Return to Article Details State Memory and Territory between Memory and History: Tunisia and Morocco before Colonialism.

ذاكرة الدولة ومجالها بين الذاكرة والتاريخ: تونس والمغرب ما قبل الاستعمار

State Memory and Territory between Memory and History: Tunisia and Morocco before Colonialism.

عدنان القرسي

الملخّص

ترتكز هذه الدراسة على إعادة قراءة بعض الكتابات المصدرية التي عملت على بناء ذاكرة الدولة في كلّ من تونس والمغرب وتشكيلها، في ضوء النقاش المعرفي القائم بين الذاكرة والتاريخ، وذلك في محاولة الكشف عن حدود التداخل والتقاطع بينهما. ولن يجري هذا الأمر من دون تفكيك بعض الخطابات التي اهتمت بإشكالية بناء الدولة، وإعادة قراءتها وربطها بسياقات نشأتها وظروفها. وسنركز في تجربتنا البحثية هذه على كتابَين مصدريَّين أساسيَين وهما: كتاب المؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن أبي دينار، ثم كتاب العزّ والصولة في معالم نظم الدولة لعبد الرحمان بن زيدان؛ وذلك لرصد كيفية تناول المؤلفَين إشكالية بناء ذاكرة الدولة ومجالها في التجربتين التونسية والمغربية. تتمحور دراستنا المقارنة حول ثلاثة محاور كبرى: يتناول الأول جدل الذاكرة والتاريخ عند ابن أبي دينار وعبد الرحمان بن زيدان، بينما يتطرق الثاني إلى المركزة السياسية بين الذاكرة والتاريخ في تونس والمغرب، ويختص الثالث ببناء ذاكرة الدولة ومركزيتها السياسية من خلال البيعة، والمحال/ التحركات السلطانية، ثم الظاهرة الأعيانية بصفتها آليات ثلاثًا لتأمين عملية المركزة السياسية داخليًّا.

Abstract

This paper is based on a re-reading of some of the references that shaped the state's memory in Tunisia and Morocco, in the light of the epistemic debate that exists between memory and history. It seeks to reveal the boundaries of overlap and intersection between them, which requires the deconstruction and review of some of the discourse that has focused on the problem of state building, linking it to the conditions of the state's inception. This research will focus on two main source materials: Al-Muʾnis fī Akhbār Ifrīqīya wa Tūnis by Ibn Dinar and then Al-ʿAzz wa al-Ṣawla fi Ma'ālim Naẓm al-Dawla by Abd al-Rahman Ibn Zidan. It observes how the authors dealt with the problem of building the state's memory and its scope in the Tunisian and Moroccan experience. This comparative study revolves around three major points: the dialectics of memory and history according to Ibn Dinar and Ibn Zidan, the political centering between memory and history in Tunisia and Morocco, and how the memory of the state and its political centrality is built through the pledge of allegiance (bay'ah), the sultanic tours, and the elitist phenomenon securing the process of political centralization internally.

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة
  • التاريخ
  • الدولة
  • تونس
  • المغرب
Keywords:
  • Memory
  • History
  • State
  • Tunisia
  • Morocco
عدنان القرسي | Elkarssi *Adnane
رسي|
ن
ذاكرة الدولة ومجالها بين الذاكرة والتاريخ
تونس والمغرب ما قبل الاستعمر
State Memory and Territory between Memory and History
Tunisia and Morocco before Colonialism

مقدمة

ما زال موضوع ذاكرة بناء الدولة ومجالها موضوعًا يستهوي الكثير من الباحثين والدارسين في ظلّ النقاش المفاهيمي والمعرفي الناتج من سياق تطوّر الدولة الوطنية الحديثة الأوروبية بعد الثورة الفرنسية، مقارنةً بالدولة التقليدية المخزنية في تونس والمغرب؛ ذات السلطة المطلقة التي تسعى للمركزة السياسية رغم محدودية وسائلها الإدارية والتقنية والسياسية والاقتصادية التي لا تسمح لها بذلك. وهذا ما يفسر كثرة الدراسات، وخاصّةً التاريخية منها في هذا الجانب، غير أنّ ما تجدر الإشارة إليه هنا أن جُلّ، إن لم نقل كلّ، الكتابات درست إشكالية بناء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة، لم تتناولها من ناحية معرفة الآليات أو الديناميات الأساسية التي ساهمت في نشأتها، بل من أجل التأكيد على وجودها في السياق العربي/ الإسلامي عامّةً، في محاولة للرد على الفكرة الإثنومركزية الأوروبية التي تجعل من الدولة ظاهرةً أوروبية حديثة بحتة إلى الدرجة التي جعلت البعض يعتبرها مستوردة أو دخيلة عن السياق العربي1. غير أنّ ما يُعاب على تلك الكتابات التاريخية كونها ظلّت مرهونة بالردّ على الخطابات الأجنبية حتى أصبحت هي الأخرى سجينة رهان الدولة، مؤسِّسةً بذلك خطابًا انتقائيًّا وتبريريًّا شغله الشاغل التأكيد على حضور هذه الأخيرة في المجالات غير الأوروبية إلى الدرجة التي أصبح التاريخ يُعرف فيها كونه علم الدولة. ومن ثمّ، سنحاول في هذه الدراسة إعادة قراءة بعض الكتابات المصدرية التي عملت على بناء وتشكيل ذاكرة الدولة، والتي تصنّف على أنها تاريخية، في ضوء جدلية الذاكرة والتاريخ للكشف عن حدود التداخل والتقاطع بينهما، الأمر الذي لن يتم من دون تفكيك تلك الخطابات وربطها بسياقات تأليفها وظروفه. وفي هذا الإطار، سنشتغل أساسًا على كتابيَن لفاعليَن اجتماعييَن، يُصنّفان على أنّهما مؤرخان، وهما: ابن أبي دينار (ت. 1110 ه/ 1698 م) في كتابه المؤنس في أخبار إفريقية وتونس (انتهى من كتابته 1881 - 1882)2، ثم عبد الرحمن بن زيدان (1295 - 1365 ه/ 1878 - 1946 م) من خلال كتابه العزّ والصولة فيمعالم نظم الدولة3، في محاولة للإجابة عن إشكالية رئيسة تتمثّل في رصد كيفية تناولهما لذاكرة الدولة ومجالها في التجربتيَن التونسية والمغربية من جهة، ومن جهة أخرى المقارنة بين التجربتين فيما يتعلق بآليات بناء المركزة السياسية في كل قطر تبعًا لخصوصية كلّ منهما، وذلك وفق ثلاثة محاور كبرى نمهّد لها بمدخل نظريّ نعرّف فيه بالذاكرة، ثم نرصد علاقتها بالتاريخ، سواءً من حيث مواضيع اشتغالهما معًا أو من حيث الإشكالات المنهجية التي تواجههما في اشتغالهما على ثنائية الماضي والحاضر، وفيه تعريف الذاكرة ورصد علاقتها بالتاريخ. سنتناول في المحور الأول من هذه الدراسة جدل الذاكرة والتاريخ عند ابن أبي دينار وعبد الرحمن بن زيدان، بينما نتطرّق في المحور الثاني إلى المركزة السياسية بين الذاكرة والتاريخ وحضورها لدى المؤلفَيّن المذكورَين، تاركين المحور الثالث والأخير للحديث عن آليات بناء ذاكرة الدولة ومركزيتها السياسية في القطرَين المدروسيَن في ثلاثة عناوين فرعيّة صغرى: الأول يتعلق بالبيعة، والثاني المحال أو التحرّكات السلطانية، بينما يختص الثالث بالظاهرة الأعيانية، وفي الأخير نختتم هذه الدراسة بخلاصة نعيد من خلالها التعرّض لأهم نتائجها المعرفية والمنهجية.

  1. برتران بادي، الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام، ترجمة نخلة فريفر (الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، 1996)؛ ولبادي كتاب آخر، يُنظر: برتران بادي، الدولة المستوردة: غربنة النصاب السياسي، ترجمة شوقي الدويهي (بيروت: دار الفارابي، 2006.)
  2. محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني المعروف بابن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس (تونس: المكتبة العتيقة، 1869.)
  3. عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة (الرباط: المطبعة الملكية، 1961.)

مدخل: الذاكرة والتاريخ: علاقة جدلية

عرفت الكتابة التاريخية خلال مطلع القرن العشرين تطوّرًا ملحوظًا على مستوى الموضوعات والمناهج، وذلك لظهور مدارس تاريخية جديدة عملت على إخراج حقل التاريخ خصوصًا، والعلوم الإنسانية عمومًا، من دائرة الدراسات الجزئية أو أحادية النظرة إلى الدراسات المتعدّدة المصادر والعابرة للتخصصات؛ فشكلت بذلك بداية لما سُمّي بتيار "التاريخ الجديد" الذي دعا مؤسسوه مارك بلوخ4) 1985 - 1902 (Fernand Braudel) وفرناند بروديل 1956 - 1878 (Lucien Febvre) ولوسيان فيفر 1944 - 1886 (Marc Bloch من جهة إلى توسيع دائرة المصادر وعدم الاعتماد على المكتوبة منها فقط، ومن جهة أخرى الانفتاح على العلوم الاجتماعية والاحتكاك بها واستيعاب مناهجها، من اقتصاد وسوسيولوجيا وجغرافيا وسيكولوجيا ولسانيات5. ساهمت مدرسة الحوليات Annales Les في توسيع حقل التاريخ من حيث الأغراض والموضوعات، إضافةً إلى تجديد وإغناء منهجه من خلال التحليل والرأي واستثارة الأسئلة. كما دعت إلى تطوير التاريخ على المستوى المفاهيمي والعملي بدمجه مع مختلف علوم الإنسان، بصفتها علومًا مساعدة، وغزو مناهجها وتتبع نتائجها وحتى أساليب نظرها منددةً ب "البحث المحوجز، [الذي يقوم به] مؤرخون من جهة، واقتصاديون وأخصائيو الواقع الاجتماعي الحاضر من جهة أخرى؛ [وينتج منه] تاريخ مجزأ حيث يعمل كل واحد في ميدان محاط بأسوار عالية"6، وفي محاولة لتجاوز حالة التجزئة تلك يقول لوسيان فيفر: "إننا ننوي النهوض ضدّ هذه الانقسامات، ليس بواسطة مقالات منهجية ومباحث نظرية، بالنموذج والواقع"7. انفتح المهتمون بالتاريخ على كلّ ما من شأنه أنْ يشكّل دعامةً أو مصدرًا مساعدًا على التأليف التاريخي، في محاولة منهم لتجاوز الدراسات التاريخية المجزأة والمحدودة المواضيع، ومن ثم توجّهوا إلى توظيف المذكرات والشواهد كونها مصادر حاملة للأحداث الماضية و/ أو الحاضرة. فثنائية ماض/ حاضر التي هي في صميم عمل المؤرخ8 تخضع كذلك لعدّة عمليات ذهنية دقيقة بين تذكر الوقائع التاريخية ومحاولة استرجاعها، وبين نسيانها أو تناسيها بوعي أو من دون وعي، فالتذكر والنسيان/ التناسي يمثلّان آليتين من آليات اشتغال الذاكرة. وفي السياق ذاته تُعرّف الذاكرة بأنّها "ذلك الوعاء الذي يختزن كل ما مضى، أو ما تبقى من الماضي في معاش الجماعات أو ما يتمثل بشأنه"9، وهي أيضًا القدرة على التمثل الانتقائي لأحداث الماضي، سواءً كانت هذه الانتقائية إراديةً أو غير إرادية10، أي إنّها عملية استرجاع لأحداث ماضية عبر مسار معقّد من إدراك الأحداث وتسجيلها وترميزها وتخزينها وإعادة إنتاجها في شكل صور ذهنية

  1. يعدّ مارك بلوخ ولوسيان فيفر من أهم رواد تيار التاريخ الجديد وأهم مؤسسي مجلةالحوليات Annales Les سنة 1929 في فرنسا، وأدارها بعدهما فرنان بروديل في الفترة 1956 - 1969، وتُلتمس نظرتهم الجديدة للتاريخ من خلال كتاباتهم، يُنظر: مارك بلوخ، دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ، ترجمة أحمد الشيخ (باريس/ القاهرة: المركز العربي الإسلامي للدراسات الغربية، 2012)؛ فرنان بروديل، البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي، ترجمة مروان أبي سمرا (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)؛ Lucien Febvre, Combats pour l'Histoire (Paris: Librairie Armand Colin, 1992).
  2. الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 8.
  3. فرنان بروديل، "من التاريخ السردي إلى التاريخ الإشكالي"، في: الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، ص 62 - 63.
  4. المرجع نفسه، ص 63.
  5. لأنه كما يقول جاك لوغوف: "إن عمل التاريخ يتم في تنقل مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الحاضر والماضي"، يُنظر: جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 10 - 11.
  6. بيير نورا، "الذاكرة الجماعية"، في: الكتابة التاريخية: التاريخوالعلوم الاجتماعية، ص 86.
  7. عبد العزيز الطاهري، الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 - 6 195 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016)، ص 28.

في زمن ماض وذكرها أو التذكير بها بحسب معطيات الحاضر11. وبهذا أمكن لنا القول إنّ الذاكرة والتاريخ يشتركان في دراسة الماضي الإنساني؛ الأمر الذي أضفى طابعًا جدليًّا على نوعية العلاقة بينهما، إلى الدرجة التي أصبح فيها ذكر مفردة "التاريخ" يستوجب ذكر اصطلاح "الذاكرة" والعكس صحيح، ممّا يعني أنّنا أصبحنا أمام "مشكلة تاريخية حديثة"12. يدعو بيير نورا Nora Pierre في سياق حديثه عن إشكالية العلاقة بين التاريخ والذاكرة الجماعية إلى الحدّ من ترادف الكلمتين كأنّهما عنصر واحد من خلال إعلان الطلاق بينهما بشكل تامّ لكي تتحوّل تلك الذاكرة إلى موضوع تاريخي. كما يشير إلى كون كتابة التاريخ خاضعةً لضغط الذاكرة، سواءً تعلّق الأمر بالوقائع الماضية أو الراهنة المرتبطة بالأحداث التي تؤسس لها وسائل الإعلام أو التاريخ العالمي الخاضع لمصالح الذاكرات المحلية13. ذهب بول ريكور Ricœur Paul (1913 - 2005) إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ المشكلة تبدأ مع الذاكرة وليس التاريخ؛ لأنّ مهمة المؤرخ تكمن في تمثّل الوقائع والأحداث المتموضعة على مستوى الذاكرة، يعني أنّ التاريخ ورث المشكلة من المنطلق، على مستوى الذاكرة والنسيان14. ويتساءل ريكور عن الذات المُتذكِّرة، من يتذكر؟ والإجابة عن هذا التساؤل تقودنا إلى نقاش معرفيّ آخر لا يقل أهميةً عن إشكالية العلاقة بين التاريخ والذاكرة، والمتعلق بأصل الذاكرة من حيث كونها فرديةً أم جماعيةً، إلا أنّه لا يسعنا الحديث عنه في هذه الدراسة15. ومهما يكن فلا يمكن الفصل بين الذاكرة والتاريخ على نحوٍ قطعيّ، لكن يمكن إلى حدّ ما تطويع أحدهما لخدمة الأخر، وهذا المفروض، ومن ثمّ العمل على جعل الذاكرة أداةً لتقدّم التاريخ وتحديثه16، وجعل التاريخ كذلك وسيلةً لتصفية الذاكرة وتنقيتها من الشوائب حتى يتمكن المؤرخ من استيعابها والنفاذ بها إلى الأحداث والوقائع الماضية بطريقة أكثر علمية. وليس من السهل استرجاع الأحداث كما وقعت في الماضي وهذا الأمر يشكلّ في حدّ ذاته إشكالً آخر يُضاف إلى إشكالية العلاقة بين الذاكرة والتاريخ. فإلى أيّ حد يمكن الكشف عن هذا السجال المعرفي بين الذاكرة والتاريخ من خلال كتابيَن مصدرَين لابن أبي دينار وابن زيدان يتناولان أحداثًا ماضيةً بعيدةً زمنيًّا من حيث سياق وتاريخ تأليفهما، واحتواؤهما في الوقت نفسه على أحداث ووقائع عاصرها مؤلفاهما، فكيف تتجلّى إذًا إشكالية الذاكرة وما يشوبها من انتقاء مقصود أو غير مقصود؟ وما حدود الحضور التاريخي والذاكرتي في المصدرَين المذكورَين؟

أولً: الذاكرة والتاريخ عند ابن أيب دينار وابن زيدان

فيٌ البداية تجب الإشارة إلى أنّ الحديث عن موضوع الذاكرة وبناء مجال الدولة في القطرين المغربي والتونسي تتحكّم فيه ظروف وسياقاتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ واجتماعيةٌ مختلفةٌ، بحيث لا يمكن فهم خصوصية كلّ بلد من دون معرفة تلك الظروف والسياقات باعتبارها المنفذ الأساسي لمعرفة كيفية بناء الدولة المجالية وآلياتها في ذلك. وهذا الأمر الذي لن يتم من دون تفكيك خطابها، كيف لا

  1. المرجع نفسه، ص 32.
  2. الكتابة التاريخية: التاريخوالعلوم الاجتماعية، ص 88 - 89.
  3. المرجع نفسه، ص 89.
  4. بول ريكور، "الذاكرة الجماعية"، في: المرجع نفسه، ص 92.
  5. يذهب بول ريكور بالقول إن الذاكرة في أصلها فردية صرفة، أما الحديث عنها في صيغتها الجماعية فهي مسألة جديدة تسعى إلى التشكيك في سابقتها الفردية، وكان أول من نادى بها هو موريس هالفاكس في كتابهالذاكرة الجماعية، يُنظر: المرجع نفسه، ص 95؛ وبخصوص كتاب موريس هالفاكس، ينظر: Maurice Halbwachs, La Mémoire Collective , 2 nde ed. (Paris: Édition électronique réalisée par Mme Lorraine Audy, 2001), accessed on 11 / 8 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 f 5 lRUh
  6. نورا، ص 91.

ونحن نعتمد على كتابيَن لفاعليَن اجتماعيَيّن هما ابن أبي دينار وعبد الرحمن بن زيدان، يصنفان بكونهما مؤرخَيّن وفق النظرة التاريخية "التقليدية" للعملية التأريخية، ويعتبران أيضًا جسر الدولة الذي تشرعن وتبرّر من خلاله كلّ الأفعال التي من شأنها تحييز المجال وبناء مركزة سياسيّة قويّة بصفتها رهانًا للدولتين معًا. ومن ثمّ كان من الضروري أوّلً معرفة السياق التاريخي الذي ألّف فيه كلٌّ من ابن أبي دينار وابن زيدان كتابَيهما، لا شيء إلّ لكونهما ابني عصرَيهما وبيئتيهما كما يُقال. لكن قبل ذلك نشير إلى نقطة منهجيّة وعمليّة تتمثّل في أنّ ماضي البلدين، أو ماضي البلدان بصفة عامّة، يختلف من ثقافة إلى أخرى، ليس هذا فقط، بل يختلف داخل الثقافة الواحدة نفسها بحسب المجموعات (الرعايا) والحقب (السياق التاريخي). وذلك راجع الى كونه يخضع لمحدّدات متعدّدة، مثل طبيعة السلطة القائمة وأشكال التنظيم الاجتماعي ونوعية التصوّرات السائدة17. من ثمّ فمن يكون ابن أبي دينار وابن زيدان؟ وما خلفياتهما الفكرية والسياسية؟ وأين يتجلّى حضور الذاكرة في كتابيهما؟ تمكّننا الإجابة عن تلك التساؤلات من معرفة مكانة الكاتبيَن في التركيبة الاجتماعية السائدة بالبلدَين والمختلفة بطبيعة الحال، إضافةً إلى تمكيننا كذلك من تحديد المستهدف بخطابهما والغاية منه. وهذا الأمر الذي لن يتم من دون الانطلاق من المعطيات الشخصية للكاتبيَن بغية النفاذ مباشرةً إلى طبيعة الوسط الذي كانا يعيشان فيه والذي نفترض أنه أثّر تأثيرًا بليغًا في طريقة الكتابة والتأليف، ليس هذا فقط، بل وكذلك في الخطاب في شموليته من حيث أهدافه وطريقة صياغته انتقاءً وتحريفًا وتبريرًا. إذًا في أيّ سياق كتب ابن أبي دينار وابن زيدان؟ ننطلق من المؤرخ الأول، واسمه الكامل هو أبو عبد الله محمد المعروف بابن أبي دينار القيرواني، وُل د في بداية القرن السابع عشر وتوفي نحو عام 1699، ينتمي إلى عائلة من أعيان القيروان، وشغل خطّة القضاء في عدد من المدن التونسية قبل أنْ يدخل البلاط في عهد المراديين (1613 - 1702)18. ولقائل أنْ يقول: ما الغرض من ذكر كلّ هذه التفاصيل؟ إنّ عرض مثل هذه الجزئيات يبقى مهمًّا نظرًا إلى قيمتها في الكشف عن السياق الذي يؤلّف فيه، والذي يساعدنا بدوره على فهم سبب استفاضة ابن أبي دينار في وصف مدينة تونس وتفضيلها مثلً على غيرها من الحواضر التونسية. فالأمر راجع إلى اعتزازه بالانتماء إلى وسطه المديني، فكان من الطبيعي أن نجده كما يقول عبد الحميد هنية يدافع بكلّ ما أوتِي من قوّة فكر وقلم عن مصالح المجتمع المديني ثم يقدّم الدعم الأيديولوجي لأيّ تنظيم أو مشروع سياسيّ كان المدينيون مصدر شرعيّته وقوّته19. لكنْ ما تجدر الإشارة إليه أنّه في الفترة التي كتب فيها ابن أبي دينار كتابه هذا، كانت الصراعات والصدامات ما تزال قائمةً بين البدو والحضر بشكل خاصّ أو بين المدينة والبادية بشكل أعمّ، وبما أنّه حضريٌّ أو "بلديٌّ" وفق تصنيفات حاضره كما يقول هنية، فقد ضَمّن كتابه كلّ ما من شأنه أنْ يبُرِز تفوق المجتمع المديني ومشروعيته. وهو الأمر الذي يتجلى في حديثه عن مدينة تونس التي "ليست محتاجة إلى تعريف وذكرها طبق الوجود، فهي كما قيل في المثل طابق الاسم المسمى، لأنها تونس الغريب، وقلما يوجد غريب دخلها إلا وحصلت بها علاقة ولا يفارقها إلا وهو متحسر عليها"20 لأنّ ما يوجد فيها "لا يوجد في غيرها كثرة وحسنًا" على

  1. عبد الأحد السبتي، الماضي المتعدد: قراءات ومحاولات تاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2016)، ص 69.
  2. عبد الحميد هنية، تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال: من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، ط 2 (تونس: تبر الزمان، 2016)، ص 130.
  3. المرجع نفسه، ص 131.
  4. ابن أبي دينار، ص 14.

حدّ قوله21. ولم يكتف بذلك فنجده يحاول إكساب هذه المدينة "قدسيةً" خاصّةً على اعتبار أنّه "ذكرها غير واحد من العلماء، وأثنى عليها بمحاسن كثيرة لا تعدّ ولا تُحصى"22. وبالعودة إلى جدل الذاكرة والتاريخ يحاول ابن أبي دينار بناء خطاب يؤكّد من خلاله مكانة مدينة تونس الرمزية التي تمثل، على حدّ تعبيره، "منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العين من الرأس"23، وذلك لإبراز أزلية مدينة تونس حتى لا يُقال عنها إنّها مدينة حديثة النشأة، على نحوٍ يؤمّن من خلاله إنتاج ذاكرة مدينة ضاربة في عمق القدم تعود، بحسب زعمه، إلى العهد القرطاجي؛ مؤكدًا ذلك بقوله إن "تونس لا شك قديمة البناء وكانت معاصرة لقرطاجنة، واسمها ترشيش وقبل هذا الاسم علم لها من قديم الزمان الذي هو تونس"24، وإلى هنا نلاحظ مدى أهمية السياق الذي عاش فيه ابن أبي دينار في الكشف عن رهاناته وتفكيك خطابه، فماذا عن ابن زيدان؟ أما فيما يتعلق بابن زيدان فالاسم الكامل لهذا المؤرخ هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الملك بن زيدان بن السلطان المولى إسماعيل العلوي وُلِد بقصر المحنشة25 سنة 1878 بمدينة مكناس. وبها تلقى تعليمه قبل انتقاله إلى مدينة فاس لإتمام دراسته بجامعة القرويين26. لهذا كان من الطبيعي أن يصبّ اهتمامه على المجتمع الحضري (المديني)، ويتجلّى ذلك من خلال كتاباته التي تناولت بالأساس أهمّ المدن الكبرى. وفي سياق المقارنة بين السياق الذي ألّف فيه الكاتبان مؤلفَيهما، تجدر الإشارة إلى أنّ ابن أبي دينار يبني ذاكرةً للدولة انطلاقًا من موقعه المديني ومنصبه قاضيًا، خلافًا لابن زيدان الذي يكتب من داخل الدولة باعتباره أحد أفراد الأسرة الحاكمة من جهة، إضافةً إلى كونه نقيب الشرفاء العلويين من جهة أخرى. وهذا ما جعل كلّ كتاباته منصبّةً على رجالات الأسرة العلوية إلى الدرجة التي يمكن اعتباره أحد المؤسسين لذاكرة الدولة باعتبارها جهازًا سياسيًّا قائمًا بذاته. وهذا ما يؤكده عند حديثه عن دوافع تأليفه كتاب العزّ والصولة في معالم نظم الدولة، حيث يقول: "لطرافة موضوعه وأهميته وشدّة الحاجة إليه "27، ويضيف مؤكّدًا أنّ الكتّاب والمؤرخين أغفلوا الموضوع ولم يكشفوا عن حقيقته حتى "توهّم الأغمار والأغرار أنه لم تكن لدولة المغرب نظم مقررة ولا قواعد محررة ولا طرق في الحكم والإدارة معروفة، ولا مناهج في تدبير الملك مألوفة"28. وكأننا بابن زيدان يصرّح عن هدفه وغايته من تأليف هذا الكتاب في ردّ فعل على من يدّعي افتقار الدولة المغربية إلى أسس الدولة ومقوماتها بالمعنى الحديث للكلمة، ومن هنا أمكن لنا القول إن كتابه هذا يشكل ذاكرةً للدولة بصفته جهازًا سياسيًّا له أنظمته الخاصة، وتتضح الأمور أكثر إذا ما عدنا إلى عنوان الكتاب في حد ذاته، على اعتباره أنّ وضعه بهذه الصيغة: العزّ والصولة في معالم نظم الدولة لم يكن أمرًا عاديًّا أو اعتباطيًّا كيف لا وهو دارس الأدب29.

  1. المرجع نفسه، ص 11.
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه.
  5. ويعدّ قصر (المحنشة) أحد القصور الملكية.
  6. ابن زيدان، ص ب.
  7. المرجع نفسه، ص 3.
  8. المرجع نفسه.
  9. وكأنه يحاول أنْ يبيّن للقارئ منذ القراءة الأولى أنّ للدولة المغربية معالمها ونظمها حتى وإن لم يكلّف نفسه عناء تصفح فصول الكتاب.

بناءً على ما سبق، وفي إطار العلاقة الجدلية بين الذاكرة والتاريخ، يمكن القول إنّ ما أنتجه عبد الرحمن بن زيدان يشكل ذاكرة للدولة وليس تاريخًا عِلميًّا. غير أنّ هذا لا يعني قطعًا عدم دخوله في خانة الكتابات التاريخية التقليدية بوصفها أحد تجليات الهيستوريوغرافيا (كتابة التاريخ) الإخبارية؛ أي مرحلة ما قبل التاريخ المهني "العلمي" المعاصر الذي كان يطلق على أصحابها الإخباريين. ولعل ذلك ما جعل من عبد الوهاب بن منصور (1920 - 2008) مقدّم الكتاب يعتبره مصدرًا تاريخيًّا للدولة العلوية يقدم حقائق تاريخية، أقصت كلّ الأوهام والشكوك التي كانت تساور بعض الشبان المغاربة، بل وشجّعتهم على المحاجّة والمجادلة في وقت "برى كتاب الاستعمار أقلامهم للطعن في ماضي المغرب والحط من قدر الجهود التي ساهم بها في نشر الثقافة وخدمة الحضارة"30. ومن هنا أمكننا القول إنّ ابن منصور سقط في سجن الدولة؛ فصار يعيد إنتاج خطاب عبد الرحمن بن زيدان حول نظرته إليها، وذلك نظرًا إلى كونه المؤرخ الرسمي للدولة خلال مرحلة ما بعد الاستقلال؛ الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات أبرزها: من يكون ابن منصور؟ وما خلفياته؟ وما رهاناته أيضًا؟ بيد أن الإجابة عن هذه التساؤلات من شأنها أن تبعدنا عن موضوع اشتغالنا، لكن ما يهمنا التأكيد على ضرورة وأهمية الإلمام بالجدل الذي يطبع العلاقة بين الذاكرة والتاريخ عند التعامل مع النصوص المصدرية، للتمكّن من مساءلتها والحفر فيها ليس لإعادة إنتاج خطابها أو تبريره، وإنّما للكشف عن رهاناته وخلفياته ثم سياق تأليفه. وهذا ما سنحاول القيام به في المحور الثاني من هذه الدراسة مبيّنين دور الذاكرة في تأمين/ تمكين عملية المركزة السياسية في كلّ من المغرب وتونس31.

ثانيًا: المركزة السياسية بين الذاكرة والتاريخ

في البداية لا بدّ من الإشارة إلى فكرة نراها مهمّةً مفادها ارتكاز عملية المركزة السياسية في أيّ مجال جغرافيّ، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف السياقات من مجال لآخر، على نسبة معيّنة من سكان المدن أو ما يعرف بنسبة التمدين، فمن دون هذا التحضر يصعب الحديث عن مركزة سياسيّة قوية. وهذا راجعٌ بالأساس إلى كون المدينة بتركيباتها الاجتماعية إنّما هي المجال الذي يضفي المشروعية على الدولة في إطار رهانات متبادلة، إضافة إلى كونها تمثّل مركز الحكم وتجمع كل ما من شأنه أن يكمّل صورة البلاط32. ومن هذا المنطلق أمكن القول إنّه لا يمكن الحديث عن مركزة سياسية قويّة من دون تركيبة اجتماعية مدينية قوية. ومع من ذلك، فإن مسألة بناء المركزة السياسية، باعتبارها لبنةً أوليّةً في مشروع بناء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة، لا تقتصر على ما تقوم به النخب المدينية السياسية المتصدّرة لمراكز النفوذ فقط، بل تتجاوزهم إلى غيرهم من العناصر الفاعلة والموجودة في مواقع مختلفة من التركيبة الاجتماعية، بمن فيهم المؤرّخون الذين يساهمون بوعي منهم أو من دونه في بناء صرح الدولة وتحقيق جملة من الأهداف والرهانات33. من هذا المنطلق، سنحاول مقاربة الكتابين المصدريَيّن السالفَي الذكر لكونهما يحملان خطابيَن مختلفيَن أُلِّفا في سياقات مختلفة (التجربتان المغربية والتونسية) جعلت من مؤلفَيهما سجينَي رهانات الدولة وأهدافها، نظرًا إلى معاصرتهما

  1. ابن زيدان، ص ب.
  2. عبد الوهاب بن منصور مُؤرخ سابق للمملكة المغربية، ولد يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1920 بمدينة فاس، حيث تلقّى تعليمه الابتدائي والثانوي والعالي. توفي يوم 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، وبهذا نعرف لماذا جُعل عبد الرحمن بن زيدان من الذين مهّدوا لنهضة المغرب الحديثة، وجعل كتابه هذه كتابًا مصدريًا في تاريخ الدولة العلوية لما يحتوي عليه من حقائق تاريخية على حدّ تعبيره، لكونه يشغل منصب مؤرخ رسمي للدولة، أي يتقلّد نفس المنصب الذي كان لصاحب العز والصولة، ورغم بعد الفترة الزمنية بينهما إلا أن ابن زيدان لم يكن مؤرخًا رسميًا بمعنى الكلمة. للاطلاع أكثر حول معلوماته الشخصية، يُنظر: "Abdelouahab Benmansour," Dictionnaires et Encyclopédies , accessed on 11 / 8 / 2021 , at: https://bit.ly/ 3 yesSth
  3. هنية، ص 34، وما بعدها.
  4. المرجع نفسه، ص 96.

أو مواكبتهما عملية البناء، وبعبارة أخرى كونهما يكتبان في فترة كانت فيها الدولة في أمسّ الحاجة إلى فئة "مثقفة"، أو لنقل واعية، تشرعن، إلى حدّ ما، وتضفى نوعًا من الصدقية على كلّ ما يكمن أنْ يساعد على تحييز المجال. إلا أنه في سياق التجربة المغربية تحديدًا، لا بد من الإشارة إلى مسألة ضرورية ترتبط بسياق تأليف ابن زيدان لكتابه العزّ والصولة الذي ألفه في زمن الحماية، وحتى لا يفهم ممّا سبق ذكره أنّه يحاول من خلال كتابه إضفاء الشرعية على عملية بناء الدولة الاستعمارية رغم إبقائها على السلطة الصورية للدولة المخزنية التقليدية. بل على العكس من ذلك فابن زيدان كان يهدف إلى الردّ على الكتابات الاستعمارية التي انتقصت من دولانية النظام السياسي في المغرب، إلّ أنّ هذا لا ينفي وجود رهانات شخصية كرغبته، شأنه شأن بقية الفاعلين الاجتماعيين، في سبيل التقرب من الدولة المركزية مثلً أو الاستفادة من امتيازاتها34. في هذا الصدد، وانطلاقًا من كتاب المؤنسلابن أبي دينار الذي انتهى من كتابته في الفترة 1881 - 1882، فبالرغم من معاصرته لبعض الأحداث التي يشير إليها، فإن هذا لا يعني تقديمه أو عرضه للواقع بصورة واقعية أو مطابقة لما عايشه. وما يؤكد هذا القول هو كون تلك المعلومات التي يقدّمها قليلة ومقتضبة، وتقتصر على بعض الأحداث دون غيرها؛ ما يتيح لنا إمكانية الحديث عن وجود عملية انتقائية لا شكّ في أنّها مبنيةٌ على واقع سياسيّ معيّن. وما يؤكّد وجود انتقائية في ذكر الأحداث محاولة تأريخه لمجال تونس حاليًّا (إفريقية سابقًا) بالعودة إلى العهد القرطاجني، ومن ثمّ فمهما حاول المؤلف أنْ يُشير إلى كلّ الأحداث فإنّه لم يشملها كلّها، وما اعتماده على "الحقبة"، إذا جاز اللفظ في الفترة التي يكتب فيها، الطويلة إلّ وسيلة للتحايل أو تمويه القارئ مبرّرًا اقتصاره على بعض الأحداث دون غيرها. هذا فيما يخصّ المستوى المنهجي، أما فيما يتعلّق بالمستوى المعرفي فهو يتعمد انتقاء أحداثه وفق ما يتماشى ورهان الدولة آنذاك. وما يؤكّد ذلك هو محاولة ربطه مؤسسات عهده بالمؤسسات التي وضعها سنان باشا سنة 1574، مرتكزًا على القاعدة السائدة التي تقول إنّ شرعية المؤسسات السياسية خلال العهد الحديث لا يمكن أنْ تتحقّق إلّ من خلال ارتباطها بالحضور التركي أي المرحلة التأسيسية35. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عامل أساسي، وهو قوة الحضور المديني في تونس الذي يؤسس أو يؤمّن مشروعية السلطة القائمة. وهو الأمر الذي أرغم مؤرخي هذه الفترة على التماشي ورغبة المجتمع المديني الذي كان عاملً أساسًا في دخول العناصر التركية للبلاد التونسية، ومن ثمّ كان من المفروض أن يؤكد ابن أبي دينار كغيره36 على كون النظام السياسي يمثّل استمرارية للنموذج التركي حتى لا تخسر الدولة قاعدتها الشعبية المدينية. لم يكن ابن أبي دينار السبّاق إلى التأكيد على تركية أو عثمانية، إذا جاز التعبير، المؤسسات السياسية القائمة في عهده؛ فجل المؤرخين التونسيين نهجوا النهج نفسه بمن فيهم ابن أبي الضياف في كتابه إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ومحمد بن محمد الوزير السراج في كتابالحلل السندسية في الأخبار التونسية (1725 - 1735). بحيث إنه في الوقت الذي كان ابن أبي دينار يحاول بناء ذاكرة لتونس بصفتها مجالً موحّدًا وأزليًّا يعود إلى العهد القرطاجي، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، كانت هناك في المغرب محاولات لبناء ذاكرات للمجالات الحضرية الكبرى على شاكلة ذاكرات للمدن وليس ذاكرة جامعة، حيث نجد مثلً ذاكرات

  1. لا يجد بعضهم حرجًا في التصريح بها، وهنا أشير إلى قول عبد الرحمن بن زيدان الذي يبرز من خلاله ما حصل له بسبب قربه من السلطة حيث يقول: "وقد حصلت ولله الحمد على الضالة المنشودة، والغاية المقصودة، وحصل لدي ما تعلقت الهمة بتحصيله ما لم يتفق لأحد من الغابرين ولا المعاصرين"، يُنظر: ابن زيدان، ص 7.
  2. هنية، ص 96.
  3. المرجع نفسه، ص 95.

مدن فاس37 ومكناس38 ومراكش39، ثم غيرها من المدن كالرباط40 والصويرة41 وأسفي42 وتطوان43. وأهمّ ما يقال حول كثرة هذه النماذج هو أنّ بناء كلّ مدينة لذاكرتها شكَّل، إلى حدّ ما، أمرًا شائعًا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. لكن الجدير ذكره أنّ تعدد ذاكرات الحواضر لا ينفي وجود ذاكرات للأرياف. ونشير هنا إلى كتاب المختار السوسي: سوس العالمة، الذي يعتبر ذاكرةً لمنطقة سوس والمناطق المجاورة لها في دواخل البلاد المغربية44، إذ يقول فيه إن "تاريخ المغرب لا يمكن أن يكون تاريخًا تامًا إلّ من التواريخ الخاصة لكل حاضرة من تلك الحواضر، ولكل بادية من البوادي"45، وكأنّه يحاول أن يبرز مساهمة الأرياف وبقية المناطق غير الحضرية كذلك في بناء ما أسماه تاريخًا تامًّا، أي بناء ذاكرة كليّة للمجال المغربي. ولقائل أن يقول ما السبب في اختلاف النموذجين التونسي والمغربي من حيث بناء ذاكرة موحدة للمجال التونسي عامّة مقابل وجود ذاكرات متعدّدة للمدن المغربية؟ من بين الأسباب المباشرة لاختلاف التجربة التونسية عن نظيرتها المغربية، نذكر الاختلاف الحاصل في قوة البنية الحضرية للبلدين، فبالنسبة إلى تونس تصل نسبة الساكنة الحضرية إلى 20 في المئة مقابل 80 في المئة من الساكنة الريفية، مقارنةً بما هو عليه الحال في المغرب حيث لا تتجاوز نسبة سكان المدن 10 في المئة46. ويمكن أن نرجع ذلك أيضًا إلى الخصوصيات التاريخية للدول المركزية التي تعاقبت على حكم المغرب، والتي جعلت من مجالات نفوذها عواصم لها؛ ولهذا تعدّدت العواصم المغربية كفاس والرباط، ومراكش، ومكناس فتعددت بذلك ذاكراتها. زد على ذلك قوة التشكيلات الجماعية المحلية ونزعتها إلى الاستقلالية بعضها عن بعض؛ الشيء الذي حال دون تحقيق مركزة سياسية قويّة كما هو الشأن في تونس. غير أن هذا لا يعني عدم وجود محاولات لبناء ذاكرة شاملة للمجال المغربي كما هو الأمر في التجربة التونسية، وهنا يمكن أن نشير إلى نموذج شبيه بكتاب ابن أبي دينار وهو كتاب الاستقصا لخالد بن أحمد الناصري (1835 - 1897) الذي انتهى من كتابته في 1894 - 1895 والذي يعود فيه إلى فترة ما قبل الفتوحات الإسلامية حتى حدود حكم الدولة العلوية47. الأمر نفسه الذي قام به ابن أبي دينار وإنْ عاد هذا لفترة أسبق من الفتح الإسلامي بكثير وهي الفترة القرطاجية. إلّ أنّ ما قيل عن صاحب المؤنسمن حيث انتقاؤه للأحداث يقال أيضًا عن صاحبالاستقصا الذي يصرح في مستهل كتابه أنّه سلك فيما ينقله "من ذلك سبيل الاختصار، آتيًا منه بما تسمو إليه الأنفس من حوادث الأعصار [و] متحريًا من القول أصحها، ومن العبارات أفصحها، والله تعالى المسؤول، في بلوغ المأمول"48، وكأنّه يحاول إقناع القارئ من الوهلة الأولى بصدقية ما يعرضه، بل الأكثر من ذلك أنه يصرح بتعمده اختصار الأحداث وتأكيده فقط على ما تسمو إليه الأنفس وإغفال الحوادث الأخرى. وفي هذا انتقاء مبرر للأحداث التي سيعرضها، وإنْ عبّر في البداية عن تحرّيه الصدق فيما ينقله، فمهمّتنا نحن هنا

  1. عبد الرحمن بن زيدان، الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة (الرباط: المطبعة الاقتصادية بالرباط، 1937.)
  2. عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تحقيق علي عمر (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008.)
  3. العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام، مراجعة عبد الوهاب بن منصور، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1993.)
  4. محمد بن مصطفى بوجندار الرباطي، الاغتباط في أعلام الرباط، تحقيق عبد الكريم كريم (الدار البيضاء: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، 2014.)
  5. محمد بن سعيد الصديقي، إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة (الدار البيضاء: مطبعة دار الكتب، [د.ت)].
  6. محمد بن أحمد العبدي الكانوني، آسفي وما إليه قديمًا وحديثًا ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])، شوهد في 10 / 8 / 2021، في: btz 0 Cz 3 / ly. bit:// https
  7. محمد داود، تاريخ تطوان (تطوان: معهد مولاي الحسن، 1959.)
  8. محمد المختار السوسي، سوس العالمة، ط 2 (المحمدية، المغرب: مطبعة فضالة، 1960.)
  9. المرجع نفسه، ص أ.
  10. عبد الحميد هنية، "بناء الدولة المجالية في البلاد التونسية والمغرب الأقصى، وآليات الاندماج فيها خلال الفترة الحديثة"، عمران، العدد 4 (ربيع 2013)، ص 20.
  11. الأمر نفسه نجده عند المختار السوسي الذي يحاول بناء خطاب يؤكد من خلاله على استقلالية المغرب "هذا القطر السعيد، الذي لم يعرف إلا الاستقلال منذ عرف الإسلام إلى الآن"، يُنظر: محمد المختار السوسي، المعسول (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1963)، ص ب.
  12. شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997)، ص 58.

هي تفكيك خطابه بالرغم مما قاله، ثم محاولة ربطه بالسياق والظروف التي كانت سائدةً في المغرب على عهده. لكنّ التساؤل المطروح هو كيف يمكن بناء مركزة سياسية قوية في ظلّ وجود مراكز حضرية متعدّدة متشبثة باستقلاليتها بعضها عن بعض؟ أي ما الآليات الكفيلة بالربط بين مختلف تلك المناطق لبناء مركزة سياسيّة قويّة؟

ثالثًا: آليات بناء ذاكرة الدولة ومجالها

ما زلنا في علاقة الذاكرة بالمركزة السياسية متمثلةً في تناول الكتابات لعملية بناء الدولة وآلياتها في ذلك. والجدير بالذكر أنّ آليات بناء المركزة السياسية عديدةٌ ومتنوعةٌ، منها ما يرتبط بعلاقة الدولة المركزية بالأهالي داخليًّا من بيعة وتحركات أو محال أو تحكيم بين النزاعات، ومنها ما يرتبط بالدولة المركزية في علاقاتها بالكيانات السياسية الخارجية في إطار اتفاقيات ومعاهدات مع الدول المجاورة أو البعيدة. وفي هذا الإطار، لا بدّ من الإشارة إلى نقطة منهجية، وهي أننا سنقتصر في هذا المحور على آليات بناء المركزة السياسية داخليًّا، أي إننا سنعتمد أساسًا على ما يربط الدولة بالأهالي على نحوٍ مباشر كالبيعة وطقوسها والمحلة أو ظروفها، إضافةً إلى آلية ثالثة متمثلة في ظاهرة الأعيانية49 بصفتها شكلً من أشكال المراقبة الفعلية لمجمل المناطق التابعة لنفوذ السلطة المركزية.

.البيعة وبناء المركزة السياسة 1

فبالعودة إلى كتاب العزّ والصولة لابن زيدان، والذي يختلف عن المؤنسمن حيث كونه يحاول بناء ذاكرة لمجال الدولة ترابيًّا، في مقابل عبد الرحمن بن زيدان الذي يحاول بناء ذاكرة للدولة يؤكد من خلالها على وجود "الدولة" بصفتها جهازًا سياسيًّا إداريًّا قائمًا بذاته له نظمه ومعالمه الخاصة. وللإشارة فقط فإنه لم يكن الوحيد الذي دافع عن حضور الدولة، فالمختار السوسي، ذو الانتماء البدوي أيضًا، يؤكد في كتابه سوس العالمة (1959) أنّ التاريخ العام للمغرب لن يكون "تامًا إذا لم يقم أبناء اليوم - لمواجهة الحضارة الغربية الجارفة التي تحاول إفساد ماضينا بما يكتبه عنا المغرضون من أهلها - بجمع كل ما يمكن جمعه، وتنسيق ما لا يزال مبعثرًا بين الآثار ومنتشرًا أثناء المسامرات"50. ولعلّ هذا ما يبرز خصوصية التجربة المغربية التي لا تقتصر فقط على دور الفاعلين المدينيين في بناء المركزة السياسية، بل حتى الفاعلين الريفيين ساهموا بدورهم في التأكيد على وجود الدولة رغم بعدهم عن مراكز القرار. وهذا الأمر الذي من شأنه أن يكسب التجربة المغربية طابعًا استثنائيًّا، ومن ثمّ فاستيعاب هذا الاستثناء مقارنةً بتجارب أخرى يقتضي البحث عن مدخل جديد يتجاوز أنموذج "الدولة الوطنية" التي ترتكز على المجال، والنفاذ مباشرةً إلى الفاعلين الاجتماعيين لمعرفة تمثلاتهم وطرق قبولهم بالولاء للحاكم. وربما لا يكون براديغم (نموذج) "الأدلوجة الدولوية" الذي يقدّمه عبد الله العروي الأداة الأنجع لفك شفرة تلك العلاقة التمثُّلِية التي يؤدي فيها المخيال دورًا أساسيًّا يتجاوز العلاقات المباشرة بين الحاكم والمحكوم، فالأدلوجة الدولوية كما يعرّفها العروي في كتابه مفهوم الدولة: "هي ما يستوعبه المواطن ويترجمه بعد حين إلى ولاء، فيعطي بذلك ركيزة معنوية قوية للدولة" ويضيف أنه: "لكي تكون أدلوجة دولوية لا بد من وجود قدر معين من الإجماع العاطفي، الوجداني، الفكري بين المواطنين"51.

  1. نسبة إلى أعوان الدولة أو مراقبيها، وسنورد تعريف ذلك في الفقرات الموالية.
  2. السوسي، سوس العالمة، ص أ، ب.
  3. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 8 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 147. ويمكن أن نستشفّ حضور الدولةالإمبراطورية من خلال حديث المختار السوسي عن دور الأمازيغ في نشر اللغة العربية وعلومها وآدابها بقوله: "فقاموا بأعظم دور في ذلك بجهودهم الخاصة من غير أن تعينهم الدولة"، فمسألة الأخذ بالمبادرة هي مكمن اللغز، يُنظر: السوسي، المعسول، المقدمة، ص ج، و.

وفي إطار علاقة الحاكم بالمحكوم، يفتتح عبد الرحمن بن زيدان كتابه، الذي قلنا عنه إنّه يحاول الرد على الكتابات التي تقول بغياب نظام الدولة، بالحديث عن البيعة52. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه ليس من محض الصدفة أنْ يشير في أول كتابه إلى البيعة وإلى مفهومها واختلاف الصيغ التي تكتب بها في المناطق المغربية. بل يتعمد الإشارة إليها محاولًالتأكيد على حضور الدولة المغربية في فترته، من خلال كون هذه البيعة عقدًا يربط بين مكونات المجتمع السياسي لإعادة بناء السلطة، إضافةً إلى كونها ممارسةً تتجدّد كلما حصل شغورٌ على مستوى قمّة هرم السلطة. وبهذا المعنى تشكل البيعة تلك العملية التي يجري على إثرها اتفاق "أهل الحل والعقد" لاختيار من يتولى أمر التصرف في أمور المسلمين53. ولهذا تعتبر البيعة آلية من الآليات الأساسية لتأسيس مركزة سياسية قوية، لكونها عملية أو علاقة تتجاوز المجال والبعد الجغرافييَن (المركز - الهامش) إلى الأفراد أو الرعايا بغرض الحصول على ولائهم تأكيدًا لنفوذ الدولة المركزية في دواخل البلاد. ويتضح الأمر أكثر عندما نعود إلى لسان العربلابن منظور والذي انتهى من كتابته سنة 1292 - 129354، ف "البَيْعةُ: المُبايعةُ والطاعةُ، وبايَعه عليه مُبايَعة: عاهَده، وفي الحديث أ نه، قال: أَلا تُبايِعُوني على الإسلام؟ هو عبارةِ عن المُعاقَدةِ والمُعاهَدةِ، كأن كلّ واحد منهما باعَ ما عنده من صاحبه وأَعطاه خالصة نَفْسِه وطاعتَه ودَخِيلةَ أمرهَ"55. والمستفاد من هذا القول إن البيعة ذلكم العقد أو العهد الذي يلزم طرفين أو أكثر بتطبيق ما اتُّفق حوله. بصيغة أخرى، وحتى نربط هذا الاقتباس بموضوع الدارسة، فهي ذلك التعاقد أو التعاهد الذي يربط بين الدولة المركزية وبقية الفاعلين الاجتماعيين (الرعايا). وبهذا تشكل البيعة مدخلً أساسًا يؤمّن عملية احتكار المجال وبناء مركزة سياسية قوية قائمة على البيعة ورمزيات ما يرتبط بها من طقوس تترجم طبيعة العلاقة بين السلطان والرعايا56. لكن التساؤل المطروح: هل ثمّة آلية أخرى يؤمن من خلالها المركز حضوره الفعلي سواءً في التجربة التونسية أو المغربية؟

.المحال والتحركات الدولة المركزية 2

تعتبر التنقلات التي يقوم بها الباي في تونس أو السلطان في المغرب من الآليات التي تؤكد فعليًّا حضور السلطة ونفوذها في دواخل البلاد، وتسمى حركة التنقل تلك بالمحلة، والمقصود بالمحلة بحسب عبد الرحمن  بن زيدان هي "التنقلات السلطانية لتفقد النواحي القصيّة والقريبة وتفقد أيضًا أحوال الرعية"57، بينما نجده يعرفها أيضًا ب "الجيش الضارب في عرف المغاربة"58. وهو التعريف نفسه الذي يقدمه لِلْحَرْكَة - بسكون الراء - بكونها النقلة التي "غالبًا ما تكون بمعنى الحملة العسكرية"59. وهنا يلاحظ القارئ نوعًا من الخلط بين الطابع السلمي للمحلة المتمثل في تفقد شؤون الرعية، وطابع العنف كونها تمثل آليةً تأديبيةً60. وفي هذا

  1. ابن زيدان، العز والصولة، ص 8 - 36.
  2. هنية، "بناء الدولة المجالية"، ص 8.
  3. وهناك ضرورة للتأكيد على دور العامل التاريخي/ الزمني من الاستشهاد بقول ابن منظور، حتى لا يُفهم كون البيعة مسألة جديدة أو مرتبطة بالفترة المدروسة (من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر)، بل على العكس من ذلك فهي تعود إلى البدايات الأولى للإسلام، ولا أدلّ على ذلك من الحديث النبوي الذي يقول فيه: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية"، ويمكن أن تكون أقدم من ذلك، لكن بطريقة وبأساليب مختلفة تتماشى وطريقة تعامل الأهالي مع من يسوسهم.
  4. مادة "بيع"، يُنظر: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر أحمد حيدر، مراجعة عبد المنعم خليل إبراهيم، ط 2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2009.)
  5. للتعرف أكثر إلى رمزية البيعة ودلالاتها بوصفها نصًا رمزيًا غير مكتوب، يُنظر: إبراهيم القادري بوتشيش، "منهج التأويل الرمزي لقراءة التاريخ، نحو إشراك قارئ النص التاريخي في إنتاج دلالاته: تشخيص نظري وتطبيقي"، أسطور، العدد 11 (كانون الثاني/ يناير 2020)، ص 7 - 32.
  6. ابن زيدان، العز والصولة، ص 189.
  7. المرجع نفسه، ص 191.
  8. المرجع نفسه، هامش الصفحة 189.
  9. حول مسألة الحرْكة والعنف، يُنظر: محمد الحبيب عزيزي، إشكالية الحكم وآلة الحرب: الحكم المتجول في المغرب العربي الحديث (تونس: منشورات المعهد العالي للعلوم الإنسانية، 2016.)

الصدد يشير عبد الرحمان المودن في كتابهالبوادي المغربية (1995) إلى مسألة التداخل تلك مبينًا أن المصطلحيَن قد يعنيان الظاهرة نفسها وقد يستعملهما المؤلف أو الوثيقة بكيفية غير تمييزية، الواحد مكان الآخر61. إلا أنّه بالرغم من ذلك يميز بينهما، حيث يصطلح على الحرْكة بالمحلة غير السلطانية أي "الحملات الصغرى" التي تمتاز بصغر حجمها وعدم ارتباطها بشخص السلطان. وذلك خلافًا للمحلة التي تشير إلى التحرك الذي يحضره السلطان لضخامته ولكثرة المشاركين فيه، والذي غالبًا ما يكون بطيئًا وتتخلّله مقاماتٌ مطولةٌ قد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 75 يومًا62. وبالرغم ممّا قيل، فما يجب التأكيد عليه هو أنّ مؤسسة المحلة63 أهم آلية تعمل من خلالها الدولة المركزية على تحقيق المركزة السياسية من خلال جمع الجبايات، نظرًا إلى الدلالة الرمزية لدفع الضريبة التي تعني التبعية والولاء للسلطان. ولهذا الأمر نجد الدولة تردع المناوئين لها، مصنفة إياهم بأنهم "سيبة" أي خارجين عن الحكم والطاعة لولي الأمر بصفة ذلك وسيلة لتبرير أحداث العنف والتنكيل بالقبائل، وهنا تتخذ العملية طابعًا عسكريًّا مشرعنًا. لكنّ الأهم من ذلك أنّ المحلة بصفة عامة تمثّل همزة وصل بين أجزاء البلاد من جهة، والمركز السياسي من جهة أخرى64. بعبارة أخرى تشكل منفذًا يؤمّن عملية تحييز المجال أولً والسيطرة على الأهالي ثانيًا. ولهذا نجد ابن زيدان يخصّص قرابة المئة صفحة من كتابه للحديث عمّا يرتبط بالمحلة من أمور تنظيمية، من الإعلان عن رغبة السلطان في الخروج أو التنقل حتى الوصول إلى المجال المقصود بالمقام65، وكأنه يؤكد على دورها بصفتها نظامًا من أنظمة الدولة. غير أنّ ما تجدر الإشارة إليه أنّ المحلة لا تختص بالمجال المغربي فقط، حيث نجدها في تونس، وإن كانت على شكل مختلف. فالمحلة التونسية اتخذت مسارًا موحدًا يتجلّى في رحلتيَن منتظمتيَن: رحلة في الشتاء والأخرى في الصيف66. وذلك على عكس المحلة المغربية التي يخرج فيها السلطان كلما حدث شغورٌ أو تمرد قبيلة من القبائل عن طاعة السلطان أو في حالة نقص في موارد خزينة. في هذا الصدد يعرف عبد السلام حيمر الحرْكة من خلال مقارنتها بالبيعة، باعتبار الأولى ذات وظيفة مخزنية لإحكام السيطرة على المجتمع باستعمال العنف، بينما يعتبر الثانية ذات وظيفة مخزنية لإرساء هيمنته على المجتمع باستعمال وسائل الإقناع والتراضي والوفاق، فتصبح البيعة ذلك العهد الطوعي على الطاعة والخضوع من دون إكراه وعنف مطلقًا67. وبهذا نخلص إلى كون البيعة والمحلة آليتيَن أساسيتيَن من آليات بناء المركزة السياسية في المغرب وفي تونس مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل بلد. إلّ أن الإلمام بكيفية تحييز المجال يستلزم البحث عن مداخل جديدة كظاهرة الأعيانية التي يمكن من خلالها فهم بناء ذاكرة الدولة وتأمين عملية تحقيق مركزة سياسية قوية.

  1. عبد الرحمن المودن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، سلسلة رسائل وأطروحات 25 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995)، ص 310.
  2. وكأنه يحاول تفسير الاختلاف الحاصل بين المحلة والحرْكة، قياسًا على الاختلاف بين الغزوة والسرية، إضافة إلى الاختلاف من حيث المنخرطين في كل واحدة، وللإشارة فالمودن يشير إلى عدد المشاركين في المحلة والحركة، يُنظر: المرجع نفسه، ص 312 وما بعدها.
  3. أسميت "المحلة" مؤسسة لكون أدوارها لا تنحصر فقط في تأديب القبائل التي تصنف على أنها مناطق "سيبة"، يعني أنها لم تكن آلة للعقاب والتأديب للقبائل فقط كما كان سائدًا ومعروفًا عنها في غالبية الكتابات التي تناولت علاقة الدولة والقبائل، صحيح أن العنف دائمًا يكون حاضرًا، لكن هذا لا يعني عدم وجود أنشطة أخرى تجعل من المحلة أقرب إلى كونها مؤسسة إدارية متعددة الأدوار وذات بعد إصلاحي، خاصة إذا علمنا ما يرتبط بخروج السلطان في محلته من بيعات وهدايا ووفود، ومن هذا المنطلق تصبح المحلة مؤسسة لها رمزيتها الخاصة.
  4. هنية، تونس العثمانية، ص 55.
  5. للتوسع أكثر، يُنظر: ابن زيدان، العز والصولة، ص 189 - 271.
  6. للتوسع أكثر، يُنظر: هنية، " بناء الدولة المجالية "، ص 15.
  7. عبد السلام حيمر، المغرب: الإسلام والحداثة: الكاتب المخزني (مكناس: مطبعة سندي، 1997)، ص 30.

.الأعيانية: بناء المركزة السياسة بالنيابة 3

تعتمد الدولة المركزية على ظاهرة "الأعيانية" آليةً من الآليات في تحييزها المجال وبناء مركزة سياسية تقوي حضورها وسلطتها، وذلك بالنفاذ مباشرة إلى الأفراد والسيطرة عليهم بصفة دائمة ومستمرّة ما دام أعيانها دائمي الحضور في المناطق المخول لهم مراقبتها وتتبع شؤون الأهالي بها. وبالعودة إلى لسان العربلابن منظور، فالأعيان من العين "وَفلُانٌ عَيْنُ الجيشِ: يُريدُونَ رئِيسَهُ، وأعيان القوم: أشرافهم وأفاضلهم على المثَلِ بِشرَفِ العَيْنِ الحاسَّةِ"68. إذًا فالأعيان هم النخبة أو صفوة الصفوة، أو كما يقول أحمد التوفيق الأعيان "ج. عين وهو سيد القوم وشريفهم"69، الذين يشكلون بقوة نفوذهم المادي والمعنوي قاعدة ومرتكزًا للاستقرار، وأداة للتواصل بين المركز والأهالي مجسدةً حضور المخزن رسميًّا، وساهرةً على خضوع القبائل وامتثالها لمختلف المطالب المخزنية70. ترتبط الأعيانية ارتباطًا كبيرًا بالمراكز الحضرية، ويشير هنية إلى تركز الأعيان واستقرارهم بمدينة تونس على غرار المدن الأخرى، بغية التقرب من مراكز إصدار القرارات ثم تحسين وضعيتهم الاجتماعية. ليس هذا فقط بل إن استقطاب مدينة تونس لم يقتصر على الأعيان فقط، بل شمل أيضًا أصحاب الجاه الاقتصادي والأدباء والفقهاء مما أكسب المدينة رمزيةً خاصةً، وهذا ما يبرر قيمة بيعتها مقارنةً ببقية المدن الأخرى باعتبارها عاصمةً ومصدرًا للقرار71. نلحظ الأمر نفسه بالنسبة إلى مدينة فاس، لكن بصبغة دينية وروحية تتجلّى في احتوائها على مسجد القرويين ثم ضريح "الشريف"72 المولى إدريس (788 - 791 م) مؤسس دولة الأدارسة (788 - 974 م) من جهة، ووجود أهل الحل والعقد بها من جهة أخرى، إلى الدرجة التي يمكن القول فيها إنه لا يمكن الوصول إلى الحكم إلّ بعد مبايعة أهل فاس. لكن ما تجدر الإشارة إليه هو تفوق مدينة تونس على فاس من حيث حدّة المركزة السياسية وقوتها التي وصلت إليها بعد تكتّل أعيان مختلف المناطق مشكّلين كتلةً واحدةً. وهذا ما تفتقر إليه التجربة المغربية؛ بسبب الخصوصيات التاريخية للدول المركزية التي تعاقبت على حكمه، والتي جعلت من مجال نفوذها عاصمة لها فتعددت بذلك العواصم المغربية (الرباط، مراكش، مكناس). وهو الأمر الذي حال دون تحقيق مركزة سياسية قوية كما هو الشأن في تونس، وحال أيضًا دون خلق وحدة أعيانية تؤمّن عملية بناء مركزة سياسية قوية، بحيث ينفرد كل "عين أو عون" للدولة بمجال نفوذه فقط، خلافًا للنموذج التونسي الذي أصبحت له مكانة مزدوجة: من حيث استقراره بالقرب من المركز ثم سيطرته، في الوقت نفسه، على المناطق الخاضعة له رغم قدومه إلى تونس. لكن بالرغم من ذلك تبقى للمدينة عامة، سواءًالتونسية أم المغربية، قيمتها في التأسيس لمشروعية الدولة المركزية73. ختامًا تشكل الظاهرة الأعيانية، إضافةً إلى البيعة والمحلة، أحد المداخل التي من خلالها يمكن أن نستشف كيفية حضور الدولة المركزية على نحوٍ غير مباشر من خلال أعيانها ومراقبيها باعتبارهم ممثلين شرعيين وفاعلين في دواخل المناطق البعيدة عن المركز.

  1. ابن منظور، مادة "عين"، ص 3197.
  2. مشيرًا إلى كون هذا اللقب نعتًا خارجيًا يطلق من المخزن أو من القبائل أو الأفخاذ المجاورة، يطلقه الإنالتيون (بايخاتارن "كلمة أمازيغية) على من هم بارزون وناتئون وسط الحجم المتعادل من سكان القرى، يُنظر: أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إنولتان 1850 - 1912)، سلسلة رسائل وأطروحات 63، ط 3 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص 357.
  3. الطيب بياض، المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880 - 15 19 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 138.
  4. هنية، "بناء الدولة المجالية"، ص 22.
  5. وتعمدت ذكر الشرف نظرًا إلى أهميته في التجربة المغربية بوصفه ضامنًا لشرعية الاستمرار في الحكم من عدمه، الذي يشبه إلى حدّ ما "فرمان التولية" من حيث قيمته الرمزية لا حمولته السياسية، ومن ثمّ فبيعة فاس بحمولتها الرمزية أهم من بيعة بقية المناطق الأخرى كما هو الأمر بالنسبة إلى مدينة تونس.
  6. لكون المدينة دائمًا تمثل مركز الحكم وتجمع كل ما من شأنه أن يكمّل صورة البلاط، لمعرفة المزيد عن دور المدينة في إكساب الدولة للشرعية السياسية، يُنظر: هنية، تونس العثمانية، ص 34 وما بعدها.

خاتمة

ختامًا لما سبق، تبيّن لنا أهمية مقترح الذاكرة والتاريخ في استنطاق الكتابات المصدرية المعاصرة ومساءلتها للفترات التي تزامنت وشكّلت الإرهاصات الأولى للدولة بالمعنى الحديث للكلمة في التجربتيَن التونسية والمغربية، إضافةً إلى تمكيننا أيضًا من الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف بين القطرَين فيما يتعلّق بخطاب بناء ذاكرة الدولة ومجالها تبعًا للخصوصيات الحضرية المختلفة لكلّ بلد، ثم معرفة رهانات مساهمة الفاعلين الاجتماعيين وغيرهم في تحقيق رهان الدولة الأساس المتمثل في احتكار المحال وتحييزه. تبيّن من ثنايا هذه الدراسة أنه ما كان لنا معرفة سبب اختلاف الكاتبيَن في تناول موضوع بناء الدولة، سواءً من حيث بناء خطاب لذاكرة مجال الدولة كما هو الشأن عند ابن أبي دينار أو بناء ذاكرة الدولة بصفتها جهازًا سياسيًّا له نظمه ومعالمه الخاصة به، لولا اعتمادنا على مدخل الذاكرة والتاريخ، والذي من خلاله أكتشف أنّي كنت فعلً سجينًا للدولة، ليس فقط على مستوى الكتابات أو الأبحاث الأكاديمية، بل حتى فيما يتعلق بالحياة السياسية المرتبطة بطبيعة توجه الدولة ورهاناتها. وبقدر الاستفادة المحصَّلة من هذه الأداة المعرفية الجديدة أصبحنا غير قادرين على تجاوز هوس إعادة النظر فيما كتبناه حول الدولة سابقًا، وما كتبه غيرنا من الدارسين المحترفين الذين سقطوا كذلك في فخّ الدولة. فأقلّ ما يمكن قوله عن أنموذج الذاكرة والتاريخ أنّه فتح المجال للقيام بدراسات طريفة، ليس هذا فقط، بل إعادة الروح للهيستوريوغرافيا (كتابة التاريخ) العربية عامة. ختمنا هذه الدراسة بمحاولة تطبيقية تعرّضنا خلالها لبعض آليات بناء المركزة السياسية في تونس والمغرب، سواءً من حيث تحييز المجال عبر حرْكات السلطان بالمغرب أو محَال (ج. محلَّة) الباي بتونس مع اختلاف خصوصية كلّ من البلدين، أو من حيث علاقة الدولة المركزية بالرعايا في إطار البيعة التي تشكل آلية رمزية تعاقدية تُؤمّن للدولة من جهة مشروعيتها الدينية في الاستمرار والبقاء، ومن جهة ثانية بوصفها تعبيرًا عن نظرة الفاعلين الاجتماعيين وتمثلاتهم الذهنية لعلاقتهم بالحاكم، تلك النظرة التي يؤدي فيها المخيال دورًا مركزيًّا يتجاوز العلاقات المباشرة بين الحاكم والمحكوم، بل يتعدّاه إلى التأكيد على وجود إجماع عدد كبير من السكان يتُرجم إلى ولاء مشكّلً بدوره ركيزةً رمزيةً قويةً للدولة. في حين تجسد ظاهرة الأعيانية من جهة ثالثة إحدى أهم آليات تأكيد حضور الدولة المركزية في مختلف المناطق الحضرية والنائية منها، مترجمةً سلطة الدولة وقوتها بشكل فعليِّ وواقعيّ من خلال من ينوبون عنها ويمثّلونها. وبهذا نخلص إلى أنّه لا يمكن تحقيق مركزة سياسية قوية من دون كسب ولاء شريحة كبيرة من السكان بالمدن وبالمجموعات المحلية سواء بالطرق المباشرة كالبيعة والمحلة أو غير المباشرة كالأعيانية بالنيابة. ختامًا، تبقى هذه الدراسة محاولة منهجية أكثر منها معرفيةً لإعادة قراءة الكتابات المصدرية وتفكيك خطابها، ثم محاولة الكشف عن مرامي مؤلفيها من حيث رهاناتهم الشخصية ومن حيث سياق تأليفهم خطاب تشكيل ذاكرة الدولة، ولأجل ذلك اشتغلنا في مجمل فصول هذه الدراسة وفق براديغم (نموذج) الذاكرة والتاريخ أداةً منهجية كفيلة بإثراء النقاش الإبستيمي القائم بين الذاكرة والتاريخ، ثم لفتح مجال البحث فيما يتعلق ببناء وتشكّل ذاكرة الدولة في تونس والمغرب، اللذين بالرغم من اختلافهما في بعض الجوانب، فإنّهما يبقيان ينتميان إلى حاضنة إسلامية عالمية وشعبية ارتسمت في آليات الحكم التركي في تونس والعلوي في المغرب. وتبقى هذه الدراسة محاولة بسيطةً يمكن أن تتعزز فيما بعد بنماذج أو تجارب أخرى سواءً في العالم العربي أو الغربي، والمقارنة بينها بهدف الخروج باستنتاجات أدقّ وأشمل.

المراجع

العربية

ابن أبي دينار، محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تونس: المكتبة العتيقة، 1869.

ابن زيدان، عبد الرحمن. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. تحقيق علي عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008.

._______ الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة. الرباط: المطبعة الاقتصادية بالرباط، 1937.

._______ العز والصولة في معالم نظم الدولة. الرباط: المطبعة الملكية، 1961.

بادي، برتران. الدولة المستوردة: غربنة النصاب السياسي. ترجمة شوقي الدويهي. بيروت: دار الفارابي، 2006.

._______ الدولتان: الدولة والمجتمع في الغرب وفي دار الإسلام. ترجمة نخلة فريفر. الدار البيضاء:المركز الثقافي العربي، 1996. بروديل، فرنان. البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي. ترجمة مروان أبي سمرا. بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1993.

بلوخ، مارك. دفاعًا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ. ترجمة أحمد الشيخ. باريس/ القاهرة: المركز العربي الإسلامي للدراسات الغربية، 2012.

بوتشيش، إبراهيم القادري. "منهج التأويل الرمزي لقراءة التاريخ، نحو إشراك قارئ النصّ التاريخي في إنتاج دلالاته: تشخيص نظري وتطبيقي." أسطور. العدد 11 (كانون الثاني/ يناير 2020.)

بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880 - 1915. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.

التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إنولتان 1850 - 1912.) سلسلة رسائل وأطروحات 63. ط 3. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011.

حيمر، عبد السلام. المغرب: الإسلام والحداثة: الكاتب المخزني. مكناس: مطبعة سندي، 1997.

داود، محمد. تاريخ تطوان. تطوان: معهد مولاي الحسن، 1959.

الرباطي، محمد بن مصطفى بوجندار. الاغتباط في أعلام الرباط. تحقيق عبد الكريم كريم. الدار البيضاء: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، 2014.

السبتي، عبد الأحد. الماضي المتعدد: قراءات ومحاولات تاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2016.

السلاوي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق وتعليق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997.

References

المطبعة الملكية، 1993.

السوسي، محمد المختار. المعسول. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1963.

._______ سوس العالمة. ط 2. المحمدية، المغرب: مطبعة فضالة، 1960.

الصديقي، محمد بن سعيد. إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة. الدار البيضاء: مطبعة دار الكتب، [د.ت.].

والنشر، 2016.

العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. ط 8. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.

للعلوم الإنسانية، 2016.

الشرق، 2015.

رسائل وأطروحات 25. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995.

العدد 4 (ربيع 2013.)

الزمان، 2016.

الأجنبية

السملالي، العباس بن إبراهيم. الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام. مراجعة عبد الوهاب بن منصور. ط 2. الرباط: الطاهري، عبد العزيز. الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 - 1956. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة عزيزي، محمد الحبيب. إشكالية الحكم وآلة الحرب: الحكم المتجول في المغرب العربي الحديث. تونس: منشورات المعهد العالي الكانوني، محمد بن أحمد العبيدي. آسفي وما إليه قديمًا وحديثًا. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]. في: btz 0 Cz 3 / ly. bit:// https

الكتابة التاريخية: التاريخ والعلوم الاجتماعية، التاريخ والذاكرة، تاريخ العقليات. ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء: أفريقيا لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

المودن، عبد الرحمن. البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرن السادس عشر والتاسع عشر. سلسلة هنية، عبد الحميد. "بناء الدولة المجالية في البلاد التونسية والمغرب الأقصى، وآليات الاندماج فيها خلال الفترة الحديثة." عمران.._______ تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال: من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. ط 2. تونس: تبر

• Febvre, Lucien. Combats pour l'Histoire. Paris: Librairie Armand Colin, 1992.

• Halbwachs, Maurice. La Mémoire Collective. 2 nde ed. Paris: Édition électronique réalisée par Mme Lorraine

Audy, 2001. at: https://bit.ly/ 3 f 5 lRU