Return to Article Details The Epistemological and Dialectical Foundations for Re-reading History in Morocco Review of the book Historical Thought and Learning History

الأسس الإبستيمولوجية والديداكتيكية لتجديد درس التاريخ في المغرب قراءة في كتاب

The Epistemological and Dialectical Foundations for Re-reading History in Morocco Review of the book Historical Thought and Learning History

عبد العزيز الطاهري*Abdelaaziz

Ettahiri

الأس س الإبستيمولوجية والديداكتيكية لتجديد درس التاريخ يف المغرب

قراءة يف كتاب الفكر التاريخي وتعلم التاريخ

الملخّص

أستاذ التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط.

Abstract

Professor of History, Faculty of Letters and Human Sciences, Mohammed V University, Rabat. tahiri_74@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • التعليم
  • الفكر التاريخي
Keywords:
  • Histography
  • Morroccan Fatwas
  • Teaching

Review of the book Historical Thought and Learning History

ظل الفكر التاريخي المدرسي المغربي، على العموم، حبيس منظور بيداغوجي تلقيني يُعلي من شأن المعرفة على حساب مسارات إنتاجها. لهذا، كانت تفصله هُوّة إبستيمولوجية ومنهاجية شاسعة عن الفكر التاريخي الأكاديمي الذي عرف تجديدات شملت بالخصوص مواضيعه ومناهجه ووظائفه، فاستبدل التناول الحدثي بالتحليل البنيوي، وانتقل من الوصف السردي إلى البناء الإشكالي الذي يسهم في فهم قضايا الحاضر انطلاقًا من منظور زمني. ومن أهم الدراسات التي سعت إلى ردم هذه الهوّة كتاب الفكر التاريخي وتعلم التاريخللباحث مصطفى حسني إدريسي، وهو أستاذ ديداكتيك التاريخ في كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، في مستهل سنة 2021، وقد سبق أن نشر هذا الكتاب باللغة الفرنسية سنة 20051. وهو في أصله أطروحة دكتوراه دولة أعدّها في علوم التربية وديداكتيك التاريخ. قدّم الكتاب منظورًا لمعالجة الإشكال المذكور آنفًا، يتسم بتفاعل مُثمرٍ بين الأسس الإبستيمولوجية والمنهجية للتاريخ العالِم وبين ديداكتيك التاريخ المدرسي. وهو من المراجع الأساسية التي اعتمدت في رسم التصورات البيداغوجية والديداكتيكية لدرس التاريخ وأبعاده الإجرائية في التعليم المدرسي المغربي خلال العقدين الأخيرين. ويكتسي نقل الكتاب إلى العربية أهمية كبرى؛ ليس فقط على مستوى الإسهام في تعميم هذه التصورات في صفوف الجمهور الواسع من القرّاء باللغة العربية، بل أيضًا لدى مدرسّي التاريخ في المدرسة المغربية والأطر المتخصصة في بيداغوجيا هذه المادة وديداكتيكها، والمؤلِّفين فيهما، على نحو خاصّ؛ إذ من شأنها أن تسهم في تعميق الوعي بها وفهمها، مع ما يمكن أن يكون لذلك من انعكاسات، على مستوى تطوير الأداء المهني التعليمي أو على مستوى تعميق البحث البيداغوجي والديداكتيكي. يتمثل موضوع الكتاب في تشخيص الحالة التي يوجد عليها درس التاريخ في المغرب، والإسهام في إعداد طريقة لتدريس هذه المادة وتعلّم الفكر التاريخي تقوم، من الناحية النظرية، على تحديد الأسس الإبستيمولوجية لمقاربة ديداكتيكية لهذا الفكر، وتقوم من الناحية العملية على وصف الواقع الميداني وتقديم مقترح لنقل ديداكتيكي له؛ وذلك من أجل الوصول إلى تعليم ينهض بالوظيفتين الانتمائية والنقدية للتاريخ، وإعداد التلميذ ليصير مواطنًا متمسكًا بالفكر النقدي، ومنفتحًا على الآخرين، ويبني هويته، ويختار انتماءه، ويستطيع النهل من الذاكرة أو التحرر منها. تتمثل المقصدية التي نسجت خيوط هذا المؤلّف في اقتراح نقل ديداكتيكي للفكر التاريخي استنادًا إلى أُسس إبستيمولوجية وبيداغوجية محددة تحديدًا واضحًا، للانتقال بهذا الفكر من وضعية غير مرغوب فيها تتمثل في عدم الاتساق الذي يعانيه الدرس التاريخي في المغرب بين هذه الأسس والممارسات العملية والديداكتيكية، والوصول به إلى وضعية مطلوبة يتحقق فيها الاتساق وتحلّ فيها مقاربة بيداغوجية بنائية، تتأسس على التكوين الذاتي للتلامذة، ويقوم فيها المدرس بدور الشخص - المنهل والميس - الذي يسهر على التكوين المنهاجي والذي يكون حريصًا على عدم مصادرة مبادرة التعلم، بدلً من مقاربة تقليدية تلقينية للمعارف (ص  23  -  28). يفترض المؤلّف، في بادئ الأمر، أن ممارسة ديداكتيكية للتاريخ تتأسس على إضاءة تأملية ومنهاجية وإبستيمولوجية للفكر التاريخي، تيسّ تعلم هذه الفكر وتنمّي موقفًا إيجابيًّا لدى تلامذة التعليم الثانوي (ص. 29). وعلى امتداد الطريق الذي سلكه المؤلّف للتحقق من فرضيته، ومن ثم بناء استنتاجات تجيب عن إشكاليته، ظل يدافع بقوة عن التاريخ الإشكالي، الذي يمر عبر مسار متعدد الأطوار؛ ليس في مجال البحث التاريخي الأكاديمي فحسب، بل على مستوى التاريخ المدرسي أيضًا، منطلقًا في ذلك من تحديد دقيق لموضوع التاريخ.

  1. Mustapha Hassani Idrissi, Pensée historienne et apprentissage de l'histoire (Paris: L'Harmatan, 2005).

موضوع التاريخ

يتحدد موضوع التاريخ، بحسب صاحب الكتاب، في التفاعل بين المفاهيم الثلاثة المهيكلة له: الزمن، والمجال، والمجتمع. إن الزمن التاريخي، بخلاف الأزمنة الفيزيائية والنفسية والاجتماعية، تمثُّلٌ وبناءٌ فكري للماضي يقوم به المؤرخ في الحاضر. وهو يختلف عن زمن الذاكرة لأنه لا يتعلق بإحياء أحداث الماضي، بل بفهمها من خلال إعداد موضوع علمي، وأرخنتها من خلال إنشاء بنية زمنية (ص 35  -  37). وهو يطرح، وفق ما جاء في الكتاب، إشكالات مرتبطة بالكرونولوجيا والتحقيب والهيكلة والتراتبية. تفيد الكرونولوجيا، بوصفها مبدأً لترتيب الأحداث داخل نظام الزمن، في الكشف عن تسلسل هذه الأحداث والترابط بينها، لكنها لا تعفي المؤرخ من إخضاع الوثائق للنقد من أجل تحديد تواريخ الوقائع بأعلى دقة ممكنة (ص 38  -  39). أما التحقيب التاريخي فيتسم بعدة عيوب، تتمثل أساسًا في أن الحقبة المبنية مسبقًا تعرقل فهم المؤرخ، وتتحول إلى إطار اعتباطي وملزم يفرض قيوده المؤسسية، وقد تحول دون إدراك تفرّد الأحداث قيد الدراسة، وقد تقيم وحدة مفتعلة بين عناصر غير متجانسة، لكنه - في مقابل ذلك - يتيح ربط انتظامات قطاعية وتطورات شمولية بمفاصل ناظمة؛ وذلك عبر تشكيلة مزدوجة سردية وبنيوية (ص 39  -  42). وعلى مستوى الهيكلة والتراتبية، تطوَّر نظام الزمن التاريخي من التاريخ التقليدي ذي الطابع السردي والسياسي والفردي والحدثي القصير الأمد إلى التاريخ الجديد التفسيري والإشكالي والشمولي والبنيوي الطويل الأمد. وهنا تكمن أهمية منهجية فرنان بروديل، بحسب المؤلّف؛ فقد ميز بين ثلاثة أزمنة، محطمًا بذلك فكرة الزمن الوحيد. أولها الزمن الفردي أو الحدثي القصير والسريع والمتوتر، زمن الأحداث العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وهو زمن سطحي ولا يضفي أي شيء على تفسير التغيير الاجتماعي. وثانيها الزمن الاجتماعي أو الظرفي المتوسط الأمد الذي يمتد من عدة سنوات إلى نصف قرن أو جيل، وهو ذو إيقاع بطيء، لكنه قابل للإدراك ويتطابق بالخصوص مع التقلبات الاقتصادية. وثالثها الزمن الجغرافي، أو البنيوي، الذي يقاس بالقرن أو الألفية، وهو يكاد يكون ساكنًا، وحركاته وتغيراته بطيئة بشدة. إنه يوافق مدة الأحداث الجغرافية والبيئية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تدوم طويلً (ص 43  -  46). يقول المؤلّف إن تعدد الأزمنة ليس من مهمات التاريخ الجديد فحسب، بل هو من مهمات ديداكتيك التاريخ أيضًا (ص. 47)، وهو أمرٌ يعني ضرورة المواءمة الديداكتيكية لدرس التاريخ في المدرسة ليستحضر هذا التقسيم الزمني الثلاثي بحسب المواضيع والأحداث التي يتناولها. يشكّل المجال نقطة تمفصل بين الجغرافيا والزمن، لهذا يشكل بعدًا أساسيًّا لا غنى عنه في فهم التاريخ وتفسيره، حيث يؤدي بحسبه ثلاثة أدوار أساسية؛ يتمثل أولها في مقياس الملاحظة الذي يتدرّج من المحلي إلى العالمي. وعادة ما يطلق على المقياس المحلي اسم المونوغرفيات أو التاريخ المجهري أو المحلي. وهو يتميز بتقليص المجال ودقة المعلومات ويقدّم معطيات تقبل المقارنة والتعميم وتشكّل أرضية للتركيب. لكنه قد يؤدي، من خلال منظور المؤلّف، إلى الاستعمال المغرض والانحراف التراثي لعمل المؤرخ بسبب ما يمكن أن يقوم بين هذا التاريخ من علاقات مع السلطة المحلية التي تكون غالبًا معقدة وملتبسة. ومن ذلك بعض الكتابات المونوغرافية التي عكست رهانات محلية قبَلية أو طائفية أو عرقية أو سياسية أو اجتماعية أكثر ممّا عكست الأهداف العلمية، وأغرقت في النزعة المحلية بمعزل تامٍّ عن التاريخ الشمولي. وبالرغم من ذلك، فإنه يساعد، على المستوى الديداكتيكي، من خلال دراسة حالات، على تهيُّؤ التلاميذ للاستدلال التاريخي. وإذا كان المقياس الوطني يطرح عدة إشكالات على المستوى الأكاديمي، تتمثل بالأساس في الخلط بين الأزمنة لأن الدولة الوطنية، الحديثة العهد بالوجود، ليست وحدة القياس المناسبة لكثير من الحقب التاريخية التي سبقتها، فإنه يكتسي أهمية على مستوى التاريخ المدرسي؛ بالنظر إلى وظائفه الأيديولوجية والانتمائية المتمثلة في التلاحم والاندماج والوحدة الوطنية. ويوسع مقياس الحضارة حقل الدراسة التاريخية زمانيًّا ومجاليًّا، ويتيح تناول الآخر أو إدراج تاريخ "الأنا" ضمن "نحن" موسع، لكنه يظل

مهددًا بالتمركز الإثني الذي يهدد دراسة الحضارات في المستوى الأكاديمي والمستوى المدرسي على حد سواء، والذي يمكن توظيفه سياسيًّا بتقسيم حضارات العالم على أساس ثنائية الخير والشر، كما فعل صامويل هنتغتون. أما المقياس العالمي، الذي يبدو من خلاله التاريخ العالمي مشروعًا ديداكتيكيًّا أكثر منه واقعًا هيستوريوغرافيًّا، فيتميز بتعاليه على الحدود الجهوية والوطنية، واعتماده مقاربة عالمية بديلة لمقاربة المركزية الإثنية. وهو يبدو مبنيًّا على أسس متينة، تتمثل في الوعي العالمي بالبيئة، وانبثاق ذاكرة جماهيرية عالمية تتقاسم الإحساس بالمسؤولية المشتركة وتُعبَّأ للدفاع عن حقوق الإنسان، والعولمة بمختلف تجلياتها، خاصة الثقافية منها. لكنه يواجه صعوبات تتعلق بتحديد مفاتيح تأويلية صالحة لكل زمان ومكان، وانعدام مبدأ منظِّم، وصعوبة التخلص من مَيل غائيّ يصور التاريخ البشري بمنزلة تطور يقود عبر مراحل إلى العالم المعاصر. ولما كان هذا العالم موسومًا - على نحو بارز - بسمة الغرب، فإن هذا التاريخ العالمي قد يفضي إلى نوع من المركزية الإثنية. ورغم ما يشوب مقاييس هذه الملاحظة من عيوب، يمكن التنسيق بينها على مستوى التاريخ المدرسي للتفكير من خلال كل مقياس في "نحن" وفي "الآخرين" بكيفية معقولة ومتقاطعة (ص 50  -  60). ويتجلى الدور الثاني في التوطين (ص 60  -  61)، وهو أمرٌ ضروري لتعريف الأحداث التاريخية؛ وذلك عن طريق تحديد المواقع أو البلدان الحالية التي تطابق أسماء الأماكن المنقولة إلينا بألفاظ جغرافية قديمة، وأرخنة هذه الأماكن؛ أي إدراكها ليس بوصفها مفاهيم جغرافية ثابتة ودقيقة، بل بوصفها مفاهيم تاريخية تتغير باستمرار، وتستوجب إعادة تحديدها في كل وثيقة، وبعبارة أخرى قراءة المجال التاريخي في خرائط العصر موضوع الدراسة، وليس في خرائط الوقت الحاضر. ويقوم المجال بدور ثالث يتمثل في التأويل (ص 62  -  64)، فهو يساعد على تفسير التاريخ؛ أي تحديد مدى تأثير الوسط الجغرافي في الإنسان وردود الفعل البشرية عليه في السيرورة التاريخية. إن للأحداث الجغرافية تأثيرًا حقيقيًّا ملموسًا؛ فهي تشكّل التطور وتوجّهه وتحدّه. وتساعد الخرائطية على فهم دور المجال في التاريخ؛ إذ تضفي الطابع النسبي على التغيير، وتشهد بواقعية الواقعة، وتصوغ تمثلً للهوية الجمعية. وعلاوة على الزمن والمجال، يشكّل المجتمع البعد الثالث لموضوع التاريخ. ويقصد به المؤلّف مجموعة بشرية محددة في الزمن والمجال، تتميز بعلاقات اجتماعية تحكمها ثقافة ومؤسسات. ويهتم المؤرخ في دراسته للمجتمع بالتغيير الاجتماعي الذي يظل دائمًا جمعيًّا، ويطمح إلى الكلية والشمولية بدراسة وتفسير جميع مظاهر الحياة المجتمعية، المادية منها والذهنية (ص 66  -  67). لقد أتاح ذلك لحقل المؤرخ أن يتسع، ولحقول المعرفة التاريخية أن تتكاثر، فأضفى على مادة المؤرخ نوعًا من التفتت. ويوظف المؤلّف في هذا السياق المفهوم الذي نحته فرونسوا دوس2 لوصف حالة التشظي التي أصبح عليها التاريخ الجديد. ويخلص في تحليله إلى أنه إذا كان التفتيت مسألة تخصص، فإن الشمولية قضية ديداكتيك، ويدعو في الوقت نفسه إلى بذل جهد من أجل فهم شمولي للتاريخ لمقاومة هذا التفتيت (ص. 71). وإذا كان موضوع التاريخ يقوم، من الناحية الإبستيمولوجية، على الأبعاد الثلاثة السابقة الذكر، فإن الفكر التاريخي يمر، من الناحية المنهجية، من مسار طويل.

  1. فرانسوا دوس، التاريخ المفتَّت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.)

مسارات الفكر التاريخي

يقدّم المؤلّف إضاءات منهجية مهمة على مستوى ديداكتيك التاريخ المدرسي، وعلى مستوى إغناء القدرات المنهجية في مجال البحث التاريخي الأكاديمي أيضًا، وهي إضاءات تصلح للإسهام في تطوير معالم البيداغوجيا لدرس التاريخ الجامعي. ويطلق المؤلّف تعبير مسارات الفكر التاريخي على الصرح المنهجي الذي تُبنى على امتداده "علمية" التاريخ، وهي تكتمل تدريجيًّا، في تفاعل بين شخصية المؤرخ وذاته الحاضرة التي تطرح إشكاليات وتضع فرضيات وتبني تركيبات، وبين الواقع الموضوعي الماضي الذي بقيت آثاره في الحاضر. ويسمي بول ريكور هذه المسارات بالأطوار الهيستوريوغرافية؛ تفاديًا لوضع العمليات التي تجري فيها في سلسلة من المراحل المتتالية لأن هذه العمليات قد تتداخل في ما بينها في كل طور من هذه الأطوار3، ويحصرها في ثلاثة أطوار، هي: الاشتغال بالوثائق، والفهم والتفسير، والتمثل التاريخي. وقد وسّع المؤلّف دائرة هذه الأطوار، فوضع في مستهلّها طورين أساسيين هما الإشكالية والفرضية. إن الكلمة المفتاحية التي تساعد على فهم التصور المنهاجي للمؤلف هي التاريخ الإشكالي. لقد كان المؤلّف بمنزلة محامي البناء الإشكالي، فهو يرافع بقوة دفاعًا عنه؛ ليس في التاريخ العالِم فحسب، بل في التاريخ المدرسي أيضًا، لينتقل به من مجرد تلقين المعرفة التاريخية إلى اعتماد مقاربة بنائية تنطلق من طرح الإشكاليات، فوضع الفرضيات، فالاشتغال بالوثائق، فالتعريف، فالتفسير، وصولً إلى التركيب. ومع أن الإشكالية تشكّل أولى المراحل الكبرى للكتابة التاريخية، فإنها تُعد القلب النابض المحرك للخطوات المنهجية المتبعة في هذه الكتابة. وهي توضح كيفية انتقال مركز الثقل في البحث من الموضوع إلى الذات التي تكون مبدعة فعّالة تسائل الماضي انطلاقًا من انشغالات الحاضر. ويجري خلالها التصريح بموضوع الدراسة والإفصاح عن مقصديته. ثم لي ذلك طرح الأسئلة الملائمة اجتماعيًّا وعلميًّا، وصياغة الفرضيات التي تساعد على التحقق من المشكلة المطروحة (ص 76  -  82). وإذا كانت الإشكالية شرطًا لتقدُّم المعرفة، فإنها شرط لازم لاستكشاف معنى الوثائق أيضًا. يُعد اليوريستيك، أي فن اكتشاف الوثائق، من الأطوار المهمة في هذا المسار المنهجي. ويجري فيه البحث عن حل المشكلة المطروحة والجواب عن السؤال الموضوع. ولا تشكّل الوثائق بالنسبة إلى المؤرخ، بحسب المؤلّف، مصدرًا للمعلومات فقط، بل إنها توفر أيضًا عناصر الدليل المتعلق بفرضيته، أو الحجة الوثائقية بتعبير ريكور4. إنها مسلك إجباري بالنسبة إلى المؤرخ، على أن يحسن استعمال الأسئلة لاستغلالٍ أمثل لها. وبعد أن صنّف المؤلّف المصادر إلى ذاكرية ومادية وأيقونية وأخرى مكتوبة، شدّد على أن المعرفة التاريخية لا تُبنى على أساس التحليل النقدي لمصدر واحد، بل إنها تتطلب مقارنة ومقاربة لعدة مصادر، بل سلاسل من المصادر. يخلص المؤلّف إلى أن اليوريستيك في درس التاريخ ليس في متناول التلامذة، بالنظر إلى صعوبته وما يتطلبه من وقت طويل. لهذا، يرى أن يُمكَّن التلامذة من وثائق جرى اختيارها من قبلُ تبعًا للمعلومات الضرورية، من دون الحديث عن معايير الاختيار، وذلك بعد أن يكونوا قد تساءلوا حول المعلومات التي تلزمهم لحل المشكلة، واستدراجهم إلى استبطان فكرة أن ما نعرفه عن الماضي هو بفضل آثاره وبقاياه المتنوعة التي أخضعت للدراسة (ص 93  -  94).

  1. Paul Ricœur, La mémoire, l'histoire, l'oubli (Paris: Editions du Seuil, 2000), p. 169.
  2. Ibid., p. 225.

ويهدف تحليل المصادر إلى تعريف أحداث، مادية أو ذهنية، قابلة للفهم في سياقها التاريخي، وملائمة لمشكلة المؤرخ؛ بحيث تتيح له إثبات فرضيته أو نفيها أو تعديلها، وإن كانت صحيحة بالنسبة إلى "علم" التاريخ. ويتم إثباتها عن طريق الحجة الوثائقية، بإخضاع الوثائق للنقد، سواء الخارجي الذي يروم التحقق من أصالتها، أو الداخلي الذي يتناول مضمونها وصدقيتها، أو عن طريق الدليل الحجاجي الذي يكون فيه عمل المؤرخ نفسه هو الحجة والمرجع الأخير في استقلال عن المصادر. ويصل إلى نتيجة مفادها أنه من الضروري، من وجهة نظر ديداكتيكية، الأخذ بيد التلامذة لكي يعُوا أن الحدث التاريخي يُبنى انطلاقًا من الوثائق وأنه نتاج المنهج التاريخي (ص 96  -  108). لا يقف المؤرخ عند التعريف بالأحداث، بل يسعى لتفسير سيرورة التغير الاجتماعي. وإذا كان المؤرخون يربطون علمية تخصصهم بالتفسير، فقد ساد جدال كبير حول ماهيته بين من ربطه بالقانون المنتظم الشامل على غرار التفسير الفيزيائي، وبين من ربطه بالحادثة الفريدة التي لا تتكرر. لم يخض المؤلّف في هذا الجدال، واعتبر أن التفسير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ الإشكالي (ص. 112)، فهو يهدف إلى استخلاص نظرية تفسيرية تجيب عن المشكلة المطروحة، وإلى التحقق من صحة الفرضية الموضوعة. إن وظيفته الأساسية تتمثل في إعادة بناء الاستمرارية التي فصَمها التحليل؛ وذلك بتنظيم الأحداث وترتيبها وفق روابط التعاقب و/ أو التزامن. لقد رفض المؤلّف الفكرة التي قالت بها بعض الهيستوريوغرافيات التاريخية، ومن بينها التيار التقليدي وبعض المؤرخين مثل بول فاين5، والتي تربط التفسير بالسرد وبالمصادر. واعتبر أن التاريخ الإشكالي أحدث قطيعة مع السرد على ثلاثة مستويات. أوّلها الإجراءات؛ إذ رفعه إلى مستوى إشكالية قائمة في حد ذاتها. وثانيها الكيانات؛ ذلك أن الأمر لم يعد يتعلق بتفسير أفراد، بل بتفسير كيانات مجردة مثل الحضارات والأمم والمجتمعات والطبقات والذهنيات... إلخ. وثالثها الزمانية؛ إذ لم تعُد له علاقة بزمن الذاكرة وبانتظارات الفاعلين الأفراد، بل بزمن يُبنى من تتابع فواصل زمنية متجانسة، ومن أزمنة متعددة (زمن قصير، وزمن متوسط، وزمن طويل) تتلاءم مع الإشكالية المطروحة. وبالنسبة إلى هذا التاريخ الإشكالي، فإن التاريخ لا يوفره المصدر، بل الذي يدرجه هو المؤرخ. ويرى المؤلّف أيضًا أن هذا التاريخ الإشكالي يدحض ثنائية الفهم والتفسير، وهي الثنائية التي اعتمدها بعض المؤلّفين للتوفيق بين الطابع السردي (الفهم) للتاريخ وطابعه العلمي (التفسير). إن خطوات المؤرخ تتمثل في تفسير التغير الاجتماعي؛ إما بالعوامل التي يجتهد في انتقائها وترتيبها فيعزو الأحداث إلى عوامل مختلفة، وإما بالدوافع التي يتناول الأحداث في إطارها من زاوية الأفعال البشرية لتبيان الأهداف التي يبتغي الناس بلوغها بأفعال محددة. وسواء تعلق الأمر بالنوع الأول أو الثاني، يخلص المؤلّف إلى عدم وجود نمط تفسيري مفضّل؛ فالمؤرخ يستعمل كل نمط من شأنه أن يجعل موضوع دراسته قابلً للفهم. وقد نوّه المؤلّف أيضًا باهتمام الديداكتيكيين بأنماط التفسير في المغرب وخارجه (ص. 128). نصل في خاتمة هذا المسار المنهجي إلى التركيب. وفيه يتم، بحسب المؤلّف، الانتقال من البسيط إلى المركب ومن الجزء إلى الكل. إنه السيرورة التي يقيم بها المؤرخ روابط ويضع تصنيفات ويملأ ثغرات طيلة سير خطواته المنهجية من وضع المشكلة إلى غاية الاستنتاج. يتعلق الأمر بنتيجة جزئية أو شاملة لخطواته المنهجية التي تتخذ شكل خطاطة أو هيكل أو خريطة أو لوحة أو سرد... إلخ. إنه نتاج لسيرورة ربط للأحداث وهيكلتها وترتبيها، بفضل الأطر المفاهيمية المهيكلة المتمثلة في الزمن والمجال والمجتمع من جهة، وتقنيتَي الربط المتمثلتين في الترتيب التعاقبي والترتيب التزامني، سواء عن طريق السرد أو عن طريق اللوحة، من جهة ثانية (ص 129  -  133).

  1. Paul Veyne, Comment on écrit l'histoire (Paris: Seuil, 1971), p. 70.

لا يستطيع المؤرخ أن ينجز مهماته من دون اللجوء إلى السرد، وفي هذا الباب يدخل المؤلّف إلى موضوع تأثيرات الكثير من النقاشات الإبستيمولوجية والمنهجية بين الاتجاهات السردوية، التي تعتبر التاريخ مجرد سرد أدبي، وكذلك الكثير من الكتابات الهيستوريوغرافية التي تميز السرد التاريخي من السرد الأدبي. إن للسرد في التاريخ الإشكالي، بحسب المؤلّف، راويًا مختلفًا عن السرد في التاريخ الحدثي. لا يتعلق الأمر بالنسبة إلى التاريخ الإشكالي براوٍ يعيد تشكيل الأحداث عن طريق محو ذاته، زاعمًا أنه يعطي مرآة موضوعية تعكس الحقيقة، وإنما بمتحدث يعيد تشكيل الأحداث انطلاقًا من انشغالاته الراهنة ومن شبكته المفاهيمية من دون أن يخفي، مع ذلك، النسبية الذاتية لخطابه (ص 131  -  140). وإذا كانت اللوحة تصلح خصوصًا لدراسة مجتمع أو مجموعة اجتماعية معيّنة في لحظة محددة، فإنها تقترن بالضرورة بنوع من أنواع الموضوع أو المدة؛ إذ يمكن إنشاء لوحة عن واقعة أو معركة أو حضارة، أو غير ذلك. وإن كانت أساليب التعبير الخاصة باللوحة تحجب الجانب السردي فإنها لا تفلح في إقصائه تمامًا. ينتمي التاريخ إلى فلسفة الحِجاج وليس إلى فلسفة التعليل؛ أي فلسفة المعرفة الأكيدة، لهذا فإنه يسعى لإقامة الحجة في بحثه من المقدمة إلى الاستنتاج، عن طريق إثبات الصحة بالحجة الوثائقية، أو الأرقام والمبيانات والخرائط، أو الدليل الحجاجي، أو الاعتراف ببعض الشكوك المرتبطة بثغرات في الوثائق، أو الاستعمال الإشكالي لبعض المفاهيم. ويستنتج المؤلّف، في ما يتعلق بالجانب الديداكتيكي، أن الإنشاء في مادة التاريخ سوف يظل مرادفًا على الدوام بالنسبة إلى التلامذة لاستظهار مجموعة من المعارف، وذلك ما لم يدركوا، عن طريق الممارسة، آليات بناء المعرفة التاريخية. إن المنهجية البنائية، القائمة على الاستدلال الفرضي - الاستنباطي، هي وحدها الكفيلة بإعداد التلامذة لبناء تركيبات؛ ومن ثمّ لتحرير إنشاءات (ص. 142). وفي إثر تحليل المؤلّف للمسار المنهجي للفكر التاريخي، تناول موضوعًا على غاية من الأهمية، يتعلق بدور المفاهيم في كتابة التاريخ.

المفهمة يف التاريخ

تناول المؤلّف إشكالية توظيف المفاهيم في كتابة التاريخ، في محور خصصه للمفهمة. ويقصد بها التعميم؛ أي سيرورة التجريد التي تهتم بالصفات المشتركة وتهمل أشكال التفرد والاختلاف (ص. 145). وإذا كان الموقف النظري للمؤرخين تجاه المفهمة يبدو في الوهلة الأولى مرتبكًا، بالنظر إلى تحفّظهم من التنظيرات الضبابية وتشبثهم بالدقة وبتفرد الأحداث، وبالنظر إلى أن المفاهيم تنحبس في حالة من السكونية، في حين تتسم الأحداث التاريخية بالتغير المستمر، فإنه على المستوى العملي أكثر إقدامًا؛ وذلك لأن المفاهيم، سواء المستعارة أو المبتكرة، تؤدي وظائف متعددة في الفكر التاريخي، كما أنه لا يفصل الفكر المتفرد الذي يحصي الاختلافات عن الفكر المعمم الذي يحصي التشابهات. إن المفهمة حاضرة طوال مسار الفكر التاريخي (ص 147  -  155)؛ إذ توجه البحث وتمنحه منذ البداية منظورًا، وتتيح للتاريخ الإشكالي التباعد عن السرد، وتسمح بالتحليل وترتيب العرض المصدري وهيكلته. ويميز المؤلّف بين المفاهيم المستعارة والمفاهيم المبتكرة. تتكون الأولى من ثلاثة أنواع هي مفاهيم العصر الذي تقع فيه الأحداث، تلك التي تنتمي إلى قائمة الحس المشترك بين الناس في كل زمان ومكان، وأخرى تندرج ضمن حقول معرفية مجاورة. أما المفاهيم المبتكرة، فهي خاصة بالتاريخ وتحدد هويته المعرفية وتميّز موضوع دراسته.

يقترح المؤلّف ثلاث خطوات منهجية لإثبات صلاحيته توزيع المفاهيم بين التفريد والتعميم (ص 160  -  163). تتمثل الأولى في أرخنة هذه المفاهيم؛ أي ربطها بسياقها وتوضيح التغيرات التي طرأت على دلالاتها في سياقات مختلفة. وتتجلى الثانية في اتخاذ المؤرخ مسافة من نماذجه الخاصة ومن نماذج غيره، واعتبارها باستمرار أدوات تفكير لا غايات في حد ذاتها، والاستعداد لتعديلها أو تركها. وتتلخص الثالثة في التحكم في الاستدلال بالتماثل؛ وذلك باعتماد المنهج المقارن. ويخلص إلى أنه إذا كانت المفهمة كلّية الحضور في منهجية المؤرخ، فإنها أيضًا همٌّ يشغل الديداكتيكيين في الوقت الحاضر أكثر مما يشغل المؤرخين أنفسهم (ص. 163). وبعد هذه الإضاءات الإبستيمولوجية والنظرية للفكر التاريخي ومساراته المنهجية، ينتقل المؤلّف إلى تناول الفكر التاريخي في درس التاريخ في التعليم الثانوي بالمغرب.

واقع الفكر التاريخي المدريس بالمغرب

عمل المؤلّف على تشخيص واقع الفكر التاريخي في التعليم الثانوي المغربي وتقييم أهميته، سواء في درس التاريخ كما يُقدَّم في الفصول المدرسية، أو في الكتب المدرسية، أو في النصوص الرسمية الموجهة لتدريس التاريخ في هذا التعليم؛ وذلك مع أخذٍ في الحسبان لكلّ من التطور الاجتماعي والسياسي وسيرورة البناء الديمقراطي في هذا البلد، اللذين لا ينفصل عنهما التطور الديداكتيكي لمادة التاريخ والإقبال على الفكر التاريخي في التعليم المدرسي. بعد استقلال المغرب، وخلال ستينيات القرن الماضي، وفي سياق احتدام الصراع السياسي بين الملكية وحزب الاستقلال، دعم النظام السياسي الاختيار الحداثي من أجل الوقوف في وجه التوجهات المحافظة لهذا الحزب الذي كان يدافع بحماس عن التعريب الفوري، معتمدًا في ذلك على نخبة تلقّت تكوينها في المدرسة الحديثة، وعلى تعاون قوي مع فرنسا. لم تكن ثمة كتبٌ مدرسية خلال هذه الفترة، فبادر فريق من أساتذة التعليم الثانوي والعالي، مغاربةً وفرنسيين، بتزويد الأساتذة والتلامذة بنوعين من المؤلَّفات الديداكتيكية متمثّلة في كراسات التاريخ لأقسام السلك الأول، ومجموعات نصوص لأقسام السلك الثاني. وإذا كانت هذه المؤلَّفات قد أسندت إلى تدريس التاريخ وظيفة نقدية أساسًا، ووظيفة منهجية تأملية أيضًا، فإن إعدادها المستوحى من المنهج الوضعي قد ركّز على شرح النصوص بدلً من المشكلات التاريخية، ثمّ إنها لم تَرد فيها أي إحالة إلى الوظيفة الانتمائية (ص

في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وخاصة بعد محاولتَي الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني، وجد الاختيار التقليداني شكلً للتعبير عن نفسه من خلال برامج تعريب التعليم ومَغْربة هيئة التدريس. وقد أدّت تلك السياسة إلى تحالف الوطنيين المقربين من حزب الاستقلال ومن التيار الديني المحافظ مع النظام. وصاحبت عملية التعريب تقوية المضامين الدينية في البرامج؛ وذلك من أجل تقويض الأسس الأيديولوجية للاحتجاج اليساري، كما لم يكن سياق سنوات الجمر والرصاص يشجع البتة على ممارسة الفكر النقدي في الفصل الدراسي (ص. 187). وقد شهد المغرب إصلاحًا تعليميًّا سنة 1973، يندرج في إطار الجهود المبذولة لإعداد برامج لمغربة المدرسة. لذلك، كان الانشغال الأساس فيه هوياتيًّا ولم يكن بيداغوجيًّا (172). وتمثلت الأهداف البيداغوجية لدرس التاريخ، بحسب التوجيهات التي حملها، في التكوين الفكري والخلقي للتلميذ، وتنمية مفاهيم الزمن لديه، وتدريب ذاكرته، واكتسابه روح الملاحظة والنقد، وتنمية روح الموضوعية والتجرد والنسبية الضرورية لتكوين الروح العلمية الصحيحة، والقدرة على التحليل والمقارنة والاستنتاج والتركيز... إلخ. وقد لاحظ

المؤلّف غياب منطق يؤسس تصنيف هذا الأهداف، وغموض مصطلحاتها وعدم دقتها، إضافة إلى أنها لا تستند إلى أي تعريف إجرائي يساعد على تعريفها وتقويمها، ولاحظ أيضًا أن هذه التوجيهات تنطوي على تصور نظري إمبريقي للتعلم، وتجند بيداغوجية تلقينية في جوهرها (ص 172  -  174). نشرت الكتب المدرسية الأولى مع تعريب مادة التاريخ. وقد صنفها المؤلّف ضمن مستوى أول من الفكر التاريخي، لم يكن النقل الديداكتيكي فيه ينهل من التاريخ الأكاديمي إلا ما يتلاءم مع المتطلبات الضرورية للتربية الوطنية. لهذا، لم تجد البحوث المنتمية إلى التاريخ الجديد صدى كبيرًا في هذه الكتب التي استمرت الغلبة فيها للوطني والسياسي على حساب الاجتماعي والاقتصادي والكوني. وهكذا، كان المتخيل والأيديولوجيا ينفذان عن طريق هذا النقل، وقد ترجم ذلك على مستوى إخفاء التنافر والتفكك والسير في اتجاه رؤية متجانسة للتاريخ الوطني، واستقطاب الوعي نحو الوحدة الوطنية في المخيلة، والسمو المطلق للسرد الوصفي على الخطاب التفسيري. ثمّ إنّ الكتاب المدرسي لم يعكس أي فكر بيداغوجي متطور؛ فقد ظل ينسب إلى المعارف فضائل فكرية ووطنية متأصلة، ويعتمد على الشرح والحفظ، وغيّب القدرة على تنمية الفكر النقدي المستقل لدى التلميذ. وقد بوشر إصلاح جديد للتعليم سنة 1987 عُدّل سنة 1994. واعتمد هذا الإصلاح من الناحية البيداغوجية على التدريس بالأهداف. وتعتبر التوجيهات الواردة فيه أن القدرات الفكرية لتعلم التاريخ نتيجة للموقف الديداكتيكي الذي ينبغي للمدرس اتخاذه، وليست متأصلة في المعرفة التاريخية. كما كانت منشغلة بمساعدة المدرسين على تنظيم عملهم بدءًا من تحديد الأهداف إلى تقويم تحققها. وأكّدت أهمية الوثائق في تعليم التاريخ. ويظهر أن فيها إرادة حقيقية لعقلنة عمل المدرس وجعله أكثر انشغالً بتحقيق الأهداف، لكنها ظلت أهدافًا تنتمي إلى الحقل المعرفي أكثر من البعد الوجداني أو الحسيّ الحركيّ. إن هذه التوجيهات، بحسب المؤلّف، تنتمي إلى مستوى ثانٍ من مستويات الفكر التاريخي تترجم فيه الأنشطة الممهدة للمهارات المرتبطة بالفكر التاريخي في مهمات أو تمارين جزئية للتعلم. وهذه الأنشطة المجزَّأة في غالب الأحيان تستدعي مهارات مرتبطة بعمل المؤرخ. إن اكتساب منهجية للتعلم أمرٌ ممكن في هذا المستوى، لكنها منهجية تفتقر إلى الإشكال والاستدلال (ص 176  -  179). لقد استخلص المؤلّف بعض الاتجاهات الكبرى المميزة لفعل تدريس التاريخ في المدرسة المغربية خلال المرحلتين السالفتين. يتجلى الاتجاه الأول في غياب شبه تامّ للإشكالية في درس التاريخ، ويتمثل الثاني في التواتر النسبي في استعمال الوثائق، ويتلخص الثالث في هيمنة الأسئلة السردية والوصفية مقارنةً بالأسئلة التفسيرية، أما الرابع فيخص غلبة المعرفة الملقّنة على المعرفة المبنية. تكونت منذ مطلع التسعينيات، وفق تعبير المؤلّف، إرادة حقيقية لدمقرطة الحياة السياسية في المغرب، صاحبتها رغبة في إصلاح النظام التربوي. غير أن الاصطدام والتجاذب بين تيارين أحدهما حداثي ديمقراطي والآخر محافظ إسلامي قد انعكس على البرامج الدراسية، فأصبح يتجاور فيها الديني والدنيوي، والنقد والعقيدة الثابتة، على نحو يلغي أحدهما مفعول الآخر (ص. 187). كان الإصلاح الذي اعتمد سنة 2002، قيد التطبيق أثناء إصدار الكتاب أوّل مرة سنة 2005؛ لهذا جرى التركيز فيه على التوجيهات التي وردت في هذا الإصلاح، ولم يتطرق إلى ما عرفته الكتب المدرسية من تطورات، لأنها كانت في طور الإعداد، والأمر هو نفسه بالنسبة إلى الدرس التاريخي أيضًا. اعتمد هذا الإصلاح التدريس وفق بيداغوجيا الكفايات. واستند في مرجعيته إلى إسهام ديداكتيك التاريخ وخلفيته الإبستيمولوجية، وإلى تنمية استقلالية المتعلمين بجعلهم في وضعيات بناء المعرفة واكتساب مهارات. وتشدّد هذه التوجيهات على التركيز على مسار إنتاج المعرفة التاريخية أكثر من التركيز على منتوجها، توخيًا لاستقلالية المتعلم بجعله يكتسب الأدوات المنهجية لمساءلة التاريخ بفكر نقدي.

وتتمثل الأهداف العامة المرسومة لتدريس التاريخ في تنمية الفكر النقدي، والدقة في ملاحظة الوثائق واستغلالها عن طريق منهجية صارمة، واكتساب الأدوات المنهجية لمساءلة التاريخ، والقدرة على تحليل المعطيات التاريخية واختيارها وتنظيمها، مع التركيز على الكفايات؛ ومن ثمّ جرى تغليب الطابع المنهجي الذي تمثّل أساسًا في اكتساب مفاهيم تاريخية، والقدرة على طرح مشكلة ما انطلاقًا من وضعية تاريخية، وانتقاء المعلومات الملائمة، ووضع المصادر في سياقها وتحليلها ونقدها انطلاقًا من التساؤل، وتطبيق المنهج التاريخي في دراسة وقائع تاريخية من زاوية مفاهيم مهيكلة للمادة. جرى الارتقاء في التوجيهات الرسمية، مع هذا الإصلاح، إلى مستوى في الفكر التاريخي أعلى من المستوى الثاني، لكنه لم يصل إلى المستوى الثالث الذي يهدف فيه الاستدلال التاريخي إلى جعل التلامذة قادرين على حل مشكلات تاريخية عن طريق نهج مراحل الفكر التاريخي؛ أي عن طريق السير من المشكلة إلى الأسئلة، فالفرضيات، فجمع المعطيات من مصادر منتقدة، فمعالجتها من منظور الزمن، فالاستنتاج (ص. 179). ويخلص المؤلّف إلى أن التيار الحداثي، الذي يعتبر التعليم وسيلة لرفع فعالية القطاعات الاقتصادية من خلال تعليم منفتح على العالم والقيم الكونية لحقوق الإنسان، قد حقق مع هذه الإصلاحات، تقدمًا ميدانيًّا في مواجهة التيار التقليدي الذي يرى أن التعليم هو أولً مشكلة الهوية الوطنية التي ينبغي استرجاعها بالعودة إلى المصادر العربية الإسلامية للثقافة المغربية. لكنه يعتبر أن الديمقراطية، وإن كانت شرطًا أساسيًّا لممارسة الفكر التاريخي في المؤسسات الدراسية، فإنها ليست شرطًا كافيًا لهذه الممارسة. لهذا، عبّ عن خشيته من أن يظل هذا الفكر ضعيف الحضور في درس التاريخ، بالرغم من هذا الإصلاح، ما لم تتم مراجعة أشياء كثيرة؛ من أبرزها البرامج والكتب المدرسية، وشروط عمل المدرسين والتلامذة، وقبل ذلك كله، تكوين الأساتذة تكوينًا أساسيًّا ومستمرًّا ينمّي لديهم إدراك الأسس الإبستيمولوجية لديداكتيك الفكر التاريخي إدراكًا واضحًا (ص. 187). وفي إثر ذلك، اعتمد المؤلّف مقاربة تجريبية، وأعدَّ نموذج مجزوءة للتعلم يستحضر فيها الأبعاد الثلاثة لموضوع التاريخ، ويقوم على بناء ميتودولوجي يمر من مختلف أطوار مسار الفكر التاريخي التي أوضحها من قبل. وكما يستنتج المؤلّف، أكدت هذه المقاربة أن النقل الديداكتيكي للفكر التاريخي، المؤسس على إضاءة تأملية ومنهجية وإبستيمولوجية، يساعد على تعلّم تلامذة التعليم الثانوي هذا الفكر وتنمية موقف تاريخي إيجابي لديهم. لا يمكن لهذا العرض البيبليوغرافي لمضامين الكتاب أن يغني عن قراءته؛ نظرًا إلى أنه قدّم إضافات نوعية للفكر التاريخي، وشيّد تصورًا ديداكتيكيًّا للتاريخ المدرسي مبنيًّا على أسس إبستمولوجية ومنهاجية، على نحو يرقى به من مادة قائمة على الحفظ والحشو المعرفي، الذي يكرس عمليًّا قيم الطاعة والخضوع، إلى مادة مبنية على الكفايات المنهجية والمقاربة الإشكالية؛ ما يسهم في بناء العقل النقدي والمواطنة الحقيقية الضرورييّن لبناء الديمقراطية.

المراجع

العربية

للترجمة، 2009.

الأجنبية

References

فرانسوا دوس، التاريخ المفتَّت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية

Idrissi, Mustapha Hassani. Pensée historienne et apprentissage de l'histoire. Paris: L'Harmatan, 2005.

Ricœur, Paul. La mémoire, l'histoire, l'oubli. Paris: Editions du Seuil, 2000.

Veyne, Paul. Comment on écrit l'histoire. Paris: Seuil, 1971.