التاريخ الفكري: النشأة والموضوع والمنهج ووضعه في الدراسات التاريخية العربية الحديثة
Intellectual History: Origin, Subject, Curriculum and Its Status in Modern Arab Historical Studies
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى أمرين، أولهما هو استعراض نشأة وتطور مجال التاريخ الفكري في الدراسات التاريخية الغربية المعاصرة بهدف التعرف إلى علاقة هذا المجال بأغراض التاريخ الأخرى، وعلاقته بما سبقه من مناهج في دراسة التاريخ، وثانيهما هو التعرف إلى أهم القضايا النظرية المرتبطة بالتاريخ الفكري. وتتناول الدراسة العديد من الأسئلة المرتبطة بالتاريخ الفكري، مثل تعريفاته ومناهج دراسته المختلفة وإشكالياته الكبرى، علاوة على نقاط تفرده عن مجالات التأريخ الأخرى. وسيتعرف القارئ إلى أهم المؤرخين المرتبطين بالتاريخ الفكري في العقود الأخيرة، فضلًا عن الاختلافات بينهم فيما يخص هذا الموضوع ومنهجه. كما تعرّج الدراسة، على نحو مختصر، على حالة الدراسات التاريخية العربية الحديثة المرتبطة بالتاريخ الفكري، فضلًا عن بعض الصعوبات التي تواجه المهتم بدراسة تاريخ الإسلام الفكري تحديدًا، مقترحةً مجموعة من الحلول الممكنة للتعامل معها على مستويات مختلفة.
Abstract
The aim of this paper is twofold: to present the rise and development of intellectual history as a distinct field of historical enquiry in modern Western historiography and to discuss some of its main theoretical and methodological issues. The paper provides an overview of intellectual history, including some of the views of its pioneers. The paper also briefly discusses the current state of intellectual history in the Arab region and the difficulties that the scholars working on the intellectual history of Islam in particular face, suggesting steps to improve its status as an academic discipline.
- التاريخ الفكري
- المناهج التاريخية
- تاريخ الأفكار
- تاريخ الإسلام الفكري
- Intellectual History
- Historical Research Methods
- History of Ideas
- Islamic Intellectual History
النشأة والموضوع والمنهج ووضعه يف الدراسات التاريخية العربية الحديثة
Origin, Subject, Methodology and Its Status in Modern Arab Historical Studies
مقدمة
في الدراسات العربية الحديثة عن تطور علم التاريخ، تبدو مدرسة الحوليات كأنها المحطة الأخيرة الأهم في تطور الدراسات والمناهج التاريخية، وذلك على اعتبار أن ما أتى بعدها من نظريات ومقاربات تأريخية كان استجابة لها أو ردة فعل عليها تشبه، على نحو ما، دراسات ال "ما بعد"، مثل دراسات ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية، وما إلى ذلك. تتناول هذه الدراسة غرضًا من أغراض الكتابة التاريخية، بدأ تقريبًا في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه مدرسة الحوليات، ولكن في الولايات المتحدة. وأقصد هنا "التاريخ الفكري" History Intellectual الذي لم يحظَ بالزخم الذي حظيت به مدارس التاريخ الأخرى، بل تأرجحت مكانته كثيرًا في العقود القليلة الماضية، على الرغم من انتماء كثير من كبار المؤرخين المعاصرين إليه. تستعرض هذه الدراسة ظهور هذا النوع من أنواع الدراسات التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين، وارتباطه بفكرة "تاريخ الأفكار" ideas of History عند المؤرخ الأميركي آرثر لَفْجُوي Lovejoy Arthur (1873 - 1962)، وعلاقته بتاريخ الذهنيات الفرنسي mentalités des histoire ' L، وتاريخ الأفكار الألماني بتنوعاته المختلفة Geistesgeschichte , Begriffsgeschichte , Ideengeschichte، ومن ثم الجدل الحاصل والمستمر حول موضوعه وحدوده وأهدافه. ويستتبع هذا الهدف هدف آخر، ألا وهو تحديد التساؤلات النظرية المرتبطة بالتاريخ الفكري وتقديمها إلى المهتم بالموضوع من المؤرخين العرب، إذ إنه على الرغم من وجود دراسات عربية حديثة ومعاصرة تنتمي بوضوح إلى مجال التاريخ الفكري من جهة الممارسة، فإننا نفتقد دراسات تؤصّل للأسس النظرية لهذا المجال عمومًا، ما يعوق ازدهاره بوصفه غرضًا من أغراض الدراسة التاريخية في العالم العربي خصوصًا. تتضمن هذه الدراسة أربعة محاور؛ يتناول المحور الأول نشأة التاريخ الفكري ومجالاته واهتماماته وأهدافه، في حين يستعرض المحور الثاني أهم الإشكاليات الموضوعية والمنهجية المرتبطة به، أما المحور الثالث فيناقش الآراء المختلفة حول إطار التاريخ الفكري وتفرّده عن فروع التاريخ الأخرى وارتباطه بها. وأخيرًا، يتناول المحور الرابع بإيجاز حالة التاريخ الفكري في الدراسات التاريخية العربية الحديثة والمعاصرة، وبعض الصعوبات المرتبطة بدراسة تاريخ الإسلام الفكري تحديدًا، مقترحًا مجموعة من الحلول لدعم مكانة التاريخ الفكري في العالم العربي.
أولً: التاريخ الفكري: النشأة والتطور
انقسم المؤرخون الغربيون في البحث عن نشأة التاريخ الفكري إلى فريقين. زعم فريق أن التاريخ الفكري، بمفهومه العام، كان موجودًا دائمًا، لا سيما عند الفلاسفة الذين اهتموا ببيان مواقفهم من الفلاسفة السابقين عليهم1. وهذا الرأي، كما هو واضح، يتجاهل قضايا المنهج وما يرتبط بها من أمور نستعرضها في هذه الدراسة مع استعراض تطور التاريخ الفكري. أما الفريق الثاني، فينظر إلى التاريخ الفكري بوصفه غرضًا حديثًا من أغراض دراسة التاريخ. وفي داخل هذا الفريق، نجد من يربطون بين التاريخ الفكري وبعض أغراض التاريخ التي ظهرت في ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو في فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، ومن يصرّون على أن التاريخ الفكري بمفهومه المعاصر نشأ في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين وتطورت مناهجه فيها في المقام الأول2. ستبرهن الصفحات التالية على أن رأي الفريق الأول فضفاض بدرجة لا تمكنه بالفعل من تمييز الجديد والمختلف في التاريخ
الفكري الحديث. كما أن من يصرون على تتبع نشأة التاريخ الفكري في ألمانيا أو فرنسا يخلطون بينه وبين التاريخ الثقافي أو تاريخ العقليات mentalités des histoire ' L الأشبه به3، وهو خلط قد يكون مقصودًا ومبررًا لديهم، ولكنه خلط يرى بعض كبار المؤرخين المهتمين بالتاريخ الفكري أنه يهدف، في نهاية المطاف، إلى تهميش التاريخ الفكري كما يفهمه هؤلاء. أتّخذُ من هذا الرأي الأخير نقطة انطلاق لعرض الأفكار المختلفة حول نشأة التاريخ الفكري وتطوره، مع عرض وجهات النظر المختلفة حول موضوعه ومنهجه في إطار ذلك. يصر هذا الرأي على ريادة الولايات المتحدة في مجال التاريخ الفكري، إذ إنه على الرغم من وجود بعض التشابه بين تطور التاريخ الفكري في الولايات المتحدة وبعض التوجهات التاريخية في ألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال، فإنها لم تميز حدود تفرده بوصفه غرضًا تاريخيًا مستقلً عن غيره4، كما لم يكن لها ذلك التأثير العميق والممتد الذي كان لمؤرخي الولايات المتحدة في القرن العشرين5. وفي نظر هؤلاء، فإن نصيب أوروبا في تطور التاريخ الفكري كان إسهامًا غير مباشر، إذ أعلى الفلاسفة الألمان من دور الأفكار في الصيرورة التاريخية (بل جعلها فريدريش هيغل أساس هذه الصيرورة)، كما قدمت مدرسة الحوليات الفرنسية أفكارًا استفاد منها التاريخ الفكري معرفيًّا ومنهجيًّا6. وسيتوقف البحث عند تأثير المفكرين الأوروبيين (لا سيما فلاسفة اللغة والنقد الأدبي الألمان والفرنسيون) في التاريخ الفكري في مرحلة تطوره التي أطلق عليها "المنعطف اللغوي"7.
1 ي. آرثر لفجوي: التاريخ الفكري ف مقابل تاريخ الأفكار
يُنسب مصطلح "التاريخ الفكري" إلى المؤرخ الأميركي جيمس هارفي روبنسون Robinson Harvey James (1863 - 1936) في بدايات القرن العشرين8. وبعدها بقليل، أتى المؤرخ آرثر لفجوي بفكرة كان لها دور كبير في تطور التاريخ الفكري9. تقوم فكرة لفجوي على وجود "وحدات فكرية" Ideas Unit رئيسة ودائمة في كل الحضارات، وإن اختلفت معانيها الدقيقة وتجلياتها بحسب الطريقة التي وُظفت بها في سياقات تاريخية مختلفة10. أطلق لفجوي على تمييز هذه الوحدات ودراستها "تاريخ الأفكار " ideas of History، وهو العنوان الذي حملته الدورية التي
أشرف على تحريرها Ideas of History the of Journal. كما وضع لفجوي فكرته موضع التطبيق في كتابه الأشهر سلسلة الوجود العظيمة Being of Chain Great The. وعلى الرغم من النقد العنيف الذي تعرضت له فكرة لفجوي، بل تجاوز التاريخ الفكري بالكلية تقريبًا لفكرة "الوحدات الفكرية" (بما في ذلك دورية لفجوي نفسها)، فإن التاريخ الفكري تطور بصورة عامة بعد لفجوي من خلال تحديد الموقف من هذه الفكرة وأفكاره الأخرى11. كما اضطلعت أفكار لفجوي بدور مهم في جعل الولايات المتحدة سباقة في مجال التاريخ الفكري، إلى درجة أن الطفرة التي شهدها التاريخ الفكري في الولايات المتحدة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين دفعت البعض إلى إعلانه "ملك الدراسات التاريخية"12. وعلى الرغم من اعتقاد بعض المؤرخين أنه لا يوجد فرق جوهري بين فكرة لفجوي عن تاريخ الأفكار والتاريخ الفكري كما يمارس بصفة عامة الآن13، فإن أغلب المشتغلين بالتاريخ الفكري نأَوْا بأنفسهم عن فكرته "الأفلاطونية" عن "الوحدات الفكرية"، إذ تفترض هذه الفكرة إمكانية وجود الأفكار بمعزِل عن العالم أو بصورة مفارقة له14. بيد أن هذه الفكرة لم تكن لتنجح في ظل سيطرة فكرة مركزية السياق- أيًا كان تعريفه - في فهم المؤرخ لأفكار مفكر ما، فضلً عن تشكلها في عقل صاحبها نفسه. ونتج من هذا الأمر ذبول مصطلح "تاريخ الأفكار" (بل ربما اختفاؤه تمامًا باستثناء وجوده في دورية لفجوي)، ليحل محله مصطلح "التاريخ الفكري"، الذي ميز نفسه من تاريخ الأفكار من خلال تركيزه على السياق الخارجيالذي تظهر فيه تلك الأفكار، بينما يركز تاريخ الأفكار على سياقها الداخلي، كما سنفصل ذلك لاحقًا15. قد تكون هذه النقطة مرتبطة بتطور آخر شهدته الدراسات التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين، إذ إنه مع اتهام التاريخ السياسي - الذي هيمن على القرن التاسع عشر، ولا سيما نصفه الثاني16 - بضيق الأفق بسبب إهماله لأبعاد التجربة الإنسانية الأخرى، اتَّجه بعض المؤرخين إلى الجمع بين ما نطلق عليه اليوم التاريخ الاجتماعي والتاريخ الفكري. كان لهذا التطور تأثير إيجابي في نظر بعض المتابعين لتطور
الدراسات التاريخية في الغرب في القرن العشرين، إذ إنه ساعد المهتمين بالتاريخ الفكري على صقل مناهجهم من خلال الاستفادة من التطورات التي حدثت في العلوم الاجتماعية17. وكان أحد تلك التأثيرات هو فكرة التغير؛ فتمامًا كما أن المجتمعات تتغير باستمرار، فإن عقل المفكر يشهد تغيرًا مستمرًا لأسباب قد يكون أوضحها كونه في جدل دائم (وإن لم يكن معلنًا بالضرورة) مع أفكار عصره18.
2. الولايات المتحدة الأميركية والتاريخ الفكري
ومع هذه الطفرة التي شهدها التاريخ الفكري في منتصف القرن العشرين، فإنه وصولً إلى سبعينيات ذلك القرن لم يكن قد أصبح - بعد - فرعًا معترفًا به في الدراسات التاريخية، على الأقل خارج الولايات المتحدة. ففي فرنسا، لم يستخدم المؤرخون الفرنسيون النظير الفرنسي اللغوي له intellectuelle Histoire الذي لا يظهر إلا في ثمانينيات القرن العشرين19. وفي بريطانيا، لم يُخصص للتاريخ الفكري فصل في موسوعة كامبريدج الجديدة للتاريخ الحديث History Modern Cambridge New20. كما لم يكن هناك مقابلات للمصطلح في فرنسا أو حتى ألمانيا، إذ إنه على الرغم من وجود مصطلحات قد تشير إلى أغراض تتقاطع معه، فإنها لم تحظَ بالزخم الذي اكتسبه مصطلح التاريخ الفكري كما تطور في الولايات المتحدة21. أما في الولايات المتحدة، معقل التاريخ الفكري، فقد شعر المشتغلون به بوجود تهديد لشرعية وجوده
نفسها22، ما استدعى عقد "مؤتمر أزمة" في بداية العقد قبل الأخير من القرن العشرين، للبحث في أسباب تلك الأزمة وأبعادها وبعض سبل التعامل معها23. تمثل أحد أهم أبعاد هذه الأزمة في عدم وجود جيل جديد من المؤرخين المتخصصين في التاريخ الفكري، بل دخوله في مسار تنازلي بعد أن كان في صعود، إلى درجة إعلان أحد المؤرخين الأميركيين أن التاريخ الفكري يعيش أيامه الأخيرة24.
3. المنعطف اللغوي والتاريخ الفكري: جدل الثقافة والسياق والإبستيمولوجيا
في الوقت نفسه تقريبًا، أي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، حدث ما أُطلق عليه "المنعطف اللغوي " Linguistic The Turn، الذي أدى دورًا كبيرًا في انتعاش التاريخ الفكري، إذ كان ممارسوه - هو والتاريخ الثقافي - هم أكثر من تأثروا بأفكار كبار اللغويين ونقاد اللغة والأدب والفكر بوجه عام، ووظفوا أفكارهم في مجال الدراسات التاريخية. تأثر هؤلاء المؤرخون بمفكرين مثل جاك دريدا Derrida Jacques (1930 - 2004)، وهانس-جورج غادامير Gadamer Georg - Hans (1900 - 2002)، ومارتن هايدغر Martin Heidegger (1889 - 1976)، وميخائيل بختين Bakhtin Mikhail (1895 - 1975)، وآخرين سابقين عليهم أو معاصرين لهم، مثل لودفيغ فيتغنشتاين Wittgenstein Ludwig (1889 - 1951)، وجون لانجشو أوستن Austin. L John (1911 - 1960) وغيرهما25. ركز منظّرو الفكر الجدد على دور اللغة، باعتبارها المحدد الثقافي الأهم - أو "الوحيد" - في نظرهم، الذي يمثل "البنية التحتية" لكل عناصر الثقافة الأخرى26. فمن تأثر بأفكار أوستن عن "الأفعال الكلامية " Acts Speech، على سبيل المثال، نظر إلى التفكير بوصفه "عملية اجتماعية" يتطلب فهمها معرفة ما قصد الناس - بمن في ذلك المفكرون - "فعله" من خلال استخدام اللغة في سياق معين27. قامت أفكار النقد الجديدة في منتصف القرن العشرين على أن اللغة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي أداة إنتاج المعنى نفسه، ما يعني أن اللغة تحديدًا هي التي تحاصر المؤلف، وليست الثقافة بوجه عام. وفي دراسة الماضي، لا يستطيع المؤلف مطلقًا أن يفترض أن لغة المصادر تعكس أي واقع فعلي، أو أن لغته هو تعكس محتوى تلك المصادر. هنا ندخل في سلسلة لامتناهية من البعد عن الواقع، بفرض وجود "واقع" موضوعي
يمكن رصده في المقام الأول. فالمؤلف يعبر عن مكنونه من خلال لغة تحددها أ طر بنيوية وثقافية، ليأتي مؤلف آخر ويفسر ما قاله الأول باستخدام لغة (قد تكون هي نفسها لغة المؤلف الأول) تحددها أطرٌ ثقافية مختلفة، وهكذا دواليك في سلسلة لا تنتهي من التأليف والتأويل وإعادة التأويل، في جدلية اللغة ذات الأطر البنيوية والثقافية، وتعبير المؤلف والمؤوِّل والناقد عن تلك الأفكار باستخدام لغة ذات أطر بنيوية وثقافية مختلفة. هنا، يتقاطع التاريخ الفكري مع التاريخ الثقافي، وينزوي - كما يوضح المؤرخ الأميركي دونالد آر. كيلي (1931 -)، رئيس الجمعية الدولية للتاريخ الفكري History Intellectual for Society International - جدل السياق الداخلي والسياق الخارجي إلى عالم الإبستيمولوجيا الذي لا يهم المؤرخ الفكري أو الثقافي بصورة مباشرة28. وهنا تظهر أسماء مثل المؤرخ الأميركي دومينيك لاكابرا (1939 -) الذي تأثر كثيرًا بأفكار دريدا التفكيكية، ورفضه لفكرة البحث عن دلالات النص خارج النص نفسه29. كما يظهر أثر ذلك التوجه الجديد بوضوح عند المؤرخ الأميركي ساندي كوهين Cohen Sande (1946 -)، الذي وظف أفكار رولان بارت Barthes Roland (1915 - 1980)، وجان بودريار Baudrillard Jean (1929 - 2007)، وجان فرانسوا ليوتار Lyotard François - Jean (1924 - 1998)، وغيرهم من نقاد الأدب والثقافة واللغة30.
4 ي. التاريخ الفكري ف القرن الحادي والعشرين
وفي القرن الحادي والعشرين، ظهرت مجموعة جديدة من دوريات التاريخ الفكري، من أهمها دورية التاريخ الفكري الحديث History Intellectual Modern التي تنشرها مطبعة جامعة كامبريدج البريطانية منذ عام 2004، ومراجعات التاريخ الفكري Review History Intellectual التي ترتبط - منذ ظهورها عام 2007 - ب "الجمعية الدولية للتاريخ الفكري" التي تأسست في لندن عام 1994. كما ظهرت أيضًا مجموعة من الدوريات الجديدة في ألمانيا، مثل دورية تاريخ الأفكار Ideengeschichte für Zeitschrift في عام 200731، بل أعادت بعض الدوريات التاريخية الألمانية العريقة - مثل الدورية التاريخية Zeitschrift Historische ودورية التاريخ والمجتمع Gesellschaft und Geschichte32 - النظر في طبيعة التاريخ الفكري والدور الذي يمكن أن يؤديه في الدراسات التاريخية، تمامًا كما فعلت بعض الدوريات الأخرى المتخصصة في تاريخ الأفكار أو المنفتحة عليه في أوروبا والولايات المتحدة33. تعكس هذه الدوريات الحديثة النشأة محاولة إنعاش التاريخ الفكري من جهة، وتأكيد كونه غرضًا من أغراض الدراسات التاريخية التي تتداخل فيها التخصصات Interdisciplinary34 على نحو يعكس التوجه العام في الدراسات الإنسانية، وربما الاجتماعية والأكاديمية بوجه عام.
وعلى الرغم من كل هذه التطورات، فإن التاريخ الفكري - في نظر المؤرخ ستيفان كوليني (1947 -)، وهو أحد أشد المدافعين عن التاريخ الفكري - ما زال يعيش أزمة مؤسسية، وإن تجاوز الأزمة المرتبطة بشرعية الوجود. قد يكون أبسط مظاهر هذه الأزمة هو عدم وجود كراسيّ جامعية أو برامج أكاديمية مخصصة للتاريخ الفكري بصورة حصرية، على الأقل في جامعات بريطانيا والولايات المتحدة. فكثير من ممارسي التاريخ الفكري ينتمون إلى أقسام غير أقسام التاريخ، ويضيع وصف "أستاذ التاريخ الفكري" بمجرد اختفائهم من تلك الأقسام35. وحتى ستة أعوام مضت، ما زال أحد كبار أساتذة التاريخ الفكري- بيتر إي. غوردون (1966 -)، أستاذ التاريخ بجامعة هارفارد الأميركية المرموقة - يشعر بحاجة إلى كتابة ورقة علمية يجيب فيها عن هذا السؤال: "ما هو تحديدًا التاريخ الفكري؟"36. فما هو التاريخ الفكري؟
ثانيًا: التاريخ الفكري: الموضوع والمنهج
تقوم فكرة تفرد أي غرض من أغراض دراسة التاريخ على افتراض أن تداخل مواضيعه وأغراضه مع فروع الدراسات التاريخية الأخرى لا يعني ألّ يسعى المؤرخ إلى الفصل بين اهتمامات هذه المواضيع والأغراض المختلفة، بحيث يكون لكل من التاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي والتاريخ الفكري أسئلته واهتماماته. بيد أنه في الوقت الذي قد يتفق فيه المؤرخون المنتسبون إلى هذه الفروع من الدراسات التاريخية على إطارها العام (حتى إن اختلفت مناهجهم أو حتى تصوراتهم لحدود العلاقة بين السياسي والاقتصادي، على سبيل المثال)، فإن المنتسبين إلى التاريخ الفكري يختلفون أحيانًا اختلافات بيّنة، قد تكون هي نفسها سببًا من أسباب "الأزمات" التي مرّ بها التاريخ الفكري في تاريخه القصير نسبيًّا. ونستعرض هنا آراء بعض كبار المؤرخين المتخصصين في التاريخ الفكري فيما يخص إطاره وأوجه تفرده، ومن ثم علاقته بأغراض التاريخ الأخرى، ثم نناقش في المحور التالي من هذا البحث بعض الإشكاليات المرتبطة به.
تميز التاريخ الفكري موضوعًا ومنهجًا
في مقالة دالة عن الشعور ب "أزمة" التاريخ الفكري في سبعينيات القرن العشرين، يربط المؤرخ الأميركي المعروف وأستاذ جامعة شيكاغو، ليونارد كريغر (1918 - 1990)، أزمة التاريخ الفكري بتعدد مناهجه، ما يعكس تعدد أغراضه بصورة "تثير الشكوك حول مدى تماسكه بوصفه فرعًا متميزًا ومستقلًّ من فروع الدراسات التاريخية"37. ويعبّ رأي كريغر عن إشكاليات يواجهها التاريخ الفكري بصفة عامة ترتبط بموضوعه ومنهجه. ويمكن التعبير عن تلك الإشكاليات من خلال هذه الأسئلة المحددة: هل يتفرد التاريخ الفكري عن
غيره من أغراض التاريخ الأخرى في المنهج أم في الموضوع، أم في كليهما؟ وإذا كان موضوع التاريخ الفكري هو الأفكار عمومًا38، فهل يركز مؤرخ الفكر على موضوعات بعينها، أم يحاول البحث عن عموميات الفكر في الحقبة الزمنية موضوع دراسته؟ وهل يقصر تركيزه على المفكرين فقط، أم يسعى لوصف كل الأفكار في الحقبة الزمنية التي يدرسها، وبغضّ النظر عن هوية صاحب تلك الأفكار (مفكر/ أحد أفراد "العامة")، أو مدى "بساطتها"؟ وهل يجب على التاريخ الفكري أن يهتم بالأفكار كلها، أم يركز على الأفكار التي كان لها أثر ما في الواقع؟ وهل يتعامل المؤرخ مع الأفكار بوصفها ذات عالم خاص، أم يسعى لفهمها في سياق ما؟ وإذا كانت الإجابة "في سياق ما"، فما هو ذلك السياق؟ في منتصف القرن العشرين - أي حين كان التاريخ الفكري ما زال في طور البحث عن الشرعية - صرح المؤرخ الأميركي جون سي. غرين (1917 - 2008) بأن كل التأريخ هو تأريخ فكري بصورة أو بأخرى، بيد أن ما يميز التاريخ الفكري من غيره هو تركيزه - من جهة الموضوع - على الأفكار العامة وأنماطها والافتراضات التي تقوم عليها والتغير الذي يطرأ عليها من حقبة تاريخية إلى أخرى، ومن ثم رصد التحولات التي تمرّ بها تلك الأفكار الكبرى ومحاولة تفسير اختفاء بعضها أو تهميشه. ولكي يتمكن مؤرخ الأفكار من تحديد تلك الأفكار العامة، ينبغي له - من جهة المنهج - دراسة أكبر قدر ممكن من أدبيات حقبة معينة بحثًا عمّا يجمعها من افتراضات، وذلك باستخدام منهج تحليلي وتركيبي39. ويقصر غرين هنا بكل وضوح تركيزه على المفكرين وإنتاجهم الفكري، ويعترف بدور السياق الفكريالعام في تشكيل الأفكار، إذ يؤكد أن الاكتشافات أو النظريات العلمية في حقل معرفي ما تؤثر في كل الحقول الأخرى. فنظرية التطور البيولوجي، على سبيل المثال، تؤثر في طبيعة النظرة إلى المجتمع بوصفه أيضًا متغيرًا وتقدميًّا40. يتفق المؤرخ الأميركي فرانكلين إل. باومر (1913 - 1990)41، مع غرين عمومًا، إذ حدد أغراضًا أربعة مميِّزة للتاريخ الفكري على مستويَي الموضوع والمنهج، ألا وهي الكشف عن "روح العصر" Zeitgeist أو "المناخ الفكري" Climate Intellectual لعصر ما، من خلال تتبع مجموعة الآراء المتداولة فيه والمهيمنة عليه42، والكشف عن أسباب التحولات الفكرية ودوافعها ومظاهرها43، والكشف عن أثر
الأفكار في عالم الحركة44، ثم التنبؤ - من خلال تحديد الإطار الفكري العام في الحاضر - بما قد تؤول إليه الأفكار في المستقبل45. بيد أننا نجد هنا إشارة مهمة ودالة على العلاقة بين الفكر والفعل. لا يصرح باومر بضرورة تركيز التاريخ الفكري على الأفكار المرتبطة بالواقع من خلال تأثيرها في الفعل، ولكن حين نقرأ ما يؤكده باومر هنا، على خلفية أزمات التاريخ الفكري في القرن العشرين، يمكننا تصور ذلك ردَّ فعلٍ على الرأي القائل بكون التاريخ الفكري لا شيء، إذ إن التأريخ الحقيقي- بحسب هذه النظرة - يدرس الفعل، وليس الفكر، ما يعني أن الأفكار التي لم تنتج فعلً ليست لها قيمة تاريخية46. أما المؤرخ الأميركي جون هايام (1920 - 2003)، فيرى أن التاريخ الفكري يختلف عن أنواع التاريخ الأخرى من جهة موضوعه، إذ إنه يركز على "التجارب التي تقع في عقول الناس". وفي هذا، يختلف التاريخ الفكري عن غيره بعدم وجود حدود لتساؤلاته47. ويؤكد هايام أن تلك التساؤلات لا يجب أن تقتصر على الأفكار الكبيرة والمعقدة (أي أفكار كبار المفكرين)، بل يجب أن تشمل كل الأفكار، بما في ذلك أفكار بسطاء الناس48. ويختلف هايام هنا بوضوح عمّن سبقت الإشارة إليهم من مؤرخي التاريخ الفكري، إذ يقصرون موضوع دراسته على أفكار المؤرخين. كما أن هايام، واتساقًا ربما مع موقفه في هذه القضية الأولى، لا يشترط "التأثير" في الأفكار موضوع دراسة التاريخ الفكري؛ فقد يدرس مؤرخ أفكارًا (لمفكرين أو لغيرهم) ليس لها تأثير واضح أو مباشر في عالم الحركة والفعل. وفيما يخص سياق الأفكار، يميز هايام بين توجهين: توجه داخلي Approach Internal ينظر إلى الأفكار بوصفها تخلق عالمًا خاصًّا - أو سياقًا داخليًّا - من القيم لا يحتاج إلى أن يستمد شرعيته من أي شيء خارجه (وهو الموقف الأقرب إلى العلوم الإنسانية)، في مقابل توجه خارجي Approach Outward يبحث في أثر البيئة في الفكر وأثر الفكر في الفعل (وهو الموقف الأقرب إلى العلوم الاجتماعية)49. ثم يبين هايام المشكلات الأساسية المرتبطة بكل من هذين التوجهين، إذ يعجز الربط الحتمي بين الأفكار والبيئة التي تظهر فيها (التوجه الخارجي) عن تفسير استمرارية بعض الأفكار بعد تغير البيئة التي ظهرت فيها (بل فقدانها تأثيرها عمومًا). أما التوجه الأول (الداخلي) - الذي كان حاضنة التاريخ الفكري ويظل أكثر ارتباطًا به، بحسب هايام - فيجعل مهمة التاريخ الفكري شبه مستحيلة، إذ إنه يُعجِز المؤرخ عن متابعة عملية تطور الأفكار وتلاقحها من خلال نزعها عن أي سياق خارج عنها. وفي رأي هايام نفسه، فإن موقع المؤرخ يسمح له بتجسير الفجوة بين العلوم الاجتماعية والإنسانية من خلال الاستفادة من مناهجهما، فيستفيد من مناهج العلوم الاجتماعية الكمية، ويستفيد من مناهج الإنسانيات في دراسة عالم الأفكار والقيم والخيال، وهي أمور لا تخضع لقياس كمي، وإنما ل "استكشاف نوعي"50. واتساقًا مع الرأي القائل بأن المتميز في التاريخ الفكري هو منهجه، يوضح فيلكس غيلبرت (1905 - 1991)، وهو مؤرخ أميركي من أصل ألماني، أن التاريخ الفكري من جهة الموضوع ليس غرضًا جديدًا من أغراض البحث في الماضي، إذ اهتم الفلاسفة والمفكرون دائمًا
بدراسة ما أنتجه السابقون عليهم51. ولكي يوضح منهج التاريخ الفكري، يشير غيلبرت إلى الكتاب الذي عدَّه أول مؤلَّف حقيقي فيه، إذ قام مؤلِّفه بالتركيز على ترابط المعارف الإنسانية وتداخلها، ليثبت أن أي تطور فكري في مجالٍ ما يُحدث أثرًا في الفكر والحركة في كل المجالات الأخرى52. وقد كان للماركسية - بتأثيرها الضخم في الفكر الأوروبي منذ نهايات القرن التاسع عشر - دور في التنبيه على العلاقة اللازمة بين العناصر الفكرية والمادية المختلفة في مجتمع ما؛ ففضلً عن رفض كارل ماركس الكامل للتركيز الهيغلي على الأفكار من دون اعتبارٍ يذكر للمادة، فقد أكَّد أيضًا وجود بنية Structure للأشياء، بحيث يُحدث التغيير في أي من عناصرها تغييرًا في العناصر الأخرى بالضرورة53. كما كان للتقدم الذي شهدته العلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر دور في الانتباه إلى المادة والتخلي عن فكرة وجود حقيقة وجودية خارج عالم الظواهر الخاضعة للتجربة54. الخلاصة هنا هي أن الأفكار ليس لها عالمها الخاص المنفصل عن الواقع، كما أنها ترتبط بالسياق الفكري العام في أي حقبة زمنية، بحيث تؤثر في الأفكار الأخرى وتتأثر بها في الوقت نفسه. ويتفق المؤرخ الأميركي بيتر غوردون مع غيلبرت في أن ما يميز التاريخ الفكري هو منهجه، وليس موضوعه. فالتاريخ الفكري قد يتناول ما يهتم به الفيلسوف في تاريخ الفلسفة، إلا أن ما يميز المؤرخ الفكري من ذلك الفيلسوف (وبالمنطق نفسه أي مهتم بتاريخ علم ما مع تخصصه هو نفسه فيه) هو أنه بينما يهتم الفيلسوف ب "تقييم" الأفكار التي يدرسها على أساس تماسكها الداخلي، يهتم التاريخ الفكري ب "فهم" تلك الأفكار، ليس في سياقها الفكري فقط كما قد يفعل الفيلسوف، بل في سياقاتها السياسية والاجتماعية أو الخطابية أو الشخصية الخاصة بالمؤلف نفسه55. ويمكّن هذا المؤرخَ المتخصص في التاريخ الفكري من الربط بين نصوص قد لا يجد الفيلسوف علاقة بينها، أو حتى الربط بين أفكار قد تتجاوز حدود متطلبات الفلسفة الأكاديمية المعاصرة56.
أ. التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي
على الرغم من الاختلافات التي نراها بين كل هؤلاء المؤرخين المنتمين إلى التاريخ الفكري، فإننا نلاحظ أنّ لديهم توجهًا عامًّا نحو توسيع إطاره، بحيث يشمل كل مناحي الفكر في الفترة الزمنية لموضوع الدراسة، وإن اختلفوا في منهج القيام بذلك. بيد أن هذا الإطار الواسع قد يعطي التاريخ الفكري بعض المزايا عن غيره من أغراض التاريخ، إلا أنه جعل التاريخ الفكري عرضة للهجوم موضوعًا ومنهجًا، ما دفع المشتغلين به إلى التمييز بينه وبين مجالات قد تبدو بديلً منه. وربما يكون أهم تلك المجالات هو ما يطلق عليه "التاريخ الثقافي"، إذ كانت العلاقة بينه وبين التاريخ الفكري محل جدل بين المهتمين بهما57. وقد ميز بينهما بعض المؤرخين باعتبار الموضوع؛ فالتاريخ الثقافي يتناول كل ما له علاقة بثقافة ما، سواء كانت شعبية (بما تشمله من معتقدات وممارسات)، أو غير ذلك (مثل الفنون الجميلة وعالم الرموز المرتبط بالهوية الوطنية مثلً، فضلً عن المعتقدات والممارسات المرتبطة بالجسد البشري)58. وبهذا المفهوم، يدين التاريخ الثقافي بفضل كبير لمدرسة الحوليات الفرنسية، إذ كان مؤرخوها روادًا في الاهتمام بالثقافة بمفهومها العام من دون قصرها على النخبة السياسية. ومهما كان الأمر هنا، فقد رأينا أن بعض رواد التاريخ الفكري لا يقصرون موضوعه على أفكار المفكرين "المعقدة"، بل
يرونه شاملً لكل الأفكار (مثل هايام). وليس من المستغرب إذًا أن يتداخل موضوع التاريخ الثقافي مع التاريخ الفكري لدى البعض، ما يعني أنه في البحث عن الفرق بينهما، لا يجب النظر إلى الموضوع، بل إلى المنهج. وهنا، يعتقد غوردون أن الفرق بين التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي هو أنه بينما يركز الأول على الأفكار بصرف النظر عن مدى انتشارها (ما عرّض التاريخ الفكري للاتهام بالنخبوية)، يركز الثاني على الأفكار التي انتشرت خارج نطاق النخبة الفكرية (إن كانت هذه النخبة مصدرها) وتفعَّلت على مستويَي التفكير والممارسة الشعبيَيّن، فضلً عن مستوى الخطاب العام59. ومع هذه المحاولات للتمييز بين التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي، فإن العلاقة بينهما تظل إشكالية، وهو الأمر الذي نتناوله بمزيد من التفصيل في معرض الحديث عن بعض إشكاليات التاريخ الفكري لاحقًا.
ب. التاريخ الفكري وتاريخ الكتب
كما ميَّز التاريخ الفكري نفسه من مجال آخر كان شديد الصلة به، ألا وهو "تاريخ الكتاب" (أو "تاريخ الكتب)" / history Book books of History، إذ إنه على الرغم من العلاقة التكاملية بينهما، فإن التاريخ الفكري يهتم أساسًا بمضمون الكتب ومحتواها، بينهما يهتم تاريخ الكتب برصد مراحل تأليف الكتب ونشرها وانتشارها Diffusion، وهي عملية معقدة ترتبط بعدد كبير من العوامل التي تخص المؤلف والمحرر والناشر، وغيرها من أمور60. ولا يخفى بالطبع أن رصد ما قرأه القراء "العاديون" في فترة زمنية معينة قد يكون مؤشرًا على مدى فاعلية تلك الأفكار في تكوين الرأي العام في مجتمع ما، وهو الأمر الذي يفيد التاريخ الفكري لدى هؤلاء الذين يصرّون على شموليته، وليس اقتصاره على أفكار المفكرين فحسب61. بيد أن التمييز بين التاريخ الفكري وتاريخ الكتاب - سواء حسبناه تمييزًا مبررًا ومطلوبًا أو غير ذلك - لا يقابله تمييز بين التاريخ الفكري وأغراض تاريخية أخرى. أذكر هنا نموذج تاريخ الفكر السياسي بصفة خاصة، إذ يحسبه بعض المؤرخين - بحسب غوردون - مهيمنًا على التاريخ الفكري، كما يظهر في مؤلفات أغلب الممارسين له. ويذكر غوردون هنا مثال "مدرسة كامبريدج" وعلى رأسها المؤرخ البريطاني المعروف كوينتين سكينر (1940) -63. ويُعد سكينر من أهم مؤرخي ومنظّري التاريخ الفكري المعاصرين، إلا أن اهتمامه ينصبّ على الفكر السياسي
خاصة64. وفي بريطانيا أيضًا، اهتم المفكر المعروف إزايا برلين Berlin Isaiah (1909 - 1997) بالتاريخ السياسي بوصفه حقلَ التاريخ الأكثر فائدة لتأسيس نظام سياسي عادل65. ويعزو غوردون هذا الاهتمام بتاريخ الفكر والفلسفة السياسيين في بريطانيا (وكذلك في الولايات المتحدة على يد مجموعة من المؤرخين الأوروبيين الذين هاجروا إليها حاملين معهم إرث قارتهم66 إلى غياب اهتمام مؤرخي الفلسفة به، باعتباره أقل شأنًا من فروع الفكر والفلسفة الأخرى67. بيد أنه يعكس أيضًا الجدل حول الأفكار التي "تستحق" أن تكون موضوعًا للتاريخ الفكري (ينظر المحور التالي من البحث عن إشكاليات التاريخ الفكري)، إذ تعتبر الأفكار السياسية الأقرب إلى عالم الواقع والأقدر على التأثير فيه. نكتفي هنا بالأمثلة السابقة لمحاولات التمييز بين التاريخ الفكري من جهة، وأغراض التاريخ وفروعه الأخرى من جهة ثانية68. وليس من المستغرب إذًا أن يوصف التاريخ الفكري بأنه ذو حدود مراوِغة، وهو ما يرجع إلى انتماء من يكتبون فيه إلى مجموعة مختلفة من التخصصات الأكاديمية، ومن ثمّ تعدد اهتماماتهم الموضوعية وتوجهاتهم المنهجية وتنوعها69. ويعود بنا هذا إلى رأي كريغر المشار إليه في بداية المحور الثاني من البحث (أي الشكوك حول تماسك التاريخ الفكري)، وهو ما يقودنا إلى المحور الثالث منه، حيث نركز على بعض أسئلة التاريخ الفكري وإشكالياته العامة.
ثالثًا: التاريخ الفكري: أسئلته وإشكالياته
ارتبط التاريخ الفكري منذ ظهوره بعدد من الإشكاليات، وهي إشكاليات تواجه المؤرخ بوجه عام بصرف النظر عن مجال اهتمامه، ولا يتميز بها التاريخ الفكري بالضرورة إلا من جهة موضوعه، أي الأفكار والمفكرين.
1 ي. إشكالية قراءة الأفكار ف سياق تاريخي مغاير لسياقها
ترتبط إشكالية التاريخ الفكري المعرفية الأهم بإمكانية قراءة المؤرخ أفكار الماضي في إطار سياق مختلف عن سياقها، ما يزيد من احتمالات فهم تلك الأفكار فهمًا يختلف عن مراد صاحبها. ولا تتباين صعوبة هذه الإشكالية بحسب بُعد سياق الأفكار من سياق المؤرخ أو قربه منها؛ فلا توجد ميزة نسبية، على سبيل المثال، لدراسة مفهوم مثل الحرية عند اليونان القدماء من جهة، وعند مفكري عصر النهضة الأوروبية من جهة أخرى. فبُعد السياق اليوناني يساعد المؤرخ الحديث بالفعل على رؤية التمايزات بين مفهوم الحرية عند اليونان ومفهومه في عصر المؤرخ الحديث، إلا أن بُعد السياق التاريخي يصعّب مهمة المؤرخ في تفسير مفهوم اليونان عن الحرية في سياقه الفكري والثقافي الأوسع. وبالعكس، فإن قرب عصر النهضة النسبي من عصر المؤرخ الحديث ييسِّ من عملية تفسير مفهوم الحرية في عصر النهضة في سياقه التاريخي، إلا أن ذلك القرب الزمني، وربما المفاهيمي، قد يقلل من قدرة المؤرخ على ملاحظة الاختلافات
ورصدها بين فكرته الحديثة عن الحرية وفكرة عصر النهضة عنه. فالمفاهيم تتطور ببطء، ويصعب دائمًا ملاحظة ذلك التطور في الفترات الزمنية القصيرة70. وترتبط هذه الإشكالية بسؤال محدد سبقت الإشارة إليه، ألا وهو: هل يمكن للمؤرخ النظر إلى الأفكار بوصفها ذات "حياة" خاصة بها تدفعها عبر "منطق" خاص خلال حقب التاريخ المختلفة بصرف النظر عما يقع في تلك الحقب من أحداث، أم أنه لا يمكن دراستها إلا من خلال النظر في سياقها؟71 ننتقل الآن إلى الإشكالية الثانية التي تلقي الضوء على هذا الخلاف من خلال الإشارة إلى وضع المفكر موضوع دراسة المؤرخ.
2. إشكالية العلاقة بين المفكر وبيئته الثقافية
ترتبط إشكالية التاريخ الفكري الثانية بالعلاقة بين المفكر وبيئته الثقافية، بحسب هذا السؤال: هل المفكر هو مجرد منتج من منتجات بيئته الثقافية، أم أنه أحد محدداتها؟ أم أن المفكر والبيئة يرتبطان في علاقةٍ جدلية يؤثر كل منهما فيها في الآخر؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، لمن يكون التأثير الأكبر، للبيئة على المفكر، أم العكس؟ والواقع أن أصحاب "المنزلة بين المنزلتين" في هذا الجدل هم الأقلية72، بينما تنقسم الأغلبية بين من يهتمون ب "داخل" المؤلف النفسي والفكري Internalists (وأحيانًا "التفكيريِيّن" Intellectualists، إذا جازت الترجمة)، معتبرين إياه ذا استقلال فكري يستطيع من خلاله مفارقة الثقافة التي ينشأ فيها، وبين من يهتمون بالخارج الثقافي Externalists أو "السياقيِيّن" Contextualists، أي أولئك الذين يصرّون على أن السياق يفرض على المؤلف سياجًا لا يستطيع الفكاك الكامل منه73. ارتبط أصحاب الاتجاه الأول بفكرة "تاريخ الأفكار" عند لفجوي- كما رأينا من قبل - وينصبّ تركيزهم على أفكار المؤلف وفلسفته وانفعالاته ونفسيته، مؤكدين أن اعتباره "مُنتَجًا" لا يعبّ إلا عن نظرة سوقية تعجز عن تقدير الفكر أو الفن Philistinism، بل تزدري الفكر والمفكرين، وتصرف انتباه المؤرخ عما هو مهم (أي أفكار المفكر)، إلى ما هو ذو أهمية ضئيلة. ثم يطرح هؤلاء المؤرخون هذه الأسئلة: لماذا تنتج البيئة الثقافية نفسها مفكرين مختلفين في أفكارهم إذا كانوا جميعهم من منتجات تلك البيئة بعينها؟ ولماذا تظهر الأفكار نفسها في بيئات ثقافية مختلفة؟ بل لماذا توجد بعض الأفكار في كل الحضارات البشرية تقريبًا، بشكل أو بآخر؟ أما التاريخ الفكري بمفهومه المعاصر، فينتمي كثير من مؤرخيه إلى الاعتقاد الثاني، إذ ينصب تركيزهم على فهم داخل المؤلف بوصفه تفاعلً مع الثقافة المحيطة به أو ردَّ فعلٍ عليها. وقد يطرح هؤلاء المؤرخون بدورهم هذا السؤال: لماذا تنتج بيئات ثقافية معينة مفكرًا فاشيًّا، على سبيل المثال، وليس ليبراليًّا، بينما لا تنتج بيئة ثقافية أخرى إلا مفكرًا ليبراليًّا؟ ويربط البعض جدل "الداخل والخارج" والعلاقة بينهما بمجموعة من المتقابلات التي طرحها الفلاسفة منذ زمن اليونان، إذ فرّق أفلاطون بين الحقيقي (الأفكار) والزائف
(المظاهر المادية)، لتفرّق الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى بدورها بين الروح والمادة، ثم يظهر التقابل نفسه في تمايزات أخرى عند فلاسفة عصر النهضة الأوروبية (مثل رينيه ديكارت)، وفلاسفة عصر التنوير (مثل إيمانويل كانط)74.
3 ي. إشكالية العلاقة بين التاريخ الفكري والتاريخ الثقاف
تنتهي هاتان الإشكاليتان إلى إشكالية التاريخ الفكري الثالثة التي تتعلق بالعلاقة الملتبسة بين التاريخ الفكري والتاريخ الثقافي كما سبق بيانه. وتنبع أهمية هذه الإشكالية من كونها تصبّ في عمق منهج المؤرخ في تناول التاريخ الفكري لفترة زمنية ما. فقد يركّز مؤرخ ساعٍ لفهم أفكار عصر ما أو جماعة بشرية معينة على أفكار كبار مثقفي ذلك العصر أو تلك الجماعة (من خلال التركيز على ما يطلق عليه "المؤلفات العظيمة" Books Great)، بينما يركز مؤرخ آخر (يُعد نفسه أيضًا من المنتمين إلى التاريخ الفكري) على الثقافة التي ينتمي إليها أغلب أفراد ذلك العصر أو عناصر تلك الجماعة. في الحالة الأولى، يركز المؤرخ على نصوص مؤلفات العصر الرئيسة، أو "تعبيرات الفكر المكتوبة"، لا سيما تلك التي تتسم بقدر من العمق والتأمل75، ليصف مناخه الفكري من دون النظر إلى حضور تلك الأفكار وتأثيرها في عصرها وفي مجتمعها. وفي الحالة الثانية، يركز المؤرخ على عناصر الثقافة المختلفة، لمعرفة الأفكار التي كان لها حضور وتأثير في غالبية سكان العصر أو المجتمع وفهمها. يعرِّض الاعتقاد الأول التاريخ الفكري لهجوم المؤرخين المنتمين إلى التاريخ السياسي والاجتماعي والمهتمين بأشكال القوة المختلفة، بينما يهتم التاريخ الفكري بأمور لم يكن لها بالضرورة أهمية في الواقع، ولم تتجاوز قلة صغيرة من المثقفين76. وفي الحالة الثانية، قد يجد المؤرخ نفسه غارقًا في رصد أفكارٍ غير ذات قيمة، وربما لا تميز عصرًا ما من غيره أو مجتمعًا ما من آخر، أو أفكارٍ لا يمكن أن يُعزى أي دور في التقدم الفكري والحضاري إليها. أما وقد تناولنا نشأة التاريخ الفكري وتطوره في الغرب وما يرتبط به من إشكاليات، ننتقل الآن إلى استعراض وضعه في الدراسات التاريخية العربية الحديثة والمعاصرة.
رابعًا: التاريخ الفكري يف الدراسات التاريخية العربية الحديثة والمعاصرة
يتناول هذا المحور بإيجاز وضع التاريخ الفكري في الدراسات التاريخية العربية الحديثة والمعاصرة التي تتناول تاريخ الإسلام الفكري تحديدًا. فعلى الرغم من أن مجال التاريخ الفكري ليس جديدًا تمامًا على تلك الدراسات، فإنه ما برح يسعى لتأكيد وضعه بوصفه مجالً من مجالات الدراسات التاريخية المعتمدة، وذلك لمجموعة من العوامل. تشبه بعض تلك العوامل نظيرتها التي تسببت في أزمات التاريخ الفكري في الدراسات الغربية عنه، بينما ترتبط بعض العوامل الأخرى بغياب التنظير للتاريخ الفكري بوصفه فرعًا مستقلً من فروع الدراسات التاريخية، أو بطبيعة المصادر الإسلامية، أو بطبيعة التاريخ الإسلامي نفسه.
1 ي. ممرسو التاريخ الفكري ف العالم العربي
ينتمي أغلب الممارسين لما يمكن أن يندرج تحت التاريخ الفكري في العالم العربي إلى تخصصات أكاديمية مختلفة، فيبحث الفيلسوف في تاريخ الأفكار الفلسفية، وعالم الاجتماع في تاريخ أفكار تخصصه، والاقتصادي في تاريخ الفكر الاقتصادي، وباحث القانون في تطور فكرة القانون وفي القوانين المختلفة. ويرتبط هذا الأمر بتجاهلٍ مؤسَسّي للتاريخ الفكري، إذ لا نجد أساتذة تاريخ متخصصين فيه، فضلً
عن غيابه بوصفه تخصصًا فرعيًّا في ظل السيطرة المطلقة للتاريخ السياسي على أقسام التاريخ في الجامعات العربية77. كما أننا لا نجد عادة في أقسام التاريخ في الجامعات العربية مقررات تتناول حصريًّا تاريخ التخصصات الأخرى المختلفة، مثل تاريخ علم الاقتصاد أو القانون مثلً، بينما قد نجد هذه المقررات في أقسام الاقتصاد والقانون نفسها. يعني هذا أن من يبحث في تاريخ هذه التخصصات ليسوا بالضرورة "مؤرخين"78، سواء عنينا بذلك تدربهم على مناهج البحث والتفكير التاريخي في أقسام التاريخ الجامعية، أو تدربهم عليها تدريبًا ذاتيًّا؛ فالمتخصص في الاقتصاد يدرس تاريخ الاقتصاد غالبًا بوصفه متخصصًا في الاقتصاد، وينطبق الأمر نفسه على المتخصص في القانون أو الفلسفة أو علم النفس أو حتى في الكيمياء وغيرها من علوم طبيعية. وقد يكون أدلّ مثال على ذلك هو أن أغلب من بحثوا في الفلسفة الإسلامية (بما في ذلك مباحث العقيدة والفِرق الإسلامية) ليسوا مؤرخين، وإنما باحثون منتمون إلى أقسام الفلسفة، وربما متخصصون في الدراسات الإسلامية عمومًا، وليس التاريخ الإسلامي خصوصًا79. وقد نضيف إلى كل ذلك أن الدراسات التاريخية العربية التي يمكن أن تندرج تحت التاريخ الفكري تبدو نتاج جهدٍ فردي وليس منهجي، وهو جهد قد يكون له ارتباطات بتيارات فكرية معينة في العالم العربي، وليس جهدًا تأريخيًّا محايدًا وموضوعيًّا كما ينبغي أن يكون الحال. وقد كانت النتيجة الطبيعية والمتوقعة لكل ذلك هو غياب التنظير، إذ لا نجد أي دراسة، بحسب علمي، تتناول موضوع التاريخ الفكري ومنهجه وإشكالياته نظريًّا، وإنما نجد ممارسات له من دون أي غطاء فلسفي. وينطبق هذا الأمر حتى على المؤلفات التي تتناول تاريخ التأريخ نفسه80. والواقع أنه في حالة تاريخ الإسلام الفكري تحديدًا - لا سيما في مرحلتيه التأسيسية الباكرة والوسيطة81 - لا تقتصر إشكالية البحث فيه على ممارسيه فحسب، وإنما تمتد لتشمل مصادره نفسها، بل طبيعته هو نفسه، وهما الأمران اللذان نتناولهما تباعًا ببعض التفصيل.
2 ي. مصادر التاريخ الإسلامي ومدى فائدتها ف كتابة تاريخ الإسلام الفكري
تمثل كثير من مصادر تاريخ الإسلام الفكري المحتملة صعوبة كبيرة على مستويات المحتوى واللغة والكم؛ ذلك أن المصنفات الإسلامية الباكرة، وأحيانًا الوسيطة، تعطينا دائمًا معلومات من دون سياق خارج عنها؛ فالأفكار بيئتها فكرية أساسًا، والأحداث بيئتها سياسية بصفة خاصة. ونرى ذلك بوضوح في المصنفات التي تتناول الفرق الإسلامية، على سبيل المثال: فالمعلومات عن أفكار تلك الفرق وعقائدها نجدها في مصنفات الفرق أو "الملل والنحل" المختلفة، مع بعض إشارات عرضية أحيانًا إلى أنشطتها السياسية أحيانًا، أما المعلومات عن أنشطة تلك الفرق السياسية، فنجدها في مصنفات التاريخ خاصة، ربما مع إشارات عرضية وموجزة عن عقائدها. وقد يرجع هذا الأمر إلى طبيعة المصنفات الإسلامية نفسها، فهي إما مصنفات "تاريخ" بالمعنى التقليدي - إذ تركز على الأحداث التاريخية (والسياسية تحديدًا) بصورة شبه حصرية - وإما مصنفات تتناول "الأفكار" بصورة حصرية، مع إشارات عرضية إلى العقائد والأحداث هنا وهناك. وقد أصبحت المصنفات الأولى مصادر المؤرخين المتخصصين في التاريخ الإسلامي، بينما اهتم بالمصادر الأخرى المهتمون بالفكر والمنتمون في كثير من الأحيان إلى تخصصات أخرى غير التاريخ. كما أن النظر إلى بعض تلك المصنفات باعتبارها منتمية إلى مجال الدراسات الشرعية يخرجها من دائرة اهتمام المؤرخ "المحترف"، وإن استخدمها المؤرخون المنتمون إلى الدراسات الشرعية في دراسات تقوم، في الأغلب، على مسلمات إيمانية. وفي أحيان كثيرة، تنقصنا المصادر التي يمكن أن تفيد في دراسة موضوعات بعينها. فلو كنا ممن يعتقدون بشمول التاريخ الفكري لكل الأفكار المنتشرة في المجتمع أو الفترة الزمنية موضوع دراسةٍ ما، سنجد صعوبة كبيرة في دراسة الرق، مثلً، في التاريخ الإسلامي من منظور التاريخ الفكري (أو ربما من أي منظور كان). وينطبق الأمر نفسه على الإيمان بالسحر والجن (وهي موضوعات تخص التاريخ الفكري في بعض جوانبها، وليس فقط التاريخ الاجتماعي والثقافي)؛ فالإشارات التي قد نجدها في كتب التاريخ أو حتى في كتب الفقه عن تلك الأمور لا تسمح لنا بتكوين صورة ثابتة عنها. كما لا تفيدنا المصادر عمومًا - على كثرة مصنفات التراجم الضخمة - في دراسة "داخل" المفكر، أي انفعالاته وعواطفه، إلا أن يكون المفكر نفسه هو مصدر تلك المعلومات. ويتحقق هذا مع الشعراء مثلً وبعض من كتبوا "سِيرًا ذاتية" (مثل أبي حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال) أو أشاروا إلى بعض أمور شخصية أدّت دورًا في التفكير والسلوك (مثلما فعل ابن حزم الأندلسي في إشارته إلى إصابته في الطحال وارتباط ذلك بعنف أسلوبه82. إلا أن بعض هذه المصادر تتسم بقدر كبير من الصعوبة لغير المتخصصين فيها. فالشعر العربي مثلً يعد مصدرًا مهمًا وأساسيًّا من مصادر التاريخ الفكري للإسلام، إلا أن دراسته تقع حصريًا في أقسام اللغة العربية والأدب والعربي. أما مصنفات التصوف - وهي أيضًا أساسية لتاريخ الإسلام الفكري - فهي، علاوة على صعوبتها، لا تحظى بالعناية الكافية في تحقيقها ونشرها لأسباب متعددة83. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد تكون مصنفات التراجم كنزًا فيما يخص السياق الفكري والشخصي والبيئي للأفراد والأشخاص84. والواقع هو أن هذه المصنفات معروفة جيدًا، ولكنها، كما أحسب، لم تنل التقدير اللائق بها خارج دراسات بعينها، لعل أشهرها دراسة
الحديث النبوي لما لتلك المصنفات من اهتمام بمرتبة الأعلام المترجم لهم بوصفهم مُحدِّثين بحسب قواعد الجرح والتعديل. هنا، قد تضيع أهمية بعض المعلومات ذات القيمة التاريخية البالغة على الباحث "الشرعي" الذي إما أنه لا يهتم بها، وإما أنه يجدها مختلفة عن اعتقاداته ومسلماته الإيمانية. كما قد تضيع دلالة هذه المعلومات على المؤرخ غير المدرب على التعامل مع هذا الصنف من المصادر، فلا يستطيع فهم كل ما فيها إما لصعوبة لغتها وإما لارتباطها ببيئة فكرية لم يتعمق فيها بالقدر الكافي. والواقع أننا في دراسة تاريخ الإسلام الفكري، لا يمكننا الاعتماد على نوع واحد من المصادر، إذ قد نجد في مصنفات أصول الفقه، على سبيل المثال، إجابات عن أسئلة قد تثيرها لدينا مصنفات التاريخ أو التراجم وغيرها.
3. التاريخ الإسلامي بوصفه موضوعًا للتاريخ الفكري
ترتبط الصعوبات الأخرى، بالتاريخ الإسلامي نفسه، إذ قد يمنع الثراء الفكري مؤرخ الأفكار من تحديد أنماط الفكر في عصر إسلامي معين، لا سيما في مراحل التطور التي شهدت صراع أفكار مختلفة تنتمي إلى بيئات فكرية وثقافية متنوعة. وينطبق هذا الأمر بوضوح على تاريخ القرون الهجرية الثلاثة الأولى، إذ أدى اتساع الدولة الإسلامية الجغرافي وتنوعها العرقي والثقافي إلى وجود أنماط تفكير وممارسات متعددة تتسم بقدرٍ ما من التساوي في الوزن والتأثير، وذلك على خلاف القرون الإسلامية الوسيطة والمتأخرة التي يصبح تحديد الفكر المهيمن فيها (في منطقة جغرافية محددة، على أقل تقدير) أقل صعوبة. وقد كان التعدد اللغوي أحد مظاهر ذلك التنوع، إلا أن الدراسات التاريخية العربية، التي يمكن تصنيفها ضمن التاريخ الفكري، والتي تستخدم مصادر غير عربية (بلغات مثل اللغة الفارسية ولاحقًا اللغة التركية) هي قليلة بوجه عام، وذلك على الرغم من اهتمام كليات الآداب (حيث توجد أقسام التاريخ وبرامجه غالبًا) في بعض الجامعات العربية بتدريس اللغات "الشرقية". لا نستطيع، والوضع كذلك، أن نتحدث عن "أزمة" يمرّ بها التاريخ الفكري في الدراسات التاريخية العربية، إذ إن هذا النوع من الدراسات التاريخية لم يستقر وضعه بوصفه فرعًا مسلّمًا به في المقام الأول. ولكي يتم ذلك الأمر، يجب أن تكون هناك خطوات ملموسة تقوم بها أقسام التاريخ في الجامعات العربية، منها تخريج جيل من الطلاب الواعين بأبعاد التاريخ الفكري النظرية والمدربين على التعامل مع إشكالاته العامة وتلك الخاصة بالتاريخ الإسلامي بكل ما يتطلبه ذلك من معرفة متنوعة وخبرة مرنة. كما يفترض ذلك أيضًا تقبّل جماعة المؤرخين العرب لفكرة اهتمام المؤرخ بموضوعات وقضايا تختلف عن الاهتمامات التقليدية، مثل تاريخ التشريع أو تاريخ الفلسفة أو تاريخ العلم، وخلافه. ويتطلب هذا الأمر إنهاء الانفصال الحالي بين دراسة التاريخ الاحترافية (في مقابل الدراسة "الإيمانية") وفروع الدراسات الإسلامية المختلفة، بل تقبّل فكرة قيام المؤرخ المحترف بالتعامل مع المصادر الإسلامية الشرعية، بل اللغوية والأدبية، باعتبارها جزءًا من مصادره. كما أن فتح المجال لطلاب التاريخ بحضور مقررات دراسية في أقسام، وربما كليات أخرى، بات مطلبًا أساسيًّا الآن، إذ إنه يمكّن المؤرخ الناشئ من امتلاك أدوات البحث التاريخي في موضوعات معينة. كما يجب أن تتوفر لهؤلاء الطلاب ولأساتذتهم دوريات تتخصص في التاريخ الفكري، أو أن تفسح الدوريات التاريخية الموجودة المجال أمام الدراسات التي تنتمي إلى مجال التاريخ الفكري وتستخدم مصادر غير مألوفة في الدراسات التاريخية.
خاتمة
غطى هذا البحث، بما توفر له من مساحة، أهم الأفكار المرتبطة بالتاريخ الفكري نشأةً وتطورًا وموضوعًا ومنهجًا، وإن لم يستوعبها جميعها. ويأمل أن يكون هذا البحث فاتحة اهتمام نظري عام بالتاريخ الفكري، يليه اهتمام بتحديد إمكانياته في دراسة تاريخ الإسلام الفكري (أو أي تاريخ آخر قد يهمّ المؤرخ العربي) لسد فجوة حقيقية في الدراسات التاريخية الفكرية التي يقوم عليها مؤرخون محترفون. ورأينا في هذا البحث أن التاريخ الفكري بمفهومه الحديث، أو بالأحرى مفاهيمه الحديثة، كان وليد تطورات سياسية وثقافية متنوعة في الولايات المتحدة وأوروبا حددت له مجموعة من الإشكاليات الموضوعية والمنهجية. وعلى الرغم من أن هذا التنوع، كما أشرنا، عُدَّ سببًا للقدح في التاريخ الفكري والحط منه، بل عدم الاعتراف به، فإنه قد يمثل فرصة لهذا الفن تمكّنه من تجنّب مصير أغراض تاريخية أخرى انكفأت على نفسها فتعرّضت، هي الأخرى، لأزمات مثل تلك التي مرّ بها التاريخ الفكري في تاريخه القصير. وبالنسبة إلينا، مؤرخي العالم العربي، فإن تنوع أسئلة التاريخ الفكري الموضوعية والمنهجية يفتح أبوابًا لاستجلاء جوانب من تاريخنا الفكري، قد لا تساعد الأطر النظرية الموجودة على استكشافها، وهذه هي الفائدة الأساسية لمثل هذا النوع من الدراسات التي تسعى لرصد فلسفات التفكير التاريخي ونظرياته. فالتأصيل النظري يمكّن المشتغلين بفن معين من التواصل معًا والبناء على ما تم إنجازه على نحو سلس. إلا أن ارتباط أسئلة التاريخ الفكري الموضوعية والمنهجية بتطورات فكرية معينة يعني أن دراسة التاريخ الإسلامي، على سبيل المثال، في ضوء هذه الأسئلة، قد تضيف إليها بقدر إضافة هذه الأسئلة إلى التاريخ الإسلامي نفسه. نحن نبدأ من الأسئلة، في الوقت الذي نطورها فيه، أو نطور أسئلتنا الخاصة، بحيث نصير نحن أنفسنا مساهمين في تطور الفكر التأريخي النظري.
المراجع
العربية
أبيض، مليكة. "بالاستناد إلى تاريخ دمشق لابن عساكر: صورة كمية للنشاطين الفكري والتربوي في بلاد الشام في القرون الثلاثة الأولى للهجرة". التراث العربي. مج 1، العدد 1 (أيار/ مايو 1980).
بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، المجلد الثاني: العلمانية ونظريات العلمنة: العلمانية ونظريات العلمنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.
بني ياسين، يوسف. "الخطط الدراسية في أقسام التاريخ في الجامعات العربية (الأردن ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي): دراسة تحليلية". أسطور. العدد 5 (كانون الثاني/ يناير 2017).
التيمومي، الهادي. المدارس التاريخية الحديثة. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2013.
ابن حزم الأندلسي، أبو محمد علي بن أحمد. كتاب الأخلاق والسير، أو رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل. تحقيق إيفا رياض. راجعه وقدم له وعلق عليه عبد الحق التركماني. ط 8. الرياض: دار ابن حزم، 2016.
السيد، رضوان. الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي، 2007.
طحطح، خالد. الكتابة التاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2012.
________. البيوغرافيا والتاريخ. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.
________. عودة الحدث التاريخي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2014.
فراج، عبد الرحمن أحمد عبد الهادي. "الخصائص البنيانية للإنتاج الفكري في علوم الدين الإسلامي: دراسة في الأطروحات الجامعية". عالم الكتاب. العدد 44 (تشرين الأول/ أكتوبر 1994).
الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية - التاريخ والذاكرة - تاريخ العقليات. ترجمة وتقديم محمد حبيدة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.
كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات، مناهج، مدارس. ط 2، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.
ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر. تونس: دار محمد علي للنشر، 2012.
الأجنبية
• Bavaj, Riccardo. "Intellectual History." Version: 1. 0. Docupedia-Zeitgeschichte. 13 / 9 / 2010. at: https://bit.ly/ 2 YGb 8 YO
• Baumer, Franklin L. "Intellectual History and its Problems." The Journal of Modern History. vol. 21 , no. 3
(September 1949).
• Collini, Stefan. "What is Intellectual History." History Today. vol. 85 , no. 10 (October 1985).
• ________. "Intellectual History." The Institute of History Research. Making History (2008). at: https://bit.ly/ 3 dkJWCX
• Darnton, Robert. "Discourse and Diffusion." Contributions to the History of Concepts. vol. 1 , no. 1 (March 2005).
• De Paula Couto, Cristiano Pinheiro. "Interview with Dominick LaCapra." Intellectual History Review. vol. 24 ,
no. 2 (2014).
• Delacroix, Christian et al. Hisotiorgraphies: Concepts et débats. Paris: Gallimard, 2010.
• Diggins, John Patrick. "Arthur O. Lovejoy and the Challenge of Intellectual History." Journal of the History of
Ideas. vol. 67 , no. 1 (January 2006).
• Gilbert, Felix. "Intellectual History: Its Aims and Methods." Daedalus. vol. 100 , no. 1 (Winter 1971).
• Gordon, Peter E. "What is Intellectual History? A Frankly Partisan Introduction to a Frequently Misunderstood
Field." The Harvard Colloquium for Intellectual History (Summer 2013).
• Greene, John C. "Objectives and Methods in Intellectual History." The Mississippi Valley Historical Review. vol.
44 , no. 1 (June 1957).
• Higham, John. "Intellectual History and its Neighbors." Journal of the History of Ideas. vol. 15 , no. 3 (June 1954).
• Izenbert, Gerald. "Psychohistory and Intellectual History." History and Theory. vol. 14 , no. 2 (May 1975).
• Jacoby, Russel. "A New Intellectual History?" The American Historical Review. vol. 97 , no. 2 (April 1992).
• Kelley, Donald R. "Horizons of Intellectual History: Retrospect, Circumspect, Prospect." Journal of the History
of Ideas. vol. 48 , no. 1 (January-March 1987).
• ________. "Intellectual History in a Global Age." Journal of the History of Ideas. vol. 66 , no. 2 (April 2005).
• Kohut, Thomas A. "Psychohistory as History." The American History Review. vol. 91 , no. 2 (April 1986).
• Krieger, Leonard. "The Autonomy of Intellectual History." Journal of the History of Ideas. vol. 34 , no. 4 (October-
December 1973).
• LaCapra, Dominick. Rethinking Intellectual History: Texts, Contexts, Language. Ithaca/ London: Cornell
University Press, 1983.
• ________. "Intellectual History and Its Ways." The American Historical Review. vol. 97 , no. 2 (April 1992).
• LaCapra, Dominick & Steven L. Caplan (eds.). Modern European Intellectual History: Reappraisals and New
Perspectives. Ithaca/ London: Cornell University Press, 1982.
• Levine, Joseph M. "Intellectual History as History." Journal of the History of Ideas. vol. 66 , no. 2 (April 2005).
• McMahon, Darrin M. & Samuel Moyn (eds.). Rethinking Modern European Intellectual History. Oxford: Oxford
University Press, 2014.
• Marchand, Suzanne. "Problems and Prospects for Intellectual History." New German Critique. no. 65 (Spring-
Summer 1995).
• Miller, Eric. "Intellectual History after the Earthquakes: A Study in Discourse." The History Teacher. vol. 30 ,
no. 3 (May 1997).
• Müller, Jan-Werner. "European Intellectual History as Contemporary History." Journal of Contemporary History.
• Randall, John Herman. "A Symposium in Honor of Arthur O. Lovejoy: Arthur O. Lovejoy and the History of
• Skinner, Quentin. "Meaning and Understanding in the History of Ideas." History and Theory. vol. 8 , no. 1 (1969).
• ________. "On Intellectual History and the History of Books." Contributions to the History of Concepts. vol. 1 ,
• Surkis, Judith. "When was the Linguistic Turn? A Genealogy." The American Historical Review. vol. 117 , no. 3
• Toews, John E. "Intellectual History after the Linguistic Turn." The American Historical Review. vol. 92 , no. 4
مراجع إضافية
أبو شوك، أحمد إبراهيم. "المنهج التكاملي لدراسة التاريخ: الرؤى والأطروحات". المجلة العربية للعلوم الإنسانية (الكويت). مج 35، العدد 138 (ربيع 2017).
الخطيب، نشأت. "الجبرتي والصراع الفكري في عصره". الفكر العربي. مج 1، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر 1978).
السحيباني، حمد بن صالح بن محمد. "الاتجاه الفكري لدعوة ابن تومرت: دراسة تاريخية". مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. العدد 6 (تموز/ يوليو 1992).
مسعود، محمود. "تاريخ الوعي في العالم الإسلامي". مجلة الوعي الإسلامي. العدد 532 (كانون الأول/ ديسمبر 2009).
vol. 46 , no. 3 (July 2011).
Ideas." Philosophy and Phenomenological Research. vol. 23 , no. 4 (June 1963).
no. 1 (March 2005).
(June 2012).
• White, Hayden V. "The Tasks of Intellectual History." The Monist. vol. 53 , no. 4 (October 1969).