العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ والمجتمع

التاريخ والمجتمع

History and Society

عبد المجيد القدوري

الملخّص

في طيات كلمة "التاريخ" معنيان؛ فهي تُطلق على مجموع الوقائع التي حصلت في الماضي من جهة، وتعني الطريقة التي تروي تلك الوقائع من جهة أخرى. لا شك في أن لهذه الازدواجية في المضمون انعكاسات على العملية التاريخية التي تعاني في الوقت الراهن مشكلات، إنْ على ماهية التاريخ بوصفه مادةً، أو على مستوى المنهج. ما معنى أن تكون مؤرخًا في الزمن الراهن؟ هل من حاجة إلى دراسة التاريخ؟ هل التاريخ سجلّ لوقائع الماضي فحسب، بحيث يهدف إلى حفظها من النسيان؟ أم أنّ له أهدافًا أبعد وأهم من ذلك؟ وكيف يستطيع المؤرخ أن يتجاوز الرواية المنسوجة والموروثة؟ وهل يقدر على هذا التجاوز؟ ثمّ كيف تعيش المجتمعات تاريخها؟ وما الصور التي تحتفظ بها عن ماضيها، وتحتفظ بها في حاضرها أيضًا؟ وما علاقة ذلك بعمل المؤرخ؟ سنحاول من خلال هذه الورقة مناقشة هذه القضايا والإشكالات.

Abstract

أستاذ التاريخ الحديث، وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء سابقًا. A professor of Modern History and Former Dean of the Faculty of Arts and Humanities at Hassan II University in Casablanca majidkaddouri@hotmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • ندوة أسطور
  • التاريخ
  • المجتمع
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • History
  • Society

يهدف هذا اللقاء إلى رصد الحصيلة التي وصل إليها المؤرخون في معالجاتهم القضايا والإشكالات التي انطلقوا منها في أبحاثهم، وذلك تحت وطأة الثورة الرقمية التي تفرض نفسها علينا جميعًا، وتجعلنا نطرح أسئلة تحاصر كل باحث حول المادة التاريخية. ومن جملة هذه الأسئلة القلقة ما يلي: هل هناك حاجة إلى دراسة الماضي باعتباره موضوعًا؟ ما الفائدةُ من دراسة التاريخ؟ ما الغايةُ من العودة إلى الماضي؟ وكيف يجب أن تتم هذه العودةُ اليوم؟ هل من حاجةٍ إلى المؤرخ اليوم؟ ما التكوينُ الذي كان يتلقاه هذا الأخير؟ وهل يستمر تكوينه على النمط نفسهِ؟ ما علاقات التاريخ والمؤرخ بالمجتمع؟ لا شك في أن المؤرخ ينطلق في تحليلاته من المجتمع، لكن كيف تتم هذه العملية الهادفة إلى دراسة جوانب من ماضي هذا المجتمع في الحاضر؟ إن هذه العملية تفرض علينا إبراز العلاقة بين المؤرخ والمجتمع، وبعبارة أخرى، وضع المؤرخ في مجتمعه، ورصد صورة المجتمع عبر مؤرخه.

تبدو عملية التعريف بالتاريخ سهلةَ المنالِ في الوهلة الأولى؛ إلا أن المتمعِّنَ والمتأملَ في مضامينها يحتار في إمكانية تحديد ما تتضمنه من تعدد معانيها. يرى السخاوي أن التاريخ هو مجرد "الوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتجريح وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم"1. بهذا المعنى يكون التاريخ سجلً يمكّن من معرفة الأحداث الماضية ويخبرنا بحياة عِلية القوم. وقد تجاوز ابن خلدون هذا المستوى، ليقر بوجود مستويين للتعريف بالتاريخ: معنى بسيط وآخر عميق؛ إذ يقول: "في

  1. محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التأريخ، تحقيق فرانز ورزنثال، ترجمة صالح أحمد العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986)، ص 18.

ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول [...] وأما في باطنه، فالتاريخ نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وهو علم بكيفية الوقائع وأسبابها عميق"2. فإلى أي حد يمكن الاكتفاء بهذا التعريف؟ لضبط مفهوم التاريخ، لا بد من الوقوف عند تقدم العلوم الإنسانية والاجتماعية تحت تأثير العلوم الطبيعية في الغرب3. تحاول المقاربات الوضعانية أن تعرف التاريخ على أساس أنه يدرس الماضي البشري كما هو موضحٌ في الوثائق والمآثر التي ما تزال تحتفظ بها البشرية إلى اليوم. فمن خلال هذا المنظور وبسببه، يُنْظر إلى التاريخ بوصفه كنزًا يحافظ على خيرات الإنسانية، كما أن الرجوع إليه يمكنُ البشرية من الحصول على العبرِ والدروسِ، ويساعدها على تخزين التراث والمحافظة عليه. فإلى أي حد يمكن الاكتفاء بهذه التعاريف التي تجعل التاريخ مجرد حكايةٍ عن الماضي، ووعاءٍ يحتفظ بالموروث؟ إن صعوبة التعريف بالتاريخ تعود لكون كلمة تاريخ تتضمن معنيين: الأول، يحيل على مجموع الوقائع التي حصلت في الماضي، وأما الثاني، فهو المنهج المعتمد للوصول إلى تلك الوقائع. وبعبارة أخرى، هو البناء الواعي لتلك الوقائع، والذي يكون من صنع المؤرخ. ويأتي التعقيد من التفاعل الذي قد يحصل بين ما حدث في الماضي والمحاولات الواعية التي يقوم بها المؤرخ من أجل إعادة بناء أحداث مرت وانتهت. فكيف يمكن تعريف هذه العملية؛ أي استعادةُ ما هو خالٍ من الوعي، وقد حدث في الماضي، ومحاولة إعادة بنائه بطريقة واعية في الحاضر؟ يظهر أن هذا التفاعل هو الذي حدّد المقاربات المنهجية الحديثة. وقد استطاع الذين تبنوا هذا الاتجاه تجديد النظرة إلى التاريخ، وأعطوه أبعادًا جديدة أخرجته مما كان عليه الأمرُ في الكتابة التقليدية التي كانت تعتقد أن التاريخ، وبفضل الوثائق، يوصل إلى الحقيقة. وبفضل المنظور الجديد لم يبقَ التاريخ منحصرًا في دراسة الماضي، بل صار يتشكل، اليوم، من الماضي الحاضر، بل صار التاريخ والمستقبل. إن التاريخ، وبفضل المنظور الجديد، لا يعني حقيقة مخزونة بإمكان المؤرخ الوصول إليها، ما دامت كل حقبة، كما أشار مارك بلوخ، "تعيد بناء ماضيها انطلاقًا من همومها الخاصة والآنية". هكذا، أصبح المؤرخ مطالبًا بتجاوز البقاء في الماضي، بل ملزمًا بالأخذ في الاعتبار الإيقاع الزمني، ومطالبًا بإدراك العلاقة التي ينسجها في عمله مع مجتمعه؛ لأن التاريخ ينتهي عند المؤرخ، وبوساطة المؤرخ يصبح التاريخ، كما قال عبد الله العروي: "هو الماضي الحاضر أو التاريخ المحفوظ"4. كيف تجري عملية نقل المعرفة التاريخية؟ يعلمُ الممارسُ المحترفُ أنه لا توجد حقيقةٌ تاريخيةٌ مطلقةٌ، ولكن يشعر من خلال مزاولاته للبحث بوجود حقائق معقدة لا يمكن إدراكها كاملة. ما هو مطلوب، إذن، من التاريخ؟ تحمل المادة مرامي اجتماعية تسعى إلى تحقيق بعضها بوساطة التعليم، فدراسة التاريخ تساعد المتلقي على التقرب من ماضيه، وإدراك ذاته باعتباره فردًا أولً، ثم جماعةً ثانيًا. لكن لن يتأتّى له ذلك إلا إذا تميزت عملية التبليغ باعتماد المنهج المبني على النقد والانفتاح، لتجاوز التركيز على الذات والبحث عن الأصول، لأن التاريخ هو البحث عن فهم الذات في علاقاتها وتفاعلها مع ما هو كوني. فإذا انحصرت العمليةُ في البحث عن الذات، فإنها تقوي الانغلاق، وهذا ما يرفضه التاريخ الذي لا يرى ذات الأنا خارج ذات الآخر المختلف. إن الانغلاق يقوي عدم شعور المجتمع بتاريخيته، لأنه يدرس التاريخ، لكن ينقصه الوعي التاريخي. فمن هذا المنظور، يتبين أن المعرفة التاريخية لا تتلخص في سرد ونقل ما هو موجود في الوثائق والمآثر، بل ترتبط أكثر بما يريد المؤرخ أن يكتشفَه ويرويَه.

  1. عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق إبراهيم شبوح وإحسان عباس (تونس: الدار العربية للكتاب، 2006)، ص  2.
  2. ثورةُ العلوم الطبيعية جعلت المؤرخين يلجؤون إلى الوثائق ليبرزوا ويعتقدوا أن الحقيقة ممكنة في التاريخ.
  3. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2017) ص 41.

ثانيًا: من هو المؤرخ؟

المؤرخ مشيدُ المعرفةِ التاريخيةِ وملقنُها. فمن هو هذا الفاعلُ؟ وكيف يصبح مؤرخًا؟ وما المكانة التي يحظى بها التاريخ والمؤرخ في المجتمع؟ علينا أن نميز بين مؤرخ الأمس ومؤرخ اليوم. كان المؤرخ، بالأمس، موسوعةً تمتلك علومًا كثيرة، وما مادة التاريخ إلا جزء منها. وأما مؤرخ، اليوم، فصاحب مهنة يتخرج من شعبة التاريخ داخل الجامعة. وقد أظهرت التجارب أنه غالبًا ما يُعين أستاذًا في الجامعة بعد تخرجه. ويكون، نظريًا، مطالبًا بإنجاز البحث التاريخي ونقل النتائج إلى الأجيال الصاعدة، إما عن طريق التلقين والتكوين، وإما عن طريق الكتابة والنشر. يتضح من هذا أن المؤرخ مطالب بالقيام بمهمات متعددة في بنائه للأحداث التاريخية؛ فهو راوٍ لحكاية أو كما قال بول ڤين: التاريخ رواية أبطالها أشخاص حقيقيون لا متخيلون كما هو الشأن في الرواية الأدبية5. زيادة على صفة الراوي، يلجأ المؤرخ إلى تقديم أوصاف وأحداث، ليظهر وكأنه صحفي، ثم يلبس لباس المؤرخ الذي يوجه وينظر ويحدد قواعد الكتابة التاريخية، ليبين أنه يسعى إلى بناء العملية التاريخية، للوصول إلى اكتشاف الحقيقة. يظهر من خلال هذه العملية أن التاريخ المبني على سرد الوقائع وبنائها يكون كله من صنع المؤرخ. والسؤال المطروح: أيوجد وعي عند المؤرخ أم هو غائب عن ذهنه؟ وهل يعي العلاقة والترابط الحاصلين في عمليته بوصفه مؤرخًا للتاريخ الذي اتخذه موضوعًا؟ على أن التاريخ بدوره وفي نفس العملية، قد اختار المؤرخ كذلك موضوعًا له، فإذا لم يعِالمؤرخ هذا التلاحم بين التاريخ والمؤرخ، واكتفى بخزن المعلومات، قد يصبح مجرد مذكر بالوقائع وخازن لها وقيّم عليها ومحافظ عليها من النسيان، وقد سماه عبد الله العروي "أرَّاخٌ، مخبر بدون خبرة"6. يستند المؤرخ المحترف إلى المادة التاريخية، ليبني الرواية التاريخية ويشيدها، وله القدرة كذلك على هدم ما بنى وشيّد. فالتاريخ سيرورة لا تتوقف، والمؤرخ الواعي لا يصدر أحكامًا، بل يعمل على تقديم تحليلات وتفاسير انطلاقًا من السياقات المحددة للوقائع، ويسهر على استخراج التوازنات، ولا يركز على جانب واحد ليوضح الظواهر، فالمطلوب من الباحث التركيز على تداخل المعطيات لتفسير الأحداث. إن المؤرخ المؤمن بالتغيير يبني الأحداث، إلا أنه يعرف أن ما شيده لا يعني أنه الحدث كما وقع تمامًا؛ لأن الوقائع المبنية ما هي إلا تجسيد لانشغالات المجتمع المدروس وهمومه، وبذلك فإن العملية كلها تبقى مرتبطة بمهارة المؤرخ. تظلُّ صنعة المؤرخ مرتبطة بالبعد السياسي، خاصةً أن القضايا المعالجة ذات ارتباط بالمجتمع، والمطلوب من المؤرخ أن يكون على وعيٍ تامٍّ بالمسؤولية الملقاة على عاتقه. للمؤرخ دور في بناء الأسطورة المؤسسة، فلنتذكر أسطورة الأطلس العملاق الذي واجه الإله زوس، أو على الصعيد السياسي، نقاربُ أسطورة المهدي المنتظر سواء تعلق الأمر بالمهدي ابن تومرت أو بابن أبي محلي. حاول كل واحد منهما بناء الأسطورة لتزكية مشروعه السياسي. يتحرك المؤرخ في عمله منطلقًا من الحاضر، ولا يستطيع الانسلاخ في عمله عن الحاضر، لأجل هذا يتضح أنه يستحضر الوقائع الماضية. في الحاضر، العملية التاريخية، هي استحضار للماضي عن طريق الشاهد المعاصر؛ أي المؤرخ، والمطلوب من هذا الأخير أن يكون واعيًا بالعملية، وأن يكون له تكوين شامل ومنفتح حتى تكون له القدرة الكافية على التحكم في الرواية التي يحاول نسجها عن الماضي الحاضر، لا أن تكون الرواية هي التي تتحكم فيه. لأجل هذا وبسببه، فإن المؤرخ مطالب بامتلاك رؤيا واضحة عن مفهوم الماضي يستعملها مستعينًا بمنهجه لاستخراج العناصر التي تساعد المجتمع على فهم الحياة وتمكنه من تخطيط ما يريده في المستقبل.

  1. Paul Veyne, Comment on écrit l'histoire (Paris: Seuil, 1971), p. 28.
  2. العروي، ص 48.

لن يجد المؤرخ صعوبة في وجود المادة والآثار التي يعتمدها لبناء الوقائع الماضية، لكن الصعوبة تكمن في وجود أو عدم وجود الوعي التاريخي الذي يساعده على تجاوز بناء الأحداث للوصول إلى منطقها. لتوضيح الفكرة نُدرج ما قامت به فرنسا لتدمير الشخصية المغربية. حاولت فرنسا عسكريًا ونفسيًا أن ترسخ عقدة المسْتَعْمر لدى المغاربة، واستعانت بالإستوغرافيا الاستعمارية لترسيخ هذه العقدة، وقد قاومت الحركة الوطنية هذا التدمير بتبنيها للوعي الوطني التاريخي المضاد. ومما سبق نكون قد قدمنا محاولة لتبيان العملية التاريخية كما يجب أن يتبناها المؤرخ المحترف الواعي الذي يحاول أن يتجاوز في عمله التعريف بالتاريخ أو المؤرخ، ليربط العملية كلها بجذورها الاجتماعية.

ثالثًا: التاريخ والمجتمع

هل توجد علاقة أو علاقات ما بين المؤرخ ومجتمعه؟ بينت التجربة أن المؤرخ يهتم أساسًا بالموضوع الذي يشتغل عليه؛ يبدأ بقراءة عامة، ثم يختار المادة التي قد تساعده في البحث، ويعتمد على المنهج الملائم الواجب تبنيه من أجل الوصول إلى تحقيق الهدف، والذي يكمن في الوقائع التي تمكنه من تشييد الموضوع المختار. فبإمكان المؤرخ أن يشيد الأحداث لا كما وقعت، بل كما فكّر فيها، وخطط من أجل الوصول إليها. وهذا التركيز على بناء الأحداث يجعل المؤرخ يبتعد عن وعي أو غير وعي عن المجتمع المدروس، فلا يعير الاهتمام الضروري للاحتياجات والتحديات التي تواجه هذا المجتمع. تدفعنا هذه الملاحظة إلى الوقوف عند النظرة التي تتكون لدى المجتمع انطلاقًا من الوقائع المبنية. ما علاقات الصور التي يتبناها المجتمع بالرواية التي يحبكها المؤرخ؟ من المعلوم أن نظرة المؤرخ تكون واعية، أما تلك التي يتبناها المجتمع، فهي غير واعية وتدخل في إطار الذاكرة التي تُعتبر حاضر الماضي؛ بمعنى تراكم الماضي في الحاضر، فهي الإرث المبني على العادة والتكرار اليومي. إن التصورات التي تتكون لدى المجتمع من عمل المؤرخ، والمطلوب من هذا الأخير النزاهة التي تتحكم في الكتابة، وعليه أن يراعي المكونات الأساسية للمجتمع المعني، وبذلك فأدوار المؤرخ تختلف، كما هو معروف، من مجتمع إلى آخر؛ فعلى المؤرخ المغربي، مثلً، أن يهتم بمكونات الشخصية المغربية وإبرازها ثقافيًا وعرقيًا واجتماعيًا وسياسيًا، ما دامت هذه الشخصية تعاني الهشاشة الموروثة. لقد تعرضت هذه الشخصية للهدم زمن الحماية7، وقد تسبب بها الضغط الأوروبي الذي انتهى بعقد معاهدة الحماية في آذار/ مارس 1912، وأدى هذا الضغط إلى انتعاش القيم التقليدية وتقويتها، وجعل المجتمع المغربي يستحضر التجارب التاريخية السلبية، ولعل أبرزها فقدان الأندلس بكل ما ترمز إليه. يفترض من المؤرخ أن يبتعد عن كتابة التاريخ الأيديولوجي، والذي يتلخص في تبني فكرة معينة، ثم البحث عن المادة التي تمكن المعني من نسج خطاب مدافع عن فكرة أو مشروع مستهدف. من المفروض، مهما كانت قناعات المؤرخ، العمل على مساعدة الناس على مواجهة المشاكل الآنية، لأن التاريخ في نهاية المطاف، هو تاريخ البشر، والوثائق أو المادة المعتمدة فيه خلقها الإنسان، كما أن رواية الأحداث، هي وقائع حصلت بين البشر. إن التاريخ تربية مدنية، لأنه يناهض الخرافة والشعوذة، كما أنه مجال للحرية؛ إذ تكمن الحرية في التاريخ في عدة مستويات؛ فقد تتجسد حرية المؤرخ، أولً، في اختياره المنهج الذي يريد. ويعتمد المؤرخ الماهر على النقد الداخلي والخارجي بفضل ملكة النقد، فتزداد فطنته، وعلى هذا الأساس، يتمكن من استنتاج ما يراه صائبًا ومنطقيًا. وتظهر هذه الحرية، ثانيًا، في اختياره

  1. انتقم التايخ من الإستوغرافيا الاستعمارية التي دمرت الشخصية المغربية وشوهتها. وقد باتت هذه المؤلفات مادة لدراسة عقلية فرنسا المستعمرة.

الإشكالية التي يريد معالجتها والمادة التي يستعملها في بحثه. فللمؤرخ حسٌّ وطني يجعله يساهم في توضيح التحديات التي يُعانيها مجتمعه8. وللتاريخ مسؤولية في بناء الشخصية وتقويتها؛ لأنه يساعد الأفراد والجماعات على الإيمان والافتخار والاقتناع بانتماءاتهم الجماعية، كما يمكن من معرفة شخصية الآخر المختلف، ومن ثم الانفتاح على الكونية. تساهم المعرفة التاريخية في تقوية الحصانة الاجتماعية وتبدد كل ما من شأنه إضعاف الفرد والجماعة، ومنها محو عقد النقص وتقوية عقد القوة. لأجل هذا، فمعرفة التاريخ أساسية في المجتمع. كيف تُنقل المعرفة التاريخية إلى مكونات المجتمع؟ ما المكانة التي يحظى بها المؤرخ والتاريخ في مجتمعه؟ كيف يُدرس التاريخ؟ ما المكانة التي يحظى بها التاريخ لدى أصحاب القرار؟ إن دور التعليم أساسي في هذا المنحى. كيف يدرس التاريخ في المدارس؟ هنا، لا بد من تجاوز سرد الوقائع أو ذكر الأعلام والسنوات، وإدخال النقد، ودفع الأطفال إلى تعوّد ملكة النقد والفهم، والعمل على تحبيب المادة حتى لا توحي بالملل لدى التلاميذ. كما أنه على الإعلام أن يؤدي دوره، وعلى المهتمين والمؤرخين المشاركة في هذه العملية، وهي أدوار مهمة إذا كان كل ذلك متبوعًا بالقراءة النقدية الهادفة. إن التاريخ في المجتمع وللمجتمع، وهو أساس البناء، وقد قيل إن المجتمعات التي تعي تاريخها، ركبت عجلة التقدم، وتمكنت من فرض نفسها كونيًا.

  1. نعطي، هنا، مث لً صارخًا للتاريخ الأيديولوجي، ونسوق ما ألفه المؤرخون الشيوعيون خلال الحرب الباردة؛ إذ كانوا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن الشيوعية وقتها.

خاتمة

وتحديدها، وتسمح له بامتلاك القدرة على تجاوز تحديات الحاضر، والتفكير في آفاق المستقبل.

المؤرخ والمجتمع

المجتمع.

التصميم: المقدمة:

ӵ الأسئلة عن التاريخ والمؤرخ ӵ الإشكالية ӵ أهم القضايا المُزمع طرحها أوالً: حول المفاهيم

. 1 التاريخ قديمًا وحديثًا 2.المؤرخ قديمًا وحديثًا

ثانيًا: التاريخ في المجتمع والمجتمع في التاريخ

. 1 أهمية التاريخ في المجتمع 2.وجود المجتمع في التاريخ

ثالثًا: المؤرخ صلة وصل بين التاريخ والمجتمع

. 1 المؤرخ مناهض للنسيان 2.المؤرخ والتاريخ في بناء المجتمع

. أ الحفاظ على الذاكرة الفردية والجماعية.ب التاريخ وبناء المواطنة

الخاتمة

الاستنتاجات إذا سلمنا، اعتمادًا على ما طرحناه، بأن الذاكرة هي حاضر الماضي، وبأن التاريخ هو الماضي المحفوظ، نستطيع أن نؤكد أن العملية التاريخية الواعية، هي من صنع المؤرخ الذي ينسجُ الرواية التاريخية التي تمكن المجتمع من تكوين تصور عن ذاته

الفكرة: التاريخ والمؤرخ اليوم: أي دور وأي فائدة؟ ما التاريخ؟ ومن هو المؤرخ؟ نحن أمام محاولة لإبراز التاريخ والمؤرخ في