Return to Article Details A reading of

قراءة في كتاب

A reading of

خالد طحطح *

Khaled Tahtah *

يوسف المهاجر **

Yousef Almohajer **

الملخّص

حول التحولات التي مر بها، يمكن العودة بشكل أساسي إلى كتاب: انبعاث الحدث لفرانسوا دوس، الذي يقدم نبذة تاريخية مفصلة عن تطور مكانة الحدث في الخطاب التاريخي، وفي مجموع العلوم الإنسانية والاجتمعية، خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ إذ نسبح - في هذا الكتاب- مع الأطوار التي شهدها الحدث في الكتابة التاريخية الفرنسية، ونتعرف إلى مدى الخصوبة المتجددة لهذا المفهوم الذي يعيش ولادة نظرة جديدة في زمن طفرة الإعلام. ويجب الإشارة – هنا - إلى الرؤية المتميزة لهذا المؤلف؛ فهو لم يعط الحدث شكلً خطيًا أحاديًا، وإنما وضعه ضمن سياق من التحولات الأسطوغرافية التي صاحبت الكتابة التاريخية في مرحلة القرن العشرين. لماذا الحديث عن ولادة جديدة للحدث؟ هل الأمر مجرد عودة لما كان عليه التاريخ في القرن التاسع عشر؟ وما الحدث الذي عاد؟ هل نعيش عودة بسيطة للحدث؟ أم أن الأمر يتعلق بنظرة جديدة ومقاربة مختلفة للحدث؟ إنها أسئلة طرحها المؤرخ فرانسوا دوس، محاولًالإحاطة الشاملة بأجوبتها، من خلال تقديم الحدث كانبعاث وكعودة للاختلاف، وهي أسئلة مؤرقة تطرح نفسها بقوة على المؤرخين؛ فالأمر لا يتعلق فقط بمعرفة سبب عودة الحدث إلى الظهور مرة أخرى، بل يتعلق أيضًا بالتساؤل عن ماهية ما عاد تحت مسمّى "حدث".

Abstract

Intellectual interest in "the event" as a matter for enquiry has been rekindled since the 1980 s. In France, this can be understood through the increased attention paid to the event by media institutions, beginning with the event of 1968. At this time of a media revolution, it serves readers well to review the seminal work of Francois Dosse, in his Le retour de l’envenement (2010), a book that provides a detailed historical account of how the concept of "the event" has changed throughout historical discourse and in the humanities and social sciences throughout the nineteenth and twentieth centuries. Through this book, readers will come to know something of the concept of the event. No discussion of this book would be complete without a mention of the author’s distinct vision, which allows him to go beyond a simple, unitary form of the event and instead place it within a wider context of twentieth century historiography in which it was written. Why do people speak of a rebirth or a reincarnation of the event? Are we witnessing today a simple and straightforward return of the event as a matter of academic enquiry, or are we instead looking at the event through a novel view and a different approach? Dosse poses these questions and attempts to provide comprehensive answers to them by presenting "the event" as a rebirth, and as a return to differences in opinion. These are pressing questions that impinge on the work of historians, not only because we are witnessing the return of the historical event as a focus for academic enquiry, but also because we are essentially redefining the meaning of the "event".

الكلمات المفتاحية:
  • انبعاث الحدث
  • فرانسوا دوس
  • الكتابة التاريخية
  • القرن العشرين
Keywords:
  • Twentieth century
  • Le retour de l'événement
  • Event
  • Francois Dosse
  • Historiography

A reading of "Le retour de l'événement" by Francois Dosse

عاد الاهتمم مجددًا بالحدث، منذ ثمانينيات القرن العشرين، ويُكن تفسير هذه العودة القوية إلى تغير موقع الحدث كخبر داخل المجتمعات الحديثة، وذلك انطلاقًا من الدور الذي بدأت وسائل الإعلام المختلفة تؤديه منذ حدث أيار/ مايو 1968، في فرنسا، وإلى اليوم.

المؤلف: فرانسوا دوس Dosse François
المؤلف: فرانسوا دوس Dosse François.
الكتاب: انبعاث الحدث: تحد للمؤرخ بين أبي الهول والعنقاء.. Renaissance de l'événement: Un défi pour l'historien: entre Sphinx et Phénix العنوان الأصلي:
مكان النشر: فرنسا.. Presses Universitaires de France الناشر:
سنة النشر: 2010.
عدد الصفحات: 352 صفحة.

يعطي المؤرخ الفرنسي فرانسوا دوس François Dosse في كتابه الجديد انبعاث الحدث: تحدللمؤرخبين أبي الهول والعنقاء Renaissance historien entre Sphinx et Phénix ' Un défi pour l: événement ' de l، نبذة تاريخية مفصّلة عن تطور مكانة الحدث في الخطاب التاريخي، وبشكل أشمل في مجموع العلوم الإنسانية. مع هذا الكتاب ذي العشرين فصلً، نقف على الطفرات التي شهدها مفهوم الحدث في الكتابة التاريخية الفرنسية إلى درجة يصعب فيها على القارئ استيعاب تصور المؤَلِّف لمفهوم الحدث المتعدد المعاني والدلالات. ونؤكد في هذه القراءة رؤية فرانسوا دوس François Dosse المتميزة، وهو الذي لم يُعْطِ الحدث شكلً خطيًا أحاديًا، وإنما وضعه ضمن سياق من التحولات التي صاحبت الكتابة التاريخية خلال القرن العشرين. الهدف من موضوع الدراسة يبقى في الصميم هو البحث عن مفاتيح فهم المرحلة الجديدة التي نجتازها اليوم، وهي مرحلة "العودات"، التي نشهد منها اليوم عودة إلى الحدث وعودة إلى الفرد وعودة إلى السياسي، الأمر الذي يعني أننا نعيش انبعاثًا ورجوعًا جديدًا إلى الاختلاف. أُقصي الحدث فترة طويلة، وأبقي بعيدًا عن التاريخ الأكاديمي، لكنه يشهد اليوم اهتمامًا كبيرًا في عالم المؤرخين. وفي هذا الكتاب، يُحلل المؤَلٍّف أسباب الانعراج الذي عرفه الحدث في الكتابات التاريخية الفرنسية، من خلال استحضار وقع نظام الأحداث في زمن سطوة وسائل الإعلام؛ فبعضها، مثل حدث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، خلّف آثارًا ومضاعفات كثيرة، وبعضها، كسقوط جدار برلين، حمل تغييرات كبرى على الصعيد العالمي، وليس بعيدًا عنا الثورات الأخيرة في بعض البلدان العربية، والتساؤلات التي ما زالت تُطرح بشأن مآلاتها. تفرض هذه "الأحداث الكبرى" نفسها على وسائل الإعلام موضوعات آنية وفورية، وتخضع لتناولات متعددة وأحيانًا متناقضة، بل إنها توجّه تاريخنا الحاضر بقوة، وتطرح نفسها بشدة على طاولة المؤرخين. إننا اليوم نشارك جميعًا في عودة الحدث، هذا ما صرح به فرانسوا دوس في كتابه انبعاث الحدث..؛ فعدوى الحدث لم تصب التاريخ فقط، وإنما انتقلت أيضًا – ومن دون استثناء- إلى جميع العلوم الإنسانية الأخرى.

الاعتراف بالحدث

يعود اهتمام فرانسوا دوس بموضوع الحدث إلى عام 1978، حين تناول في كتابه التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد خطر مأزق الكتابة التاريخية، وضبابية هوية المؤرخ بعد سنوات من الريادة والتجديد، فالتاريخ - في نظره - دخل في مرحلة أزمة، وأصبح معرّضًا لخطر الضياع والتشتت، ويوشك أن ينتهي مثل علم الحيوان بالأمس، أو على الأقل ستلحقه أزمة تهميش كتلك التي طاولت الجغرافيا. إن العلاج لهذا الموت المؤجل للتاريخ لن يتأتى إلا بالقطع النهائي مع الخطاب الجامد لمدرسة الحوليات الفرنسية؛ فمن أجل بناء تاريخ جديد، لا بد من تجاوز القطيعة بين الحاضر والماضي، ولا بد من إعادة الاعتبار إلى الحدث؛ ذلك أن تجديد الخطاب التاريخي عند دوس يمر عبر بوابة إحياء

ما نبذته مدرسة الحوليات منذ البداية، ويَقصد بذلك الحدثَ الذي يشكِّل هوية التاريخ كما كانت في الماضي، فنفي الحدث أو إقصاؤه يقود التاريخ على درب خطر انحلال ما يشكل قاعدة لخصوصيته ووظيفته، ولن يتأتى خروج التاريخ من نفق أزمته الحالية إلا بالاعتراف بالحدث من جديد. لتجاوز فكرة "التاريخ الجامد" ولإعطاء معنى للتحولات الأسطوغرافية الجديدة، يرسم دوس في خاتمة كتابه التاريخ المفتتمنحى مغايرًا للمفهوم المغلوط فيه عن عودة الحدث؛ إنه ليس بالتأكيد العودة إلى الوقائعي كما في التاريخ اللافيسي، بل هو السعي إلى بعث الحدث المتعدد الدلالات والمعاني1.

الحدث بين التقديس والكسوف

قام فرانسوا دوس في الباب الأول من كتابه بالتحقيق في العلاقة بين الحدث والتاريخ بحسب الأزمنة والمدارس التاريخية، ووقف عند كل فترة تاريخية، مبيِّنًا من خلال أمثلة متعددة تطور مفهوم الحدث. كانت البداية مع اليونان والرومان الذين بحثوا عن تفسير الأحداث اعتمادًا على النبوءات، فإرادة الآلهة وتدخلها في مسار الأحداث كانت تؤطر التاريخ في البداية، سواء مع الإغريق أو مع الرومان. وقد بذل المؤرخ بوليبب Polybius جهدًا كبيرا لعقلنة عملية الكتابة التاريخية، لكنه اعتقد - مع ذلك - بتأثير قوى تتفوق على قوة البشر هي ما تُعطي- في نظره - معنى وترابطًا لمجموعة الأحداث. كان الاعتقاد قويًا بأن القوى الإلهية تقف وراء الأحداث البشرية، وتتحكم بشكل دائم في تحديد مصير الشعوب التي تصبح عاجزة عن الهروب من قدرها المحتوم؛ فبحسب تيت ليف Tite- live، اعتقد الرومان في كونهم حمَلة مهمة مقدسة تسلموها من الآلهة مباشرة. وفي العصور الوسطى، استمر الحديث عن زمن الآلهة وعن تاريخ الأحداث القدرية التي خطها رجال الكنيسة بأقلامهم، فكل حدث - في نظرهم- جاء ليؤكد، ضمن سياق وجودي ذي معنى، المجد الإلهي، وهكذا وَجدت الأحداث التاريخية نفسها محصورة داخل منطق إلهي غائي خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. قبل الانتقال إلى فترة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، يقف فرانسوا دوس مليًا مع نيتشه غير المتوقع، والذي أخذ على عاتقه مهمة تحرير الإنسانية من تلك الحمولة التي تثقل كاهل التاريخ وتمنعه من المضي قدُمًا. إن تحطيم النقد النيتشوي القناعات وتفكيكها بقيا بلا صدى خلال القرن التاسع عشر، حين انتصرت - خلاله بلا شك- التاريخانية الألمانية ووارثوها من التاريخانيين الفرنسيين. تميز القرن التاسع عشر في خطاب المؤرخ المنهجي باعتقاد راسخ بإمكانية بناء الأحداث التاريخية، حيث الحقيقة قطعية؛ إذ يكفي التخلص من التعابير الأدبية للوصول إليها. إنه تاريخ ميَّزته خطِّية الزمن التاريخي من خلال انتعاش سرد تواريخ الأحداث، كالمعارك وتاريخ الملوك والوزراء. كان الانبهار بوصف الأحداث السياسية هو الأقوى بحسب التحقيق الذي قام به المؤرخ ألان كوربان A. Corbin بشأن موضوعات مجلة اللسان التاريخية الناطقة باسم المدرسة المنهجية. وقد تكرست هذه المفاهيم المتعلقة ب"التاريخ الحدثي" مع أجيال كاملة من المتمدرسين الذين نهلوا من الكتب المدرسية لأرنست لافيس E. Lavisse الذي جعل الحدث حجر الزاوية في البناء السياسي للدولة الوطنية؛ فبناء التاريخ عند هؤلاء الوضعانيين انبنى على دراسة الماضي وتأثيثه بتسلسل متواصل من الأحداث المتعاقبة. في بداية القرن العشرين، تعرضت يقينيات المدرسة المنهجية ورموزها لانتقادات لاذعة، وكيلت لها اتهامات من مختلف العلوم الإنسانية التي كانت في مرحلة تطور على مستوى المناهج المعتمدة. فمجلة التركيب التاريخيالتي كان يشرف عليها هنري بير H.BEER انتقدت قداسة الحدث واختزالية المدرسة المنهجية. وتزايدت حدة الانتقادات الموجهة ضد هذه المدرسة التاريخية ذات التوجهات الرانكية؛ فمدرسة الحوليات -ومنذ نشأتها- هاجمت تقديس الحدث، وانتقصت التاريخ الحدثي الوصفي للظواهر، وجرى، بشكل كاريكاتوري، تشبيه الحدث بصنم يُعبد، وهو ما سبق لشارل بيكي Ch. Péguy و فرانسوا سيميان F. Simiand أن انتقداه. وقد دقت موجة البنيوية المسمار الأخير في نعش المنهجيين، إذ ظهرت إلى الوجود فجأة مفاهيم جديدة تناغمت مع الموضة الباريسية الجديدة، فانتشرت مفاهيم من قبيل "الزمن الطويل" مع فرناند بروديل F. Braudel و"التاريخ الجامد"

  1. بهذا الخصوص انظر: فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، محمد الطاهر المنصوري (مترجم)، ط 1 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.)

مع إيمانويل لوروا لادوري E. le Roy Ladurie، وأصبح الحدث مع الجيل الثاني لمدرسة الحوليات غير معتبر تمامًا في التاريخ الطويل الذي بدأ يهتم بالبنى الكبرى، مثل الاقتصاد والمجتمع. لقد تغيرت مكانة الحدث منهجيًا وإبستيمولوجيًا بمروره إلى المرتبة الثالثة بعد البنية والظرف مع بروديل. أعادت مدرسة الحوليات - التي جعلت من الحدث خصمها الأول- النظر في باقي مسلّمات المدرسة المنهجية من قبيل حيادية المؤرخ المزعومة في وجه الأحداث، وإمكانية نقلها من دون تدخل فيها؛ فالعالِم المؤرخ مُطالَب بالتجرد الكامل أمام الأحداث، وهو الأمر الذي خالفه المؤرخان مارك بلوك M. Bloch ولوسيان فيفر L. Febvre، إذ يتعين على المؤرخ -على العكس من ذلك- التدخل بشكل نشيط في الوثيقة وفي الأرشيف، فليس الماضي هو الذي يولد التاريخ، وإنما المؤرخ هو الذي يولد التاريخ، بحسب تعبير بول ريكور Paul Ricœur. يُعدّ نفي الحدث وإبعاده نقطة العدم في الأفق الحولياتي منذ ولادة هذه المدرسة على يد مارك بلوك ولوسيان فيفر. وبلوغ الحد الأقصى لهذا النفي تجلى في أبحاث إيمانويل لوروا لادوري E. le Roy Ladurie الذي تحدث عن تاريخ بلا بشر. لقد انتقلنا من التاريخ كعلم للتغيير إلى تاريخ يكاد يكون جامدًا مع فرناند بروديل F. Braudel، إلى تاريخ جامد بشكل كلي مع إيمانويل لادوري E. le Roy Ladurie. ففي الفصل الرابع من الجزء الأول من كتاب هذا الأخير الموسوم ب حقل المؤرخ، نجد عنوانًا معبِّا هو "التاريخ بلا بشر". كما أنه أصدر في سنة 1967 كتابًا عن تاريخ المناخ منذ ألف عاممن دون أن يكون فيه للإنسان أي حضور ولو على الهامش، إذ أعدَّ تقسيمًا زمنيًا للتغيرات المناخية من دون أن يهتم بانعكاساته على المجتمع. بحسب فرانسوا دوس، فإن المؤرخ الفرنسي ايمانويل لوروا لادوري، عضو لجنة إدارة الحوليات وأحد أبرز وجوه تيار التاريخ الجديد، يُعدّ المتهم الرئيسي؛ فهو العدو اللّدود للحدث، ذلك أن عبارته المستفزة ("التاريخ الجامد") التي جعلها عنوانًا لدرس افتتاحي ألقاه سنة 1973 بالكوليج دوفرونس Collège de France، بمناسبة اختياره رئيسًا لشعبة التاريخ والحضارة بها، ما زالت راسخة في الأذهان. وبالفعل، يُعتبر هذا المؤرخ من دعاة إقصاء التاريخ الحدثي، فهو الذي وصمه مرارًا ب"التاريخ الشوفيني". أصبح الحدث رمزًا من رموز التاريخ التقليدي خلال مرحلة سيطرة الحوليات. وقد تزامن إقصاء الحدث مع فترة صعود التيار البنيوي الذي فرض سطوته على مختلف ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية. ذاب الحدث في تاريخ الأمد الطويل، ودُفِع نحو الهوامش، ويمكن حتى "ألا يُهتَم به أبدًا"، بحسب تعبير كريستوف بوميان2؛ ففي منظور الماكرو تاريخ، أصبح الحدث "لاشيء"، ونأى فرانسوا فوريه F. Furet بنفسه خارج متاهة التاريخ السياسي الذي يبقى، كما الحدث، أفقًا ميتًا في الخطاب الحولياتي. أما جاك جوليار Jacques Julliard، فجمع، في مقال شارك به في المؤلَّف الجماعي " صناعة التاريخ "، الحجج المختلفة لمقاضاة هذا التاريخ الذي عدّه "تاريخًا نخبويًا" و"بيوغرافيًا" و"لا يعرف المقارنة" و"سرديًا" "لا يعرف التحليل" و"حينيًا" "لا يعرف الأمد الطويل". وبكلمة واحدة تلخص كل شيء في لغة المؤرخين، إنه "تاريخ وقائعي" منبوذ3. لقد حُذف عدد كبير من الأحداث الكبرى من التاريخ. وعلى سبيل المثال، شكّل حدث الثورة الفرنسية (1789) جدلً كبيرًا في ساحة الكتابة التاريخية الفرنسية. ففي عشية الذكرى المئوية الثانية لهذا الحدث (1989)، أعلن رئيس مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية السابق فرانسوا فوريه أن الثورة الفرنسية انتهت؛ هذه الثورة التي كانت تُزعج منظور تاريخ الأمد الطويل، لذلك فإنها من منظور هذا الأخير ليست سوى أسطورة، وكان ذلك ما يشبه إعلان وفاة الحدث. إن الكتابة التاريخية كانت، بحسب إيمانويل لوروا لادوري، مُجبرة على أن تقتل من أجل أن تحيا؛ فقد حكمت منذ عقود مضت على التاريخ الوقائعي وعلى البيوغرافيا بموت شبه كلي، وأصبح الحدث، مع ثبات أحداث الزمن الطويل بالنسبة إلى هذه الإستوغرافيا - التي تغذت من رحم الأنتربولوجيا- هامشيًا ومحجَّمًا إلى درجة الصفر.

  1. كريستوف بوميان، نظام الزمان، بدر الدين عردوكي (مترجم)، ط 1 (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 42 - 43. ونشير هنا إلى أنّ محاكمة التاريخ الوقائعي لها جذور بعيدة تعود إلى مابيون وفولتير.
  2. دوس، التاريخ المفتت من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ص 388.

إعادة اكتشاف الحدث

لم يشر فرانسوا دوس في سياق حديثه عن انبعاث الحدث في أطروحته التاريخ المفتتإلى الدراسة التي وضعها قَبله المؤرخ جورج دوبي G. Duby عن معركة بوفين La Bataille de Bouvines، والتي نجد فيها النواة الأولى لتجديد إبستيمولوجي عميق على مستوى تناول المعارك الحربية بطريقة مختلفة عما كانت عليه في القرن التاسع عشر مع المدرسة المنهجية. لقد قدم في تحليله للمعركة طريقة مغايرة لتناول الحدث في التاريخ، إذ بيَّ كيف أن هذا الحدث (المعركة) شكّل موضوعًا لقراءات واستعمالات متنباينة منذ وقوعه وإلى غاية الآن. فهذا المؤرخ جعل من الحدث موضوعًا للتاريخ من خلال تحليل معركة بوفين التي جرت بين الفرنسيين والألمان عام 1214، وقد ركز - بدلً من أسبابها- على الآثار التي خلّفتها على مر الزمان، وما عادت المعركة تعني ذلك الحدث المشهور، بل أصبحت ذكرى في المخيال الجماعي للأمة الفرنسية، وبعد أن ظلت منسية منذ القرن السادس عشر، حينما أصبح الإمبراطور الألماني حليف ملوك فرنسا، عادت ذكراها إلى السطح عام 1870، مع عودة التوتر من جديد في العلاقات بين فرنسا وألمانيا4. ركز المؤرخ جورج دوبي G. Duby على آثار الحدث وتحولاته، وبذلك يكون قد أسس تناولً جديدًا للحدث الذي أخذ الآن أهمية أكبر لدى المؤرخين وعلماء الاجتماع والفلاسفة. هذا ما فعله أيضًا المؤرخ بيير نورا Nora P. في عمله الضخم أماكن الذاكرة؛ فهذا المشروع الكبير يمكن النظر إليه على أنه استعادة لمعنى، فكرته الأساسية قائمة على فكرة الأثر، مادية أكانت أم معنوية. ويدعو بيير نورا المؤرخين إلى زيارة الماضي بشكل مختلف انطلاقًا من الآثار التي تركتها في الذاكرة الجماعية: الأحداث، والرجال، والرموز، وشعارات الماضي؛ إذ ليست الأعمال المحفورة في الذاكرة، ولا حتى تلك التي نسترجعها في عملية التذكر، هي المهمة، وإنما المهم هو أثر تلك الأعمال ولعبة استرجاعها، وليست الأحداث في حد ذاتها هي المهمة، إنما بنيانها في الزمن واندثار معانيها وانبعاثها، وليس الماضي كما حصل وإنما إعادة توظيفه الدائم أو التخلي عنه، ومدى الضغط الذي يمارسه على أزمنة الحاضر. أصبح الحدث اليوم مدخلً متميزًا إلى العالم الاجتماعي عبر الاستعادة الاختزالية للوقائع منذ أعمال ندوة "الحدث" في ايكس بروفانس التي أشرف على تنظيمها المركز الجنوبي للتاريخ الاجتماعي في مرسيليا عام 1986. لكننا نلاحظ أن الاهتمام الجديد ينصب بالأساس على الآثار التي يخلفها الحدث من خلال طفراته المتوالية، وهو ما يجنبنا السقوط في تبخيس الحدث والتقليل من شأنه؛ فانطلاقا من هذا التصور الجديد، ما عاد الحدث مُعطى بسيطًا يكفي التقاطه والتأكد من صحته، وإنما هو بناء يُحيل على مكونات المجتمع باعتبارها قاعدة رمزية. والحدث يَصنع بطريقة لا خطية الذاكرة الجماعية التي يمكن أن تتبنّاه أو أن تتخلى عنه، أو تحوله، كما هو الشأن بالنسبة إلى معاهدة وستفاليا (1648) التي وقِّعت عقب حرب الثلاثين سنة؛ فهذه المعاهدة التي أوقفت الحرب لم تكن حدثًا ذا قيمة، حتى أن ذكرها كان يأتي بطريقة مقتضبة، غير أن الموجة الوطنية الألمانية التي استيقظت عام 1815، في وقت سقوط الإمبراطورية الفرنسية بعد انهزام نابليون في معركة واترلو، أحيت ذكر الحرب والمعاهدة، وأصبحت معاهدة وستفاليا تكوِّن الهوية. وبعد هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتقسيمها إلى دولتين، اتجهت ذاكرة الأجيال الجديدة - ومن خلال نظرة نقدية – إلى معاهدة وستفاليا بصفتها المعاهدة الأولى المتَّهمة بكونها السبب في تقسيم الإمبراطورية الجرمانية. بهذه التناولات والرؤى الجديدة، ما عاد الحدث يدخل في تناقض وتضاد مع تاريخ الأمد الطويل، لأن الحدث داخل هذا الزمن يتخذ شكلً ومضمونًا، وهو الأمر الذي أثار انتباه المؤرخين إذ ذاك إليه، ولم يكن الأمر يتعلق بأهمية أسباب الحدث ولا بالنتائج الفورية المترتبة عنه، وإنما بما يتركه من آثار في طيات الزمن. تزايد منذ دراسة جورج دوبي المؤسِّسة الاهتمام، وبشكل كبير، بالحدث والذاكرة في أبحاث النصف الثاني من القرن العشرين، وهو الأمر الذي نلمسه مثلً من خلال عودة سلسلة الأيام التي صنعت فرنسا برعاية مؤسسة غاليمار، وأيضا من خلال المساهمة المتميزة لكثير من المؤرخين المشهورين في مشروع مكتبة التواريخ الكبرى لتاريخ فرنسا الذي يشرف عليه ألان كوربان Alain Corbin.

  1. Georges Duby, Le Dimanche de Bouvines: 27 Juillet 1214 (Paris: Gallimard, 1973).

إن عودة الحدث كما توقعها فرانسوا دوس وغيره بدأت تتحقق تدريجيًا على أرض الواقع، وهي عودة محمودة وليست بسيطة للموضوعات التقليدية لمرحلة ما قبل الحوليات، إذ كان الحدث يسجَّل ضمن منطق خطي غائي؛ إنه تجديد في طريقة التناول بشكل جذري، فالحدث الذي عاد ليس الحدث نفسه الذي نُبذ سابقًا مع المدرسة المنهجية. يميز فرانسوا دوس في كتابه موضوع القراءة بين كلمتي العودة والانبعاث؛ فهو يعتبر الاهتمام الجديد بالحدث انبعاثًا وليس عودة، وهو يصر على أن الأمر يتعلق بإعادة اكتشاف عوض عودة بروز، وبهذه الطريقة يتميز عن التشخيص الذي قدمه بيير نورا لعودة الحدث في مقاله الشهير "عودة الحدث" المنشور عام 19745؛ فبالنسبة إلى خلاصات بيير نورا، نستحضر وقع تأثيرات حدث أيار/ مايو 1968 فيه، ذلك أن تلك الثورة الطلابية الشبابية، التي عاشها عدد كبير من المفكرين والمؤرخين الفرنسيين كشهود عيان، كان لها تأثير كبير فيهم. ويرى بيير نورا أن وسائل الإعلام، لا المؤرخين، هي التي قامت بإعادة الحدث. ويبيّ المؤلف في كتابه بشكل واضح أن الحدث الذي صرعته الحوليات بالضربة القاضية في بداية نشأتها هو الحدث التبخيسي الذي كان يسجَّل ضمن منطق التاريخ الموجَّه، أما الحدث الذي عاد مجددًا، فهو الحدث ذو الأثر الدَّال، ويفرض ذلك أصل الكلمة والمعاني الممنوحة لها، فالحدث يأتي بمعنى النتيجة والبداية، وبمعنى حَلّ العقدة، كما يُحِيل إلى الانفتاح الممكن6. ما عادت مهمة المؤرخ الحالي مثل مهمة مؤرخ القرن التاسع عشر؛ فهو لا يبحث عن القوة المسبِّبة للحدث كي يضعه بشكل محدَّد في صيرورة معيّنة، بل يقوم بإعطاء القيمة الإشعاعية للحدث عبر قياس أصدائه على المدى البعيد، فإذا كان التاريخ الخطي للكتابة التاريخية الكلاسيكية يعمل على تدجين الأحداث عبر إعادة بنائها، فإن القوة الخلَّقة للحدث، كما يستعملها المؤرخون اليوم، تجعل منه، على العكس، عاملً لتقطيع الزمن، فالحدث بمعناه الحديث لا يجري تصوره داخل تاريخ مغلق، فهو لا ينتهي أبدًا، ولا يفوت أبدًا، بل يُستثمر دائمًا داخل الحاضر.

ما معنى الحدث الذي عاد؟

بعد كسوف الحدث في العلوم الإنسانية مدة طويلة، نشهد اليوم عودته الباهرة المحتفَل بها. إن الأمر ليس بهرجة مفتعلة، ولا علاقة لهذه العودة بالمفهوم القديم للحدث كما تعارفت عليه المدرسة الوضعانية خلال القرن التاسع عشر، وإنما هناك مفاهيم جديدة عوَّضت أخرى، من قبيل البنية والزمن الطويل واللامتغير والثابت. للإشارة، لم تشمل هذه التغيرات ميدان التاريخ فقط، بل اكتسحت أيضًا جميع ميادين العلوم الإنسانية الأخرى من دون استثناء. وهذه العودة القوية للحدث تتطلب طريقة نظر وتناول جديدة، وذلك من خلال مساءلة الحدث، ووضعه باستمرار في دائرة الفحص لدى مجموع العلوم الإنسانية، لقياس مدى خصوبته المتجددة. لماذا نتحدث عن ولادة جديدة للحدث اليوم؟ هل الأمر مجرد عودة لما كان عليه التاريخ في القرن التاسع عشر؟ ما الحدث الذي عاد؟ إنها أسئلة رئيسية تفرض نفسها على مؤرخ الزمن الراهن، بل إن الحدث، بحسب قراءة دوس، ليس معرفة لماذا عاود الحدث بالعودة والظهور فجأة، ولكنه التساؤل عن ماهية من عَادَ تحت مسمّى "حدث". بصيغة أخرى، أصبحت طبيعة الحدث هي موضوع التساؤل، لأن تعدد الإجابات عن سؤال الماهية هو الذي يشرح مرونة استعمالات كلمة الحدث7. هل نعيش عودة بسيطة للحدث؟ أم أن الأمر يتعلق بنظرة جديدة وبمقاربة مختلفة للحدث؟ كيف بدأ الحدث؟ وكيف تطور في الزمن؟ إنها أسئلة تناولها فرانسوا دوس، محاولًالإحاطة الشاملة بأجوبتها من خلال تقديم الحدث كانبعاث وكعودة جديدة للاختلاف.

  1. Pierre Nora, "Le retour de l’événement," In Faire de l’histoire: Nouveaux problèmes , sous la direction de Jacques Le Goff & Pierre Nora (Paris: Gallimard, 1974).
  2. François Dosse, Renaissance de l'événement: Un défi pour l'historien entre Sphinx et Phénix ([s. l.]: [s. n.], [s. d.]), p. 5.
  3. Ibid,. p. 2.

لإبراز تحولات الحدث بين الأمس واليوم، يرسم المؤَلِّف جينيالوجيا الحدث من خلال تتبّع دقيق لمعاني الكلمة وتطورها منذ الإغريق إلى الآن؛ فبعودته إلى مجموعة من المعاجم، أعاد صوغ تطور مفهوم الحدث الذي ظل حتى القرن الخامس عشر مفهومًا فضفاضًا غير ذي معنى محدد. فعلى طريقة الفيلولوجي (عالم اللغة)، قام فرانسوا دوس بتتبّع جذور الكلمة كما استُعملت عند اللاتينيين، فوجد أن أصلها محصور بين مفردات EVENIRE بمعنى خرجأو لديه نتيجة، يحدث، حادث. وفي الوقت نفسه EVEN-TUM, EVENTUS بمعنى ظاهرة هي بمثابة قطيعة، وهذا المعنى الثاني نادر الاستعمال8. بالعودة إلى القواميس القديمة، وإلى مختلف التعاريف اللاحقة لمفردة حدث، لم تخرج الكلمة في استعمالاتها إلى حدود أواخر القرن الخامس عشر عن معنيي القطيعة و الانفتاح. وفي القرن السادس عشر بدأ يُحيل مفهوم حدث إلى المخرج، إلى النجاح. أما في القرن السابع عشر، اختفت تلك المعاني السابقة تقريبًا وعوضها المعنى الجديد، وهو ما وقع، وما له أهمية، أو ذو طبيعة غير عادية، أي: الواقعة التي "تُكَسِّ الرُّوتين"، وهذا هو المعنى الذي ما زال قيد الاستعمال في حقل المؤرخين9. نلاحظ جيدًا، من خلال الطبعات المتتالية لمعاجم اللغة الفرنسية بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تطور هذه المفاهيم والتعاريف، حيث المعاني الثلاثة السابقة في وقت واحد، والفرق الوحيد يكمن في الترتيب الذي هي عليه؛ ففي عام 1698، كان الحدث يعني المخرج، أو نجاح شيء ما، أو تجربة ملحوظة، ونجده أخيرًا بمعنى "مفاجأة". وفي عام 1835، شهدنا قلب الأولويات، فكل ما يُحيل إلى المخرج والنتيجة لا يظهر إلا في المرتبة الأخيرة، والأولوية أُعطيت لفكرة المفاجأة10. من خلال هذا التتبّع الدقيق لتطور هذا المفهوم عبر الزمن، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات في معنى الحدث: الأولعدّه شكلً من أشكال السببية، فهو يؤدي إلى نتيجة عندما تتوافر فيه شروط التحقق، وهذا الاستعمال اعتمدته الدراسات الأدبية التقليدية، وقد أصبح الآن متجاوَزًا؛ الاستعمال الثانييحيل على ما يحدث لشخص ما، وقد يأخذ أبعادًا إيجابية أو سلبية، ومنه نعوت الحدث السعيد والحدث الحزين. أما الاستعمال الثالث، فيحيل إلى شكل من أشكال القطيعة11. وقد قدَّم بول ريكور في مقاله "عودة الحدث" المعاني اللغوية لكلمة حدث. ونظرًا إلى أهميتها، نقدمها بشكل مختصر: في المعنى الأول للحدث نجد الإشارة إلى كل ما يقع: ظهور، غياب، وقوع، بهذا المعنى في كل يوم يحدث شيء ما، وقد أطلق بول ريكور الظهور الفيزيائي على هذا النوع من الأحداث. ولكي تنتقل إلى المستوى الثاني، وجب أن يتوافر في هذه الأحداث الحد الأدنى، إذ ينبغي أن يتّفَق على كونها مهمة بشكل كاف من طرف المعاصرين، ثم يأتي في الأخير أمر اختيار الأحداث وترتيبها، أو كما يسمّيه ريكور وضع الحبكة، وهو يقدّم فرقًا ذا طبيعة إبستيمولوجية بين الحدث كما وقع والحدث كما حُكَِ أو كما سُجٍّلَ أو كما وصل إلينا12، وهو أمر سجله الفيلسوف ميشال فوكو Michel Foucault في سياق مختلف؛ إذ ليس المهم - في نظره - الحدث المجرد، وإنما الحدث المندمج في السلسلة التي ينتمي إليها. ومن الأكيد أن ميشيل فوكو بمنحه الأفضلية للانقطاعات، يختلف عن "التاريخ الذي لا يتحرك" لإيماويل لادوري E. Ladurie، فهو يعمل في اتجاه إعطاء شأن للحدث، وذلك بخلاف التيار السائد في كتابة التاريخ، والذي ينحو إلى تهميش وزن الحدث ودوره13. هذه التراكبات المتعددة في المعنى تيسّ استعمالات مختلفة لمفهوم الحدث الذي تحول إلى سؤال يحيل إلى "التوتر ما بين الخطين المشكٍّليَن لطبيعته السيميائية، ما بين السببية المؤدية إلى المخرج غير المتوقع، وما بين الشيء المفاجئ غير المنتظر"14.

  1. Ibid.
  2. Ibid.
  3. Ibid., p. 4.
  4. Ibid.
  5. Paul Ricœur, Le retour de l'événement, Mélanges de l'école française de Rome: Italie et méditerranée, vol. 104 , no. 1 (1992), p. 29.
  6. دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ص 275.
  7. Dosse, p. 4.

أعاد دوس التساؤل عن مفهوم الحدث من خلال تتبّع إيتيمولوجية المصطلح، لينتهي إلى تحويل المقاربة من قمة الحدث إلى القاعدة، أي بالانتقال من أسبابه إلى آثاره، وهذا هو أكبر تحوّل جديد ما عاد الحدث بفضله في وضعية العدم. لقد كان إيمانويل بواسيي Emmanuel Boisset محقًا عندما أكد بالقول أن "الحدث يصعب اختصاره في تعريفاته اللغوية"، وبناء عليه، ينبغي أن نبحث عن أسبابه وتشخيص نتائجه15. يرى ميشيل دوسيرتو M. de Certeau في أحد تعليقاته الشهيرة، على هامش حدث أيار/ مايو 1968، أن "الحدث هو ما يؤول إليه"، وبوصفه دائمًا "ما سيؤول إليه"، يجعل من غير الممكن التحكم في مآلاته وامتداداته؛ فالحدث في حركة دائمة، ولا يمكن أبدًا تحديده أو ضبطه، وليس بعده أفضل من تعبير ميشال فوكو الذي انتبه إلى وجود الحدث في كل مكان، والذي قال بشأنه: "ليس وحدة قارة يمكن تحديدها بدلالة واحدة في إحداثيات زمكانية"، قبل أن يقترح تعريفه الخاص والمميز، "فالحدث هو دائمًا تشتت"، "تعدد"، هو "ما حدث هنا وهناك"، هو "متعدد الرؤوس"16. يجب أيضًا أن يؤخذ في الحسبان خاصية الغموض والتجديد التي تميز الحدث، فهذا يقودنا إلى قراءة تاريخية أخرى تقتضي مهمات جديدة لمحترفي التاريخ. أُولى هذه المهمات هي المحافظة على انفتاح الحدث الذي يظل محاطًا بعدد كبير من التساؤلات، منها عدم قدرته على توضيح ما حدث، فالحوادث تظل مُلغَّزَة، بحسب تعبير ميشال فوكو. إن العنصر الجديد الذي يميز الحدث إذًا هو الغموض الذي يواكبه ويستمر ويبقى مرافقًا له إلى أن يختفي من الواجهة. والحدث هنا يشبه تمثال أبي الهول الغامض، وهو يشبه أيضًا طائر الفينيق (العنقاء) الذي لا يختفي أبدًا، تاركًا الكثير من الآثار17. الحدث هو في الوقت نفسه أبو الهول والعنقاء بحسب دوس، وهو بذلك يفلت من كل محاولة تبخيسية لتميزه بخاصيتي الغموض والتجدد. وهكذا يعود الحدث بلا توقف ليقوم بوجوده الطيفي مرة أخرى بأدوار جديدة في أحداث موالية، وقد يتسبب في ظواهر غير مسبوقة. بهذا المعنى هناك عدد قليل جدًا من الأحداث التي يمكن أن نعدّها انتهت بالفعل، لأن الأحداث قابلة دائمًا للظهور والطفو على السطح من جديد، مهما تكن موغلة في القِدم. عودة الحدث وانبعاثه الراهن يُسائلان مفاهيم البنيوية الآخذة في التآكل شيئًا فشيئًا؛ فالحدث الذي يعود تحوّل إلى معْلم وإلى أثر ذي معنى، نراه اليوم كنتيجة وكبدء، وكانفتاح لما هو ممكن، وهذا الممكن لم يكن موجودًا من قبل بل خُلق بالحدث، كما عبّ جيل دولوز18G. Deleuze. ويمكن القول إن الفكرة الدولوزية تؤول إلى فرض ذاتها اليوم، ففي حين كانت العادة في السابق إعطاء القيمة لما قبل الحدث، فإن الأهمية تعطى اليوم لما بعد الحدث19.

الحدث يف زمن الإعلام

بالنسبة إلى فرانسوا دوس، كل الوقائع مرشحة للدخول في التاريخ بوصفه ناديًا خاصًا بالأحداث التاريخية؛ فالواقعة تنتظر وسيطًا للمرور إلى خانة التاريخ، ولكي تتحول الواقعة إلى حدث تاريخي، "لا بد أن تمر عبر هرم ما يمكن تسميته الرقي في مراتب الأهمية. وقد قام المؤرخون في الماضي بدور الإشبين"20، وهم وحدهم الذين امتلكوا القدرة على تحويل أحجية أو واقعة إلى حدث تاريخي؛ فنحن نقرأ الأحداث التي كُتبت وليس

  1. Ibid.
  2. نقلً عن القراءة التي قدمها فلوريان لويس Floriane Louis لكتاب فرانسوا دوس انبعاث الحدث، انظر: Floriane Louis. Publie sur Acte le 31 juin 2011.
  3. Dosse, pp. 6 - 7.
  4. Ibid,.
  5. Alban Bensa et Eric Fassin, "Les sciences sociales face à l'événement," Terrain , no. 38: Qu'est-ce qu'un événement? (Mars 2002), http://terrain.revues.org/ document 1888.
  6. Dosse, p. 6.

الأحداث التي وقعت في الماضي. هناك أحداث رئيسة تحدث وربما لا نهتم بها، والإخبار بالواقعة هو الذي يمثّل الحدث في نظر بيير نورا، ذلك أن كونها وقعت يجعلها تاريخًا فقط، ولكي تصبح حدثًا يجب أن تُعرف21. اليوم، وفي عالم ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين، تؤدي وسائل الإعلام دور الكفيل والواسطة، إذ إن الحدث المعاصر يمر بشكل فوري ومباشر في وسائل الإعلام بلا مؤرخ، ولا شك أن هذا أحد أبرز تحولات الحدث في زمن عصر الصورة والثورة المعلوماتية. يؤرخ بيير نورا بروز الحدث المعاصر أول مرة بالثلث الأخير من القرن التاسع عشر؛ فقضية درايفوس Dreyfus l'affaire22 في فرنسا تمثّل- في تصوره - أول بزوغ للحدث المعاصر، ذلك أن القضية أخذت من الإعلام كل شيء، وأعطته كل شيء، ومنذئذ لم يتوقف التاريخ المعاصر عن إعادة إنتاج نماذج حدثية انطلاقًا من أمثلة ومواد مشابهة في زمن تطورت فيه المجتمعات الصناعية. تفرض وسائل الإعلام المختلفة وتقنيات الاتصال الجديدة الآني المعيش كتاريخ، وتُقحم المشاهد في ميدان الحدث، وتشعره بأن التاريخ لا يُكتب بعد حين، بل يُشاهد وهو يقع مباشرة في الحاضر، لدرجة أن الحاضر يفرض علينا مزيدًا من المعيش – الحاضر هنا يأخذ مكان الماضي. هذا ما جرى مع حرب الخليج الثانية وحرب أفغانستان، وضربة 9 / 11، وثورات تونس ومصر وليبيا واليمن، وما زال يجري بالنسبة إلى ثورة سورية23. يثير دوسفي الباب الثالث من كتابه انبعاث الحدثالتّغيُّات المعاصرة التي ساهمت في التجسيد الجديد للحدث، من خلال إلقاء الضوء على تقاربات وسائل الإعلام والأحداث التي تبدو قوية إلى درجة غير قابلة للانفصال؛ فالتاريخ أصبح آنيًا بفضل دور وسائل الإعلام المتعددة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الواقع، وبها وعبرها يواجهنا الحدث. إن في إمكان اللاحدث أن يتحول إلى حدث - فقط- بتدخل وسائل الإعلام؛ فالحدث العصري هو في الحقيقة لا شيء من دون الحامل التواصلي: "أنا موجود لأن الآخر يراني"24. ولتدليل المؤلف على قولته هذه، يورد مقارنة لمثالين من احتجاج الطلبة الفرنسيين في الجامعة، أحدهما وقع سنة 2007، ودام مدة طويلة بحيث توقفت الدراسة في المؤسسة الجامعية أشهرًا عدة. وقد تجاهلت وسائل الإعلام تمامًا هذه الحركة الاحتجاجية التي تمثّل، في نظره، حالة حدث حقيقي واقعي اختُزل إلى وضعية اللاحدث، لأنه مر في ظل صمت إعلامي رهيب، وبالتالي لم يره الرأي العام على حقيقته. النتيجة كانت على العكس من ذلك بالنسبة إلى مثال آخر هو حدث سابق للأول ضخمته وسائل الإعلام، وهكذا نجح في أن يأخذ وضعية حدث، وجعل الإدارة تتراجع عن مشروعها25. يمكن تقديم أمثلة ونماذج كثيرة من الأحداث التي تستحوذ على وسائل الإعلام؛ فعدد كبير من الوقائع ارتبطت في أذهان الناس بالصورة، من قبيل نزول الإنسان على سطح القمر. وهناك أحداث في السابق ارتبطت بالمذياع؛ فبالنسبة إلى بلد كالكونغو، وحتى حدود الستينيات من القرن الماضي، كان كافيًا لرجل دولة فيها أن يقول عبر موجات الأثير أنه أخذ السيطرة على الحكم لكي يصبح النظام في حوزته بالفعل26. إنّ الحدث كما يُطرح في وسائل الإعلام اليوم يسبب مشكلات عدة؛ فبالنسبة إلى بيير نورا، ساهم الإعلام في صنع "التضخم الحدثاني" من خلال وفرة المعلومات التي نشاهدها إلى درجة الإغراق، إذ تواجهنا يوميًّا أحداث مكررة، متشابهة أحيانًا، نمطية، ذات أفق محدود، وتبخس السياق في الغالب. يتعقب جهاز الإعلام الأحداث ويسلط الأضواء عليها، وتتكرر يوميًا أخبار متفجرة، وبوتيرة سريعة. وتبدو وسائل الإعلام كمغتصب لحقل التاريخ؛ إذ إنها جعلت من الحدث ديدنها، وهي تفرض علينا كل يوم عناوين تصنع منها أحداثًا. والخطِر في الأمر هذا هو قيام رجال الإعلام- قبل

  1. Ibid,. p. 212.
  2. Nora, "Le retour de l’événement," p. 213.
  3. للمزيد بشأن الثورات العربية ووسائل الإعلام، انظر: عبد الأحد السبتي، "الشعوب العربية وعودة الحدث"، ندوة المائدة المستديرة بشأن الأوضاع الراهنة في العالم العربي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 15 آذار/مارس 2011، سلسلة بحوث ودراسات، رقم 49 (الرباط: كلية الآداب والعلوم الانسانية، [د. ت.])، ص 39- 53.
  4. Dosse, p. 316.
  5. Ibid,. p. 317 - 319.
  6. Nora, "Le retour de l’événement," p. 214.

نقل الأخبار للجمهور- بإخضاعها لعمليات التنسيق وإعادة التأهيل والتوضيب والتصميم، وهو ما يبعث فينا مزيدًا من الشك والريبة في الخبر؛ فالجمهور المتلقي لا يمكنه التمييز بين الحدث الكبير الذي يفرض نفسه والحدث الميت الذي يأتي كعنصر مشوش. وهنا تُتهم وسائل الإعلام بتكريس المغالطات وتشويه الحقائق التي هي إما مفقودة وإما مخفية بشكل مقصود، وهكذا يمر الحدث بطرق مختلفة، بحسب خلفية وسائل الإعلام وما يريده المجتمع. وفي وسعنا – وفق الطريقة التي تناول بها ميشال دو سيرتو مصطلح صناعة التاريخ - اعتبار أن الحدث ينبع من فعل، من صناعة، فهل نحن أمام عمليات فبركة للحدث تُصنع في وسائل الإعلام؟ إن صناعة الحدث، وخصوصًا في المجتمعات المعاصرة التي تعيش تحت تأثير الإعلام، تقتضي وقوع صدمة، مثل تلك التي أحس العالم كله بها يوم 9 / 11. ومن هذا المنظور، يُعتبر هذا الحدث نتيجة لهذا النوع من الأحداث المكسرة التي تأتي فجأة وعلى غير توقُّع، لكنها تخضع، أمام اندهاش الجميع إزاء وَقْعِ الحدث، للتضخيم والأسطرة، فتنساب وتتسلل بشكل خفي، كالمرض الذي يدخل إلى جسم الإنسان بسكون حتى يتمكن منه27.

خلاصة

إنّ الحدث المهم، حاليًّا، يظهر باعتباره بداية مرحلة جديدة مختلفة. ولعل الواقعة التي تجعله يبزغ، اليوم، هي تلك التي تحرر في لحظة واحدة وبصورة فجائية شهابًا من الممكنات كانت إلى حد قريب غير مرتقبة؛ فخروج الشباب المتذمر في الربيع العربي للاحتجاج على الأنظمة الفاسدة، شكَّل مفاجأة حقيقية للجميع، فمن كان يتصور إمكانية نجاح الثورات في تغيير الأنظمة الحاكمة في تونس ومصر وليبيا واليمن؟ الثورات التي هزت البلاد العربية فاجأت الجميع، بمن فيهم المؤرخون؛ فهي لم تكن متوقعة من قبل بالنسبة إلى الباحثين في العلوم الاجتماعية، لأسباب متعددة، منها، أنها وقعت في بلدان تحكمها أنظمة سلطوية لم تعرف أي تغييرات، منذ عقود، وذلك عكس مثيلاتها من الدول في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وآسيا، ولأن متزعميها من الشباب، وهم كتلة طالما اعتبرها الخطاب السائد في العلوم الإنسانية يائسة وغير مبالية، ومحدودة الاهتمام بالشأن السياسي، ولأن الفكرة التي ظلت سائدة بخصوص توسيع الحريات والحقوق في العالم العربي، كانت تأتي نتيجة للضغوطات الخارجية، أكثر منها استجابة لمطالب الشعوب في الداخل28. لذا، على المتخصصين، ولا سيما المؤرخين، ضرورة تفسير "الرجة" التي وقعت في المنطقة العربية؛ بل هي مُجبرة على تقديم قراءات بشأن مآلات هذه الثورات العربية وآفاقها، فيما لا تزال أحداثها جارية ولم تستقر بعدُ بشكل نهائي29. تشكِّل الأحداث اليوم موضوعات آنية وفورية لوسائل الإعلام، وتغدو موضوعات يجري تناولها بصور متعددة، وأحيانًا متناقضة، وتُقدَّم بشأنها قراءات مختلفة. وهي، بذلك، تطرح نفسها بقوة على طاولات نقاشات المؤرخين العرب، لتجاوز القراءة الاستهلاكية للحدث، كما تقدمه وسائل الإعلام، الأمر الذي يشكّل تحديًا جديدًا أمام هؤلاء الذين طغت على أبحاثهم قضايا ترتبط بمراجعة ما خلّفه الإرث الاستعماري في مجال البحث التاريخي؛ حيث أُعطيت الأولوية لمونوغرافيات التاريخ المحلي، ولإعادة كتابة التاريخ الوطني انطلاقًا من رؤية جديدة تختلف عن رؤية المؤرخين الكولونياليين. واليوم يتجه الاهتمام إلى تاريخ الزمن الحاضر، على الرغم من العوائق الماثلة أمامه، وقدبدأنا نشهد بعض التغيرات من قبيل ظهور مزيد من الاهتمام بالأحداث الراهنة30.

  1. حدث 9 تشرين الثاني/ نوفمبر تناولته العلوم الاجتماعية بالتفكيك والتأويل، ومن أبرز القراءات في هذا الحدث، انظر: Bensa & Eric Fassin, "Les sciences sociales face à l'événement ,". وانظر أيضًا: جاك دريدا، ما الذي حدث في حدث 11 سبتمبر؟ حديث دار في 22 أكتوبر 2001 مع جيوفاني بورادوري، صفاء فتحي (مترجم)، بشير السباعي (مراجع)، ط 1 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2006).
  2. عبد الحي مودن وعبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس، أسئلة حول انطلاق الربيع العربي، الطيب بن الغازي (تقديم) ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])، ص 5- 6.
  3. قدَّم عبد الحي مودن في مقالته عن "الرجة الثورية العربية" أهم المقاربات التي تناولت ظاهرة الحركات الاحتجاجية في العالم بالدراسة والتفسير، ومن خلالها يحاول تقديم بعض المحددات التي تساعدنا على فهم الأحداث المتسارعة التي عرفتها المنطقة العربية. انظر: مودن، "الرجة الثورية العربية على ضوء نظريات الثورات والاحتجاجات"، ص 9- 37.
  4. على المستوى النظري، انظر، على سبيل المثال: فتحي ليسير، تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر، ط 1 (صفاقس: دار محمد علي للنشر/جامعة صفاقس كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005)؛ خالد طحطح: الكتابة التاريخية، ط 1 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2012)؛ عودة الحدث التاريخي، ط 1 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2014). وعلى المستوى التطبيقي، يمكن الإشارة إلى فتح وحدة الماستر والدكتوراه في تاريخ الزمن الراهن بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، المغرب.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

بوميان، كريستوف. نظام الزمان. ترجمة بدر الدين عردوكي. ط 1. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

السباعي. ط 1. الدار البيضاء: دار توبقال، 2006.

طحطح، خالد. عودة الحدث التاريخي. ط 1. الدار البيضاء: دار توبقال، 2014.

------------. الكتابة التاريخية. ط 1. الدار البيضاء: دار توبقال، 2012.

الإنسانية، 2005.

ضمن سلسلة بحوث ودراسات؛ رقم 49. الرباط: كلية الآداب والعلوم الانسانية، [د. ت.].

المراجع الأجنبية

دريدا، جاك. ما الذي حدث في حدث 11 سبتمبر؟ حديث دار في 22 اكتوبر 2001 مع جيوفاني بورادوري. ترجمة صفاء فتحي. مراجعة بشير دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. ط 1. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009. ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. ط 1. صفاقس: دار محمد علي للنشر؛ جامعة صفاقس كلية الآداب والعلوم مودن، عبد الحي، عبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس. أسئلة حول انطلاق الربيع العربي. تقديم الطيب بن الغازي. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]. ندوة المائدة المستديرة التي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بشأن الأوضاع الراهنة في العالم العربي، الرباط، 15 آذار/ مارس 2011، منشور

• Bensa, Alban et Fassin, Eric. "Les sciences sociales face à l'événement." Terrain: no. 3 8 , Mars 20 02.

• Dosse, François. Renaissance de l'événement: Un défi pour l'historien entre Sphinx et Phénix. [s. l.]: [s. n.], [s. d.].

• Duby, Georges. Le Dimanche de Bouvines: 27 Juillet 12 14. Paris: Gallimard, 1 973. (Trente journées qui ont fait la France; 5)

• Le Goff, Jacques et Nora, Pierre. Faire de l’histoire: Nouveaux problèmes. Paris: Gallimard, 1 974.

• Ricœur, Paul. "Le retour de l'événement." Mélanges de l'école française de Rome: Italie et méditerranée: vol. 10 4 , no. 1, 1992.