر. ومن النادر أن نجد بين مجموعة الوثائق العربية في أرشيف الحملة وثيقة مشابهة. إن الختم المصنوع بصرامة، ولغته ورمزيته26 تبدوان كامنتين فيما احتواه من علامة وشعار القيادة الفرنسية، كان كلّه من أجل التأكيد على صحة توقيع حاكم رشيد (الجنرال فلانتين)، وأن منشور الفردة صادر من مكتبه رأسًا، ولا سبيل إلى التشكيك فيه أو التسويف والمماطلة؛ فقد
حرص على وضع ختم الشمع أسفل توقيعه مباشرة، وليس على غلاف الأمر العسكري. بوصفها وثيقة مفردة، جاءت قائمة "الزيت والأرز" في صورة مستند من ثلاث أوراق. الأول منها عبارة عن إحالة تحليلية موجزة (باللغة الفرنسية) لمضمون الوثيقة، حررتها اللجنة التي أنشئت في عام 1850. تليها ورقة مستقلة (35 سم× 22) تحمل على كلا الجانبين الترجمة الفرنسية للوثيقة، وقد حملت هذه الورقة علامة (Berger. J)، كعلامة مائية توضح مصدر صناعة الورق الذي كان متوافرًا بفرنسا في الفترة الإمبراطورية. في حين جاءت أبعاد الورقة الثالثة والأخيرة (23 سم× 8. 15)، وهي الأهم؛ إذ تمثل الوثيقة
العربية الأصلية، التي صدرت عن مكتب حاكم رشيد الجنرال فلانتين، مصحوبة بتوقيعه بالفرنسية والعربية. ومن اللافت للانتباه سرعة إعداد القائمة بأسماء التجار؛ فلم يكن في حاجة إلى تفويض الأعوان المحليين في عمل القائمة وتوزيعها على الأهالي كما كان يحدث في بدايات الاحتلال، مما يُظهر أن تجربة العام الأول من حكم الفرنسيين كانت قد طورت
23 Correspondance de Napoléon l er , publiée par ordre de l'empereur Napoléon III, 4 vols., tome 4)Paris: Imprimerie Imperial, 1860), Corres. no. 2964 (3 Août 1798), "À L'administration centrale de Corcyre," pp. 314 - 315. 24 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 4 26 Juillet, "Ordre de Bonaparte à Menou pour la réquisition de chevaux à Rosette et dans les villages alentour"; Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 4 (31 Juillet 1798), "Ordre de Menou aux commandants turcs de la ville pour la réquisition de fourrage, paille, pain, viande et linge pour l'hôpital." 25 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 9 (5 Octobre 1798), "Les cheikhs de la ville de Fuwwa, sur le Nil à une vingtaine de kms au sud de Rosette, demandent au général Menou, commandant de province de Rosette, de leur conserver les barques que l'armée française compte réquisitionner"; Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 7 (1 er Septembre 1798), "Le cheikh du village de Muṭūbis demande au général Menou que la dernière barque dont dispose le village ne soit pas réquisitionnée par l'armée française."
26 شهدت الآونة الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بالأختام ودلالتها ودراستها على نحو نقدي وذلك بوصفها مصدرًا تاريخيًّا يمكن أن يمد المؤرخ بمفاتيح لفهم كثير من القضايا
التاريخية، وقد تحول علم دراسة الأختام ورسم الإشارات Sigillography إلى مجال لا يجذب انتباه المؤرخين فحسب، بل يجذب انتباه مؤرخي الفن على نحو خاص
أيضًا، ولعل دراسة دانيال كيلر هي أحدث الدراسات المهمة حول الأهمية التاريخية للأختام، ينظر:
Daniel Keller, " Sceau, empreinte d'Histoire... Sigillographes et sigillographe , en Alsace " (Strasbourg: Fédération des Sociétés d'Histoire et d'Archéologie d'Alsace, 2017).
معرفتهم بأهم تجار المدينة27. والسؤال هو: ما الذي يمكن أن يستنتجه المرء من دلالة الربط بين الأرقام والأسماء الواردة في القائمة؟ ثمّ هل بوسع الرقم، بوصفه مؤشرًا، أن يُلقي ضوءًا على الحقيقة الاجتماعية للأفراد المجهولين بالنسبة إلينا؟ توضح الوثيقة أن قيمة المطلوب من الأرز بلغت 346 إردبًا من الأرز (وهي كمية تعادل نحو 800 قنطار)، موزعة على 26 تاجرًا،
وتراوح حصة كل تاجر بين 5 و 30 إردبًا (أي من 5. 11 قنطارًا إلى 69 قنطارًا). ولا نعرف ما إذا كان التوزيع قد جرى على أساس البيانات
الضريبية، أو على أساس ثروة التجار، أو على أساس الكميات الفعلية التي كانت لا تزال متوافرة في حواصل وخانات التجار عند نهاية فصل الصيف. ويجب الاعتراف بأننا لا نزال نفتقر إلى دراسات متعمقة حول بنية الحرف اليدوية والأنشطة التجارية في رشيد خلال تلك الفترة، وأننا لا نعرف الكثير عن حركة العائلات التجارية بين مدينتي الإسكندرية ورشيد اللتين كانتا مرتبطتين بنشاط تجاري خاص، وبحضور مكثف في عالم التجارة المتوسطية. ومع ذلك، لدينا بعض المؤشرات: فكل من إبراهيم الجمّال وحسين جلال، المذكورين في الوثيقة، من تجار الأرز، وقد
وجدنا اسمهما في وثيقة الفردة الأولى التي عُمِّمَت على تجار رشيد (في آب/ أغسطس 1798)، وهذه الوثيقة توضح أن السيد
إبراهيم الجمّال أُلزِم بدفع 2000 بوطاقة28، في حين طولب حسين جلال بدفع 1500 بوطاقة29. وفي وثيقة الزيت والأرز هذه
نجد الترتيب نفسه، فالجمّال جاء اسمه كذلك في مقدمة المكلفين بدفع فردة الأرز العينية؛ إذ أ لزم بمفرده بدفع 30 إردبًا، يليه
جلال الذي أُلزم بدفع 20 إردبًا. ومن الواضح أن الجمّال كان أحد كبار تجار الأرز المهمين برشيد، وربما أهم أعيانها. لعل ذلك
ما جعل الجنرال مينو، في أيلول/ سبتمبر 1798، وهو بصدد تشكيل ديوان رشيد، يُدرج اسم إبراهيم الجمّال في قائمة أعضاء
الديوان. والأكثر من ذلك أنّ اسمه سنجده ضمن الشهود المشار إليهم في كتابة عقد زواج الجنرال مينو من الست زبيدة، بوصفه "السيد إبراهيم الجمّال الرزاز"30. في حين نجد إشارات أخرى للتاجر حسين جلال، ظهر فيها أمام رئيس ديوان رشيد، يُبدي رأيه بشأن مستحقات تاجر من رشيد
كان قد قدّم للفرنسيين ثيرانًا نفقت أثناء القتال ضد العثمانيين في أبو قير في تموز/ يوليو 1799، وتوضح الوثيقة أن جلال هو الذي
جرى الاستعانة به في تحديد قيمة الثيران. ومن الملاحظ أن هذه الوثيقة كانت موقعة، إضافةً إلى حسين جلال، من تاجرين آخرين وجدنا اسميهما في وثيقة الدراسة؛ فالأول هو عبد الجواد الغزولي، والثاني هو محمد الجارم31. ووفقًا لوثيقة أخرى، كان محمد الجارم، في خريف عام 1798، مستأجرًا لسوق الحبوب برشيد32. مثل هذه المعلومات الجزئية التي ترصدها وثائق فانسين عن تجار
رشيد، تؤكد فرضية أن التجار الذين أُدرجوا في القائمة كانوا فعلً من أبرز تجار الأرز بالمدينة.
27 حين أنشأ بونابرت ضريبة على الأملاك العقارية، على سبيل المثال، اضطر – وفقًا لرواية الجبرتي - إلى الاستعانة بالمهندسين والأعوان المحليين "لتمييز الأعلى من
الأدنى، وشرعوا في الضبط والإحصاء، وطافوا ببعض الجهات لتحرير القوائم، وضبط أسماء أربابها"؛ ويبدو أن مدينة القاهرة عانت أكثر من غيرها. ففي موضع آخر، أشار
الجبرتي إلى أن الكتبة والأعوان "وزعوا (فردة الأربعة ملايين) برأيهم ومقتضى أغراضهم". ينظر: الجبرتي، ج 3، ص 41، 223. 28 كان القرش "أبو طاقة" أو "بوطاقة" عملة متداولة في مصر، وكان يعادل 150 بارة عند دخول الفرنسيين مصر، ينظر: الكونت استيف، "النظام المالي والإداري في
مصر العثمانية"، في: وصف مصر، ترجمة زهير الشايب، مج 5 (القاهرة: دار الشايب للنشر، 1979)، ص 94.
29 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 6 (26 Août 1798), "Lettre de Martin, agent des finances de la province de Rosette au général Menou." 30 Ali Bahgat, "Acte de mariage du général Abdallah Menou avec la dame Zobaidah," Bulletin de l'Institut Égyptien , no. 9 (1898), pp. 221 - 235 , esp. p. 224. 31 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 30 (8 Septembre 1799), "Lettre signée par ces trois négociants, adressé à Varsi, président du Divan de Rosette." 32 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 8 (19 Septembre 1798), "Lettre de Martin, agent français au général Menou."
ومن بين الأسماء المهمة التي تلفت انتباهنا، اسم التاجر حسن المسيري؛ فقد كان أحد أفراد عائلة شهيرة ومعروفة في مجالَي التجارة والعلم، وقد تأسس نشاطها بين مدينتي الإسكندرية ورشيد. كان شقيقه الشيخ محمد المسيري، فقيهًا مالكيًّا في
الإسكندرية، يحظى باحترام كبير من سكان المدينة. وتجاوز نفوذه المستوى المحلي؛ إذ وصلت شهرته إلى القاهرة، وحظي باحترام كبير لدي العثمانيين والمماليك. وقد ذكره الجبرتي في إحدى يومياته بأنه كان "أجلّ شيوخ الثغر السكندري"33، وخلال الحملة تنافس على خطب وده الفرنسيون والإنكليز34، ولم يكن اختياره عضوًا بديوان الإسكندرية مصادفة، بل كان ذلك لمكانته
الكبيرة في نفوس أهالي المدينة؛ لذلك أظهر له بونابرت تقديرًا خاصًّا35. ولعل ذلك يفسر سبب إعفاء الشيخ محمد المسيري
(ومعه، من دون شك، وجهاء المشايخ بالثغر السكندري) من دفع مقررات الفردة، في حين عُمِّمت على أخيه باعتباره أحد أبرز تجار
الأرز برشيد. هذا التباين في الموقف بين رجال التجارة ورجال الدين (حتى إن كانوا ينتسبون إلى عائلة واحدة)، إنما يبين الطابع البراغماتي للجانب الفرنسي في مراعاة العلماء والأئمة ذوي الهيبة والنفوذ. لقد ارتأى بونابرت ضرورة الاستفادة من الأفكار الدينية ومن مكانة المشايخ والعلماء وتأثيرهم؛ لذلك سعى لكسب دعمهم لسياسته36. ولعل تعليماته التي كتبها إلى الجنرال مينو، عند توجهه لتسلم قيادة إقليم رشيد والإسكندرية والبحيرة، تكشف عن موقفه بوضوح من طبقة رجال الدين؛ فمما جاء فيها ما يلي: "من الضروري رعاية مشايخ رشيد والأئمة؛ فهم يحوزون على رضا الرأي العام" ووصفهم في رسالته ب "الرجال المؤثرين في قيادة العامة"37. توفر الوثيقة، إذًا، تفاصيل مهمة عن تجار الأرز والمعصراتية، يصعب الحصول عليها في غيرها من المصادر المعاصرة، سواء كتابات المراقبين (مثل الجبرتي ونيقولا الترك) التي ركزت على القاهرة على نحو أساسي، أو مذكرات جنرالات الحملة التي دارت في الأغلب حول الجيش والتطورات السياسية. ربما كان المصدر الوثائقي الوحيد الذي وصل إلينا، مشتملً على تفاصيل دقيقة ومهمة عن المساهمين في الفردة، هو ما وجدناه في سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية. بيد أن المفارقة الأساسية تكمن في أن وثائق محكمة الإسكندرية الشرعية جرى تسجيلها بأمر الأهالي أنفسهم، وبإرادتهم الجماعية التي دفعت بهم إلى التوافق على التوجه المباشر إلى قاضي الثغر السكندري، في صورة أقرب للاحتجاج العام ضد الفردة وما صاحبها من عنف وتهديد أحيانًا. أمّا وثيقة الزيت والأرز، فجاءت نتاجًا لما توافر تحت تصرف إدارة جنرالات رشيد من معرفة مهمة جمعتها فيما يبدو من مصادر
مختلفة: أحدها كان عن طريق التجار الفرنسيين الذين استقروا منذ فترة طويلة في المدينة، ولا سيما من عمل منهم في مجال تصدير الأرز إلى فرنسا، مثل عائلة "الخواجة جوزيف فارسي" (وهي عائلة من تجار مارسيليا) كانت مقيمة في رشيد منذ منتصف القرن الثامن عشر. وكانت تحتفظ بعلاقات قوية مع تجار رشيد وأهاليها على مدار أكثر من ثلاثة عقود38. ويتعين أن نأخذ في الحسبان أنه كان قد أصبح لدى السلطات الفرنسية، في آب/ أغسطس 1799، خبرة مهمة حول القطاعين التجاري والحرفي بالمدينة، اكتسبتها من واقع
33 الجبرتي، ج 3، ص 433 (20 شوال 1218 / 2 [شباط/] فبراير 1804.)
34 Bonaparte, Correspondance générale, tome 2 , Corres. no. 2981 (28 Août 1798). 35 Ibid., Corres. no. 2979 , "Lettre de Bonaparte au cheikh El-Messiri, membre du Divan d'Alexandrie," p. 345. 36 Henry Laurens, L'Expédition d'Égypte 1798 - 18 01 (Paris: Armand Colin, 1989), pp. 91 - 94 ; Napoléon Bonaparte, Campagnes d'Egypte et de Syrie , présentation par Henry Laurens (Paris: Imprimerie Nationale, 1989), pp. 13 - 19. 37 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 2602 , "Lettre de Bonaparte à Menou du 19 messidor an VI/ 7 Juillet 1798."
38 تجدر الإشارة إلى أن الجنرال مينو اتخذ من بيت جوزيف فارسي سكنًا له، واعتمد كثيرًا على هذه العائلة، في إحكام السيطرة على المدينة، وإلى أن مينو عيّن أخاه
(جان فارسي) على رأس ديوان رشيد. ينظر:
Vivant Denon, Voyage dans la basse et la haute Egypte , tome 1 , [Au Caire: IFAO, 1989], "Commentaire de la planche XVI," Dessin no. 2 , "Vue d'une portion du port de Rosette," p. 231.
تجربة إدارة المدينة ومقاطعتها خلال العام الأول، على أنه من المؤكَّد أن إدارة رشيد اعتمدت كثيرًا على الموظفين المحليين؛ إذ كان
الجنرالات والوكلاء الفرنسيون لا يزالون في حاجة ملحّة إلى البيانات الأساسية عن التجار والحرفيين وأساليب العمل على حد سواء.
ويلاحظ أن بعض أفراد من القوات المحلية العثمانية قدّمت نفسها إلى الفرنسيين عبر إفشاء المعلومات، والعمل مع الجيش. فعلى
سبيل المثال، كتب بونابرت إلى مدير المالية السيد بوسيلج يخبره أنّ المدعو "عمر الإنكشاري تابع علي باشا"، وشى له بوجود حواصل مخزّن بها كميات كبيرة من القطن والصوف ويؤذن له بمصادرتها في الحال39. قد يتساءل المرء: ما الذي دفع بالكتائب العثمانية إلى التقرب من الفرنسيين والعمل معهم بهذه السرعة؟ وفي الحقيقة، يبدو لنا أن وصف الجبرتي لهؤلاء العسكر ب "الأجناد من الغز البطالة"40 هو وصف مراقب مدقق؛ فقد كان على هذه المجموعات أن تبحث سريعًا عن طريقة تسترد بها موقعها في العمل مع من يصل إلى السلطة، ومن يرعى جانبها ويكفل معاشها، ويبدو أن بونابرت قد فهم
طبيعتها (بوصفها مرتزقة) من هذا المنظور نفسه. ومع صعوبة الإمدادات العسكرية من فرنسا، نتيجةً للحصار البحري الإنكليزي، كان الاعتماد على تجنيد عناصر محلية جاهزة، مثل هؤلاء الأتراك، أمرًا له أهميته بالنسبة إلى الجيش. كتب بونابرت إلى بوسيلج ما يلي:
"عليك بتشغيل نوع من الشرطة المكونة من الأتراك، فسينفذون أوامرك أفضل من الفرنسيين، فهم يعرفون الأماكن جيدًا، وسوف
يحملون برقياتك إلى الأماكن الموجهة لها بدقة أكثر"41. وفعلً، جرى بأمر بونابرت تشكيل كتيبة ستينية برشيد42، وفي سائر المدن التجارية الأخرى، بل ذهب بونابرت إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تفكيره في تكريس مهمة القوات المحلية، ووضع لائحة تنظيمية لهم43. وفي الحقيقة، لم تثبت الكتائب التركية كفاءتها بوصفها جهازًا معاونًا فحسب، بل أيضًا بوصفها مصدرًا استخباراتيًّا؛
لقد أشار إليهم الجبرتي في يومياته بأنهم كانوا عينًا للنظام "يتتبعون المياسير [من الناس]" وأنهم "كانوا أقبح في الظلم من الفرنسيس
بل ومن العرب!"44.
رابعًا: إنهاك الأهالي: الدفع أو العقاب
قبل أن يحل صيف عام 1799، كان قد مر عام كامل على تجار رشيد وحرفيِّيها، ما بين استكشاف المحتل واختبار مدى الثقة
بوعوده، لكن الأمر طوال الوقت كان مصحوبًا بلغة التهديد والعقاب وأخذ الرهائن. فمثلً، داهمت الكتائب الفرنسية قريتَي إدفينا
ومطوبس الواقعتين بالقرب من رشيد، واضطرت القريتان إلى تسليم ما لديهما من الأرز والجاموس والأغنام والخيول؛ من أجل الإفراج عن عدد من شيوخهما وأبنائهما الذين احتجزوا بوصفهم رهائن45. وكان مصير القرى التي حاولت مقاومة الاحتلال أو رفضت تسليم ما لديها أسوأ كثيرًا. ففي آب/ أغسطس 1798، أمر بونابرت رئيس أركانه الجنرال برتييه Berthier بحرق قرية علقم في محافظة البحيرة، ثمّ
39 Correspondance de Napoléon 1 er , tome 4 , Corres. no. 3107 (25 Août 1798), "au Citoyen Poussielgue," p. 397.
40 الجبرتي، ج 3، ص 186 (يومية 15 ذو القعدة 1214 - 10 نيسان/ أبريل 1800.)
41 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 3010 (29 Août 1798). 42 Ibid., Corres. no. 2663 (27 Juillet 1798).
كان قوام هذه القوة 60 رجلً، جرى تشكيلها بوصفها قوة شرطة للمدينة إلى جانب الديوان، وذلك بأمر من بونابرت.
43 Ibid., Corres. no. 2949 , 2981 (27 - 28 Août 1798);
وقد فكر بونابرت في أن يُحمَّل الأهالي تكلفة دفع مرتبات الشرطة العثمانلية عبر ضريبة نوعية مخصصة لذلك. ينظر:
Ibid., Corres. no. 3008 (29 Août 1798).
44 الجبرتي، ج 3، ص 184. (أواخر ذي الحجة 1214 / مايو 1800.)
45 B 6 4 (29 Juillet 1798); Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives, B 6 7 (3 Septembre 1798), "Lettres de Martin, agent des finances de la province de Rosette au général Menou."
جرى توزيع نسخ عربية من مرسومه في إقليم رشيد والقرى المجاورة46. وفي حزيران/ يونيو 1799، أمر بحرق قريتَي "طانوب والزيرة" في
إقليم المنوفية47. وفي كل مرة، كانت أخبار العقاب وما يصاحبه من عمليات قاسية، تنتشر كلّها سريعًا بين القرى المجاورة. كانت مثل تلك الأخبار تثير الخوف في أهالي رشيد، وفي كل مكان، وتبدو أول الاحتكاكات بتجار رشيد وحرفيِّيها، حين وصل
أمرٌ من بونابرت، عشية احتلاله للقاهرة، في 24 تموز/ يوليو 1798، بشراء 1400 قنطار من الأرز و 100 قنطار من التبغ من رشيد، من
دون تحديد الطريقة التي سوف يسدد بها ما يطلبه48. وبعد يومين، طالب حاكم رشيد الجنرال مينو بالاستيلاء على كل خيول المدينة والقرى المجاورة49. وفي 18 آب/ أغسطس، كتب إلى الجنرال مينو يطالبه ب "أن يرسل من رشيد إلى الإسكندرية أكبر كمية ممكنة من الأرز"50. وأوصى حاكم الإسكندرية أيضًا بأن يحتفظ بكميات مما يصل إليه من أرز رشيد مدةً تكفي ستة أشهر51. ولأهمية الأرز بالنسبة إلى الجيش، حذر بونابرت جنرالاته من السماح للتجار بتصديره52. خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الاحتلال، شكّلت مصادرة ممتلكات المماليك أثناء الهروب أو المقاومة مصدرًا مهمًا لتزويد
الجيش. ففي 4 آب/ أغسطس، اكتُشفت كمية كبيرة من السكر والخشب والقمح كانت تخص مراد بك وتمت مصادرتها في الحال53.
وبعد ثلاثة أيام، في أعقاب معركة ضد الفرنسيين، جرى الاستيلاء على 1934 إردبًا من القمح، كانت تخص بكوات المماليك54. وحين بدا
لبونابرت بعض الشكوك في وجود اتصالات بين البكوات المماليك وتجار كل من رشيد والإسكندرية على وجه الخصوص؛ ألزمهم بضرورة الحصول على "تذكرة سفر" من سردار مدينة رشيد55، ثمّ إنه لم يتردد في التحقيق معهم؛ ومن هنا نفهم سبب وصفه إيّاهم في إحدى
مراسلاته ب "تجار المماليك"56. وهو وصفٌ يعطى له مشروعية تعقّبهم وإخضاعهم للرقابة والمصادرة إن اقتضى الأمر ذلك. صحيح أنّ بونابرت كان يتطلع، منذ بداية الاحتلال، إلى تحرير التجارة وتوسيع مجال حركة التجار57 من أجل تقليل الآثار السلبية الوخيمة للحصار البحري البريطاني على اقتصاد المستعمرة الناشئة، بيد أن الظروف المالية الصعبة، والاحتياجات العاجلة لنفقات الجيش، جعلته مضطرًّا إلى الضغط على التجار وملاحقتهم بالسلف الإجبارية الواحدة تلو الأخرى؛ فضلً عن مراقبة تحركاتهم أيضًا. ومثلما اتجه بونابرت سريعًا، خلال الأسابيع الأولى من احتلال البلاد، إلى فرض السلف الإجبارية على مجتمعات التجار
في كل من القاهرة ودمياط والإسكندرية58، خصَّ رشيد بقرار مماثل يتناسب مع الوضع النسبي للعائلات التجارية بالمدينة. ففي
46 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 2627 , ordre du 8 fructidor, an VI/ 25 Août 1798 , "Au général Berthier, chef de l'état-major," p. 325 47 Ibid., Corres. no. 4478 , ordre du 10 messidor an VII/ 28 Juin 1799 au général Destaing, p. 971. 48 Correspondance de Napoléon 1 er , tome 4 , no. 2830 , ordre du 24 Juillet 1798 , p. 247 49 Ibid., Corres. no. 2847 , ordre du 26 Juillet 1798 au général Menou, pp. 260 - 261.
ويلاحظ أن أمر مصادرة الخيول عُمِم كذلك على أهالي مدينة الإسكندرية.
50 Napoléon Bonaparte, Correspondance générale , tome 1 , Corres. no. 2859 , ordre du 18 Août 1798 , au général Menou. 51 Ibid., Corres. no. 2887 , Le 21 Août 1798 , au général Kléber. 52 Ibid., Corres. no. 2879 , ordre du 20 Août 1798 , au général Vial. 53 B 6 5 4 Août 1798: Lettre de Fourrier, président de la commission des trois chargées de la gestion des revenus, au général Menou. 54 B 6 5 (7 Août 1798), "Lettre de Martin, agent des finances de la province de Rosette au général Menou." 55 Ibid., B 6 4 (16 Juillet 1798). 56 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 3387 (6 Octobre 1798). 57 Ibid., Corres. no. 2964 (27 Août 1798). 58 Correspondance de Napoléon 1 er , tome 4 , pp. 277 - 278 , no. 2881 , au citoyen Sucy; no. 2883 , ordre du 30 Juillet 1798.
30 تموز/ يوليو 1798، أمر بونابرت بأن يفرض على تجار رشيد، بمن فيهم تجار "بلدة فوة" المجاورة الصغيرة، مساهمة إجبارية، قدرها 100 ألف بوطاقة59. لم يرضخ تجار رشيد بسهولة للأمر إلا تحت الإكراه والتهديد، وبالرغم من ذلك طالت المدة نسبيًا؛ إذ كان من المقرر تنفيذ الأمر
في غضون 48 ساعة، إلا أن تراوح موقف التجار بين الرفض والمماطلة وهروب بعضهم من المدينة، شكّل صعوبة في التحصيل المباشر لكامل لسلفة الإجبارية في الوقت الذي حدده بونابرت. وبعد ثلاثة أسابيع، وتحديدًا في 24 آب/ أغسطس، اشتكى الوكيل الفرنسي (المسؤول عن الإدارة المالية) في رشيد من أنه تلقى الأرز بدلً من المال من بعض التجار. واقترح على الجنرال مينو حاكم الإقليم إلقاء القبض على هؤلاء التجار60. والواقع أننا لا نعرف إنْ كان مينو قد أخذ باقتراح الوكيل المالي، لكننا نجده، بعد يومين، أصدر أمرًا بفرض غرامة قدرها 100 بوطاقة على كل متأخر عن السداد61. وبسبب إصرار القيادة العامة للجيش، وتضييق الخناق على
التجار وملاحقة الفارّين منهم إلى خارج المدينة، لم يكد ينتهي آب/ أغسطس 1798 حتى جرى استيفاء السلفة الإجبارية كاملة. ففي
1 أيلول/ سبتمبر، أخبر قائد الحامية العسكرية برشيد، ريموندو Raymondon، أنه تمكن من جمع ال 100 ألف المفروضة على التجار، بل إنه تخطى المبلغ المحدد ب 642 بوطاقة62. لدينا القليل جدًّا من المعلومات عن أسماء تجار رشيد من الذين ساهموا في فردة ال 100 ألف الأولى، وذلك مقارنة بما نعرفه مثلً عن تجار الإسكندرية. فبفضل قائمة كاملة مسجلة بمحكمة الإسكندرية الشرعية63، رصدت أسماء التجار والحرفيين ممن أجبروا على المساهمة في مبالغ الفردة. وبالنظر إلى حالة الارتباط والتداخل بين رشيد والإسكندرية، على مستوى حركة التجار وعائلاتهم، عرفنا، على الأقل، اثنين من تجار الأرز المذكورين في وثيقة الزيت والأرز كانا من بين أولئك الذين جرى استدعاؤهم، خلال صيف 1798، هما "إبراهيم الجمال" و"حسين جلال"؛ فقد ساهما في فردة الإسكندرية 2000 و 1500 بوطاقة على التوالي64. ومن الواضح أن معاناة تجار الأرز برشيد لم تتوقف عند مطالب السلفة الإجبارية؛ فقد كان يحدث أن يتوجه الوكلاء الفرنسيون، خلال موسم الفيضان، إلى جمع المراكب النيلية الراسية عند ميناء فوة65 في وقت كان تجار رشيد يحتاجون إلى القوارب أشد الاحتياج لنقل حصاد الأرز، عبر خليج الإسكندرية المتفرع من النيل عند الرحمانية، وهو الطريق الوحيد المتاح لهم بديلً من طريق بوغاز رشيد - الإسكندرية المستهدف من مدفعية البحرية الإنكليزية ودورياتها. وقد ناشدوا القيادة الفرنسية عبر خطاب إلى الجنرال مينو (حاكم رشيد)، التمسوا فيه ترك المراكب لهم مدة تراوح بين 30 و 40 يومًا حتى يمكنهم نقل حصاد الأرز66، وهو أمرٌ يبين تعدد
الضغوط وثقل وطأتها على تجار الأرز خلال فترة الاحتلال الفرنسي.
59 Ibid., no. 2887 , ordre du 30 Juillet 1798 , p. 279. 60 B 6 6 (24 Août 1798), "Lettre de Martin, agent des finances de la province de Rosette au général Menou." 61 Ibid., B 6 6 (26 Août 1798), "Lettre de Menou à Martin, agent des finances de la province de Rosette." 62 Ibid., B 6 7 (1 er Septembre 1798), Procès-verbal de versement.
63 جرى نشر هذه القائمة وتحليلها. ينظر: ناصر أحمد إبراهيم، "فردة الفرنسيس، قراءة تحليلية لقوائم الفردة بمدينة الإسكندرية (1798 – 1801)"، الروزنامة الحولية
المصرية للوثائق، مج 3، العدد 3 (2005)، ص 371 – 470.
64 B 6 6 (26 Août 1798), "Lettre de Martin, agent des finances de la province de Rosette au général Menou." 65 Ibid., B 6 7 (7 Septembre 1798), "Lettre de Menou à Bonaparte."
وتبيّن الرسالة أن الأميرال البحري "بريه" Perrée جمع المراكب عند رشيد لكي ينقل الغلال والذخيرة من رشيد إلى القاهرة، في وقت حصاد الأرز، مما أثار شكوى
تجار الأرز.
66 B 6 9 (Le 5 Octobre 1798).
تجدر الإشارة إلى أن تلك الممارسات المشينة لم تقتصر على التجار المحليين وحدهم؛ فقد تعرّض التجار الأجانب لممارسات مشابهة؛
إذ طلب من التجار الدمشقيين في القاهرة المساهمة ب 60 ألف بوطاقة، وطلب 200 ألف من تجار البن، وهددهم كذلك باستخدام القوة أو مصادرة ممتلكاتهم في حال رفض الدفع67. وفي 17 آب/ أغسطس 1799، طلب بونابرت من الجنرال مارمونت، قائد الإسكندرية آنذاك، استدعاء التجار التوسكانيين والإمبراطوريين (النمساويين) الموجودين في الإسكندرية ورشيد لمطالبتهم بتزويد الجيش ب " 24000 قطعة من القماش، وبقيمة منخفضة لذراع القماش، مما عرضهم للخسارة والابتزاز، ووعدهم كذلك بسداد المبالغ من متحصلات الأرز أو القمح، وأنذرهم في حال الرفض، أن تتم مصادرة جميع ممتلكاتهم؛ بذريعة أن بلادهم في حالة حرب مع الجمهورية الفرنسية!68 في الحقيقة، لم تكن ممارسة الفردة وتحصيلها تحت العنف والتهديد بالمصادرة مقتصرة على فترة بونابرت وحدها، وإنما استمر الأمر بوصفه ظاهرة متكررة طوال فترة الاحتلال في كل المدن التجارية. ففي القاهرة، يكتب الجبرتي بمرارة، خلال فردة آب/ أغسطس 1800، عن مبلغ اللجوء قائلً: "اشتد أمر المطالبة بالمال.. وأغلقوا جميع الوكائل والخانات على حين غفلة في يوم واحد، وختموا على جميعها، ثم كانوا يفتحونها وينهبون ما فيها.. من خان إلى خان.. ونقلوا البضائع على الجمال والحمير والبغال، وأصحابها تنظر وقلوبهم تتقطع حسرة على مالهم، وإذا فتحوا مخزنًا دخله أمناؤهم ووكلاؤهم فيأخذون ما يجدونه من الودائع الخفيفة أو الدراهم
وصاحب المحل لا يقدر على التكلم، بل ربما هرب أو كان غائبًا"69. وفي الإسكندرية اضطر الأهالي إلى اللجوء إلى المحكمة
الشرعية لتسجيل مخاوفهم من التهديدات ومصادرات الفردة، فمما جاء في روايتهم المسجلة بدفتر المحكمة: "قال الجمهور ان كل من توارى وتوقف في الدفع يهجم بيته وتوخذ امتعته وحريمه فبسبب ذلك خاف الناس واتفقوا على ان كل من حصل منه ذلك يرسل له قاصد الشرع الشريف فان امتنع يرسل الحاكم اتباعه مع القاصد الى المحل الذى هو فيه ويأخذونه فان لم يجدوه ووجدوا اشيا في حاصله او فى داره وفى غيرهما اخذوه وجاءوا به الى الحاكم واهل المجلس فيبيعونه ويأخذون القدر المطلوب منه"70.
خامسًا: وعود مستحيلة ومقترحات غير مقبولة
لطالما وعد الفرنسيون الناس، منذ الشهور الأولى حتى نهاية الاحتلال، بالعمل على ازدهار البلاد وتحقيق السعادة لهم، وخاصة التجار الذين كان من المتوقع أن تنمو أنشطتهم بسرعة، وأن يوفروا لهم عوامل التأمين والحماية. وقد تعهدوا أيضًا بتعويض الأفراد عن
الطلبات العديدة غير الشرعية، والقروض القسرية، والضرائب الاستثنائية التي كانت سائدة في زمن طغاة المماليك وظلمهم... إلخ71، لكن على مستوى التجربة لم يتمّ الوفاء بأي من هذه الوعود تقريبًا، بل يصح القول إنّ كثيرًا من ذلك قد استمر، علاوة على ارتفاع تكلفة
الاحتلال الفرنسي نفسه؛ ومن ثم ظلت تباشير نشر السعادة والحرية "بنية خطابية" فحسب، لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. وفي الحقيقة، تطلع الفرنسيون، بعد وصولهم بوقت قصير، إلى تحرير التجارة وتوسيع مجال حركة التجار72. ففي 18 آب/ أغسطس 1798، توجه مينو من تلقاء نفسه "إلى شيوخ ورؤساء مدن وقرى مقاطعة رشيد" لإعلامهم بأن "الفرنسيين سيحمون
67 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 2686 , "Lettre de Bonaparte à Junot, préposé du payeur au quartier général du 12 thermidor an VI/ 30 Juillet 1798 ," p. 220 68 Ibid., p. 1076 , no. 4741 , "Lettre de Bonapart-e au général Marmont du 30 thermidor an VII/ 17 Août 1799."
69 الجبرتي، ج 3، ص 222. 70 دار الوثائق القومية، محكمة الإسكندرية الشرعية، سجل رقم 110، صفحة رقم 73، وثيقة رقم 136 (بتاريخ 16 ربيع أول سنة 1215 ه/ 6 أغسطس 1800.)
71 François Rousseau (ed.), Kléber et Menou en Égypte, Depuis le Départ de Bonaparte (Août 1799 - Septembre 1801) , Documents publiés pour la Société d'Histoire Contemporaine (Paris: Alphonse Picard et fils, 1900), pp. 367 - 373 ;
كورييه دي ليجيبت، بتاريخ 17 نيفوز سنة 7 من التقويم الفرنسي، ص 87 - 92.
72 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , no. 2964 , "Lettre de Bonaparte à Poussièlgue du 26 fructidor an VI/ 12 Septembre 1798 ," p. 418.
التجارة والزراعة والصناعة، وسيتمتع الجميع بما يحوزونه من ممتلكات وسيكون كل فرد قادرًا على زيادة ممتلكاته دون خوف من
التعرض للمصادرات أو لأي إزعاج، وستكون هناك حوافز للتجارة وزراعة أفضل للأرض"73. وفي رسالة غير مؤرخة، موجهة إلى تجار رشيد باللغة العربية، وردَ ما يأتي: "ان ببر مصر جملة متاجر فاخرة مثل أرز وقطن ونيلة وسكر فيحتاج في علاجها (أي تنظيمها)،
الزمن الماضي في أيام ظلم الغز لم كانوا معتنين بحفظ المتاجر فهولا قللات العقول لم كانوا يعلموا ان غنا الرعايه زيادات نفع للحكام وما كانوا يفعلوه من نهب أموال الخلق فيه الخراب للدول واما الفرنساوية اصطلاحهم غير ذلك يجتهد وغايت اجتهادهم في احيا المتاجر"74. أما بالنسبة إلى بونابرت، فقد قرر في 21 آب/ أغسطس 1798 الإذن ب "استعادة التجارة بين الإسكندرية ودمياط ورشيد وبقية الولايات التركية"75. وفي 6 أيلول/ سبتمبر، منح التجار حرية تجارة الأرز في الإسكندرية ورشيدة ودمياط، على أن يكون في مخازن الجيش "الكمية اللازمة لإطعام الحامية لمدة شهرين"؛ أي 500 قنطار في رشيد و 15 ألف قنطار في الإسكندرية76. وإذا كان بونابرت قد عمل على تنشيط المجال التجاري والتقرب إلى التجار، وحتى تملقهم أحيانًا، فقد كان ذلك من أجل
ترغيبهم في مساعدة الجيش بالأموال والخيول والإمدادات الضرورية التي لا غنى عنها للحملة77. لكن احتياجات الخزانة المستمرة إلى الأموال سوف تبعده عن الاحتفاظ بعلاقة وطيدة ومستقرة مع التجار. وقد صرح هو بذلك في فترة مبكرة للجنرال كليبر: "مهما كانت الأضرار التي يمكن أن تنتج من (السلف)، فليس لدينا في هذا الوقت من وسيلة أخرى للبقاء"78. علاوة على ذلك، تأثر التجار بتضييق الخناق عليهم من جراء مراقبة تحركاتهم، ومن جراء الحصار البحري الذي مثّل عائقًا أمام استئناف حركة التجارة
عبر المتوسط79. وقد اعتبر الجبرتي ذلك، بوصفه مراقبًا، من "الحوادث العظام "80 التي تصدرت ذاكرته عند انقضاء العام الأول
على الاحتلال: إن "انقطاع الأسباب والأسفار" مثَّل مشكلة ضاغطة وخانقة للتجار؛ فلا تجارتهم وجدت طريقها مفتوحًا للخارج عبر
المتوسط، ولا هم وجدوا غطاء حماية من المصادرات باسم الفردة والسلف الإجبارية التي استنزفت مدخراتهم في الداخل. وفي الحقيقة بدا لتجار رشيد من الأسباب ما حملهم تدريجيًّا على عدم الثقة بالوعود التي قطعتها القيادة الفرنسية على نفسها:
كان الجنرال مينو قد أخبرهم، في آب/ أغسطس 1798، بأن القرض القسري (100 ألف بوطاقة) سيجري احتسابه سلفةً على الضرائب التي سيتم دفعها81. لكنهم اكتشفوا لاحقًا أن هذا لم يكن هو الحال. والواقع أن ثلثي القرض استخدم على الفور لتسوية المتأخرات في المرتبات العسكرية من أجل تهدئة استيائهم، في حين استخدم الثلث الأخير لتغطية النفقات العامة للإدارة العسكرية82. وهذا يعني أن المبالغ التي جرى جمعها من تجار رشيد تمّ استيعابها على الفور عن طريق المدفوعات المتأخرة، في حين كانت خزانة
الجيش تعاني باستمرار نقصًا في المال، وتبحث عن موارد جديدة، ومن ثمّ بدت غير قادرة على سداد السلف المقدمة. وهكذا، وضع
73 B 6 6 (18 Août 1798), "Menou aux cheikhs de la province assemblée à Rosette." 74 Ibid., B 6 15 pièces arabes, "Lettre en arabe de Menou adressée au divan des marchands de Rosette." 75 Correspondance de Napoléon 1 er , tome 4 , no. 3060 , ordre du 4 fructidor an VI/ 21 Août 1798 , p. 370. 76 Ibid., p. 470 , no. 3249 , ordre du 20 fructidor an VI/ 6 Septembre 1798. 77 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , no. 3009 , "Lettre de Bonaparte à Poussièlgue du 12 fructidor an VI/ 29 Août 1798 ," p. 357.
(جاء ذلك في رسالته بخصوص أحد أثرياء إقليم القليوبية.)
78 Ibid., Corres. no. 3040 (1 Septembre 1798). 79 Ibid., Corres. no. 3030 (30 Août 1798).
جاء في الرسالة أن 50 سفينة بدمياط توقفت عن ممارسة التجارة بسبب مخاوف التجار من الفرد والمصادرات والحصار البحري البريطاني، ما جعل بونابرت يكتب إلى
الجنرال فيال "بضرورة طمأنتهم حتى تأخذ التجارة مجرها الطبيعي". 80 الجبرتي، ج 3، ص 182.
81 B 6 5 (11 Août 1798), "Proclamation de Menou aux cheikhs de la province de Rosette." 82 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , no. 2684 , ordre de Bonaparte au général Menou du 12 thermidor an VI/ 30 Juillet 1798 , p. 219
بونابرت، في منتصف أيلول/ سبتمبر 1798، طريقة أخرى للتعويض. وأمر مينو بأن يعلن للتجار أنه سيتم تعويضهم عن 100 ألف بوطاقة: "عليك بأن تعرفهم أيها الجنرال أنني قد أمرت بأن أرد المبلغ إليهم على شكل منازل وحدائق وأراضي [كذا] مملوكة للدولة ويمكنهم أن يختاروا هذا في إقليم رشيد أو في مدينة القاهرة. وفور أن تصلني منك رغباتهم في هذا الصدد سأقوم بتقدير ثمنها حتى تتم عملية البيع بشكل موثق"83. وصرح بونابرت للجنرال كليبر في الإسكندرية بالمضمون نفسه، محاولً إغراء تجار الإسكندرية كذلك بأنه سوف يصدر لهم عقودًا رسمية تضمن حقوقهم فيما يختارونه من عقارات أو ممتلكات منقولة، مما جرى الاستيلاء عليه
ومصادرته لصالح الجمهور الفرنسي، كما وعدهم بأن تحفظ لورثتهم حقوقهم فيها84. بيد أن ما لم يدركه بونابرت آنذاك أن أحدًا من التجار أو الحرفيين لم يكن في وسعه أن يقبل بهذه المقايضة، سواء برشيد أو مدينة
القاهرة أو بغيرهما؛ إذ لم يستطع الجيش الفرنسي القضاء على المماليك الذين كانت كتائبهم لا تزال تقاوم الفرنسيين في مختلف أنحاء البلاد. وفي مرحلة لاحقة، مالت القيادة الفرنسية إلى عقد اتفاقية سلام وتحالف مع هؤلاء البكوات أنفسهم، وهو أمرٌ عقّد الموقف. ومن
جانب آخر، تحقق الأهالي (وخاصة أهالي رشيد والإسكندرية) من تدمير الإنكليز للأسطول الفرنسي بعد شهر واحد من الاحتلال، وأصبح الجيش الفرنسي بمقتضى ذلك تحت الحصار، حبيسًا داخل بلاد لم يُحسن بعد السيطرة عليها، علاوة على تواتر أخبار، بين حين وآخر،
تنذر بقرب اجتياح قوات السلطنة العثمانية للبلاد، تساندها قوة الحليف البريطاني. يضاف إلى ذلك، اشتعال المقاومة الشعبية في طرق مختلفة بالمدن والحواضر. كل ذلك وغيره كان مقنعًا للأهالي بعدم استتباب الأمر للفرنسيين، وأن عودة العثمانيين والمماليك أمرٌ محتمل. في هذا السياق، يمكن أن نفهم السبب الذي لم يُغرِ تجار رشيد – وكذلك نظراءهم بالإسكندرية - بمقايضة الأرز بالقصور الفارهة
والحدائق المملوكية الخلابة في القاهرة أو رشيد، وآثروا على ذلك أن يجرى خصم قرض السلفة من مدفوعات المال الميري. لكن هل أوفى الفرنسيون بوعودهم حقًّا؟ هذا هو السؤال الذي لا بد أن الأهالي كانوا يتحسبون له، ويترقبون أمر تنفيذه. في واقع التجربة، كان الاتفاق الأول على تسديد سلفة (100 ألف) خصمًا من المال الميري المفروض على التزامات بلاد
الأرز (التابعة للتجار الرزازين). فلما حل موعد تحصيل المال الميري، طالبهم الفرنسيون بأن يجري سداد السلفة من المال الميري على ثلاثة أقساط، بحيث تُخصَم قيمة القسط الأول من المال الميري عن عام (1799)، أمّا القسطان الآخران، فهما على العامين
التاليين. واضطر تجار الأرز إلى الامتثال لهذا المقترح؛ حتى لا تضيع أموالهم كلّها. لكنهم فوجئوا بصدور قرار يلزمهم بتسديد المال الميري كاملً من دون خصم أي شيء من مال السلفة، ما أصابهم ب "غمّ عظيم"85؛ لأن ذلك لم يكن له من معنى سوى أن أموالهم
المقترضة (آب/ أغسطس 1798) قد ضاعت ولن تسترد أبدًا! وجد الفرنسيون ضالتهم في تبرير الموقف بأحد أمرين: الأول أن هذه الممارسة اضطرارية لأنها "لنفقة العسكر" الضرورية، وهو تعبير متكرر في العديد من وثائق القادة، وقد جاء ذكره أيضًا في وثيقة الزيت والأرز التي نحن بصدد دراستها، والثاني تبرير الأمر
بمنطق المتغلب المعروف ب "حق الغزو"86conquête la de droit Le أو "إرادة آخر الغزاة" التي ترددت في صحف الحملة، أو حتى على ألسنة علماء وصف مصر87. نتيجة لذلك، ظلت الحلول السريعة لاحتياجات الجيش تجد طريقها مفتوحًا نحو فرض المزيد من
طلبات الفردة؛ ما عرَّض القطاع التجاري والحرفي لحالة من الإرباك والضغط المتواصل.
83 Ibid., Corres. no. 3159 , "Lettre de Bonaparte au général Menou du 26 fructidor an VI/ 12 Septembre 1798 ," p. 418. 84 Ibid., Corres. no. 3152 (12 Septembre 1798). 85 B 6 21 , Au Caire, le 25 Floréal an 7 (25 Avril 1799). 86 Bonaparte, Campagnes d'Egypte et de Syrie , pp. 157 - 158 ; A. Peyrusse, "Les Finances de L'Egypte pendant l'occupation française," La Revue Britannique (1882) [pp. 437 - 497], pp. 456 - 457.
87 جيرار، وصف مصر، ج 4، ص 156.
سادسًا: سياق إنتاج الوثيقة
ما الذي يمكن أن تمثله تلك اللحظة التي اقترنت بزمن إنتاج وثيقة الزيت والأرز؟ وما دلالة زمن الكتابة مقاربة بحمولتها النصية وهدفها النهائي؟ لعل طرح هذا السؤال المركب يفضي إلى تدقيق الأحداث السابقة أو المصاحبة لتاريخ نشأة الوثيقة؛ بحثًا عن المدار الأوسع الأكثر تشابكًا مع صياغة مضمونها، والمساهم بدرجة كبيرة في تهيئة المجال لاستصدار أمر الفردة كما سجلتها الوثيقة. في الحقيقة، يتعين أن ننظر إلى هذه الوثيقة، المؤرخة في 31 آب/ أغسطس 1799، على أنها جزء من سياق خاص، مشحون بتطورات سريعة ومؤسفة؛ فقد جاءت بعد مرور عام كامل من معاناة الناس تكرار السلف الإجبارية، والتي احتار الأهالي إزاء تغاضي سلطات الاحتلال عن الوفاء بسدادها. وجيش الشرق نفسه في حالة ارتباك؛ بسبب الرحيل غير المتوقع لبونابرت، في 22 آب/ أغسطس 1799، وشعور الجنرال كليبر ب "الحمل الثقيل" الذي ورّطه سلفه في تحمّله؛ حين أسند إليه مسؤولية منصب قيادة
الجيش في تلك الظروف العصيبة ومن دون استشارته88. وفي الريف المحيط برشيد، أفرغت القرى من بعض سكانها. ففي قرية برمبال مثلً، وهي غير بعيدة عن رشيد، تخلى الفلاحون عن الأرض، وهجروها بعد تكبدهم سلسلة من الدفع الإجباري في مساهمات الفردة المفرطة89. وفي قرية مُطوبس، إضافة إلى دفع الضرائب، كان على أهالي الناحية الرد على الطلبات العينية، قبل
أن يضطروا مرة أخرى إلى دفع مبالغ مالية للجيش كقرض قسري لا سبيل إلى استرداده أو تعويضه. وبحلول منتصف آذار/ مارس 1799، لم يعد لدى أهالي مطوبس الوسائل اللازمة لزراعة أراضيهم، ولم يكونوا يطيقون تحمل المزيد من الطلبات الاستثنائية، فآثروا كذلك الانسحاب الجماعي من أراضيهم90. كان هذا في الحقيقة شكلً من أشكال المقاومة من جانب الفلاحين91. ومع ذلك، أفرغت قرى أخرى من سكانها بسبب انعدام الأمن، وزيادة عمليات السطو والقتل على أيدي البدو92. ومنذ ذلك الحين، لم يستطع الجنرال مينو إلا أن يلاحظ أن جزءًا من أراضي إقليم رشيد سيظل بغير زراعة، وهو ما أنذر بتراجع عائدات الضرائب93.
علاوةً على ذلك، كان منسوب فيضان النيل منخفضًا خلال صيف 1799؛ ما أدى إلى زيادة المطالبة بتخفيض ضرائب المال الميري من جراء اتساع مساحات الشراقي. ومع رفض الجيش في الرد على الكثير من تلك الطلبات والشكاوى، ازداد الريف توترًا،
وازدادت معه شكاوى الفلاحين إلى ديوان القاهرة94. فضلً عن ذلك، كان لدى الجنرال كليبر، عند وصوله إلى القيادة العليا للجيش، في 30 آب/ أغسطس 1799، مفاجأة غير سارة عندما اكتشف أن خزائن الجيش فارغة تمامًا؛ إذ وجدها تفتقر إلى كل شيء تقريبًا: "فلا مال، ولا بارود، ولا سلاح، إضافة إلى نقص
في ملابس الجنود والأحذية، في حين تراكمت على الخزانة مستحقات رواتب الجنود لخمسة أشهر، ونقص ملحوظ في صفوف
88 نجد ذلك واضحًا في إحدى خطبه للجيش: "أيها الجنود، لو أنني استشرت قبل أن يعهد إليَّ بهذا الحمل الثقيل الذي خلفه لي الجنرال بونابرت لأبيت قطعًا القبول،
لإحساسي الشديد بأن قواي لن تتوافق وأهمية المنصب الذي أشغله في ظروف شديدة الصعوبة، ولكن لم يكن بيدي الخيار كما تعلمون". ينظر نص خطبته في:
. Rousseau , pp. 205 - 206
89 B 6 20 (20 Mars 1799), "Lettre de Poussièlgue, administrateur des finances, à Dugua, commandant en chef par intérim." 90 Ibid., B 6 19 (10 Mars 1799), "Lettre de Royanez, agent français de la province de Rosette à l'adjudant général Jullien, commandant de Rosette."
91 ينبغي أن نشير إلى أن ظاهرة التسحب الجماعي لم تكن قاصرة على قرى رشيد والدلتا، بل إنها شملت قرى الصعيد أيضًا، وذلك من جرّاء ضغط الإدارة وعدم مراعاتها
لظروف انخفاض النيل وشراقي مساحات كبيرة في عام 1799. ينظر: ناصر أحمد إبراهيم، الفرنسيون في صعيد مصر، المواجهة المالية (القاهرة: مطبوعات دار الكتب
والوثائق القومية، 2005)، ص 68.
92 B 6 19 (15 Mars 1799), "Lettre de Royanez, agent français de la province de Rosette à Menou." 93 Ibid., B 6 20 (25 Mars 1799), "Lettre de Menou à Dugua, commandant en chef par intérim."
94 تحتفظ مجموعة الوثائق العربية بفانسين ببعض نماذج الشكاوى المرفوعة لديوان القاهرة. ينظر على سبيل المثال:.Ibid., B6 37 (16 Décembre 1799)
الجيش، على نحو لا يمكن تعويضه بسهولة بسبب انقطاع قنوات الاتصال بالوطن الأم، وذلك في وقت كان فيه العدو يهدد بالزحف على القاهرة وهو على مسيرة ثمانية أيام منها، فحسب"95. هذه الظروف الصعبة سجلها كليبر بمرارة في التقرير الشهير، في 26 أيلول/ سبتمبر 1799، الذي أرسله إلى حكومة الإدارة بفرنسا، أعرب فيه عن مخاوفه من الحالة التي استنفدت فيها طاقة الأهالي، ومحذرًا من "العودة إلى سياسة بونابرت عبر اتباع أسلوب
الغرامات والمصادرات والفرد، في الوقت الذي نحن فيه محاطون بالأعداء من كل جانب، هو دفع بالبلاد إلى الثورة عند أول فرصة مواتية"96. لكن الظروف الضاغطة وفقر خزانة مالية الجيش اضطراه، على نحو حتمي، إلى اتباع سياسة سلفه في فرض الأوامر الاستثنائية لأجل تدبير نفقات الإعاشة للجيش. وسوف يفصح كليبر للجنرال دوجا عن إحساسه بالإرهاق الشديد إزاء ذلك: "لم أكن يومًا قاسيًا ولا عنيفًا، ولكن ما الشيء الأكثر قسوة من الظروف الحالية التي ترهقني؟"97. وخلال هذه السنة الأولى من الاحتلال، واصل الجيش الفرنسي ضغوطه على الأهالي، وخاصة التجار والحرفيين، سواء كان ذلك في رشيد أو في المدن التجارية الأخرى؛ ما أدى إلى توتر العلاقة بينهم، علاوة على تأثّر التجار سلبيًّا بالحصار البحري الإنكليزي.
ومن المؤكد أن محاولة إنزال العثمانيين في أبو قير، في منتصف تموز/ يوليو 1799، كان لها أيضًا تداعيات (ثقيلة)، وخاصة على أهالي كل من رشيد والإسكندرية والقرى المجاورة. فقد كان التجار والحرفيون مضطرين إلى تقديم مؤن غذائية إضافية إلى الجيش الفرنسي الذي تجمعت كتائبه، على نحو مكثف، للتصدي للجيش العثماني، وذلك طوال خمسة عشر يومًا من القتال الشرس. وكان
الأرز في مقدمة الأولويات المطلوبة لغذاء الجنود. وعلى الرغم من أن المصادر بشأن هذه النقطة صامتة، فمن المرجح جدًّا أن حجم احتياطيات الحبوب التي خُزنت في الحصاد السابق (تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 1798) قد جرى استنفادها سريعًا، وكان على الأهالي انتظار الحصاد الجديد الذي لن يكون متاحًا قبل تشرين الثاني/ نوفمبر 1799. كل تلك الظروف العصيبة كانت بمنزلة الواقع المرجعي الذي شكّل سياق اللحظة التي أنتجت فيها وثيقة الزيت والأرز؛ فالقائد العام كليبر الذي وصل إلى رشيد مساء، في 24 آب/ أغسطس، والذي بقي في المدينة عدة أيام قبل أن ينتقل إلى القاهرة (في 31 آب/ أغسطس) لتولي مهماته الجديدة قائدًا عامًّا، أخذ على عاتقه ضرورة تدبير ما يؤمّن احتياجات الجيش بضعة أشهر
قادمة حتى ينجز مفاوضات الجلاء التي أخذ يرتب لها؛ ومن ثمّ كلّف سريعًا - وهو في رشيد - الجنرال فلانتين، بمصادرة كميات
من الأرز والزيت. وكان الجنرال فلانتين قد حلّ في 1 آب/ أغسطس 1799 محل الجنرال مينو في حكم رشيد98، ولعل ذلك يفسر سرعة إصدار وثيقة الزيت والأرز باعتبارها أمرًا عسكريًا واجب النفاذ. ويبدو أن تجار ومعصراتية الإسكندرية تعرضوا لمطلب مماثل
لنظرائهم برشيد؛ ما جعلهم يكتبون رسالتين (كل رسالة على حدة) إلى الجنرال مينو يذكّرونه بضرورة سداد الكميات التي قدموها إلى مخازن أغذية الجيش خلال معركة أبو قير وفقًا لأوامره السابقة99. لكن المصادر الوثائقية لا تمكننا من معرفة رد الجنرال مينو على التماسهما.
95 Rousseau, pp. 4 - 5 , Note (1). 96 Kléber en Égypte 1798 - 18 00)Le Caire, IFAO, vol. I et II, 1988 ; vol. III et IV, 1995 (. 97 "Kléber à Dugua," (18 Janvier 1800), in: Kléber En Égypte , tome 3 , p. 485. 98 Bonaparte, Correspondance générale , tome 2 , Corres. no. 4662 , p. 1047. 99 B 6 30 2 Septembre 1799 , Des négociants d'Alexandrie à Menou, commandant le 5 e arrondissement de d'Égypte; B 6 38 sans date, Les marchands d'huile d'Alexandrie à Menou (à Rosette).
سابعًا: تجار رشيد ومواجهة مطالب المحتل: البحث عن وسطاء وأدلة
قرر التجار التوجه بمسألتهم إلى ديوان القاهرة؛ إذ تبين أن لا سبيل إلى عرض شكواهم على محكمة "ديوان تجار رشيد"100، فهذه المحكمة التجارية كانت مختصة "بالنظر فيما ينشب بين التجار أو الدلالين من منازعات أو خلافات تجارية"101. وهكذا، فإن مسألة "السلفة" وأطرافها مسألة خارجة عن دائرة اختصاصها؛ لكونها واقعة بين التجار والجيش، ثمّ إن قرار إلغاء سداد السلفة للتجار
جاء من القيادة العسكرية بالقاهرة. ومن ثم، فهي وحدها المنوط بها التراجع عن القرار وإلغائه، أو رفض الشكوى برمتها. من ناحية أخرى، لدينا وثيقتان محفوظتان في أرشيف فانسين، من أوراق الجنرال دوجا (حاكم القاهرة)، أتاحت لنا بعض التفاصيل المهمة المتعلقة بالطريقة التي فكر بها أهالي رشيد في سبيل البحث عن حلول ممكنة لرفع تلك النازلة التي توالت ضرباتها. أولى هذه الوثائق، عبارة عن "عرضحال"، أما تاريخها فهو 13 ذو القعدة 1213 - 18 نيسان/ أبريل 1799، مقدّم من تجار الرزازين
برشيد إلى صاري عسكر دوجا بصفته القائم على إدارة حكم مصر، على نحو مؤقت، أثناء غياب بونابرت في حملة سوريا. ذكَّر التجار الجنرال دوجا بأمر السلفة والاتفاق المتعلق بها، وهو يقضي بسداد سلفة (100 ألف بوطاقة) على ثلاثة أقساط (في ثلاث سنوات)، وأنه عندما حلَّ موعد الاسترداد الأول من السلفة، فوجئوا بالوكيل الفرنسي يخبرهم بسداد المال الميري كاملً، من دون خصم قيمة ثلث السلفة! وطالبوا، من ثم، صاري العسكر بإصدار أمره بخصم الثلث من الميري الذي قبضوه من بلاد الأرز، والتزام الجانب الفرنسي بسداد السلفة وفقًا لما "جرى عليه الحساب وتم عليه العمل" على حد قولهم102. الوثيقة الثانية المأخوذة من "أوراق دوجا"103 هي رسالة من الديوان العام (ديوان القاهرة) موجَّهة إلى صاري العسكر أيضًا، في
25 نيسان/ أبريل 1799. ومثل معظم الرسائل الصادرة عن هذا الديوان، وقع عليها اثنان من أهم علماء وشيوخ الأزهر في ذلك الوقت، هما رئيس الديوان الشيخ عبد الله الشرقاوي، وأمين سر الديوان الشيخ محمد المهدي. كان الهدف من هذه الرسالة، على وجه الخصوص، دعم
مسألة الالتزام بالاتفاق، وأرفق بالعرضحال جواب من الجنرال مينو، وضح فيه الوضع الصعب لتجار رشيد، وما هم عليه من حالة غضب.ُ وكانت رسالة ديوان القاهرة العام قد كُتِبت بعناية ومفردات قليلة، لكنها ذات دلالة رمزية؛ بدا فيها الشيخان (الشرقاوي والمهدي) وكأنهما يصدران رسالتهما على سبيل النصيحة: "إن عمار التجار عمار للبلاد"؛ تأكيدًا على ما جاء على لسان التجار أنفسهم: "إذا
ضاعت منّا رووس اموالنا [كذا] يتعطل حالنا ويتعطل حال بقية الناس تبعًا لتعطيلنا"104. والمغزى واضح، بغير حاجة إلى تأويل: إن
عدم الوفاء بالوعود والاتفاقات في أمر السلفة لن تكون تداعياته وخيمة على التجار وحدهم، بل على المجتمع المصري برمته. ومع ذلك نجح الشيخان في صياغة الرسالة من أجل خلق مساحة ممكنة لصاري العسكر للعودة إلى التمسك بالاتفاق؛ إذ اعتبروا أن مطالبة الوكيل المالي الفرنسي ليست سوى "ادعاء" من قبله هو، لا من قبل القيادة العامة للجيش؛ فحاشا لله: "أن [يحدث] هذا النقض بإذنكم وحاشا لله انكم ترضوا [كذا] بذلك"105.
100 أنشأها بونابرت في بدايات العام الأول من الاحتلال، وتحديدًا في 10 أيلول/ سبتمبر 1798. ويمكن الرجوع إلى أحدث دراسة نشرت عن ديوان تجار رشيد، في:
غادة طوسون، "ديوان تجار رشيد زمن الحملة الفرنسية في ضوء الوثائق دراسة ديبلوماتية وقراءة تاريخية"، دورية بحوث في علم المكتبات والمعلومات، العدد 27
)أيلول/ سبتمبر 2021)، ص 305 - 364.
101 Correspondance de Napoléon ler , tome 4 , Corres. no. 3268 , Art. 2 (10 Septembre 1798), p. 480. 102 Ministère des armées française, Service Historique de la Défense, Inventaire des archives , B 6 21 , au Caire, le 25 Floréal an 7 (25 Avril 1799). 103 Ibid. 104 Ibid. 105 Ibid.
لكنّ المصادر المتوافرة حاليًّا لا تجعل من الممكن معرفة جواب دوجا على ديوان القاهرة، أو على عرضحال الرزازين. ومع
ذلك، فإن وثيقة الزيت والأرز والصياغة العسكرية لنص الوثيقة، وتبريرها بطلب الفردة لنفقة العسكر، من دون أي وعد بالسداد، تجعلنا نفترض أن مطالبات السلفة الإجبارية تحولت إلى مظلمة ثقيلة ومتكررة عاناها القطاعان التجاري والحرفي. ويفترض أن أهالي رشيد، كما في أماكن أخرى، عملوا على الاحتفاظ بوثائق ثبوتية لما استقطع من أموالهم في متوالية الفردة. بيد أننا لسنا في وضع يتيح لنا التعرف عما إذا كان تجار رشيد سايروا نظراءهم بالإسكندرية في اللجوء إلى المحكمة الشرعية لتسجيل الوقائع المرتبطة بمظلمة
الفردة وتوابعها لدى القضاة؛ وذلك لاستخدامها فيما بعد دليلً106. على أي حال، من المؤكّد أن ضغوط الفرنسيين على التجار والحرفيين تواصلت في كل مكان، ولم يتوقفوا عن مطلب الفردة باعتبارها الإجراء الأسرع في تدبير احتياجاتهم العاجلة، سواء كان ذلك من المواد الغذائية أو من السيولة النقدية. وبعد أكثر من عامين على الاحتلال، كتب الجبرتي بمرارة عن معاناة الناس من فردة الفرنسيس: "فترى الناس سكارى حيارى.. فهناك من ذهب ما في يده وافتقر حاله وخلا حانوته وكيسه"!107. واستمرت سُنَّة الفردة الإجبارية بعد جلاء الاحتلال؛ إذ لجأت البيوت المملوكية المتصارعة
على الحكم، خلال فترة الفوضى، إلى العودة إلى هذه الممارسة الشائنة، حتى ضجّ الناس وخرجوا أفواجًا إلى الشوارع يصرخون بأعلى
أصواتهم: "الفردة بطالة.. الفردة بطالة"108.
خاتمة
تبيّن الدراسة "المجهرية" لهذه الوثيقة وتحليل السياق الذي أنتجت فيه كيفية تفاعل التجار والحرفيين في رشيد، وفي
أماكن أخرى من البلاد، مع المطالب المتكررة للسلف الإجبارية التي أنهكت قواهم، في وقت وجدوا فيه أنفسهم بمفردهم في مواجهة قوة محتل فرض سيطرته على مفاصل البلاد؛ ما هدد حياتهم ودفعهم أحيانًا إلى ترك ممتلكاتهم، حتى إن بعضهم هرب من المدينة للإفلات من مغرمة الفردة. لقد كان الوضع سيئًا جدًّا خلال صيف 1799؛ بسبب كثرة المصادرات وتوالي
طلبات السلفة الإجبارية التي تؤكد للأهالي أن وعود المحتل بالسداد مجرد أكذوبة، وأن السلفة ليست سوى مظلمة فردة، فتراجعت ثقتهم به وبترتيباته معهم. لكن في الحصيلة ثمة جزء مهم من مدخرات الناس وأصول رؤوس أموالهم قد استنزفته متوالية مظالم الفردة. ومن دون شك، شكّل هذا الأمر أحد الأسباب التي أضعفت طبقة التجار والحرفيين، وأنهكت قواهم عند دخولهم القرن التاسع عشر؛ ما سهل على رجل مثل محمد علي باشا، عندما ارتقى سدة الحكم، في فترة قصيرة لاحقة،
أن يضع قبضته على الاقتصاد، من دون اعتراضٍ، أو مزاحمة أحد له، فتمكّن بسهولة من توجيه الاقتصاد وإدارته وفق منطق رأسمالية الدولة. ويتضح من خلال تحليل هذه الوثيقة أن في الإمكان إعادة فتح النقاش حول الآثار الاقتصادية لفترة الاحتلال الفرنسي، والتكلفة الثقيلة التي استنزفت الناس، لا سيما قطاعَي التجارة والحرف؛ إذ كان الجيش مضطرًّا إليها من أجل تغطية احتياجاته
الأساسية، وتغطية تكلفة مواجهاته على جميع الجبهات على مدار فترة الاحتلال.
106 احتفظت سجلات محكمة الإسكندرية بسبع نسخ وثائقية مختلفة خاصة بأمر الفردة، كان أولها، منذ بداية الحملة، بتاريخ 7 صفر 1213 / 20 يوليو 1798، وآخر نسخة
جرى تسجيلها بعد انسحاب الفرنسيين في 27 جمادى الأولى 1218 - 14 أيلول/ سبتمبر 1803. 107 الجبرتي، ج 3، ص 223، 227. 108 المرجع نفسه، ص 443 (يومية 24 ذو القعدة 1218 ه - 6 آذار/ مارس 1804.)
المحتل، بل من منظور الناس (ضحايا الاحتلال).
أخيرًا، تلفت وثيقة الزيت والأرز الانتباه إلى أهمية المجموعة العربية المحفوظة في أرشيف جيش الشرق بقلعة فانسين في
باريس. وهذه الوثائق، التي لم تستغل بعد حتى الآن، وخاصة من وجهة نظر الفاعلين الاجتماعيين، قادرة على إثارة أسئلة جديدة وطرح مقاربات تتيح العودة إلى حدث الحملة الفرنسية، وإعادة مناقشة جوانب مجهولة. ولكنّ ذلك، في هذه المرة، ليس من منظور
المراجع
العربية
أحمد إبراهيم، ناصر. "فردة الفرنسيس، قراءة تحليلية لقوائم الفردة بمدينة الإسكندرية (1798 – 1801)". الروزنامة الحولية المصرية للوثائق. مج 3، العدد 3 (2005). ________. الفرنسيون في صعيد مصر، المواجهة المالية. القاهرة: مطبوعات دار الكتب والوثائق القومية، 2005. أرشيف دار الوثائق القومية بالقاهرة: سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية. الأيام الأولى للحملة الفرنسية على مصر، رسائل لقادتها. ترجمة يوسف شرارة. القاهرة، مكتبة الآداب مصر، 2011. الجبرتي، عبد الرحمن. عجائب الآثار في التراجم والأخبار. تحقيق عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم. القاهرة: مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، 1998. صحف بونابرت في مصر 1798 - 1801. القاهرة: دار العرب للبستاني، 1971. طوسون، غادة. "ديوان تجار رشيد زمن الحملة الفرنسية في ضوء الوثائق دراسة ديبلوماتية وقراءة تاريخية". دورية بحوث في علم المكتبات والمعلومات. العدد 27 (أيلول/ سبتمبر 2021). وصف مصر. ترجمة زهير الشايب. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1979.
الأجنبية
Bonaparte, Napoléon. Campagnes d'Égypte et de Syrie. Henry Laurens (éd.). Paris: Imprimerie Nationale, 1998. ________. Correspondance générale publiée par la Fondation Napoléon , II. La campagne d'Égypte et l'avènement
Correspondance de Napoléon Ier. Publiée par ordre de l'empereur Napoléon III. Paris: H. Plon, 1858 - 1870.
Cuoq, Joseph (ed.). Abd al-Rahman al-Jabartî, Journal d'un notable du Caire durant l'expédition française
Description de l'Égypte ou recueil des observations et des recherches qui ont été faites en Égypte pendant l'expédition de l'armée française. Publié par les ordres de S. M. l'Empereur Napoléon le Grand. Paris:
Georgeon, François & Nicolas Vatin & Gilles Veinstein (dir.). Elisabetta Borromeo coll. Dictionnaire de l'Empire
1798 - 17 99. Paris: Fayard, 2005. Bourdieu, Pierre. Langage et pouvoir symbolique. Paris: Le Seuil, 2001. Coller, Ian. Une France arabe. Histoire des débuts de la diversité. Paris: Alma, 2014.
Courrier de l'Égypte. Le Caire: Imprimerie Nationale. n° 1 à 117. Août 1798 - Juin 1801.
1798 - 18 01. Paris: Albin Michel, 1979.
Imprimerie Impériale, 1809 - 1822. Ǧabartī. ʿAǧā'ib al-āṯār fī al-tarāǧim wa-l-aḫbār. Le Caire: Būlāq, 1879.
ottoman. Paris: Fayard, 2015.
Kléber en Égypte 1798 - 18 00. Le Caire: IFAO, vol. I et II, 1988 ; vol. III et IV, 1995. La Jonquière, Clément de. L'Expédition d'Égypte. Paris: H. Charles-Lavauzelle, 1899 - 1907. Laissus, Yves. L'Égypte, une aventure savante. Paris: Fayard, 1998. Laurens, Henry. L'Expédition d'Égypte 1798 - 18 01. Paris: Armand Colin, 1989. L'Expédition de Bonaparte vue d'Égypte. Le Caire: Cedej, Égypte/ Monde arabe 1 / 1 1991. Louca, Anouar. "Ellious Bocthor: Sa vie, son œuvre." Cahiers d'Histoire Égyptienne. vol. 5 - 6 (1953). ________. L'Autre Égypte, de Bonaparte à Taha Hussein. Le Caire: Institut Français D'archéologie Orientale, 2006. Marcel, Jean-Joseph. Description de l'Égypte , État moderne II. Paris: Imprimerie Impériale, 1812. Mikhail, Alan. Nature and Empire in Ottoman Egypt. An Environmental History. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Raymond, André. Artisans et commerçants au Caire au XVIIIe siècle. Damas: IFEA, 1973. ________. Égyptiens et Français au Caire 1798 - 18 01. Le Caire: IFAO, 1998. Rousseau, François (éd.). Kléber et Menou en Égypte, depuis le départ de Bonaparte (Août 1799 - Septembre 1801). Documents publiés pour la Société d'histoire contemporaine. Paris, Alphonse Picard et fils, 1900. Sartori, Manuel & Elodie Attia. Etudes sémitiques: Mélanges rassemblés à la mémoire de Philippe Cassuto. Paris: Presses Universitaires de Provence, 2023. Zakharia, Katia. "Jean-Georges Varsy et l''Histoire d'Ali Baba': Révélations et silences de deux manuscrits récemment découverts." Arabica. vol. 62 , no. 5 - 6 (2015). Zuber, Henri & Thierry Sarmant & Bertrand Fonck (dir.). Guide des archives et de la bibliothèque du Service Historique de la Défense. Paris: Service Historique de la Défense, 2017.