Return to Article Details Monk and Faqih: An Intersecting Biography of Nicholas Kleinard and Muhammad bin Kharouf

راهب وفقيه: سيرة متقاطعة لنيكولاس كليرد ومحمد بن خروف

Monk and Faqih: An Intersecting Biography of Nicholas Kleinard and Muhammad bin Kharouf

محمد بكور

الملخّص

تحاول هذه الدراسة، متوسلة بالمنهج البيوغرافي، إعادة بناء سرة كل من الراهب البلجيكي نيكولاس كلينرد والفقيه التوني محمد بن خروف، مع التركيز على كشف حيثيات اللقاء الذي جمع بينها في غرناطة ثم انتقالهما إلى فاس. وكان كلينرد قد قرر دراسة اللغة العربية معتمدًا على جهده الشخصي، وغادر بلاده في رحلة طويلة قادته إلى غرناطة حيث التقى بابن خروف أحد أعلام الثقافة الإسامية، وكان قد أُسِ أثناء الحملة الإسبانية على تونس ثم نُقل إلى إسبانيا وبيع في أسواقها. وساهم هذا اللقاء في اتساع معارف كلينرد عن الإسلام، وطمَح إلى استعمال ذلك في الجدل الديني ضد المسلمين. تجنح الدراسة إلى القول إن هذا اللقاء كان حدثًا فريدًا وقتئذ، كونه أسفر عن حالة من التثاقف والتقارب العاطفي بين هذين العَلَمين، نقيض حالة الصراع والكراهية التي وسمت العلاقة بين العالمين الإسلامي والمسيحي.

Abstract

This study attempts to reconstruct the biography of the Belgian monk Nicholas Kleinard and the Tunisian Faqih Muhammad bin Kharouf, focusing on uncovering the circumstances of their meeting in Grenada and subsequent move to Fez. Kleinard had resolved to study Arabic through his own efforts, and left his country on a long journey which took him to Grenada. There he met Ibn Kharouf, one of the great figures of Islamic culture, who had been imprisoned during the Spanish campaign against Tunis and then transported to Spain and sold as a slave in its markets. In the course of this meeting he helped to teach Kleinard more about Islam, information the latter hoped to use in religious disputation. The study suggests that this meeting was probably unique in its time, since it resulted in a kind of mutual education as well as an emotional closeness between these two great men – the opposite of the general atmosphere of strife and hatred that was then characteristic of the relationship between the Christian and Islamic worlds

الكلمات المفتاحية:
  • فاس
  • البيوغرافيا
  • نيكولاس كلينرد
  • محمد بن خروف
  • غرناطة
Keywords:
  • Biography
  • Nicholas Kleinard
  • Muhammad bin Kharouf
  • Grenada
  • Fez
محمد بكور| Bekkour *Mohamed
محمد بكور | Bekkour Mohamed
راهب وفقيه: س ةرر متقاطعة لنيكولاس كليرد
ومحمد بن خروف
Monk and Faqih: An Intersecting Biography of
Nicholas Kleinard and Muhammad bin Kharouf

تمهيد

هل نحن في حاجة إلى تأكيد القول بأهمية السيرة في كتابة التاريخ؟ إن العلاقة بين السيرة والتاريخ ليست مسألة حديثة، بل تعود إلى لحظة ميلاد التاريخ نفسه الذي لم يكن في طفولته سوى مجموعة من السير. والشعور بعدم الثقة تجاه نصوص السيرة هو وليد الفترة المعاصرة، فقد هيمنت الأيديولوجيات الجماعية، فنأى معظم المؤرخين بأنفسهم عن السيرة، زاعمين غلبة الطابع التخييلي عليها وافتقارها إلى الموضوعية. ولكن السير عادت مجددًا بقوة إلى الواجهة واكتسحت ميدان الكتابة التاريخية، وبالخصوص بعد ثمانينيات القرن العشرين؛ إذ دافع الكثير من المؤرخين الجدد عن البيوغرافيا لكي تأخذ مكانتها ضمن هذه الكتابة، باعتبارها من المجالات الأكثر خصوبة في البحث التاريخي، بل إن أفق التاريخ اتسع بفضل المقاربات المعرفية المتعددة التي سعت إلى التقريب بينها، وبين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والنقد الثقافي، باعتبارها حقولً معرفية متداخلة1. أصبحت سير حياة الأشخاص تمارس إغراء حقيقيًا للقراء والباحثين، إذ توقعهم في شراك سحر أحداثها، وتحرك فضولهم للاطلاع على التفاصيل الحميمية والأسرار الممتعة لحيوات شخوصها. ولا أنكر وقوعي تحت سطوة بعض من هذا السحر عندما التقيت صدفة بسيرة الشخصيتين، موضوع هذه الدراسة، حين مطالعتي إحدى كُنّاشات المؤرخ المغربي محمد بن علي الدكالي (1868 - 1945)، وهو، حسبما نعتقد، أول من اهتدى إلى الربط بين هاتين الشخصيتين، بعد اطلاعه على مقالة2 نشرها الأب اليسوعي هنري لامنس Lammens Henri3. قدم خلالها ملخصًا للكتاب الذي صدر ببلجيكا في السنة التي قبلها حول سيرة الراهب نيكولاس كلينرد Clénard Nicolas الذي يعد أول مستعرب بلجيكي سعى لتعلم اللغة العربية. وعندما وقف الدكالي على حديث كلينرد عن أستاذه العربي الذي علَّمه اللغة العربية اكتشف أن هذا الأستاذ هو الفقيه التونسي الشهير محمد بن خروف4. كان هذا الإغراء حافزًا لإنجاز هذه الدراسة التي تسعى للكشف عن أسرار اللقاء الفريد والمثمر الذي جمع بين راهب وفقيه في أواخر العصور الوسطى، حين كانت العلاقة بين العالمين الإسلامي والمسيحي يطبعها الكثير من العداء والكراهية، كما تسعى للبحث في طبيعة العلاقة المعرفية والإنسانية التي جمعت بينهما، ومحاولة الكشف عن أجوبة لأسئلة ما زال يلفها الغموض من قبيل الظروف التي ساهمت في لقاء علَمين من ثقافتين مختلفتين، وطبيعة العلاقة التي جمعت بينهما في ضوء مفارقة غريبة: سيد/ تلميذ وعبد/ أستاذ، ومدى قدرة أحدهما على التأثير في الآخر. يمكن القول إن تجربة الإنسي5 البلجيكي نيكولاس كلينرد فريدة في بابها، فهو أول راهب أوروبي قرر دراسة اللغة العربية وقصد المغرب لهذا الغرض، يقوده حلم إنشاء كرسي لتدريس اللغة العربية بجامعة لوفان Leuven في بلجيكا. وقد كان، بحق، شخصًا موهوبًا كرس اثنتي عشرة سنة من حياته لتحقيق مشروعه الطموح، في ضوء غياب تام للوسائل الداعمة والإمكانات المساعدة. ولأجل ذلك حظي باهتمام واضح في الأوساط العلمية الأوروبية التي أنجزت عددًا مهمًا من الدراسات حول حياته وأعماله، أهمها البيوغرافيا التي أنجزها، بالتعاون، المستشرق فيكتور تشوفين Chauvin Victor وعالم اللاتينيات ألفونس رورش Roersch Alphonse بعنوان "دراسة

  1. لمزيد من التفصيل حول علاقة السير بالتاريخ انظر: خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.)
  2. هنري لامنس، "درس العربية بأوروبا في القرن السادس عشر"، المشرق، العدد 22 (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1901)، ص  1029 - 1033؛ هنري لامنس، "درس العربية بأوروبا في القرن السادس عشر"، المشرق، العدد 24 (15 كانون الأول/ ديسمبر 1901)، ص 1115  -  1120.
  3. هنري لامنس (1862 - 1937)، مستشرق بلجيكي المولد فرنسي الجنسية. من علماء الرهبان اليسوعيين. عاش معظم حياته في بلاد الشام.
  4. محمد بن علي الدكالي، كناشة مخطوطة، ميكروفيلم رقم 22، الخزانة العامة بالرباط، ورقات من رقم 17 إلى رقم 22.
  5. نسبة إلى الحركة الإنسية، وهي حركة ثقافية وفنية أوروبية تعود إلى عصر النهضة. وتتميز بإيمانها بالإنسان، والاهتمام بجميع أشكال المعرفة، وإعادة اكتشاف الأدب القديم، إضافة إلى الاعتناء بدراسة اللغات القديمة.

حول حياة وأعمال نيكولاس كلينرد"6، والتي شكلت المصدر الأساس لهذه الدراسة. وفي الصورة المقابلة نجد أن ابن خروف لم يكن أقل هِمَّة وطموحًا، إذ رحل إلى المشرق وتزود من علوم المنطق والأصول والكلام التي كانت قد اندرست معالمها في المغرب الكبير، وشكل بذلك نموذجًا نادرًا لفقهاء أواخر العصور الوسطى الذين لم يغرقوا في تفاصيل الفروع، ولم يشيحوا بوجوههم عن غيرها من العلوم. يتعلق الأمر إذًا بعلمين كبيرين ساقهما القدر إلى لقاء تاريخي أسفر عن حالة من التثاقف غير معهودة في ذاك العصر. ومع ذلك فقد ظل كل منهما مجهولً بالنسبة إلى الثقافة الأخرى، فكلينرد لم يحظ بأي عناية في الدراسات العربية7 عكس الأوروبيين الذين أنجزوا عنه عددًا مهمًا من الدراسات والأبحاث. ونفس الأمر حصل مع ابن خروف الذي لم ينل أي اهتمام من الدارسين الغربيين. وحسبما وقفنا عليه، فإننا نرجح أن الورقة التي قدمها فان كونيكسفيلد في الندوة الدولية التي نظمتها مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس سنة 1998، هي الدراسة الأوروبية الوحيدة التي خصصها باحث أوربي لابن خروف8. إن اللقاء الذي جمع بين كلينرد وابن خروف أحدث تقاربًا نفسيًا عميقًا، رغم الشقة التي تمتد بينهما على مسافة تاريخية طويلة من الصراع والكراهية. لقد أقاما على تخوم ثقافتين متصارعتين، وتنقلا، واحد اختيارًا والثاني إجبارًا، بين عالمين متناقضين دينيًا وحضاريًا. ومن المؤكد أن هذا الوضع أثر عميقًا في صياغة مواقفهما النفسية وتشكيل رؤاهما الفكرية. لكن من الطبيعي أن العيش على الحدود يُولّد الكثير من الحذر وعدم الثقة، وهو ما يدفع المرء إلى إعمال مبدأ التقية، فيفصح عن نيات ومعتقدات ويضمر أخرى، فتحجب الغيوم أمام الدارس كثيرًا من تفاصيل حياته، وخصوصًا أفكاره الحميمة ومعتقداته الشخصية. وهذا ما جعلنا نلاحظ اختلافًا واضحًا بين روايتي الرجلين اللتين سرداهما لأهل مِلَّتهِمَا: الراهب يتحدث عن مشروعه التنصيري الذي يريد أن يُجنِّد له كل وسائل الدعم، أما الفقيه فيخبر بإسلام النصراني، وأنه اضطر إلى إخفاء إيمانه تجنبًا لسقوطه في أتون المحرقة.

نيكولاس كليرد: رحلة البحث عن درس العربية

ولد كلينرد، كما أخبر في إحدى رسائله، في 5 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1493 أو 1494 في دييست Diest؛ قرية صغيرة غرب مدينة برابنت Brabant في الأراضي المنخفضة، من عائلة غنية متنفذة وذات يد مع أصحاب السلطة. وأرسلته أسرته حين كان صبيًا إلى مدينة لوفان لمتابعة تعليمه، فأنهى دراسته الجامعية بتفوق متخصصًا في اللغات القديمة والشرقية: اللاتينية والإغريقية والعبرية والكلدانية. ومثل أغلب الطلاب آنذاك التحق بالدراسات اللاهوتية لينخرط في سلك رجال الدين، لكنه لم يكن يميل إلى المناصب الكنسية، فقد كان طموحه متعلقًا بمزيد من التحصيل العلمي، وخاصة دراسة اللغات القديمة التي كرس لها كل جهوده9، متأثرًا بالجو العام في

  1. Victor Chauvin & Alphonse Roersch, Étude sur la vie et les travaux de Nicolas Clénard (Bruxelles: Hayez, 1900). تناول المؤلفان سيرة حياة كلينرد ومراحل تعلمه اللغة العربية، إضافة إلى بيبليوغرافيا كاملة لأعماله. وقد استطاعا إعادة بناء سيرة كلينرد انطلاقًا من رسائله المكتوبة باللاتينية، والتي كان يرسلها لأصدقائه في أنحاء أوروبا. وكانت هذه الرسائل قد جمعت بعد وفاته ونشرت في خمس مناسبات منفصلة في الفترة 1550  -  1606. ثم أعاد ألفونس رورش نشرها في: Alphonse Roersch, Correspondance de Nicolas Clénard , vol. 3 (Bruxelles: Palais des Academies, 1940 - 1941). حيث قام بتحقيق هذه الرسائل وترجمتها إلى الفرنسية. وبلغ عدد الرسائل التي نشرها أربعًا وستين رسالة، أربع عشرة منها لم يسبق نشرها. ثم أنجز دراسة شاملة لهذه الرسائل التي تغطي الفترة 1528  -  1542.
  2. الغريب أن الدراسات باللغة العربية حول هذه الشخصية منعدمة، باستثناء المقال الذي نشره الأب هنري لامنس (وهو ليس بعربي)، والمشار إليه سابقًا، انظر: لامنس. أما في مصادر التاريخ المغربي فلا نكاد نعثر على أي أثر لكلينرد رغم أنه أقام في فاس أكثر من سنة ونصف.
  3. P.S. Van Koningsveld, "Mon Kharouf: quelques remarques sur le maître tunisien du premier arabisant néerlandais, Nicolas Clénard (1493 - 1542) ," in: Abdeljelil Temimi (ed.), Nouvelles approches des relations islamo-chrétiennes a l’epoque de la Renaissance (Zaghouan: Fondation Temimi pour la Recherche Scientifique et l'Information, 2000), pp. 123  -  141.
  4. Chauvin, p 7.

الأراضي المنخفضة حيث كانت أفكار الحركة الإنسية قد اخترقت المدارس والكليات، وكان ديديي إيرازم10Érasme Didier المنتقد العنيف لسلوك رجال الدين قد أوجد تيارًا فكريًا واسعًا يمقت حياة الرهبان، ويؤمن بأهمية التعليم، وخصوصًا تعليم اللغات القديمة. حصل كلينرد سنة 1520، وهو ما زال في ريعان شبابه، على إذن لتدريس اللغتين الإغريقية والعبرية في أحد المعاهد، وهي المهمة التي تفوَّق فيها على أقرانه، بل "صنَّف في أصول هذه اللغات كُتبًا عوَّل عليها العلماء فجعلوها ركنًا للتعليم في المدارس والكليات، وبقيت بعد مؤلِّفها نحو مئة سنة يُرجع إليها دون غيرها"11. ثم رُسِّم كاهنًا سنة 1527، غير أنه أ جبر، منذ ذلك الحين، على مواجهة محاكمات طويلة ومؤلمة12. وكان قد بدأ في هذه المرحلة تعلمه الذاتي للغة العربية، وشعر بجاذبية شديدة نحوها كما صرح في بعض رسائله. وبدأت قصته مع هذه اللغة بالضبط سنة 1521، حسبما أكده رورش في مقدمة كتابه المذكور سابقًا، بعد حصوله على نسخة مطبوعة لأجزاء من الكتاب المقدس (مزامير داوود) مكتوبة بخمس لغات هي اليونانية والعبرية والكلدانية والعربية، إضافة إلى ترجمة لاتينية. ومنذ النظرة الأولى أثارته هذه اللغة الجديدة، فقد كان يجهل تمامًا أبجدياتها، ولم يكن قد سبق له قط أن سمع أحدًا يقرأها أو يتكلم بها. وفي لحظة نشوة وإعجاب، قرر أن يتعلم هذه اللغة. كان النص المكتوب بخمس لغات وسيلة فعالة بيد كلينرد لتحقيق هدفه. ويشرح في رسالته التي بعثها من غرناطة إلى الإمبراطور الإسباني شارل الخامس V Charles سنة 1542، تفاصيل الجهود المضنية التي بذلها لتعلم هذه اللغة13. لقد لاحظ أن أسماء الأعلام والأماكن الجغرافية تكتب وتنطق تقريبًا بنفس الكيفية في اللغتين العبرية والكلدانية، وافترض أن الأمر كذلك في اللغة العربية، بما أنها تشترك مع اللغتين السابقتين في الأصل السامي. ثم لاحظ أن قراءة العربية تكون من اليمين إلى اليسار مثل العبرية، فتوسَّل بهذه الأخيرة التي ظنَّها قد تنير له بداية الطريق. ولتصبح المقارنة ممكنة بين اللغات التي كان يتقنها جيدًا وبين العربية، اختار المزمور الثالث والثمانين14، الذي تعددت فيه أسماء الأعلام، ليكون نقطة الانطلاق لفك شيفرة هذه اللغة الغريبة، فجعل يقابل بين كلمات الآيات وحروفها، متسلحًا بالمثابرة المستميتة، ومواصلة العمل ليل نهار، حتى عثر على ما سماه "كنزه" الذي لم يكن سوى كلمة "إسماعيليين" والتي بفضلها تمكَّن من التعرف إلى بعض الحروف الهجائية الأولى15 مثل "السين واللام والميم". ثم استطاع قراءة بعض الكلمات التي تشبه مثيلاتها في العبرية، من حيث نطقها وعدد حروفها مثل: "نفس، وسلام، ولسان"، بل اكتشف بعض القواعد البسيطة لهذه

  1. ديديير إيرازم (1469 - 1536)، عالم لاهوت هولندي من أشهر رواد النهضة الأوربية. تلقى تعليمًا دينيًا، وقام برحلات كثيرة في أوروبا فحصّل معارف كثيرة، مكنته من أن يلقب بأمير الإنسيين. ومن أهم كتبه "مدح الحماقة" الذي كتبه سنة 1511.
  2. ألف كلينرد ابتداء من سنة 1529 كتابًا في قواعد العبرية أعيد طبعه أكثر من ست وعشرين طبعة، ونشَر في نفس السنة كتابًا حول اليونانية، انظر: لامنس، ص 1030.
  3. Abel Lefranc, "Nicolas Clénard, Humaniste Belge, et les Commencements du Collége de France," Humanisme et Renaissance , vol. 7 , no. 3 (1940), pp. 253  -  269.
  4. لمزيد من التفصيل حول الجهود الشخصية التي قام بها كلينرد لتعلم اللغة العربية، انظر المقال الذي أنجزه كودفروا دو كالاتاي أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بمعهد الدراسات الشرقية بالجامعة الكاثوليكية في لوفان: Godefroid de Callatay, "Apprendre l’arabe en autodidacte est possible: Nicolaus Clenardus l’a fait au 16 ème siècle et il nous explique comment," Acta Orientalia Belgica , XXV (Bruxelles & Leuven: Société Belge d'Etudes Orientales, 2012), pp. 9 - 30 , accessed on 1 / 4 / 2019 , at: http://bit.ly/ 2 WaFYZH
  5. يقول المزمور، بحسب النص العربي المنشور في الكتاب الذي اعتمده كلينرد: "اللهم لا تصمت، لا تسكت، ولا تهدأ يا الله. فَهُوَ ذا أعداؤك يعجون ومبغضوك قد رفعوا الرأس على شعبك. مكروا مؤامرة وتشاوروا على أحميائك. قالوا تعالوا نبدهم من الأمم ولا يُذكر بعدُ اسم إسرائيل. تآمروا جميعًا متفرقين بقلوبهم، وتعاهدوا عليك عهدًا. مساكن الأدوميين والإسماعيليين، مؤاب والهاجريون. جابال وعمان وعماليق. فلسطين مع ساكني صور. وأيضًا أشور ساعدوهم. وصاروا أنصارًا لبني لوط."
  6. هناك، في هذا المزمور، حشد من الكلمات التي ستكون مفيدة لي: إسرائيل، الأدوميون، الإسماعيليون، مؤاب، الهاجريون، وشعوب أخرى أصبحت تابعة الآن لمحمد. اعتقدت أنها يمكنها مساعدتي في تعلم اللغة العربية، لاستخدامها يومًا ضدهم وذبحهم بسيفهم". من رسالة إلى المسيحيين كتبها كلينرد بفاس سنة 1541، انظر: Callatay, p. 16.

اللغة. غير أنه كان ما يزال يجهل قواعد استخدام هذه الكلمات "وكثيرًا ما كان يكتفي بالنظر إلى تركيب الكلمة ضاربًا الصفح عن حركاتها مثله في ذلك مثل الأخرس الذي يدرك معنى الشيء بمجرد نظره إليه ولو لم يعرف النطق به"16. بعد هذه النجاحات الشخصية المشجِّعة، اقتنع كلينرد بضرورة البحث عن أستاذ متمكن يفتح له مغاليق هذه اللغة، فرحل إلى فرنسا سنة 1530 لهذا الغرض، غير أنه "وصل إلى باريس متأخرًا جدًا أو مبكرًا جدًا؛ متأخرًا لأن في سنة 1519 كان فرانسوا الأول I François قد استدعى من جنوة الأسقف أوغسطين جوستنياني Justinien Augustin لتعليم اللغتين العبرانية والعربية في أحد معاهد باريس، لكن الأسقف المذكور لم يقم في فرنسا إلا سنتين ثم عاد إلى موطنه سنة 1522 [...] ومبكرًا لأن كرسي العربية لم يتم اعتماده رسميًا في كوليج دي فرانس France de College إلا في سنة 1587 من طرف هنري الثالث III Henri "17. ولما لم يجد مبتغاه عاد من رحلته الفرنسية فقط ببعض المال من عائدات بيع كتبه. عاد إلى لوفان إذًا من دون أن يخطو خطوة جديدة في مشروعه. وكانت الأجواء المحيطة به غير مريحة، في ضوء تنامي العداء للإنسيين والبروتستانت ومدرِسّي اللغات. وشعر أنه لم يعد هناك ما يربطه ببلده، إذ تزايدت سطوة محاكم التفتيش، التي انتقد انتهاكاتها بمرارة، في ظل حكم شارل الخامس الذي لم يكن يتساهل أبدًا مع المنشقين، وأصدر أحكامًا بالغة القسوة ضد البروتستانت، والذين كان منهم الكثير من معارف كلينرد وأصدقائه. ثم كان لحرمانه من الحصول على منصب في كلية اللغات الثلاث trilingue Collège بسبب معارضة عميدها، أثر عميق في شعوره بأنه لم ينل ما يستحقه؛ فقد ظل محاضرًا بسيطًا، في حين أن نجاحه الباهر في التدريس ومنشوراته حول اليونانية والعبرية، كانا يذكيان طموحه لينال كرسيًا في كلية بوسليدين Busleiden خلفًا لكامبنسيس Campensis الذي استقال، وعُيّ مكانه أستاذ آخر كان أقل شهرة من كلينرد. كل هذا، إلى جانب رغبته في درس العربية، سيدفعه إلى اختيار الاغتراب والرحيل نحو إسبانيا التي كان قد بلغ إلى مسامعه أن بعض كلياتها تدرّس العربية. لقد ارتبط اختيار كلينرد إسبانيا وجهة لرحلته بسببين: أولهما أن أحد طلبته كان قد أخبره أن كلية سلامنكا Salamanque خصصت كرسيًا لتدريس اللغة العربية. وثانيهما لقاؤه الحاسم بفرناند كولومب Colomb Fernand (ابن المكتشف كريستوف كولومب Colomb Christophe) الذي كان يسعى إلى إنشاء مكتبة كبيرة في إشبيلية، فعرض على كلينرد الإشراف على تنظيمها ضمن عقد مدته ثلاث سنوات18. رحل كلينرد مع كولومب في اتجاه إسبانيا سنة 1531. وبدل إشبيلية، اتجها إلى سلامنكا، وما إن دخلاها حتى توجه كلينرد إلى كليتها ينشُد درس العربية، لكنه لم يجد ضالته، إلا أنه أ خبر أن أستاذ الإغريقية نونيوس Nonius مهتم بالعبرية والكلدانية والعربية. فقصده على وجه السرعة ليتخذه معلمًا له، ورغم أن هذا الأستاذ حاول ثنيه عن مشروعه، فإنه ظل مصممًا على تعلم هذه اللغة مهما تجشم في سبيلها من صعاب. كان نونيوس قد تعلم العربية على يد فخّاري عربي في إشبيلية، إلا أنه كان قد أهملها منذ مدة طويلة. وكانت خزانته تتوفر على بعض الكتب العربية، فأعار تلميذه كتاب الإنجيل مضبوطًا بالشكل الكامل، فكان في يده أثمن من الكنز في يد البخيل. وانكبَّ على مطالعة الفصل الأول منه، حيث سلسلة نسب المسيح التي تورد عددًا من الأعلام. فاكتشف حروف العلة وتعرَّف الحركات والضوابط كالهمزة والشدَّة، وتمكن أخيرًا من القراءة. واستمر مثابرًا على المطالعة والدرس حتى تعرَّف تراكيب الألفاظ وبعض قواعد تصريف الأفعال.

  1. لامنس، ص 1032.
  2. Chauvin, p. 16.
  3. Ibid., p. 23.

ثم بدأ مع أستاذه دراسة "الآجرومية" التي كان نونيوس قد اعتمدها في دراسته القديمة، وحاول أن يفسرها لتلميذه، لكن كلينرد أدرك أنَّ هذا الكتاب إذا كان يصلح للعرب، فهو قطعًا غير مفيد للأوروبيين، وآثر عليه كتاب المُفصَّلللزّمخشري الذي عثر عليه بين كتب نونيوس. ولم يقتصر على ما يتلقاه من أستاذه، بل اعتمد على جهوده الخاصة ومساعدة بعض البلجيكيين المقيمين بالمدينة في ترجمة بعض الشروحات باللغة الإسبانية التي كان كلينرد يجهلها. ومع كامل امتنانه لأستاذه، الذي عبر عنه في رسائله، فإنه وَث ق في جهوده الشخصية وفي معلميه الخُرس (الحروف والكلمات). وتابع دراسته وحده مدة تسعة أشهر، فعكف على نص الإنجيل يفك رموز اللغة ويستخلص قواعدها، حتى وجد من نفسه القدرة على تدريس هذه اللغة في المدارس، ووضع قاموسًا بالكلمات الواردة في الإنجيل، وفكَّر في وضع كتب مدرسية لتعليم الأوروبيين، فاقترح على بعض أصحاب المطابع إنشاء حروف عربية تمكنه من نشر أعماله19. وبعيدًا عن جهود كلينرد لتعلم اللغة العربية ظلت حياته في سلامنكا غامضة. فكل ما ذكره في رسائله أنه سارع إلى التخلي عن عقده مع كولومب واختار الاستقرار في المدينة، وأنه تولّ تعليم ابن شقيق ملك نابولي مدة لم يحددها بدقة، ثم شرع يعطي دروسًا خصوصية في اليونانية معتمدًا أسلوبًا جديدًا جعلها تحظى بإقبال كبير. وأمام هذا النجاح عُرض عليه منصب بكلية سلامنكا، لكن في هذا الوقت بالضبط كان قد تلقى عرضًا من ملك البرتغال جون الثالث III John ليقوم بوظيفة تعليم أخيه الأمير هنري Henry الذي سيصبح لاحقًا ملك البرتغال. وكان ناقل هذا العرض يعرف نقطة ضعف كلينرد، فأعلَمه أن في مدينة إيفورا Évora، حيث مقر الأمير، يقيم طبيب عالم بالعربية، اسمه أنطونيوس فيليبوس Filippos Antonius، كان يقرأ للأطباء العرب بلغتهم الأصلية20. في البرتغال، تعمقت دراسة كلينرد للغة العربية، فهناك بدأ كتابة الحروف وتمكن من إثراء معجمه اللغوي. ولا شك في أنه وجد الوقت الكافي لممارسة هوايته، فدروس الأمير كانت تقتصر على ساعة واحدة في اليوم، هذا إضافة إلى أيام الأعياد والمناسبات ورحلات الأمير للصيد، التي كانت أيام عطل بالنسبة إلى كلينرد. كان يجد ضالته عند أنطونيوس، وبالرغم من كبر سن هذا الأخير وثقل سمعه، فقد توطدت صداقتهما وعكفا على دراسة كتب ابن سينا في الطب. وكان لهذه النجاحات والحماسة صدى في مراكز التعليم بأوروبا، فعرضت عليه جامعة فيينا إنشاء كرسي للغة العربية، لكنه رفض العرض لأنه كان ينوي الرجوع إلى لوفان وتأسيس الدراسات العربية هناك21، بعد أن يحصل على تكوين لغوي عميق. ولأجل ذلك لم تغره الأخبار التي تحدثت عن إمكانية ترشيحه ليصبح كاردينالً، بل كان يضحك من الأمر قائلً: "لا يمكن الحصول على شيء من روما "22. ومهما كان دور أستاذيه الأوروبيين، نونيوس وأنطونيوس، فإن معلوماتهما حول اللغة العربية كانت لا تتجاوز حد المبتدئ، وهو حد لم يكن ليرضي كلينرد الذي أخذ يبحث بجد عن أستاذ عربي أصيل يعرف جيدًا قواعد هذه اللغة ويحسن نطقها. وكان هذا المسلك معروفًا لدى بعض الأوروبيين آنذاك، فقد سبق لبعض المهتمين بتعلم العربية أن اتخذوا عبيدًا عربًا لهذا الغرض23. قرر كلينرد الرحيل للبحث عن هذا المعلم المفترض، وأ خْبِ أن في سرقسطة عبدًا عربيًّا متضلعًا باللغة العربية. ورغم محاولة الأمير البرتغالي ثنيه عن المغادرة مقترحًا عليه إنشاء كرسي للعربية بكلية كومبري Combre، فإنه اعتذر عن ذلك وقرر المغادرة باتجاه سرقسطة

  1. Ibid., pp. 122 - 123
  2. Ibid., p. 29.
  3. Ibid., p. 126.
  4. Ibid., p. 36.
  5. يمكن أن نذكر في هذا الصدد ريمون لول Lulle Raimond، وهو فيلسوف وراهب فرانشسكاني كتالاني شديد الإيمان بالمسيحية إلى حد الهلوسة الدينية. كانت تحدوه رغبة جامحة في تحويل المسلمين إلى المسيحية، فقرر تعلم اللغة العربية لتحقيق مشروعه التنصيري، واشترى عبدًا عربيًا وأرغمه على تعليمه العربية والدين الإسلامي مدة تسع سنوات. وكان يضربه ويهينه، وفي أحد الأيام وأثناء نقاشهما، "جدَّف هذا العبد بحق المسيح"، فكان مصيره الموت، لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى: Ernes Renan & Haureau Barthelemy, Histoire littéraire de la France , vol. 29 (Paris: G. p. Gaston and L.D. Léopold Delisle, 1885).

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1538. وفي طريقه عَل م أن الفخّاري العربي الذي علَّم أستاذه الأول نونيوس ما زال على قيد الحياة، فاتجه رأسًا إلى إشبيلية حيث يعيش والتمس منه أن يعلمه العربية، غير أن الفخّاري أعرض عنه وتجاهله، ولم يكن يجيب عن أسئلة زائره خوفًا من إثارة انتباه محاكم التفتيش التي كانت تحصي الأنفاس على بقايا العرب خلال تلك الفترة الحرجة. فما كان منه إلا أن قصد سوق العبيد فوجد بينهم رجلً تونسيًّا يزعم معرفته الجيدة بهذه اللغة، فابتاعه كلينرد واتخذه معلمًا له مقابل أجرة معلومة. غير أن خيبته كانت كبيرة لأنه بعد ثمانية أيام أرسل أهل هذا التونسي فديته وافتكُّوهُ من أسره، وحرموا بذلك التلميذَ مُعلِّمَه. ولكن هذا المعلم قبل رحيله، دلَّ كلينرد على عبد تونسي آخر يعيش في ألمرية، وزعم له أنّه من كبار العلماء، وأنه متمكن جدًا في العلوم الدينية واللغوية. كانت الأيام الثمانية التي قضاها كلينرد مع معلمه العربي الأول كافية ليستيقن دور مثل هذا المعلم لتطوير دراسته العربية، فرحل على عجل إلى غرناطة، وقدم نفسه لنائب الملك بالمنطقة، لويس دي مندوزا Mendoza de Luis حاكم المورسكيين (مركيز الموندخار)، الذي رحب به واستقبله استقبالً جيدًا، ووافق على مساعدته لشراء "عبد ألمرية". وكان أصحاب هذا العبد قد حددوا سعره بمئة دوقة. وقرر كلينرد السفر بنفسه إلى ألمرية، على الرغم من قساوة الجو في ذلك الشتاء الاستثنائي، وخطورة الوقوع في أيدي الموريسكيين الثائرين في شعاب تلك الجبال الوعرة. وهناك وجد أن أصحاب العبد رفعوا سعره إلى ثلاثمئة دوقة. ولحسن الحظ فإن المركيز وابنه كانا يرغبان في تعلم اليونانية، فأعانه على شراء العبد بشرط أن يبقى كلينرد في غرناطة من أجل تعليمه وابنه اليونانية24. وصرّح كلينرد بأنه عثر على كنز لا يقدر بثمن25، لأن هذا العبد الذي لم يكن في النهاية سوى العالم التونسي محمد بن خروف، ساعده كثيرًا في مشروعه، فقد علّمه كيف يتحدث اللغة العربية بطلاقة، وكيف يكتبها بشكل صحيح، ونسخ له المخطوطات العربية بما أنه لم يكن في إمكانه شراؤها بسبب مصادرتها من قبل محاكم التفتيش. كما تعرّف بمساعدته إلى القرآن والإسلام أكثر فأكثر. فمن هو ابن خروف؟ وكيف وصل إلى إسبانيا؟

محمد بن خروف التونيس: محنة الأسر والعبودية

لا تسعفنا المصادر العربية كثيرًا في استعادة تفاصيل سيرة محمد بن خروف التونسي، خصوصًا في ضوء غياب التراث المكتوب الذي خلَّفه هذا العالم الكبير. والمعلومات التي تضمنتها هذه المصادر لا تنير كثيرًا من مسار حياة هذا الفقيه الذي انتقل بين عوالم مختلفة أكسبته، لا شك، ثقافة غزيرة. ومع أن ترجمته وردت في عدد كبير من كتب الفهارس والتراجم، فإن المعوَّل أساسًا على ما ورد في أربعة منها، لأن ما سواها لا يتجاوز النقل الحرفي عن هذه المصادر الأربعة، وهي: فهرسة أحمد المنجور26، وفهرسة عبد الواحد الحسني السجلماسي27، وكتاب جذوة لاقتباسلابن القاضي28، ثم نشر المثانيلمحمد بن الطيب القادري29. خص المنجور، وهو تلميذ ابن خروف، شيخه بترجمة متوسطة ضمت معلومات مفيدة حول هذا الشيخ، والعلوم التي درَّسها، إضافة إلى معلومات انفرد بها عن فترة أسره وقدومه إلى فاس. بينما أورد السجلماسي نص إجازة ابن خروف لوالده، وهي وثيقة

  1. Chavin, p. 127.
  2. Ibid., p. 128.
  3. أحمد المنجور، فهرس أحمد المنجور، تحقيق محمد حجي، سلسلة الفهارس 1 (الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1976)، ص 15، 69  -  71.
  4. عبد الواحد الحسني السجلماسي، الإلمام ببعض من لقيته من علماء الإسلام، تقديم وتحقيق نفيسة الذهبي (الرباط: مطابع الرباط نت، 2008)، ص 79  -  84.
  5. أحمد بن القاضي المكناسي، جذوة لاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس، ج 1 (الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973)، ص 322  -  323.
  6. محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق، سلسلة التراجم 3، ج 1 (الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977)، ص 91.

ذات أهمية كبرى، لكونها أحد النصين اليتيمين اللذين نتوفر عليهما الآن مما خلفه ابن خروف، إلى جانب النص الثاني الذي ورد في إحدى كناشات المؤرخ المغربي محمد بن علي الدكالي منقولً عن رحلة ابن خروف المفقودة. في حين انفرد محمد بن الطيب القادري بمعلومة مفادها أن ابن خروف اتخذ بفاس دكانًا للشهادة من أجل كسب قوته. وذكر ابن القاضي أنه "كان إذا كتب إلى المريني (المقصود السلطان أحمد الوطاسي الذي افتكه من الأسر) وراسله كتب إليه: معتق إيالتكم خروف. قلت (أي ابن القاضي): ولما اتفق لي أسر وخلصني منه أحمد المنصور الشريف الحسني (السعدي) خلد الله ملكه، ونظم في الصالحين سلكه، مثل ما اتفق لهذا الرجل فاقتديت به، وصرت أكتب في مخاطباتي له ولغيره: معتق إيالة مولانا أيده الله بمنه"30. أما باقي المؤلفات التي ذكرت ابن خروف فهي تكتفي بنقل ما ورد في هذه المصادر الأربعة ولا تقدم أي إضافة. وبحسب بعض المصادر فإن ابن خروف خلف كتابين عبارة عن فهرسة ورحلة. ويذكر عبد الحي الكتاني أن له سند رواية متصل بالكتابين، فهو يرويهما "من طريق القصار والمنجور وابن عبد الجبار الفجيجي الثلاثة عنه (أي ابن خروف)"، ولكنه يشير إلى أنه وقف فقط على "بعض" من كتاب الرحلة التي يصفها بأنها "رحلة واسعة"31، في حين لا يذكر معرفته بالفهرسة. ومن المعلوم أن رواية الكتاب في الثقافة الإسلامية لا تعني بالضرورة اطلاع الراوي على الكتاب، وإنما قد يكون أ خبر به فقط من قبل شيوخه. ونصوص الإجازات تحمل الكثير من العبارات الدالة على هذا المعنى. ولذلك فإن ما هو مؤكد عندنا هو اطلاع الكتاني على كتاب واحد فقط لابن خروف نعته ب "الرحلة". والراجح أنها نفس الرحلة التي وقف عليها محمد بن علي الدكالي بعد استعارتها من الكتاني. هذا ما يدل عليه قول الدكالي: "وقال ابن خروف في رحلته بعد كلام سبق له في كيفية دخول الإسبان لمدينة تونس وكيفية الاستيلاء عليها غدرًا، وأسره في جملة من أُسر بعدما أمَّنهم ملكها الحسن الحفصي ها هناك ما نصه: [...]". ثم أضاف الدكالي: "[...] من خط المؤلف من مبيضة رحلته رحمه الله المسوقة من فاس إلى سلا حرسها الله بمنه"32. ولعل هذه القطعة هي التي أشار محمد المنوني إلى وجودها بالخزانة العامة بالرباط، والتي قال بخصوصها في كتابه المصادر العربية: "فهرسة خروف التونسي[...]الموجود قطعة منها ب خ ع (أي الخزانة العامة، وهي المكتبة الوطنية حاليًا)، تحت رقم: ح 135. ومن موضوعاتها حديث المؤلف عن أسره ثم افتكاكه على يد أبي العباس الوطاسي، حيث أقام بفاس يفيد ويستفيد"33. وكان ابن خروف أشار إلى فهرسته هذه ضمن إجازته والد عبد الواحد السجلماسي صاحب كتاب "الإلمام"، فذكر أنه صنف فهرسة كبرى ضاعت أثناء احتلال الإسبان لتونس فكتب أخرى ملخصة سماها ب "العجالة"34. نعتقد إذًا أن الأمر يتعلق بكتاب واحد لا بكتابين، وإنما جاء الخلط بسبب وصف هذا الكتاب تارة بالفهرسة وأخرى بالرحلة. ومهما يكن، فإن هذه القطعة تعدّ الآن في حكم المفقود. وهذا من سوء حظنا لأننا فقدنا مصدرًا ثمينًا كان قمينًا بمدّنا بمعلومات قد تكون نفيسة حول سيرة صاحبه، ولم يبق بأيدينا سوى مصادر قليلة وغير ذات قيمة كبيرة. وقد أشرنا سابقًا إلى أن الترجمة التي قيدها أحمد المنجور تلميذ ابن خروف، تظل هي المصدر الأكثر غنىً من حيث المعلومات المفيدة لنا في محاولة إعادة بناء هذه السيرة. ووصف المنجور أستاذه

  1. المكناسي، ص 323.
  2. عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، اعتنى به إحسان عباس، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982)، ص 375  -  376.
  3. الدكالي، ورقة 22.
  4. محمد المنوني، المصادر العربيةلتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى العصر الحديث، ج 1 (الرباط: جامعة محمد الخامس منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1983)، ص 123. غير أن الباحث البلجيكي فان كونكسفيلد الذي أنجز دراسة عن ابن خروف أكد أن الرقم الذي ذكره المنوني ليس صحيحًا، وأن محاولاته المتكررة، بمساعدة بعض أصدقائه المغاربة، للبحث عن المخطوطة بالخزانة العامة باءت بالفشل، انظر: Koningsveld, p. 127.
  5. فأخذت علم الحديث عن خلق كثير يطول ذكرهم، قد ذكرناهم في فهرستنا المسماة بالعجالة التي كتبتها من حفظي بمحروسة فاس أتأنس بها. وأما الفهرسة الكبرى فضاعت في جملة الكتب حين أُخذت تونس". انظر: السجلماسي، ص 83.

ب "الشيخ الفقيه النحوي البياني الأصولي الكلامي المفسر الأديب"، وأيضًا "شيخنا المعقولي الأديب المتفنن الحاج الرحال أبو عبد الله محمد بن خروف الأنصاري التونسي"35. وهذه الأوصاف تتكرر في جميع المصادر الأخرى التي ترجمته أو ذكرته في سياق ترجمات أخرى. لقد اشتهر ابن خروف بتمكنه من علوم المعقول والأصول كالمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه والتفسير، إضافة إلى علوم اللغة من نحو وبيان وأدب. وفي الوقت الذي اقتصر فيه أغلب فقهاء فاس حينئذ على فقه الفروع، كان هو من بين العلماء المعدودين الذين اهتموا بعلوم الأصول والمنطق والبيان، بفضل رحلاته إلى المشرق حيث كانت سوق هذه العلوم نافقة وتجارتها رابحة، فدرس على يد شيوخ كبار في بلاد مصر وأرض الحرمين أمثال الشيخ ناصر الدين اللقاني المصري وأخيه شمس الدين، والشيخ شمس الدين الحطاب الطرابلسي، وشهاب الدين النشيلي القاضي بمكة، وأبي الحسن البكري، وشمس الدين محمد بن عراق، وطاهر بن زيان القسنطيني المديني، وكمال الدين الطويل قاضي قضاة مصر، وغيرهم كثير. هذا إضافة إلى شيوخه التونسيين كأبي عبد الله محمد بن مغوش، والفقيه القاضي أبي العباس سليطن، والفقيه الشريف بن علي، والفقيه المفتي أبي محمد حسن الزنديوي، والفقيه المعقولي الصوفي أبي عبد الله محمد الخونجي. وفي سنة 1535 امتُحن بالأسر بعد حملة شارل الخامس على مدينة تونس واستباحتها، فنُقل إلى إسبانيا حيث مكث ست سنوات، قبل أن يتم فداؤه من طرف سلطان المغرب. فقد م إلى فاس وهناك تفرّغ للدرس والتدريس، فحضر مجالس كبار العلماء وذاكرهم وأخذ عنهم، مثل عبد الواحد الونشريسي، وزين الدين عبد الرحمن سقين، ومحمد اليَسِّيتني وعلي بن هارون، وعبد الوهاب الزقاق، وغيرهم36. انتصب للتدريس بفاس بعد افتكاكه من الأسر، واعتنى أكثر بالعلوم العقلية، كما ذكر المنجور في فهرسته: "قرأت عليه تلخيص المفتاح، ومختصر السعد التفتازاني، وإيسغوجي، والرسالة الشمسية في المنطق للكاتبي، وبعض جمل الخونجي، وجمع الجوامع للسبكي، ومحاذي ابن هشام ختمته وأعدته إلى الإضافة، وجملة من القطب على الشمسية، وختمت عليه إيسغوجي مرارًا نضع ضروب الأشكال المنتجة والعقيمة من الاقتراني ما تركب من الحمليات ومن الشرطيات متصلة أو منفصلة أو متنوعة، أو من الحملي والشرطي ومن الاستثنائي وهو رامز التناقض والعكس، في لوح الاستملاء حتى تُفهم هنالك. وعلى يده فتح الله بصيرتي في تلك العلوم"37. وكان دوره عظيمًا في إحياء هذه العلوم بفاس بعدما كانت قد اندرست، "فهو مجدد سند تعليمها بها، وعنه أُخذت على الحقيقة "38. وقال المحبي في خلاصة الأثر عند ترجمة محمد بن قاسم القصار (تلميذ ابن خروف): "[...] وكان سوق المعقول كاسدًا بفاس فضلً عن سائر أقطار المغرب، فنفق في زمانه ما كان كاسدًا من سوق الأصلين، والمنطق، والبيان، وسائر العلوم لأن أهل المغرب كانوا لا يعتنون بما عدا النحو والفقه والقرآن مما يوصل إلى الرئاسة الدنيوية [...] إلى أن رحل اليَسِّيتني إلى المشرق فأتى بشيء من ذلك، ثم ورد الشيخ خروف التونسي، وكان إمام ذلك كله والمقدم فيه"39. أما القصار فقد نعت شيخه ابن خروف ب "المنفرد بالمنطق والكلام وأصول الفقه والبيان بفاس"40، ومقابل ذلك كانت براعته أقل في علوم الفروع، وكان طلابه الذين يحضرون حلقاته لتدريس مختصر خليل، يلاحظون كم يشقّ عليه ذلك "إذ لم يكن له كتب في الفقه مما حفظ ولا درس"41. تجنب ابنَ خروف أكثر طلبة فاس، رغم غزارة علمه، ولم ينتفع من علومه إلا شيوخ معدودون أمثال القصار والمنجور. أما سبب هذا التجافي فيشرحه المنجور قائلً: "لازمته قريبًا من سنتين إثر قدومه، وتجنّبه أكثر الطلبة لوقفة كانت في لسانه شبه العجمة، وما زال

  1. المنجور، ص 15، 69.
  2. المرجع نفسه، ص 15، 71.
  3. المرجع نفسه، ص 70.
  4. القادري، ص 91.
  5. محمد بن أمين بن فضل الله المحبي، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، ج 4 (القاهرة: المطبعة الوهيبة، 1284 ه)، ص 121.
  6. محمد القصار، فهرسة محمد بن قاسم القصار، مخطوط رقم 6  /  294، مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء، ورقة 2.
  7. المنجور، ص 71.

البعض منها إلا بعد مدة، ولأنهم ما ألِفوا تلك الفنون ولا عرفوا قدرها "42. ويؤكد المحبي أن هذه الأسباب جعلت أهل فاس لا يقدّرونه قدره، وحصرت الانتفاعَ به في بضعة طلاب43. ولا شك في أن هذه العجمة التي استولت على لسانه، ثم زالت بعد فترة، كانت بسبب طول المدة التي قضاها في بلاد الإسبان، فدرج لسانه على الحديث بلغة أخرى غير العربية التي أضحى التكلم بلسانها محرمًا في شبه الجزيرة الإيبيرية. لقد دامت فترة أسره ست سنوات، لا نعرف عنها سوى أنه كان مستعبدًا في ألمرية قبل أن يشتريه كلينرد وينتقل معه إلى غرناطة. ونعتقد أن ابن خروف لم يدوِّن شيئًا عن حياته في الأسر، فالدكالي الذي بدا مهتمًا بهذه المرحلة من حياته، بعد وقوفه على مقالة الأب لامنس في مجلة المشرق، بحث عن رحلته/ فهرسته حتى حصل عليها، من صديقه الكتاني كما نظن، ولكنه لم يعثر فيها على طائل. ويدل على ذلك النصُّ الذي قيده الدكالي في كناشته، والذي لم يتجاوز فيه ابن خروف جملة واحدة عند حديثه عن فترة أسره، قائلً: "هذا وكانت مدة أسري ستة أعوام غير قليل، محفوظ فيها ديني وبدني فضلً من الله، له الشكر على ذلك، إلى أن خلصني الله تعالى خلاصًا جميلً على يدي مالكها (يعني فاس) مولاي السلطان المؤيد أبي العباس أحمد الوطاسي، أجمل الله خلاصه، فبذل في فدائي مالً كثيرًا يقرب من الألف دينار بعد محاولة عظيمة يطول ذكرها، وعاملني بعد الخروج بما لا أ حصي عدَّه، جعله الله تعالى له عُدَّة. وأول يوم قابلته فيه، وذلك في أول رجب الفرد عام سبعة وأربعين وتسعمائة، وقد خلع علي من أحاسين ملابسه"44. ولو عثر الدكالي على معلومات إضافية حول فترة الأسر لكان قد دونها بالتأكيد لأنه كان بصدد البحث عن العلاقة بين كلينرد وابن خروف. وهو أول باحث عربي، فيما وقفنا عليه، اكتشف هذه العلاقة كما أشرنا سابقًا. ولا يظهر الأمر غريبًا بالنسبة إلينا، فالحديث عن الذات عند علماء المسلمين غير محبّذ إلا في مجال العلم والتعلم، وما عدا ذلك يدخل تحت طائلة الرياء المنهي عنه شرعًا، وذ كْرُ بعض الأحداث مما عاصره المؤلف يكون من باب أخذ العبرة فقط لا من باب تسجيل التفاصيل التي لا طائل من ورائها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فحري به أن ينسى معاناة الأسر والعبودية بدل تَذكُّر ما قد ينكأ الجروح النفسية التي لم تكد تندمل. فنحن نتصور أن إقامة ابن خروف عبدًا أسيرًا في إسبانيا، في زمن محاكم التفتيش وحملات التنصير القسرية التي شملت بقايا المسلمين هناك، قد تكون أكرهته على إظهار تنصُّ ه، وإن لم يكن الأمر كذلك فهي على الأقل أجبرته على إخفاء إيمانه والتخلي عن ممارسة شعائره. وفي المقابل تحدث ابن خروف في رحلته عن "كيفية دخول الإسبان لمدينة تونس وكيفية الاستيلاء عليها غدرًا، وأسره في جملة من أُسر بعدما أمَّنهم ملكها الحسن الحفصي "45، والمقصود هنا الحملة الإسبانية التي قادها شارل الخامس بنفسه على مدينة تونس سنة 1535، مستغلً لجوء السلطان الحسن الحفصي إليه طالبًا مساعدته في استرجاع ملكه من الأتراك الذين طردوه من تونس. كانت السلطة الحفصية قد وصلت إلى حالة من التدهور الشديد في بداية القرن السادس عشر، وأصبحت بلاد تونس منطقة صراع بين القوات الإسبانية والعثمانية التي استغلت ضعف سلطة الحفصيين، وانحسار نفوذ السلطان الحفصي الحسن بن محمد في الشمال الغربي من البلاد، بعد خروج جل القبائل والمدن الكبرى عن طاعته. وبعد أن سيطر الأتراك بقيادة الأخوين عروج وخير الدين على الجزائر، مدوا أنظارهم إلى تونس قبل أن تسقط في يد الإسبان الذين كانوا يرغبون في احتلال البلاد لوقف التوسع العثماني غرب حوض البحر المتوسط.

  1. المرجع نفسه، ص 70.
  2. المحبي، ص 121.
  3. الدكالي، ورقة 22.
  4. المرجع نفسه.

وتمكن خير الدين من قيادة حملة تركية دخلت تونس في آب/ أغسطس 1534، وألحقتها إلى جانب الجزائر بالخلافة العثمانية، فلجأ الحسن الحفصي إلى الإمبراطور شارل الخامس يستعطفه ويتعهد له بالتبعية إن هو ساعده على استرجاع ملكه. واستغل الإمبراطور هذه الاستغاثة ليقود بنفسه أسطولً ضخمًا يتألف من أربعمئة قطعة بحرية، بمشاركة قوات إسبانية وإيطالية وألمانية وبرتغالية فيما يشبه حملة صليبية حقيقية، قدر قوامها بأربعة وعشرين ألف جندي46. وبعد مواجهات كبيرة بين الحملة الإسبانية وقوات المسلمين بقيادة خير الدين، دخل جيش الإمبراطور مدينة تونس في 21 تموز/ يوليو 1535، واستباحوها، فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال واغتصبوا الحرائر وهدموا المساجد وحرقوا الكتب. وفي الجملة كانت مقتلة عظيمة لم ينج منها إلا من قدَر على الفرار، أما من أدركه الإسبان قبل ذلك فكان بين مقتول ومأسور. وعنها قال ابن أبي دينار: "وهذه الواقعة هي المعبر عنها بمخطرة الأربعاء، وكان السلطان الحسن أباح البلاد للنصارى ثلاثة أيام [...] وقيل في هذه الواقعة، أ سر الثلث، ومات الثلث، وهرب الثلث. وسمعت من شيوخ البلد من يقول عدد كل ثلث ستون ألفًا، والله أعلم بكل ذلك. وكانت هذه الواقعة سنة إحدى وأربعين وتسعمائة"47. كانت الواقعة مفاجئة لأهل المدينة ومنهم ابن خروف، فقد كان الحسن الحفصي وعدهم بالأمان، وأخبرهم أن دور الإسبان سيقتصر فقط على طرد الأتراك ومساعدته لاسترجاع ملكه المسلوب من دون أن يدخلوا المدينة، غير أن المشاركين في الحملة قدموا بدوافع صليبية تحدوهم المشاركة في حرب مقدسة ضد "الكفار". ولم يكن القتل والأسر إلا تجسيدًا لتلك الروح الدينية المتعصبة التي تحكم علاقة المسيحيين بالمسلمين في غرب المتوسط حينئذ. ويروي ابن أبي الضياف بمرارة هذه الخديعة قائلً: "وذلك أن الصبنيول اشترط على هذا السلطان الحسن استباحة المدينة ثلاثة أيام، والتزم بذلك، ولا علم لأحد من أهلها، فبينما الناس في سكون وعافية، واغترار بطلب ذلك الأمان، وأسواقهم مفتوحة، فهجم عليهم عسكر الصبنيول على حين غفلة، وامتدت أيديهم لاغتيال النفوس، ونهب الأموال، وفر إلى جبل زغوان من أمكنته الفرصة بنفسه وأهله. يقال في هذه الواقعة مات الثلث من أهل تونس ونجا الثلث وأُسر الثلث، وتغيرت البلاد، وطمست أعلامها"48. كان مصير ابن خروف من الثلث المأسور. ومع شديد الأسف فإننا لا نتوفر على أي معلومة تتعلق بظروف أسره ونقله إلى بلاد الأندلس، التي بيع في أحد أسواق عبيدها. كما لا نعرف شيئًا عن عمره لحظة أسره، وطبيعة الأعمال التي كُلِّف بها من طرف أسياده، وحيثيات هؤلاء الأسياد. وكل ما نعرفه هو ما حكاه كلينرد في رسائله لأصدقائه. فهو يذكر أنه لما سمع خبر ابن خروف، وعلم أنه عالم متمكن في فنون اللغة العربية، رحل بسرعة إلى غرناطة حيث أقنع المركيز نائب الملك في مملكة غرناطة بمساعدته لشراء هذا العبد، ثم أصر على مرافقة جنود المركيز بنفسه إلى ألمرية رغم بعد المسافة وخطورة تلك الجبال المأهولة بالموريسكيين المعادين. وحين علم أسياد ابن خروف بحرصه هذا رفعوا السعر من المئة دوقة التي اقترحوها في البداية إلى ثلاثمئة دوقة. وكان كلينرد مرغمًا على دفع المبلغ الجديد لأنه غير مستعد لتضييع هذه الفرصة الثمينة، ولذلك طلب مساعدة المركيز الذي دفع مئة وثمانين دوقة من ثمن العبد مقابل بقاء كلينرد مدة بغرناطة لتعليم المركيز وابنه اللغة اليونانية. ونعلم أيضًا أن كلينرد حين عثر على ابن خروف كان كمن عثر على كنز ثمين فتح أمامه بابًا واسعًا للعبور نحو الثقافة الإسلامية والتعمق في الدراسات العربية. وفي المقابل كان هذا اللقاء بسْمةَ القدر في وجه ابن خروف التي فتحت الطريق لإنقاذه من العبودية وعودته إلى بلاد المسلمين، مستعيدًا مكانته كواحد من أكبر علماء أواخر العصر الوسيط بالمغرب الكبير، حيث استقر في فاس مَرعي الجانب،

  1. حول تفاصيل هذه الحملة انظر: درويش الشافعي، "الحملة الإسبانية على تونس في سنة 1535 م "، الباحث في العلوم الإنسانية و لاجتماعية، العدد 30 (أيلول/ سبتمبر 2017.)
  2. ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس (تونس: مطبعة الدولة التونسية، 1286 ه)، ص 155.
  3. أحمد بن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ج 2 (تونس: نشر كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار، 1963)، ص 13.

ملُاحظًا من قبل السلطان. وقضى أزيد من ثماني عشرة سنة منتصبًا للتدريس بالقرويين وبمدرسة العطارين وغيرها من مراكز التعليم بفاس. وعن هذه المرحلة من حياته كتب: "فلما حططت رحلي فاس المحروسة، أنست جنابهم مربعًا يانعًا وعيشًا خصيبًا، فاشتغلت مدة إقامتي فيها بالقراءة بجامعها الأعظم، ومراجعة الأفاضل والاستفادة والإفادة حسب الطاقة"49. وبجانب اشتغاله بالدرس والتدريس اتخذ دكانًا للشهادة إلى أن توفي بفاس عام 966 ه الموافق سنة 1558 م.

لقاء المغربيَن: من غرناطة إىل فاس

سبق أن أشرنا إلى ظروف اللقاء بين كلينرد وابن خروف. كلاهما كان مغتربًا عن بلاده، وبينما كان أحدهما يعيش حياة العبودية الجسدية والاضطهاد الديني والثقافي، كان الآخر يقوده الحماس الشديد لتحقيق مشروع كرَّس له سنوات من عمره. كان اللقاء مثمرًا جدًا بالنسبة إلى كلينرد، فقد عثر على كنز عظيم مثَّل فتحًا جديدًا في دراسته العربية والإسلامية، واطَّلع بفضله أول مرة على الدين الإسلامي وعلى القرآن الكريم، ومن ثم لم يعد طموحه مقصورًا على تعلم العربية بل تعداه إلى أكثر من ذلك، فقد أخذته الحماسة إلى الرغبة في دراسة الإسلام والرد عليه. أما بالنسبة إلى ابن خروف فلم يكن الأمر يعدو أن يكون استبدال عبودية بعبودية جديدة، ومع ذلك فقد أظهر تفانيًا صادقًا في تلقين كلينرد كل ما يحتاج إليه لإتقان اللغة العربية. ويدلّ على ذلك التقدم السريع الذي أحرزه كلينرد في هذا المجال. ولم يَقْصُ درسه على اللغة فقط، بل ضم إليه درس الدين أيضًا بما في ذلك درس العقيدة والسيرة النبوية. من المؤسف أن نسجل هنا غياب المصادر التي من شأنها أن تكشف لنا طبيعة العلاقة المعقدة التي جمعت بين هذين المغتربين في ضوء المفارقات العديدة التي طبعتها: السيد/ العبد، التلميذ/ الأستاذ، المسيحي/ المسلم، الراهب/ الفقيه. إن رسائل كلينرد التي تعتبر المصدر الوحيد لسيرته لا تقدم لنا الشيء الكثير في هذا الشأن. كما لا تشجعنا على تصديق كل ما تحتويه من معلومات، فهي في النهاية مُوجّهة إلى أطراف مسيحية، نُقدّر أن كلينرد كان يريد تلميع صورته لديها والظهور بمظهر الأبطال الفاتحين. أما بالنسبة إلى المصادر العربية فإننا لا نتوفر إلا على نص المنجور الذي يقدم معلومات شحيحة، لكنها وللمفارقة تتناقض كثيرًا مع ما أورده كلينرد. وهو ما يطرح مشكلة أخرى. تقول الرواية الإسلامية الواردة في فهرسة المنجور: "ومنهم شيخنا المعقولي الأديب المتفنن الحاج الرحال أبو عبد الله محمد ابن خروف الأنصاري التونسي. قَد م من أرض العدو حين افتكَّه سلطانها المريني أبو العباس أحمد من الأسر في حدود السبعة والأربعين، قدم به آسره النصراني طالبًا أن يُقرئه النحو كشأنه معه في أرضهم، فإنه كان يقرأ عليه هناك المفصَّل للزمخشري ليتوصل الآسر المذكور إلى فهم القرآن، فإنه كان ينظر فيه ويتطلب فهمه ويفهم في النحو بعض فهم، فأفتى شيخنا الإمام بالمنع من ذلك بعد أن كان الفقيه أسيرُه يعِده بذلك، ولذا قدم معه. وشيخنا الإمام هو السبب في فدائه بإلحاحه على المريني ومدحه إياه له بعرفه بتلك البلاد. قلت: وهو المذهب، إذ قال مالك: ينهى أن يعلّم المسلمُ الكافرَ القرآن والخط العربي لأنهم يتوصلون بذلك إلى المصحف. كان هذا النصراني من عظمائهم ختن المركش50 صاحب غرناطة. قيل كان طالبًا للحق مائلً إلى الإسلام يقرأ في المصحف ويبكي، وإنه مات على الإسلام، وتفطن له النصارى وراموا حرقه ثم لم يفعلوا سترًا على العامة وسياسة لأنه من قسيسيهم. حكى لي ذلك شيخُنا هذا على ما أُخبِ به. وكان يبحث عن أمره من يأتي من الأندلس. وكان هذا القسيس يُحسن إلى شيخنا المذكور، ولكن قبَض فيه نحو

  1. الدكالي، ورقة 22.
  2. يقصد أن كلينرد كان صهرًا للمركيز نائب الملك بمملكة غرناطة. والغريب أن كلينرد لم يشر قط إلى علاقة المصاهرة التي جمعته بهذا الحاكم، بل إن كل ما جمع بين الشخصين هو علاقة الصداقة لا غير. فمن أين أخذ ابن خروف هذه المعلومة؟ يبدو أنه لم يكن يدري ما يدور حوله في غرناطة.

ألف أوقية، فيحتمل أن ذلك لكون الإسلام حينئذ لم يكن تمكَّن من قلبه، ولئلا يتفطَّن له النصارى. ورجوعُه حينئذ إلى أرضهم لعلَّه ليأخذ شيئًا من ماله. والله تعالى أعلم بحقيقته"51. هذه الرواية المختصرة التي من الواضح أن مصدرها ابن خروف نفسه، لا تقدم الكثير من التفاصيل، ربما بسبب إحجامه عن الحديث لطلابه عن محنته في الأسر، وما واكبها من المآسي التي قد يكون تعرض لها، أو ربما لاقتصاد المنجور في رواية هذه التفاصيل لأنها مما يخرج عن قصده في الفهرسة التي تُعنى أساسًا بمسألة التعليم والتعلم. ومهما يكن فإن هذه الرواية تخالف ما أورده كلينرد من عدة وجوه سنناقشها لاحقًا. يقدم كلينرد رواية أخرى، لا يمكن الاطمئنان إليها اطمئنانًا كبيرًا أيضًا، خصوصًا إذا علمنا أنها وردت في سياق رسائله إلى جهات كان يسعى إلى الحصول على دعمها. وهذه الرسائل التي كتبها في غرناطة وفاس وجّهها إلى ثلاثة أطراف: بعض أصدقائه، والإمبراطور شارل الخامس، ورسالة أخرى وجهها "إلى المسيحيين". في الرسالة التي بعث بها من غرناطة إلى صديقه لاتوموسLatomus بتاريخ 12 تموز/ يوليو 1539، يدافع عن فكرة التنصير السلمي للمسلمين pacifique croisade La، التي بدأ يتحمس لها أكثر فأكثر مستفيدًا من سلاحه اللغوي الذي قضى سنوات في شحذه. فقد أصبح يرى أن التحويل السلمي للمسلمين إلى المسيحية عن طريق الجدل الديني سيكون أشد فاعلية وأقل تكلفة من الحروب ومحاكم التفتيش. ومن الملاحظ أن هذه الفكرة لم تكن واردة ضمن أهداف مشروعه لتعلم العربية قبل هذه اللحظة. كيف اقتنع بهذه الفكرة؟ لا نعرف بالضبط، لكن فكرة الجدل ضد المسلمين بدأها اللاهوتيون العرب ثم اليونانيون في المشرق، ولم تستمر في أوروبا بسبب الجهل بلغات المسلمين ومذاهبهم. وعندما انتقلت المجادلات الدينية المشرقية إلى بلاد الأندلس انتشرت ظاهرة المناظرات والجدل الديني. وأصبحت المناظرة حقلً معرفيًا إسلاميًا تُقعَّد له القواعد ويدرَّب عليه العلماء للدِّفاع عن الدين الإسلامي أمام شبهات المسيحييّن. وكان هؤلاء قد ترجموا أجزاء من القرآن الكريم إلى اللاتينية، وظهر مسيحيون مخلصون وهبوا أعمارهم لتقعيد هذا الجدل الديني ضد المسلمين، مثل ريمون لول Lol Raymond الذي اتخذ عبدًا مسلمًا ليعلمه العربية، ثم ألف عدة رسائل للرد على الإسلام. من المؤكد أن كلينرد لم يكن يحمل هذه الفكرة قبل وصوله إلى غرناطة، فرسائله التي تعدّ المصدر الوحيد لسيرته، كما أشرنا، تخلو من أي انتقاد للدين الإسلامي أو رغبة في تنصير المسلمين قبل مرحلة غرناطة. وبعد لقائه بابن خروف اطلع على القرآن الكريم وأخذ يدرس العقيدة الإسلامية، فلاحظ أن هذا الدين من السهل التشكيك فيه وتحطيم أسسه، خصوصًا أن القرآن يعترف بالإنجيل، وهذا يوفر قاعدة صلبة للمسيحية. كما اعتبر أن بعض أفكار المسلمين سخيفة مثل اعتقادهم أن الجنة بها عدد كبير من النساء، وأن الرجل هناك سيتزوج ما لا حصر له منهن. ومع ذلك يعتقد كلينرد أن من الخطأ مهاجمة دين واسع الانتشار، لكن من الملائم مناقشة المسلمين في قضايا العقيدة ضمن شروط تضمن النجاح. وهذه الشروط حددها فيما يلي: أولًالمعرفة والفهم، أي قراءة القرآن وأصول العقيدة الإسلامية، لأنه من الغباء مهاجمة ما لا تفهمه، "وسيكون من الأفضل أن نبقى صامتين من أن نبدو سخيفين حين ندافع عن قضية مقدسة بشكل خاطئ". الشرط الثاني لهذا النجاح يتمثل في المعرفة الجيدة باللغة العربية وقواعدها، إذ إن الجدل لن يخدم أي غرض إذا كان مكتوبًا باللاتينية التي يجهلها المسلمون. أما الشرط الثالث فهو ضرورة التمييز بين الدين المرفوض والناس الذين يؤمنون به والذين يجب أن نُظهر لهم كامل المودة52.

  1. المنجور، ص 69  -  70.
  2. Chauvine, pp. 132  -  133.

إن المشكلة واضحة بالنسبة إلى كلينرد والحل الذي اقترحه واضح أيضًا: ما يجب القيام به هو أن يصبح على دراية جيدة بطبيعة الإسلام، ثم يؤسس درس العربية بلوفان صحبة أستاذه العربي لتدريب تلامذته على المحادثة والممارسة، فيمكنه، بعدها مع طلابه، ترجمة القرآن والكتب الدينية، والرد عليها ردًا حاسمًا، مع أمل أن يحقق ذلك نجاحًا وانتشارًا في جميع بلاد الشرق53. لقد بدأ كلينرد تنفيذ مشروعه رغم الصعوبات التي كان يعلم أنه سيواجهها. وكانت أولى الصعوبات عدم وجود مخطوطات عربية تمكّنه من دراسة الدين الإسلامي بعد أن منعتها الكنيسة. وحاول مرارًا الاتصال ببعض الجهات من أجل التوسط لدى محاكم التفتيش كي تسلمه المخطوطات التي تحتجزها في انتظار حرقها، ووعده المركيز بمساعدته في البحث عنها، وإحضارها ليستنسخها أستاذه العربي، لكن من دون جدوى. ثم حاول الحصول على دعم الحكومة الإسبانية واتصل بمدرِّس فيليب الثاني II Philip سيليكوس Silicaeus الذي كان قد عرفه في سلامنكا، والذي كان بحسب ما قال، يشاطره أفكاره. ولم يتردد هذا الأخير في تشجيعه، ووعده بالدعم العظيم من إسبانيا، ولكنه طلب منه أن ينظّم ملتقى في غرناطة لتنصير المسلمين الذين يعيشون في الأندلس، حتى يقتنع الملك بدعم مشروعه. ولكن كلينرد رفض العرض لأنه، كما قال، يرفض أن يحارب هؤلاء العبيد الذين هم تحت رحمة محاكم التفتيش54. وأمام عجزه عن الحصول على المخطوطات العربية التي تمكّنه من دراسة الإسلام عن قرب، قرّر الذهاب بنفسه إلى إفريقية حيث سيتمكن، إضافة إلى ذلك، من التعمق في فهم النظام الديني الإسلامي. فترك مُعلِّمه بغرناطة وغادر رفقة صديقه المخلص غيوم Guillaume الذي لم يفارقه منذ غادرا معًا لوفان. وكان يدرك خطورة مشروعه، وصرّح بأن المسلمين، الذين سيذهب إليهم، سيرجمونه بالحجارة لو عرفوا خططه. ولذلك سيحرص على التكتم الشديد على مشروعه. وكانت خطته هذه تعتمد على الكثير من الحكمة التي لم تكن تنقصه. وقرر أن يقول، في كل مكان ودائمًا، إنه جاء إلى إفريقية لتعلم العربية من أجل تأسيس هذا التعليم في أوروبا، وامتلاك المخطوطات النحوية اللازمة لذلك. وقرر أيضًا ألّ يشارك في أي مناقشة دينية، وإذا بدأها أحدهم سيرفض المساهمة فيها منذ البداية. وإضافة إلى ذلك قرّر ألّ يَكرَه هؤلاء المسلمين، فقد قيل له الكثير عن عدم الثقة باليهود والمسلمين، وكان يعلم أن هذه الشعوب تكره المسيحيين، ولكنه كان يؤمن، كما قال، بأن الحب أقوى من الكراهية55. واستنادًا على هذه التفاصيل التي يقدمها كلينرد يبدو غريبًا تصريح المنجور بإسلام هذا النصراني، فالرجل لم يكن محبًا للإسلام ولا راغبًا في التحول إليه، بل على العكس من ذلك، كانت نياته الحقيقية، كما صرّح بذلك، هي تحويل المسلمين إلى المسيحية. وهذا يدل على أن ابن خروف لم يكن يعلم شيئًا عن نيات كلينرد الخفية، فقد تكتم هذا الأخير على مشروعه أمام أستاذه الذي كان يرى اهتمامه الشديد بتعلم العربية وتعلقه بالدين الإسلامي من دون أن يدري خططه السرية. ولذلك عندما قرر كلينرد الذهاب إلى المغرب زوده أستاذه برسالة توصية إلى السلطان يوصيه به خيرًا. وتظل مسألة عدم مصاحبة كلينرد أستاذه/ عبده في رحلته إلى المغرب غير مفهومة، علمًا أنه كان في الإمكان أن يمثّل عونًا له في تحقيق مآربه الخفية. كانت العلاقات حينئذ بين البرتغال ومملكة فاس في أفضل حالاتها، فالبَلدان وقّعا حديثًا معاهدة سلام مدة إحدى عشرة سنة. وكان السلطان الوطاسي الأخير لجأ إلى مهادنة البرتغال بعد محاصرته من طرف الأشراف السعديين، الذين كانوا قد سيطروا على كل البلاد ولم يتركوا له إلا فاس، والنواحي التي سقطت في أيديهم سنة 1550. كانت المعاهدة تقضي بأن يتمتع البرتغاليون بحماية قنصل بلادهم المقيم بفاس، فأصبحت المدينة تعج بالتجار البرتغاليين. واعتقد كلينرد أن الأوضاع مُطمئنَة والجو ملائم تمامًا ليقوم بمغامرته،

  1. Ibid., p. 133.
  2. يذكر مؤلفا سيرة كلينرد أنه ندم على هذا القرار فيما بعد.
  3. Chauvine, p. 40.

فعبَ من جبل طارق في اتجاه سبتة التي وصل إليها في 10 نيسان/ أبريل 1540. وبعد أربعة أيام من الراحة في سبتة اتجه إلى تطوان التي يذكر أنه ناظر فيها أحد العلماء في النحو العربي فغلبه، رغم أن الأخير درس خمس سنوات بفاس. ثم غادر تطوان في 29 نيسان/ أبريل نحو فاس التي وصل إليها في 4 أيار/ مايو (28 ذو الحجة 946 ه). وكانت رحلة صعبة بسبب الأمطار والجبال الوعرة وضرورة الإيواء في الخيام. وفي فاس استقبله الملك بنفسه، وأخذته الدهشة عندما حيَّاه بلغة عربية فصيحة، ثم تناقشا طويلً حول أهدافه من الزيارة، فازداد إعجاب الملك بفصاحته ونباهته، وعبَّ له عن ترحيبه ومساعدته في مقصوده، وعيَّ له حارسًا ملكيًا يرافقه أثناء تنقلاته بالمدينة. وقد شجعه ذلك على أن يستقر بالمدينة أكثر مما كان يتوقع. ويذكر أنه اختار ألّ يقيم وسط التجار والمغامرين البرتغاليين الذين كانوا يستقرون ب "الديوانة" في المدينة القديمة تجنبًا لإثارة الشكوك حوله. ومع ذلك فإنه كان لا يسلَم من شتائم المسلمين بسبب هيئته ككاهن غريب المظهر. وبالطبع لا يمكن الوثوق كثيرًا برواية كلينرد التي لا تخفي مظاهر المبالغة والاحتفاء بالذات، فالصورة التي أراد أن يرسمها لنفسه في عيون المسيحيين هي صورة مسيح مخلص جاء لإنقاذ المسلمين الذين يذكر أنه كان بالنسبة إلى بعضهم مشكلة تزعجهم باستمرار، فبدل أن يرطن ببعض الكلمات بالعربية كما يفعل التجار، كان هذا "الفلماني" يتحدث عربية أفصح من أبناء البلد، ويستشهد بآيات من القرآن الكريم، ويعرف النحو أكثر من باقي علماء البلاد56. قضى كلينرد في فاس سنة من الحياة الهادئة الوادعة، عكف خلالها يدرس العربية أكثر فأكثر، واخترق معارف المسلمين واستوعب تعاليم ديانتهم، وتَحصَّل على عدد كبير من المخطوطات النحوية وغيرها. وخلال ذلك بدأت المساعي لتحرير ابن خروف من العبودية، وهي مساعٍ يلفها الكثير من الغموض في ضوء تناقض المعلومات الواردة وتضاربها عند المنجور وكلينرد. وإذا صدقنا هذا الأخير فإن المفاوضات حول تحرير ابن خروف بدأت منذ وصوله إلى فاس، حيث وعده السلطان بالمساعدة مقابل تسريح ابن خروف الذي كان يحظى بشهرة كبيرة في فاس. كما وعده بأن يبقى ابن خروف في خدمته ما دام مقيمًا بفاس. وفي رسالته المؤرخة في 5 تموز/ يوليو 1540 التي بعثها إلى صديقه بارفوس Parvus كتب قائلً: "لقد سرقت المور (المغاربة) [...] اشتريت عبدي ب 180 دوقة57 وبعته للسلطان ب 500 دوقة. ولو كنت أكثر دهاءً لبعته بسعر أعلى بكثير. والآن ماذا يمكن فعله أكثر من شراء عبد آخر بدوقات معدودة وإعادة بيعه بالآلاف؟ سأنطلق من هنا مباشرة إلى غرناطة، وبقليل من البحث سأعثر على عبد آخر. هناك واحد في مالقة وآخر في قرطبة وثالث في إشبيلية، وكلهم تونسيون"58. ولكن وصول ابن خروف إلى فاس لم يتم إلّ في أواخر جمادى الآخرة عام 947 ه59، إذ ذكر أنه التقى بالسلطان يوم فاتح رجب (يوافق 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1540). فلماذا بقي في إسبانيا كل هذه المدة إذا كان الاتفاق قد تم قبل 5 تموز/ يوليو؟ هل رفض المركيز الذي كان دفع جزءًا من ثمنه، إرساله إلى المغرب؟ لا نملك الجواب عن هذين السؤالين، غير أن النص السابق يفضح جشع كلينرد ورغبته في استثمار هذه التجارة المربحة لتحقيق أغراض مادية بحتة. وهذا الجشع هو الذي حاول المنجور تبريره بقوله: "وكان هذا القسيس يحسن إلى شيخنا المذكور، ولكن قبض فيه نحو ألف أوقية، فيحتمل أن ذلك لكون الإسلام حينئذ لم يكن تمكن من قلبه، ولئلا يتفطن له النصارى". وهي مبررات تبدو ساذجة في الظاهر، غير أنها تستند ولا شك إلى كثير من الوقائع التي يصعب تفسيرها في ضوء التناقضات

  1. Ibid., p. 42.
  2. في رسالة أخرى ذكر أنه اشتراه ب 300 دوقة، دفع منها دي مندوزا حاكم غرناطة 180 دوقة.
  3. Koningsveld, pp. 136  -  137.
  4. انظر إلى عدم اطلاع المنجور على تفاصيل قدوم شيخه إلى فاس، فزعم أنه قدم مع النصراني آسره؟ وهو أمر يصعب فهمه، إذ من المنطقي أن يكون أخذ هذه المعلومات عن شيخه نفسه.

الكثيرة التي تحملها رسائل كلينرد. فإذا كان يسعى إلى الربح المادي من خلال بيع ابن خروف بسعر مرتفع جدًا، لماذا افتدى إذًا خمسة أسرى مسيحيين بفاس؟ هل يمكن القول إنه كان وسيطًا بين السلطان والمركيز الذي كان قد ساهم في شراء ابن خروف؟ في الواقع يحوم حول فترة إقامة كلينرد في فاس غموض كبير، إذ يصعب تفسير رسالة التوصية التي كتبها ابن خروف لسلطانها، ثم الترحيب الذي لقيه بها والسماح له بالبحث عن الكتب، بل وتخصيص حارس ملكي له. كل ذلك يثير فضول الباحث. فهل استطاع كلينرد خداع ابن خروف بإظهار إسلامه60؟ أم أنه فعلً شعر بدرجة معينة من الميل نحو الدين الجديد؟ إننا لا نستطيع الجزم بأي من ذلك، ولكن من المؤكد أن مغامرة كلينرد بالإقامة في مجتمع آخر مناقض لعقيدته وثقافته، ومحاولته اللعب على الحبلين من خلال الحرص على إرضاء المسلمين والمسيحيين في نفس الآن، أحدثتا لديه شرخًا نفسيًا كبيرًا، وتناقضًا وجدانيًا أوقعاه في محنة سببت له الكثير من الألم والإرهاق النفسي ثم الوفاة المبكرة. لقد انقلبت حياة كلينرد في فاس رأسًا على عقب، بعد سنة من قدومه إليها، وتحولت كل النجاحات التي حققها هناك إلى سراب، فقد مُنع من التعلم، وأ بعد عن أستاذه، وصودرت مخطوطاته ومُنع من الحصول على أخرى، وقضى الشهور الأخيرة بالمدينة في حالة يرثىُ لها أشبه بالسجين. وقد أشار في رسائله إلى كل ذلك، ولكنه لسوء حظنا اعتمد في سرد أحداث هذه المحنة على التلميحات فقط، فذكر أن الذي سبب له هذه المحنة هو "الوحش" الذي لم يكن، بحسب تشوفين ورورش، سوى القنصل البرتغالي بفاس61. وفي ضوء غياب التفاصيل والمعطيات الكافية، واستنادًا إلى مجريات الأحداث التي استعرضناها سابقًا، يمكن أن نعيد بناء ما حدث بمدينة فاس كالتالي: يبدو أن كلينرد، لكي ينال رضى المسلمين بفاس ومعهم السلطان، اضطر إلى إظهار ميله إلى الإسلام. وبما أن غرضه اكتشاف هذا العالم من أجل مهاجمته، فقد كان على استعداد لتوظيف كل الأسلحة التي كان يراها ضرورية في هذا المخطط. وهكذا اقترح التوسط لإطلاق سراح ابن خروف، الأمر الذي سيزيده حظوة عند المسلمين، خصوصًا أن ابن خروف كان معروفًا عند علماء المدينة مثل اليسِّيتني الذي كان قد لقيه بتونس خلال رحلته إلى المشرق. ثم يبدو أن كلينرد في حواره مع المسلمين أبدى استعداده لإعلان إسلامه، وترتب عن ذلك انتشار شائعات قوية جرت بفاس عن تحوله إلى الإسلام62. ولا نستبعد أن يكون قد أشهر إسلامه فعلً للمقربين منه كأستاذه من باب الخداع لا غير. ولكنه فوجئ بما لم يكن في حسبانه، فقد وصل خبر إسلامه إلى القنصل البرتغالي، الذي لم يكن يُكِّنُ له كثيرًا من الودّ بسبب المكانة التي اكتسبها عند السلطان، فتمكَّن من التأثير في الأمراء البرتغاليين باستعمال وجهة النظر الدينية، خاصة في ظل محاكم التفتيش، فاتهام كلينرد بالميل إلى الإسلام كان كافيًا للقضاء عليه، خصوصًا أن هؤلاء الأمراء كانوا يعلمون مواقفه تجاه حرية التفكير في المسائل الدينية واللاهوتية63. كان رد فعل البرتغاليين صارمًا، فقد صادروا أمواله هناك، وحرموه من مستحقات المعاش المترتب عن سنوات الخدمة في تعليم الأمير هنري. ولا يمكن هذا الوضع أن يروق لكلينرد نظرًا إلى تداعياته الخطيرة على مستقبله عندما يعود إلى بلاده، فقد يصبح مهددًا بالحرمان الكنسي إلى الأبد، وهذا سيمنعه من العودة لأنه قد يتعرض لحكم الموت حرقًا64. ولأجل ذلك حاول كلينرد تدارك الأمر، فأرسل رفيقه غيوم إلى البرتغال لتكذيب الإشاعة. وغادر غيوم فاس في اتجاه البرتغال في نيسان/ أبريل 1541، ثم عاد في 5 آب/ أغسطس محملً بأخبار سيئة65. وبعد هذه الخيبة انتبه كلينرد إلى خطئه

  1. انظر نص المنجور وهو في ذلك يروي عن شيخه.
  2. Chauvine, p. 44.
  3. Ibid., p. 47.
  4. Ibid., p. 48.
  5. ذكر المنجور أن قومه حاولوا حرقه فعلً. ونعتقد أن مصدر هذه الفكرة هو كلينرد نفسه الذي روج أنه مهدد بالحرق إذا ما عاد إلى بلاده مسلمًا.
  6. Chauvine, p. 49.

الجسيم وشعر بخطورة الموقف، وقرر أن يسابق الزمن لرأب الوضع، ومنذ لحظة عودة رفيقه بدأ في كتابة رسالته الشهيرة "رسالة إلى المسيحيين"66. ثم لإزالة الشكوك قرر أن يرسل غيوم ثانية إلى البرتغال ويُحَمِّله هذه المرَّة رسالة مباشرة إلى تلميذه الأمير هنري يوضح له فيها موقفه67. وعلى مستوى آخر كانت الشكوك تتزايد وسط صفوف المسلمين تجاه نياته الحقيقية، وتهمة الردة عن الإسلام لو ثبتت ستقضي عليه لا محالة. فيكفي القول إن كلينرد كان مسلمًا وارتد عن دينه ليقتل بحسب تعاليم الشريعة الإسلامية68. وكان عالم فاس وإمامها اليسِّيتني أكثر حزمًا في مواجهة هذا النصراني المتلوّن، فأصدر فتوى تحرّم تعليمه العربية أو غيرها من العلوم الدينية، لأن ذلك، في نظره، مخالف لما قرره إمام المذهب. واحتج على الموقف المتخاذل للسلطان الذي ترك عالمًا مسلمًا في خدمة نصراني كافر. وتحت هذه الضغوط أمر السلطان بتجريد كلينرد من مخطوطاته وإيقاف جميع نشاطاته. في الواقع سقط كلينرد ضحية مغامراته، وكاد أن يصبح منبوذًا من العالَمين اللذين اختار أن يقف على حدودهما، ووجد صعوبة كبيرة في التنصل من هذه الورطة التي لم تكن في الحسبان، وفي إثبات براءته من تلك الاتهامات التي لاحقته من الجهتين. ولم ينل ما كان يأمله من البرتغال، رغم طلباته المتكررة والملحة. ولم يلق إلحاحه صدى عند الأمير، فقرر المغادرة نحو إسبانيا عسى أن يجد هناك الدعم الذي يرجوه لمشروعه. أما بخصوص الحجج التي قدمها بفاس لتبرير رحيله فلا نملك بشأنها أي معلومات، غير أن قول المنجور: "ورجوعه حينئذ إلى أرضهم لعله ليأخذ شيئًا من ماله"، يؤكد أنه استخدم قصة ماله المحتجز لدى الأمير البرتغالي مبررًا للمغادرة والرحيل. غادر كلينرد فاس وحده متجهًا إلى مدينة أصيلة، التي وصلها يوم 8 أيلول/ سبتمبر 1541. وهناك، ولسوء حظه، كسُرت ذراعه اليمنى بعد حادث سقوطه عن الحصان. ثم غادر في اتجاه قادس ومالقة وصولً إلى غرناطة، حيث يبدو أنه نزل عند المركيز الذي كان يعوِّل على دعمه. ولا نعرف شيئًا عن تفاصيل هذه الرحلة، لأنه لم يصل إلينا عنها شيء يذكر. فقط في 17 كانون الثاني/ يناير 1542 نجده في غرناطة، وهو التاريخ الذي وقَّع فيه رسالته إلى شارل الخامس، يخبره فيها بوصوله إلى المدينة قبل أيام. وبعد أن تأكد نهائيًا من الموقف البرتغالي شعر بخيبة أمل كبيرة أمام هذا النكران للجميل. وهنا بكى كلينرد على نفسه للمرة الأولى، وأرسل رسالة إلى شارل الخامس يستعطفه ويطلب مساعدته في خططه69. وفي غرناطة يظهر كلينرد متحمسًا لإتمام مشروعه، فهو عازم حسبما يخبر في رسائله، على البحث عن عبد آخر في إسبانيا يساعده على دراسته للعربية، ومن ثم العودة إلى المغرب. وهذا يدل على أنه حافظ على علاقات جيدة بفاس. غير أن الهموم والسقام توالت عليه، فسقط مريضًا ومات بعدها بقليل، وقبُر في قصر الحمراء الذي شيَّده ملوك الأندلس من بني أ. ميَّةُ أما ابن خروف فقد استقر بفاس، وحظي هناك بتقدير خاص من السلطان والعلماء وأهل المدينة، وكُني ب "جار الله" تيمنًا بتحرره من العبودية وعودته إلى دار الإسلام. واشتهر برسوخه في العلوم العقلية حتى أصبح إمامها المبرز. وظل يستفسر عن مصير سيده وتلميذه الذي كان يرجو أن يكون سببًا لتحوله وهدايته إلى الإسلام لينال الثواب الأعظم.

  1. كتاب شهير لكلينرد كتبه ما بين 5 آب/ أغسطس و 18 أيلول/ سبتمبر، ولكنه لم يُكمله. ويرى مؤلفا سيرته أن السبب في عدم إتمام الكتاب يعود إلى الكسر الذي أصيبت به يده اليمنى مما منعه من الكتابة خاصة في غياب غيوم. إلا أننا نعتقد أنه بعد عبوره إلى إسبانيا لم يعد في حاجة إلى مثل هذا الكتاب الذي كان يسعى من خلاله إلى الدفاع عن نفسه أمام أهل ملّته وتكذيب الإشاعات حول إسلامه.
  2. Chauvin, p. 50.
  3. Ibid., p. 47.
  4. Ibid., pp. 53  -  50.

خاتمة

مثّل لقاء كلينرد وابن خروف، بحيثياته وملابساته، حالة فريدة في تاريخ العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الغرب الإسلامي خلال أواخر العصر الوسيط، فقد وحدتهما الغربة واللغة رغم اختلافهما في الثقافة والمعتقد. وإذا كانت مرحلة غرناطة طبعت هذه العلاقة بعدم التكافؤ، لكون أحدهما سيدًا مالكًا والآخر عبدًا مملوكًا، فإن مرحلة فاس اتسمت بحصول هذا التكافؤ بعد تحرر ابن خروف. ومن المؤكد أن كلً منهما كان يحرص على تحويل الآخر إلى دينه، ولكنّ شهادتيهما تؤكدان أن علاقتهما طبعها الكثير من الود والتقدير بغض النظر عن اختلاف الدين. لقد عاش كل من الراهب كلينرد والفقيه ابن خروف شطرًا من حياته، طوعًا أو كرهًا، في عالم غير عالمه. وعاد كلاهما إلى أهل ملته من دون أن يتمكن أي منهما من العودة إلى بلده. وماتا وقبُرا بعيدًا عن وطنيهما ومسقطي رأسيهما. وانتهت مغامرتهما على حدود تحفّها ألغام العداء والكراهية. وإذا كان ابن خروف قد تحقق رجاؤه في النجاة من الاستعباد والانتقال إلى بلاد المسلمين، حيث قضى ما تبقى من عمره مرعيًا بعناية السلطان ومحاطًا بإجلال طلابه، فإن كلينرد مات كمَدًا على فشله في تحقيق حلمه بتأسيس كرسي لتعليم اللغة العربية في لوفان، يكون قوة ضاربة في الجدل الديني ضد المسلمين. إلا أن مشروعه هذا لم يُقبر بموته، فبعد فترة وجيزة على رحيله تأسست معاهد اللغة العربية في العديد من العواصم الأوروبية الكبرى، وخرَّجت أعدادًا غفيرة من المستشرقين ممن تجندوا لتنفيذ المشروع الذي لم يستطع كلينرد تحقيقه قيد حياته.

المراجع

العربية

ابن أبي دينار. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تونس: مطبعة الدولة التونسية، 1286 ه.

ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تونس: نشر كتابة الدولة للشؤون الثقافية والأخبار، 1963. الدكالي، محمد بن علي. كناشة مخطوطة. ميكروفيلم رقم 22. الخزانة العامة بالرباط.

السجلماسي، عبد الواحد الحسني، الإلمام ببعض من لقيته من علماء الإسلام. تقديم وتحقيق نفيسة الذهبي. الرباط: مطابع الرباط نت، 2008.

الشافعي، درويش. "الحملة الإسبانية على تونس في سنة 1535 م ". الباحث في العلوم الإنسانية و لاجتماعية. العدد 30 (أيلول/ سبتمبر طحطح، خالد. البيوغرافيا والتاريخ. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.

القادري، محمد بن الطيب.نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني. تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق. سلسلة التراجم 3. ج 1. الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.

القصار، محمد. فهرسة محمد بن قاسم القصار. مخطوط رقم 6  /  294. مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء.

الكتاني، عبد الحي بن عبد الكبير.فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات. اعتنى به إحسان عباس. ط 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1982.

المحبي، محمد بن أمين بن فضل الله. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. القاهرة: المطبعة الوهيبة، 1284 ه.

المكناسي، أحمد بن القاضي. جذوة لاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس. الرباط: دار المنصور للطباعة والوراقة، 1973. المنجور، أحمد. فهرس أحمد المنجور. تحقيق محمد حجي. سلسلة الفهارس 1. الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1976.

المنوني، محمد. المصادر العربيةلتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى العصر الحديث. الرباط: جامعة محمد الخامس منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1983.

لامنس، هنري. "درس العربية بأوروبا في القرن السادس عشر." المشرق. العدد 22 (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1901.)

. "درس العربية بأوروبا في القرن السادس عشر." المشرق. العدد 24 (15 كانون الأول/ ديسمبر 1901.)

الأجنبية

• Chauvin, Victor & Alphonse Roersch. Étude sur la vie et les travaux de Nicolas Clénard. Bruxelles: Hayez, 1900.

• Lefranc, Abel. "Nicolas Clénard, Humaniste Belge, et les commencements du Collége de France." Humanisme

• Temimi, Abdeljelil (ed.). Nouvelles approches des relations islamo-chrétiennes a l’epoque de la Renaissance.

• Renan, Ernes & Barthelemy Haureau. Histoire littéraire de la France. Paris: G. p. Gaston and L.D. Léopold

• Roersch, Alphonse. Correspondance de Nicolas Clénard. vol. 3. Bruxelles: Palais des Acad é mies, 1940  -  1941.

• Acta Orientalia Belgica. XXV. Bruxelles & Leuven: Société Belge d’Etudes Orientales, 2012.

et Renaissance. vol. 7 , no. 3 (1940).

Zaghouan: Fondation Temimi pour la Recherche Scientifique et l’Information, 2000.

Delisle, 1885.