طريق طنجة تطوان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين
Tangier-Tetouan Road in the Nineteenth and Early Twentieth Century
الملخّص
لم تحظ شبكة الطرق في المغرب في فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبالأخص طريق طنجة تطوان، باهتمام الباحثين. لذا تسعى هذه الدراسة، أولًا في المقدمة العامّة، لإبراز وضعيّة الطرق في المغرب في هذه الفترة الزمنية، وإلقاء الضوء على مكانة هذه الشبكة الطرقية ودورها في التاريخ المغربي. واستعرضت الدراسة الطرق الرئيسة في المغرب قبل الاستعمار، ثمّ تطرقت إلى المحور الأساس الخاص بطريق طنجة – تطوان، ففي القرن التاسع عشر، استعرضت ما ورد بالأخص في كتابات الرحالة والمستكشفين الأوروبيّين، ثمّ تعرّضت للحديث عن المرافق الموجودة في هذا الطريق كفندق "عين الجديدة"، ونظام الحماية الذي كانت توفّره القبائل للمسافرين، لتنتهي إلى الكشف عن الأحداث التي شهدها طريق طنجة تطوان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وفي فترة الاحتلال الإسباني لمنطقة الشمال المغربي.
Abstract
The 19 th and early 20 th century Moroccan road network, especially the Tangier-Tetouan Road, has not received much attention from researchers. This study thus highlights the condition and status of this road network and its role in Moroccan history. The study reviewed the main roads in Morocco before colonialism, then touched on the main axis of the Tangier-Tetouan road. The paper reviews the writings of European travelers and explorers, before exploring the facilities on this road such as the Ain El Jadida Hotel, and the protection system that the tribes provided to travelers, and finally unpacking the events that took place on the Tangier - Tetouan road in the second half of the nineteenth century and the beginning of the twentieth century, during the Spanish occupation of northern Morocco.
- الزطاطة
- الأمن
- الطرق
- طنجة
- المغرب
- Zatata Protection Payment
- Security
- Roads
- Tangiers
- Tetouan
| DOI: https://doi.org/10.31430/KALW1028: الرقم التعريفي | |
| عبد الحفيظ حمن | Hamman *Abdelhafid | |
| طريق طنجة تطوان في القرن التاسع عشر وبداية القرن الرعشين Tangier-Tetouan Road in the Nineteenth and Early Twentieth Century |
مقدمة
تكاد تنعدم الدراسات المغربية حول الطرق والمسالك في المغرب في فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلّ شذرات قليلة متفرّقة1(. بينما في المقابل نجد أنّ الكتابات الأوروبية اهتمّت بالطرق في المغرب سواءٌ من البعثات السفارية أو من لدن الرحّالة والمستكشفين. ولذلك، لا مفرّ للباحث المهتمّ بالكشف عن وضعية الطرق في المغرب في هذه الفترة التاريخية من الاعتماد، بصفة أساسية، على المراجع والكتابات الأجنبية التي تمنحه معطيات ومعلومات وافرة حول الموضوع. تجمع الكتابات الأجنبية على أنّ الطرق في المغرب قبل الاستعمار كانت عبارة عن مسالك وممرّات مبلّطة وغير معبّدة تفتقر إلى العناية والصيانة2(، ويعترضها كثير من البحيرات والأنهار والممرّات المائية، التي يجري اجتيازها عبر معابر مشيًا على الأقدام أو سباحة أحيانًا، نظرًا إلى انعدام القناطر فوق هذه الأنهار3(. وفي موسم الفيضانات والسيول كان المسافرون مجبرين أحيانًا على نصب خيامهم والانتظار لمدة خمسة أيّام إلى ستةٍ قبل استئناف السير4. تفتقر هذه الأحكام التي أصدرها الأوروبيون إلى بعض الحقائق، فمن المعلوم أنّ المغرب لم يعرف الطرق المعبّدة على الطريقة الحديثة إلّ بعد خضوعه للااستعمار الأجنبي نظرًا إلى حاجة المستعمر إلى طرق معبّدة وواسعة وفقًا لغاياته السياسية والعسكرية والاقتصادية5(. غير أنّه كان يتوفّر على مسالك وطرق عديدة تسلكها القوافل، ثمّ إنّ المخزن وفي مقدّمته السلطان كان يقوم بتنقلّااته وحركاته عبر مختلف مناطق البلااد، فكان في حاجة إلى هذه الطرق الواضحة المعالم، وفي هذا الصدد كان كثيرًا ما يرسل التقنييّن لإصلااح الطرق6.
أمّا عن اعتناء السلااطين ببناء القناطر، فقد ورد عند المشرفيّ ما يلي: "ومن مآثره الدالّة على ضخامة ملكه [السلطان المولى الرشيد] واعتنائه بأمور المسلمين، قنطرة وادي سبو العجيبة البناء، وكان الشروع في بنائها يوم السبت رابع عشر ذي القعدة سنة تسع وسبعين وألف [15 أبريل سنة 1669 م] من مال كان أقرضه للتجّار من فاس وغيرها للتجارة [...] وفي شوّال من هذه السنة أيضًا جدّدت قنطرة الرصيف"7. ثمّ تكلّم ابن مرزوق التلمساني واصفًا الإجراءات التي اتخذها السلطان أبو الحسن المريني (1331 - 1348 م) في هذا الجانب بقوله: "وأما القناطر فلاا يخفى ما فيها، فقد عمل فيها الأعمال العجيبة، فقنطرة وادي ردات وقنطرة بني بسيل وقنطرة الوادي بداخل فاس وقنطرة الرصيف وقنطرة وادي سطفسيف بتلمسان وقنطرة باب الجياد وسد سيرات وقنطرة ميناء، هذه كلّها من إنشائه وفي حسناته، ولا يحيط الوصف بها ولا يقدّر قدر ما أنفق من الأموال الطائلة فيها"8. ويمكن التمييز خلاال هذه الفترة التاريخية في المغرب نوعين من الطرق التي شكّلت المسالك الأساسية للمسافرين، سواء البعثات الرسمية أو الرحالة والمستكشفين الأوروبييّن، انطلااقًا من بداية القرن التاسع عشر وإلى حدود سنة 1912 طريق البعثات السفارية الذي ينطلق من مدينة طنجة "العاصمة الدبلوماسية" نحو إحدى عواصم المغرب فاس - مكناس - مراكش. ولهذه الرحلة، كما يذكر عبد الأحد السبتي، "إيقاعها وترتيباتها وطقوسها. وهي في الغالب رحلة نمطية، من حيث مسالكها ومحيطها البشري"9. ويتمثل الصنف الثاني في الطريق الذي يسلكه الرّحالة والمستكشفون الأجانب10. ويمتد الطريق الرئيس الأوّل من طنجة إلى فاس11(. كان المسافرون يقطعونه في هذه الفترة في غضون ستة أيام، عبر مراحل ومحطات تنطلق من طنجة إلى العرائش12، ومن العرائش إلى القصر الكبير. وهذه المرحلة هي الأكثر صعوبة؛ نظرًا إلى كثرة البحيرات والممرّات المائية الموجودة في هذا الطريق. ثم يستأنف المسافر رحلته مرورًا بدوّار الشماعلة ونزالة بني عمار ووادي سبو إلى أن يصل إلى مدينة فاس. ومن الطرق الرئيسة في مغرب ما قبل الاستعمار، نذكر طريق فاس وجدة الذي كانت تجتازه، في أغلب الأوقات، القوافل التجارية القاصدة مدينة تلمسان، وكان لا بدّ من اجتياز المرحلة الأولى والأساسية في هذا الطريق وهي فاس تازة التي تتحكّم في المضيق13. يتمثل الصنف الأول في
بين الأطلس المتوسط وجبال الريف14، إضافة إلى الطريق الممتدّ في الجنوب المغربي من مراكش إلى الصويرة ثم منطقة سوس عبر جبال الأطلس. أما في شمال المغرب، فالطريق الرئيس الآخر في هذه المنطقة هو الذي يربط طنجة بتطوان في مسافة يقطعها المسافر من دون توقّف في يوم واحد. غير أن أغلب المسافرين كانوا يفضّ لون الاستراحة والمبيت في فندق عين الجديدة، على بعد خمسة وعشرين كيلومترًا من تطوان15(. ونخص بالذكر أيضًا، في هذه الشبكة الطرقية في شمال المغرب، طريق تطوان فاس الذي يتفرّع من طريق طنجة تطوان عند فندق عين الجديدة16(. وكانت البغال والحمير والجمال هي وسائل النقل والسفر التي يعتمد عليها المسافرون لاجتياز هذه الطرق، وبالأخص في فصل الربيع، حيث تتوافر المياه العذبة والعلف للدوابّ. وتشير بعض المصادر الأوروبية إلى السعر الذي كان مخصّصًا لكراء دوابّ السفر، وكذلك إلى أنواع المؤونة التي كان يتزوّد بها المسافر17.
أوالً: طريق طنجة تطوان خلال القرن التاسع عرش
يعتبر طريق طنجة تطوان من بين الطرق الرئيسة في مغرب القرن التاسع عشر، وضمن المحاور التي كان السلطان يشرف على تنظيم حراستها، ويدعى "طريق المخزن"18(؛ وقد كلّف قبائل بني يدر وودراس وأنجرة على حماية الطريق وتأمينه، وأشرف على بناء فندق عين الجديدة لاستراحة المسافرين والقوافل وتموينهم. وتكمن أهمية هذا الطريق في أنه يربط بين مجموعة من القبائل، ويربط بين المدينتين المهمّتين في شمال المغرب: طنجة وتطوان؛ فالأولى كانت تعدّ العاصمة الدبلوماسية للمغرب ومقر الهيئة الدبلوماسية الأجنبية، وتوجد فيها أكبر نسبة من الجالية الأوروبية. والمدينة
الثانية كانت تمثّل دور وسيط تجاريّ بين المغرب وأوروبا وكذلك بين المغرب والشرق الأدنى، إضافة إلى أنها اعتبرت المرسى الأساس بالنسبة إلى كلّ من مدينتي فاس ومكناس19. اهتم الرحالة والمسافرون والبعثات الأوروبية بالمسالك سواء من طنجة إلى تطوان أو من هذه الأخيرة إلى طنجة. لذا نجد وصفًا مفصّلً حول المسافات والأشكال والتحديات الجغرافية لهذه الطرق والطبيعة المحيطة بها وما هنالك من غابات ونوعية الأشجار والنباتات فيها، وعدد الأودية وأهميّتها، إضافة إلى القبائل الموجودة على طولها، والمحطّات الأساسية التي يتنقّل بينها المسافر. وقد اهتمت هذه الكتابات الأوروبية بذكر وسائل النقل التي يعتمدها المسافر، والوضعية الأمنية للطريق، والأحداث التي شهدها وأثّرت في الأوضاع الأمنية والاقتصادية في مجالات اختراقها.
1. وصف الطريق
انطلااقًا من طنجة، كان المسافرون من قوافل تجارية ورحّالة وغيرهم يعبرون الطريق المؤدّي إلى تطوان في مدّة لا تتجاوز اثنتي عشرة ساعة متواصلة20. تبدأ الرحلة من شرق طنجة مرورًا بوادي مغوغة وتقطع مرتفع الزينات وصولً إلى فندق عين الجديدة21. من هذا الفندق يمرّ المسافر عبر الواد الكبير22، ليصل إلى واد الخروب23(، ومنه يستمرّ في قطع تضاريس المنطقة من جبال ومنحدرات، "فتنفرج الشعاب شيئًا فشيئًا وتنبسط جوانب المنحدرات، وأخيرًا ها نحن في السهل. وقبل الوصول إلى مدينة تطوان نلج منطقة بها أودية متّسعة تغطّيها كليًّا حقول القمح على مدّ البصر تتدفّق بها مياه عذبة"24(. وقبل أن يدخل المسافر مدينة تطوان يقطع نهرًا هو واد بوصفيحة، يصفه دو فوكو بقوله: "ضفاف هذا الواد وعرة يتراوح علوّها ما بين خمسة إلى ستة أمتار. ماء الواد صاف وجارٍ. يصل عرض المكان حيث يجري الماء ما بين ستة إلى ثمانية أمتار، يُخترق هذا النهر بواسطة قنطرة ذات عَقدَين في حالة لا بأس بها"25. اهتمّت بعض الرحلاات الاستكشافية الأوروبية بتفاصيل تذكرها حول الطبيعة الجغرافية للطريق والمواقع التي تمرّ بها من منحدراتٍ وتلاال وجبال، إضافة إلى الأودية وأنواع النباتات والأشجار التي تغطّي جوانب الطريق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يصف العالم الجيولوجي الألماني أوسكار لينز (1848 - 1925) الطريق من طنجة إلى تطوان قائلً: "انطلقنا من طنجة حوالى الساعة العاشرة
(18 [تشرين الثاني]/ نوفمبر 1879) وكانت غايتنا هي الوصول إلى فندق يقع في منتصف الطريق بين طنجة وتطوان يفضّ ل كثير من المسافرين المبيت فيه عوض قطع الطريق بصفة متواصلة ومرهقة. اتّجهنا نحو الجنوب الغربي حيث الطريق منعرجات تتخلّلها كثبان رملية وأراضٍ من الطين والصخور الكلسية تكون تاللً ذات منحدرات خفيفة النزول "26. ومن جانبه وصف شارل ديديي) 1805 - 1864 (الطريق بقوله: "بعد مغادرتنا طنجة نزلنا نحو الشاطئ الرملي باتجاه طنجة البالية حتى وصلنا إلى مرج مكسوّ بأزهار برّية يوجد في نهايته مجرى مائيّ تكثر حوله أشجار الصنوبر ونبات الدفلى"27(. ويستمر في هذا الوصف المفصّل والجغرافي الطبيعي للطريق إلى قوله: "في منتصف النهار وصلنا إلى عين مائية تسمّى عين الجديدة"28. أمّا انطلااقًا من تطوان، فكان المسافرون والقوافل التجارية يتّبعون وادي مارتيل ليصلوا إلى وادي الخميس عبر قنطرة وادي بوصفيحة. وبعد اجتيازه يتّبعون مجرى وادي أكراز (أجراس) الذي يعدّ نهاية الأراضي المنبسطة لتصبح الطريق بعده مسلكًا جبليًّا غابيًّا يصعب اختراقه وبالأخصّ عند الممرّ الضيّق لفندق عين الجديدة الذي ينفذون منه نحو الواجهة الأطلسية29، ثمّ يمرّون بمحاذاة مجرى وادي الثلااثاء نحو جبل الزينات ففحص طنجة، ويصلون في الأخير إلى المدينة. وتجمع غالبيّة الكتابات الأجنبية على كثرة المياه العذبة وغزارتها متدفقةً من ينابيع في المرتفعات والبحيرات لتشكل جداول وفيرة على طول الطريق30.
2. فندق "عين الجديدة"
حرص المخزن على إقامة شبكة من الخانات أو الفنادق على طول الطرق التي يمرّ بها المسافرون وتجتازها القوافل المحمّلة بالسلع من مدينة إلى أخرى. وتوفّر هذه الفنادق ملااجئ آمنةً للمسافرين بأمتعتهم ودوابّهم عندما يحسّون بالتعب أو الخطر، فيتّخذونها في الليل مقرّات للمبيت توفّر لهم الماء والغذاء والأمن، وذلك لقاء أجر معلوم يؤدّى للمسؤولين والقائمين عليها. من أجل ذلك حرص السلااطين المغاربة على العناية بها والحثّ على تأمين أنفس المسافرين المارّين بها وأموالهم. في منتصف طريق طنجة تطوان31(، وفي وسط الجزء الجبلي للطريق، بنى السلطان عبد الرحمن بن هشام فندق "عين الجديدة" بتاريخ 23 جمادى الأخيرة 1255 ه/ 3 أيلول/ سبتمبر 1839 م نسبة إلى عين المياه المجاورة له. وبعث برسالة إلى عامله في مدينة تطوان القائد أشعاش هذا نصّها32:
"الحمد لله وحده، وصلى الله على سيّدنا ومولانا محمد وآله وسلّم عبد الرحمان بن هشام، الله وليّه خديمنا الأرضى القائد محمّد بن عبد الرحمن أشعاش، وفّقك الله وسلاام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد، فالنزالة التي كان وقفَ على بنائها خديمُنا المزوضي بالعين الجديدة التي بين طنجة وتطوان، وسقطت لعدم معرفته بتراب البلد، بوصول كتابنا هذا إليك اشرع في تجديد بنائها بالجير بناء متقنًا، فإنّ فيها مصلحة عامة والسلاام، في 23 جمادى الأخيرة عام 1255." وهذا الفندق كان بناية مكعّبة الشكل، مكوّنة من محالّ ت وبيوتات يتوسّطها فناء كبير. ويؤكّد مؤرخ تطوان محمد داود ذلك بقوله: "وفعلً قام القائد أشعاش33(ببناء الفندق المذكور متقنًا فكان هو المكان الذي يستريح فيه المسافرون بين طنجة وتطوان، وكانت فيه بيوت ينام فيها المسافرون ويحفظون أمتعتهم وبضائعهم، كما كان فيه مراح لمبيت الدوابّ وغيرها من الحيوانات؛ وقد بقي على هذه الحالة ما يزيد على مائة عام"34. انفردت الكتابات الأجنبية بالحديث عن فندق عين الجديدة بقدرٍ من التفصيل والتدقيق، ففي سنة 1884 وفي الرحلة التي قام بها الضابط العسكري الإسباني خوليو سيرڤيرا باڤييرا Baviera Cervera. J إلى السواحل الشمالية للمغرب منحنا وصفًا مفصّلً لموقع الفندق، "يرتفع بناؤه على منبسط واسع في قدم الجبل". وأمّا شكل الفندق فهو "مكعّب طول أضلااعه ثلااثون مترًا، وطول جداره أربعة أمتار، ويوجد في وسطه باب في اتّجاه الشمال". أمّا غرفه وأجنحته فنجد منها "الخاصّة بالمسافرين، وغرفة نوم للمسؤول عن الفندق، وأخرى تقدّم فيها خدمات الشاي والقهوة وأنواع الأطعمة. ثمّ توجد أجنحة خاصّة بتخزين الشعير والقش وعلف الدواب". ويوجد في الفندق "فناء كبير تستريح وتنام فيه دواب المسافرين"35. نجد الوصف نفسه في رحلة أخرى قام بها الفرنسي دراي) 1857 - 1925 (Dry في أواخر القرن التاسع عشر إلى شمال المغرب سواء فيما يتعلّق بالموقع أو بالشكل الهندسي للفندق وغرفه وأجنحته. وقد أضاف في آخر الفقرة قوله: "عندما استرحنا قمت بجولة حيث تكثر الحيوية حول الفندق؛ وجدت عددًا من التجّار العرب يستريحون مع دوابّهم. وما لبثَت أن نزلَت أفواج من النساء القرويّات يعرضن منتجاتهن من شعير وبيض فيساومهنّ التجّار على الأثمان، ويظلّ هذا النشاط التجاري حتّى يحلّ الليل ويعمّ الظلاام"36. يوفّر فندق عين الجديدة ملجأ آمنًا للمسافرين بأمتعتهم ودوابّهم عندما يحسّون بالتعب أو الخطر، ويتّخذونه في الليل مقرًّا للمبيت37(؛ وقد كان من بين المراكز المهمّة في منطقة الشمال المغربي التي يقصدها التجّار والمسافرون، وكان يتوفّر على ما يحتاجون إليه
من ماء وغذاء وعلف للماشية وزاد وأمن واستقرار، زيادة على الحراسة المشدّدة والمداومة المستمرة38(. وتجدر الإشارة إلى أنه إضافة إلى فندق عين الجديدة، كان بعض المسافرين يقضون الليل أحيانًا في أماكن أخرى آمنة وفي ضيافة بعض القرى39. ظلّ فندق عين الجديدة مكانًا لاستراحة المسافرين والقوافل التجارية إلى عهد الاستعمار الإسباني لمنطقة الشمال المغربي، وفي هذه الفترة، كما يقول محمد داود، "اتخذه الإسبانيون مركزًا لجيوشهم، وعندما انتهى عهد الحماية وتوحّد المغرب، هدّم ذلك الفندق تهديمًا - وهو الآن أكوام من تراب - أي عام 1398 ه/ 1978 م"40.
3. أمن الطريق
نُظّمت الحماية والأمن في المحور الطرقي بين طنجة وتطوان على المستوى القبلَي، فكان المسافرون والقوافل التجارية يتنقّلون تحت حماية القبائل التي كانت كلّ واحدة منها تتكفّل بهم إلى أن يغادروا حدودها. لقد كانت الحماية والأمن مسؤولية ملقاة على عاتق شيوخ القبائل؛ ومثلً بمقتضى الميثاق، الذي فرضه وجهاء قبيلة وادراس سنة 1864 على شيخ قبيلتهم، أصبح هذا مطالبًا بتوفير الأمن بمسلك المخزن الممتد من "عزيب الطايفي" إلى "قنطرة بوصفيحة"، أي على طول ثلااثين كيلومترًا تقريبًا41. يتبيّ أنّ القبائل الشمالية شكّلت الركيزة الأساس في حفظ الأمن الطرقي، وشجّعها المخزن على القيام بهذا الدور الرئيس42. ثمّ حظي شيخ القبيلة بنفوذ كبير في هذه المناطق. هذا ما يؤكّده الجيولوجي الفرنسي لويس جانتيل Gentil Louis في رحلته في المغرب الشمالي سنة 1905، حيث عرفت المنطقة اضطرابات كثيرة تجلّت في انعدام الأمن نتيجة الاختطافات التي قام بها الريسوني (والتر هاريس Harris. W، والضابط ماكلين Mclean، والثري الأميركي بيرديكاريس Perdicares)، والاغتيالات التي ارتكبها السكّان المحلّيون في صفوف الأجانب. كل هذا كان له أثر في زعزعة الأمن في المنطقة الشمالية، وصعّب على الرحّالة والمستكشفين الأوروبيين القيام بالسفر في هذه المناطق من دون حماية شيخ أو قائد قبيلة. يخبرنا لويس جانتيل أنّ صديقه الفرنسي غاستون بوشي Buchet Gaston كتب رسالة إلى قائد قبيلة أنجرة الدواس، الذي سرعان ما ردّ الجواب، يعبّ فيه عن سعادته، وأنه سيوفر الحماية المطلقة للصديق بوشي43.
خريطة تبيّ طريقًا آخر سلكه لويس جانتيل من طنجة إلى تطوان
المصدر: Louis Gentil, Dans le Bled es Siba: Explorations au Maroc (Paris: Masson et Co. Éditeurs, 1906), p. 6.
تعاملت الكتابات الأوروبية مع موضوع الأمن في طريق طنجة تطوان بحسب الفترات الزمنية التي جرت فيها الرحلة والسفر أو استكشاف المنطقة، ففي الثلااثينيات من القرن التاسع عشر لم يكن المسافر الأوروبي الذي يستعمل هذا المحور الطرقي في حاجة إلى حمل السلااح معه، بل كان يكتفي بالحماية التي يوفّرها له الحارس الذي كلّفه شيخ القبيلة أو قائدها بمرافقته44. وفي أواخر الخمسينيات أكّدت كذلك رحلة أخرى أنّه يتعيّ على المسافر من طنجة إلى تطوان وحتّى العرائش أن يكون مصحوبًا بحارس واحد يحميه طول الطريق45. تغيّت الأوضاع في بداية القرن العشرين، نتيجة الأحداث والاضطرابات التي عرفها المغرب بصفة عامة والمنطقة الشمالية على وجه الخصوص، ففي سنة 1902 ونتيجة لرفض المخزن إطلااق سراح بعض أفراد القبائل، وقع هجوم على قوافل تجارية بين تطوان وطنجة أسفر عن مقتل بعض الرعايا الإنكليز، وعلى إثره أرسلت إنكلترا بارجة حربية إلى تطوان46(. ثمّ إنه في السنة التالية، على إثر الاضطراب الذي أحدثه بوحمارة في المنطقة الشمالية، تحدّثت جريدة فرنسية عن تعرّض فرنسييّن للسرقة والسلب في طريقهم من تطوان إلى طنجة47.
ازداد الوضع تأزّمًا، حينما حاصرت قبيلة بني يدر مدينة تطوان في سنتَي 1903 و 1904، وانضمّت إليها قبائل بني وادراس وبني حزمر وبني مصور وقسم من أنجرة48(. وقامت باعتراض طريق المسافرين والقوافل التجارية واحتجاز بضائعهم ومن ثمّ توقفت المواصلاات بين تطوان وطنجة49. ونتيجة لهذه الاضطرابات التي عرفها المغرب في بداية القرن العشرين، اختلّ التوازن في المنطقة الشمالية، الشيء الذي ترك تأثيره في وضعية الأمن في المحور الطرقي بين طنجة وتطوان وشهد فترة المدّ والجزر بحسب الفترات الزمنية. فحينما كانت السلطة المركزية متحكّمة وتفرض سلطتها على جلّ مناطق البلااد ساد الأمن، بينما في فترات الاضطرابات والمشكلاات السياسية عمّت الفوضى وعدم التدبير الأمني في الطريق بين طنجة وتطوان.
ثانيًا: أهم الأحداث التي شهدها طريق طنجة تطوان ي ف منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العرشين
1. خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر
تتجلّ أهم الأحداث التي شهدها طريق طنجة تطوان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في وقائع حرب تطوان لسنة 1859 / 1860، فقد أورد المؤرخ الإسباني طوماس فيغيراس Figueras Thomas الحديث عن بعض المحطّات في طريق طنجة تطوان التي كانت مسرحًا لوقائع الحرب: "كانت القوات المغربية تحت قيادة مولاي العباس أخي السلطان مولاي محمد، وقد بلغ عدد جيشه 15000 رجل، وخيّم جيش السلطان في عين الدالية ليسدّ من فندق عين الجديدة الطريق إلى طنجة في وجه الجيش الإسباني"50. ثم أعطانا مصدر فرنسي الصورة نفسها: ففي منتصف الطريق وبالقرب من فندق عين الجديدة تمركز الجيش المغربي بقيادة مولاي العباس، الذي سيصطدم مع الجيش الإسباني في سهل وادراس51. كانت هذه المعركة التي وقعت في طريق تطوان طنجة يوم 23 آذار/ مارس 1860 حاسمة في حرب تطوان، انهزم فيها الجيش المغربي وأصبح مجبرًا على توقيع الهدنة مع الإسبان الذين كانوا يطمعون في احتلاال فندق عين الجديدة نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي. وبيّ لنا طوماس فيغيراس هذا المشهد بقوله: "هي أعظم معركة قامت بها جيوشنا، وقد وقعت في اليوم 23 مارس 1860، ثم لم يبق أمام جيشنا إلّ أن يسير إلى فندق عين الجديدة لا يعترض طريقه أحد، لأنّ هذه المعركة حطّمت مقاومة العدو، وضمنت احتلاال فندق عين
الجديدة، وهو مركز عسكري مهمّ جدًّا، فلم يبق أمام المسلمين بعد هذا إلّ أن يطلبوا الصلح، فطلبوه يوم 24 مارس، ووقّع الاتفاق على أسسه وإمضاؤها في اليوم الخامس والعشرين من شهر مارس 1860، وتقرّرت الهدنة بين الجانبين"52. وفعلً، هذا ما نستشفه من رسالة بعثها رئيس الجيش الإسباني أودونيل Donnell ' O إلى رئيس حكومته في 25 آذار/ مارس 1860 حول عقد الهدنة مع المغرب وبيّ فيها هدفه العسكري قائلً: "على أني على كامل الاستعداد للقيام بحركة تكون نتيجتها الحتمية تعضيد الجواز إلى الفندق"53. ومن خلاال هذه الوقائع يظهر جليًّا أنّ طريق طنجة تطوان شهد المعارك التي كانت حاسمة في حرب تطوان، ويتجلّ من جهة أخرى موقع فندق عين الجديدة في هذه الحرب، فبعد خمسة أيّام من معركة وادراس الفاصلة خرج (المفضّ ل أفيلاال) في طريقه من تطوان إلى طنجة يوم الخميس 6 رمضان 1276 ه/ 28 آذار/ مارس 1860 م واصفًا ما وجده في هذا الطريق وفي موقع عين الجديدة بقوله: "فلمّا خرجت من المدشر المذكور (مدشر أمزال) [...] فسرنا في وسط القتلى وجياف الخيل حتّى عبرنا وادي أكراز فلم نر بعد ذلك إلّ جياف الخيل حتّى وصلنا عين الجديدة، ومررنا على محلّة الخليفة مولاي العباس وهو يسرد الجيوش ويعدّهم واحدًا بعد واحد، فجلسنا مقدار ما استرحنا"54. تحدّثت كذلك الكتابات الأوروبية عن هذه الوقائع، نخصّ منها مذكّرات صحفي فرنسي كان شاهد عيان على هذه المعارك التي دارت رحاها بين تطوان وطنجة55. تحدّث بالتفاصيل عن معركة وادراس، وبين الفينة والأخرى يشير إلى فندق عين الجديدة الذي نصبت غير بعيد عنه خيمة لتوقيع الاتفاق بين الجنرال أودونيل والأمير مولاي العباس56.
2. بداية القرن العشرين
عرفت الوضعية السياسية والأمنية المغربية، في بداية القرن العشرين، سواء في فترة السلطان عبد العزيز أو أخيه المولى عبد الحفيظ، أزمة عميقة نتيجة اندلاع الثورات والاضطرابات في جلّ جهات المغرب وبالأخصّ في المنطقة الشمالية57(. هذه الحالة المتردّية أدّت إلى اضمحلاال هيبة نفوذ المخزن وفشله في حفظ النظام والأمن ما شجّع الدول الأوروبية - وعلى وجه الخصوص فرنسا وإسبانيا - على ترويج فكرة ضرورة الاحتلاال والحماية، فما هي الصورة التي كان عليها طريق طنجة تطوان في ظلّ هذه البلبلة والفوضى ومحاولة إسبانيا اكتساح المنطقة؟ وقعت في هذه المنطقة، في سنتَي 1903 و 1904، اضطرابات قبليّة تمثّلت في الحصار الذي فرضته القبائل الجبلية،
وفي مقدّمتها قبيلة بني يدر، على مدينة تطوان. نجم عن هذه الحوادث زعزعة في الوضعية الأمنية وتهديد للقوافل والمسافرين بين طنجة وتطوان. أمام فشل المخزن في تسيير البلااد بصفة طبيعية وفي حفظ الأمن في ربوعها، تعالت صيحات الأوروبييّن بضرورة تنظيم قوّات بوليس مؤقتة "تسمح باستعادة ضوابط الأمن الضرورية" ريثما تنظّم قوات البوليس وفقًا لمقرّرات مؤتمر الجزيرة الخضراء. وفعل شكّلت فرق البوليس تحت إشراف فرنسي - إسباني ابتداءً من سنة 1907 تنفيذًا لما فرضته القوى الأجنبية على المخزن في مؤتمر الجزيرة الخضراء (1906 م)58(. وشرع المدرّبون الفرنسيون والإسبان في تنظيم تلك الفرق التي بدأت تمارس وظائفها في بداية شهر أيار/ مايو 190859(؛ مشكّلين منها طوابير تمركز جزء منها في مدينة طنجة وضواحيها، ثمّ تفرق جزء منها في مدن شمالية أخرى وفي محطّات على طريق طنجة وتطوان. وفي هذا الصدد وبتاريخ 17 أيار/ مايو 1911، يخبر وزير الدولة الإسباني سفير فرنسا في مدريد أن 25 فردًا من فرق البوليس يوجدون في فندق "عين الجديدة" حيث أقيم منذ سنة في المكان نفسه مركز للحراسة، ثمّ أ رسل طابور منُ الفرسان إلى سوق الخميس في أنجرة وطابور آخر إلى وادراس60(. وحسب بعض المعلومات، أمر وزير الحرب محمد الجباص وجهاء قبيلة أنجرة بتفادي أي هجوم أو اصطدام عسكري بالإسبان حتّى لا يتّخذوه ذريعة للسطو واكتساح الأراضي بهذه المنطقة61. ومن خلاال هذه المعطيات يتبيّ أن إسبانيا بإشرافها على فرق البوليس كانت حريصة على ضمان الأمن في طريق طنجة تطوان، تمهيدًا لاكتساحها منطقة الشمال حسب الاتفاقية المبرمة مع فرنسا لسنة 1904، ففي حزيران/ يونيو 1911 احتلّت العرائش والقصر الكبير62؛ وبعد عقد الحماية الفرنسية على المغرب في 30 آذار/ مارس 1912، استمرت المفاوضات بين فرنسا وإسبانيا، وأسفرت عن إبرام اتّفاق 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1912، لتبدأ مرحلة جديدة في السياسة الإسبانية في المنطقة الشمالية وبالتحديد في طريق طنجة تطوان، فما الأحداث التي عرفها الطريق بعد عقد الحماية؟
3. فترة لااحتلال
عرف طريق طنجة تطوان، على طول مساره ومناطقه وقبائله ومحطّاته، أحداثًا عسكرية نتيجة التغلغل الاستعماري الإسباني الذي كان يريد تأمين هذا الطريق، والقضاء على كلّ الثورات فيه، والسيطرة على أهمّ مراكزه وخصوصًا فندق عين الجديدة. وبسبب موقعه الجغرافي الممتاز، مثّل الفندق هدفًا استراتيجيًّا، سواء للحركات الجهادية أو للمستعمر الإسباني. ركّزت إسبانيا، في عملية "الباسفيكسيون" (التغلغل السلمي) وضبط الأمن، على المسالك والطرق الأكثر أهمية، والتي لها طابع تجاري وتربط بين الأسواق، ومنها طريق تطوان نحو طنجة. وأمام هيجان القبائل الشمالية وشنّ هجوماتها على الجيش الإسباني،
قامت السلطات الاستعمارية بإنشاء حاميات ومراكز عسكرية للحراسة على طول الطريق63(تمهيدًا للغزو والاحتلاال. ومن أولى العمليات التي قامت بها إسبانيا، احتلاال مركز اللوزييّن يوم الأربعاء 11 حزيران/ يونيو 1913، ويقع في الطريق المؤدّي من غرب تطوان نحو طنجة، وهو مدشر صغير من قبيلة الحوز يطلّ على قنطرة بوصفيحة، واعتبرته القوّات الإسبانية موقعًا استراتيجيًّا لربط الاتصال بفندق عين الجديدة نحو طنجة ونحو خميس أنجرة64. وبعد ثلااثة أيام، أي يوم 15 حزيران/ يونيو 1913، يخبرنا مؤرخ تطوان محمد داود أنّ المقيم العامّ الإسباني فليب ألفاو ماندوزا Mendoza Alfau Felipe (15 نيسان/ أبريل 1913 - 17 آب/ أغسطس 1913)، وفي إطار سياسة تهدئة المسالك والطرق، بعث برسالة تهديد إلى كلّ قبائل المنطقة الشمالية، ومن ضمنها القبائل الموجودة على طريق تطوان طنجة، ومنها أنجرة ووادراس وبني يدر وغيرها65. وبتاريخ 9 حزيران/ يونيو 1915، عيّنت الحكومة الإسبانية الجنرال فرانسيسكو غوميز خوردانا Jordana Gomez Fransisco مقيمًا عامًّا بتطوان ما بين 10 تموز/ يوليو 1915 و 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918. قرّر هذا المقيم أن يسلك في منطقة الحماية الإسبانية سياسة التفاهم بدل التصادم، والمساعدة بدل المعاندة66(. ودخل في مفاوضات مع أبرز زعيم في القبائل الجبلية وهو الريسوني67(، وانتهت المفاوضات بعقد اتفاق سري بين الطرفين في أيلول/ سبتمبر 1915. وتمّ الإعلاان عن هذا الاتفاق والتحالف يوم 24 أيار/ مايو 1916 بهضبة فندق عين الجديدة الاستراتيجية68(، بعد أن احتلّته الفيالق العسكريّة الإسبانيّة بقيادة الجنرال خوردانا، ثمّ وصل إليه الريسوني "مصحوبًا بوجهاء قبائل وادراس وبني يدر وبني حزمر وبني عروس وبني كرفط وجبل حبيب الذين أكّدوا تعاونهم مع إسبانيا"69. كانت إسبانيا ترمي، من خلاال هذا الاتفاق مع الريسوني، إلى تسهيل سيطرتها على المجال الجغرافي للمنطقة الغربية، وضمان سلاامة الطرق والمواصلاات التي تكفل بها الريسوني70(، وخصوصًا طريق طنجة تطوان الذي كثرت فيه بؤر التوتّرات وهجمات القبائل وأصبحت قنوات الاتصال شبه منعدمة71. فبفضل الريسوني جرى إنشاء خط التلغراف في الطريق بين تطوان وطنجة مرورًا بفندق عين
الجديدة72(؛ ثمّ كان الفندق في نظر إسبانيا مركزًا استراتيجيًّا، تستطيع من خلااله الربط بين الغرب والشرق وذلك عبر تطوان من جهة، وطنجة والعرائش من جهة أخرى73. وبالنسبة إلى سلاامة الطرق والأمن فيها، فقد كان من ثمرات هذا الاتفاق الثنائي بين الريسوني وخوردانا، كما يقول محمد داود، أن "مضت الأيّام والشهور، والأمن سائد والهدوء مستتبّ في تطوان ونواحيها"74(. وللبرهنة على أمن الطرق وسلاامتها بين تطوان ومدن أخرى قام الجنرال خوردانا برحلة من تطوان إلى الناحية الغربية وزار مدنها الثلااث: أصيلاا، والعرائش، والقصر الكبير مارًّا بالقبائل والمحطات الموجودة على الطريق ومنها فندق عين الجديدة75. مضت فترة زمنية على هذه الوضعية حتى الثاني من شباط/ فبراير 1919 عندما عينت الحكومة الإسبانية الجنرال برينغر Dámaso Berenguer مقيما عامًا بتطوان (1919 - 1922) خلفًا للجنرال خوردانا. سلك المقيم العام الجديد سياسة مخالفة لسلفه تعتمد على أسلوب القوة والعنف، فقرر احتلاال مجالات القبائل الجبلية وإخضاعها لسلطة الاحتلاال واسترجاع السلطة العملية لإسبانيا على المنطقة الإسبانية وقبائلها وطرقها ومسالكها من يد الريسوني؛ وبذلك "دخلت الحالة بتطوان وقبائلها الجبلية في طور جديد"76. كان طبيعيًا أن تؤثر هذه الوضعية الجديدة في طريق طنجة تطوان ومحطاته ومراكزه الاستراتيجية وبالأخص فندق عين الجديدة. ونظرًا إلى الأهمية التي كانت توليها إسبانيا لهذا الموقع الاستراتيجي للفندق في تأمين الاتصالات بين تطوان وطنجة77، وضمان مرور الجنود والأسلحة والسلع إلى العرائش وتطوان أصبح هدف برينغر هو استرجاع التواصل بين تطوان وطنجة والعرائش من خلاال التحكم في فندق عين الجديدة من دون نفوذ الريسوني وحمايته. أمام هذا الوضع الجديد والقصف الشديد للفندق78، انسحب منه الريسوني وانتقل إلى عاصمته تازروت، واحتلت القوات الإسبانية بقيادة برينغر الفندق يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1919
أولت الصحف الإسبانية اهتمامًا خاصًا لهذا الحدث واعتبرته "نصرًا كبيرًا" حققته فيالقها العسكرية وأسفر عن نتائج إيجابية لوضعية إسبانيا في شمال المغرب، ومن هذه الصحف نقتطف فقرة تردّدت على أعمدتها: "نعتبر فندق عين الجديدة مركزًا استراتيجيًّا ذا أهمية قصوى، لأنه يؤمّن الاتصالات والعلااقات بين طنجة، والعرائش، وتطوان، وسبتة. ولسنوات طويلة كان أعداؤنا، وبالأخص قائدهم [الريسوني]، يعتبرونه حصنًا منيعًا لا يمكن اختراقه، فاستطعنا بفضل قوّاتنا غرس رايتنا في هذا المبنى القديم 'عين الجديدة'، وحقّقنا نصرًا ماديًّا ومعنويًّا"79. فعلً، اعتبر دخول أكبر الجنرالات الإسبان، وعلى رأسهم برينغر وسيلفيستري80(، إلى فندق عين الجديدة نصرًا معنويًّا له رمزيته التاريخية التي تحيل على أحداث تطوان لسنة 1860 والتوقيع على اتفاقية الصلح بين ليوبولد أودونيل ومولاي العباس81. يتمثل هدف الحكومة الإسبانية، من خلاال هذه العمليات العسكرية، في ضمان الاتصالات بين أهم مدينتين في شمال المغرب، طنجة وتطوان، فشرعت في القيام بعملية تمشيط لطريق تطوان طنجة لفتحه أمام المبادلات التجارية. الصورة (1) احتلال فندق عين الجديدة
المصدر: "Ahmed Al - raisuli Fondak Ain - yedida rio llobregat desbordamiento cornella manresa solsona 1919 ," Todocoleccion , accessed on 28 / 6 / 2022 , at: https://bit.ly/ 3 OGMDC 9
الصورة (2) أفراد الجيش الإسباني أثناء احتلال فندق عين الجديدة
المصدر: "Operaciones militares en Marruecos: Fondak de Ain Yedida – 1919 ," Todocoleccion , accessed on 28 / 6 / 2022 , at: https://bit.ly/ 3 bxU 0 Ng
في سياق هذه الخطة الاستراتيجية اتّجه الجيش الإسباني تحت قيادة بيرينغر لاحتلاال المناطق الشمالية والسيطرة الشاملة عليها82(. غير أنّ الهزيمة التي مني بها الجيش الإسباني في معركة أنوال سنة 1921 كان لها وقع كبير على هذه الخطط العسكرية. عرفت إسبانيا انقلاابًا عسكريًّا بقيادة الجنرال بريمو دي ريفيرا Rivera de Primo، هذا الأخير أحدث تحوّلً في هذه الخطط، فأمام تحرّكات القبائل ومقاومتها83، قام بتعزيز مراكز المراقبة بفرق عسكرية إضافية وذلك لضمان تأمين الطريق والمحافظة على التواصل بين تطوان وطنجة والعرائش84(، فتصدّت القوّات الإسبانية لهجومات المقاومين لأنها كانت تدرك أنّ النجاح في عملياتها العسكرية، وخاصة على مستوى فندق عين الجديدة، له أهمية وسيكون له أثر إيجابي في تفرقة مقاومة القبائل. ومع مطلع سنة 1925 نجحت إسبانيا في كبح جماح المقاومة القبلية، ومن ثم تأمين الطريق بين تطوان وطنجة ومراكزه الاستراتيجية. وفي ختام هذه الدراسة تتوضح لنا وضعية طريق طنجة تطوان وأهميّته قبل الحماية الإسبانية على شمال المغرب وفي أثنائها، ففي القرن التاسع عشر وإلى حدود سنة 1912، اعتبر طريق طنجة تطوان من الطرق الرئيسة في المغرب. كانت تستعمله القوافل لنقل البضائع والتبادل التجاري، ويقطعه المسافرون لأغراضهم الشخصية أو للقيام بمهمّات كلّفتهم بها الدولة المغربية. وقد مرّ به أعضاء المخزن وفي مقدّمتهم السلااطين أثناء تفقّدهم لأحوال المنطقة الشمالية من المغرب85.
علااوة على ذلك، استعمله الرحّالة والمستكشفون الأوروبيون، وتركوا كتابات وفيرة وصفوا فيها الطريق من الناحية الجغرافية والطبيعية والسكّانية وغيرها، الأمر الذي لا نصادفه في الكتابات المغربية التي لا نجد إلّ في بعضها شذراتٍ قليلة متفرّقة هنا وهناك. ولا يمكن الحديث عن طريق طنجة وتطوان من دون الحديث عن فندق عين الجديدة الذي يوجد في منتصف الطريق، حيث كان المحطّة الأساس لمبيت المسافرين ومركزًا استراتيجيًّا مهمًّا للااتصال بين المدينتين شكّل هدفًا للااحتلاال الإسباني، واعتمدت عليه القبائل الشمالية في مقاومتها لهذا الاحتلاال. أما من الناحية الأمنية، فقد خضع طريق طنجة تطوان، كغيره من الطرق المغربية، لفترات من المدّ والجزر حسب قوة السلطة المركزية أو تهاونها وضعفها. إلّ أنه في مطلع القرن العشرين - كما لاحظنا - تدهورت الوضعية الأمنية في المنطقة الشمالية نتيجة في الأساس للتدخل الأجنبي واختراقه المجال المغربي، الأمر الذي كان له انعكاس وخيم على أمن القوافل والمسافرين وسلاامتهم في هذا الطريق. ونتيجة لذلك لم يعد بعض المسافرين يستعملون الطريق البري بين طنجة وتطوان، وفضّ لوا استخدام السفن؛ هذا ما يشير إليه ألكسندر جولي سنة 1905 في مونوغرافيته عن مدينة تطوان بقوله: "عوض المجازفة بأنفسهم في هذا الطريق الجبلي غير الآمن، بدأ بعض المسافرين من أوروبيين ويهود ومغاربة يفضّلون السفر من طنجة إلى تطوان عبر الطريق البحري على متن السفينة الإنجليزية من شركة بلااند Bland، التي تبحر مساء كل يوم سبت من طنجة وتصل إلى ميناء مرتين Martine صباح يوم الأحد، وتغادره بعد منتصف اليوم وتنزل المسافرين في المساء بطنجة؛ أو على متن إحدى السفن التابعة للشركات الفرنسية باكي Paquet التي تبحر كلّ أسبوعين، أو الشركة تواش Touache التي تبحر كلّ يوم ثلااثاء؛ وفي بعض الأوقات يبحرون على متن سفن إيطالية وإسبانية كلّما رست بين الفينة والأخرى في الميناء"86.
المراجع
العربية
الإنسانية بالرباط، 1996.
عبد المالك السعدي بتطوان، 2019.
الجديدة، 1988.
الجزائر: المكتبة الوطنيّة الجزائريّة، 1981.
الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر. معلمة المغرب. سلاا: مطابع سلاا، 1989.
حكيم، محمد بن عزّوز. الشريف الريسوني والمقاومة المسلحة في شمال المغرب. الرباط: مطبعة الساحل، 1981.
خلوق، عبد العزيز التمسماني. "احتلاال العرائش والقصر الكبير." مجلة كلية الآداببالرباط. العدد 8 (1982.)
داود، محمّد. تاريخ تطوان. الرباط: دار أبي رقراق، 2013.
دو فوكو، شارل. التعرف على المغرب 1883 - 1884. ترجمة المختار بلعربي. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1999.
أسمير، 2003.
العياشي، المريني. النضال الجبلي. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.].
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، 2016.
References
أشطيار، جمال الدين العمراني. "طنجة بين سنتي 1900 - 1912 ". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. غير منشورة. كلية الآداب والعلوم اغزيل، سعيد. "قبيلة أنجرة والاستعمار الإسباني 1912 - 1956 ". أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ. غير منشورة. كلية الآداب، جامعة آفا، عمر. مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر: سوس (1822 - 1906.) الدار البيضاء: مطبعة النجاح بوليفة، عبد العزيز. "وضعية طريق 'طنجة تطوان' في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ". ضمن أعمال ندوة: تطوان قبل الحماية التلمسانيّ، محمّد بن مرزوق. المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن. تحقيق د. ماريا خيسوس بيغيرا. الخديمي، عالّل. "النزايل والمواصلاات والتدخّل الأجنبي في المغرب خلاال القرن التاسع عشر.". العدد هسبريس تمودا 31 (1993.) _______. "الظروف العامة للصوصية في مغرب القرن التاسع عشر ومشكلة الأمن بطنجة." مجلة دار النيابة. العدد 1 (1984.)
الرهوني، أحمد بن محمّد. عمدة الراوين في تاريخ تطاوين. تحقيق جعفر ابن الحاج السلمي. تطوان: منشورات جمعية تطاون السبتي، عبد الأحد. بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار. الدار البيضاء: دار توبقال، 2009.
السعود، عبد العزيز. تطوان في القرن الثامن عشر: السلطة، المجتمع، الدين. تطوان: منشورات جمعية تطّاون أسمير، 2007. المشرفي، العربي بن علي. تمهيد الجبال وما وراءها من المعمور، وإصلاح حال السواحل والثغور. تحقيق إدريس بوهليلة. تطوان: المشرفي، محمد بن مصطفى. الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية. تحقيق إدريس بوهليلة. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف، 2005.
الأجنبية
Armatte. "Les Opérations Militaires au Maroc." Questions diplomatiques et colonials. tome XXXVI (Juillet-
Décembre 1913).
Baviera, Julio Cervera. Expedición geografico-militar al Interior y Costas de Marruecos: Setiembre, Octubre,
Noviembre, y Diciembre de 1844. Barcelona: Establecimiento Tipografico de Fidel Giro, 1885.
Boussagol, G. "Notes espagnoles." Les Langues Modernes. Bulletin Mensuel. no. 2 (Mars - Avril 1920).
Beaumier, Auguste. Itinéraire de Mogador à Maroc et de Maroc à Saffi. Paris: Imprimerie de E. Martinet, 1868.
Biarnay, Samuel. "Un cas de régression vers la coutume berbère chez une tribu arabisée." Archives Berbères. 1. 2 - 4
Bleicher, Dr. Un Voyage au Maroc. 1875.
Braithwaite, Capitaine. Histoire des révolutions de l'empire de Maroc. Amsterdam: Chez Pierre Mortier Libaire,
Brives, Abel. Voyages au Maroc (1901-1908). Alger: Typographie Adolphe Jourdan, 1909.
Bulletin du Comité de l’Afrique française (BCAF) (Janvier 1903).
Charmes, Gabriel. Une ambassade au Maroc. Paris: Calmann Lévy, 1887.
Cousin, Albert & Daniel Saurin. Le Maroc. Paris: Librarie du Figaro, 1905.
Decugis, Dr. "Relation d'un Voyage dans l'Intérieur du Maroc." Bulletin de Société de Géographie. 6 éme série. vol.
16 (Juillet - Décembre 1878).
De Lavigne, Germond. Les Espagnols au Maroc. Paris, 1889.
Didier, Charles. "Le Maroc: Tétouan." Revue des Deux Mondes. tome 8 (1 Octobre 1836).
_______. Promenade au Maroc , Paris: Jules Labitte, 1844.
De Mazade, Charles. Les Révolutions de l'Espagne Contemporaine 1854-186 8. Paris, 1869.
Dry, A. "Vers l'Occident: Gibraltar et le Nord du Maroc." La Revue Hebdomadaire. 3 ème année, tome XI (Octobre
El Moudden, Abderrahman. "Exploration et Pénétration: Un Siècle d'itinéraires dans le Couloir de Fès - Taza
(1805 - 1911)." Hespéris-Tamuda. vol. XXII (1984).
Estado Mayor Central del Ejército, Servicio Historico Militar. Historia de las campañas de Marruecos. Madrid:
Servicio Histórico Militar, 1947.
Gentil, Louis. Dans le Bled es Siba: Explorations au Maroc. Paris: Masson et Co. Éditeurs, 1906.
Godard, Léon. Le Maroc, Notes d'un Voyageur, 1858-18 59. Alger: Impr. A. Bourget, 1859.
_______. Description et histoire du Maroc. Paris: C. Tanera, 1860.
Joly, Alexandre "Le siège de Tétouan par les tribus des Djebala 1903 - 1904." Archives marocaines. vol. 3 (1905).
_______. "Tétouan." Archives Marocaines. vol. 4 (1905).
La Porte, Pablo. "El Desastre de Annual y la Crisis de la Restauración en España (1921 - 1923)." Memoria Para Optar
Al Grado De Doctor. Universidad Complutense De Madrid. Madrid, 1997.
Meakin, Budgett. The land of the Moors. London: Swan; New York: Macmillan, 1901.
Ministère des affaires etrangères. Documents diplomatiques, Affaires du Maroc. Paris: Imprimerie nationale,
Monge, Victor. "Ceuta, son Commerce, son Port, son Avenir." Revue de la Marine Marchande. no. 50 - 51
(novembre - décembre 1919).
Résidence générale de la République française. Tanger et sa Zone. Series villes et tribus du Maroc. Paris: Ernest
Leroux, 1921.
Renou, Émilien Jean. Description Géographique de l'Empire du Maroc. Paris, 1846.
Riuz, Ricardo. "La Kabila de Uadras." Boletín oficial de la zona de influencia española en Marruecos. no. 3
Tardieu, André. La conférence d'Algésiras. Paris: Alcan, 1909.
Ventosa, Evaristo. Historia de la Guerra de Africa. Barcelona: Libreria De Salvador Manero, 1859.
Wolfrom, Gustave. Le Maroc ce Qu'il Faut en Connaître. Paris, 1906.
Yriarte, Charles. Les tableaux de la guerre. Paris, 1870.
_______. Sous la Tente, Souvenirs du Maroc, Récits de Guerre et de Voyage. Paris, 1863.