Return to Article Details The Academic School and the Development of Historical Writing in Egypt in the First Half of the Twentieth Century

المدرسة الأكاديمية وتطور الكتابة التاريخية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين

The Academic School and the Development of Historical Writing in Egypt in the First Half of the Twentieth Century

أحمد زكريا الشلق

Ahmed El Shelek

الملخّص

من الضروري أن نوضح، في البداية، أنّ الكتابة التاريخية في مصر الحديثة والمعاصرة قد عرفت أشكالًا وطرائق وأساليبَ مختلفة من الكتابة، بدءًا من مرحلتها التقليدية حتى مرحلة الكتابة العلمية، وشهدت أجيالًا من المؤرخين، هواةً ومحترفين، وربما كان أحدثهم جيل المدرسة الأكاديمية، الذي تبنّى منهج البحث العلمي وطبّقه، وقد برزت هذه المدرسة في أوائل القرن العشرين. واستمرت على ما هو معروف، حتى استقرت "مهنة التأريخ" وصارت نشاطًا فكريًا قائمًا بذاته يحترفها متخصصون ممّن درسوا التاريخ دراسة علمية أكاديمية، سواء في الجامعات الأوروبية أو في الجامعات المصرية، ثم اشتغلوا بتدريس التاريخ وقدّموا فيه أعمالًا علمية، وصار التأريخ مجال مهنتهم تدريسًا وتأليفًا.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • ندوة أسطور
  • مصر
  • المدرسة الأكاديمية
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • Egypt
  • Histography

من الضروري أن نوضح، في البداية، أنّ الكتابة التاريخية في مصر الحديثة والمعاصرة قد عرفت أشكالً وطرائق وأساليبَ مختلفة من الكتابة، بدءًا من مرحلتها التقليدية حتى مرحلة الكتابة العلمية، وشهدت أجيالً من المؤرخين، هواةً ومحترفين، وربما كان أحدثهم جيل المدرسة الأكاديمية، الذي تبنّى منهج البحث العلمي وطبّقه، وقد برزت هذه المدرسة في أوائل القرن العشرين. واستمرت على ما هو معروف، حتى استقرت "مهنة التأريخ" وصارت نشاطًا فكريًا قائمًا بذاته يحترفها متخصصون ممّن درسوا التاريخ دراسة علمية أكاديمية، سواء في الجامعات الأوروبية أو في الجامعات المصرية، ثم اشتغلوا بتدريس التاريخ وقدّموا فيه أعمالً علمية، وصار التأريخ مجال مهنتهم تدريسًا وتأليفًا. وينصرف معنى "الأكاديمية" إلى دراسة التاريخ علمًا له منهج وأسلوب في البحث ورؤى في التحليل والتفسير، استنادًا إلى أسس علمية أصبح معترفًا بها على مستوى العالم في نطاق إحدى المؤسسات أو الهيئات العلمية الأكاديمية، وعادة ما يكون الكاتب قد عمل فيها في التدريس أو البحث العلمي، وقدّم نتاجًا علميًا ومعرفيًا على هذا الأساس. ولا بد من الإشارة إلى أنّ مرحلة الكتابة الأكاديمية للتاريخ في مصر سبقتها مراحل مختلفة، ظهر فيها مؤرخون وإخباريون أو كتّاب حوليات أو صنّفوا كتبًا أو مؤلفات في التاريخ بجهود ودوافع خاصة، من دون أن يكونوا قد درسوا التاريخ على أسس منهجية حديثة - وربما يكون بعضهم قد اطّلع على بعض الترجمات - لكنهم قدّموا إسهامات ذات أهمية استفاد منها المؤرخون الأكاديميون الذين انتموا إلى المؤسسات الأكاديمية المشار إليها. وقد أصبح من المألوف الإشارة إلى "المؤرخ الأكاديمي" بأنه تخصَّص في دراسة علم التاريخ على أُسس منهجية في معهد أو جامعة، والتي يفترض أنها تدرس منهج البحث على أُسس وقواعد علمية، وتهيّئ الدارس فيها ليكون معلّمًا للتاريخ أو باحثًا فيه أو "مؤرخًا". إنّ دراسة التاريخ والكتابة فيه لم تكن مهنة يتكسب منها من أحبّها وعمل بها خلال القرن التاسع عشر، فلم يكن التاريخ قد تحوّل إلى تخصص قائم بذاته، له مشتغلون بكتابته ويتخذونه مهنة لهم، بعد تأهيلهم لذلك - كما حدث في القرن العشرين - وعلى ذلك

  1. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، كلية الآداب جامعة عين شمس. Professor of Modern and Contemporary History, Faculty of Arts, Ain Shams University. alshelek_ahmed@hotmail.com

كان مؤرخو القرن التاسع عشر، من عشاق التاريخ وهواة التأليف فيه، يرغبون في تخليد ذكرهم علماء ومؤرخين، وهو ما حدث فعلً. فلم يشهد القرن التاسع عشر دراسة منهجية للتاريخ، وقد انطلق المؤرخون فيه من الشكل التقليدي للحوليات والخطط ونحوها، وإن أسهموا ببعض التجديدات من خلال استخدام المادة الوثائقية والآثارية الجديدة في تدعيم كتابتهم، فضلً عن تطرّقهم إلى موضوعات جديدة في التأريخ عن النِّيل والتعليم والبحرية، إلى جانب الاهتمام التقليدي بالحكّام والطبقة الحاكمة. ومن المهم أن نشير إلى أنّ دراستنا هذه ستنصبّ على نشأة وتطور المدرسة الأكاديمية لكتابة التاريخ في مصر حتى النصف الأول من القرن العشرين؛ أي إنها ستتناول الجيل الأول من الرواد الأكاديميين الذين مهّدوا السبيل للأجيال التالية من تلاميذهم، بعد تأسيس الخطاب الوطني وترسيخه في الكتابة التاريخية وتمصير هيئة تدريس التاريخ في الجامعات المصرية.

المعروف أن حركة التأليف في مصر الإسلامية في العصور الوسطى برزت مع عبد الرحمن بن عبد الحكم (ت. 257 ه/ 871 م) ثم نشطت وأنتج المؤرخون المصريون إنتاجًا وفيرًا في معظم فنون التأليف التاريخي، وظلّت هذه الحركة نشيطة عصرًا بعد عصر، فتتابع المؤرخون يضيف كل منهم إلى جهود سابقيه إما "تكملة أو تذييلً أو إضافة أو ابتكارًا" وما إن جاء القرن الخامس عشر الميلادي حتى بلغت الحركة ذروتها من حيث وفرة الإنتاج وتنوّعه، وظهر مؤرخون عظام من أصحاب الموسوعات؛ مثل عبد الرحمن بن خلدون (732  -  808 ه/ 1332  -  1406 م)، وأحمد بن علي المقريزي (766  -  845 ه/ 1365  -  1441 م)، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773  -  852 ه/ 1372  -  1449 م)، وبدر الدين العيني (762  -  855 ه/ 1361  -  1451 م)، ويوسف بن تغري بردي (813  -  874 ه/ 1410  -  1470 م)، ومحمد بن عبد الرحمن السخاوي (831  -  902 ه/ 1427  -  1497 م)، وغيرهم. وكان آخر ما عرفته مصر في نهاية عصر المماليك بروز محمد بن أحمد بن إياس (852  -  930 ه/ 1448  -  1524 م)، وأحمد بن علي بن زنبل الرمال (1500  -  1572)، اللذين شهدا نهاية عصر المماليك وبداية العصر العثماني. ثم قلّت حركة التأليف التاريخي خلال العصر العثماني، فلم يظهر مؤرخ له شأن ابن إياس. واستمر ذلك حتى أواخر القرن الثامن عشر، حيث ظهر عدد من الأدباء والعلماء كان لهم إسهاماتهم في الكتابة التاريخية، مثل محمد بن محمد المعروف بمرتضى الزبيدي (1145  -  1205 ه/ 1732  -  1790 م)، وعبد الله بن حجازي الشرقاوي (1150  -  1227 ه/ 1737  -  1812 م)، وإسماعيل بن سعد الخشاب (ت. 1230 ه/ 1815 م)، وحسن الجبرتي (1110  -  1188 ه/ 1698  -  1774 م)، وحسن بن محمد العطار (1190  -  1250 ه/ 1766  -  1835 م)، إلى أن ظهر عبد الرحمن بن حسن الجبرتي (1167  -  1237 ه/ 1754  -  1822 م) الذي وصل ما انقطع من سلسلة المؤرخين الكبار ومن حبل حركة التأليف التاريخي1. وقد أوضح محمد أنيس، في دراسته عن مدرسة التاريخ المصري في العصر العثماني، أنها ضمّت ثلاثة أقسام: قسم ضمّ المؤرخين من العلماء أو ما سمّاهم "مدرسة التاريخ العام"، وقسم ضمّ كتّاب التراجم، وهؤلاء كان لهم أسلاف قبل العصر العثماني، وقسم أسماه "مدرسة الأجناد" ممّن كانوا من غير المشتغلين بالعلم أو كتابة التاريخ، وإنما كانوا جنودًا من الهواة. والخلاصة أنّ مدرسة التاريخ في العصر العثماني شكّلت امتدادًا لحركة التأليف في مصر الإسلامية، من حيث الاهتمام بالحوليات، وتراجم الأعلام، وطبقات الحكّام والولاة والسلاطين، والتأريخ للوفيات، والتي تميزت بسرديات وأخبار لها قيمتها باعتبارها مصادر للمؤرخين، وإن افتقرت إلى التدليل وروح النقد والتحليل، وأفرطت في العناية بالسجع وزخارف البلاغة على حساب المعنى والمضمون، حتى جاء الجبرتي في نهاية هذا العصر

  1. أحمد زكريا الشلق، نهضة الكتابة التاريخية في مصر (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011)، ص 15، 16.

ليمثّل نقلة جديدة، أو تحولً جديدًا عن هذا الميراث، وليبثّ في الكتابة التاريخية بنية وروحًا جديدة، لم تقطع صلتها بهذا التراث تمامًا، لأنها ولدت من رحمه، وإنما تميزت بالتحديث من دون قطيعة مع الماضي2. ونلاحظ أنّ عزت عبد الكريم في تقديمه كتاب جمال الدين الشيال عن التاريخ والمؤرخين يعدّ الجبرتي آخر تلاميذ مدرسة المؤرخين الإسلاميين في العصور الوسطى، ولا يعدّه أوّل تلاميذ مدرسة القرن التاسع عشر، لأنه لم يعرف هذا القرن حق المعرفة، وإنه يقف على مفترق الطرق؛ فهو من جهة متأثر، كل التأثر، بالتأليف التاريخي الإسلامي، وخاصة بمدرسة القرن الخامس عشر، مقوماتها وأسلوبها ومنهجها، ثمّ إنّ الأحداث الخطيرة التي جرت حوله، والتيارات الجديدة التي أخذت "تناوش" تفكيره، وهو ما يلاحظه قارئ المجلدَين الأخيرين من تاريخه، على الرغم من انفعاله بها، عجزت عن تطوير تفكيره وأسلوبه؛ فظل منتميًا إلى المدرسة التي نشأ فيها، في حين يختلف الشيال مع أستاذه؛ إذ يرى، عن حقٍّ، أن الجبرتي يعدّ أوّل مؤرخي القرن التاسع عشر، وأنه على الرغم من أنه عاش معظم سني حياته في القرن الثامن عشر، فقد أدرك القرن التاسع عشر وعاش في الربع الأول منه وشهد أحداثًا مهمة منه أيضًا3. غير أنّ الدراسة المتأنية لكتابات الجبرتي تثبت أنه كان مؤرخًا كبيرًا يستند إلى منهج مدهش في دقته واهتمامه بالتفاصيل، وأنه يفحص الأحداث والوقائع التي شهدها عصره، مع التزامه بالتقليد الحولي في تسجيل الحوادث والتراجم. وعلى الرغم من أنه في مقدمة كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار رأى أنه يسير على منهج من سبقوه من أعمال كبار المؤرخين، فإننا وجدنا أنفسنا أمام تطور حديث يتعلق بجمع الأدلة وصياغتها في صورة نقدية، فضمَّن تاريخه وثائق ومراسيم ولوائح وقوانين، جمعها اعتمادًا على مكانته في المجتمع وصلاته بالأمراء والعلماء، وقدّم صورة مهمة عن تأثير الاحتلال الفرنسي لمصر، وقدّم لوحة غنية بالأفكار السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة بين الأعيان وعامة الشعب قبل تولّ محمد علي باشا وبعده. ولم يسجل حادثة لم يتحقق من صحّتها بالتواتر والاشتهار. فكان دقيقًا في استقصاء الحوادث متحفظًا في ذكرها، وكان موضوعيًا في كتابته ويؤكد أنه يكتب للحقيقة والتاريخ، "وليس لخدمة ذوي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير". وهكذا، كان الجبرتي أوّل من عمل على إحياء حركة التأليف التاريخي المصري بعد أن تضاءلت وخفتت خلال القرون الثلاثة الأولى من العصر العثماني، فكان أول من استأنف التأريخ لمصر بعد ابن إياس وابن زنبل الرمال، ولم يدانِه مؤرخ آخر في عصره. وقد أشار الشيال إلى معاصري الجبرتي، أو مدرسته، فكتب عن إسهامات الشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ إسماعيل الخشاب وخليل الرجبي ونقولا ترك، ورأى أنّ جهودهم في التأليف التاريخي كانت قليلة كمًّا، ضئيلة كيفًا4.

تعرّضت حركة الاهتمام بالتأريخ والكتابة التاريخية في مصر في القرن التاسع عشر إلى تطورين مهمَيّن، أوّلهما في النصف الأول من هذا القرن، وثانيهما في النصف الثاني منه. أما التطور الأول الذي حدث في عصر محمد علي، فقد بدأ منذ بدأت بعوثه العلمية إلى أوروبا وما صاحبها وأعقبها من حركة الترجمة العلمية؛ لذلك ترجم موظفون حكوميون في عصره، ضمن من ترجموا، عددًا من الكتب التاريخية الأوروبية؛ استجابةً لرغبة الباشا الذي أراد أن يطّلع على سير القادة والملوك ليفيد من خبرتهم. وقد قدم الشيال قائمة تشتمل على أهمّ ما تُرجم من ذلك إلى التركية، وكان منها كتاب نيكولو مكيافيلّ الأمير ومقدمة ابن خلدون، وذكر أنه قد تكون قد قُررت، أو وُزّعت، على تلاميذ بعض المدارس التي كانت

  1. محمد أنيس، مدرسة التاريخ المصري في العصر العثماني (القاهرة: معهد الدراسات العربية، 1962)، ص 15، 17.
  2. جمال الدين الشيال، التاريخ والمؤرخون في مصر القرن التاسع عشر (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1958)، مقدمة عزت عبد الكريم، ص (ك، ل)، نص الشيال، ص 10.
  3. الشلق، ص 23  -  29؛ الشيال، ص 10  -  39.

تدرس اللغة التركية، ولكن كان أثرها محدودًا فلم تنشر بين المصريين، وأدى رفاعة رافع الطهطاوي (1801  -  1873) دورًا مهمًا في لفت الاهتمام إلى دراسة التاريخ، بعد أن شغف به منذ أن كان في باريس، وقد عزم على ترجمة بعض الكتب الفرنسية في التاريخ والجغرافيا. وعندما عيّ بعد عودته إلى مصر مترجمًا بمدرسة المدفعية، أنشا فيها فصلين لتعليم الجغرافيا والتاريخ. وعندما أنشئت مدرسة الألسن عام 1835، اعتُف بالتاريخ علمًا أول مرة في تاريخ التعليم بمصر، فصار يدرس ضمن موادها الدراسية، ولم يكن معروفًا قبل ذلك أنه يدرس في المساجد والمدارس في مصر أو غيرها، رغم نبوغ علماء المسلمين في التأليف فيه، وإن كان بعض العلماء من المؤرخين يجيزون لتلاميذهم رواية بعض هذه الكتب عنهم على سبيل الهواية الفردية الحرة. وقد نشط الطهطاوي وتلاميذه في ترجمة عدد من الكتب التاريخية التي تغطي تاريخ العالم، على قدر الإمكان، في مدرسة الألسن5. أما التطور الثاني، فهو يتمثّل في انتقال الاهتمام بالتاريخ من الترجمة إلى التأليف الحديث فيه، وهو ما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في عصر الخديوي إسماعيل، بفضل جهود الطهطاوي أيضًا. فبعد أن كان يعمل في ترجمة الكتب التي يريدها الوالي، والتي تحتاج إليها الحكومة ومدارسها، كان يتخير كتبًا تاريخية طبقًا لخطة رسمها لنفسه، يغطي بها تاريخ العالم منذ أقدم العصور حتى أحدثها. ولم يكن فيما يترجم يتقيد بنصوص المؤلفين، وكان يضيف إليها فصولً من كتب عربية، وكان لهذه الكتب تأثيرها في المجتمع لأنها كانت تترجم إلى اللغة العربية، وبعضها كان يدرس في المدارس الحديثة، وخاصة مدرسة الألسن. ومن هنا، بدأ المثقفون ينظرون إلى التاريخ نظرة إنسانية، وعرفوا أن هناك شعوبًا وأممًا لها حضاراتها وثقافاتها وتاريخها وإن اختلفت عنهم في الدين. وفي إطار هذا التطور، ومع توالي نتائج الكشوف الأثرية، اتسع نطاق علم التاريخ ومجاله، حتى إن الطهطاوي عندما أراد أن يؤلف كتابًا في تاريخ مصر، لم يبدأ بالفتح الإسلامي أو ببدء الخليقة كما فعل أسلافه، بل بدأه بتاريخ مصر القديم من عصور الفراعنة والبطالمة والرومان والبيزنطيين، ووقف به عند الفتح الإسلامي، هو كتابه أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيلالذي طبع في بولاق (1285 ه/ 1868 م)، فكان أول مؤرخ مصري عرَّف تاريخ مصر القديم في ضوء الكشوف الأثرية وما كتبه الأوروبيون في عصره، وكان أول مؤرخ آمن بأمجاد هذا التاريخ6. لقد قدّم الطهطاوي للدراسات التاريخية خدماتٍ جليلةً؛ إذ أدى دورًا تأسيسيًا مؤسسيًا لهذه الدراسات، ووضع حجر الأساس للإنجازات التاريخية التالية، تدريسًا وترجمةً وتأليفًا. وعلى الرغم من أنه لم يكن مؤرخًا متخصصًا أو متفرغًا؛ إذ إنه لم يتخذ من الكتابة التاريخية حرفة أو وظيفة أساسية له في الحياة، ولم يتلقَّ تشجيعًا ملحوظًا لما بذله في هذا الشأن، فإنّ كتابته التاريخية كانت خطوة كبيرة أبعد مدى من الجبرتي، نحو نهضة هذه الكتابة وتحديثها. وقد شهد القرن التاسع عشر مؤرخًا جديدًا من نوع خاص؛ هو علي مبارك (1823  -  1893) الذي استطاع إحياء شكل الخطط وأسلوبها في الكتابة التاريخية، ذلك الأسلوب الذي انقطع منذ أن كتب المقريزي خططهفي القرن الخامس عشر الميلادي، وإن كان مبارك قد نهج في تأليفه نهجًا علميًّا بالرجوع إلى الوثائق والنقوش وحجج الأوقاف والأملاك وما وجده مسطورًا على الأحجار والجدران، واستفاد من المراجع العربية والقديمة، وكتابات الأوروبيين والمستشرقين. فقدّم الخطط التوفيقية في عشرين مجلدًا نشرت عام 1888 فأبرزت علي مبارك مؤرخًا للتاريخ الاجتماعي. وقد أضاف إلى هذا العمل كتابًا في التاريخ أيضًا هو نخبة الفكر في تدبير نيل مصر

  1. الشيال، ص 43  -  48، 53  -  59. ويشير المؤلف إلى أن التاريخ بوصفه علمًا لم يعترف به ولم يكن يدرس في الجامعات البريطانية إلى أواسط القرن الثامن عشر، ولم تعترف فرنسا بالتاريخ علمًا إلا عام 1769 عندما أنشئ كرسي للتاريخ والأخلاق في كوليج دي فرانس France de Collège.
  2. يشير الشيال إلى أنه جعل الجزء الثاني من هذا العمل عن سيرة الرسول (ص)، وهو كتابه نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، ليكون بداية لتأريخه للعصر الإسلامي، لكنه توقف بعده ولم يحقق ما خطط له. الشيال، ص 80  -  83.

الذي كان قد أصدره عام 1872 والذي يشكّل وحدة موضوعية متكاملة، وعدل فيه عن أسلوب الكتابة التقليدية، مطبّقًا منهج البحث التاريخي، مهتمًّا بفلسفة تاريخ مصر في ضوء علاقتها بالنيل وارتباط نظمها وأحوالها بالاقتصاد والعمران7. ومن المفيد، أيضًا، أن نشير إلى جهود معاصري علي مبارك وما قدّموه من أعمال تاريخية، مثل محمود حمدي الفلكي (1815  -  1885)، وكان مهندسًا ودارسًا للرياضيات، وقد درس في باريس وقدّم بحثًا في تحقيق ميلاد النبي محمد وتاريخ الهجرة معتمدًا على دراسة بعض الظواهر الفلكية، بعد أن شغف بالتاريخ حبًّا وكتب فيه دراسات طعَّم فيها التاريخ بالدراسات العلمية في الهندسة والمساحة والفلك والآثار. وقد انتمى إلى هذه المدرسة - مدرسة مبارك والفلكي - إسماعيل سَْهَنْك باشا (1845  -  1924) صاحب كتاب حقائق الأخبار عن دول البحار الذي كان قائدًا لكثير من سفن الأسطول المصري، وكان ناظرًا للمدارس الحربية، ويعتبره الشيال من مؤرخي القرن التاسع عشر، وقد طُبع الجزآن الأولان منه في العقد الأخير من ذلك القرن. وفيه أرّخ للدول ذات الطابع البحري في العصور القديمة والحديثة8. وقد شهدت هذه المرحلة، أيضًا، ظهور عدد من "المؤرخين الآثاريين" ممّن قرنوا بين دراسة التاريخ والآثار، والذين أسسوا دار الآثار المصرية بعد أن شاركوا في بعثات التنقيب عن الآثار مع الأوروبيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان من أبرزهم أحمد نجيب (ت. نحو 1897) الذي وضع دراسات عن آثار وادي النيل والصعيد، و أحمد كمال باشا (1851  -  1923) الذي وضع مؤلفات بالفرنسية والعربية، وعلي بهجت بك الذي قدّم دراسات ومقالات في مختلف نواحي التاريخ والآثار الإسلامية معظمها بالفرنسية والعربية9. ولا نستطيع أن نغادر الحديث عن مؤرخي القرن التاسع عشر في مصر من دون أن نشير إلى المؤرخين السوريين في مصر، والذين برز منهم سليم نقاش (1876  -  1884) صاحب الكتاب الموسوعي مصر للمصريينالذي أرّخ فيه لأحداث الثورة العرابية استنادًا إلى الوثائق، وجرجي زيدان (1861  -  1914) صاحب المؤلفات التاريخية العديدة ورائد كتابة القصة التاريخية. يضاف إلى الأسماء السابقة أسماء أخرى مثل رفيق العظم (1865  -  1925) الذي نشر معظم مؤلفاته التاريخية في مصر في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين.

إذا كان لنا أن نعتبر أن الدراسة الأكاديمية للتاريخ بدأت مع إنشاء الجامعة المصرية في مرحلتها الأهلية (1908  -  1925)، فثمة حقائق ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار في مقدمتها أن هذه الجامعة الوليدة وضعت ضمن خططها الدراسية إرسال بعثات على نفقتها للدراسة في أوروبا لإعدادهم ليكونوا أساتذة فيها في المستقبل. وقد حدث هذا منذ بداية نشأتها؛ ففي عام 1909، أوفدت أربعة طلاب في البداية وازدادت أعدادهم سنويًا حتى بلغوا أربعة وعشرين مبعوثًا إلى كل من إنكلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وحتى يعود هؤلاء المبعوثون، استعانت الجامعة ببعض الأساتذة لتدريس التاريخ في المدة 1910  -  1916، فعهدت إلى الأستاذ جيرارد ميلوني Meloni. G بتدريس مقرر تاريخ الشرق القديم، وقد عهد بتدريس تاريخ الحضارة الإسلامية إلى أحمد زكي باشا خلال العامين الأولين من إنشاء الجامعة وعندما استقال ليخلفه الشيخ محمد الخضري (1872  -  1927) - وكيل لمدرسة القضاء الشرعي - ليدرّس تاريخ الأمم الإسلامية وتاريخ مصر في العهد الإسلامي عام 1910. وعندما رحل الأستاذ ميلوني عهدت الجماعة إلى الأستاذ محمود أفندي فهمي بتدريس تاريخ الشرق القديم (1915  -  1916)، وحينما توفي خلفه محمود باشا فهمي في تدريس المقرر نفسه، ولمّا مرض تولى التدريس بعده عام 1917  /  1918 أحمد بلال صالح، وهو من قدماء مدرسي التاريخ في مدارس الحكومة العالية. وحين اعتذرت مدرسة القضاء الشرعي عن عدم الإذن

  1. راجع تعليقنا على كتابات علي مبارك التاريخية في: شلق، ص 42، 47.
  2. راجع الدراسة المتفردة عنه وعن كتابه ومصادره ومنهجه، في: الشيال، ص 124  -  139.
  3. راجع أعمال أحمد كمال وعلي بهجت بالتفصيل في: المرجع نفسه، ص 144  -  155.

للشيخ محمد الخضري ليستمر في التدريس بالجامعة لكثرة أعماله في المدرسة، اختارت إدارة الجامعة الشيخ عبد الوهاب النجار، المدرس في مدرسة البوليس، لتدريس تاريخ الأمم الإسلامية10. وعندما راجعنا سجلات البعثات التي قررتها الجامعة الأهلية لنرى ما شأن دراسة التاريخ فيها، وجدنا أن ضمن المرشحين لإرسالية البعثة في تموز/ يوليو 1910 محمد كامل البنداري أفندي "لدراسة التاريخ الحديث بباريس"، وإن كنا لم نعلم شيئًا بعد ذلك عن مدى استمراره في الدراسة، لكن الأهم أن الجامعة أوفدت الدكتور الشيخ طه حسين (1889  -  1973) الحاصل على شهادة العالمية (الدكتوراه) من الجامعة المصرية في أيار/ مايو 1914، إلى مدينة مونبلييه لدراسة العلوم التاريخية عام 1914  /  1915. وفي تقرير عام 1918  /  1919 ورد أنه نجح في الليسانس وهو يحضر للدكتوراه والمنتظر أن ينتهي من امتحانها ويعود إلى مصر في النصف الثاني من عام 1919، وأنه علاوة على دراسة المواد المقررة له اشتغل بوضع رسالة اجتماعية عن "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية" حصل بها على لقب دكتور في العلوم الاجتماعية من قسم التاريخ بجامعة السوربون بدرجة "فائق جدًّا" مع تهنئات أعضاء لجنة الامتحان. وعندما عاد طه حسين إلى مصر في المدة 1919  -  1920، عهد إليه بتدريس مادة التاريخ القديم في قسم الآداب، الذي كان بمنزلة كلية للآداب داخل الجامعة الأهلية. ولعل أول دراسة للدكتوراه في الجامعة المصرية (الأهلية) هي التي مُنحت عندما وضع الطالب حسن إبراهيم حسن (1892  -  1968) في قسم الآداب رسالة في التاريخ الإسلامي، وحين عرضت على لجنة ضمّت إسماعيل بك رأفت والشيخ عبد الوهاب النجار والدكتور طه حسين، قررت اللجنة عدم صلاحية الرسالة للمناقشة وردّها للطالب ليعيد تأليفها من جديد. وهو ما حدث بالفعل وتقدّم بها في العام التالي 1920  /  1921 وامتُحن فيها بهيئة علنية في 6 أيار/ مايو 1921، ونجح بدرجة جيد، ومُنح لقب دكتور في الآداب11. وتفيد أحدث دراسة عن مؤرخي التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية الأهلية أنّ دراسة التاريخ الإسلامي كانت واحدة من المواد الخمس التي شملتها الدراسة في الجامعة عند افتتاحها، وأنّ أبرز ثلاثة من علماء التاريخ الإسلامي الذين درّسوا فيها هم أحمد زكي باشا، والشيخ محمد الخضري، والشيخ عبد الوهاب النجار، وأنّ هؤلاء كانوا الرواد الحقيقيين لدراسات التاريخ الإسلامي في تاريخ الجامعة المصرية12. ونلاحظ أنه لم يكن هناك مقررات في التاريخ الحديث أو المعاصر، وكان التركيز في المواد الدراسية بها على تاريخ الحضارات وتاريخ العلوم التاريخية والجغرافية وتاريخ آداب اللغتين الإنكليزية والفرنسية. ومن الواضح أنّ أحمد زكي باشا (1867  -  1934) كان ممّن أسهموا في تكوين الجيل التالي من الأكاديميين، وذلك لاستخدامه المصطلحات الجديدة في التاريخ، فكان مثلً من أوائل الذين رسخوا استخدام مصطلح الحضارة، وشجعوا الطلاب على الرجوع إلى المصادر، وتنمية قدراتهم البحثية، وزيارة الأماكن الأثرية، والتدريب على استخدام الوسائط التعليمية، والاهتمام بالتحقيق العلمي للوقائع التاريخية، وهي أمور تصبّ في تنمية القدرات الأكاديمية13. من المهم الإشارة إلى أن فترة الجامعة الأهلية شهدت بعض الأعلام من عرب وأوروبيين ارتبطت أسماؤهم بتدريس موضوعات لها صلة بالتاريخ الإسلامي عمومًا وأدّوا أدوارًا، على نحو مباشر أو غير مباشر، في صناعة جيل الرواد من المؤرخين الأكاديميين، بما قدموا من محاضرات وما وفروا من مناخ علمي كان له تأثيره في توجيههم. من بين هؤلاء الأثري المعروف علي بهجت (1858  -  1924) الذي

  1. أحمد عبد الفتاح بدير، الأمير أحمد فؤاد ونشأة الجامعة المصرية، ط 2 (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2008)، ص 93  -  95، 124، وما بعدها، ص 153  -  157.
  2. المرجع نفسه، ص 231  -  232.
  3. حسام أحمد عبد الظاهر، مؤرخو التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية الأهلية 1908  -  1925، مراصد كراسات علمية 47 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2018)، ص 8 وما بعدها.
  4. لمزيد من التفاصيل، ينظر: حديثه عن الشيخين الخضري والنجار وأهم ملامح التجديد والتحديث في منهجيهما سواء في التدريس أو التأليف، وتأثر طلاب الجامعة الأهلية بهما ممن صاروا روادًا في المدرسة الأكاديمية، المرجع نفسه، ص 21  -  34.

رُشّح ليحلّ محل أحمد زكي في تدريس التاريخ الإسلامي، وإن لم يتم ذلك، ثم جرى ترشيح المؤرخ جرجي زيدان لتدريس هذا المقرر، وإن كانت قد نشبت معركة فكرية دارت حول السؤال: هل يجوز لغير المسلم في البلاد الإسلامية أن يدرّس التاريخ الإسلامي. وعلى الرغم من أنّ زيدان قد شرع في تدريس مادة تاريخ الأمم الإسلامية بالفعل وأعدّ خرائط تاريخية للجزيرة العربية والعراق وغيرهما في مصلحة المساحة لتعينه على التدريس، فإنّ أغلبية أعضاء مجلس إدارة الجامعة قررت أنه لا يجوز ذلك، لارتباط هذا المقرر بمسائل دينية كثيرة مما يحتاج إلى عالم مسلم واقف على أحكام إسلامية كثيرة، وأنّ الشريعة الإسلامية هي روح التاريخ الإسلامي. وانتهى الأمر باعتذار مجلس الجامعة لجرجي زيدان، الذي كان من أوائل من دعوا لإنشاء الجامعة، كما أنّ له إنتاجًا كبيرًا في التاريخ الإسلامي. من هذه الشخصيات المستشرق الإيطالي إغناطيوس جويدي (1844  -  1935) الذي كان يدرّس مادة ترتبط في بعض موضوعاتها بالتاريخ الإسلامي وهي مادة "العلوم التاريخية والجغرافية واللغوية عند العرب". وكذلك المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نيلِّينو (1872  -  1938) الذي كلّفته الجامعة بإلقاء محاضرات عامة عن "تاريخ علم الفلك عند العرب" عام 1909  /  1910، كما أنه كلّف بتدريس "تاريخ آداب اللغة العربية" في العام التالي، وهي مواد، كما نرى، تتصل بتاريخ الحضارة الإسلامية، وتفتح آفاقًا جديدة لدراسة موضوعاتها أمام الدارسين ومن سيعملون بالدراسة التاريخية، فيما بعد، من جيل الرواد الأكاديميين وتلاميذهم14. كان من الواضح أن مادة التاريخ الإسلامي تلقى رواجًا وإقبالً من الطلاب في سنوات الجامعة الأولى، وكان لمؤرخي التاريخ الإسلامي بالجامعة الأهلية دور كبير في تكوين المؤرخين، وذلك عن طريق إشرافهم على رسائلهم ومناقشتها. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى رسالة الطالب أحمد ب لي عن "حياة صلاح الدين الأيوبي" في نيسان/ أبريل 1920. وتعدّ أول رسالة قُدّمت لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من الجامعة المصرية، ويليها رسالة حسن إبراهيم حسن عن "تاريخ عمرو بن العاص" في أيار/ مايو 1921، ورسالة توفيق حامد المرعشلي "فتح الأندلس وأول عهد العرب بها" في نيسان/ أبريل 1922، ورسالة الطالب أحمد فريد رفاعي "عصر المأمون من وجهته العلمية والأدبية" في كانون الأول/ ديسمبر 1922. وكانت الرسالتان الأخيرتان تحت إشراف طه حسين. ويلاحظ كذلك أنّ الجامعة الأهلية طوال تاريخها أجازت ست رسائل، أربع منها في التاريخ الإسلامي - وهي المشار إليها - ثم رسالة طه حسين عن أبي العلاء المعري (1914)، ثم رسالة زكي مبارك عن "الأخلاق عند الغزالي" (1923)، ولم يغب التاريخ الإسلامي عن هاتين الرسالتين. وعلى الرغم من أن هؤلاء الأربعة لم تصدر لهم دراسات تاريخية واضحة فيما بعد، فإن الاستثناء الوحيد من ذلك هو الدكتور حسن إبراهيم حسن الذي حصل على درجة دكتوراه أخرى من إنكلترا عام 1928، وصار من كبار المؤرخين الأكاديميين بمؤلفاته وتلاميذه15. وهكذا، كانت الجامعة المصرية الأهلية (1908  -  1925) حاضنة مهمة لدراسة التاريخ بمناهج حديثة ولأشبال المؤرخين الذين استكمل الكثير منهم رسالة البحث في التاريخ، في مجالات أكاديمية أوسع وأكبر، سواء في الجامعات الأوروبية أو الجامعة المصرية الحكومية منذ عام 1925 على ما هو معروف. من المهم الإشارة أيضًا إلى أنّ مدرسة المعلمين العليا (1880  -  1933) كانت هي الأخرى حاضنة للجيل الأول من المؤرخين الرواد. وفي نظارة سعد زغلول (1858  -  1927) للمعارف، قُسمت المدرسة قسمين: قسم عالٍ يدخله حملة البكالوريا لإعدادهم للتدريس، وقسم ثانوي لحملة الابتدائية لإعدادهم للتدريس بالمدارس الابتدائية فقط. وانقسم التعليم في القسم الأول (العالي) شعبتين: شعبة أدبية لتخريج مدرسين للمواد الأدبية واللغة الإنكليزية، وشعبة علمية لتخريج مدرسي الرياضيات والعلوم. وقد تطورت مناهجها عام 1908، وكانت

  1. عبد الظاهر، ص 35  -  41. وفيه استوفى قضية جرجي زيدان وتدريس التاريخ الإسلامي حقّها من الدراسة.
  2. المرجع نفسه، ص 51  -  61. وأشار بدير، إلى أن مجموع الرسائل التي مُنحت كانت سبعًا، وأن الرسالة السابعة كانت لإسرائيل ولفنسون عن "تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام". ينظر: بدير، ص 236.

ترسل مبعوثين إلى الخارج من خرّيجيها المتفوقين بإحدى الجامعات الإنكليزية، كما حدث مع كل من محمد رفعت (1889  -  1975)، ومحمد شفيق غربال (1894  -  1961)، ومحمد مصطفى زيادة (1900  -  1968)، ومحمد فؤاد شكري (1904  -  1963)، وهم طليعة الرعيل الأول من المدرسة الأكاديمية المصرية. وكانت قد سميت "مدرسة المعلمين السلطانية" عام 1915 بعد أن تولى السلطان حسين كامل الحكم (1914  -  1917). ثم صارت "مدرسة المعلمين العليا" بعد أن توفي، وقسمت مدرستين، إحداهما أدبية والأخرى علمية. وبعد افتتاح الجامعة المصرية الحكومية عام 1925 أصبحت المواد العلمية فيها تدرس في كليتَي الآداب والعلوم، ولذلك لم تلبث المدرستان أن أدمجتا في الجامعة، لينتهي أمرهما تمامًا عام 1933، بعد أن أُنشئ معهدٌ للتربية يتولى إعداد المعلمين على أسس علمية حديثة16.

لم تكن الجامعة المصرية الأهلية أو مدرسة المعلمين العليا وحدهما تنفردان بإرسال البعثات العلمية للدراسة في أوروبا، بل كان بعض الأهالي من كبار العائلات المصرية يحرصون على ابتعاث أبنائهم للدراسة في الخارج على نفقتهم الخاصة حتى إن بعض هؤلاء الأبناء حصلوا على درجة الدكتوراه في الجامعات الأوروبية في موضوعات لها طابع تاريخي، وأحرزوا درجات علمية في مجالات تخصصهم، ومنهم على سبيل المثال الدكتور محمد صبري السوربوني (1890  -  1978) (الذي سنفرد له حيِّزًا من هذه الدراسة)، والدكتور يوسف نحاس (1876  -  1955) الذي تخصص في القانون والاقتصاد بمدرسة الحقوق العليا في باريس، وحصل منها على درجة الدكتوراه عن دراسته "الفلاح: حالته الاقتصادية والاجتماعية"، عام 1901، وقد ترجمها ونشرها عام 1926، وهي في صميمها وبنائها العلمي موضوع تاريخي بالدرجة الأولى، وإن لم يقدّر لنحاس أن يدرس في الجامعة المصرية لانشغاله بمؤلفات أخرى في المجال الاقتصادي، وبأعماله الخاصة17. ويتصل بالتوجه نفسه الدكتور محمد حسين هيكل (1888  -  1956) الذي أرسله والده للدراسة في القانون بباريس صيف عام 1909، من أجل الحصول على درجة الدكتوراه. وقد حاز الدرجة العلمية عن دراسته "دين مصر العامّ" عام 1912، وتعالج قضية الدراسة الموضوع في سياقه التاريخي وتدخل في إطار الدراسات التاريخية قدر معالجتها القضية في شقّيها القانوني والاقتصادي، خلال فترة تاريخية محددة بخمسين عامًا (1854  -  1904)؛ إذ عالج موضوع ديون مصر من الناحية التاريخية - السياسية، وما كان لها من أثر في حياة مصر، لأنها فتحت الباب أمام التدخل الأوروبي ثم الاحتلال الإنكليزي18.

لعلّنا لاحظنا فيما تقدّم أنّ الدراسة الأكاديمية للتاريخ عرفتها مصر على نحو واضح في بداية القرن العشرين، من خلال الجامعة المصرية في مرحلتها الأهلية، غير أنها ازدادت وضوحًا وتحديدًا وتشكّلت ملامحها وتخصصاتها في أعقاب ثورة مصر الوطنية عام 1919، وهذا يعني ارتباطها بتطور الحركة الوطنية التي واجهت النفوذ الاستعماري البريطاني، وهو الأمر الذي أكسبها طابعًا وطنيًا، وربطها فيما بعد بمعركة تمصير الجامعة المصرية، خاصة بعد ضمّها إلى وزارة المعارف عام 1925 لتصبح جامعة حكومية أو أميرية، تلك المعركة التي سعت لإحلال الأساتذة المصريين محل الأساتذة الأجانب الذين كانت غالبيتهم من الفرنسيين والإنكليز، فبرزت على ساحة التعليم والثقافة في هذا الشأن أسماء؛ من بينها أحمد لطفي السيد (1872  -  1963)، وطه حسين (1889  -  1973)، وسليم حسن (ت. 1961)، ومحمد كامل مرسي (1889  -  1957)، ومصطفى عبد الرازق (1885  -  1946). وبرزت أسماء المؤرخين الرواد في مختلف فروع التاريخ؛

  1. عن تاريخ مدرسة المعلمين العليا 1880  -  1933 ينظر: عبد المنعم الجميعي، تاريخ مدرسة المعلمين العليا 1880  -  1933 (القاهرة: [د. ن]، 1995)، ص 16  -  38.
  2. الشلق، الفصل السادس، ص 153  -  162.
  3. عن رسالة الدكتور محمد حسين هيكل "دين مصر العام"، ينظر: محمد حسين هيكل: دين مصر العام، ترجمة أحمد محمد حسين هيكل، المشروع القومي للترجمة 26 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1998)، ص 5  -  10؛ محمد حسين هيكل،   مذكرات في السياسة المصرية، ج 1، ط 2 (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010)، ص 52  -  53.

مثل محمد رفعت، ومحمد صبري (السوربوني)، ومحمد شفيق غربال، وعبد الحميد العبادي (1892  -  1956)، ومحمد مصطفى زيادة، وإبراهيم نصحي قاسم (1907  -  2004)، وحسن إبراهيم حسن، وغيرهم. نحن، إذًا، في أعقاب ثورة 1919 أمام جيل جديد من المؤرخين ممّن درسوا في مصر أولً ثم ابتُعثوا إلى الخارج ليكملوا دراساتهم في جامعات إنكليزية وفرنسية. ومنهم من درس في الجامعة المصرية الأهلية وحدها (عبد الحميد العبادي)، ومنهم من حصل فيها على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي، ثم حاز دكتوراه أخرى من جامعة لندن (حسن إبراهيم حسن)، وإن كان معظمهم من أبناء مدرسة المعلمين العليا الذين أوفدوا للدراسة في جامعة ليفربول (محمد رفعت، وشفيق غربال، ومحمد مصطفى زيادة)، ومنهم من درس في الجامعة المصرية وليفربول ثم في جامعة لندن (إبراهيم نصحي)، ومنهم من سافر للدراسة على نفقته في جامعة السوربون (محمد صبري). ونلاحظ أنهم غطوا معظم عصور التاريخ في تخصصاتهم العلمية، فتخصصوا في عصر البطالمة والرومان، والتاريخ الإسلامي وتاريخ العصور الوسطى والتاريخ الحديث، في حين اختص علماء الآثار بدراسة التاريخ القديم كما هو معروف. وقد قدّموا دراساتهم منطلقين من شعور قومي راسخ، مستندين إلى أسس المنهج العلمي الحديث ليسهموا في نهضة الكتابة التاريخية في مصر، سواء داخل الجامعة أو خارجها، مشاركين في إعادة تشكيل الحياة الفكرية في بلدهم، حيث نقلوا إليها طرائق البحث العلمي التي عرفها العالم الغربي المتطور بعد أن تمثّلوها وطبّقوها عند تناولهم تاريخ مصر وعلاقاتها الدولية. إنه جيل أحدث نقلة نوعية مهمة في حركة التفكير التاريخي في مصر، ابتعدت بها عن المنهج الكلاسيكي الذي درج عليه كتّاب السير والتراجم والحوليات والمغازي والخطط والآثار، ورسخت أسس الكتابة العلمية للتاريخ. وليس معنى هذا أنّ الكتابة التاريخية صارت حكرًا على الأكاديميين وحدهم، ولكنهم وجّهوها وجهة علمية منهجية شديدة الانضباط في التوثيق ونقد المصادر والاستناد إلى العقلانية في التفسير والتعليل وفلسفة وقائع التاريخ والحرص على الموضوعية، وإن كان ارتباطهم بالمؤسسات الأكاديمية، تأليفًا وإنتاجًا للمعرفة التاريخية، لا يعني أنّ كل ما يقدمونه يكتسب الصفة الأكاديمية؛ فالحكم هنا ليس معياره هذا الارتباط بتلك المؤسسات، بل بمدى علمية ما يقدمونه ومنهجيته. فهناك من غير الأكاديميين من قدّم أعمالً جيدة التزمت بقواعد العلم ومنهجه واكتسبت صفة الأكاديمية من دون أن يكون كاتبوها من المتخصصين أو المنتمين إلى مؤسسات أكاديمية بالفعل، كما سبق أن أشرنا. سنعرض أوّلً ثلاثة من رواد الكتابة الأكاديمية للتاريخ الحديث، سواء بما قدّموه من دراسات علمية رصينة وملهمة، أو من خلال أدوارهم في مؤسسات التعليم والثقافة. ورغم معاصرتهم لبعضهم، فإنّ كلًّ منهم كان حالة فريدة ومتميزة في عطائه وإنجازه؛ وهم محمد رفعت أحمد، ومحمد صبري، وشفيق غربال. محمد رفعت أحمد نبدأ بالأستاذ محمد رفعت لأنه أول من انطلق إلى الدراسة التاريخية الأكاديمية الأحدث في أوروبا وعاد ليؤدي دورًا مهمًّا في تطوير الكتابة الأكاديمية في مصر وفي مؤسساتها التعليمية. وقد ولد في أسيوط لأسرة أصولها تركية. درس في القرية، ثم انتقل للدراسة الثانوية في أسيوط، والتحق بعدها بالقسم الأدبي بمدرسة المعلمين العليا في القاهرة، فأهّلته للالتحاق ببعثة دراسية من وزارة المعارف إلى جامعة ليفربول في إنكلترا قبل الحرب العالمية الأولى، حيث لحق به محمد شفيق غربال. وهناك نال رفعت درجة الماجستير عن مصر في عصر محمد علي تحت إشراف تشارلز ويبستر، وعاد إلى مصر مع نهاية الحرب. وفي الفترة نفسها تقريبًا كان محمد صبري يدرس في السوربون لينال درجتَي الماجستير والدكتوراه. وعاد ثلاثتهم إلى مصر ليكونوا في طليعة الجيل الأول من المؤرخين الأكاديميين الذين درسوا في

أوروبا وعادوا إلى بلدهم ليؤدوا أدوارًا مهمة، من قبيل مدرسين وإداريين، وليساهموا في تشكيل سياسة التعليم في مصر، وكان رفعت أوّل من ألّف منهم في التاريخ باللغة العربية. شغل عدة مناصب في التدريس أهمها عمله أستاذًا للتاريخ في قسم الصحافة بكلية الآداب في الجامعة المصرية، وانتُدب للتدريس في جامعة الإسكندرية، وعمل ضمن اللجان الفنية المشرفة على تطبيق نُظم التعليم الحديثة، حتى أصبح مديرًا للتعليم الثانوي منذ عام 1946 ومستشارًا فنيًا لوزارة المعارف، فوزيرًا للمعارف (آذار/ مارس - تموز/ يوليو 1952)، لتنتهي حياته الإدارية ويتفرغ لكتابة مؤلفاته وللنشاطات الثقافية العامة التي مارسها حتى وفاته عام 1975. والمعروف أنّ الجامعة الأهلية عندما ضُمّت بوصفها جزءًا من الجامعة المصرية الجديدة التي أقامتها وزارة المعارف عام 1925، لم تكن فيها كوادر مصرية تكفي لتمصير الجامعة آنذاك؛ ولذا اعتمدت على الأساتذة الأجانب، وكان التدريس فيها باللغات الأجنبية، حتى في مقررات التاريخ القومي، وكان رئيس قسم التاريخ في الجامعة المصرية أجنبيًّا حتى عام 1936، وظل هذا الأمر إلى أن بدأ الرعيل الأول من المؤرخين الأكاديميين المصريين الذين درسوا في أوروبا يجدون سبيلهم إلى التدريس في الجامعة ويحلّون تدريجيًا محلّ الأساتذة الأجانب. وقد أخذ هؤلاء المؤرخون على عاتقهم تأسيس مدرسة تاريخية وطنية، سواء في الجامعة أو من خلال وظائفهم التي شغلوها أو بمؤلفاتهم التي أعدّوها لتدرَّس في وزارة المعارف، وذلك في مقابل المدرسة الملكية التي رعاها الملك فؤاد لكتابة تاريخ الأسرة العلوية من وجهة نظر القصر الملكي. وكان رفعت على نحو خاص من المهتمين بتعريب كتب التاريخ. وأخذ على عاتقه كتابة مؤلفاته باللغة العربية، بوصف ذلك ردّ فعلٍ على كتابات المدرسة الملكية. وكان يرى أنّ الوطنيين في أيّ دولة هم الأقدر على فهم ردود أفعال شعوبهم تجاه الأفكار والأحداث التي تواجههم. وكان من المعلمين الأوائل الذين لقّنوا جيل الشباب من الطلاب والمثقفين الدروس الأولى في التاريخ القومي والتاريخ العام وفقًا للمناهج الحديثة. ولرفعت مؤلفات تاريخية مدرسية درستها أجيال من الطلاب في مدارس الدولة، فضلً عن كتاباته التاريخية الأخرى، التي من أبرزها كتابه الذي ألّفه بالإنكليزية ونشره في لندن عام 1947 بعنوان يقظة مصر الحديثة19، إضافة إلى كتابيه التيارات السياسية في حوض البحر المتوسط (1959)، والتوجيه السياسي للفكرة العربية الحديثة (1964)20. محمد صبري تلقّى محمد صبري، المعروف ب "السوربوني"، تعليمه الأولّي بالمرج، ثم تعليمه الابتدائي والثانوي بالقاهرة، حيث تفتحت ملكاته الأدبية وأصدر عام 1910 كتابًا عن شعراء العصر، فبدأ حياته أديبًا قبل أن يصبح مؤرخًا. وقد سافر إلى باريس للدراسة عام 1913 على نفقته فحصل على دبلوم الدراسات الجامعية من السوربون وأعدّ دراسة بالفرنسية عن شعر ألفونس دي لامارتين (1869  -  1790) Lamartine de Alphonse ‏، ثم عاد إلى مصر عام 1914 بسبب أوضاع الحرب. وبدأ ينشر مقالات في صحيفة المؤيد، ثم لم يلبث أن عاد إلى فرنسا ليستكمل دراسته لمرحلة الليسانس (1915  -  1919) وكان التاريخ الحديث هو تخصصه الأساسي والأدب هو دراسته الفرعية. أشرف دو سان أولار (1866  -  1954) Aulaire - Saint De، أستاذ تاريخ الثورة الفرنسية، على رسالته، وهناك زامل طه حسين في السوربون، وحاز الليسانس عام 1919. والتقى بزعماء الوفد وجنَّد نفسه لخدمة القضية الوطنية من خلال عمله سكرتيرًا لحزب الوفد ولسعد زغلول. وخلال هذه الفترة، عكف على كتابة تاريخ واقعي معاصر - إن جاز القول - لثورة 1919، ونشر الجزء الأول منه بعنوان الثورة المصرية من خلال

  1. محمد رفعت أحمد، يقظة مصر الحديثة، ترجمة عبد الله الأشعل (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017.)
  2. للمزيد من التفاصيل عن رفعت ومؤلفاته ومنهجه ينظر: الشلق، ص 180  -  184.

وثائق حقيقية وصور التقطت أثناء الثورة، ثم ثنَّاه بجزء آخر صدر عام 1921، وبين الجزأين وضع كتابًا آخر عام 1920 بعنوان المسألة المصرية منذ الحملة الفرنسية حتى ثورة 1919. وفي عام 1922 شرع يعدّ رسالة لدرجة الدكتوراه في التاريخ الحديث حملت عنوان "نشأة الروح المصرية"، فأتمّها، وأصدرها في باريس عام 1924، ليكون أول مصري يحرز درجة دكتوراه الدولة في الآداب مع مرتبة الشرف من السوربون. عاد إلى مصر وشغل عدة وظائف تعليمية، فدرَّس في مدرسة المعلمين العليا، ثم انتقل إلى الجامعة المصرية عندما صارت حكومية عام 1925، ودرَّس في دار العلوم (1927  -  1928). وخلال المدة (1925  -  1933) استأنف دراساته التاريخية، فوضع كتابه تاريخ مصر الحديث من محمد علي إلى اليوم (1926) الذي قررته وزارة المعارف بالنسبة إلى طلاب الثانوية ومعاهد التعليم العالي. ثم وضع عملين تاريخيين كبيرين بالفرنسية، هما الإمبراطورية المصرية في عهد محمد علي والمسألة الشرقية (1811  -  1849)) 1930 () 1811 - 1849 (Orient ' d question la et Ali - Mohamed sous Egyptien Empire ' L، والإمبراطورية المصرية في عصر إسماعيل والتدخل الأنجلو/ فرنسي (1863  -  1879)) 1933 () - 1879 1863 (française - anglo ingérence ' l et Ismaïl sous Égyptien empire ' L، فضلً عن دراسة باللغة العربية عنوانها "مصر في إفريقيا الشرقية" في العام نفسه. ثم ابتعد عن مصر سنوات تاركًا وظائفه مُؤْثرًا الحياة في فرنسا إلى أن عاد إلى مصر ليعمل مديرًا لإدارة المطبوعات والنشر، ثم مفتشًا لمادة التاريخ في المدارس، إلى أن عُيّ نائبًا لمدير دار الكتب المصرية عام 1944. وعندما تخطاه الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895  -  1971) وزير المعارف في أحقيته بوظيفة مدير دار الكتب التي يشغلها بالنيابة، استقال احتجاجًا عام 1948. وحين أعادت وزارة النحاس عام 1950 الموظفين المفصولين من الخدمة، عاد أستاذًا للتاريخ في جامعة فؤاد الأول. وصار في عام 1951 مديرًا لمعهد الوثائق والمكتبات في كلية الآداب حتى قيام ثورة يوليو 1952. وربما كان للفترات الطويلة التي عاشها صبري خارج مصر أثرها في عدم حصوله على الوظائف التي تناسب كفاءاته وقدراته، كما أنّ تأليف معظم كتبه التاريخية بالفرنسية وعدم ترجمته إياها طوال حياته قد حرمه من التواصل مع قاعدةٍ أوسع من المثقفين، إضافة إلى أنّ عدم تواصل عمله في التدريس في الجامعة له أثره في ألّ يكون له مدرسة علمية تضمّ تلاميذ له. ومع ذلك، لم يكفّ عن التأليف والإنتاج العلمي الذي وضعه في مصافّ كبار المؤرخين الأكاديميين الرواد. وقد اعتكف في سنواته الأخيرة، وحظيت مؤلفاته بالفرنسية بترجمات جيدة صدرت عن المركز القومي للترجمة21. محمد شفيق غربال يحظى شفيق غربال بمكانة مرموقة بين رواد الكتابة التاريخية الأكاديمية وزملائه في التاريخ الحديث والمعاصر، فهو أبرزهم مكانةً وشهرةً؛ إذ وضع التاريخ المصري الحديث على قاعدة أكاديمية راسخة. وقد درس في مرحلته الأولى بالإسكندرية ثم في مدرسة المعلمين العليا في القاهرة. فأتمّ دراسته فيها عام 1915، ليحصل على بعثة حكومية للدراسة في جامعة ليفربول حاز فيها درجة البكالوريوس عام 1919. وعاد إلى القاهرة ليعمل في التدريس نحو ثلاث سنوات ابتعث بعدها إلى جامعة لندن. وهناك تتلمذ على يدَي المؤرخ الكبير أرنولد توينبي. وحصل على درجة الماجستير تحت إشرافه في موضوع "بدايات المسألة المصرية وصعود محمد علي" " the of Beginnings Ali Mehemet of Rise the and Question Egyptian "، التي نشُرت في لندن عام 1928 بتقديم مهمّ لأستاذه. وانتهت بعثته من دون أن يتمّ دراسته لمرحلة الدكتوراه، فعاد إلى مصر عام 1925 وعمل في مدرسة المعلمين العليا حتى عام 1929. ثم نُقل أستاذًا مساعدًا للتاريخ الحديث بكلية الآداب في الجامعة المصرية خلفًا للأستاذ الإنكليزي آرثر جرانت، ليصبح أول مصري يتولى هذا المنصب. وصار غربال أول

  1. ينظر الفصل الذي كتبناه عن محمد صبري ومؤلفاته: الشلق، ص 189  -  210.

أستاذ مصري متخصص في التاريخ الحديث. ومثَّل تعيينه خطوة مهمة للأكاديميين المصريين والتدوين التاريخي المصري الحديث. وقد سعت الجامعة منذ ذلك الوقت لتثبيت قاعدة تعيين المصريين في هيئات التدريس للتاريخ الحديث22. وفي عام 1939 انتُخب عميدًا لكلية الآداب خلفًا لطه حسين. وظل يتنقل بين الجامعة والمناصب العليا بوزارة المعارف، كلاهما لم يَألُ جهدًا في دفع حركة التعريب والتمصير للمقررات التاريخية، ودرس لجيل من المؤرخين العرب ممّن تولَّوا رئاسة أقسام التاريخ في الجامعات العربية، عندما تولى رئاسة معهد الدراسات العربية. وكان عضوًا نشطًا في جمعيات التاريخ والجغرافيا والآثار ومجمع اللغة العربية والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والمجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). وقد كرّمته الدولة فمنحته جائزتها التقديرية عام 1960. لم يترك غربال مؤلفاتٍ كثيرةً على الرغم من أنه عاش مؤرخًا ومات مؤرخًا، ورغم تولّيه مناصبَ عديدة مهمة فإنّه لم ينسَ جذوة المؤرخ فيه، وكان مؤمنًا بأنّ محاورة تلاميذه أكبر أهمية من تأليف الكتب، وصار تلاميذه أعلامًا في المدرسة التاريخية الأكاديمية في الجيل التالي للرواد. وأبرز مؤلفاته: كتابه بدايات المسألة المصرية وصعود محمد علي، وأعدّ دراسة عن الجنرال يعقوب، وحقق مخطوطة "ترتيب الديار المصرية"، وقد صدرت بعنوان "مصر عند مفرق الطرق"، وفي عام 1944 أصدر كتابًا صغير الحجم بعنوان محمد علي الكبير أبدى فيه ميلً كبيرًا نحو إنجازات محمد علي حاد به عن الموضوعية في نظر بعض الكتّاب. وفي عام 1952 ألّف كتابًا عنوانه تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية. وفي عام 1957 ألقى سلسلة من المحاضرات في الإذاعة الأوروبية ترجمها صديقه محمد رفعت إلى العربية، ونشُرت في كتاب مهمّ عنوانه تكوين مصر. وكان آخر ما نشُر له من كتابات مجموعة أحاديث إذاعية بعنوان من زاوية القاهرة عام 1962. غير أنّ دار الكتب المصرية نشرت مجموعة أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات - حتى الآن - ضمّت المؤلفات والبحوث والمقالات والمحاضرات التي نشُرت في الدوريات وأعمال المؤتمرات التي لم تُنشر23.

وفيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي والوسيط؛ عرفت المدرسة الأكاديمية ثلاثةً من المؤرخين المتخصصين الذين كانوا روّادًا وضعوا أسس هذا التخصص ووجّهوا الكتابة فيه وجهة علمية أكاديمية أنتجت أجيالً من تلاميذهم حملوا راية هذا الفرع وصاروا أعلامًا يشار إليهم بالبنان. وأول هؤلاء الرواد هو الأستاذ عبد الحميد العبادي الذي درَس المرحلتين الابتدائية والثانوية في مدارس الإسكندرية، ثم تخرّج في دار المعلمين العليا بالقاهرة عام 1914، ليلتحق بالجامعة الأهلية، حيث تتلمذ على أيدي بعض المستشرقين. وفي الوقت نفسه، كان يدرّس التاريخ الإسلامي في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية ومدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم. وعلى الرغم من أنه لم يدرس درجة الدكتوراه، فإنه تتلمذ على أيدي مؤرخي زمانه، ومنهم بعض المستشرقين الذين تعلّم منهم أسس المنهج العلمي لكتابة التاريخ. وقُيِّض له أن يترجم أول كتاب عرفته الكتابة التاريخية في مصر عن علم التاريخ ومناهج بحثه، وهو كتاب فوسي جون كوب هرنشو (1869  -  1946) Hearnshaw. C. J. F علم التاريخالذي أضاف إلى ترجمته فصلً عن علم التاريخ عند العرب، وصدر عام 1937 ليكون نبراسًا للمشتغلين بالكتابة الأكاديمية للتاريخ. وقد ذكر في مقدمته أنه يرجو "أن تكون هذه الرسالة الوجيزة فاتحة لمؤلفات عربية تتناول علم التاريخ ومناهج بحثه تناولً أوسع وعلى نحو أتمّ وأوفى"24.

  1. أنتوني جورمان، المؤرخون والدولة والسياسة في مصر القرن العشرين، ترجمة محمد شعبان عزاز (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 64.
  2. ينظر: حسام عبد الظاهر، تراث محمد شفيق غربال، ثلاثة أجزاء (القاهرة: مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر؛ دار الكتب والوثائق القومية، 2012  -  2018.)
  3. فوسي جون كوب هرنشو، علم التاريخ، ترجمة عبد الحميد العبادي، سلسلة المعارف العامة (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1937.)

وعندما أُنشئت الجامعة المصرية (الحكومية) عام 1925، كان العبادي علمًا وكاتبًا مرموقًا، فاختير أستاذًا للتاريخ الإسلامي فيها. ولم تكن هذه الوظيفة تشترط الحصول على الدكتوراه في سنوات الجامعة الأولى. فشغل العبادي كرسي الأستاذية في التخصص حتى عام 1942. وحينما أنشئت جامعة الإسكندرية، نُقل إليها أستاذًا للتاريخ الإسلامي. ثم تولى عمادة كلية الآداب فيها حتى بلغ السن القانونية. وفي موازاة ذلك كله، كان أستاذًا في معهد الدراسات العربية، وعضوًا في مجمع اللغة العربية، وعضوًا مؤسسًا للجنة التأليف والترجمة والنشر والجمعية المصرية للدراسات التاريخية. وقد شارك في ترجمة كتاب تيودور رتشتين تاريخ المسألة المصرية 1875  -  1910 الذي صدر عام 1923 عن لجنة التأليف والترجمة. وكان هذا الكتاب ردًّا على كتاب اللورد كرومر مصر الحديثة، وكان العبادي وزميله محمد بدران قد أرادا ترجمة كتاب كرومر، لكن ذلك لم يتمّ. وقد قال في تقديمه لكتاب رتشتين: "لعلّنا أن نكون بترجمة هذا الكتاب قد قمنا ببعض ما يجب علينا نحو وطننا ولغتنا". ومن أبرز مؤلفاته: صور من التاريخ الإسلامي (1947  -  1953)، والمجمل في تاريخ الأندلس (1958). لكن تأثيره في حركة الكتابة التاريخية ورعاية تلاميذه ونشاطه في الهيئات العلمية التي شارك فيها بفاعلية يشهد كلّه أنه أسس مدرسة علمية في التاريخ الإسلامي الوسيط، كان من أعلامها جمال الدين الشيال وعزيز سوريال والسيد عبد العزيز سالم وسعد زغلول عبد الحميد وجوزيف نسيم وأحمد مختار العبادي، وغيرهم25. وفي مجال التاريخ الإسلامي نفسه، احتل الدكتور حسن إبراهيم حسن مكانة في ريادة التخصص في المرحلة ذاتها تقريبًا. وقد درس التاريخ في البداية في الجامعة الأهلية وحصل فيها على الليسانس في عام 1919  -  1920. ولمّا كان قد وضع أثناء دراسته فيها رسالة في التاريخ الإسلامي عنوانها "تاريخ عمرو بن العاص" فقد قدّمها إلى الجامعة عقب تخرّجه، ليحصل بها على درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي. وبالفعل، حصل بها على الدرجة، في أيار/ مايو 1921، بعد مناقشتها مناقشة علنية. لكنه لم يكتفِ بها، وسعى للحصول على درجة الدكتوراه من إنكلترا. ونجح في ذلك في عام 1928. فحصل عليها عن دراسة عن الفاطميين وأعمالهم السياسية والدينية في مصر، في جامعة لندن، تحت إشراف المستشرق توماس أرنولد (1864  -  1930) Arnold Thomas الذي ترجم مع آخرين كتابه الدعوة إلى الإسلام (1947). وله مؤلفات في التاريخ الإسلامي معروفة، لعل أبرزها تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعيالذي صدر الجزء الأول منه عام 1935، وكتاب تاريخ الدولة الفاطمية (1948)، والمعز لدين الله، والنظم الإسلامية، وعمرو بن العاص، وكتاب عبيد الله المهدي مؤسسالدولة الفاطمية، وغيرها من الأعمال العلمية الرائدة التي تبنّت المنهج العلمي في البحث والدراسة. وتفيد المصادر أنّه عُيّ فترةً مديرًا لجامعة أسيوط، وكان مديرًا لجامعة فؤاد الأول (القاهرة)، ودرَّس في جامعات بنسلفانيا (1951  -  1953) وجامعة الرباط (1958). ومن أبرز تلاميذه زكي محمد حسن (1908  -  1957)، ومحمد جمال الدين سرور (1912  -  1999 م)، وسيدة إسماعيل كاشف (1915  -  2018)26. ويبرز اسم الدكتور محمد مصطفى زيادة، بوصفه أحد رواد الكتابة في التاريخ الإسلامي والعصور الوسطى. وقد بدأ دراسته الابتدائية والثانوية في المحلة الكبرى، ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا عام 1915. ولمّا كان من أوائل الخرّيجين، فقد رشّح للحصول على درجة الليسانس في التاريخ من جامعة ليفربول في إنكلترا. وعندما عاد عيّ مدرّسًا للتاريخ في مدرسة العباسية الثانوية في الإسكندرية عام 1925. وبعد عامين (1927)، ابتُعث إلى إنكلترا مرة أخرى للحصول على الدكتوراه، حيث أعدّها عن العلاقات الخارجية لمصر في القرن الخامس عشر الميلادي، تحت إشراف الأستاذ جورج كوبلاند Copland. W. G. وبعد حصوله عليها، عُيّ مدرّسًا لتاريخ العصور الوسطى في الجامعة المصرية عام 1931. وكان أوّل من شغل كرسي العصور الوسطى في كلية الآداب عام 1939. وقد درَّس في جامعات الأزهر والإسكندرية وعين

  1. عبد الظاهر، ص 50؛ المجمعيون في خمسة وسبعين عامًا، إعداد مهدي علام ومحمد حسن عبد العزيز (القاهرة: مجمع اللغة العربية، 2007)، ص 382  -  384.
  2. جمال الدين فالح الكيلاني، "مؤرخ الإسلام حسن إبراهيم حسن"، مجلة الديار (لندن)، 2004.

شمس ومعهد التربية للمعلمين بالمنيرة، وجامعة فلوريدا، وبعض المؤسسات التعليمية في ليبيا وبغداد، وشارك في مؤتمرات العلوم التاريخية في باكستان والسويد ومؤتمر المستشرقين بألمانيا عام 1957. وكان أحد مؤسسي الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. وتولى أمانتها. وكان عضوًا في لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. وعمل خبيرًا في مجمع اللغة العربية. من أهم مؤلفاته: المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي (1949)، وحملة لويس التاسع وهزيمته في المنصورة (1961). وقد شارك في تأليف بعض الكتب المدرسية في التاريخ. وحقّق بعض المجلدات من أعمال المقريزي. وترجم عددًا من المؤلفات الإنكليزية عن تاريخ العصور الوسطى. وله مجموعة مقالات عن الكتابة التاريخية نشُرت في مجلة الثقافة (1940  -  1941). وله مدرسة تاريخية من أبرز أعلامها إبراهيم طرخان (ت. 1985)، وأحمد مختار العبادي (1922  -  2016)، وحسن حبشي (1915  -  2005)، وسعيد عبد الفتاح عاشور (1922  -  2009)، والسيد الباز العريني (1910  -  1966)... إلخ، وقد ذكر جاك كرابس Crabbs. A Jack أنه من الرواد الذين استلموا الزمام من المستشرقين الأوروبيين27. أما أول رواد دراسة التاريخ اليوناني الروماني ومصر في عهدهما، فهو الدكتور إبراهيم نصحي قاسم الذي بدأ دراسته للتاريخ في الجامعة المصرية ثم استكملها في جامعة ليفربول في إنكلترا إلى أن حصل على الدكتوراه في هذا التخصص من جامعة لندن عام 1934. وتدرّج في وظائف التدريس في كلية الآداب بالجامعة المصرية حتى صار أستاذًا لكرسي التاريخ اليوناني- الروماني فيها عام 1946. وكان أول عميد لكلية الآداب في جامعة عين شمس (1950  -  1954). وترأّس قسم التاريخ فيها عام 1966. ثم صار أستاذًا متفرغًا حتى وفاته28. وهو من مؤسسي الجمعية التاريخية التي تولى رئاسة مجلس إدارتها فترة، وقد كرّمته الدولة بجائزتها التقديرية عام 1986، وكرّمته جامعة عين شمس بجائزتها عام 1993. وقدّم أول كتاب وأكمل دراسة عن التاريخ البطلمي، وهي كتاب تاريخ مصر في عصر البطالمة (1946)، وهو المرجع الأساسي الذي تطور إلى أربعة أجزاء في طبعته الأخيرة، وأصدر أول مؤلفاته بالإنكليزية عن الفنون في مصر في عصر البطالمة الذي أصدرته جامعة أكسفورد عام 1937، فضلً عن دراسات ومؤلفات علمية أكاديمية عديدة نشُرت بالعربية والإنكليزية في مصر وخارجها.

  1. جاك كرابس، التاريخ في مصر القرن التاسع عشر، ترجمة عبد الوهاب بكر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993)، ص  142.
  2. للمزيد عن سيرة إبراهيم نصحي ينظر: هؤلاء علمونا، الكتاب التذكاري الثاني لكلية الآداب جامعة عين شمس (القاهرة: مركز الدراسات الإنسانية والمستقبليات، 2005)، ص 41  -  62.

المراجع

References

أحمد، محمد رفعت. يقظة مصر الحديثة. ترجمة عبد الله الأشعل. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017.

أنيس، محمد. مدرسة التاريخ المصري في العصر العثماني. القاهرة: معهد الدراسات العربية، 1962.

بدير، أحمد عبد الفتاح. الأمير أحمد فؤاد ونشأة الجامعة المصرية. ط 2. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2008.

الجميعي، عبد المنعم. تاريخ مدرسة المعلمين العليا 1880  -  1933. القاهرة: [د. ن]، 1995.

جورمان، أنتوني. المؤرخون والدولة والسياسة في مصر القرن العشرين. ترجمة محمد شعبان عزاز. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014.

الشلق، أحمد زكريا. نهضة الكتابة التاريخية في مصر. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011.

الشيال، جمال الدين. التاريخ والمؤرخون في مصر القرن التاسع عشر. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1958.

عبد الظاهر، حسام أحمد. مؤرخو التاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية الأهلية 1908  -  1925، الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2018. عبد الظاهر، حسام. تراث محمد شفيق غربال. القاهرة: مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر؛ دار الكتب والوثائق القومية، 2012  -  2018. كرابس، جاك. التاريخ في مصر القرن التاسع عشر. ترجمة عبد الوهاب بكر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.

الكيلاني، جمال الدين فالح. "مؤرخ الإسلام حسن إبراهيم حسن". مجلة الديار. لندن. 2004.

المجمعيون في خمسة وسبعين عامًا. إعداد مهدي علام ومحمد حسن عبد العزيز. القاهرة: مجمع اللغة العربية، 2007.

هرنشو، فوسي جون كوب. علم التاريخ. ترجمة عبد الحميد العبادي. سلسلة المعارف العامة. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1937.

هؤلاء علمونا، الكتاب التذكاري الثاني لكلية الآداب جامعة عين شمس. القاهرة: مركز الدراسات الإنسانية والمستقبليات، 2005.

هيكل، محمد حسين. مذكرات في السياسة المصرية. ط 2. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010.

. دين مصر العام. ترجمة أحمد محمد حسين هيكل. المشروع القومي للترجمة 26. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1998.