Return to Article Details When History Becomes the Science of the State in the Arab World

عندما يصبح التاريخ علم الدولة في العالم العربي

When History Becomes the Science of the State in the Arab World

عبد الحميد هنية

الملخّص

نظم معهد الدوحة للدراسات التاريخية بالتعاون مع مجلة أسطور للدراسات التاريخية ندوة أكاديمية بعنوان "عندما يصبح التاريخ علم الدولة في العالم العربي" بن 51 و 61 يناير/ كانون الثاني 7201 في الدوحة/قطر، بمشاركة عدد من المؤرخن والباحثن العرب. بحثت الندوة أمثلة ذات صلة بالعالم العربي أبرزت العلاقة بن المؤرخ والدولة وأضاءت عى مفاهيم ذات علاقة مثل: قيم المواطنة والتحديث والكتابة التاريخية والإصلاح والأحداث المتخيلة.

Abstract

The Doha Institute for Historical Studies in cooperation with the journal Ostour organized an academic seminar titled “When History Becomes a State-Sanctioned Discipline in the Arab Region” on January 15 and 16, 2017 in Doha, Qatar with the participation of several Arab historians and other scholars. The seminar examined examples pertinent to the Arab world which highlighted the relationship between the historian and the state, the values of citizenship, modernization, historical writing, reform, and imagined events.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ
  • العالم العربي
  • الدولة
  • قيم المواطنة
  • المؤرخ
Keywords:
  • History
  • Historian
  • State
  • Historiography
  • Citizenship

مقدمة

منذ أن بدأت تتبلور مظاهر الدولة، بالمعنى الحديث للكلمة، في اليمن خلال القرن الحادي عشر الميلادي حين تأسس بناء سياسي مركزي نُعت ب "السلطنة"، ثم في المغرب الأقصى خلال القرن الثاني عشر مع الموحدين خلال الفترة 1121  -  1269 م الذين أسسوا ما يسمى "المخزن"، تحولت وظيفة الكتابة التاريخية تدريجيًا من خدمة الدين (كالتأريخ للحديث النبوي، والتأريخ لطبقات العلماء والأشراف) إلى صياغة معرفة تاريخية تتمحور أساسًا حول البناءات السياسية ذات الصبغة المركزية الصاعدة. أصبح "زمن الدولة" الهاجس الأساسي للكتابات التاريخية، وهو زمن المجال السياسي الدنيوي الذي تتفاعل فيه المصالح وتتشابك فيه الإستراتيجيات لاجتماعية. كانت الكتابة التاريخية إلى حد كتابالعبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر لابن خلدون (1333  -  1406 م) تخص دائمًا حيزًا ترابيًا واسعًا وفضفاضًا، بل هو أحيانًا كوني (أو عالمي). وتدريجيًا أصبحت هذه الكتابة تقتصر على حيّز ترابي معيّ، وهو مجال الدولة بالمعنى الحديث للكلمة، فأدى ذلك تدريجيًا إلى تهميش الكتابات التاريخية الأخرى التي تُعنى بمج لات ضيقة؛ كالقبيلة، والأسرة، والمدينة. ومنذ القرن الخامس عشر، على وجه الخصوص، أصبحت البناءات السياسية المركزية منخرطةً في حراك متواصل. ومن المفيد أن نرى كيف رافق إنتاج المعرفة التاريخية؛ لا للتحقيق في هذه البناءات فحسب، بل لتقديم الدعم لها أيضًا. ويتأكد هذا التوجه أكثر فأكثر كلما تقدمنا زمنيًا، خاصة بدايةً من القرن السابع عشر إلى يومنا هذا، إذ واكبت الكتابات التاريخية عملية بناء الدولة ولا سيما عندما تحولت في صبغتها من "ترابية - مجالية" إلى "وطنية". فقد واكبت دينامية هذا البناء أنماط متغيرة من التساؤلات من شأنها أن تجدد على نحو مطّرد المعرفة التاريخية. غير أننا نجد في هذا المجال فوارق بين بلاد المغرب وبلاد المشرق من العالم العربي. فلئن بقيت الإستغرافيا في المغرب العربي تحت تأثير منطق الدولة - الأمة، فإنها تتأرجح في المشرق العربي بين منطق "القومية العربية" ومنطق الدولة - الأمة. لذلك يمكن القول إن علم التاريخ أصبح يمثل في العالم العربي منذ القرن الخامس عشر "علم الدولة" الأول، وإنه شكّل سلطة معرفيةً تقوم على الإقصاء والتهميش و لاستبعاد تجاه كل من يناهض الدولة. فمنذ ذلك التاريخ، نصَّب المؤرخ نفسه وصيًا على الدولة القائمة، وحاميًا ومشرّعًا لها أيضًا، وأصبح يسخّر طاقته لبناء الدولة بقلمه؛ مثلما يبنيها أصحاب النفوذ بالسيف والنار تمامًا. فكل ما يكتبه يصبّ، من حيث إنه يشعر أو لا يشعر، في مصبٍ واحد؛ هو بناء الدولة في كل أوضاعها ومراحلها، أي "الدولة الترابية  - المجالية" بالنسبة إلى الفترة الممتدة خلال القرون السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، وبداية القرن العشرين، و"الدولة الوطنية" بالنسبة إلى الفترة اللاحقة، خاصة بعد تخلص البلدان العربية من لاستعمار. واصلت البحوث التاريخية المنجَزة في بلدان المغرب العربي مباشرة بعد لاستقلال، أكثر مما هي الحال في بقية البلدان العربية، الخط نفسه الذي رسمته الكتابات الإخبارية قبل لاستعمار؛ ذلك أنه بالرغم من لاختلاف الظاهري بين المؤرخين "التقليديين " و"الجدد"، فإنهم اشتغلوا عمومًا في إطار المشروع المجتمعي نفسه المتمثل أساسًا ببناء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة؛ سواء كان ذلك في مرحلتها الترابية أو الوطنية، و لاستبدادية أو الديمقراطية. وفي وقتنا الحاضر، يتواصل في هذه الكتابات ذلك الحرص على تأكيد استمرارية البناءات السياسية نفسها ومجالها الترابي، ولأجل ذلك تتم تنقية الكتابات التاريخية، عن وعي أو غير وعي، من المظاهر التي لا تخدم استمرارية الدولة ووحدة ترابها، فيقع إما حجبها كليًا وإما التحقير من شأنها. فهي كتابات تعمل جاهدةً على ترسيخ قيم الدولة والنظام السياسي الذي يؤمّن تواصلها، تمشيًا مع الطلب لاجتماعي.

تركزت في بعض بلدان المغرب العربي مباشرة بعد حصولها على لاستقلال مؤسسات مختصة بإنتاج معرفة تاريخية حول الحركات التحررية التي سبقت لاستقلال، وهذا يعني أن النخب السياسية المغاربية التي تتحرك في إطار الأيديولوجيا الوطنية القُطرية، تُثبّت بقوة المال العمومي الشرعيةَ لاجتماعية للمعرفة التاريخية حول الحركات التحررية. ومن الطبيعي أن تطغى الذاكرة التاريخية والطابع التراثي والهوياتي على هذه المعرفة. ونتيجة لذلك، يحصل لانتقاء والتحريف من أجل بناء معرفة تاريخية تبريرية. وفي هذا السياق لا بد من القول إن المؤرخين في هذه المعاهد البحثية لا ينخدعون تمامًا بهذا الوضع، الأمر الذي يعطيهم هامشًا واسعًا من الحرية، على أن يتبنوا، شكليًا على الأقل، منطق الأهداف المؤسسيّة. ومهما كان الأمر، فإن ظهور هذه المؤسسات المختصة في إنتاج المعرفة التاريخية أفضى إلى تنشيط الأيديولوجيات الوطنية المدعمة للدولة - الأمة. منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وخاصة بعد القطيعة المعرفية التي حصلت مع ظهور ما يُعرف ب "الربيع العربي"، عمل عديد المؤرخين العرب على الخروج من مجموعة من "السجون المعرفية" التي كثيرًا ما كبّلت عملهم البحثي إلى حد ذلك التاريخ. وإذا أخذنا التجربة الإستغرافية المغاربية مثالً في هذا المجال، وجدنا أن المؤرخ غير واعٍ بكونه لا يدرس الدولة باعتبارها ظاهرةً اجتماعية وموضوعًا مستقلً بذاته، وإنما يتناولها كأنه عنصر فاعل فيها، ومن ثمّ تبرز شخصية المؤرخ كأنها تبني الدولة من الداخل، بحيث يمكن القول إن المؤرخ أصبح نتيجة لذلك "سجين" الدولة. لم تحصل بداية خروجه من "سجن الدولة" إلا عبر مساءلته لعملية بناء الدولة ذاتها ومقوماتها، وخاصة من خلال تفادي التفكير فيها بتصنيفات الدولة ذاتها ومقولاتها نفسها أيضًا.

عبد الحميد هنية أستاذ في برنامج التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا.