Return to Article Details The Battle of Kosovo 1389: From Myth Making to Ideology

معركة كوسوفو 1389 م: من الأسطرة إلى الأدلجة

The Battle of Kosovo 1389: From Myth Making to Ideology

محمد الأرناؤوط

الملخّص

تُعتبر معركة قوصوة بالعثمانية أو كوسوفو [Kosovo] بالسلافية التي جرت في 1389/06/28 بين السلطان العثماني مراد الأول وحلفائه في المنطقة وبين أمير صربيا لازار هربليانوفيتش [Lazar Hrebeljanovic] وحلفائه في المنطقة من الأحداث المُلغزة والمهمة في نهاية العصر الوسيط بأوروبا. فقد كانت أول معركة يلقى سلطان عثماني فيها حتفه، وهذا هو العنصر الوحيد المؤكد فيها، في حين أنّ مجرياتها كانت غامضة وتُركت لاحقًا للمخيلة الشعرية والرغبة في توظيفها حسب السياق التاريخي والسياسي في المنطقة خلال القرون اللاحقة; إذ خدمت أولًا كرمز للصراع بين الاسلام والمسيحية حتى القرن الثامن عشر، ثم أصبحت رمزًا للأيديولوجية القومية الصاعدة في القرن التاسع عشر والمتجدّدة في نهاية القرن العشرين، في مرحلة ما بعد الشيوعية، واستمرت حتى مطلع القرن الجديد كرمز مفتوح للمستقبل يعكس واقع القوى والتحالفات في المنطقة.

Abstract

The battle of Kosova (in Ottoman Turkish), or Kosovo (in Slavic), which took place on June 28, 1389 between the Ottoman Sultan Murad I and his allies and the Serbian prince Lazar Hrebeljanovic, is a critical but also puzzling historical event taking place at the end of the middle ages in Europe. It was the first battle in which an Ottoman sultan met his death – this being the only certain fact about the battle. The details of the battle are were not accurately recorded and therefore subsequently left to the poetic imagination of those who wanted to make use of the battle according to the historical and political context in the region over the following centuries. To begin with, the battle served as a symbol of the conflict between Islam and Christianity until the 18th century. Then it became a symbol of rising nationalist ideology in the 19th century and nationalist revival at the end of the 20th century in the post-communist period. Right up to the beginning of the present century, the battle of Kosovo remains on open symbol for the future, reflecting the reality of powers and alliances in the Balkans.

الكلمات المفتاحية:
  • كوسوفو
  • مراد الأول
  • لازار هربليانوفيتش
  • العصر الوسيط
  • أيديولوجيا
Keywords:
  • Kosovo
  • Murad I
  • Lazar Hrebeljanovic
  • Middle Ages
  • Ideology
*Muhammed Al-Arnaout محمد الأرناؤوط|
Muhammed Al محمد الأرناؤوطArnaout |* أستاذ التاريخ في جامعة العلوم العالمية الإسلامية، الأردن.
تُعتبر معركة قوصوة (بالعثمنية) أو كوسوفو Kosovo (بالسلافية) التي جرت في 1389/6/28 بين السلطان العثمني مراد
الأول وحلفائه في المنطقة وبين أمير صربيا لازار هربليانوفيتش Hrebeljanovic Lazar وحلفائه في المنطقة من الأحداث
المُلغزة والمهمة في نهاية العصر الوسيط بأوروبا. فقد كانت أول معركة يلقى سلطان عثمني فيها حتفه، وهذا هو
العنصر الوحيد المؤكد فيها، في حين أنّ مجرياتها كانت غامضة وتُركت لاحقًا للمخيلة الشعرية والرغبة في توظيفها حسب
السياق التاريخي والسياسي في المنطقة خلال القرون اللاحقة؛ إذ خدمت أولً كرمز للصراع بين الاسلام والمسيحية حتى
القرن الثامن عشر، ثم أصبحت رمزًا للأيديولوجية القومية الصاعدة في القرن التاسع عر والمتجدّدة في نهاية القرن
العشرين، في مرحلة ما بعد الشيوعية، واستمرت حتى مطلع القرن الجديد كرمز مفتوح للمستقبل يعكس واقع القوى
والتحالفات في المنطقة.
The battle of Kosova (in Ottoman Turkish), or Kosovo (in Slavic), which took place on June 28 , 1389 between
the Ottoman Sultan Murad I and his allies and the Serbian prince Lazar Hrebeljanovic , is a critical but also
puzzling historical event taking place at the end of the middle ages in Europe. It was the first battle in which an
Ottoman sultan met his death – this being the only certain fact about the battle. The details of the battle are were
not accurately recorded and therefore subsequently left to the poetic imagination of those who wanted to make
use of the battle according to the historical and political context in the region over the following centuries. To
begin with, the battle served as a symbol of the conflict between Islam and Christianity until the 18 th century.
Then it became a symbol of rising nationalist ideology in the 19 th century and nationalist revival at the end of the
20 th century in the post-communist period. Right up to the beginning of the present century, the battle of Kosovo
remains on open symbol for the future, reflecting the reality of powers and alliances in the Balkans.
معركة كوسوفو 1389م: من الأسطرة إلى الأدلجة
The Battle of Kosovo 1389: From Myth Making to Ideology
Muhammed Al محمد الأرناؤوطArnaout |
رأ| ؤو
معركة كوسوفو 1389م: من الأسطرة إلى الأدلجة
The Battle of Kosovo 1389: From Myth Making to Ideology

مقدمة

بالقرب من مدينة بريشتينا Prishtina في قلب البلقان يقع "سهل كوسوفو" Kosovo polje (سهل الطيور السوداء) الذي استمد منه لاحقًا المكان المحيط به اسمه (كوسوفو). وقد جرت في هذا السهل معركتان مهمتان في نهاية العصر الوسيط، الأولى في 28 / 6 / 1389 بين السلطان العثماني مراد الأول وحلفائه في المنطقة وبين أمير صربيا لازار هربليانوفيتش Lazar Hrebeljanovic وحلفائه في المنطقة، والثانية خلال 17  -  20 / 10 / 1448 بين السلطان العثماني مراد الثاني وحلفائه في المنطقة والقائد المجري يانوس هونيادي János Hunyadi على رأس التحالف الأوروبي المسيحي. وفي حين أنّ الثانية كانت معروفة الوقائع والنتائج، إذ إنها مثّلت آخر محاولة أوروبية في نهاية العصر الوسيط لإخراج العثمانيين من أوروبا، فإنّ المعركة الأولى بقيت غامضة في وقائعها باستثناء مقتل قائدي الجيشين، ولكنها أصبحت غنية في دلالتها وتأثيرها حتى اليوم بسبب الملاحم التي حيكت حولها وتوظيفها أيديولوجيًا لأجندة سياسية مختلفة. وبهذا تبدو معركة كوسوفو 1389 نموذجًا لتوظيف التاريخ المؤسطر في المشاريع الأيديولوجية والسياسية وما صاحبها من نزاعات بين الأطراف المختلفة.

معركة كوسوفو يف السياق التاريخي

ليست من المصادفة أن تتزامن وفاة الإمبراطور الصربي دوشان Stefan Dušan في عام 1355 م مع بداية التوسّع العثماني في شبه جزيرة البلقان. فقد استفادت الإمارة العثمانية الصاعدة من ضعف الإمبراطورية البيزنطية نتيجة لانشغالها بمشاكلها الداخلية ومن الخلافات بين حكام البلقان بعد انفراط إمبراطورية دوشان التي كانت تشمل معظم شبه جزيرة البلقان. وكانت صربيا قد برزت كإمارة صغيرة في قلب البلقان في نهاية القرن الثاني عشر وتوسّعت نحو الجنوب بضم كوسوفو الحالية خلال القرن الثالث عشر، والتي غدت في قلب الدولة الصربية الجديدة تحت حكم آل نيمانيا Nemanja. وبعد الأمير ستيفان Stefan Nemanja (1196  -  1228 م)، الذي كان أول من تلقّب بملك في عام 1217 م، جاء الملك دوشان (1331  -  1355 م) ليوسّع كثيرًا الدولة الصربية حتى شملت تقريبًا نصف البلقان ويعلن نفسه في عام 1346 "إمبراطور الصرب والبلغار واليونان والألبان" في سكوبيه Skoplje التي اتخذها عاصمة له بالإضافة الى العاصمة الصيفية بريزرن Prizren في كوسوفو التي دُفن في جوارها. ولكن بعد وفاته في 1355 م لم يستطع خلفه أوروش أن يحافظ على وحدة الإمبراطورية وقوتها، إذ برز من الأمراء الصرب في مكدونيا كفوكاشين Vukasin الذي منحه الإمبراطور البيزنطي لقب "ملك"، والأمير برانكو Branko الذي برز ابنه لاحقًا في كوسوفو. ومع وفاته عام 1371 م من دون أن يخلفه ولد له، انتهى حكم آل نيمانيا التي وصلت خلاله صربيا إلى الذروة في القرون الوسطى. وهكذا تمكنّت القوات العثمانية من التوغل باتجاه الغرب والقضاء على جيش الملك فوكاشين في معركة ماريتسا Marica في العام ذاته لتسيطر بذلك على معظم مكدونيا1. وبعد معركة ماريتسا تقدّم العثمانيون بسرعة باتجاه الغرب (مكدونيا وكوسوفو وألبانيا وصربيا والبوسنة). وهكذا وصلت القوات إلى وسط ألبانيا في عام 1382 م وأخضعت الأمير كارل ثوبيا K. Thopia الذي تحوّل إلى تابع للدولة العثمانية. وفي تطور مهم آخر، استفاد العثمانيون من صراع الأمراء الألبان في ما بينهم ليتوغّلوا في ألبانيا وينتصروا في معركة سافرا Savra عام 1385 م التي انتهت بإخضاع هؤلاء الأمراء للدولة العثمانية. وفي ما يتعلق بكوسوفو المجاورة فقد تقاسم النفوذ فيها بعد موت الإمبراطور الصربي الأخير أوروش ثلاثة أمراء: أمير صربيا لازار هربليانوفيتش الذي توسّع نحو الجنوب ليسيطر على شرق كوسوفو الغني بالمعادن، والأمير جورج برانكوفيتش (ابن الامير برانكو في مكدونيا) في الوسط، وجورج بالشا في الغرب الممتد حتى الجبل الأسود. وبسبب خلاف جورج بالشا مع ملك البوسنة تفرتكو الأول،I Tvrtko طلب مساعدة القوات العثمانية الموجودة في مكدونيا التي توجهت إلى جنوب البوسنة، لكنها مُنيت بهزيمة

  1. Noel Malcolm, Kosovo: A Short History (London: Macmillan, 1998), pp. 48  -  49. وللمزيد عن الظروف التي ساعدت العثمانيين على التوغل في البلقان وصولًالى معركة كوسوفو انظر: خليل إينالجك، تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة محمد م. الأرناؤوط (بيروت: دار المدار الإسلامي، ط 2، 2014)، ص  23  -  32.

هناك في معركة بيلتشا Bileca التي جرت في 27 آب/ أغسطس 1388. وقد أقسم السلطان مراد الأول على الانتقام وأعدّ حملة لذلك في صيف 1389، إذ كان لا بد له من العبور في سهل كوسوفو للوصول إلى البوسنة. ومع انتشار أخبار هذه الحملة تداعى أمراء الصرب للتحالف مع ملك البوسنة لوقف هذا التقدّم العثماني عبر كوسوفو2. وفي هذا السياق، وصل السلطان مراد في حزيران/ يونيو 1389 على رأس قواته إلى سهل كوسوفو بالقرب من بريشتينا ليواجه هناك القوات البلقانية تحت قيادة أمير صربيا لازار في المعركة التي جرت في 28 حزيران/ يونيو 1389. ومع أنّ المعركة لم تستمر سوى يوم واحد، فإنها دخلت التاريخ الأوروبي والعثماني (الذي قيل فيه إنّ العلم العثماني استمد لونه الأحمر من كثرة الدماء التي سالت فيها) بشهرة كبيرة غطّت على ما جرى فيها بالفعل نتيجة للملاحم التي حيكت حولها3. ومن المؤكد أنّ المشاركة في المعركة كانت مختلطة بسبب الصراعات المحلية والتحالفات السياسية، إذ إنّ الصرب والألبان مثل كانوا في الطرفين المتواجهين في المعركة؛ ففي الطرف العثماني كان الجيش بقيادة السلطان مراد، الذي حرص أيضًا على اصطحاب ولديه يعقوب وبايزيد وأشهر قادته، وقوات الأمراء الصرب في مكدونيا مثل قسطنطين ديانوفيتش Konstantin Dejanović وماركو كراليفتش Marko Kraljević. وفي الطرف الآخر كان الجيش بقيادة الأمير لازار، الذي كان يتألف من قواته التي جاء بها من عاصمته كروشفاتس ومن قوات الأمير فوك برانكوفيتش Vuk Branković الذي جرت المعركة في أراضيه، ومن قوة جاءت من البوسنة بقيادة فلاتكو فوكوفيتش Vlatko Vuković من قبل ملكها تفرتكو الأول Tvrtko I باعتباره "ملك الصرب والبوسنة"، ومن قوة جاءت من كرواتيا بقيادة البان جون بالإضافة إلى قوة من ألبانيا بقيادة الأمير ثيودور موزاكا4. ومع أنّ الأمر المؤكد لنهاية المعركة التي استمرت من صباح إلى مساء 28 حزيران/ يونيو 1389، هو مقتل القائدين (السلطان مراد والأمير لازار)، فإنّ نتائجها بقيت غامضة ومتناقضة، وربما لن نعرفها أبدًا.

من المصادر اىل الملاحم

إنّ أقدم مصدر يتعلق بهذه المعركة يعود إلى الأيام القليلة التي أعقبتها؛ فبعد اثني عشر يومًا مرّ بالمنطقة الراهب الروسي أغناتيه في طريقه إلى الحج، ومع أنه لم يحدِّد بالضبط مكان المعركة، فإن ما سمعه عن المعركة التي حدثت آنذاك لا يشير إلى أيّ نصرٍ عثماني. أما تفرتكو الأول "ملك الصرب والبوسنة"، الذي أرسل قوة من جيشه للمشاركة في المعركة، فقد استعرض هذه المعركة في رسائله إلى الحكام المجاورين بوصفها نصرًا شخصيًا له من دون أن يشير بكلمة إلى الأمير لازار. ففي آب/ أغسطس 1389 (أي بعد نحو شهر من المعركة) كتب إلى حاكم تروغير Trogir عن هزيمة الأتراك، وبعد شهرين كتب مثل ذلك الى حاكم فلورنسا. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تفرتكو

  1. Oliver Jeans Schmitt, Kosova: Histori e shkurter e nje treve qendrore ballkanike, perktheu Enver Robolli (Prishtine: Koha, 2012), pp.
  2. يسوق د. محمد حرب في كتابه هذه المعلومة عن ارتباط العلم العثماني الأحمر بما سال من دماء في معركة قوصوة/ كوسوفو من دون ذكر للمصدر، مع أنّ فريد بك المحامي قد أوضح في كتابه الذي صدر قبل أكثر من مئة سنة أنّ تيمور طاش الذي تولى تنظيم فرقة الخيالة (سيباه) قبل معركة قوصوة/ كوسوفو هو الذي حرص على اختيار اللون الأحمر لأعلامهم "الذي لا يزاال شعارًا للعثمانيين": محمد فريد بك المحامي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق إحسان حقي (بيروت: دار النفائس، ط 8، 1988)، ص 132؛ ومحمد حرب، العثمانيون في التاريخ والحضارة (دمشق: دار القلم، 1989)، ص 19.
  3. حول المشاركة في هذه المعركة لدينا اختلاف في المصادر المتأخرة وفي الدراسات الحديثة عند الصرب والألبان. انظر على سبيل المثال: Peter Tan, Kosovska bitka (Beograd 1968); Instituti i histories, Beteja e Kosoves 1389 , (Tirane 2005). وانظر مقاربة شاملة وأكثر موضوعية للمصادر المتنوعة لدى المؤرخ البريطاني نويل مالكولم: Malcolm, pp. 50  -  80.

الأول لم يعتبر قدوم السلطان مراد نفسه إلى سهل كوسوفو خطرًا يهدّد دولته، ولذلك لم يذهب للقتال بنفسه بل أرسل أحد قادته (فلاتكو فوكوفيتش) على رأس قوة من جيشه5. وقد انتشرت نتيجة هذه المعركة في أوروبا الغربية باعتبارها هزيمة للأتراك، حتى نجد أنّ المؤرخ الفرنسي فيليب دي مسيير Philipe Mesiere يكتب قبل تشرين الأول/ أكتوبر 1389 أنّ السلطان "مراد قد هُزم تمامًا في أراضي ألبانيا". ولدينا من ذلك الوقت رسالة مهمة من أحد الكتّاب البيزنطيين (ديمتروس سيندونيوس D. Cydonius) إلى الإمبراطور البيزنطي في المنفى مانويل باليولوغ الثاني Manuel II Palaiologos ينتقد فيها بيزنطة لعدم استغلال نتيجة هذه المعركة (الهزيمة) لإخراج الأتراك من أوروبا، وفي نهاية الرسالة يرد فيها بوضوح "أنّ غيابك قد أفسد فرصتنا بالنصر على الأعداء". ولو تابعنا المصادر المعاصرة لسلّمنا مع المؤرخ الصربي ميخائيلو دنيتش M. Dinic الذي انتهى في عام 1940 إلى أنّ "كل المصادر المعروفة منذ السنة التي وقعت فيها المعركة وحتى الآن لا تشير إلى أي نصر تركي"6. ويميل المؤرخ الصربي راده ميخالتيتش R. Mihajlcic في كتابه "معركة كوسوفو في التاريخ والتراث الشعبي"، الذي صدر أيضًا بالإنكليزية في الذكرى ال 600 للمعركة، إلى أن كلا الطرفين مُني بخسائر كبيرة ولكن المحصلة النهائية للمعركة جاءت لصالح الجهة الأقوى (الدولة العثمانية) التي كانت قوة إقليمية لايمكن أن تقارن بصربيا آنذاك. ومع الغموض الذي لم توضّحه المصادر المعاصرة يسلّم ميخالتشيتش بتحوّل هذا الحدث لاحقا إلى اسطورة بما أضيف لها من عناصر اسطورية وأسماء وأحداث جديدة ولذلك "كل محاولة لإعادة تركيب ماحدث في 1399 بالاستناد إلى المعلومات والملاحم اللاحقة تجانب الحقيقة"7. وبالفعل فقد ألهمت هذه المعركة فيما بعد المخيلة الشعبية في المنطقة حيث ظهرت الكثير من الأغاني والملاحم الشعبية حولها لدى الصرب والألبان والأتراك والبلغار واليونان إلخ. ومن المعروف أن هذا التراث الملحمي، بعد أن أصبح يُغنّى مع الآلات الموسيقية التقليدية، كان له دوره الكبير في الإبقاء على روح هذه المعركة حية في النفوس وفي شحن النفوس لدى الشعوب المذكورة بمشاعر ورؤى مختلفة حول أسباب ومجريات ونتائج المعركة. وقد تطعّم هذا التراث بعناصر دينية وسياسية جديدة، نتيجة التطورات الجديدة في المنطقة، وأصبح يوظف لاحقًا في خدمة الأجندة الأيديولوجية للحركات السياسية الجديدة.

الملاحم الصربية والألبانية حول المعركة

لقد أثبتت الدراسات الحديثة أنّ هذه المعركة ألهمت منذ وقت مبكر الشعر الشعبي بأغاني وملاحم بآلاف الأبيات، ومع ذلك يمكن القول إنّ أقدم تراث ملحمي وأضخمه حول هذه المعركة نجده عند الصرب والألبان8.

  1. للمزيد حول ذلك انظر: محمد م. الأرناؤوط، كوسوفو/ كوسوفا بؤرة النزاع الألباني في القرن العشرين (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 1998)، ص 29  -  31.
  2. Mihajlo Dinic, "Dva savremenika o boju na Kosovu", Glas SKA, CLXXXII (Beograd 1940), pp. 133  -  148 ; Rade Mihajlcic, The Battle of Kosovo in History and in Popular Tradition (Beograd: BIGZ, 1989), pp. 47  -  48.
  3. Mihajlcic, pp. 49  -  51.
  4. تجدر الإشارة هنا بشكل خاص إلى دراستي شوكت بلانا وفاتوس عربي حول المقاربة بين الملاحم الصربية والألبانية: Shefqet Pllana, "Epika popullore shqiptare mbi Luften e Kosoves 1389 ," Seminari i kultures shqiptare per te huaj 2 (Prishtine: 1976), pp. 111  -  128 ; Fatos Arapi, "Kenge popullore per Luften e Kosoves," Studime historike 2 (Tirane 1983), pp. 65  -  76.

ومع أنّ أول ملحمة شعرية سجّلت المعركة تعود إلى سنة 1390 وهي "اسكندر نامه" للشاعر التركي أحمدي، الذي أورد أول رواية عن نتيجة المعركة9، فإنّ أول إشارة لملحمة محلية/ كوسوفية تعود إلى نحو عام 153010. وقد سجلت لأول مرة واحدة من هذه الملاحم الصربية في نهاية القرن الخامس عشر ونشرت في الإيطالية في عام 1601 في كتاب مافرو أوروبيني M. Orbini "مملكة السلاف"11. وفي الوقت نفسه تقريبًا (عام 1622) كان الرحالة التركي المعروف أوليا جلبي Evlija Celebi يسجّل خلال وجوده في كوسوفو وجود ملحمتين عن معركة كوسوفو مع بعض التفاصيل عنهما12. ولكن شهرة هذه الملاحم ازدادت في القرن التاسع عشر، مع الاهتمام الكبير في المنطقة بجمع التراث الشعبي ونشره. وفي هذا الإطار، فقد قام الباحث الصربي المعروف فوك كاراجيتش V. Karazic بجمع بعض الأغاني والملاحم الصربية وطبعها ضمن كتابه "أغاني شعبية صربية" الذي نشره في فيينا عام 184513. وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر جمع الباحث الصربي دينا ديبلكوفتش D. Debelkovic عدة أغاني وملاحم أخرى عن معركة كوسوفو، التي نشرت في ما بعد14. وقد تصاعد اهتمام الباحثين الصرب والألبان خلال النصف الأول من القرن العشرين بجمع هذا التراث الملحمي عن معركة كوسوفو ونشره حتى أصبح في متناول الأيدي سواء في اللغتين الصربية والألبانية أو في اللغات الأوروبية الأخرى15. ويمكن القول الآن بشكل عام إنّ هذا التراث الملحمي عند الصرب والألبان يمكن اعتباره مصدرًا مهمًا عما جرى بعد المعركة وليس عن المعركة ذاتها. فمع النتيجة الغامضة للمعركة، عاد السلطان الجديد بايزيد بسرعة إلى العاصمة أدرنة للحفاظ على الاستقرار بعد انتقال العرش إليه، وبقي الأمير فوك برانكوفيتش في كوسوفو يتابع المقاومة للدولة العثمانية حتى عام 1392 م على الأقل ولم يستطع العثمانيون أن يسيطروا بالفعل على كوسوفو إلا في عام 1455 م، بينما بقيت إمارة صربيا قائمة في الشمال حتى عام 1459 محين سقطت

  1. مع أنّ ملحمة "اسكندر نامه" تدور حول حياة الاسكندر الكبير وحروبه، فإن القسم الأخير المتعلق بالتاريخ العثماني المبكر له أهميته. ففي الجزء الخاص بالمعركة يقدّم الشاعر أحمدي الرواية أو الصورة التالية التي ستصبح الأساس للرواية أو الصورة الرسمية اللاحقة: "بينما كانت أغلبية الجيش تطارد العدو كان الحاكم يقف وحيدًا مع بعض رجال حاشيته في مكان ما... كان هناك أحد الكفار مطروحًا وغارقًا في الدماء من رأسه إلى قدميه. كان مختفيًا بين العسكر ولكنه رأى بسهولة الخان البطل. وكما شاء القدر فقد نهض من مكانه وطعن الحاكم:" Savet Basagic, "Najstarija turska vijest o Kosovskom boju," GZMBiH 36 (Sarajevo 1924), p.  97 ; Selami Pulaha, Lufta shqiptare-turke ne shekullin XV: burime osmane (Tirane: Instituti i histories, 1968), p. 30. وللمزيد حول الشاعر أحمدي والملحمة انظر: Maydan Larousse, vol. 1 (Istanbul: Sabah, 1997), p. 175 ; vol. 10 , p. 16.
  2. لهذه الملحمة قيمة خاصة لانها أول واحدة تذكر بوضوح اسم قاتل السلطان مراد الأول (ميلوش أوبيليتش Miloš Obilić)، وهي تنتهي إلى مايلي: "حين خسر الاتراك قائدهم انسحبوا براياتهم. وهكذا فقد سلم الحاكم (لازار) وجيشه وبلاده من الاتراك:" Malcolm, p. 75.
  3. Mavro Orbini, Il regno de gli Slavi (Pesaro: 1610). وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أوربيني كان كاتبًا ومؤرخًا من راغوصة/ دوبروفنيك (توفي 1614) وترك مؤلفه هذا " مملكة السلاف " أثره اللاحق في نمو فكرة وأيديولوجية الجامعة السلافية.
  4. في الأولى تكاد تتكرر الرواية أو الصورة الواردة في ملحمة "اسكندر نامه" مع ذكر صريح للقاتل ميلوش أوبيليتش، أما الثانية فهي أقرب إلى الأغنية الملحمية الموجودة في الملحق، إذ يقترب القاتل من السلطان ليقبّل يده ثم يقتله ويهرب من دون أن يتمكّن الجنود من إصابته إلى أن تنبّههم امرأة إلى أن يوجّهوا سهامهم إلى حصانه حتى يقع ويمسكوا به: Evlija Celebi, Putopis , prevod i komentar Hazim Sabanovic, (Sarajevo: V.Maslesa, 1979), p. 269.
  5. Vuk Karadzic, Srpske narodne pjesme II (Wien 1854).
  6. Vladimir Bovan, Antologija srpske narodne epike sa Kosova i Metohije (Pristina: 1974).
  7. في الألبانية بدأ طبع هذه الأغاني الملحمية في وقت متأخر بسبب تأخر ظهور الأبجدية الموحدة والطباعة عند الألبان. فقد طبع الباحث الألباني لف نوسي L. Nosi ثلاثًا منها في الباسان بألبانيا عام 1918، وطبع الباحث الصربي الكوسوفي غليشا الزوفيتش G. Elezovic واحدة منها في الألبانية مع ترجمة صربية في بلغراد خلال عام 1921 ثم تتابع ذلك في يوغسلافيا الملكية وألبانيا في الربع الثاني للقرن العشرين وفي كوسوفو بشكل خاص بعد عام 1950. أما في اللغات الأوروبية فانظر بشكل خاص: M.M. Hasluck, "An Albanian ballad on the assassination in 1389 of Sultan Murat I on Kosovo Plain," Occident and Orient (London 1936), pp. 210  -  233 ; Katherina A.Penington-Peter Levi, Marko The Prince: Serbo-Corat Heroic Songs (London: 1984); Anna di Lellio, The Balttle of Kosovo 1389 An Albanian Epic (London- New York: I.B.Tauris, 2009).

عاصمتها سمدرفو Smedervo في صيف 1459 م. ومن هنا، ليس من الصحيح ما نجده في الملاحم الصربية حول معركة كوسوفو باعتبارها الكارثة التي محقت الصرب والدولة الصربية، والتي أثارت لذلك مشاعر الألم والغضب والانتقام خلال القرون اللاحقة ضد كل ما هو تركي/ عثماني/ مسلم، وهو ما استفادت منه الأيديولوجية القومية الصربية الجديدة منذ القرن التاسع عشر في توجيه المشاعر والأفكار وفق أجندتها الخاصة لتحرير الصرب في كل مكان من الحكم العثماني وبعث صربيا من جديد بجذورها القروسطية كدولة قومية للصرب. ويبدو أنّ التمايز بين الملاحم الصربية والألبانية بدأ بعد استقرار الحكم العثماني في كوسوفو وانتشار الإسلام هناك، إذ أدى ذلك إلى اعتناق أغلبية الألبان للإسلام بينما بقيت أغلبية الصرب على ديانتهم الأرثوذكسية. وبهذا يمكن أن تكون الأغاني التاريخية والملاحم الألبانية عن معركة كوسوفو (22 أغنية تشتمل على 5000 بيت) مصدرًا لهذا الانعطاف المهم الذي حدث، والذي باعد ما بين الشعبين، وجعل الأغاني التاريخية والملاحم الألبانية تكتسب عناصر جديدة وتعبّ عن رؤية مغايرة عن المعركة نتيجة لاعتناق أغلبية الألبان للإسلام16. فمن الطبيعي في هذه الحالة أن تختلف النظرة كليًا بين الطرفين إلى السلطان الذي جاء على رأس الجيش العثماني، إذ أصبحت الملاحم الألبانية تركّز على تقواه وحرصه على نشر الإسلام واستعداده للتضحية بحياته في سبيل ذلك، كما غدت هذه الملاحم تعبّ عن القيم المرتبطة بالدين الجديد (الشهادة، الحلال والحرام... إلخ). ولكن من ناحية أخرى حافظت الملاحم الألبانية على ما يميّزها عن تلك الصربية بحرصها على إبراز دور البطل المحلي/ الكوسوفي ميلوش أوبيليتش الذي اغتال السلطان مراد. وهكذا نجد أنّ الملاحم الألبانية تبدأ برؤية السلطان مراد لحلم غريب يتمثل في وجود نسرين على كتفه الأيمن، وعندما استدعى المنجّمين في قصره بشّوه بفتح كوسوفو. وبعد ذلك تتابع هذه الملاحم استعداد السلطان لذلك الفتح، وتركز في التفاصيل التي تدل على تقواه كحاكم مسلم وأنّ دوافعه في ذلك ليست إلا لخدمة الإسلام. وفي هذا السياق تكتسب الملاحم الألبانية بعض العناصر الأسطورية. فعندما وصل السلطان إلى شاطئ البحر خاف على جنوده من الركوب في البحر الهائج ولذلك دعا الله إلى شق البحر حتى يتمكن جنوده من عبور البحر على التراب، مما مكّنه أن يتابع طريقه بسلام، بينما نجد في ملحمة أخرى من 460 بيتًا أنّ السلطان يدعو الله ويضرب البحر بعصاه (كما فعل النبي موسى) فينشق البحر عن درب آمن لجنوده17. وبعد هذا العبور تتابع الملاحم الألبانية سير فتوحاته الناجحة على الطريق، مع أنّ هذا لا ينسجم مع الحقائق المعروفة، إذ تجعله يبدأ بفتح سالونيك والتوجه بعدها إلى سكوبيه ومنها إلى كاتشانيك، الممر الصعب بين مكدونيا وكوسوفو، حيث يفشل السلطان هناك في إحراز أي نصر. وتميل هنا الملاحم الألبانية إلى إبراز القيم الأخلاقية المرتبطة بالدين الجديد/ الإسلام (الحلال والحرام)، حيث يشك السلطان في أسباب هذا الفشل ويجمع جنوده ليتأكد إن كان قد ارتكب أحدهم الحرام. ولما يكتشف أنّ أحد الجنود، أخذ في طريقه تفاحة من أحد البساتين من دون أن يستأذن صاحب البستان يأمر السلطان فورًا بأن يذهب وفد إلى صاحب البستان ليطلب منه وهب هذه التفاحة إلى السلطان لكي تخرج من الحرام إلى الحلال.

  1. تركّز النظرة الصربية على أنّ علاقات الصرب مع الألبان كانت على ما يرام إلى أن اعتنق الألبان الإسلام وابتعدوا بذلك عن جيرانهم الصرب: Dimitrije Bogdanovic, Knjiga o Kosovu (Beograd: SANU, 1986), pp. 91  -  92. وفيما يتعلق بالنظرة الألبانية، تتمايز في السنوات الأخيرة النظرة الكاثوليكية عن تلك المسلمة حول أسباب هذا الانعطاف ونتائجه: Gjin Gasperi, Skopsko-Prizrenska biskopija kroz stoljeca (Zagreb: KS, 1986), pp. 125  -  140 ; Don Shan Zefi, Islamizimi i shqiptareve gjate shekujve XV-XI (Prizren: Drita, 2000).
  2. Haxhi Krasniqi, Kenga e Luftes se Kosoves 1389 , voll. III (Prizren: 1968), pp. 144  -  157.

وتميل هنا الملاحم الألبانية إلى المبالغة؛ إذ يرفض صاحب البستان، ثم يفرض شروطه بتعيينه صدرًا أعظم للسلطان، وهو ما يضطر السلطان إلى الموافقة بسبب تلك التفاحة، ومع هذا الحلّ أو التحليل يتابع جيش السلطان مسيرته المظفرة إلى أن يصل إلى سهل كوسوفو حيث جرت المعركة المشهورة18. وحتى خلال الاستعداد والترقّب للمعركة نجد أنّ الملاحم الألبانية تُعلي من أخلاق الجنود في معسكر السلطان وتمسّكهم بدينهم. فقد رأى البطل المحلي/ الكوسوفي أوبيليتش أن يرسل إلى معسكر السلطان ثلاثين فتاة جميلة، وفي ملحمة أخرى 12 ألف فتاة؛ أي على عدد الجنود الأتراك، محملّات بالذهب لزعزعة نفوس الجنود هناك. ولكن الفتيات عدن شاكيات من أنه لم يلتفت أحد من الجنود إلى جمالهن أو ذهبهن19. ومع اندلاع المعركة نجد الذروة الملحمية في اغتيال السلطان مراد. فالبطل المحلي/ الكوسوفي يقرر أن يذهب إلى السلطان بنفسه ويتصرف هناك بناء على موقف السلطان: إذا مدّ يده فسيقبّلها ويستسلم له، وإذا مدّ قدمه ليقبلها فسيطعنه بالخنجر. وفي مجلس السلطان يدور النقاش حول الموقف الذي يجب أن يتخذه السلطان. فشيخ الإسلام في إحدى الملاحم الألبانية يوضّح له أنه لا يجوز أن يمدّ يده لغير المسلمين، ويؤكد له آخرون في المجلس أنه إذا مدّ له قدمه ليقبّلها فهذا يعني أنّ الرعية ستبقى خاضعة له على الدوام. ومع هذا الموقف (تقديم السلطان لقدمه) يقوم أوبيليتش بإمساك هذه القدم بيد وطعن السلطان باليد الأخرى20. ونجد هنا بين الملاحم الألبانية بعض العناصر الأسطورية الأخرى التي تمجّد السلطان وتقدّسه. ففي واحدة من هذه الملاحم نجد أنّ السلطان مراد يطير في السماء وهو يحمل رأسه تحت إبطه فتسقط منه نقطة دم يقيم فوقها الجنود ضريحًا له في أرض المعركة، بينما يتابع هو طريقه إلى مسقط رأسه بورصة حيث يدفن هناك21. وفي المقابل نجد أيضًا التمجيد/ التقديس ذاته لكوبيلتيش الذي قتل السلطان، إذ لا يُدان كمجرم كما يُفترض وإنما يمجّد أو يقدّس كبطل في الملاحم الألبانية، مما يمكننا من تفسير أنّ هذا الجزء هو من الأصل الذي بقي موجودًا. وهكذا يطير أوبيليتش أيضًا وهو يحمل رأسه تحت إبطه إلى أن يسقط ويموت بفعل خيانة من امرأة مسيحية22، وهو ما يمكن تفسيره أيضًا بإضافة لاحقة لتنزيه المسلمين عن الخيانة بعد أن أصبحت أغلبية الألبان من المسلمين.

التوظيف الأيديولوجي للملاحم حول معركة كوسوفو

بعد انبعاث صربيا من جديد خلال الفترة 1815  -  1830، كإمارة وراثية ذات حكم ذاتي، أخذت العاصمة الجديدة (بلغراد) تتحوّل إلى مركز للأيديولوجية القومية الصربية الجديدة التي هدفت إلى بعث صربيا بحدودها في القرون الوسطى كدولة قومية للصرب. وقد تحوّلت هذه الأيديولوجية إلى سياسة دولة بعد المشروع الذي قدمه الوزير إيليا غراشانين I. Grasanin 1847 إلى الأمير ميلوش اوبرنوفيتش M. Obrenovic23. وحسب المؤرخ الصربي ميودراغ بوبوفيتش Miodrag Popovic، فإنّ الإنتلجنسيا الصربية الجديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هي التي حولت "أسطورة كوسوفو" Kosovo myth إلى نواة للأيديولوجية القومية

  1. انظر الأغنية الملحمية الواردة في الملحق.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. Arapi, p. 196.

الصربية24. فحسب الأسطورة كانت هزيمة الصرب في المعركة تُفسّ بقبول صربيا ل "المملكة السماوية" وهو ما تحوّل مع الزمن إلى "وعد إلهي بانبعاث صربيا من جديد كإمبراطورية أرضية كما كانت عشية المعركة". ومع أدلجة هذه الأسطورة تحوّل اليوم الذي جرت فيه المعركة (15 حزيران/ يونيو حسب التقويم القديم و 28 حزيران/ يونيو حسب التقويم الجديد) من "يوم النبي آموس والقديس لازار" في التقويم الكنسي والرسمي إلى "يوم فيد" Vidovdan ابتداءً من عام 1892، والذي أصبح بذلك يومًا مقدسًا ويومًا قوميًا. والمهم هنا أن فيد Vid كان إله الشمس والحرب عند الصرب القدماء قبل اعتناق المسيحية ولكنه بقي حاضرًا ومستمرًا في الأغاني الشعبية حتى بعد اعتناق الصرب للمسيحية بقرون25. ومن الواضح هنا أنّ انبعاث إله الحرب كان يناسب المرحلة الجديدة التي تميّزت بتجييش المشاعر ل "استعادة كوسوفو." فبعد استقلال صربيا وتوسعها في عام 1878 أصبحت حدودها الجديدة تطل على سهول كوسوفو الغنية، ولذلك فقد ازداد الاهتمام والترويج للملاحم الصربية حول معركة كوسوفو التي أخذت تتحول الآن إلى "الأرض المقدسة" للصرب التي لا بد من تحريرها من العثمانيين/ المسلمين. وقد ازداد هذا بعد عام 1882، حين تحولت صربيا إلى مملكة، وخاصة مع اقتراب الذكرى ال 500 للمعركة في عام 1889، التي تم الاحتفال بها لحشد التأييد للنظام الملكي الساعي إلى "تحرير كوسوفو". وقد حانت اللحظة المناسبة في خريف 1912 حين اندلعت الحرب البلقانية لتصفية التركة العثمانية في البلقان. فقد شنت صربيا الحرب بشعارات استردادية، دينية وقومية، لاسترداد "الأرض المقدسة" التي فقدت أمام العثمانيين في عام 1389. وفي هذا الإطار حدثت مجازر جماعية ضد الألبان المسلمين، الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان، على اعتبار أنّ الجيش الصربي جاء لتحرير "الأرض المقدسة" و"الأخوة الأرثوذكس"؛ ولذلك اعتبر هؤلاء المسلمون غرباء عن كوسوفو أو لا مكان لهم هناك26. ومع انتصار صربيا في الحرب البلقانية وتوسّعها بضم كوسوفو تصاعدت الروح القومية المرتبطة ب "أسطورة كوسوفو" إلى الذروة، ولذلك لم يكن من المستغرب أن تختار المنظمة القومية الصربية التي قررت اغتيال ولي عهد النمسا والمجر في سراييفو "يوم القديس فيد" (28 حزيران/ يونيو) لتنفيذ الاغتيال. ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى في صيف 1914 أدى بسرعة إلى انهيار صربيا في خريف وشتاء 1915  -  1916، وهو ما أنعش أيضًا روح معركة كوسوفو 1389؛ إذ قورن انهيار صربيا في 1389 (الذي لم يحدث كما رأينا) مع انهيار صربيا في 1915  -  1916. ولم تكن هذه المقارنة تجري في صربيا فحسب، بل في أقصى القارة الأوروبية أيضًا نتيجة للدعاية الصربية التي اعتمدت على توظيف التراث الملحمي حول معركة كوسوفو. ففي صيف 1916 انتشرت في لندن الملصقات التي كتبت عليها "فكروا في صربيا وصلّوا لأجل صربيا". وبمناسبة "يوم كوسوفو" في 28 حزيران/ يونيو طُلب من الجميع أن يشاركوا في هذا اليوم بتقديم المساعدة إلى صربيا، فاستجابت لتلك الدعوة 12 ألف مدرسة شارك فيها التلاميذ في التعبير عن مشاعر التضامن مع صربيا27، في الوقت الذي كانت تتفق فيه بريطانيا مع الحلفاء على تقسيم ألبانيا من جديد ومنح صربيا المزيد من الأراضي الألبانية28.

  1. Miodrag Popovic, Vidovdan i casni krst (Beograd: Slovo ljubve, 1997), p. 144.
  2. Branimir Anzulovic, Heavently Serbia: From Myth to Genocide (New York: New York University Press, 1999), pp. 81  -  85.
  3. بعد اندلاع الحرب البلقانية أرسلت وزارة الحرب البريطانية العقيد كريستوفر طومسُن Christopher Thomson كمراقب إلى ميدان العمليات للجيش الصربي. وبعد لقائه بالعقيد الصربي غ. ب كتب مايلي: "لقد أعطاني العقيد صورة عن مشاعر الحقد التي يكنّها الصرب للألبان... وهي التي عززتها تصرفات الجيش الصربي في القرى الألبانية. فقد دُمّرت قرى بكاملها وشملت المجازر هناك الشيوخ والنساء والأطفال في بيوتهم أو كُتب عليهم الموت من البرد والجوع بعد أن نهبت قراهم ولم يترك لهم شيء... لم يحدث أفظع من هذا في أيّ بلد بكوكبنا الأرضي أو في تاريخ الحروب:" Xheladin Shala, Pushtimi i Kosoves nga Serbia dhe Mali i zi 1912  -  1913 (Prishtine: Instituti albanologjik, 2012), pp. 235  -  236.
  4. Tim Judah, Kosovo: War and Revenge (New Haven & London: Yale nota Bene & Yale University press, 2002), pp. 16  -  17.
  5. Peter Bartl, Shqiperia nga mesjeta deri me sot, perktheu Shkumbim Brestovci (Prizren: Drita, 1999), pp. 173  -  174.

ولذلك فقد كافأ الحلفاء صربيا في نهاية الحرب بتوسيع حدودها إلى أقصى حد ممكن على حساب النمسا/ المجر وبلغاريا، التي تحالفت معها الدولة العثمانية. وفي إطار الدولة الجديدة (مملكة الصرب والكروات والسلوفين)، التي تميزت بهيمنة الصرب على مفاصل الدولة، حرص النظام الجديد على تمرير الدستور الأول للدولة في "يوم القديس فيد" (28 حزيران/ يونيو 1921)، ولذلك بقي يعرف ب "دستور فيد". وفي هذا السياق نجد أنّ الاهتمام الكبير بجمع الملاحم الصربية حول معركة كوسوفو ونشرها يترافق مع الإصرار على التخلص من وجود الآخر/ المسلم في كوسوفو الذي له صورة سلبية في تلك الملاحم الصربية. وبعد تهجير مئات الألوف من الألبان المسلمين والاتفاق مع تركيا الكمالية في عام 1938 على تهجير عدد مماثل، أراد النظام الملكي أن يتوج إنجازه في 28 حزيران/ يونيو 1939 باحتفال مهيب بالذكرى ال 550 لمعركة كوسوفو29. ومن مفارقات ذلك اليوم أن الحزب الشيوعي اليوغسلافي، الذي كان على رأس المعارضة ضد النظام، قد وزّع في ذلك اليوم المناشير التي تلفت الانتباه إلى أنّ كل هذا يجري على حساب شعب آخر في كوسوفو: الألبان. ولكونه في المعارضة، فقد اعترف الحزب الشيوعي اليوغسلافي بكيان متميز لكوسوفو وحق الألبان فيها بالبقاء والتمتع بالمساواة مع بقية شعوب يوغسلافيا. وبعد وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة اعترف للألبان بحكم ذاتي في كوسوفو وتطور هذا الوضع في عام 1974 إلى حد الاعتراف بكوسوفو وحدة فيدرالية ذات دستور على قدم المساواة مع الوحدات الفيدرالية الأخرى، إذ أصبحت الأغلبية الألبانية تؤدي دورًا حاسمًا منذ ذلك الحين30. وقد أدى هذا الوضع الجديد إلى بروز معارضة صربية متزايدة ضد الرئيس جوزيب تيتو Josip Tito بحجة "خسارة كوسوفو" مرة أخرى بعد الخسارة الأولى في عام 1389. وربما ليس من المصادفة أنّ يصدر في تلك السنة (1974) طبعة جديدة من الملاحم الصربية عن معركة كوسوفو31. وقد برز في تلك السنوات على رأس تلك المعارضة الروائي الصربي دوبريتسا تشوسيتش Dobrica Ćosić وعضو الأكاديمية الصربية الذي أصبح يُعرف بلقب "أبو القومية الصربية"، إذ أكّد في كلمة له في الأكاديمية الصربية عام 1978 هذا الترابط بين القومية الصربية الصاعدة و"أسطورة كوسوفو": "إنّ وجودنا الروحي جاء نتيجة للدين والأسطورة القومية، وبالدرجة الأولى نتيجة لأسطورة كوسوفو والشعر الملحمي العظيم"32. وقد تحوّلت هذه المعارضة الصربية بعد وفاة تيتو في عام 1980 إلى المطالبة بمراجعة يوغسلافيا التيتوية و"استرداد كوسوفو" مرة أخرى. وقد برز على رأس هذه النزعة الجديدة داخل الحزب الشيوعي في صربيا سلوبودان ميلوشيفيتش Slobodan Milošević في عام 1986 بعد أن اكتشف أهمية كوسوفو كرافعة أيديولوجية للسلطة33. ومع هذا التحوّل المهم، الذي ترافق مع الدعوة إلى توحيد الصرب في يوغسلافيا وتوحيد صربيا (أي ضم كوسوفو ثانية إلى صربيا)، كانت قد اقتربت الذكرى ال 600 لمعركة كوسوفو 1389. وخلال تلك السنوات 1986  -  1987 برزت بقوة "روح كوسوفو" من خلال الملاحم الصربية عن معركة كوسوفو، التي حظيت برواج آنذاك لتبشّ بقرب المعركة القادمة لاسترداد كوسوفو مرة أخرى. ويلاحظ هنا أنّ العنصر المشترك بين العثمانيين والألبانيين كان الإسلام، ولذلك فقد ساعدت الملاحم الصربية على التركيز الآن على الطابع الديني لمعركة كوسوفو الأولى (1389) ومعركة كوسوفو الجديدة (1989). وهكذا فقد أصبح يُسمع لأول مرة أنّ صربيا كانت تدافع عن أوروبا

  1. انظر الترجمة العربية لهذه الاتفاقية مع الظروف التي أدت إليها: الأرناؤوط، ص 117  -  124.
  2. Radosin Rajovic, Ustavni razvoj od konstituisanja autonomije do reforme 1989 , in Kosovo: Proslost i sadasnjost (Beograd: Medhunarodna politika, 1989), pp. 151  -  164.
  3. Vladimir Bovan, Antologija Srpske narodne epike sa Kosova I Metohije (Pristina: 1974).
  4. Anzulovic, p. 113.
  5. Slavoljub Djukic, Covek u svom vremenu: Razgovor s Dobricom Cosicem (Beograd: 1989), p.  209.

المسيحية في عام 1389 أمام الخطر الإسلامي، كما أنّ صربيا في عام 1989 تدافع كذلك عن أوروبا أمام الخطر الجديد الذي أصبح الآن "الأصولية الإسلامية"34. وفي هذه الأجواء قام ميلوشيفيتش بالخطوة المتوقعة في آذار/ مارس 1989؛ إذ ألغى الحكم الذاتي الواسع لكوسوفو وجعلها جزءًا من صربيا، ولذلك فقد حقّ له أن يحتفل في 28 حزيران/ يونيو 1989 بنصر تاريخي أمام مليون صربي احتشدوا في ساحة المعركة للمشاركة في الاحتفال بهذا النصر. وفي خطابه المشهور قال ميلوشيفيتش وهو يذكر اسم ميلوش الذي قتل السلطان مراد "إنّ صربيا قد ربحت من جديد دولتها ووحدتها القومية والروحية، ولذلك لم يعد من الصعب أن نجيب على السؤال القديم: كيف لنا أن نواجه ميلوش؟". أما الجماهير فقد هتفت له وهي تقارنه بالأمير لازار الذي قاد المعركة في عام 1389 "لازار القيصر، يا لحظك العاثر لعدم وجود سلوبو (دان) إلى جانبك"35. وفي هذا الجو الهادر المشبع بالحماس كان هناك من يريد "إشراك" أوروبا في هذا النصر ضد الآخر (المسلم) لتعويض ما حدث في عام 1389. وهكذا قال ماتيا بتشكوفيتش رئيس رابطة الكتّاب في صربيا في خطابه بهذه المناسبة إنّ كوسوفو يجب أن تبدو ك "القدس حيث تكون لكل أوروبا كنائس فيها"36. وقد تكرّر هذا التوظيف بشكل مختلف بعد عشر سنوات (1999) حين تدخل حلف الأطلسي بالقوة العسكرية لإخراج القوات الصربية من كوسوفو بعد مجزرة راتشاك  Racak التي ارتكبتها القوات الصربية في قرية ألبانية خلال كانون الثاني/ يناير 1999. فقد ركزت الدعاية الميلوشيفية خلال القصف الأطلسي (24 آذار/ مارس - 8 حزيران/ يونيو 1999) على أنّ صربيا لا يمكن أن تتخلى عن كوسوفو لأنها "أورشليم الصرب". ولكن مع اضطرار بلغراد إلى سحب قواتها وتشكيل إدارة دولية انتقالية بموجب قرار مجلس الأمن 1244 بتاريخ 10 / 6 / 1999 وصولً إلى إعلان استقلال كوسوفو عن صربيا في 17 / 2 / 2008، برزت من جديد روح معركة كوسوفو 1389 التي تعني خسارة كوسوفو أمام الأتراك/ المسلمين (الذين حلّ محلهم الألبان الآن)، فقد عبّ عن ذلك رأس الكنيسة الصربية الأرثوذكسية البطريرك ايرينيه منذ تنصيبه في عام 2010 باعتبار كوسوفو "أورشليم الصرب"37. وبالاستناد إلى ذلك، لم يعد "يوم فيد"، على حد قول المؤرخ الصربي دراغومير انجلكوفيتش Dragomir Andjelkovic في 2013، جزءًا من الماضي بل إنه لا يزال "يرمز إلى الكفاح لأجل كل ما يستحق الحياة، وإذا لم يتحقق ذلك فالموت أفضل لأجل أن نترك لأولادنا الأسس لحياة كريمة"38. وبعبارة أخرى، فقد ترك المؤرخ انجلكوفيتش "معركة كوسوفو" مفتوحة للأجيال القادمة بعد أن انتهت إلى ما انتهت إليه مع جيله. ومن ناحية أخرى، نجد أنّ الجانب الألباني أيضًا حاول أن يوظّف هذا النتاج الملحمي لأهداف أيديولوجية حسب أولويات المرحلة التي كانت تمرّ فيها كوسوفو وألبانيا.

  1. Tihomir Djordjevic, "Kosovo 1389 , in Kosovo 1389  -  1989 ," Serbian Lierary Quarterly 1  -  3 (Special edition on the occasion of 600 years since the Battle of Kosovo), (Beograd 1989), pp.  33  -  34.
  2. Judah, p. 82.
  3. Robert Thomas, Serbia under Milosevic: Politics in the 1990 s (London: Hurst, 1999), p.  49.
  4. Kosovo je srpski Juresalem," Blic (Beograd 5 / 10 / 2010). وبمناسبة ذكرى المعركة في 28 / 6 / 2012 زار البطريرك ايرينيه كوسوفو وصرّح هناك "لقد جئنا هنا لنقول إنّ هذه الأرض كانت وستبقى صربية" وهي "أورشليم الصرب:" Danas (Beograd 28 / 6 / 2012) ويلاحظ هنا أنّ هذا الاستدعاء لم يعد يقتصر على الكنيسة الصربية، بل أصبح يشمل الحكومة الصربية لدواعٍ سياسية سواء في الداخل أو في الخارج (العلاقة مع إسرائيل)؛ ففي 21 / 3 / 2014 صرح وزير الدولة لشؤون كوسوفو الكسندر فولين في لقاء مع جريدة جيروزاليم بوستالإسرائيلية أنّ كوسوفو هي "أورشليم الصرب " وحتى "جبل صهيون الصرب:" " Vulin for Jerusalem Post: Kosovo is our Jerusalem," International Radio Serbia (21 / 3 / 2014).
  5. Dragomir Andjelkovic, "Vidovdan i 'datum'," Danas (Beograd 3 / 7 / 2013).

ففي مرحلة ستينيات القرن العشرين كانت ألبانيا تتميز بشيوعية قومية انعكست على النتاج الأكاديمي والكتب المدرسية بتبني موقفٍ حاشدٍ للقومية الألبانية والأصل الأليري للألبان ومعادٍ للحكم العثماني الذي استمر نحو 500 سنة في ألبانيا. وفي هذا السياق نجد أنّ المؤرخ المتخصص في الدراسات العثمانية بألبانيا سلامي بولاها S. Pulaha ينشر في عام 1968 كتابه الحروب الألبانية – التركية في القرن الخامس عشر: المصادر العثمانية، الذي تضمن ترجمة لمقاطع من ملحمة "اسكندر نامه" للشاعر التركي أحمدي Aḥmet bin Ibrāhīm Aḥmedī ونصوص للمؤرخ نشري وغيره من المؤرخين الأتراك عن معركة كوسوفو. ولكنّ المهم هنا ما قاله في المقدمة، إذ أوضح أنّ الهدف من هذا الكتاب توضيح "كفاح الألبان في سبيل الدفاع عن حريتهم واستقلالهم عن الإمبراطورية العثمانية"39، وهو ما شمل معركة كوسوفو. وبعبارة أخرى، فقد سعى المؤرخون الألبان في كوسوفو خلال العهد اليوغسلافي إلى إثبات مشاركة الألبان في هذه المعركة إلى جانب الصرب، في حين أنّ الرواية الصربية كان تركّز على كونها معركة الصرب ضد الأتراك. وفي هذا السياق أصبحت معركة كوسوفو رمزًا للمعركة المتصاعدة بين المؤرخين الصرب والألبان حول "الحق التاريخي" لكل طرف في كوسوفو، التي كانت تتداخل مع المعركة السياسية حول مصير كوسوفو بين جمهورية صربيا والفيدرالية اليوغسلافية. ففي السنوات الصعبة على الألبان التي تلت موت تيتو، نشر المؤرخ الكوسوفي المختص بالدراسات العثمانية اسكندر رضا S. Rizaj عام 1982 كتابه كوسوفا خلال القرون 15  -  17 وأكد فيه وجود الألبان في كوسوفو خلال القرون الوسطى، في الوقت الذي كان المؤرخون الصرب ينفون ذلك، كما أكد "مشاركتهم المؤكدة في معركة كوسوفو طالما أنّ المعركة جرت في أراضيهم"40. وفي الوقت الذي كان فيه الصرب يحتفلون منتصرين بالذكرى ال 600 لمعركة كوسوفو بالتركيز على أنّ الصرب كانوا في تلك المعركة لا يدافعون عن صربيا فحسب، بل عن أوروبا من "الخطر الإسلامي"، نجد أنّ بعض المؤرخين الألبان انخرطوا بذلك اعتقادًا منهم أن الموقف الأوروبي منهم يرتبط بالموقف من الإسلام. ومن هنا، نجد أنّ المؤرخ الألباني سلامي بولاها يعبّ عن ذلك بدراسة نشُرت في كتاب صدر بالإنكليزية في تيرانا بعنوان الحقيقة حول كوسوفو موجّه إلى الغرب، ويذكر فيها أنّ الألبان شاركوا في معركة كوسوفو لمواجهة "الإسلام المتخلف"، وأنهم لذلك يحتلون "مكانة مشرّفة في تاريخ شعوب البلقان بكفاحهم للدفاع عن حريتهم واستقلالهم وعن الحضارة الأوروبية أيضًا"41. وفي هذا السياق نجد أنّ الألبان يركزون في هذه الفترة على إثبات ألبانية البطل الحقيقي في الملاحم الصربية والألبانية عن المعركة (ميلوش كوبليتش)، الذي قام باغتيال السلطان مراد الأول. فقد كان هذا قد تحوّل إلى "أيقونة الصرب" وأصبح شخصية ملهمة للجيش الصربي خلال الحرب البلقانية ضد الدولة العثمانية 1912  -  1913 وصولً إلى الذكرى ال  600 لمعركة كوسوفو؛ فقد قال الرئيس ميلوشيفيتش بنشوة الانتصار أمام مليون صربي احتشدوا في أرض المعركة "لم يعد من الصعب الآن أن نجيب عن السؤال القديم: كيف نقف أمام ميلوش؟"، بينما سعى بعض المؤرخين الكوسوفيين من الجيل الثاني إلى سحب البساط من تحت أقدام الجانب الصربي بإثبات أنّ هذا البطل للملاحم الصربية والألبانية حول المعركة ليس سوى ألباني باسم ميلوش كوبيلا أو ميلوش أوبيليتش42.

  1. Pulaha, p. 9.
  2. Skender Rizaj, Kosova gjate shekujve XV, XVI dhe XVII Administrim, Ekonomia, shoqeria dhe levizja popullore (Prishtine: Rilindja, 1982), pp. 18  -  19.
  3. Selami Pulaha, "on the presence of Albanians in Kosova during the 14 th- 17 th Centries" in The Truth on Kosova (Tirana: Instituti i histories, 1993), p. 27.
  4. لدينا عدة كتب صدرت في كوسوفا حول هذا الموضوع استعرضتها بالإنكليزية آنا دي بيللو في كتابها: Anna di Lellio, The Battle of Kosovo , pp. 33  -  48.

ولكن بعد حرب عام 1999 وسحب صربيا لقواتها من كوسوفو ساد نوع من الحماس بين الألبان للغرب الذي تدخل لإنقاذهم وللاندماج السريع في أوروبا. وفي هذا السياق برزت دعوات تطالب الألبان بالارتداد الجماعي إلى "دين الأجداد" والثقافة االمسيحية المشتركة مع أوروبا43. وفي هذا السياق نجد أنّ التناول الألباني لبطل الملاحم الصربية والألبانية ميلوش كوبيليتش أصبح يركّز على الأصل المسيحي للألبان وعلى الماضي المشترك للألبان مع شعوب البلقان المسيحية. ولأجل ذلك يلوم أحمد تشيريزي مؤلف كتاب ميلوش كوبيليتش: صربي أو ألباني؟ المؤرخين الألبان على تناسيهم مثل هذه "الشخصية الألبانية"، ويعيد ذلك لكون الألبان اعتنقوا بشكل جماعي "دين السلطان المقتول"44.

خاتمة

تُعتبر المعركة التي جرت بين الطرف العثماني وحلفائه وبين الطرف الصربي وحلفائه في "سهل كوسوفو" في 28 / 6 / 1389 من المعارك المهمة في تاريخ البلقان والدولة العثمانية والعلاقات بين الشرق والغرب (بالمعنى الديني الأيديولوجي اللاحق) على الرغم من غموض ما حدث في ذلك اليوم. فالأمر المؤكد أنّ السلطان مراد الأول الذي حرص بنفسه على قيادة الجيش في هذه المعركة سقط قتيلً، كما هو الأمر مع الأمير لازار الصربي، وعاد أثر ذلك الجيش العثماني بسرعة إلى العاصمة أدرنة بعد إعلان بايزيد خلفًا لأبيه. ومع أنّ المصادر الأورربية المعاصرة تشير إلى "هزيمة" لحقت بالعثمانيين، فإنّ المصادر اللاحقة (العثمانية والصربية) أصبحت تشير إلى "هزيمة" لحقت بالصرب في أرض المعركة. ولكنّ المهم هنا أنّ ما حدث في عام 1389 تحوّل إلى "أسطورة كوسوفو" التي عبّت عن نفسها في الملاحم الكثيرة لدى شعوب البلقان، وخاصة لدى الصرب والألبان، التي أصبحت تغنّى في المناسبات المختلفة عبر القرون اللاحقة لتبقي "روح كوسوفو" حية وشاهدة على ما يتطور من أحداث سياسية ونزعات أيديولوجية جديدة في المنطقة. فكوسوفو بعد قرون من الحكم العثماني لم تعد للصرب بل أصبح الألبان يشكلون أغلبية سكانية وهي على عداء مع الصرب الأرثوذكس بعد أن فرّق بينهم الدين. فالصرب بعد انهيار دولتهم في عام 1459 ملم تعد لهم سوى مؤسسة واحدة توحّدهم؛ الكنيسة الصربية الأرثوذكسية التي حوّلت أبطال معركة كوسوفو إلى قديسين وصبغت كوسوفو بصبغة دينية صربية لتبقي "روح كوسوفو" حيّة عند الصرب لاسترجاع دولتهم، في حين أنّ الألبان مع اعتناقهم للإسلام أصبحت الملاحم عندهم تقد م صورة مختلفة عما حدث في معركةِ كوسوفو. وفي هذا السياق، أصبحت الملاحم المؤسطرة لما حدث في 1389 تخدم أجندة أيديولوجية جديدة عند الصرب والألبان، سواء في ما يتعلق بالسعي لتأسيس دولة مستقلة أو للعلاقة ببين الشرق والغرب.

  1. ارتبطت هذه الحملة بأسماء كبيرة في الأدب والأكاديميا وعلى رأسهم الروائي المعروف إسماعيل كاداريه وغيره. للمزيد عن ذلك انظر: محمد م. الأرناؤوط، إسماعيل كاداريه بين الادب والسياسة (عمان: دار أزمنة، 2005)، ص  83  -  94. وأذكر هنا بالمناسبة أنّ رئيس جامعة بريشتينا زينل كلمندي Z. Kelmendi دعاني إلى فنجان قهوة في فندق غراند بوسط بريشتينا في آب/ أغسطس 2000 وقال لي في ذروة الحماس للغرب والاندماج في أوروبا آنذاك "خلال عشر سنوات سيعود معظم الألبان إلى دينهم القديم، وهو ما سيسّهل علينا الاندماج في أوروبا". ولكن في أول إحصاء بعد استقلال كوسوفو عن صربيا (2011) كانت نسبة المسلمين هي الأعلى في أوروبا (95.)%
  2. Ahmet Qerizi, Milosh Kopiliqi, serb apo shqiptar (Prishtine: Radio Kosova e lire, 2003), pp.  38  -  39.

الملاحق

1 - سقوط الإمبراطورية الصربية تعتبر هذه الملحمة من أقدم الإبداعات الشعبية، وقد سجّلت بروايات عديدة منذ القرن التاسع عشر تختلف من واحدة إلى أخرى بإضافات طفيفة، ترجمت لاحقًا إلى عدة لغات ولدينا في الإنكليزية ترجمتان لها:

Anne Penington - Peter Levi, Marko The Prince: Serbo - Croat Heroic Songs (London 1984), pp. 17  -  18 ; The Battle of Kosovo - Serbian Epic Poems , translated from Serbian by John Mattias and Vladeta Vuckovic , preface by

وسيقضون عليهم جميعًا.

صلّ وأمر رجالك،

Charles Simic (Athens: Swallow Press , 1987), pp. 33  -  35.

سرب من الطيور من الأرض المقدسة من أورشليم يضمّ طائر سنونو، يحمل عصفورًا إنه القديس إيليا؛ لا، إنه لا يضم طائر سنونو ولا يضم عصفورًا بل رسالة من أم الله إلى القيصر في كوسوفو يسقط الرسالة على حضنه ويقول للإمبراطور: "لازار، أيها الإمبراطور المجيد، أي مملكة اخترت، مملكة الأرض، أم مملكة السماء؟ إذا اخترت مملكة الأرض فاحزم الخيول وجهز العتاد وادفع بالرجال الأقوياء، المحملين بالسيوف، للهجوم على الأتراك، ولكن إذا أردت مملكة السماء انسج كنيسة حول كوسوفو، ولا تبن أسسها بالرخام بل بالحرير والجوخ الأحمر.

2 - معركة كوسوفا45

معهد الدراسات الألبانية في بريشتينا: هم سيموتون، وأنت ستموت، ستموت بينهم حين يموتون." حين سمع الإمبراطور هذه الكلمات فكّر في نفسه: "يا إلهي، ماذا أفعل؟ أيّ مملكة أريد؟ هل هي مملكة السماء؟ هل هي مملكة الأرض؟ وإذا اخترتُ مملكة الأرض فمملكة الأرض قصيرة، ومملكة السماء سرمدية." واختار الإمبراطور مملكة السماء وترك مملكة الأرض.

تعتبر هذه من أشهر الملاحم عن معركة كوسوفو عند الألبان. سجّلها الباحث الصربي ف. دانتشتوفيتش V. Dancetovic في عام 1952 من فم أحد الرواة الشعبيين (رستم كاباشي) بقرية بولاتس الكوسوفية وطبعت لأول مرة عام 1953 في المجلد الثاني من "أغاني شعبية ألبانية من كوسوفا وميتوهيا" (بريشتينا 1953)، ومن ثم طُبعت عدة مرات خلال الفترة 1968  -  2007. وفي غضون ذلك سُجّلت روايات أخرى من هذه الأغنية الملحمية في أماكن أخرى بكوسوفو خلال الفترة 1954  -  1955 وطبعت مؤخرًا حسب الأصول العلمية عن

Demush Shala , Kenge popullore historike (Prishtine: 1973), pp. 47  -  52 ; Instituti albanologjik i Prishtines ,

Kenge popullore historike I (Prishtine: 2007), pp. 27  -  40 , 41  -  48 , 49  -  65 , 66  -  72 , 73  -  75. في أحد الأيام خلد السلطان مراد للنوم، ورأى أبونا في نومه نسرين يسقطان عليه ويحطّان على كتفه الأيمن. حين أفاق السلطان في الصباح

  1. في الأصل Kosova حسب الصيغة الألبانية للاسم.

وأرجو الله أن يجعله خيرًا.

ستفتح كوسوفا يا أبونا! أخذ في الوضوء وصلى صلاة الفجر في وقتها أرسل وراء مفسري الأحلام46وحين وصلوا عند السلطان سألوه: - خير يا أبونا؟ لماذا أرسلت وراءنا؟ - خير إن شاء الله يا أولادي! لقد رأيت شيئًا في نومي

لقد رأيت نسرين يحطان على كتفي أخذ أحد المكبرين في التكبير:

سارع السلطان مراد بإرسال الأخبار للسعاة ليأتوه47وبعد أن اجتمعوا عنده سألوه: - خير الله يا أب كل تركيا؟ لماذا أرسلت وراءنا؟ وماذا يمكن أن نخدمك؟ - خير إن شاء الله يا أولادي! أخذ السلطان يوزع عليهم الرسائل: خذ يا بني هذه الرسالة لشيخ الإسلام وأرسل هذه للصدر الأعظم وأوصل هذه إلى جيان العربي48أرسلت الرسائل إلى وكلاء السلطان وقال السلطان لوكيله:

  1. في الأصل " تكبيرجي" takbirxhi المؤلفة من تكبير + جي التركية، وأصبحت تعني عند الألبان مفسر الأحلام لأنّ المفسر يكبّ عند تفسير الحلم.
  2. في الأصل " التتار" tatar، وغدت تعني في الألبانية كما في التركية والعربية الساعي الذي ينقل البريد السريع على فرسه في الدولة العثمانية، وهي تستخدم بهذا المعنى في التراث الشعبي الألباني:
  3. في الأصل السراسيني Sarasini والسراسنة اسم كان يطلق على المشارقة بشكل عام ويشمل العرب. Tahir Dizdari, Fjalor i orientalizmave ne gjuhen shqipe (Tirane-Rabat: 2005), pp. 1001  -  1002. أهمية كبرى: Dizdari, p. 876.. منكر ونكير عما فعله في حياته.

لقد قرأوا الرسائل، وأرسلوا جنودهم للانضمام إلى جيشنا حتى ملأ الأرض بقدرة الله. توضأ السلطان ونشر الصنجق الشريف49وخرج أمام العسكر وقام أبونا بتوجيههم50فسجد على الأرض كل الجنود. دعاهم الأب إلى القيام وقادهم كالحمامة وحين وصل بهم إلى البحر وجد البحر مغلقًا توجه السلطان بالدعاء: يا ربي أنت الذي لا إله غيرك، أفسح الماء من البحر لكي يسير العسكر على الأرض استجاب الله لدعائه وفسح المجال بين الشاطئين فسار العسكر على التراب. توجه السلطان إلى الجميع اسمعوا جيدًا يا أولادي! إذا كان بينكم من هو نادم فليعد قبل أن يغلق البحر ثانية!

  1. في الأصل "صنجق شريف" Sanxhak sheriff، ويقصد به الراية التي احتفظ بها العثمانيون من الذخيرة النبوية، وكانت لا تستخدم أو تنشر إلا في المعارك التي لها
  2. في الأصل يلقّنهم أو يقوم بالتلقين talkin؛ والتلقين أخذه الألبان من الأتراك ويعني عندهم ما يقوم به الشيخ عند دفن الميت لتعليمه بماذا يجيب عن أسئلة الملكين

فبقي يقاتل سبعة أيام وسبع ليال حتى فتح السلطان سالونيك

بقي يقاتل سبعة أيام وسبعة ليال حتى فتح اسكوب أجابه العسكر بصوت واحد: لسنا نادمين على موتنا! توجه السلطان نحو سالونيك وحاصرها من كل جهة جرت هناك معركة قوية: كان السلطان لا يتوقع شيئًا من الدنيا

وأقام الحكم فيها51. توجه الأب مع قواته إلى اسكوب وحاصرها من جميع الجهات جرت هناك معركة قوية ولم يكن هناك من يقف في وجه السلطان.

وأقام الحكم فيها52. توجه السلطان إلى كاتشانيك53وحاصرها الأب من كل الجهات وجرت هناك معركة قوية لم تسر الأمور على ما يرام مع السلطان وأخذ العسكر يتراجعون إلى الوراء.

  1. من المعروف أنّ سالونيك تعرّضت للحصار العثماني لأول مرة في عام 1383 م، واستسلمت دون قتال للعثمانيين في نيسان/ أبريل 1387 م، حيث خضع حاكمها مانويل باليولوغ (الإمبراطور اللاحق) للسلطان مراد. ولكن بعد هزيمة السلطان بايزيد في عام 1402 م أمام تيمورلنك عادت سالونيك إلى الحكم البيزنطي إلى أن فتحها السلطان مراد الثاني في 833 ه/  1430 م:
  2. اسكوب أو سكوبيه Skopje كما تعرف في السلافية (عاصمة جمهورية مكدونيا الآن) كانت تحت حكم الأمير الصربي ماركو كراليفيتش، الذي كان قد خضع للدولة العثمانية. ولذلك فقد انضم بقواته إلى جيش السلطان المتوجه إلى كوسوفو.
  3. (8) من المعروف أنّ كاتشانيك قد برزت إلى الوجود بعد نحو 200 سنة من المعركة، إذ أسس فيها الصدر الأعظم سنان باشا في إطار وقفه نواة عمرانية في نهاية القرن السادس عشر تتألف من جامع وكتاب وعمارة/ تكية وحمام وخانين بالإضافة إلى حصن صغير كمركز لحامية عسكرية. وقد تحوّلت هذه النواة إلى حاضرة سكنية صغيرة في مطلع القرن السابع عشر وإلى بلدة صغيرة في منتصف القرن السابع عشر عندما زارها الرحالة أوليا جلبي. ولكن المشكلة ربما كانت في المضيق نفسه، الذي كان يسمح لقلة من قطاع الطريق أن يتحكموا فيه. ومن هؤلاء الذين اشتهروا باسم " الكاتشاك "(من التركية kacmak) اشتق اسم القرية/ البلدة: محمد م. الأرناؤوط، دور الوقف في المجتمعات الإسلامية (دمشق: دار الفكر، 2000)، ص 56  -  58 Mark Mazower, Salonica City of Ghosts 1430  -  1050 (New York: Alfred A.Knopf, 2005), pp. 27  -  31.

وصل ذلك إلى مسامع السلطان فطلب فورًا وقف القتال. نادى السلطان على حملة الأبواق وحين تجمعوا لديه خاطبهم: - انفخوا الأبواق ودعوا العسكر للاجتماع! تصاعدت أصوات حملة الأبواق لنداء كل العسكر، وتمكنوا من جمعهم كلهم. قسى السلطان عليهم باللوم: لقد حلت علينا اللعنة، لقد بقي في عنقي شهداء كثر: شيخ الإسلام مع ابنه والصدر الأعظم مع حفيده فمن منكم ارتكب الحرام؟54أجابه العسكر بصوت واحد: لا يوجد بيننا من يرتكب الحرام! خرج عسكري من الحشد: أنا فقط ارتكبت الحرام في بساتين اسكوب أخذت تفاحة لا تزال في شنطتي لم آكلها بعد. ضمّ السلطان العسكري إليه ودعا السُحّار إليه55. جاء السحار إلى الأب: اذهبوا بسرعة إلى اسكوب وخذو التفاحة إلى صاحب البستان

  1. في الأصل "حرام" haram التي لا تزال تستخدم في الألبانية: 54 3 Dizdari, pp.  -  355
  2. في الأصل suhar.

وقولوا له ليجعل التفاحة حلالً لي!56ذهب هؤلاء إلى صاحب البستان وقالوا له إنّ الأب الملك يسلم عليك ويطلب منك أن تجعل التفاحة حلالً له.

أو أقتلهم جميعًا بالسيف!

حتى الحمير المحمّلة بالحطب

فتح السلطان كاتشانيك نهض صاحب البستان على قدميه قائل: بشرط أن يجعلني صدرًا أعظم! عاد السحّار إلى السلطان وأخبروه بما جرى: لا يقبل أن يجعل التفاحة حلالً لك إلا إذا جعلته صدرًا أعظم. أرسل السلطان وراء النيشانجي57وكتب بتعيينه صدرًا أعظم. ضيق السلطان من حصاره على كاتشانيك وقاتل ثلاثة أيام وثلاث ليال غضب السلطان وأقسم بالله: إما أن يقبل هؤلاء بالدين

جرت معركة كبيرة وأثار الله زلازل كثيرة جمعت بين الدم والمطر وأخذت في طريقها كل شيء

والأحجار الكبيرة.

  1. في الأصل "حلال" hallall التي لا تزال تستخدم في الألبانية مع مشتقاتها: 40 3 Dizdari, pp.  -  341
  2. النيشانجي من كبار العاملين في الديوان السلطاني. كان عمله في البداية يقتصر على ختم القرارات الرسمية بالطغراء (النيشان) حتى تكون نافدة، ثم أصبح يشمل مراجعة النص ومقارنته مع التشريعات السابقة، وكتابة الرسائل السلطانية في عهد السلطان سليمان القانوني الذي برز في عهده مصطفى جلال زاده الشهير بالنيشانجي الأكبر، انظر: تاريخ الدولة العثمانية، إشراف روبير مانتران وتعريب بشير السباعي، ج 1 (القاهرة: دار الفكر، 1989)، ص 282  -  283. الملحمة: سكوبيه وبقيت هناك حتى عام 1912، انظر: الأرناؤوط، كوسوفو/ كوسوفا، ص 21  -  26.

وأقام فيها الحكم. توجه الأب إلى فريزوفيتش58وحاصرها من جميع الجهات وجرت هناك معركة كبيرة. استمر القتال يومين وليلتين، لم يكن هناك من يقف أمام السلطان. فتح السلطان فريزوفيتش وأقام فيها الحكم. وصل السلطان أخيرًا إلى كوسوفا59فغطتها الخيام باللون الأبيض من المشرق إلى المغرب60الجميع بالخيام و (صاحب) الدولة61. وبعد أن استقروا واستراحوا كتب الملك رسالة وأرسلها إلى ميلوش: هل ترسل لي مفاتيح القلاع السبعة، هل ترسل لي الخراج عن سبع سنوات، أم تقوم الحرب بيننا؟ قرأ ميلوش الرسالة باهتمام

  1. فريزوفيتش أو فيرزاي Ferizaj كما نعرف الآن من أحدث المدن في كوسوفو. نشأت بعد 1873 حول محطة القطار التي بنيت على سكة الحديد التي توصل إلى سكوبيه - اسطنبول وإلى سكوبيه – سالونيك. وكان في مكان المحطة خان اشتهر باسم المالك (فريز)، ولذلك دعيت القرية، ثم البلدة الجديدة التي نشأت في نهاية القرن التاسع عشر، باسم فريزوفيتش أو فريزاي. وبعد الاحتلال الصربي لكوسوفو في عام 1912 دعيت باسم اوروشفاتس Urosevac. ومن الواضح هنا أنه لدينا إضافة حديثة على هذه الأغنية/ Kosovo/Kosova (Beograd: Ekonomska politika, 1973), p. 971.
  2. في الأصل أطلق الاسم على السهل الذي يمتد حول نهر سيتنيتسا Sitnica قرب بريشتينا، كما أنه لدينا قريتان تحملان الاسم نفسه في ألبانيا مما يشير إلى أنّ هذا الاسم انتشر مع التوسع السلافي في المنطقة خلال العصر الوسيط. وقد بدأ هذا الاسم يرد في الوثائق منذ نهاية القرن الثاني عشر؛ أي حين دخل هذا المكان في إطار الدولة الصربية الجديدة. وقد توسّع مفهوم هذا الاسم حتى أصبح يطلق على كل الحوض/ السهل الذي يمتد نحو 80 كيلومترًا من نهر إيبار Ibar في الشمال إلى مضيق كاتشانيك في الجنوب، ثم أصبح يطلق منذ عام 1877 على الولاية الجديدة التي أسسها العثمانيون في عام 1868 باسم "ولاية بريزرن" مع أن عاصمة الولاية انتقلت في عام 1888 إلى
  3. في الأصل "المشرق" Mashrik و"المغرب" Magrib التي تعني هنا الشرق والغرب.
  4. في الأصل "الدولة" dovleti التي كان الألبان يطلقوها على الدولة العثمانية، ولكن هنا تطلق أيضًا على السلطان.

فسألته زوجته لاتينكا:

ذهب إلى بيا62، حيث اجتمع هناك الملوك،

لم يصدق الملك ذلك:

فذهب الملوك الستة إلى تشيتشا فيتسا63وأخذت دموعه تسيل على وجهه،

- ماذا بك يا ميلوش حتى تبكي؟ - لقد حلّ بنا اليوم الأسود يا لاتينكا، لقد وصل السلطان إلى كوسوفا وصار لونها أبيض من كثرة الخيام. نهض ميلوش على قدميه شدّ الفرس وركب عليها.

توجه إلى الملوك قائل: وصل السلطان إلى كوسوفا وغدا لونها أبيض من كثرة الخيام! كان الملك الأكبر في سراييفو فأرسلوا إليه رسالة وقالوا له فيها بوضوح: لقد وصل السلطان إلى كوسوفا وأصبح لونها أبيض من كثرة الخيام.

أيها البشناق، ياخسارتي فيكم! كان ملك بيا من الأشرار64

  1. في الألبانية Peja وفي الصربية Pec، مدينة قديمة تقع في غرب كوسوفو قرب الحدود مع ألبانيا والجبل الأسود. تشتهر بكنائسها التي بنيت في عهد توسع الدولة الصربية الجديدة، وخاصة الدير الذي أقيم في ضواحيها في النصف الأول من القرن الثالث عشر وتحول إلى مقر للبطريركية الصربية بعد عام 1253 م، وجوامعها الأثرية التي تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر (جامع البيرق وجامع الرصاص:)
  2. في الأصل " شر" sherr التي تستخدم في الألبانية أيضًا للدلالة على الداهية:
  3. تشيتشافيتسا Cicavica جبل يطل على سهل كوسوفو الذي جرت فيه المعركة. Kosovo/ Kosova , pp. 833  -  838 Dizdari, pp. 966  -  967

وتطلعوا في المناظير65ورأوا الخيام فصدقوا حينها ميلوش. قال ميلوش للملوك: ماذا تريدون أن تفعلوا أيها الملوك؟ أنا أريد أن أدخل في دين السلطان! قال ملك بيا: يا للعيب الكبير لما تقوله يا ميلوش! غضب ميلوش كثيرًا. ذلك الملك عرف بالدهاء: اجمعوا ثلاثين فتاة واجعلوهن يلبسن كما في العيد الكبير66وأعطوهن ثلاثين صينية من الذهب، وأرسلوهن إلى معسكر السلطان. وحين تسرق الفتيات وتغتصب، سأبدأ فورًا بالقتال. ذهبت الفتيات إلى المعسكر فلم يسمح لهن صاحب النوبة بالدخول67، أخبر السلطان: جاءت معسكرنا ثلاثون فتاة: فهل نسمح لهنّ أيها الأب بالدخول؟! أجاب السلطان صاحب النوبة: دع الفتيات حيثما يردن! تجولت الفتيات في المعسكر

  1. في الأصل durbi من الفارسية "دربين". ويلاحظ في الأغاني الشعبية الألبانية ذكر واضح لهذه الأداة التي تستخدم لمشاهدة ما هو بعيد: Dizdari, p. 240
  2. في الأصل وردت في السلافية velikdan أو اليوم العظيم.
  3. في الأصل nebetxhi التي تتألف من نوبة + جي التركية.

لم يسمح صاحب النوبة له بالدخول،

هل أسمح لميلوش بالدخول؟ ولكن لم ينظر إليهنّ أحد من العسكر ولم يأخذ أحد منهم شيئًا من الذهب تعبت الفتيات كثيرًا وذهبت إلى إيلي الفران وقلن له: - ما هذا اليوم السيء؟ ربما لسنا حسناوات ولكن ألا يغريهم الذهب؟ كاد إيلي أن يموت من القهر وقال للفتيات: ليس هذا اليوم يومنا أيتها الفتيات! سألوا السلطان آنذاك: هل نوزع عليهنّ الخبز أم لا؟ أرسل الملك خبرًا إلى إيلي: أعطوهن الخبز دون مقابل حتى يشبعن! أخذت الفتيات من الخبز ما رغبن وذهبن عند الملك وقلن له: لقد قضي علينا! نهض ميلوش على قدميه وألبسوه الحديد حتى الفرس ألبسوها الحديد. امتطى ميلوش الفرس وذهب مع الجنود عند السلطان.

وأرسل يسأل السلطان:

أرسل (صاحب) الدولة خبرًا له: دع ميلوش يأتي هنا! سأل الملك الوكلاء: هل أمدّ له يدي اليمنى أم قدمي اليسرى؟ - مدّ له القدم اليسرى حتى تبقى الرعية خاضعة على الدوام! سُمح لميلوش بالدخول وذهب عند (صاحب) الدولة مد السلطان قدمه اليسرى فأمسك بها ميلوش بيد وطعنه بالخنجر باليد الأخرى حتى أخرج أحشاءه على الأرض. بقي السلطان 24 ساعة على قيد الحياة، حتى توفي بعدها. اندلعت معركة كبيرة، ولم يكن هناك من يقف أمام ميلوش. كان يضرب بالبندقية والبندقية لا تستجيب68، وحتى السيف لم يجد معه. قالت امرأة مسيحية: - أمات الله عسكر الدولة! ألا ترون ميلوش كيف يقضي عليكم؟ صوّب الجميع بنادقهم نحو الأسفل وأصابوا حلقات الفرس فسقطت على الأرض، وأمسكوا بميلوش وهو حي.

  1. من المعروف أنه في معركة كوسوفو استخدمت الأسلحة النارية لأول مرة هناك (المدافع)، ولكنه من المؤكد أنّ البنادق لم تكن قد استخدمت بعد. وفي الملاحم الأخرى

وحتى السيف لم يجد معه.

حتى أنّ ميلوش حين وصل إلى المغرب69. رأته النساء والفتيات وهنّ يغسلن:

3 - أغنية إلى سلوبودان الذي دافع عن الأرض المقدسة العنوان في الأصل "أغنية إلى سلوبودان"، أي سلوبوادن ميلوشيفيتش، رئيس الحزب الشيوعي في صربيا خلال الفترة  1986  -  1989 الذي أصبح معبود الصرب خلال ثمانينيات القرن الماضي بعد أن أحيا "روح كوسوفو" وضمّ كوسوفو إلى صربيا عشية الذكرى ال 600 للمعركة (28 / 6 / 1989)، حيث خطب في ساحة المعركة أمام مليون صربي احتشدوا بهذه المناسبة وأثار الجمهور المحتشد حين قال إن "صربيا قد ربحت من جديد دولتها ووحدتها القومية والدينية"، وردّ عليه الجمهور مرددًا "يا لازار القيصر، يا لحظك العاثر لعدم وجود كان يضرب بالبندقية والبندقية لا تستجيب،

قالت المرأة المسيحية للعسكر: أشعلوا النار في سبع عربات مملوءة بالحطب وضعوا ميلوش في وسط النار! قال ميلوش: الأمان يا عسكر الدولة! أريد تلك المرأة هنا، لدي الكثير من المال، وأريد أن أترك لها ذلك. اقتربت المرأة منه فأخذ ينهشها بأسنانه. ضربوا حينئذ ميلوش بالسيف، فطار رأس ميلوش،

-انظروا، إنسان دون رأس! - أنا دون رأس، وأنتن دون عيون! وحينها سقط رأس ميلوش على الأرض.

  1. في الأصل "المغرب" Magrip التي تستخدم للدلالة على شمال أفريقيا ما بعد مصر باتجاه الغرب: Dizdari, pp. 601  -  602. Knin فهي مدينة ذات تاريخ قروسطي تقع اليوم في جنوب كرواتيا قرب الحدود مع البوسنة.

كوسوفو ونشرت بعد ذلك: سلوبو (دان) إلى جانبك". ومن الواضح أنّ هذه الأغنية تعود إلى الشهور التي تلت خطاب ميلوشيفيتش في الذكرى ال 600 لمعركة

T. Popovic , Die Mythologisierung des Alltags - Kollektive Erinnerungen , Geschichtsbilder und Vergangenheitskultur in Serbien Und Montenegro seit Mitte der 1980 er Jahre (Zurich: 2003), p. 138.

يا صربيا الملتحمة مع الله يا من منحتينا سلوبودان. من بريزرن إلى كنين70تصدح الهتافات لابن صربيا: لقد تحررت بلادنا من الأتراك71والأوستاش72من الألمان والمجر من اللاتين والشيبتار73. ياصربيا القديس سافا، لقد أنقذ سلوبودان رؤوسنا. سلوبودان حتى أطفال الصرب يقدّروك لأنك دافعت عن الأرض المقدسة

  1. بريزرن Prizren كانت العاصمة الصيفية للإمبراطور الصربي دوشان (1331  -  1355) ودفن في دير بضواحيها وأصبحت لاحقًا عاصمة لولاية قوصوة العثمانية، أما كنين
  2. يستخدم الصرب هنا الأتراك بمعنى المسلمين في البلقان بشكل عام بوصفهم اعتنقوا "دين الأتراك."
  3. المقصود هنا الكروات بشكل عام مع أنّ المعنى الأصلي ل "الاستاشا" يفيد فقط أعضاء المنظمة القومية الكرواتية التي دعت إلى فصل كرواتيا عن يوغسلافيا.
  4. يقصد باللاتين الكاثوليك الذين ينتمي إليهم الكروات وبعض الألبان، أما "الشيبتار" فهو لفظ مهين يستخدمه الصرب لتسمية الألبان.

قائمة المصادر والمراجع

العربية

الأرناؤوط، محمد. إسماعيل كاداريه بينالأدب والسياسة. عمان: دار أزمنة، 2005. كوسوفو/ كوسوفا بؤرة النزاع الألباني في القرنالعشرين. القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 1998. إينالجك، خليل. تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار. ترجمة محمد م. الأرناؤوط. بيروت: دار المدار الاسلامي، ط 2، 2014. حرب، محمد. العثمانيون في التاريخ والحضارة. دمشق: دار القلم، 1989.

فريد بك المحامي، محمد. تاريخ الدولة العلية العثمانية. تحقيق إحسان حقي. ط 8، بيروت: دار النفائس، 1988.

الأجنبية

• Anzulovic, Branimir. Heavently Serbia: From Myth to Genocide. New York: New York University Press, 1999.

• A. Penington, Katherina-Levi Peter. Marko The Prince: Serbo-Corat Heroic Songs. London, 1984.

• Arapi, Fatos. "Kenge popullore per Luften e Kosoves." Studime historike 2. Tirane, 1983.

• ballkanike , perktheu Enver Robolli. Prishtine: Koha, 2012.

• Bartl, Peter. Shqiperia nga mesjeta deri me sot , perktheu Shkumbim Brestovci. Prizren: Drita, 1999.

• Basagic, Savet. "Najstarija turska vijest o Kosovskom boju." GZMBiH 36. Sarajevo, 1924.

• Bogdanovic, Dimitrije. Knjiga o Kosovu. Beograd: SANU, 1986.

• Bovan, Vadimir. Antologija srpske narodne epike sa Kosova i Metohije. Pristina: 1974.

• Celebi, Evlija. Putopis, prevod i komentar Hazim Sabanovic. Sarajevo: V. Maslesa, 1979.

• Di Lellio, Anna. Balttle of Kosovo 1389 An Albanian Epic , London- New York: I.B. Tauris, 2009.

• Dinic, Mihajlo. "Dva savremenika o boju na Kosovu." Glas SKA CLXXXII. Beograd, 1940.

• Dizdari, Tahir. Fjalor i orientalizmave ne gjuhen shqipe. Tirane-Rabat: AIITC-ISESCO, 2005.

• Djordjevic, Tihomir. "Kosovo 1389 , in Kosovo 1389  -  1989." Serbian Lierary Quarterly 1  -  3 (Special edition on

the occasion of 600 years since the Battle of Kosovo), Beograd, 1989.

• Djukic, Slavoljub. Covek u svom vremenu: Razgovor s Dobricom Cosicem. Beograd: 1989.

• Gasperi, Gjin. Skopsko-Prizrenska biskopija kroz stoljeca. Zagreb: KS, 1986.

• Hasluck, M.M. "An Albanian ballad on the assassination in 1389 of Sultan Murat I on Kosovo Plain." Occident

and Orient. London, 1936.

• Instituti i histories, Beteja e Kosoves 1389. Tirane: 2005.

• Judah, Tim. Kosovo: War and Revenge. New Haven & London: Yale Nota Bene & Yale University press, 2002.

• Karadzic, Vuk. Srpske narodne pjesme II. Wien 1854.

• Kosovo/Kosova , Beograd:Ekonomska politika, 1973.

• Krasniqi, Haxhi. Kenga e Luftes se Kosoves 1389. vol. III, Prizren, 1968.

• Malcolm, Noel. Kosovo: A Short History. London: Macmillan, 1998.

• Mazower, Mark. Salonica City of gosts 1430  -  1950. New York: Alfred A. Knop, 2005.

• Mihajlcic,Rade. The Battle of Kosovo in History and in Popular Tradition. Beograd: BIGZ, 1989.

• Orbini, Mavro. Il regno de gli Slavi. Pesaro, 1610.

• Peter Tan , Kosovska bitka. Beograd, 1968.

• Pllana, Shefqet. "Epika popullore shqiptare mbi Luften e Kosoves 1389." Seminari i kultures shqiptare per te

huaj 2. Prishtine, 1976.

• Popovic, Miodrag. Vidovdan i casni krst. Beograd: Slovo ljubve. 1997.

• Pulaha, Selami. "on the presence of Albanians in Kosova during the 14 th- 17 th Centries" in The Truth on Kosova.

Tirana: Instituti i histories, 1993.

• Pulaha, Selami. Lufta shqiptare-turke ne shekullin XV: burime osmane. Tirane: Instituti i histories, 1968.

• Qerizi, Ahmet. Milosh Kopiliqi, serb apo shqiptar , Prishtine: Radio Kosova e lire, 2003.

• Rajovic, Radosin. "Ustavni razvoj od konstituisanja autonomije do reforme 1989 ," in Kosovo: Proslost i

sadasnjost , Beograd: Medjunarodna politika, 1989.

• Rizaj, Skender. Kosova gjate shekujve XV, XVI dhe XVII Administrim, Ekonomia, shoqeria dhe levizja popullore.

Prishtine: Rilindja, 1982.

• Schmitt, Oliver Jeans. Kosova:Histori e shkurter e nje treve qendrore perktheu Enver Robolli. Prishtine: Koha, 2012.

• Shala , Demush. Kenge popullore historike. Prishtine 1973.

• Shala, Xheladin. Pushtimi i Kosoves nga Serbia dhe Mali i zi 1912  -  1913. Prishtine: Instituti albanologjik, 2012.

• Thomas, Robert. Serbia under Milosevic: Politics in the 1990 s. London: Hurst, 1999.

• Zefi , Don Shan. Islamizimi i shqiptareve gjate shekujve XV-XI. Prizren: Drita, 2000.