Return to Article Details The Functions of the Traditional Amazigh Inafless Council before the French Protectorate of Morocco The Case of the Idawtana

وظائف مؤسسة

The Functions of the Traditional Amazigh Inafless Council before the French Protectorate of Morocco

ربيع رشيدي*Rabii

Rachidi

الملخّص

تُعدّ مؤسسة "ئنفلاس​" واحدةً من المؤسسات التي ساهمت في التدبير الاجتماعي والقانوني للمجتمعات القبلية المغربية بخاصة قبل الحماية (1912). وتستمد هذه المجتمعات مشروعيتها من الألواح التي ساهم في وضعها فقهاء مالكيون عايشوا اضطرابات ساكنة الجبال التي لا تنالها أحكام المخزن المركزي. وتُعدّ إداوتنان القبيلة السوسية المغربية، موضوع هذه المساهمة، واحدةً منها. وإذا كان المخزن يسعى عبر قنواته -من عمالٍ وباشوات وقواد وشيوخ- لفرض هيمنته على مجموع البلاد وتطويع العباد، فإنّ البلاد النائية كإداوتنان، ومن خلال مؤسسة ئنفاس، اضطرت المخزن إلى قبول تنازلات تنقص من حدة قوّته الإدماجية، مما يطوّعه للسماح لها بتنظيم نفسها بنفسها من خلال مؤسساتها المحلية، وهو ما يفيد بقاءها تارةً صامدةً، بوصفها مؤسساتٍ تاريخيةً، وتارةً أخرى مهمشةً بحسب نوع الأحداث وقوتها.

Abstract

The Amazigh institution of the Inafless was a significant factor in the social and legal acclimation of Moroccans living in traditional tribal societies prior to the French Protectorate (1912). These were judicial institutions whose authority rested on a set of by-laws formulated by Sunni Muslim jurisprudents of the Maleki school who lived alongside the mountain-dwelling Amazigh tribesmen who were free of the rule of the central authorities (the Makhzen in Rabat). The Idawtanan tribe, whose territory lies in the Sous region of Morocco, provides the compelling case study subject for this paper. While the Makhzen attempted to utilize of the Inafless and other instruments of traditional Amazigh tribal authority to unify the territory under its rule, repeated compromises which ultimately curtailed the Sultan’s power were inevitable. Thus, the intensity of the deliberate assimilation of the Amazigh was curtailed, resulting in the ability of rural tribal groups to self-government. Depending on the nature and urgency of events at any given time, traditional Amazigh structures were strong and unshakeable, established organs or weak and marginalized. The final equilibrium saw the traditional Amazigh justice system thrive off of the relative weakness of the Makhzen in the periphery.

الكلمات المفتاحية:
  • القبيلة
  • المخزن
  • مؤسسة ئنفلاس
Keywords:
  • Enflass
  • The tribe
  • Makhzen
  • Morocco

قبيلة إداوتنان نموذجًا

The Case of the Idawtanan Tribe

مقدمة

كثر اللَّغط حول مؤسسة حلَّت محل المخزن1 في المناطق النائية التي لم تكن تنالها الأحكام المخزنية2، أو تلك التي كانت منيعةً ومحصنةً تضاريسيًا؛ فبفعل العامل الطبيعي استطاعت هذه القبائل البقاء بعيدًا عن "جور المخزن الدخيل"، كما نظَّرت لذلك السوسيولوجيا الكولونيالية، أو من خلال الخصوصيات الثقافية القبلية وأعرافها المتوارثة. فقد ارتأى عددٌ من أعيان بعض القبائل تنظيم أمورهم في علاقتهم مع الآخر والجماعة من خلال إبداع مؤسسة "عرفية" تسعى للحفاظ على "الأمن الداخلي" بالدرجة الأولى، وزجر الخارجين عن منطوق "النص العرفي" أو المخليّن به، فكانت هذه المؤسسة سابقةً من نوعها في المجتمع الأمازيغي؛ إذ لا نجد لها نظيرًا موازيًا في المجتمعات الأخرى التي كانت تحلّ مشاكلها بالتطاحن والتناحر وفقًا لقاعدة "البقاء للأقوى"، وهو ما ظل يفسر مسلّمةً آمن بها المغاربة، كون أهل المغرب كانوا ولا يزالون يجنحون إلى السلم أكثر منه إلى الحرب. وفي هذا السياق تأتي هذه المساهمة لتتناول مؤسسة "ئِنْفسْلَ"3 التي ساهمت في التدبير "القانوني" للمجتمع المغربي من خلال حل مشاكل الناس وزجر المخالفين. ولقد قيل كلام كثير عن هذه المؤسسة؛ فهناك من ذهب إلى حد القول إنّها مثّلت"استقلالً معنويًا" عن سلطة المخزن الذي كان راكدًا في المركز5، ولعلّ هدفهم كان سياسيًا أكثر منه موضوعيًا. فهذه الأطروحة إنما استُغلت لتمرير طرح "فرِّقْ تَسُدْ" التي ترجمها ظهير عام 19307. ويذهب آخرون إلى كون المؤسسة تأسست في ظرفية تاريخية استثنائية للتعبير عن إرادة ساكنة كانت لا تنالها الأحكام السلطانية "الجائرة"، مُفَضِّلةً حل مشاكلها بواسطة مؤسساتها الاجتماعية (الأعيان، والشيوخ، والفقهاء...) بعيدًا عن تدخل "الأجانب" المعيَّنين بظهائر سلطانية، كما هي الحال بالنسبة إلى قواد "حَاحَا"8 الذين حكموا سوس خلال فترة المولى الحسن (1873  -  1894). في هذا السياق تحاول هذه الدراسة إماطة اللثام عن بعض الأدوار السوسيو-اقتصادية والسياسية لبعض مؤسسات التنظيم القبلي للمجتمع المغربي ما قبل فرض الحماية بتاريخ 30 آذار/ مارس 1912 التي ساهمت في ضبط الأمن، وتدبير القبيلة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا؛ فقد تعددت مؤسسات القبيلة التي سهرت على تدبير أمور سوس، في استقلالية تامة عن "سلطة المخزن" التي كانت شاغرةً في هذه المناطق، بل كانت تُخضعها إخضاعًا مؤقتًا وموسميًا، وفي بعض الأحيان تفوّض لها القيام بمهمات لا يقوم بها إلا "القواد" و"إمْغَارنْ"، مثل جمع

  1. سنستعمل كلمة المخزن في هذه الورقة بمفهومها العام للدلالة على "السلطان" وحاشيته وممثليه من "قُوَّاد" و"باشوات" و"عمال" و"قضاة". وللمزيد من التوضيح بخصوص مفهوم المخزن، نحيل القارئ على الدراسات التالية: مصطفى الشابي، النخبة المخزنية في مغرب القرن التاسع عشر، سلسلة رسائل وأطروحات، رقم 26 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995)؛ محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي، مراجعة عبد الرحيم بنحادة (الدار البيضاء: نشر الفنك، 1999)، ص 31  -  40؛ جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، (معرب)، ط 3 (الرباط: مؤسسة الغني للنشر/ السحب/ دار أبي رقراق، 2013)، ص 75  -  110؛ عبد اللطيف أكنوش، السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم (الدار البيضاء: مكتبة بروفانس، 1988) ص 106  -  114؛ هند الوالي عروب، "المخزن في الثقافة السياسية المغربية"، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، إشراف عبد اللطيف حسني، جامعة محمد الخامس للعلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية، الرباط-أكدال، (2003)؛ Rachida Cherifi, Le Mekhezen politique au Maroc: Hier et aujourd’hui (Casablanca: Afrique orient, 1988), pp. 17  -  25.
  2. تُعدّ قبيلة إداوتنان واحدةً من القبائل التي لم تكن تنالها الأحكام المخزنية بشهادة المولى الحسن الأول (1873  -  1894) نفسه بحيث أشار إلى ذلك صراحةً في إحدى مراسلاته إلى نائبه كما سنستعرضها لاحقًا.
  3.  ئِنْفلَسْ مفرده أَنفْلُوسْ، وهي الكلمة نفسها التي ينطقها (التْواركْ) وتعني الإنسان الثقة، انظر: صدقي علي أزايكو، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، سلسلة الدراسات والأطروحات، رقم 1 (المغرب: منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2004)، ص 129. 4  بخاصة في العواصم التقليدية (مراكش، وفاس، ومكناس، ورباط الفتح).
  4. يجب أن يُقرأ "الظهير البربري" في سياقه التاريخي العام، بعيدًا عمّا روّج له أقطاب الحركة الوطنية، كما يجب تحليل مكوناته وبنوده تحليلً موضوعيًا، بعيدًا عن التعصب للطرح الكولونيالي والنزعة "العرقية الشوفينية." 6  مجموعة قبلية حدودها بين قبيلة إداوتنان ومدينة الصويرة.

الأعشار أو جبي ضرائب المكوس9، والتَّْتيب10، أو تدبير توزيع المياه في مناطق الخصاصة، مع العلم أنّ المخزن وضع شرطين أساسين لتقلد هذه المهمات11؛ أولهما الانتماء إلى مؤسسة دينية بوصفها زاويةً مواليةً للمخزن12 أو إلى مؤسستي الفقهاء والشرفاء13. وثانيهما الوجاهة داخل القبيلة. وفي حال غاب هذان العنصران يعيّ المخزن قائدًا يختاره من المنطقة أو من الخارج بظهيرٍ شريف. في هذا الإطار تحاول هذه الدراسة الإجابة عن مجموعة من التساؤلات، من قبيل: ما هي الأصول التاريخية لمؤسسة ئنفلاس؟ وما هو السياق التاريخي الذي ظهرت فيه؟ ومن أضفى عليها الشرعية؟ وما هي مبررات شرعنة هذه المؤسسة ودواعيها؟ وماذا عن التنظيم الاجتماعي في سوس التي قال عنها الناصري: "لم ينكحها المخزن مدةً من السنين تنيف على عدد الستين"14؟ وماذا عن مؤسسات التنظيم و"الضبط" الاجتماعي في قبيلة إداوتنان16؟ وكيف كانت تُنظِّم شؤونها العامة إلى حدود فترة حكم السلطان الحسن الأول؟

مؤسسة ئنفلاس17 بين الرشع والعرف

ساهمت الفتوى بدور مهم في تنظيم الحياة الاجتماعية للبادية المغربية، بخاصة في المناطق التي تقع بعيدًا عن سلطة المخزن18، وفي الوقت

  1. بعد هزيمة المغرب في حرب تطوان أمام الإسبان (1859  /  1860)، فرضت إسبانيا شروطًا للخروج من المدينة المحتلة، ومن بينها إلزام المغرب بدفع غرامة مالية أفرغت خزينة الدولة (20 مليون ريال مغربي/  100 مليون بسيطة إسبانية). وبما أنّ المغرب كان في أمسّ الحاجة إلى دخول قارة لأداء هذه الضريبة، فإنّه فوَّت أمر الجباية إلى القواد والشرفاء ومؤسسات ئنفلاس مقابل دفعهم لمقدار مالي مسبق، انظر: جرمان عياش، "الأزمة المالية لحرب تطوان"، في: دراسات في تاريخ المغرب (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)، ص 79  -  120.
  2. فُرضت ضريبة الترتيب على جميع فئات المجتمع المغربي وذلك خلال فترة المولى الحسن والحاجب أبَّاحماد (1894  -  1900) والمولى عبد العزيز (1900  -  1906) وكانت سببًا في توتر العلاقة بين الحاكم والرعية؛ لأنّها كانت مجانبةً للشرع في شقها المتعلق بمكوس الأبواب، وتمس ب "الامتيازات التقليدية" للخاصة التي أقرتها ظهائر التَّوْق ير والاحترام منذ العهد السعدي (إعفاء الشرفاء، وشيوخ الزوايا، والعلماء، والقضاة، والقواد)، يراجع بشأن موضوع ضريبة الترتيب والمخزن: الطيب بياض، المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880  /  1915 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)؛ خالد طحطح، ضريبةالترتيب بين المعونة والمكس (الرباط: منشورات الزمن، 2016).
  3. لا يمكن تعميم هذه القاعدة في المجتمع السوسي، فحضور المخزن كان قويًا في المناطق الخاضعة لنفوذ حلف "تَحْكَّاتْ" (قبائل سوس الأدنى)، وهو شبه مغيّب في المناطق التابعة لنفوذ حلف تَاكُوزُولتْ (قبائل سوس الأقصى) الذي يديره شريف دار إ يلِيغْ (سيدي الحسين أُهاشمْ التَّازرْوَالْتي)، وبخصوص هذه النقطة نحيل القارئ على المصادر والمراجع التالية: علي صدقي أزايكو، تاريخ المغرب أو التأويلات الممكنة (الرباط: مركز طارق بن زياد، 2002)، ص 149  -  162؛ محمد المختار السوسي، إيليغ قديمًا وحديثًا، هيّأه للطبع وعلّق عليه محمد بن عبد الله الروداني، ط 4 (الرباط: المطبعة الملكية، 2005)، ص 27؛ محمد حنداين، المخزن وسوس (1672  -  1822) مساهمة في دراسة تاريخ علاقة الدولة بالجهة (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2005)، ص 171.
  4. نورد مثالً عن مخزنة الزاوية، فقد سمح السلطان المولى الحسن لزاوية تمكديشت الناصرية (قبيلة بسوس الأقصى قرب تزنيت) بجمع الأعشار مقابل حصولها على نصيبٍ معيّ منها.
  5. منذ الفترة المرينية أعيد إحياء الشرف وتمّ إحصاء الشرفاء بغرض تمييزهم عن باقي فئات المجتمع، وأصبحت هذه الفئة تقوم بدورٍ مهم إلى جانب المؤسسات المجتمعية في تدبير أمور البادية والحاضرة المغربيتين، كما سعت إلى إضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة في البلاد أو نزعها منها (حدث هذا مثلً مع محاولة الجوطيين نزع شرعية الحكم عن المرينيين، بحيث نصَّب نقيب الشرفاء الفاسيين أبو عبد الله محمد بن عمران الإدريسي الجوطي نفسه في فاس في عهد السلطان عبد الحق المريني عام 1465 م، وفي مرحلة أخرى حدث الشيء نفسه مع محمد بن عبد الكبير الكتاني، بحيث عدّ ميشوبلير Bellaire - Michaux نشاطه السياسي محاولةً لإعادة الحكم إلى الأدارسة الذين يشتركون في الشرف مع العلويين، انظر: محمد العيادي، دراسات في المجتمع والتاريخ والدين، سلسلة دراسات (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2014)، ص 153  -  175.
  6. أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا بأخبار دول المغرب الأقصى، ج 9 (الدار البيضاء: مطبعة دار الكتاب، 1954  -  1956)، ص 176.
  7. تقع قبائل إداوتنان في الجزء الغربي من سلسلة الأطلس الكبير بين حاحا وسوس، وهي امتداد لأقدم المجموعات القبلية في المغرب، ويتعلق الأمر بمصمودة. وتتكون هذه المجموعة القبلية من ثلاثة فروع رئيسة وهي: أيت تَنكْرتْ، وأيت واعْزُّونْ، وإفسْفاسنْ. يغلب على تضاريس المنطقة الطابع الهضبي الذي يمثّل امتدادًا لسلسلة جبال الأطلس الكبير الغربي. وتتفرع هذه القبائل إلى مجموعة من البطون والدواوير، راجع بهذا الخصوص: محند أيت الحاج، "مادة إداوتنان"، في: معلمة المغرب، ج 1 (المغرب: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر/ مطابع سلا، 1989)، ص 223؛ محند أيت الحاج، مظاهر الحياة الثقافية بحاحة وإيداوتنان خلال القرن الرابع عشر الهجري (1301  -  1400 ه /  1883  -  1979 م) (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2015)، ص 29  -  31.
  8. يعبّ عن العضوية في هذه المؤسسة، باسم تَانفْلُوستْ. أما الفقهاء، ومن خلال نوازلهم، فيطلقون عليه ئ نْفَاليسْ، كنايةً على كل من تقلّد مهمة النيابة الجماعية. وتتردد في الألواح بجنوب المغرب أسماء أخرى مرادفة من قبيل المقدمين والمزواريين والشيوخ والنقباء والعمال والرؤساء والضُّمان والعُرفاء والنظار (أو إيمزْرانْ) والجْمَاعَة وأيت الرَّبْعين، انظر: عمر أفا، تاريخ المغرب المعاصر: دراسات في المصادر والمجتمع والاقتصاد، سلسلة بحوث ودراسات، رقم 34 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2002)، ص 147  -  148؛ روبير مونطان، الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر، ترجمة محمد ناجي بن عمر (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014)، ص 71؛ الهادي الهروي، المغرب من الاستبداد إلى الدولة الوطنية، دراسة في تحول المغرب القبلي وعوائق التنمية والتحديث 1844  -  1956 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 286  -  287. 15  سوس الأقصى والريف والأطلس المتوسط.

نفسه، فإنّ الأمر يتعلق بإجراءٍ اعتمده الفقهاء والقضاة لتصريف سجالاتهم الفكرية19، من أجل التقرب من السلطان الذي كان يكلف الجابي والقائد "بنهب" القبيلة الثائرة أو المناهضة لطاعته. ومن خلال تتبعٍ دقيق للفتاوى التي حررت حول ئ سْ عشية سقوط دولة السعديين، يتضحِنْفلَ أنّ أغلبها مكيف مع الواقع المعيش. ويلاحظ أنّ معظم العلماء استعمل كليات العلوم، وكيّفها مع متطلبات جزئيات الواقع الذي يظهر أنّه كان عسيرًا على الناس20. ونظرًا لكون التبحر في علوم الفقه وأصوله هو من يحدد كفاءة هؤلاء من عدمها للأخذ بمضمون الفتوى أو ردّها، فقد اعتمد القضاة والفقهاء أمهات كتب الفقه المالكي مصادر للفتاوى21. وجدير بالذكر أنّ هذه الفتاوى أثارت قضايا تاريخية، كانت حكرًا على تخصصات علمية بعينها، كقضية المركز وعلاقته بالهامش، كما أنّ معظم القضاة والفقهاء اعتمد في إفتائه على ما كتبه الونشريسي22 وأبي سحنون23والقاضي عياض24، وهذا يعكس تزامن تطور مصادر الإفتاء مع تطور البادية المغربية25؛ مما يعني أنّها لم تكن بمعزل عن القضايا المثارة في الحاضرة حيث يوجد مقر السلطان. وبناءً عليه، يمكن الحديث عمّا سماه جاك بيرك ب "مغربة الفقه المالكي"26. كانت الفتوى إذًا، تأخذ في الحسبان خصوصيات البادية وتقاليدها وعاداتها؛ فالمفتي تأثّر إلى حدٍ ما بهذه الخصوصيات، والفتاوى المُستشهد بها أسفله التي تتخللها عبارات من قبيل (العادة والعرف، وما هو معمول به)، كما أنّ المفتي كان ملزمًا بتطويع النص الشرعي مع متطلبات القبيلة المترسخة في ذهنية الساكنة27، وبناءً عليه، ستعتمد مؤسسة ئِنْفلْاس الفتاوى بوصفها نصوصًا أو "مستندات" قانونية لا يُعذر أحدٌ بجهله لها28؛ إذ النازلة هي الإطار القانوني الذي يشتغل به أفراد ئنفلاس، أمّا الفتوى فهي الطابع الذي يضفي الشرعية على أحكامهم الزجرية ويجعلها مقبولةً لدى الناس. يشير أمْحمَّدْ العثماني في مؤلفه "ألواح جزولة"29 أنّ نظام الحكم الجماعي: "يمثل مركز الأعصاب فيها، إن قام على أسس سليمة، اتسقت حركة الجماعة، وسادها الأمن والسلام والرخاء، واطّردت حركتها في الاتجاه السليم، أمّا إن اختل هذا النظام وتولى أمر الناس أراذلهم، اضطربت حركة الجماعة وتنافرت، وعمّتها المظالم من كل جانب"30. في هذا السياق نتساءل، هل كانت مؤسسة ئنفلاس تحترم هذه القواعد؟

  1. حدد علماء الإسلام شروطًا لا بد من توافرها لتقلّد خطة الإفتاء، أهمّها: العلم بالأدلة، واللغة العربية، والتبحر في الفقه وأصوله، والتمكن من تطبيق النصوص على النوازل، والمعرفة بإيقاع الأحكام على القضايا، وإدراج الجزئيات تحت الكليات، والمعرفة بأحوال الناس وعاداتهم وأعرافهم، واستحضار المذهب الذي يفتي به، فالتمييز بين المقيد والمطلق وبين العام والخاص، ثم الاطلاع على الجهاز المفاهيمي للفقهاء، انظر: زهيرة جويرو، الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ، تقديم عبد المجيد الشرفي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2014)، ص 42.
  2. أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، مج 10 (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1981)، ص 79.
  3. الشرح الكبير" للشيخ الدردير، و"رسالة القيرواني"، و"التاج والإكليل"، و"شرح مختصر خليل" للخرشي، و"الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني"، و"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"، و"المدونة"، و"الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية" للقروي، و"نظم الأخضري" للشنقيطي، و"المعيار" للونشريسي.
  4. أبو العباس الونشريسي (1430 م 1508 - م): العلامة المشارك، الفقيه المحصّ ل، المصنِّف الأبرع، حامل لواء المذهب المالكي في عصره، التلمساني المنشأ والأصل، الفاسي المنزل والمدفن.
  5. هو أبو سعيد عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي (القيروان، 776 م 845 -م) من أشهر فقهاء المالكية، تتلمذ على يد كبار علماء القيروان.
  6. أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض السبتي اليحصبي (1083 م 1149 -م)، العلامة المحدث والفقية المؤرخ قاض مالكي، كان أعرف الناس بعلوم عصره.
  7. عمر بنميرة، النوازل والمجتمع: مساهمة في دراسة تاريخ البادية المغربية بالمغرب الوسيط، سلسلة رسائل وأطروحات، رقم 67 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2012)، ص 21  -  22.
  8. Jacques Berque, Les Nawazil el-muzara’à, études et traduction (Rabat: Ed. Flix Moncho,  1940), p. 21.
  9. محمد المختار السوسي، خلال جزولة، ج 4 (تطوان: المطبعة المهدية، 1963)، ص 89.
  10. بنميرة، ص 51.
  11. أمحمد العثماني، ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2004.)
  12. العثماني، ص 83.

تستمد مؤسسة ئنفلاس31 مشروعيتها الدينية من مجموعة من الفتاوى، غالبًا ما تتعلق بضرورة التوافق مع سياسة المخزن، وعدم خروج العلماء والقضاة عن طاعته. ومن مضامين هذه الفتاوى تؤخذ الإجراءات التدبيرية32 والعقوبات الزجرية33 التي تنفذها مؤسسة ئنفلاس، وهو ما توحي به النصوص المؤصلة لقواعد مهماتها، ضمنًا أو صراحةً.

وقبل أن نعرّج على أجوبة الفقهاء حول مدى مشروعية أحكام ئنفلاس من عدمها، نستعرض سؤال يحيى الحاحي حول هذه المؤسسة، ونصّه:

"سيدي رضي الله عنكم وسنا في ذرى المجد صعودكم وارتقاؤكم. جوابكم لله تعالى فيما يفعله بعض أهل البادية أهل الجبال منهم، من أنهم يجتمعون عن آخرهم ويعملون منهم أهل الحل والعقد ويقولون لهم: إنفلاس، ويسميهم بعضهم الضمَّان. ويصدر الاتفاق منهم على ضوابط ومصالح عندهم من أن كل من قطع طريقًا على الصادر والوارد ببلادهم، يستردون منه ما سُلب من الأموال إن كانت قائمة العين، وإلا غرموها له، ويعاقب بالمال أيضًا؛ ويسمون ذلك أنصافًا عندهم. ويهدمون دارهم، ويذبحون بقرته، يأكلونها ردعًا له ولأضرابه. وإن لم يكن بيده شيء، يباع عليه ملكه بحضرته في ذلك جبرًا؛ وإن لم يكن له ملك، أخذ قيمة ما سُلب من أقاربه. وإن أعان الأيتام أو الأرامل على فساد أو قطع سبيل، ربما ينصفونهم رعيًا للمصلحة بزعمهم ولوازم البلاد. وإنّ المتهم عندهم يعطي خمسين يمينًا، يعينه أقاربه في حلفها. ومنهم من يعطي عشرًا، وما يأخذون منهم من العقوبة بالمال، يسمونه بالأنصاف. يأخذون ذلك من الغني والفقير، والأيتام والأرامل وأهل الدين وعكسه. ويزعمون أنهم لو تركوا هذا لما انضمت كلمتهم، ولا استقام أمر بلدهم، ولا أمِّنت سبلهم، ولَكُ.َثُ الفساد فيه والفواحش ظاهرًا وباطنًا. لفقدان الأحكام منها فما الحكم في كلّ ذلك؟ وما يؤخذ منهم من العقوبات بالمال المدعو بالإنصاف في ماذا يصرف فيه؟ هل لهم أن يأكلوه، أو كمال جهلت أربابه؟ أو يرد عليهم أو على المساكين أو في سبل أو ما يكون لبيت المال كالفيء؟ أجيبوا لنا على ذلك كله فصلً فصلًا مأجورًا. أبقى الله شهاب علمكم وأطال بقاءكم نفعًا بكم. والسلام عليكم والرحمة والبركة"34. نظرًا للأصول الشريفة لأبي يحيى الحاحي وموقعه السياسي داخل المغرب الذي تجلّ بكل وضوح بعيد وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي، فقد تجنّد للجواب عن سؤاله فقهاء كبار؛ بحيث جاءت أجوبتهم متباينةً بحسب المقصد والغاية وكذا بحسب موقفهم من هذا الثائر؛ فمنهم من عدّ "جماعة المسلمين تقوم مقام السلطان، ثم إن كان فعلهم سدادًا لزم الكبار والصغار، وكذلك إن لم يكن

  1. هذه المؤسسة ليست نظامًا سياسيًا واجتماعيًا خاصًا بقبيلة إداوتنان كما يُفهم من عنوان هذه الدراسة، بل قد نجدها في مجموعة من قبائل سوس الأقصى والأطلس المتوسط والكبير ومنطقة الريف، إلا أنّ الاسم يختلف دون أن تتغير وظيفتها، هكذا نجد المؤسسة تتخذ عدة أسماء باختلاف المناطق، ففي قبيلة "أ يتْ وَوازْكَِيطْ" يعوّض اسم ئنفلاس أسماء أخرى ك "أيت الدِّيوانْ" و"إيجْمَّاعنْ"، انظر: Robert Montagne, Note sur Les Ait Waouzigt (A.D.N. Maroc,  1925), p. 10.
  2. من بين هذه الإجراءات الزجرية: استرداد القيمة المنهوبة عينية كانت أو نقدية، وتغريم الجاني وعقابه بالمال، وهدم دار الجاني وذبح بقرته وأكلها، وبيع أملاكه قسرًا والالتجاء إلى أملاك أقاربه في حالة غياب الملكية الخاصة.
  3. بالنسبة إلى الإجراءين الأولين (استرداد القيمة المنهوبة عينية كانت أو نقدية، وتغريم الجاني وعقابه بالمال) لا بد من إحاطة القارئ علمًا بكون المغرب تعددت فيه أنظمة تدبير الحياة الاجتماعية لساكنة القبائل، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد هنا الرواية التي أوردها الأنثروبولوجي كليفورد غيرتز، ففي معرض تناوله نظرية "الوصف الكثيف" التي تقوم عليها الأنثروبولوجيا الثقافية، استعرضروايةً شفويةً مستقاة من أفواه رجالات منطقة "مارْموشة"، بالأطلس المتوسط المغربي، وقعت خلال فترة الحماية، يتلخص مضمونها في كون أحد اليهود المدعوّ "كُوهِينْ" تعرّض للسرقة من جانب أفراد قبيلة مجاورة، وكيف عوّضه شيخ القبيلة المعادية وفقًا لما تمليه بنود نظام "الميزْرَاغْ"، فمقابل ماِسُ ق من اليهوديّ، على يد رجل تزيَّا بزي نسائي ينتمي إلى قبيلة أخرى، تم الاتفاق مع شيخ هذه القبيلة على تعويضه بخمسمئة رأس من الأغنام تجنبًا ل "العَار" بعدما كان الطرفان على استعداد لحرب قتالية، راجع: كيلفورد غيرتز، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 87  -  89.
  4. حقق هذا النص وعلق عليه الأستاذ علي صدقي أزيكو، انظر بهذا الخصوص: محمد المنصور ومحمد المغراوي، التاريخ وأدب النوازل: دراسات تاريخية مهداة للفقيد محمد زنيبر، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم 46 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995)، ص 137  -  139؛ ويشير المحقق أنّه اعتمد نسخة في حوزته عثر عليها في إيمينتانوت (قرب مراكش) عام 1971، وهي الوثيقة الموجودة في الخزانة الملكية في الرباط، عدد 5831، هذه النسخة الأخيرة متضمنة اسم الناسخ (عبد الله بن سعيد الهوزالي) وتاريخ النسخ (عام 1233 ه)، المرجع نفسه، ص 164  -  165.

سدادًا، ولم يكن لهم مندوحة منه"35. ومنهم من عدّ جماعة العدول في البلاد النائية عن السلطان، تقوم مقامه في كل حكم، حتى في الحدود والقصاص37، ومنهم من ذهب إلى حد القول بأنّ: "الجماعة تفعل وتنزل منزلة السلطان، في مثل بلاد صاحب السؤال، وليس الخبر كالعيان"38. ونجد بعضهم يرى: "البلد الذي يتعذر فيه الوصول إلى القاضي أو يمكن الوصول إليه لكنه جائر ولا يقيم الحدود، جماعة العدول تقوم مقامه في كل مسألة، وفي كل حكم حتى الحدود والقصاص"39. ويرى أحدهم أنّه بإمكان "الجماعة إن قدمت رجلً يحكم بينهم في النوازل والإرث والأحوال الشخصية بلا ولاية مكان السلطان، نفذت أحكامه في الجميع إن كان من أهل العلم والدين"40. ونبّه بعضهم قائلً: "واعلم أنّ الموضع الذي لا سلطان فيه، أو لا يلحقه حكم السلطان، إذا اجتمعت جماعة المسلمين فيه على إقامة أحكام الشرع على الوجه المشروع، فإنّ حكمهم يقوم مقام السلطان والقاضي، إذ لا يجوز البقاء فوضى للأحاديث الكثيرة"41. ورأى أحدهم أنّ "الضوابط التي اتفق عليها الشيوخ والضمان، فهي ضلال مبين، لأنّ أحكام الشرع التي جاء بها مولانا محمد ﷺ، فبينها وبين حكم السارق، وبين حكم المحارب، وبين حكم الغاصب، وبين حكم المتعدي، وبين حكم الزاني، فلم يمت ﷺ حتى بين للناس ما نزل الله، ولو علم دينًا أفضل من هذا الدين، لأتى به نبينا محمد ﷺ، وشرعه لأمته [...] فترك الأحكام الشرعية، واستنباط ضوابط وقوانين تخالف أحكام الشرع المحمدي كفر صراح، فيجب على من مكنه الله في الأرض أن يحسم مادة أولئك الفجرة ويردع إلى الشرع ولو بقتلهم"43. واعتدل بعضهم بإشارته إلى أنّ "فعل أولئك فيه تفصيل، وذلك أنّ منه ما هو جائز ومنه ما هو غير جائز، فالأول اتفاقهم على عريف يصدرون عن رأيه، وتعاهدهم على التعاون في الأخذ على أيدي المفسدين واللصصة وقطاع السبل والسراق [...] لكن يجب عليهم إذا قاموا بهذا الوظيف الديني أن يتعلموا ما يتوقف عليه ذلك، ويسألوا أهل العلم، لأن للتغيير شروطًا وأسبابًا وموانع، فمن لم يعلم ذلك وأتى الأمر على عامية، فهو عاصٍ أقدم على ما لم يعد حكم الله فيه"44. ويذهب المذهب نفسه الفقيه والقاضي ابن يونس قائلً: "فهذا السؤال يتوقف في ابتدائه على مسوغات ومراعاة المصالح للصلاح، والإصلاح وسد الذرائع الذي هو أصل مذهب مالك رضي الله عنه، ومع ذلك لا تنتظم مصلحة الدين إلّ بإمام مطاع أو والٍ متبع. فلمّا كانت هذه الشرذمة الباغية خرجت عن حكم إمامنا نصره الله، ولم يتمكن حكم الشرع فيهم، لصعوبة جبالهم وعدم انقيادهم وتخلفهم وطبعهم على ما حمله عليهم الشيطان، وجبلت عليه نفوسهم من نزعاته، حتى اعتقدوا أن ما يأتونه ويقع منهم من النهب وقطع الطريق وسفك الدماء وكشف المحارم، جائز يُسوِّغ لهم ذلك، واتفاق هذه على إقامة النْفَالِيس ليس بسائغ بل واجب [...] وأفعالهم فيهم جائز سائغ لا يحل لأحد أن يعارضه بما يخالفه، ويجب على كل من كان قربهم إعانتهم"45. ماذا يستفاد من هذه الأقاويل والشهادات والمواقف حول مؤسسة ئنفلاس أو بعض المؤسسات التي كانت تحل محلّها؟

  1. داود بن محمد التملي، أجوبة سليمان داود، مخطوطة خاصة، في خزانة الثانوية التأهيلية محمد الخامس (تارودانت، رقم 63.)
  2. أبو سالم إبراهيم بن هلال بن علي السجلماسي (ت. 1497)، انظر ترجمته عند: محمد بن أحمد الحضيكي، مناقب الحضيكي، تقديم وتحقيق أحمد بومزكو، ج 2 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2006)؛ أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج بتطريز الديباج، تقديم عبد الحميد عبد الله، ط 2 (طرابلس: دار الكتاب، 2000.)
  3. أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمان بن عيسى الرجراجي السكتاني، وهو قاضي الجماعة بمراكش وتارودانت (ت. 1651)، والنص المقتبس جواب عن سؤال "الثائر" أبي زكرياء يحيى الحاحي (مخطوط في نسخ متعددة.)
  4. محمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن الدليمي الورزازي (ت. 1752)، القولة مقتطفة من مخطوط بالخزانة الملكية رقم (6885)، والخزانة الوطنية رقم (5768)، توجد نسخ أخرى من المخطوط في المكتبات السوسية الخاصة والخزانة العامة بتطوان. 36  أجوبة سيدي إبراهيم بن هلال السجلماسي.
  5. جواب أحمد بابا التنبكتي (السوداني.)
  6. جواب القاضي محمد بن عمر الهشتوكي عن سؤال الشيخ أبو يحيى الحاحي (ت. 1715)، مخطوط خاص في نسخ متعددة، انظر: عبد الرحمان التامنارتي، الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، تحقيق اليزيد الراضي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007)، ص 135.
  7. عيسى بن عبد الرحمان السكتاني (ت. 1651)، الأجوبة الفقهية، اعتنى به أحمد بن علي الدمياطي (بيروت: دار ابن حزم، 2011).
  8. جواب الفقيه والقاضي إبراهيم بن يونس.

استنادًا إلى المناسبة التي يعدّها المناطقة وأهل التصوف شرطًا، فإنّ الفقهاء والعلماء السوسيين، وهم من خاصة المجتمع، قدّموا فتاوى أو أجوبة عن أسئلة ونوازل فقهية، حدَّدوا فيها أدوار أعيان مؤسسة ئنفلاس46 وأحكامهم، وطالبوا الساكنة بالتزام أحكامها في حالة شغور البلاد من المخزن، أو عندما يتجاوز السلطان والقائد والجابي والقاضي حدود الله. تتخلل هذه الفتاوى مواقف رافضة قيام مؤسسة ئنفلاس محل المخزن أو "النظام القائم" لخروجها عن سياق الشرع الإسلامي47، في ظل وجود شرع ديني وسلطة سياسية، يمثّلها السلطان بوازعه الديني وسلطته الزمنية. ومن هؤلاء الفقهاء من اعتدل في أجوبته48، فوفَّق بين "سد الذرائع" و"شرِّع قبلنا" التي هي مطلب من مطالب المصلحة الوقتية، والمطالب الاجتماعية التي تفرضها الأزمة في حالة شغور المخزن (مجاعة، أو وفاة سلطان، أو فراغ سياسي). إنّ استنتاج خصوصيات المجتمع القبلي خلال هذه الفترة يتطلب منّا ربط السياق التاريخي الخاص بمجالٍ محدد بالسياق العام للأحداث التي كان يمر بها المغرب، فلكلّ فتوى أوضاعها المعينة ورجالاتها الذين وضعوها؛ والسؤال الذي تقدَّم به يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي49 إلى فقهاء زمانه50، كان له ما يبرره. إذ حدث بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي عام 1603 انتقال البلاد والعباد من أوج الرخاء إلى الاضمحلال السياسي والخصاصة، وقد توّج ذلك بصراع الأبناء حول السلطة السياسية، فطرْحُ أبي يحيى الحاحي سؤاله حول "النْفَاليس"51، وهو متربع في زاوية أبيه بتافيلالت، له ما يبرره، إذا ما أخذنا في الحسبان معارضته السياسية لأواخر السعديين. وقد ذهب علي صدقي أزايكو52 إلى أنّ الحاحي أراد بسؤاله هذا، أن يلفت انتباه عامة الناس إلى خطورة الفراغ السياسي الذي أصبح عليه مجتمع الجنوب المغربي53، والذي أصبح يهدد أمن الساكنة واستقرارهم، بخاصة سكان جبل (درَنْ) وأقصى غرب الأطلس الكبير. وهذا المجال المنيع والمحصن هو الذي تقع فيه قبيلة إداوتنان واستقر فيه متصوف جابهَ الإيبيريين، هو سيدي إبراهيم بن علي التغانميني (ت. 1581)54، مما ساهم في بروز مؤسسات سياسية تعوّض شغور المخزن تمثّلت مهماتها بضبط المجتمع وزجر المخالفين، وهي جماعة ئِنْفلْاس التي وافق عموم الناس آنذاك على تعويضها مقام السلطان أو ممثليه المخزنيين.

  1. يتولون الفصل في المنازعات والجنايات المدنية والجنحية وكل الجرائم المقترفة في الأسواق، كالغش في المكاييل والموازين. كما يفصلون بواسطة "قانون" تشرعه الجماعة وتصدّق عليه بالإجماع، ويسمى "لوحًا" وهو سجل لأهم المخالفات والعقوبات، فتكون مهمات هؤلاء الأعيان تطبيقه بحزم، إذ تكون الأحكام الصادرة غير قابلة للاستئناف. هؤلاء مكلفون بتطبيق أحكام الفقهاء المتخصصين في الأحوال الشخصية وقضايا الإرث كذلك، فسلطتهم تنفيذية على الجميع، انظر: العثماني، ص 87. 42  كما هي الحال بالنسبة إلى القاضي محمد بن عمر الهشتوكي.
  2. تستمد هذه الأجوبة مشروعيتها من فقه المذهب المالكي.
  3. هو يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد المنعم الحاحي، ولد في "تافيلالت" الموجودة بوادي "ءايْت تامّنتْ" في بلاد "إيداوْزّدًّاغ" التي تقع في جبل درن شمال شرق تارودانت، توفي 1626، أخذ عنه أبو زيد التامنارتي، انظر بخصوص هذه النقطة: المنصور والمغراوي، ص 136  -  137.
  4. يطرح تاريخ كتابة السؤال إشكالً كبيًا، فالوثيقة المعتمدة في هذه المساهمة غير مؤرخة، ولا يوجد فيها إلّ تاريخ النسخ واسم الناسخ، ويرجّح علي صدقي أزايكو، وهو أول من اشتغل عليها تحقيقًا ودراسةً بحسب علمنا، أنّ هناك قرائن يمكن اعتمادها لتقديم تاريخ تقريبي لكتابة هذه الوثيقة وأهمها: مغادرة أحمد بابا السوداني (التنبكتي) مراكش 1605  -  1606 بوصفه قدّم جوابًا فقهيًا قبل مغادرته. مما يستفاد منه أنّ السؤال يرجح أنّه طرح قبل مغادرته لها، أما القرينة الثانية فمرتبطة بأحوال المغرب قبل وفاة أحمد المنصور الذهبي الذي استبد بالبلاد والعباد، وبناءً عليه فخروج الساكنة عن طاعته أمر غير وارد لصلابة الرجل، ما يعني أنّ السؤال كُتب مباشرةً بعد وفاته عام 1603 وهي السنة التي تتزامن مع أزمة الحكم السعدي التي أثارها أبناؤه.
  5. طرح الثائر أبو يحيى الحاحي (ت. 1626) سؤالً على فقهاء زمانه حول مشروعية "النفاليس" من عدميتها، وذلك خلال أوائل القرن السابع عشر الميلادي.
  6. أزايكو، ص 202.
  7. قُدِّم أبو يحيى الحاحي بديلً للحكام السعديين المتأخرين.
  8. انظر ترجمته عند: أحمد بن علي الكشطي، التعريف بالبلدة التنانية ذات المواهب الربانية (مخطوطة خاصة زودني بها الحاج عبد الله الكابوس، إمام مسجد حي البطوار، أكادير)، الورقة 65.

قبيلة إداوتنان: الانتمء والخصوصيات

تنتمي قبيلة إداوتنان إلى مجالٍ جغرافي منيع يقع بين بسيط سوس وهضبة "حاحا"، وهي وعرة التضاريس، وقد عرفت هذه القبيلة صراعًا مريرًا مع المخزن طبَعه المد والجزر، والحذر والاحتراز من كلا الطرفين55؛ فأوّل من حاول إخضاع القبيلة هو الطالب صالح بن محمد بن بيهي56. وتذهب رواية إلى حد القول إنّ هذا الثائر مَجاطي الأصل57، فقد كان أبوه محمد بن بيهي قائدًا على كل بلاد حاحا58، مما ساعده على شق العصا فجابه المخزن العلوي زمن سيدي محمد بن عبد الله (1757  -  1790) واستولى على أكادير التي اتخذها جبهةً لمواجهة الحركات المخزنية. لكن حكمة الجهاز المخزني ودهاء السلطان مكّنا من الإيقاع به بعد "التخابر" مع بعض التانانيين59. وقد ظهر في الساحة قائدٌ آخر خلال الفترة نفسها هو أحمد أَهْدَّارْ الذي عيُن قائدًا على إداوتنان بوساطة القائد عبد الملك بن بيهي60. ونشير إلى أنّ المختار السوسي وقع في الخلط بين فترة المولى سليمان (1792  -  1822) وفترة سيدي محمد بن عبد الله (1757  -  1790) فقد أورد رواية التانانيين وكتاب "تاريخ الصويرة"61 التي تفيد بأنّ محمد أهْدَّارْ عيّ في عهد المولى سليمان62، والراجح أنّه عيّ في فترة سلفه سيدي محمد بن عبد الله، بخاصة إذا علمنا أنّ محمد أهدار توفي سنة (1781). والجدير بالذكر أنّ التانانيين قتلوا هذا القائد63الذي عدّوه عنصرًا بشريًا دخيلً على القبيلة. وفي مرحلة متقدمة سيحاول الابن عبد الله بن أحمد أهدار الثأر لوالده، فقد أحاط القبيلة من جميع الجهات، إلا أنّه انهزم في آخر اللحظات64. أما في ما يخص الحركات السلطانية المتجهة صوب القبيلة65، فالرواية الشفوية والمصادر المحلية لم تسجّل لنا سوى حرْكة واحدة66، وهي الحركة التي نظّمها السلطان المولى الحسن عام 1886، والتي تُوّجت بتعيينه

  1. تعود بنا كرونولوجيا علاقة قبيلة إداوتنان بالمخزن إلى فترة استقرار الولي الصالح سيدي إبراهيم بن علي التيغانيميني في هذه القبيلة، والتقائه بالسلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي عام 1588، ولا يفهم من هذا اللقاء توطيد العلاقة بين مخزن الأشراف وساكنة إداوتنان كما ذهب إلى ذلك محند أيت الحاج في كتابه مظاهر الحياة الثقافية (ص. 100). والراجح أنّ اللقاء تم بعيدًا عن القبيلة في جوٍ ديني مشحون أكثر منه سياسي، فالتحكيم الذي كان يقوم به الولي الصالح لا يتجاوز ما هو اجتماعي يحافظ على تعاضد أبناء القبيلة؛ وإلا بم نميز افتقار المجال إلى زعماء دينيين كما هي الحال بالنسبة إلى سوس منبت الأولياء الذين مارسوا سلطاتٍ سياسيةً فعلية كذرية "سيدي احماد أوموسى" نزيل قبيلة تازروالت، كما أنّ ضريح الولي ومزاره كان بعيدًا عن مركز القبيلة وسلطة القرار. وبالرجوع إلى وثائق الأرشيف الدبلوماسي نجد ما يؤيد طرحنا هذا على أساس أنّ وظائف الولي الصالح لم تتجاوز ما هو ديني وظلّت محصورة في هذه الوظيفة، كما يستفاد من أحد التقارير المفصلة: P.O. Le Chef de Bataillon Orthlibes, Chef du Bureau Regional, Marrakech, le 26 oct  1923 , Itineraire d’Agadir a la Zaouia de Sidi Brahim ou ali, Ida Ou Tanan, (CADN), France.
  2. اعتقله السلطان سيدي محمد بن عبد الله وانتحر داخل السجن عام 1755، ونلاحظ أنّ رواية السوسي حول قضية اعتقال هذا القائد على يد السلطان محمد بن عبد الله في حاجة إلى مراجعة نقدية ودقيقة، لأنّ الفترة الممتدة ما بين 1727 و 1757 هي فترة فراغ سياسي لم يحكم خلالها السلطان المذكور.
  3. السوسي، خلال جزولة، ص 85.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ص 86.
  7. محمد بن سعيد الصديقي، إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1961.)
  8. السوسي، خلال جزولة، ص 86.
  9. تقييد محمد التامكرتي الجزولي، انظر: المرجع نفسه.
  10. المرجع نفسه.
  11. لأخذ تصور عام عن حركات المولى الحسن انظر مقالة: أحمد علمي، "حركتا السلطان الحسن الأول إلى سوس (1882  -  1886)"، ندوة مدينة تزنيت وباديتها، في الذاكرة والتاريخ والمجال والثقافة، أعمال الأيام الدراسية 12  -  14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993، مجلة دراسات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير (1996)، ص 47  -  60.
  12. نظم المولى الحسن حَرْكَتُه (الحركة هي: تنقّل للسلطان وعسكره وحاشيته، والهدف منها ردع قبيلة ثائرة) إلى قبيلة إداوتنان في (19 تموز/ يوليو 1886)، وهو التاريخ الذي يتزامن مع الحركة الحسنية الثانية إلى سوس، بغرض إشرافه على إعادة التمثيل المخزني بسوس وأحوازها. ويُرْوَى أنّ "التانانيين" حاصروا المولى الحسن الذي كان مُسانَدًا بفرق عسكرية، من "حاحا" و"هُوَّارة" ومجموعة من قواد النواحي، بدوار "أَلْمَا" وهو ما اضطره إلى سلك طريق آخر يؤدي إلى القبيلة عبر "أمسكْرُوضَْ" و"تَامَاعِيتْ"، ويعدّ المختار السوسي الوحيد الذي انفرد بهذه الرواية التي رجحت كفة انتصار المولى الحسن على التانانيين. وقد استطاع السلطان أن يصل إلى أعلى مرتفعات القبيلة وهي "تيقي"، ويشير السوسي أنّ هذا التقدم اضطر الساكنة إلى الاستسلام وتقديم الهدايا التي قبلها بالرفض واصفًا التانانيين ب "الجياع". أما الرواية الشفوية التي استقيناها من أفواه رجالات القبيلة الذين عاصر أجدادهم هذا الحدث فترجح كفة التانانيين على كفة المولى الحسن، بحيث حققوا "أدوارًا بطولية ضد المخزن الجائر" يقول أحدهم. ويذهب البعض من أبناء القبيلة إلى أنّ أجدادهم استخدموا قوة المياه المتدفقة، ولسعات النحل سلاحًا لعرقلة مسار الحركة الحسنية والدفاع عن القبيلة (رواية الحاج بوفود رحمه الله.) وما يعضد رواية السوسي، مغادرة السلطان القبيلة دون سبق إِعلْام أهلها وهو ما يدل على أنه كان أكثر حيطةً وحذرًا من أبناء القبيلة الذين يصعب إخضاعهم. والواقع أنّ كل فريق يريد أن ينتصر على الفريق الآخر للتظاهر بالمظهر البطولي، ومن جهتنا فرواية المختار السوسي ورواية التانانيين تحتاجان إلى ما يعضدهما ويشد أزرهما، وفي ظل الحصار غير المبرر المفروض على الوثائق المحلية من طرف ورثتها، ونظرًا لما يمكن أن تحمله وثائق الخارجية الفرنسية من أحكام مغرضة، فإنّه يصعب علينا الجزم برواية السوسي أو تصديق روايات التانانيين التي يتداخل فيها الأسطوري بالواقعي، انظر بخصوص هذه النقطة: محمد المختار السوسي، إليغ قديمًا وحديثًا، هيأه للطبع وعلق عليه محمد بن عبد الله الروداني، ط 4 (الرباط: المطبعة الملكية، 2005)، ص 294؛ السوسي، خلال جزولة، ج 4، ص 88  -  89.

القائد بوعشرة الذي لقي حتفه هو الآخر بُعيْد مغادرة السلطان القبيلة67. وهو ما يعني أنّ القبيلة لم تخضع قطّ لقائدٍ مخزني68. فمنذ أن حل بها الولي الصالح سيدي إبراهيم بن علي التِيغانِميني (ت. 1581) خلال الفترة الوطَّاسية69، ظل التانانيون يعدّون بركته مناعةً ضد أي تدخل مخزني، فالقبيلة مصونة من المخزن ببركة هذا الولي الصالح؛ يقول أحد التانانيين70: "لقد دخلت القبيلة في مجال البيعة ولم تكن مطيعة للمخزن"71. وقد ساعدها في ذلك موقعها الجغرافي الذي أبعدها عن تنفيذ قرارات المخزن التي يسري تطبيقها على سوس الأدنى، فقد دبّرت شؤونها بنفسها من خلال مؤسسة ئِنْفلْاسْ التي كانت تقوم مقام المخزن؛ لكن في إطار مجال البيعة لا مجال الطاعة. وباستثناء كتاب البربر والمخزنللسوسيولوجي الكولونيالي روبير مونطان72 ومقالته "التنظيم السياسي والاجتماعي لقبيلة إداوتنان"73، وكذا النتف التي جاءت متناثرةً في مؤلفات المختار السوسي74، فإنّ الحديث عن تاريخ قبيلة إداوتنان يبقى أمرًا صعبًا، في ظل ندرة المصادر76. وعلى حدود علمنا فإنّ الجامعات المغربية فارغة من مادةٍ علمية أكاديمية حول هذه القبيلة77؛ فباستثناء مخطوطة

  1. عيّ السلطان القائد بوعشرة لإدارة شؤون القبيلة، لكن خصوصيات هذه المرحلة بقيت حلقة مفقودة لم تتمّ دراستها إلى حدود الآن، كما أننا لم نجد أي إشارة في متون الأرشيفات المعتمدة في هذه الدراسة. ونأمل أن يرفع ورثة الوثائق حصارهم لتبيان حقيقة ما جرى والتمييز بين ما هو أسطوري وما هو واقعي في صراع المولى الحسن مع أبناء هذه القبيلة "الثائرة". ويجمع سكان إداوتنان الذين أخذ عنهم السوسي روايته الواقعة أنّ السلطان اختفى عن أنظار القبيلة دون سابق إشعار تاركًا وراءه الهدايا التي قدّمت له، فهل يتعلق الأمر بانهزام معنوي للسلطان وهو الذي تجمع عنه المصادر أنّه "عاش فترة حكمه على صهوة جواده"، بتدخّل بركة الولي الصالح "سيدي علي بن إبراهيم التغانيميني"، كما هو مترسخ في متخيل التانانيين إلى يومنا هذا، لإبعاد بطش السلطان عنهم، راجع: السوسي، خلال جزولة، ج 4، ص 88  -  89.
  2. هذا لا يعني أنّ القبيلة كانت "سائبة"، فقد انتظمت تحت قيادة شيوخ القبائل الذين توافر لديهم كلّ شروط الرئاسة والزعامة، ومنهم: الحاج الحسن بوناكة على "تانكرت"، والشيخ أنظام على "اُنَكْريم"، وأحمد أ شْوابيتْ على "أيت وَاعْزُّونْ" والشيخ سعيد بن الطالب على "أُوَركا" والشيخ الأشْقَرْ على "إمِّي مَِيكِّ"، والشيخ أحمد بن علي على "أَلْمَا" بإفسْفَاسنْ، انظر: محند أيت الحاج، "ملامح الحياة الثقافية بحاحة وإداوتنان خلال القرن التاسععشر"، أعمال الدورة الأولى: الثقافة الشعبية الوحدة في التنوع (1980)، ص 96  -  97.
  3. الوطاسيون هم حجّاب (وزراء) بني مرين، استغلوا ضعف الدولة المركزية ليؤسسوا دولةً خاصة بهم سميت في المصادر التاريخية "مملكة فاس" لأنّ حكمهم لم يتجاوز فاس.
  4. السوسي، خلال جزولة، ص 89.
  5. حدّد المخزن "مجال الطاعة" في القبائل التي تدفع الضرائب للجُباة المكلفين بهذه المهمة، أمّا "مجال البيعة" فهو الذي تبايع ساكنته عامةً بخاصة السلطان الحاكم دون أن تدخل تحت طاعته. لقد أثبت الجهاز المخزني العلوي "عجْزه" عن إخضاع القبائل السوسية للمركز خلال الفترة الموسومة في المصادر التاريخية ب "السيبة"، فقبول "التانانيين" بالقائد كان يقتضي شروط اتسامه بالوجاهة والتديُّن وانتمائه لأبناء جلدتهم حتى يضمن مصالح الفئات الاجتماعية من عامةٍ وخاصة، ما يعني أنّ التانانيين لم يرفضوا المخزن بوصفه جهازًا، وإنما رفضوا طريقة انتقائه القيّاد وفرضهم عليهم بالقوة، فالتانانيون ميّالون لأبناء القبيلة أكثر من الأجانب (الحاحيين)، ولليونة أكثر من القوة، راجع بهذا الخصوص: حنداين، ص 315.
  6. Robert Montagne,  Les berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc: essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe cheluh) (Paris: éd. Alcan, 1930).
  7. Robert Montagne, “Organisation sociale et politique des tribus berberes indépendantes: Les Ida Ou tanan, Haut Atlas occidental,”  Revue des Etudes Islamiques , cahier II (1927), pp. 223  -  247.
  8. كتب المختار السوسي كتابًا عنوانهرحلة من الحمراء إلى إليغذيّله بالحديث عن تاريخ ثلاث قبائل: حاحا، وإداوتنان، وأكادير ومعه كسيمة ومسكينة. وقد تطرق للحديث عن القبيلة ورجالاتها ووصف مدارسها ومؤسساتها الدينية، إلا أنّ الرحلة نشُرت من دون التطرق للتفاصيل التاريخية عن قبيلة إداوتنان، انظر بخصوص هذه النقطة تقديم عمر أفا كتابالبلدة التنانية ذات المواهب الربانية. وتطرّق بعض كتب محمد المختار السوسي لمادة إداوتنان كما هي الحال بالنسبة إلى: المعسول (ج 15)، ومنأفواه الرجال (ج 1  -  2  -  3)، وخلال جزولة، (ج 4)، والإلغيات، (ج 2)، وإيليغ قديمًا وحديثًا.
  9. تتوفر أسر "بوناكة" المستقرة حاليًا في "تارْكا إٍْنجْعافْ"، وأسرة أَنْظأمْ "بأََّقصْي"، وأسرة أتْبيْ "بتِسكْجِّي"، على وثائق محلية، وقد ذُكِرت هذه العائلات باللَّمْز أو صراحةً في وثائق الأرشيف الدبلوماسي التابع للخارجية الفرنسية.
  10. لا تشفي مادة إداوتنان المدونة في موسوعة معلمة المغرب، كما وضعها محند أيت الحاج، غليل الباحث ولا تعدو أن تكون عصارة ما قدّمه المختار السوسي وروبير مونطان؛ الأول في كتابيه خلال جزولة، وإيليغ قديمًا وحديثا والثاني في كتابه البربر والمخزن. ويمكن أن نستثني دراسة: محند أيت الحاج، مظاهر الحياة الثقافية بحاحة واداوتنانوهي أطروحة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الأدب العربي نوقشت سنة 1994 في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط.

لأحمد الكاشطي بعنوان: "البلدة التنانية ذات المواهب الربانية "78فإنّ المادة المصدرية راكدة في الأرشيف الدبلوماسي التابع للخارجية الفرنسية، حيث وقفتُ على عدد من الوثائق79 بإمكانه أن يحل ألغاز المؤسسة الاجتماعية التي نحن بصدد دراستها ومقاربتها80، ومن ثم إعادة كتابة التاريخ التناني، لكن شريطة مقارعة هذه الوثائق بنظيرتها المحلية التي يتكتم عليها ورثة الأسر التي تولّت القيادة والمشيخة في هذه القبيلة81. يمكن ملامسة الأدوار البطولية والتاريخية لهذه القبيلة من خلال تصدي رجالاتها للغزو البرتغالي؛ فمحمد بن سليمان الجزولي82أرشد ووعظ التانانيين بمخاطر الغزو الإيبيري الذي تعرضت له المنطقة خلال القرن الخامس عشر الميلادي. ونظرًا لقربهم من ميناء أكادير، فقد قام التانانيون بدورٍ بطولي في رفع راية السعديين الذين أطاحوا آخر قادة الإيبيريين المرابطين في رأس "كِير" خلال القرن السادس عشر. وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر عرفت القبيلة حضور القائد عبد الله أُبيهي83 الذي ظل حريصًا على تأديب القبيلة الخارجة عن طاعة المخزن، فقد ألحق بها دمارًا ماديًا ومعنويًا لمّا كان خليفةً بالحاضرة السوسية، تارودانت84.

قبيلة إداوتنان في الأرشيف الدبلوماسي الفرنيس

تكشف وثائق المركز الدبلوماسي في نانط (Nantes) بفرنسا، أنّ قبيلة إداوتنان كانت حاضرةً خلال مرحلة "التهدئة" التي أعلن عنها المقيم العام ليوطي Lyautey85، فمباشرةً بعد توقيع عقد الحماية بتاريخ 30 آذار/ مارس 1912، أعلنت القبيلة عصيانها المدني على المستعمر، وعلى الأجهزة المخزنية العتيقة التي أبقى عليها الاستعمار، كما ساهمت أنظمتها الاجتماعية بخاصة ئنفلاس أو "أيت الْعُرفْ" كما تسمى محليًا، في تماسك القبيلة واتحادها؛ فقد تصدّت لكلّ نزاع أو فتنة يمكن أن تثيرها الوضعية الحرجة التي أصبح عليها المغرب خلال العشرية التي سبقت توقيع الحماية86؛ وهي الفترة المسماة في المصادر الكولونيالية ب "السيبة"، وقد أسهب روبير مونطان

  1. يعدّ أحمد الكاشطي (1892  -  1954) أحد أعمدة المدرسة العتيقة في "ألما" ومقدّم الطريقة التجانية فيها وقد قام بأدوار طلائعية خلال الفترة الاستعمارية، كما يرجع له الفضل في نشر الطريقة هناك وتلقين أورادها. وقد ألف مخطوطة البلدة التنانية ذات المواهب الربانية التي تعدّ وثيقة تاريخية شاهدة على مرور علماء كثر بالمنطقة أغلبهم تجانيون (حقق المخطوطة الطالب محمد بلييش المسجل في الفوج الثاني من سلك الماستر 2010  -  2012 وحدة تاريخ الجنوب المغربي، بإشراف الدكتور مبارك لمين، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر أكادير)، وعلى حدّ علمنا هي النسخة الوحيدة المحققة إلى حدود كتابة هذه الأسطر.
  2. قمت بزيارة علمية لمركز الأرشيف الدبلوماسي في نانط CADN التابع لوزارة الخارجية الفرنسية، خلال الفترة الممتدة بين 12 و 28 نيسان/ أبريل 2012، ووقفت على محفظتين تهمّان تاريخ هذه القبيلة، بخاصة ما يتعلق بالبدايات الأولى لإخضاعها من طرف المستعمر، وكل ما يتعلق بمونوغرافيتها، وتقاليد ساكنتها وعاداتهم، والتقارير الاستخباراتية التي حررها الضباط الذين حكموا القبيلة، وهذه المحافظ في حوزتنا على شكل صور شمسية، أهمها يحمل الرقم والتسلسل التاليين: Maroc, archives du protectorat, 1912  -  1956 , Maroc, serie, cabinet diplomatique n° 8 , notes cocernant le personnel (1921  -  1933) no. 15 , les idaoutanan; Reclamation, notifications aux puissances–voyages divers (1917  -  1922), Maroc, direction des affaires indigènes, no. 13 organisation 1917  -  1921.
  3. كانت إداوتنان خلال الفترة الاستعمارية خاضعة لرئيس ناحية مراكش، ويستفاد من خلال التقارير الاستخباراتية التي تحتفظ بها وزارة الخارجية الفرنسية أنّ المنطقة لم يتم إخضاعها إلا بعد صراع مرير مع أبناء القبيلة، انتهى بمهادنة الأعيان من جهة، واعتماد الطيران الحربي من جهة أخرى: مديرية الشؤون الأهلية، المحفظة 15، مجموعة وثائق مراكش وأحوازها، الرقم التسلسلي أ 456، إداوتنان، وثائق الأرشيف الدبلوماسي، نانط، فرنسا. 75  بخاصة أسرة "بوناكة" ب "تِسكْجِّي" وأسرة "أشَّاْو" ب "دوار إِسكْ بتقِّي".
  4. محمد بن سليمان الجزولي السّملالي الحسني (1404  -  1465 م)، أبو عبد الله، عالم دين سني على طريقة الأشاعرة، وفقيه مالكي، وصوفي على طريقة، من ذرية إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، صاحب كتاب دلائل الخيرات في الصلاة على النبي.
  5. السوسي، المعسول، ج 15، ص 12.
  6. المرجع نفسه، ص 12  -  13.
  7. أول مقيم عام بالمغرب (1912  /  1925.)
  8. وُقِّعت الحماية في فاس بتاريخ 30 آذار/ مارس 1912 بحضور السلطان المولى عبد الحفيظوالسفير الفرنسي لورينو.

في حديثه عن أهمية هذه التنظيمات في مواجهة السياسة الكولونيالية كما سنرى لاحقًا87. ونظرًا لموقع القبيلة المحصن والمنيع، فإنّ القادة الفرنسيين لم يجدوا بدًّا من مهادنة أعيان إداوتنان، بخاصة عندما فرّ إليها أشد أعداء فرنسا و"المخزن العتيق"، القائد محمد أَنفْلُوْس88 الذي كان قائدًا على سوس وحاحا زمن المولى الحسن وابنه عبد العزيز الذي خرج عن طاعة المخزن بعد أفول نجمه عشية هزيمة أحمد الْهِيَبة في وقعة "سيدي بوعثْمَانْ" الشهيرة، والمؤرَّخة في 6 أيلول/ سبتمبر 191289. كما رفض بعض الزعامات التي عهد إليها حكم القبيلة قبل الاستعمار أيَّ هدنة أو مفاوضات مع الاستعمار؛ ستفضي إلى وقوع القبيلة تحت رحمته، وبالمقابل نعت التانانيون في المراسلات التي تحتفظ بها فرنسا بعضهم ب "الكفار"90 لأنهم خرجوا عن طاعة فرنسا، مما يؤكد وجود تيارين متعارضين حول مصلحة القبيلة ومستقبلها. ومن خلال الاطلاع على وثائق الأرشيف الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية بنانط91 يتضح أنّ الخضوع التام للقبيلة تم بتاريخ 192792، بعد التخابر مع أعيان إداوتنان، وتجويع الساكنة ومنع وصول المواد الغذائية والمؤن إليها وقصفها بالذخيرة الحية. وانتهى الأمر بإسناد القيادة التانانية لأسرة "بُوناكة" التي تتكتم اليوم على موروث مراسلاتها مع القيادات المخزنية والزعامات الاستعمارية.

إداوتنان: بين تجاذبات بلاد المخزن وبلاد الفوىض

ارتأينا أن نستعير مفهوم "بلاد الفوضى" بدل "بلاد السيبة" حتى نقلل من الحمولات الأيديولوجية والقدحية لدلالة المفهوم الأخير. وقبل أن نعرج إلى موقع قبيلة إداوتنان بينهما، نشير إلى أنّ قضية "السيبة"93 التي وردت في عدد من المراسلات الفرنسية المعتمدة في هذه الورقة، وتشبَّعت بها مجموعة من الكتب الأجنبية، وبالخصوص تلك المعتمدة في هذه الدراسة، أثارت حفيظة المؤرخين المغاربة أكثر من الأجانب؛ فالطرح الوطني كان يهدف إلى تأسيس مدرسة ونسقٍ تاريخيين لم يكتب لهما الوجود، من أجل الرد على مزاعم الطرح الكولونيالي، وهذا مشكل آخر وقع فيه جلّ الدراسات المغربية سواء المتقدمة منها94 أو المتأخرة؛ ومنذ حصول المغرب على استقلاله توجهت الكتابة التاريخة في المغرب بزعامة أقطاب من قبيل جرمان عياش ومحمد حجي ومحمد المنوني وعبد الله العروي، لإثبات وجود وظائف الدولة المغربية وديمومتها عبر التاريخ، وأنّها لم تكن في حالة تسيّب كما زعم الكولونياليون وربما هو الطرح نفسه الذي سبقهم إليه عبد الرحمان بن زيدان مؤرخ مدينة مكناس95.

  1. Montagne, Les Berbères et le Makhzen au Sud du Maroc , p. 345.
  2. استقر القائد محمد أَنفْلُسْ في "أيت عيسي" وهي قبيلة تشكّل حدودًا بين حاحا وإداوتنان، بعد سقوط مقر قيادته "بتَمْسُورينْ" على يد القوات الفرنسية (انظر ترجمته في الجزء 20 من كتاب المعسول للمختار السوسي.)
  3. مراسلة الضابط اليوتنان لوبْرون مكتب الشؤون الأهلية، الأرشيف الدبلوماسي بنانط CADN، فرنسا.
  4. مراسلة محمد بن محمد أَنْظَّام إلى باشا أكادير يصف فيها الخارجين عن طاعة فرنسا ب "الكفرَة"، وقد اعتمدنا النسخة العربية المترجمة إلى الفرنسية على يد ضابط عسكري برتبة "ملازم أول."
  5. وثيقة استخباراتية مؤرخة بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1927، وثائق الأرشيف الدبلوماسي، فرنسا.
  6. مراسلة الكولونيل قائد قبيلة إداوتنان، ناحية أكادير، 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1927، وثائق الأرشيف الدبلوماسي، نانط، فرنسا.
  7. تتعامل الكتابات المغربية مع هذه المفاهيم بنوعٍ من الحيطة والحذر، وتستبدل بمفاهيم أخرى تحمي حقوق الدولة والهوية للمغاربة (كبلاد الفوضى والنظام مقابل بلاد السيبة والمخزن)، راجع: عبد الحميد احساين، الإدارة المركزية في عهد الحماية الفرنسية، 1912  -  1940 (الرباط: منشورات أمل، 2015)، ص 67؛ أو (بلادالبيعة وبلاد الطاعة) مقابل (بلاد المخزن وبلاد السيبة)، انظر: حنداين، ص 45.
  8. أخص بالذكر هنا دراسة أحمد التوفيق إنولتان، ودراسة محمد حجي الزاوية الدلائية، ودراسة جرمان عياش حرب الريف، ودراسة عبد الله العروي الجذور الثقافية والاجتماعية للوطنية المغربية، هذا في ما يخص الدراسات المتقدمة، أما الدراسات المتأخرة فقد جاءت على شكل منوغرافيات اقتصادية ودينية واجتماعية.
  9. حاول عبد الرحمان بن زيدان وهو نقيب الشرفاء العلويين بمكناس ومؤرخها أن يثبت الحضور الدائم للدولة من خلال استدلاله بمجموعة من الوثائق والمراسلات التي يتضمنها كتابه إتحاف أعلام الناس بأخبار جمال حاضرة مكناس (5 أجزاء.)

سلّطت الدراسات الكولونيالية الضوء على مسألة السيبة بعد وفاة المولى الحسن96، بحيث رصدت تناميها مع وصول المولى عبد العزيز إلى الحكم ابتداءً من عام 1900، مع الأخذ في الحسبان فترة الاستبداد المخزني التي شملت وصاية "أبَّاحْمَادْ" على العرش الذي كان قد أبعد أسرة الجامعي؛ وهم أخوال السلطان مولاي الحسن، ليُدخل المغرب في مسلسل من الصراعات الثنائية يمكن أن نسميها بلغة اليوم "حربًا أهلية". وقد توصّل الأجانب إلى أنّه لا بد من تدخّل آلتهم العسكرية لحماية السلطان من ثورات القبائل؛ ويجرّنا هذا الحديث للتوقف عند فترة حكم المولى عبد الحفيظ (1906  -  1912) السلطان المبايع بشروط قبلية97، ولقد كانت ثورة أهل فاس ضد البعثة الفرنسية التي تقرر تأسيسها لحفظ السلم والأمن بعد مقتل الطبيب الفرنسي موشان في مراكش، ذريعةً لتدخل المدفعية الفرنسية والفتك بأهل فاس في إطار ما كان يُعرف "بأيام فاس الدامية" التي وقعت خلال شهر نيسان/ أبريل من عام 1911، والتي لا تزال مآسيها موشومة في الذاكرة الفاسية98. بالنسبة إلينا بوصفنا مشتغلين في الحقل التاريخي مستحضرين ما يقتضيه المنهج العلمي من صرامة في تدقيق الحقائق والتزام الموضوعية، ارتأينا أن نتوقف عند جذور مسألة السيبة وتقويم النتائج التي توصلت إليها البحوث الأجنبية، مع الأخذ في الحسبان ردة فعل الكتابة المغربية حول هذه القضية، لكن دون أن نتجاوز مجال الدراسة المرتبط بمؤسسة ئِنْفلْاسْ في مجال قبيلة إداوتنان. نستعرض أولً شهادات لروبير مونطان حول قضية "السيبة" التي ستبرر نفسها بنفسها من حيث مقاصدها وغاياتها. ومن بين هذه الشهادات، ما دوّنه هذا السوسيولوجي الكولونيالي في معرض حديثه عن دولة العلويين بقوله: "واستهل الفيلاليون السلطة بطريقة حازمة حيث عملوا منذ البداية على الحد من دور شيوخ الزوايا المساندين من القبائل البربرية، فقضوا على الزاوية الدلائية ومملكة تزروالت. أَتمَّ مولاي إسماعيل العملية بحزمٍ عندما أسس جيشًا من الزنوج وزّعهم على مختلف القصبات المبنية على طول طرق المغرب. ولم تُبَْ هذه القلاع في مختلف مناطق بلاد المخزن القديم، ولكن على الطرق الجبلية في أهم الطرق المؤدية إلى بلاد البربر. ومن الأكيد أنّ المخزن في عهد مولاي إسماعيل عرف عدة اضطرابات لكن السلطان قضى حياته فوق جواده من أجل إِخماد هذه الثورات وتقليص نفوذ قبائل أعالي الجبال التي يصعب الوصول إليها. وكان على من جاء بعد مولاي إسماعيل القيام بمهمة صعبة، هي التخلص من الجيش البخاري الذي يمثّل خطرًا حقيقيًا على السلاطين الضعاف. وهكذا لاحظنا أثناء حكم مولاي عبد الله اندلاع اثنتي عشرة انتفاضة على الأقل مع اتساع بلاد السيبة. وحاول السلاطين الثلاثة الذين جاؤوا بعد سيدي محمد بن عبد الله، ومولاي سليمان، ومولاي عبد الرحمان، المحافظة على تقليد المخزن أمام التراجع الاقتصادي للمغرب بتعنيف الزنوج غير المنضبطين وتوزيع القبائل العربية من الكِيشْ عندما تتمرد والقيام (عند الإمكان) بجولات الشرطة في بلاد البربر دون تكبّد هزائم قاسية، باستثناء الهزيمة القاسية التي تكبّدها مولاي سليمان عام 1812 على يد أيتْ أَُوْمَالُو والقبائل الصَّنهاجية للأطلس المتوسط الخاضعة للشيخ أمْهَاوشَْ، كما لوحظ امتداد بلاد السيبة إلى حدود أبواب الرباط ومكناس وفاس. وقد حاول آخر السلاطين العلويين مولاي الحسن استعادة نهج مولاي إسماعيل فأخذ النصارى أسلحتهم العصرية من بنادق ورصاص ومدافع، واستطاع أن يعيد النظام إلى بلاد المخزن والبلاد المعرَّبة، وأن يحكم قسمًا من بلاد البربر باستثناء تلك الواقعة في أعالي الجبال، ومراقبة تحركات الأطلس الكبير والأطلس الصغير. بل استطاع أن يستميل أحد زعماء

  1. تسببت وفاة المولى الحسن عام 1894 في ثورة القبائل على القواد الذين عيّنهم بظهائر مخزنية شريفة في إطار سياسته الرامية إلى إعادة التمثيل المخزني بالأصقاع التي لا تنالها الأحكام المخزنية كما هي الحال بالنسبة إلى "سوس" و"واد نون" اللذين نالا نصيب الأسد من هذا التمثيل. واعتمد الكولونياليون هذه الثغرة لتبرير مسألة "السيبة" وغزوهم المغرب بعد 18 سنة من وفاة السلطان.
  2. أهمها رفض شروط الخزيرات (1906) التي قبل بها سلفه المولى عبد العزيز، والقضاء على الثائر المدعوّ "بوحمارة" الذي استنزف دخول الدولة وربطَ علاقات بإسبانيا، والتراجع عن ضريبة المكوس.
  3. محمد معروف الدفالي، أصول الحركة الوطنية بين السلفية المجددة والسلفية الجديدة، ﻣﻨﺸﻮرات ﻣﺠﻠﺔ أﻣﻞ ﻟﻠﺘﺎرﻳﺦ‬‫ واﻟﺜﻘﺎﻓﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ (الرباط: مطاﺑﻊ اﻟﺮﺑﺎط نت، 2014)، ص 61.

الأطلس، موحا أ وْحَمُّو الزَّيَاني الذي سيصبح فيما بعد زعيم البربر المناهضين للاحتلال الفرنسي. وقد ذهب هذا المجهود الكبير سدى أمام سنوات الفوضى بعد وفاة السلطان. ووصلت اضطرابات بلاد السيبة أوجها عام 1907 عندما حلّت القوات الفرنسية"99. ماذا يستفاد من شهادة روبير مونطان بخصوص قضية بلاد السيبة؟ بعد قراءة ما جاء على لسانه وتحليله، يبدو لنا أنّ "السيبة" لا تعدو أن تكون ثوراتٍ رافضةً جور المخزن، وليس جهاز المخزن في حد ذاته. وهو ما يصحح النظرة الكولونيالية لهذه القضية التي يمكن أن تحاكي اليوم "احتجاجًا سياسيًا ضد فساد أجهزة الدولة"، مع العلم أنّ هذا الاحتجاج السياسي يمكن أن يتطور إن لم تكن هناك حلول ناجعة للحد من "الفوضى" بلغة مونطان الذي وقع في الخلط بين جور المخزن الذي يتخذ أشكالً عدة؛ كتأديب قبيلة ثائرة ضد قائد عيّنه السلطان ولم ينل رضى الساكنة، أو رفض هذه القبيلة تأدية الضرائب، وعدم الاعتراف بحق جباتها نظرًا لتوالي سنوات الجفاف والمَسْغبات100. ما يعني أنّ جميع قبائل المغرب التفّت حول السلطان وبايعته، لكن بعضها لم يكن مطيعًا قراراته الجائرة التي كانت تتعارض مع روح الأعراف التي يعود بعضها إلى مئات السنين. يجب أن يُقرأ الرفض من منظور أنثروبولوجي ثقافي صرف، وليس من زاوية تاريخية تدافع عن أحد الطرحين. فكلٌّ منا سيقرأه بطريقته الخاصة، لكن إذا ما ربطناه بعوائد الناس في قبائلهم سيكون تفسيرنا هذا الرفض، مبررًا بكون هذه الساكنة أرادت المحافظة على موروثها الثقافي لأنّ التفريط فيه، كما هو راسخ في متخيلها الشعبي، عارٌ سيلاحقها على مر الزمان101. ولعل مضمون السيبة في منظور روبير مونطان، ومن خلال الطريقة التي قدّمه بها وهو يحاضر في معهد الدراسات الإسلامية بباريس وجامعة السربون، يخدم مصلحة الأجانب أكثر من مصلحة الأمازيغ؛ فالعرب لم يطمسوا حضارة الأمازيغ وإنما أحدثوا نوعًا من "التَّثاقُف" إن صح التعبير. وهذا ما لم يفهمه مونطان ولم يستوعبه أتباعه، أو بالأحرى غضّوا الطرف عنه؛ وإلا بمَ نفسر اهتمام الأمازيغ بالدين الإسلامي الذي نزل بروح اللغة العربية على الرغم مما قيل عن تجاوزات المسلمين في حق هؤلاء، منذ زمن الولاة الأمويين والعباسيين، كونهم غزاةً جاؤوا لينهبوا خيرات شمال أفريقيا102. يتنافى ما قدّمه مونطان حول "السيبة" مع ما كان يصبو إليه. لقد أكّد دون شعورٍ منه أنّ المناطق التي لا تنالها أحكام السلطان هي المناطق التي تبعد عن المركز، وهي فكرة روّج لها قبله ابن خلدون، وتوصّل إليها أحمد التوفيق في استنتاجاته لدراسة قبيلة "إِينُولْتَانْ" بقوله: "إنّ المخزن كان يتسم بسمة الدولة التقليدية، أي بتناقص نفوذ الدولة كلما ابتعدنا عن المركز، وهي سمة لم تكن خاصة به، بل كانت تنطبق على كل الدول ما قبل الرأسمالية"103. وهي ظاهرة ظلت مألوفة بالنسبة إلى المغاربة، فالمخزن يقوى في المركز (عاصمة السلطان) ويضعف في الهوامش والأطراف. والمقصود بالضعف هنا الخروج عن طاعة السلطان وليس عن بيعته. كما أنّ

  1. مونطان، ص 34  -  35.
  2. محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سلسلة رسائل وأطروحات، رقم 18 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1992)، ص 160  -  162.
  3. على سبيل المثال لا الحصر، يجمع التانانيون على أنّ الشخص الذي يبيع أرضه التي ورثها عن أجداده، كأنما يخلع ثيابه أمام الناس؛ وهو ما يفسر أنّ المغاربة الأجانب الذين استقروا في قبيلة إداوتنان لم يتمكنوا من الحصول على ملكية الأرض وظلوا تابعين للملاك الأصليين، ومن بينهم العائلات التي تحمل لقب "أمْزيلْ أي "الحدَّاد". إنَ بيع الأرض (العقار) للغريب عن القبيلة هو خَلْعٌ للثياب أمام الناس، مما يفيد كشف العورة، وهو ما يتنافى مع روح الإسلام الذي ينص على سترها، وبناءً عليه، فإنّ بيع أحدهم أرضه يقابل في المنظور الديني اقتراف جُرْم كبير لا يُغتفر.
  4. على سبيل المثال لا الحصر نهج الأمويون سلوكات تتعارض مع الدين الإسلامي من قبيل استرقاق خمس الأمازيغ، وفقًا لمبدأ تخميس الغنائم "تخميس البربر"، و"اعتبارهم عبيدا للخلافة وممثليها بعين المكان". وهو ما يتعارض مع منطوق النص الشرعي، على أساس أنّ المسلمين إخوة بغض النظر عن اللون والجاه والنسب، انظر بخصوص هذه النقطة: محمد ياسر الهلالي، "الدين والنسب واللغة مرتكزات هوية الأجداد"، زمان، العدد 26 (كانون الأول/ ديسمبر 2015)، ص 29.
  5. أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، اينولتان 1850  -  1912، ط 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1983)، ص 470.

النماذج التي استعرضها مونطان تفيد بالرجوع إلى المصادر الأصيلة؛ بحيث كان المغرب يعرف ثورات في حالة وفاة الحكام، وبالخصوص بين أفراد الأسرة. يُعاب إذًا على روبير مونطان أنّه لم يتريث في جمع تاريخ مجالٍ لا يتقن لغته، ولا يكاد يفهم وضعه السياسي والاجتماعي. نجد هذا التصور أيضًا عند المفكر المغربي عبد الله العروي الذي استحضر النموذج الأميركي الذي "يستهويه كل ما كتبه الفرنسيون ويعطيه قيمة أعلى من قيمته الحقيقية"104. في نظرنا، لو عاد مونطان ومناصروه إلى نماذج بعينها من تاريخ المغرب105، وعلى سبيل المثال دولة المرينيين106؛ لوجدوا أنّ "السيبة" التي عدّوها خروجًا على طاعة المخزن وفسخًا لبيعة السلطان ظاهرة متأصلة في المجتمع المغربي عبر التاريخ107. فقد ثبت أنّ هذا المفهوم شاع بين فقهاء العصر المريني108؛ ففي عدد من فتاواهم طرحت مسألة "الجَوْر" أو "الشُّغُور" "من المحاكم بصدد صحة العقود والحيازات؛ لأنّ شرط اليقين عندهم مرتبط بوجود الوازع السلطاني"109. لنستعرض الآن أهم الردود التي قدّمها مؤرخون مغاربة حول قضية السيبة، والتي ترمي في مرمى الطرح الوطني المناهض لهذه المفاهيم المسقطة على ظواهر لم يستوعبها المخبرون والمجندون للكتابة حول مغرب القرن التاسع عشر. وقد قام السوسيولوجي والمؤرخ المغربي محمد العيادي في مؤلفه "دراسات في المجتمع والتاريخ والدين" بمحاولة لمِّ شمل الرؤى المناهضة للحقل المفاهيمي الذي وظّفه المستعمر لضرب وحدة المغرب وسيادته. ونورد في مقدمتها موقف المفكر المغربي عبد الله العروي الذي بلور فيه تصحيح الأخطاء التي وقع فيها المستعمر بسبب لبسٍ في فهم النص المخزني، فهذه المغالطات المتعمدة ظلت متداولةً ليس فقط لدى المخبرين أو الدولة الفرنسية الحامية، وإنما حتى بين الباحثين الأجانب وبعض الباحثين المغاربة؛ فلا يمكن تصفّح مؤلف دون مصادفة تصدّع الرؤى بين طرحٍ أجنبي يبرر قضية "السيبة" من خلال نماذج مستقاة من المغرب، وطرحٍ وطني ظل متحمسًا عقودًا من الزمن لدحض الطرح الأجنبي من خلال إعادة فهم الواقع المغربي القَبلَي.

  1. عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1984)، ص 26.
  2. مثلًاستمالة المخزن شرفاء دار إيليغ، فلا هو استأصل جذورهم كما فعل مع الدلائين، أو تركهم ينفردون بالملك، وفي المقابل وظّفهم لضبط المجال السوسي في علاقته مع الدُّور الكبرى (دار تمانارت قرب طاطا، قيادة أولاد جرار بتزنيت، دار بيروك بواد نون)، فالثورات التي كانت تندلع ضد الحركات المخزنية أكثر من تلك التي كانت ضد هذه الزعامات، فهل يتعلق الأمر باستقلال الهامش عن المركز كما ذهب رواد السوسيولوجيا الكولونيالية؟ إنّ الأمر لا يعدو أن يكون اقتصادًا للقوة العسكرية والكلفة المادية التي تحتاج إليها حركة موجهة لصقعٍ في حجم سوس، وقوة بشرية في مستوى رجالاته، راجع: Justinard Liopold, “Notes sur L’Histoire du Sous au XIXe siecle,” Hesperis , vol. VI (1926), pp. 351  -  364  ; Paul Pascon , “le commerce de la maison d’Iligh, d’après le registre comtable de Husayn b, Hachem, Tazerwalt 1850  -  1875 ,” Annales E.S.C , no. 3  -  4 (Mai–Aout, 1980), pp. 700 , 729 ; خديجة الراجي، مساهمة في دراسة تاريخ الزاوية السملالية في مرحلة التأسيس (853 ه/ 1460 م 971 -ه/ 1564 م)، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، إشراف الدكتور مصطفى ناعيمي (الرباط: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1991)، ص 146  -  160؛ شفيق أرفاك، قيادة تمنارت بين التزام المحيط القبلي والسلطة المخزنية: (1352  -  1934)، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة، إشراف الدكتور محمد حمام، ج 1 (أكادير: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، ص 148  -  156؛ ربيع رشيدي، الزعامات المحلية بسوس وعلاقتها بالمخزن: سوس الأقصى خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ماجستير في تاريخ الجنوب المغربي، إشراف الدكتورة خديجة الراجي (أكادير: جامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2010)، ص 125  -  130.
  3. حكمت المغرب ما بين (1244 م و 1465 م).
  4. يذهب السوسيولوجي والمحلل السياسي المغربي محمد الطوزي، إلى عدّ "السيبة" ظاهرة لتجديد النخب المغربية والإبقاء على حيوية المخزن واستمرارية أجهزته، فالمخزن في منظوره هو من يسمح بظهور هذا التمرد السياسي، ذلك أن تضخ دماء جديدة في جسم المخزن، ومن دونها يسيطر فكرٌ يحارب التغيير ويحابي السلطان وحاشيته مما يعجِّل بسقوط الدولة، وهذا حدث مع المرابطين الذين اعتمدوا نخبة الفقهاء المؤسسة للدولة والتي ستتسبب لاحقًا في سقوطها، انظر: الطوزي، ص 53.
  5. يذهب محمد بن عبد الله الكيكي إلى تقديم مفهوم فقهي ل "البلاد السائبة"، ففي منظوره البلاد السائبة هي "مجموع الأقطار التي لا يطمئن فيها صاحب الحق الشرعي على حقّه" ويرى "أحمد التوفيق" أنّ المفهوم الذي قدّمه الكيكي ل "البلاد السائبة" وإن اختلف مع ظرفية ترويج الكولونياليين هذا المفهوم في دراستهم "فهو يلتقي معه في نهاية المطاف في الإغضاء عن الواقع الذي تحكم في التطور التاريخي"، راجع: محمد بن عبد الله الكيكي، مواهب ذي الجلال في نوازل البلاد السائبة والجبال، تحقيق أحمد التوفيق (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1997)، ص 27  -  51  -  62.
  6. محمد العيادي، دراسات في المجتمع والتاريخ والدين، سلسلة دراسات (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2014)، ص 140.

لقد حاول عبد الله العروي توضيح قضية أساسية أثناء تناول قضية "السيبة"، وهي أنّ المخزن ظل لفترات طويلة يعتمد جهازًا مفاهيميًا قابلً للتأويل في مراسلاته لممثليه في الجهات والأقاليم (الأطراف، الهوامش) وممثلي الدول الأجنبية بخاصة (فرنسا، وإسبانيا، وإنكلترا)، وهي المفاهيم التي ستُستغل في غير محلها لدعم الأطروحات الكولونيالية110. وخلصت دراسات أخرى تصب في تصورنا نفسه ل "مؤسسة ئنفلاس" في علاقتها مع المخزن؛ كون هذه المؤسسة لم تكن تعبّ عن إرادة الساكنة للاستقلال عنه بوصفه "عنصرًا عربيًا دخيلً" وأهمها خلاصات علي المحمدي في دراسته ومقاربته لقضية "المخزن والقبيلة" من خلال نموذج "أيتْ بَعمْرَان"؛ ف "أيت بعمران، وسائر قبائل سوس الأقصى، لم تكن خارجة عن طاعة المخزن، كما تفيد مصادر أوروبية مغرضة، ووثائق مخزنية كانت تستهدف مواراة ضعف السلطة المركزية ودرء الأطماع الاستعمارية، وإنما ظلت علاقتها بالمخزن إلى حدود 1882 تتميز بخصوصيات [...] وجود مؤسسات تقليدية تشرف على سير الحياة بداخل القبيلة، وفقًا لأعراف تضبط علاقتها بالمخزن منذ ما قبل القرن التاسع عشر"111. إنّ المخزن في تصور علي المحمدي "جهاز وآلية ردع"، فالطاعة كانت محددة في أداء الضرائب للمساهمة في إيجاد دخل قار للمخزن، لتجاوز مشاكل التنقل وتنظيم حركات لردع الثوار والرافضين لأداء الضرائب"112. وهي الخلاصات والاستنتاجات التي خلص إليها سابقًا كلٌ من عبد الله العروي وأحمد التوفيق. فالتوفيق يرى أنّ: "المخزن كان يتسم بسمة الدولة التجزيئية التقليدية، أي بتناقص نفوذ الدولة كلما ابتعدنا عن المركز، وهي سمة لم تكن خاصة به، بل كانت تنطبق على كل الدول ما قبل الرأسمالية"113. ولعل هذا الاستنتاج يأخذ تبريره مما أشار إليه ابن خلدون منذ ما يزيد على سبعة قرون ونيف، بقوله: "الدولة في مركزها أشد مما تكون في الطرف والنطاق"114. إنّ ما راكمه مفهوم "السيبة" من رؤى وطنية منافحة للتصور الكولونيالي، أو ما تمّت الإشارة إليه ضمنًا في مصادر دفينة جعلا عبد الله العروي يضع حدًا لهذا الصراع الذي لن يخدم أفق البحث التاريخي وبناء مدرسة وطنية حديثة لا تحاكي المدارس الأجنبية. بالعودة إلى العصر المريني نجد أنّ المصطلح كان متداولً ولم يطرح أي إشكال يتعلق بحمولته الأيديولوجية115، ف "السيبة" أو "السَّائبة مفهوم تم تداوله في مراسلات وفتاوى الفقهاء، وكانت في منظورهم تعبيرًا عن الجَوْرِ أو مسألة الشُّغُور من المحاكم"116؛ مما يفيد بأنّ الجهاز المخزني كان يمثّل الوازع السلطاني. ولعل استعمال "القوة المفرطة" هو تبرير للاعتراض على قرارات المخزن. لهذا، فالعلاقة بين المخزن والرعية هي علاقة مدٍ وجزر بين الحاكم والمحكوم، مرتبطة بأداء المغارم والتسخيرات. وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لوحظ توظيف مفهوم "السيبة" في غير محلّه بسبب التدخل الأوروبي؛ فالمناطق المنيعة تضاريسيًا أو الشاغرة بفعل البعد المجالي كما هي الحال بالنسبة إلى إداوتنان كانت تثير قضية "السيبة"، لأنّ الحضور المخزني في جهات البلاد مرتبط أساسًا "بطبيعة وسائل الإنتاج، ودرجة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي"117.

  1. المرجع نفسه، ص 134.
  2. علي المحمدي، السلطة والمجتمع في المغرب: نموذج أيت بعمران (الدار البيضاء: توبقال، 1989)، ص 116  -  117.
  3. المرجع نفسه، ص 87.
  4. التوفيق، ص 469.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ص 75.
  7. الكيكي، ص 26  -  27.
  8. Larbi Mezzine, Le Tafilalt, Contribution àl’Histoire du Maroc aux XVII et XVIII siècles , serie Theses 13 (Rabat: Publication de Faculte des lettres et des sciences humaines, 1987), p. 367.

إنّ الجباية هي العنصر الأساسي في العلاقة بين المخزن والمجتمع أو مؤسساته (الجْمَاعَة، ئِنْفلْاسْ، أيت الرَّبْعِيْ...) لذلك يجب فهم العلاقة المؤطرة لمفهوم "السيبة" انطلاقًا من الجمع بين المخزن والمجتمع الذي تسري في شريانه قراراته (المخزن)؛ وإذا تتبعنا مجريات الأحداث بخاصة خلال فترات المَسْغبَات والجوائح أو الأزمات السياسية التي تندلع عند وفاة السلطان أو بالصراع حول الملْك، سنجد أنّ "القبائل لا ترفض المخزن ما لم يطالبها بالأموال والخدمات [...] نظرًا لضعف إنتاجها، وفي هذه الحالة يضطر المخزن إلى ردعها بتنظيم حركات عسكرية، فيقع الاحتكاك والاصطدام، أما إذا كان للمخزن في عين المكان جهاز [...] قادر على إذلْال الرِّقاب فإنه لا يزال يبتز الأموال، ويعتصر الأمم إلى أن يقع الانفجار، وعادةً ما تكون وفاة السلطان هي الفرصة المواتية لهذا العصيان، إشارة إلى سقوط الهيبة المعنوية، ونذيرًا بمناقشة الحساب"118. هذا الاحتمال الأخير هو الذي يبرر تسيّب قبيلة إداوتنان ضد المخزن، لأنّ المجال كان شاغرًا من الوازع السلطاني، فكما أشرنا في أكثر من مقام، أَلفت هذه القبيلة المشيخة من أبناء القبيلة وليس القائدية من أبناء حاحا وأحوازها. نخلص إلى أنّ قبيلة إداوتنان تندرج ضمن الصيغة الأولى من مفهوم "السيبة" التي قدّمها أحمد التوفيق119، فهي بلاد تشكو شغورًا؛ أي غياب الحاكم "الشرعي" المعيّ من الإمام، أو من ينوب عنه، عاملً كان أو قاضيًا"120، وما يبرر "تسيّب" القبيلة موضوع الدراسة هو اعتمادها "العُرْف بدل "الشَّْع"، وهو المفهوم العميق "للسيبة" في منظور عبد الله العروي121. مما لا يعني أنّ القبيلة كانت ضد "النظام القائم" في المركز الذي يتربع السلطان في أعلى هرميته. هذا المفهوم الأخير للسيبة هو ما عبّ عنه عبد الله العروي، والذي يفيد "الثورة ضدًا على ظلم الولاة والقياد وعدم كفاءتهم"122. أما السيبة بمفهومها المعاصر فقد نشأت في عهد السلطان محمد بن عبد الله العلوي (1757  -  1790) بعد مرحلة ثورة البواخر124، وتعمقت تعمقًا كبيرًا عام 1856 بعد أن وقّع عبد الرحمان بن هشام (1822  -  1859) مرغمًا، المعاهدة التجارية البريطانية مع نظيره الإنكليزي جون دريموند هاي. إنّ السيبة من منظور عبد الله العروي تتخد أشكالً عدة لكنها تفيد معنى واحدًا هو "ضعف قدرة المخزن الإدماجية"125. وتندرج قبيلة إداوتنان ضمن المستوى الثالث الذي يقابل "الاستقلال المحلي الممنوح؛ لأنّ المنطقة ليست غنية ولا فائدة منها بالنسبة إلى السلطة المركزية"126. وهو الأمر الذي سبق أن أشار إليه السلطان المولى الحسن في إحدى مراسلاته إلى خديمه محمد بركاش، بقوله: "...واستعن بالله ثم ببعض من هناك على هذا الغرض، إن ذكروا لك أكادير (في إشارة إلى النصارى)، فأعلمهم بأنّ أكادير دشرة على حجرة ملتفة بالغابة وسط قبيلة إداوتنان، وهم جبالة (في إشارة إلى ساكنة إداوتنان) لا تنالهم الأحكام، ولا يحصل لهم الغرض"127 (في إشارة إلى وجود مؤسسات تنظم الحياة الاجتماعية والقانونية للساكنة). خلاصةً لما سبق يتضح أنّ قضية "السيبة" أو بلاد "الفوضى" خلال القرن التاسع عشر الممتد128:

  1. التوفيق، ص 585  -  595.
  2. الصيغة الثانية كما قدّمها أحمد التوفيق تتمثل بوجود الحاكم داخل المجال أو من ينوب عنه، ويعيَّ هذا الحاكم بظهير شريف، لكنّه يكون جائرًا على العباد أو مهملً للبلاد.
  3. التوفيق، ص 590.
  4. عبد الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830  -  1912 (باريس: مطابع ماسبيرو، 1977)، ص 163  -  167.
  5. المرجع نفسه، ص 168.
  6. المقصود بهم جيش عبيد البخاري الذي كوّنه السلطان العلوي المولى إسماعيل.
  7. العروي، ص 182.
  8. العيادي، ص 142.
  9. رسالة المولى الحسن إلى خديمه محمد بركاش"، الوثائق، مجموعات دورية تصدرها مديرية الوثائق الملكية، العدد 10 (2000)، ص 240  -  241.
  10. في هذا السياق، يقصد بالقرن التاسع عشر الممتد خلال الحقبة الزمنية التي تشمل أواخر القرن الثامن عشر والعشرية الأولى من القرن العشرين، راجع بهذا الخصوص: محمد القبلي، تاريخ المغرب، تحيين وتركيب (الرباط: مطبعة عكاظ الجديدة/ منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)، ص 445  -  522.

ليست مرتبطة بقبَلِيَّة المجتمع المغربي، ومن هنا، فهي غير مرتبطة بمجتمع إداوتنان لأنّه قبلي. المخزن عنصرٌ لا بد منه لخلق توازن داخل المجتمع، وغيابه ينفي الحديث عن "السيبة" أو "بلاد الفوضىى"، لأنّ الأحداث التي كانت تندلع بين الفينة والأخرى كان سببها المخزن؛ ومن الأمثلة على ذلك حركة المولى الحسن إلى إداوتنان عام 1886. تتخذ السيبة تعبيرات مختلفة، بحسب المكان والزمان؛ فالسيبة في إداوتنان ليست هي السيبة في "دمْنَاتَ"، أو في "تَزرْوَالتْ" أو "أيتْ بَعمْرَانْ".َ

مؤسسة ئِنْفلاس يف إداوتنان: بعض آليات التدبير الجمعي للشأن المحلي

سبقت الإشارة إلى أنّ قبيلة إداوتنان احتضنت عالمًا ومتصوفًا، مثّلت زاويته محجًا للتبرّك بكراماته واستحضار منجزاته وأدواره، وهو الرمز الديني الذي أعطى مؤسسة ئنفلاس مشروعيتها وأحاطها بهالةٍمن القدسية والاحترام. إنّه سيدي إبراهيم بن علي التيغانيميني129 (ت. 1581) وكانت زاويته مركزًا روحيًا لساكنة إداوتنان؛ لم تكن مصالحها تتعارض مع مؤسسة ئنفلاس، لأنّهما يقعان في منطقة تجعلهما حرَّين طليقيْ، كما أنّهما كانا معارضيْ المخزن السعدي والعلوي إلى حين وقوع المنطقة تحت الاستعمار الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي. ومؤسسة ئنفلاس ليست متوارثة كما فهم بعض الكولونياليين، فهي تتأسس بناءً على اختيار عريف عن كل مكوّن من مكونات القبيلة (قرية، وفخذ، وبطن، وفصيلة)130؛ إذ يحضرون مع ئنفلاس القبيلة في كل مجمع. وفي إداوتنان فإنّ الترشيح لمنصب العضوية يتمّ بطريقة "ديمقراطية" كما يذهب إلى ذلك صاحب "البربر والمخزن"131، ويشترط في الأعضاء الوجاهة والاستقامة والنزاهة والقدرة على تحمّل المسؤولية؛ ومن وقع عليه الاختيار يفرض عليه "تطبيق اللَّوْح"، فإن خرج عن "القاعدة القانونية، مصدر التشريع"، يعاقب بما أمرت به الجماعة وكأنه يؤدي "يمين خُطَّة القضاء".َ يتقاضى "أَنفْلُوْس" أجره من الذعائر التي يعاقب بها المخالفون. أما القضايا التي يُقاضي فيها فهي جنائية وتجارية "خطة الحِسْبَة". كما أنّه يتولى تطبيق الأحكام القضائية التي أصدرها الفقهاء؛ بخاصة تلك التي تتعلق بالعقار وتنظيم أراضي الجماعة وتنظيم الري... وكذا هناك "نْفَالِيسْ" متخصصون في "قضاء الأسرة "132. أما مسائل الشرع فهي بعيدة كل البعد عن ئنفلاس، لأنها ليست من اختصاصهم133. وتعدّ قضية الماء وتوزيع حصصه على الدواوير وساكنتها في المجتمع "التَّنَانِ" من القضايا التي عالجتها ونظّمتها

  1. توجد زاويته في منطقة "أ ضْمِينْ" بين إداوتنان و"أمسكْرُوضَْ"، وهو ذو نسب شريف من بني عمومة القطب الصوفي سيدي "أحْمَادْ أُومُوسَ" نزيل تازروالت. وهو تلميذ أبي عبد النعيم يحيى الحاحي، انظر ترجمته عند: محمد الصغير الإفراني، صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر، تقديم وتحقيق عبد المجيد خيالي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 269 وما يليها؛ عبد الرحمان الجشتيمي، الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة، تحقيق اليزيد الراضي، تقديم محمد المنوني (بيروت: دار الكتب العلمية، 2007)، ص 293؛ أحمد بن محمد الحضيكي، طبقات الحضيكي، تقديم وتحقيق أحمد بومزكو، ج 1 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2006)، ص 125  -  126؛ محمد بن أحمد البعقيلي، مناقب البعقيلي، تحقيق محمد المختار السوسي (الرباط: طبع ونشر عبد الوافي المختار السوسي، 1987)، ص 34؛ الرسموكي، وفيات الرسموكي، تحقيق محمد المختار السوسي (الرباط: مطبعة الساحل، 1988)، ص 12؛ الكشطي، الورقة رقم 120 (مخطوط خاص)؛ السوسي، المعسول، ج 15، ص  73 وما يليها. 123  هناك أعيان ثلاثة فروع قبلية داخل إداوتنان، وهي "إِفسْفاسنْ" و"أيت وَاعْزُّونْ" و"تَانكْرتْ".
  2. قدّم روبير مونطان ترتيبًا هرميًا للتركيبة الاجتماعية في إداوتنان يتطابق مع هرمية مؤسسة ئنفلاس وجاء كما يلي: المرابطون، والشيوخ المسنون، والنبهاء، انظر: أفا، ص 148؛ وكذلك: Montagne, “Organisation sociale et politique des tribus,” p. 135.
  3. أفا، ص 149.
  4. يميز عمر أفا في دراسته التي أحلنا عليها بين " العدل الجماعي" و"العدل الشرعي " وهو تعبير في نظره عن مبدأ فصل السلطات، فالمسائل المدنية ينظر فيها أعيان ئنفلاس، في حين تسند أمور العقار والأحوال الشخصية للفقهاء. المرجع نفسه، ص 149.

هذه المؤسسة134. ونظرًا لكون اقتصاد قبيلة إداوتنان يعتمد على هذه المادة الحيوية، وكون هذا المورد محط جدل وصراع دائم، تذهب ضحيته أحيانًا أرواح كثيرة135، فقد سمحت كفاءة النْفاليس بحسن تدبيره وتوزيع حصص متساوية على الفلاحين؛ بحيث كان أعضاؤها يقترحون نظامًا لتوزيعه، كما يحددون حقوقه والعقوبات الزجرية للمخالفين لأنظمة التوزيع. بهذا المعنى فمؤسسة ئنفلاس تنظيم سياسي أكثر مما هو اجتماعي، على حد تعبير روبير مونطان، لأنّه يملك السلطات الثلاث136، وبناءً عليه، تدافع المؤسسة عن حدود القبيلة وتسهر على ضمان احترام الحياة الاجتماعية؛ إنّه نوع من التضامن والتكافل الاجتماعي في المجتمع الجبلي. ولضبط مهماتها فقد شكلت لجينات "شرطة الماء"138، حيث يتم انتقاء أعضاء عن كل فخذ للحراسة ليلً ونهارًا، وتكون مهمتهم الصعود من الساقية حتى مفترق السواقي الرئيسة لمراقبة قنوات السقي ومنع سرقتها، أو تسرب المياه، وهذه المهمة يصطلح عليها باللسان المحلي بمصطلح "إِمْزَّالنْ"139. وبالقرب من ضريح سيدي إبراهيم بن علي التيغانيميني، تعوّض السلطة الدينية لهذا الولي الصالح أدوار ئنفلاس، ويتمّ الأمر نفسه بالقرب من "زاوية أَسْقَّالْ" بتَنكْرتْ إحدى قبائل إداوتنان140، بحيث تحضر السلطة الدينية وتحصل الزاوية على حصص من أيام الجريان للأودية القريبة منها، وبالأخص خلال الموسم السنوي141، حيث يحج إلى زاوية سيدي إبراهيم من حاحا ومسْكِّينة وكْسِيمة وإداوتنان والصويرة...؛ فسلطة الزاوية في المجتمع القبلي تسمو على جميع السلطات، لأنّ المصلحة واحدة بين عامة المجتمع التناني وخاصته؛ إذ يؤمن الجميع هنا ببركة الأولياء وكرامات المتصوفة لإبعاد الخطر عنهم وجلب المصلحة إليهم.

مؤسسة ئنفلاس: سلطات متداخلة وتفسيرات متضاربة

انفرد روبير مونطان، بوصفه أول سوسيولوجي كولونيالي، بالكتابة عن مؤسسة ئنفلاس في قبيلة إداوتنان142، فخصص لها دراسةً جامعةً مانعة143 ارتقت بهذه المؤسسة إلى مستوى "أوليغارشية محلية "144، لكن نتائج دراسته التي كانت تحت الطلب جاءت مجانبةً

  1. إنّ وسائل الري العتيقة والتقلبات المناخية والتنوع الطوبوغرافي، كلّها عوامل ساهمت في اعتماد العرف والشرع من أجل توزيع متكافئ للماء، وعليه، فالعرف سينظم علاقة الفرد بالجماعة، فالماء في هذه المنطقة أكثر أهميةً من الأرض نفسها، وهي ملاحظات سبق أن خلص إليها أحمد التوفيق في مقاربته لقبيلة إنولتان في منطقة دمنات المغربية. ونظرًا لأنّ علاقة الفرد بالجماعة في مسألة تدبير الماء قابلة للتأثر بسبب الاختلاف في تدبيره، أو بسبب الأزمات الطبيعية، أو طبيعة وسائل الري، فإنّ أعضاء ئنفلاس يتدخلون لفض النزاع القائم، انظر: بنميرة، ص 306.
  2. هناك روايات متناثرة تتناقلها الساكنة المحلية تفيد بأنّ بعض فروع القبيلة التي تحمل أسماء فروع قبلية أخرى في الأطلس الصغير، مثل "تَانكْرتْ" و"تيمُولاي"، تفسر بالهجرات الموسمية لبعض ساكنة إفران من الأطلس الصغير، واستقرارها في جبال إداوتنان بحثًا عن مورد الماء، وقد تزامن ذلك مع فترات الطواعين والمسغبات التي عصفت بسوس ولعلّ أخطرها أوبئة القرن السادس عشر، وبداية القرن التاسع عشر، راجع بهذا الخصوص: البزاز، ص 85  -  97.
  3. أفا، ص 148.
  4. محمد مهدان، الماء والتنظيم الاجتماعي: دراسة سوسيولوجية لأشكال التدبير الاجتماعي للسقي بواحة تودغى (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، 2012)، ص 125.
  5. المرجع نفسه، ص 115.
  6. وثيقة استخباراتية من الضابط الملازم أول لوبورن إلى قائد ناحية أكادير وأحوازها، مؤرخة في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1926 (وثائق مركز الأرشيف الدبلوماسي، نانط، فرنسا.)
  7. يُنظَّم موسمان سنويان بزاوية سيدي إبراهيم بن علي التيغانيميني، الأول يوم الخميس الأول من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الفلاحي، والثاني يوم الخميس الأول من آذار/ مارس الفلاحي، ويحج إليه جميع بني تنانة.
  8. Montagne, “organisation sociale et politique,” p. 131.
  9. سماها في النص المترجم إلى العربية بالجمهوريات البربرية: المؤسسات السياسية والاقتصادية، انظر: مونطان، ص 67  -  81.
  10. يرى روبير مونطان أنّ الأنظمة التي سادت في قبائل شمال أفريقيا قد حافظت على نمط حكمها وتنظيمها السياسي البعيد كل البعد عن النظام السياسي الذي ابتكره وأبدعه العرب والأتراك، مما يعني أنّ القبيلة، موضوع الدراسة، حافظت على استقلاليتها عن المخزن العربي "الدخيل" في منظور روبير مونطان، فهو يرى أنّ هذا النظام الذي اتبعته قبيلة إداوتنان في تدبير شؤونها السياسية أقرب إلى النظام الجمهوري، وقد صرّح أنّه كان مجبرًا على توظيف مفاهيم من قبيل (الجمهورية، والأوليغارشية، والحكومة) من أجل "تعيين الشكل القار للحكومة البربرية، لأنّه لا يوجد في لغتنا لفظ مناسب"، مما يعني أنّه سقط في مآزق لغوية أكثر منها أيديولوجية؛ ويعبّ عن ذلك صراحةً بقوله: "لا يوجد في لغتنا لفظ مناسب، فلا يتعلق الأمر بتاتًا بحكومة تقتضي أو تفرض تعاون القوات، فإذا تعلق الأمر حقيقةً بالجمهورية فإنّها أوليغارشية."، ثم يتيه السوسيولوجي الكولونيالي لينتهي إلى كون النظام الذي ساد في قبيلة إداوتنان فوضوي أكثر منه ديمقراطي: "ولنقل، حديثًا وبكل دقة، إنّ الحكومة البربرية هي حكومة "فوضوية" أي دون زعيم"، هذا الزعيم في نظرنا وكما يفهم من شهادة روبير مونطان هو القائد الذي يعيّنه السلطان بظهير سلطاني فيكون عيّنه في المجال الذي يحكمه، انظر: مونطان، ص 69  -  70. 137  اشتغل روبير مونطان أستاذًا للسوسيولوجيا الكولونيالية – السياسية، لهذا فلا غرابة أن تكون دراسته حول البربر والمخزنإطارًا نظريًا لبناء المشروع الاستعماري.

للصواب والموضوعية التاريخية145، وبعيدةً عن أهداف مؤسسة ئنفلاس وغاياتها، كما حددها الفقهاء146. ونسجل هنا أنّ القبيلة لم تكن متسيبة كما زعم مونطان، ولم تكن خاضعة لسلطةٍ واحدة147. والواقع، وهذا رأي يمكن مناقشته ولا يمكن الجزم به، أنّ بعض قبائل سوس الأقصى وحاحا كان على الأقل تنظمه سلطات مختلفة148، مع الأخذ في الحسبان مؤسسة ئنفلاس بوصفها أعلى هيئة سياسية في المجتمع التناني؛ فهناك سلطة شيخ الزاوية، وسلطة الفقيه وسلطة المخزن وممثليه من قوادٍ وشيوخ149، إضافةً إلى هؤلاء يقوم عرفاء ئنفلاس ووجهاؤها مقام القاضي والسلطان في تسيير شؤون القبيلة وتدبيرها كي لا ينفرد الأمغار بالقرارات، حتى لا يكون حكمه قاسيًا، أو غير ديمقراطي على حد تعبير روبير مونطان. وبعد الحركة الثانية للمولى الحسن (1886) يعوض القائد تلك المؤسسات المخزنية150. كانت مهمة ئنفلاس تناوبيةً. وقد أشار روبير مونطان إلى انفراد قبيلة إداوتنان بهذا التنظيم السياسي151، بحيث تعقد الاجتماعات كل خميس تزامنًا مع السوق الأسبوعية، وكذلك داخل ضريح سيدي إبراهيم بن علي التغانيميني، أو "عند أحد بيوت الأعضاء، أو في ضريح مسجد، أو تحت شجرة، أو في بيدر"152. إذ يتم عقد الجمع العام لانتخاب مجلس ئنفلاس. وتنفّذ داخل هذا الضريح الأحكام، وتبقى الساكنة حرةً في اختيار من يمثلها. كما يتم اختيار ممثلين عن كل أسرة كبيرة. وخلال مناقشة القضايا المطروحة على المجلس من

  1. الفقهاء هم من كانوا يقومون بصوغ الألواح، وبهذا يسدون نصائحهم للنفاليس، والراجح أنّ أبناء سوس كانوا يرجعون إلى الشرع أكثر من العرف، في حالة وقوع التعارض أو التنافي، وهو ما يبرزه لوح "قبيلة باعقيلة" (توجد في سوس الأقصى قرب مدينة تزنيت)، انظر: أفا، ص 151.
  2. يمكن التمييز بين سلطة جماعية يمارسها ئنفلاس وسلطة دينية يمارسها الفقهاء و"إِكْرَّامنْ" وسلطة سياسية يمارسها المخزن في شخص القائد والشيخ والجابي. وتختلف أهمية كل من هذه السلط بحسب الزمان والمكان والظرفية التاريخية.
  3. يستثنى من ذلك قبيلة "أيت عبد الله أُسعيد" المرابطة بسوس الأقصى التي كانت تحتمي بقبيلة "مجاط" (يسمى الحامي باللغة الشلحية: "أمغْرُوسَْ") لأنّها لا تحمل السلاح لمواجهة العدو، فأعرافها تحرّم عليها ذلك، بخصوص هذه النقطة راجع: السوسي، المعسول، ج 1؛ Jillali El Adnani, “Les Saints à l’épreuve du pouvoir: Histoire d’une sainteté et anthropologie d’une culture,” Hespréris- Tamuda , vol. XLIII (2008), pp. 61  -  100 ; Jean Chaumeil, “Histoire d’une tribu maraboutique de l’Anti-Atlas: Les Ait’Abdellah Ou Sa’id,”  Hespréris- Tamuda (1952), pp. 195  -  218.
  4. تكشف وثائق الأرشيف الدبلوماسي بنانط أنّ قبيلة إداوتنان ألفت المشيخة أكثر من القائدية، كما أنّ حركة المولى الحسن إلى إداوتنان قوبلت برفضٍ مسبق لمقرراتها. فلما عيّ السلطان أحد القواد الحاحيين هناك ثم قتله عندما وصل السلطان إلى سفح الجبل، كما نجد السلطان المولى الحسن يعترف بنفسه أنّ هذه القبيلة لا تنالها الأحكام السلطانية ولا يحصل لساكنتها بها الغرض، وقد أوردنا سابقًا هذه الإشارة في إحدى مراسلاته لخديمه بركاش.
  5. على الرغم من أنّ أبناء القبيلة فتكوا بالقائد بوعشرة الذي عيّنه المولى الحسن قائدًا على إداوتنان وأحوازها، فاستمرارية هذا المنصب المخزني، سيتم تفعيلها مع إحكام فرنسا قبضتها على المجال عام 1927. ويلاحظ من خلال تحريات ميدانية قام بها بعض ضباط الشؤون الأهلية أنّ إداوتنان ألفت المشيخة أكثر من القائدية، مما يجعلنا نميز بين القائد الذي يعيّنه السلطان بظهيرٍ شريف في إطار التمثيل المخزني، وهذا حدث بوضوح خلال فترة حكم السلطان المولى الحسن، وقد نجح هذا التمثيل المخزني في المناطق السهلية التي يسهل على المخزن دخولها لردع أي حركة ثائرة، والقائد الذي يتشكل ويكون في الأصل فردًا من أفراد القبيلة، هذا الشكل هو الذي أثار انتباه روبير مونطان بحيث خصص في كتابه المحال عليه سابقًا (الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر) فصلً جامعًا مانعًا حول نشأة سلطة القياد وتطورها، انظر: مونطان، ص 83  -  100، وبالنسبة إلى قبيلة إداوتنان موضوع الدراسة، فإنّها ألفت الشيخ أو "أمْغارْ" (باللغة المحلية) وقد لمع نجم عدد من الأمغارات الذين وسّعوا مجال حكمهم ليشمل قبائل أخرى غير تلك التي ينتمون إليها، ومن بين هؤلاء أسرة بوناكة التانانية التي ورد اسمها أكثر من مئة مرة في وثائق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي، وفي بعض كتب المختار السوسي.
  6. يرى روبير مونطان أنّ النظام السياسي في قبيلة إداوتنان مرّ بثلاث مراحل كبرى، هي: مرحلة "الأوليغارشية المستقلة" أو الجمهورية، حيث تسود الديمقراطية، ولا مجال للظلم بين أبناء القبيلة، ومرحلة "الاستبداد المستنير" حيث تظهر ملامحه في شخص الأمْغار الذي يستحوذ على المغارم لنفسه، مما يدفع مكونات القبيلة إلى التحالف فيما بينها (الأسرة، والقرية، وتاقبيلت)، ومرحلة الخضوع للمخزن حيث تظهر ثنائيات من قبيل (العرف والشرع، والمخزن والسيبة، والعرب والبربر، والجبل والسهل...)، وكلّها مفاهيم غير صالحة لغياب المنطق فيها، راجع: مونطان، ص 107  -  109.
  7. المرجع نفسه، ص 71.

الضروري استشارة جميع من كان ذا رأي صائب كالمرابطين والعلماء والرجال المسنين. وبعد تنفيذ الأحكام، يكلّف طالب بكتابة تقرير بخصوص الحكم153. يجد أنفلوس نفسه، في بعض الأحيان، في حيرة من أمره حينما يضطر إلى تطبيق أحكام وتدبيرها في ما لا نص فيه (أي في ما لم تنص عليه الألواح والأعراف). ويحاول تجاوز ذلك بعقد اجتماعات دورية ومتتالية؛ ففي إداوتنان مثلً تتعدد أماكن الاجتماعات؛ فتارةً تكون في مقر السوق الأسبوعية التي تتزامن مع يوم الخميس، وتارةً أخرى في مقر ضريح سيدي إبراهيم بن علي التيغانميني، وأحيانًا أخرى في مقر زاوية "أسْقَّالْ"154، وهو ما نجده في قبائل الأطلس الصغير. إضافةً إلى تحكيمهم في قضايا الأمن والاقتصاد، كانت جماعة ئنفلاس تنفّذ الأحكام في المجال العقاري، وقضايا الإرث والأحوال الشخصية155، وإن كنا نتحفظ من هذه النقطة على أساس أنّ "فصل السلط" كان المبدأ الأساسي الذي ساد في إداوتنان، حيث يختص الفقهاء بما يتعلق بالشريعة الإسلامية، في حين أنّ مؤسسة ئنفلاس تختص بمجال تنفيذ قرارات الفقهاء. ويتقاضى أعضاء مؤسسة ئنفلاس راتبًا رمزيا156 لا يرتب له من القبيلة أو الخزينة المالية، بل يؤخذ من الغرامة التي يفرضها على المخالفين في الأسواق والمواسم؛ بحيث قد تصل مستحقاتهم إلى نصف قيمة الغرامة المفروضة على المخالف، كما أنّها في بعض الأحيان الأخرى لا تتجاوز الثلث. يشير روبير مونطان إلى الصعوبة التي وجدها أعضاء ئنفلاس في عملية قسمة المستحقات، بقوله: "فنرى المجلس يناقش أحيانًا طوال ثلاث أو أربع ساعات من أجل اقتسام مبلغ ثلاث سنتيمات على سبعة عشر". وهو ما يدفعنا إلى التساؤل، هل كانت مؤسسة "ئنفلاس" نزيهةً في أحكامها القضائية الزجرية؟ أم أنّ أعضاءها اغتنوا على حساب التجار وساكنة القبيلة؟ مهما يكن الجواب فإنّ هذه المؤسسة لا يمكن أن تجعل القبيلة مستقلةً مخزنيًا؛ فأعضاء ئنفلاس كثيرًا ما كانوا يتجاوزون الطاقة المادية للقبيلة، ويثقلون كاهل ساكنتها بالغرامات المادية التي قد تؤدي إلى إفلاس التجار، وتشريد الأرامل والأيتام. وهو ما يجعلنا نطرح السؤال من جديد على روبير مونطان عن مدى نزاهة هذه المجالس أو "الأوليغارشيات" على حد تعبيره؛ وهو الذي شدّ أزر أطروحة ميشوبلير Bellaire - Michaux الذي سبق له أن أشار إلى أنّ المخزن "عنصر عربي دخيل وغريب"، هدفه الفتك بالقبيلة ومؤسساتها السياسية الممثلة في ئنفلاس. قدّم روبير مونطان إجاباتٍ متناقضةً، وذلك بقوله: "وتظهر المساواة داخل مجلس الأعيان (ئنفلاس) في جمهورية بربرية (إداوتنان) بوضوح؛ فعلى الرغم من خطوة المؤسسات المتساوية في المناطق التي يكون فيها الرأي العام أكثر ارتيابًا ويقظة؛ حيث يكون للأغنياء منازل مشابهة لمنازل الفقراء، فإنّ الأغنياء هم من يمارس السلطة بطريقة خفية، إذ يوجد في كل مجلس ئنفلاس ثلاثة أو أربعة أغنياء يتنافسون على تقسيم السلط لمصلحتهم بطريقة خفية. وعندما يقدر شخص ما منهم على تغيير التشريع لا شيء يمنعه من أن يقدّم رشً

  1. رواية شفوية مستقاة من حوارٍ دار بيني وبين أحد أعيان دوار أَغري يوم 09  /  07  /  2007 في مدرسة الدوار.
  2. زاوية ومدرسة عتيقة تقع في قبيلة تانكْرتْ بإداوتنان.
  3. العثماني، ص 66  -  124.
  4. المرجع نفسه، ص 236.
  5. مونطان، ص 73.
  6. أجمع بعض الفقهاء على أنّ تسلّط جماعة ئنفلاس على أموال المقربين من الجاني وممتلكاتهم، فيه معصية لله ورسوله وتجاوز لما أقرّه الشرع الإسلامي.
  7. في مقابلة لي مع أحد أعيان القبيلة إداوتنان، أخبرني أنّ مجالس ئنفلاس كانت أحكامها جائرة وجعلت القبيلة "سائبة"، بحيث اقترف أحد القواد، والراجح أنّه القائد "أشَّاو"، (لا تزال ذريته تستقر في دوار إ سكْ الذي يبعد عن مركز إيموزار بحوالى 3 كيلومترات شمالً) جرائمَ في حق أبناء القبيلة... تنهد الرجل قائلً كنّا في أمسّ الحاجة إلى من يخلّصنا من هول هؤلاء، قلت له: من؟ فقال: لي أعضاء ئنفلاس الذين كانوا يورثون منصبهم ويستبيحون أموال الناس (رواية شفوية، 22  /  12  /  2009)، بالعودة إلى مؤلف روبير مونطان "الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر"، نجد لمضمون مقابلتنا ما يعضدها ويثبتها إثباتًا صحيحًا.

لبقية أعضاء المجلس، بحيث نراه يمارس مهمات المقدم طوال عدة سنوات ضدًا للأعراف القاضية بأن تبقى هذه السلطة محصورةً في أمر واحد، وهو اجتماع المجلس عنده أحيانًا وتقديم الولائم على شرف أصدقائه وارتداء ملابس مميزة".

خاتمة

من خلال تتبّع كرونولوجيا القبيلة والمخزن ووظائف بعض مؤسساتها ذات البعدين الاجتماعي والسياسي، وبعد محاولتنا استنطاق المصادر المحلية وقراءة وثائق الأرشيف الأجنبي بحيطةٍ وحذر، ومقابلة الروايات الشفوية بما يعضدها أو يدحضها في متون المراسلات الأجنبية والوطنية، يتضح أنّ مؤسسة ئنفلاس، بوصفها تنظيمًا اجتماعيًا وسياسيًا، تأسست لحفظ الأمن العام داخل مجتمعٍ قبلي اشتغل بالعرف أكثر من الشرع، وكانت قرارات المخزن لا تشمل بعضه لبعده عن المركز، وقد ساهمت الأزمات التي تعرَّض لها المغرب خلال الفترة الحديثة والتطورات الدينية التي شهدها خلال الفترة نفسها، عندما انتقلت زاوية سيدي إبراهيم بن علي التيغانيميني من مؤسسة للإطعام وتلقين الأوراد إلى مؤسسة مساهمة في التطورات والأحداث السياسية، لمّا نادت بالجهاد ونجحت في إبعاد الإيبيريين عن الثغور المغربية، ما أكسب المتصوفة إشعاعًا روحيًا داخل القبائل. إنّ هؤلاء المتصوفة أضفوا الشرعية على أحكام مؤسسة ئنفلاس بوصفها أعلى هيئة قضائية تنظر في أمور العامة، ونظرًا لأنّها وُصفت بالبدعة فقد كان لا بد من تطويع النص الديني، لخدمة أهداف ئنفلاس؛ لهذا أجمع فقهاء سوس المتقدمون منهم والمتأخرون على عدّ أعيان ئنفلاس لا يحكمون إلا بالشرع، فبه يحكمون وإليه يتحاكمون. أما العرف فلا يبحث إلا في الجزء المدني أو الجنائي فيقع تداخلٌ بين الديني والسياسي، وتتبع فيه المصالح المرسلة، وسدّ الذرائع، وشرع من قبلنا. مما يقلل من طرح عبد الله العروي حول ارتباط السيبة بالبلاد التي يحكمها العرف. ومن جهةٍ أخرى يعدّ أبو يحيى الحاحي الثائر الذي ظهر في مغرب نهاية السعديين مرشدًا ومصلحًا، أول من أثار قضية "أعيان ئنفلاس"، وإذا ما كانت أحكامهم مطابقة للشرع الإسلامي أو منافية له. فقد طلب من فقهاء عصره الإفتاء بمشروعية ئنفلاس من عدمها، فكانت الأجوبة مختلفة؛ فمنهم من أفتى بوجوبها لأنّها تخدم المصلحة العامة، معتمدين في ذلك قواعد فقهية أصيلة من قبيل "الضرورات تبيح المحظورات"، و"سد الذرائع"، و"شرع قبلنا". وحاول بعضهم أن ينفي شرعية هذه المؤسسة بدعوى تناقضها مع النص الشرعي ومناوأتها السلطة السياسية؛ على أساس أنّ السلطان هو الهيئة الوحيدة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لكن هؤلاء الفقهاء أفتوا تحت الطلب المخزني لمعارضة أي مشروع سياسي يمكن أن يعصف بالدولة المركزية الحديثة (الدولة العلوية). ومنهم من كانت فتواه حلً وسطًا وجوابًا معتدلً، وفقًا للقاعدة الفقهية "لاضرَ ولا ضِ ارْ" على أساس أن تنال أحكام "أعيان ئنفلاس" ما للجاني من ممتلكات دون أن تتعداها إلى أقاربه من أرامل وأيتام. إنّ مؤسسة ئنفلاس بهذا المعنى كانت حاضرة في أعراف قبائل سوس بخاصة، تلك التي كانت بعيدة عن المخزن، كقبيلة إداوتنان التي اجتهد أبناؤها واقترحوا "أعيان ئنفلاس" أعلى هيئة لفض منازعاتهم وتدبير شأنهم المحلي، وعدّوها من مكونات حياتهم الثقافية. ومن منظور آخر لم تكن هذه المؤسسة ديمقراطيةً في قراراتها، ولم تكن نزيهةً دائمًا في أحكامها، وهو ما يدحض بحوث روبير مونطان الذي وظّف مؤسسة ئنفلاس في غير محلّها، عندما عدّها مظهرًا من مظاهر استقلال الأمازيغ عن العرب الذين يمثّلهم المخزن العلوي.

  1. مونطان، ص 87.
  2. أهم هؤلاء القطب سيدي علي بن إبراهيم التيغانيميني.
  3. العثماني، ص 93.
  4. السوسي، المعسول، ج 18، ص 197.

فكانت خلاصات دراسته واستنتاجاتها تمهيدًا للتفرقة التي كانت محتملة الوقوع بين العرب والأمازيغ والتي توّجت بظهير 1930 المعروف بالظهير البربري، بخاصة أنّ صدور كتابه البربر والمخزنتزامن مع هذا الحدث، مما يقلل من موضوعية الكتاب ونزاهة صاحبه. إنّ مفاهيم ذات حمولة أيديولوجية ك "بلاد السيبة مقابل بلاد المخزن" و"البربر مقابل العرب" و"الشرع مقابل العرف" و"سكان السهل مقابل سكان الجبل"، يجب أن تُفهم في السياق الذي أنتجت فيه من خلال استحضار طبيعة المجتمع والاقتصاد والنظام السياسي القائم خلال تلك الفترات؛ فالسلطان كان يحكم بالرسالة و"الظهير"، وهما خطاب مخزني ذو حمولة سياسية ودينية تخرج عن سياقها إذا وُظفت في زمن غير زمانها. وهذا هو مأزق الدراسات الأجنبية التي أنتجها ضباط لم يكن همهم كتابة تاريخ بلادنا بقدر ما كان همهم الترقية بواسطة تقارير استخباراتية عن حالة قبيلة ما، بحيث ترفع إلى الإقامة العامة لتنال استحسان الدوائر العليا في الجيش؛ فيرقى أصحابها الضباط من "ملازم أول" إلى "قبطان" مرورًا "بقائد" ووصولً إلى رتبة "كولونيل" أو "جنرال". وهو ما يلاحظ في وثائق الأرشيف الفرنسي؛ ذلك أنّ مراسلات عديدة موجّهة من ضباط إلى رؤسائهم تثبت أنّ هؤلاء تمّت ترقيتهم في ظرف سنة من رتبة عسكرية إلى رتبة أخرى أعلى منها كما هي الحال بالنسبة إلى القبطان دوليريس دوكومب غيدون الذي تمّت ترقيته إلى رتبة كولونيل بفضل بحثٍ أنجزه حول مؤسسة الزواج في إداوتنان عام 1927. وأخيرًا، فإنّ الموروث الثقافي لقبيلة إداوتنان يقع عليه حصارٌ شديد يقوم به من كان أجدادهم بالأمس "أعيانًا لدى الاستعمار" أو ثوارًا ضده، عليهم اليوم إطلاق سراح هذه الوثائق ومنحها لمتخصصين من أجل كتابة تاريخٍ موضوعي حول هذه القبيلة التي تخزن حقائقَ ما زلنا نجهلها إلى يومنا هذا.

  1. القبطان دوليريس دوكومب غيدون، بحث حول الزواج في إداوتنان، 1927 (وثائق الأرشيف الدبلوماسي، نانط، فرنسا)، 27 صفحة.

المراجع

العربية

الدكتور محمد حمام. أكادير: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ابن زهر أكادير، 2007.

أزايكو صدقي، علي. تاريخ المغرب أو التأويلات الممكنة. الرباط: مركز طارق بن زياد، 2002.

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2004.

الآداب والعلوم الإنسانية، 2002.

بأكادير، 1998.

أكنوش، عبد اللطيف. السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم. الدار البيضاء: مكتبة بروفانس، 1988.

الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1992.

الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2012.

بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880   /  1915. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.

البيدق، أبي بكر بن علي الصنهاجي. أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين. الرباط: دار المنصور، 1971.

التنبكتي، أحمد بابا. نيل الابتهاج بتطريز الديباج. تقديم عبد الحميد عبد الله. ط 2. طرابلس: دار الكتاب، 2000.

الإنسانية، 1983.

جحاح، محمد. الزاوية بين القبيلة والدولة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.

حبيدة، محمد. بؤس التاريخ: مرجعيات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015.

أحساين، عبد الحميد. الإدارة المركزية في عهد الحماية الفرنسية، 1912  -  1940. الرباط: منشورات أمل، مطابع الرباط نت، 2015. أرفاك، شفيق. قيادة تمنارت بين التزام المحيط القبلي والسلطة المخزنية (: 1352  -  1934). أطروحة لنيل دكتوراه الدولة. إشراف.   نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية. سلسلة الدراسات والأطروحات، رقم 1. الرباط: منشورات أفا، عمر. تاريخ المغرب المعاصر: دراسات في المصادر والمجتمع والاقتصاد. سلسلة بحوث ودراسات، رقم 34. الرباط: منشورات كلية الإكراري، محمد بن أحمد. روضة الأفنان في وفيات الأعيان، تحقيق حمدي أنوش. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية البزاز، محمد الأمين. تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18. البعقيلي، محمد بن أحمد. مناقب البعقيلي، تحقيق محمد المختار السوسي. الرباط: طبع ونشر عبد الوافي المختار السوسي، 1987.

بنميرة، عمر. النوازل والمجتمع: مساهمة في دراسة تاريخ البادية المغربية بالمغرب الوسيط. سلسلة رسائل وأطروحات، رقم 67. التامنارتي، أبي زيد عبد الرحمان. الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة. تحقيق اليزيد الراضي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2007.

التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر، إينولتان 1850  -  1912. ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم جويرو، زهيرة. الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ. تقديم عبد المجيد الشرفي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2014. الحضيكي، أحمد بن محمد. طبقات الحضيكي، تقديم وتحقيق أحمد بومزكو. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2006.

حنداين، محمد. المخزن وسوس (1672  -  1822) مساهمة في دراسة تاريخ علاقة الدولة بالجهة. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2005.

الدفالي، محمد معروف. أصول الحركة الوطنية بين السلفية المجددة والسلفية الجديدة. الرباط: منشورات أمل، 2014.

الرسموكي. وفيات الرسموكي. تحقيق محمد المختار السوسي. الرباط: مطبعة الساحل، 1988.

رشيدي، ربيع. الزعامات المحلية بسوس وعلاقتها بالمخزن: سوس الأقصى خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. بحث لنيل الماجستير في تاريخ الجنوب المغربي، إشراف الدكتورة خديجة الراجي. أكادير: جامعة ابن زهر - كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2010. السكتاني، عيسى بن عبد الرحمان. الأجوبة الفقهية، اعتنى به أحمد بن علي الدمياطي. بيروت: دار ابن حزم، 2011.

السوسي، محمد المختار. الإلغيات. الدار البيضاء، مطبعة النجاح، 1963.

. المعسول. الرباط: مطبعة المهدية، 1963.

. إليغ قديمًا وحديثًا، هيأه للطبع وعلق عليه محمد بن عبد الله الروداني. ط 4. الرباط: المطبعة الملكية، 2005.

. خلال جزولة. ج 4. تطوان: المطبعة المهدية، 1963.

صادق، نور الدين. حركة الشيخ يحيى الحاحي وقيام إمارة تارودانت. الرباط: منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2010. الصديقي، محمد بن سعيد. إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1961.

الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي في المغرب. ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي، راجع نصوصه عبد الرحيم بنحادة. الدار البيضاء: نشر الفنك، 1999.

العثماني، أمحمد. ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2004.

العروي، عبد الله. الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830  -  1912. باريس: مطابع ماسبيرو، 1977.

. مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1984.

علمي، أحمد. " حركتا السلطان الحسن الأول إلى سوس (1882  -  1886)". دراسات. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، أكادير (1996).

العيادي، محمد. دراسات في المجتمع والتاريخ والدين. سلسلة دراسات. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2014.

عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.

القبلي، محمد، تاريخ المغرب، تحيين وتركيب. الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب/ مطبعة عكاظ الجديدة، 2011. الكشطي، أحمد بن علي. إداوتنان: البلدة التنانية ذات المواهب الربانية. تحقيق حسن بيليش. الرباط: مطبعة الفضيلة، 2015.

كليفورد، غيرتز. تأويل الثقافات. ترجمة محمد بدوي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

الكيكي، محمد بن عبد الله. مواهب ذي الجلال في نوازل البلاد السائبة والجبال. تحقيق أحمد التوفيق. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1997.

المحمدي، علي. السلطة والمجتمع في المغرب: نموذج أيت بعمران. الدار البيضاء: توبقال، 1989.

في التنوع. أكادير: الجامعة الصيفية، من 18 إلى 31 آب/ أغسطس 1980.

الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2015.

رقم 46. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1995.

منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، 2012.

الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد. الاستقصا بأخبار دول المغرب الأقصى. القاهرة: مطبعة دار الكتاب، 1954  -  1956.

الأجنبية

محند، أيت الحاج. " ملامح الحياة الثقافية بحاحة وإداوتنان خلال القرن التاسع عشر". أعمال الدورة الأولى: الثقافة الشعبية الوحدة. مظاهر الحياة الثقافية بحاحة وإداوتنان خلال القرن الرابع عشر الهجري (1301  -  1400 ه /  1883  -  1979 م). المنصور، محمد ومحمد المغراوي. التاريخ وأدب النوازل: دراسات تاريخية مهداة للفقيد محمد زنيبر. سلسلة ندوات ومناظرات، "مراسلة المولى الحسن لنائبه محمد بركاش". الوثائق. مجموعات دورية تصدرها مديرية الوثائق الملكية. العدد 10 (2000.)

مهدان، محمد. الماء والتنظيم الاجتماعي: دراسة سوسيولوجية لأشكال التدبير الاجتماعي للسقي بواحة تودغى. أكادير: مونطان، روبير. الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر. ترجمة محمد الناجي بن عمر. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014.

واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ط 3. الرباط: مؤسسة الغني للنشر/ السحب/ دار أبي رقراق، 2013.

• Ben melih, Abdellah. Structures politique du Maroc colonial. Paris: L’Harmattan, 1990.

• Berque, Jacques. Les Nawazil el-muzara’à. Rabat: études et traduction, Ed. Flix Moncho, 1940.

• Chaumeil, Jean. “Histoire d’une tribu maraboutique de l’Anti-Atlas: Les Ait Abdellah Ou Said.” H e spéris Tamuda. (1952).

• Cherifi, Rachida. Le Mekhezen politique au Maroc: Hier et aujourd’hui. Casablanca: Afrique orient, 1988.

• El Adnani, Jillali.  “Les Saints à l’épreuve du pouvoir: Histoire d’une sainteté et anthropologie d’une culture.”

Hespréris Tamuda. vol. XLIII (2008).

• Léopold, Justinard. “Notes sur L’Histoire du Sous au XIXe siècle.” Hespéris. vol. VI (1926).

• Mezzine, Larbi. Le Tafilalt, Contribution à l’Histoire du Maroc aux XVII ET XVIII siècles. Serie Theses 13.

Rabat: Publication de Faculte des lettres et des sciences humaines, 1987.

• Montagne, Robert. Note sur Les Ait Waouzigt. A.D.N. Maroc,  1925.

• ____________. “Organisation sociale et politique des tribus berbères indépendantes: Les Ida Ou tanan, Haut

Atlas occidental.” Revue des Etudes Islamiques. cahier II (1927).

• ____________.  Les berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des

Berbères sédentaires groupe Cheluh. Paris: éd. Alcan, 1930.

• Pascon, Paul. “Le commerce de la maison d’Iligh, d’après le registre comptable de Husayn Ben Hachem,

Tazerwalt 1850  -  1875.” Annales E.S.C. no. 3  -  4 (Mai –Aout 1980).