Return to Article Details Egypt As Seen by a Persian Traveler (438-444 AH/ 1045-1052 AD)

مصر بعيون رحالة فارسي (444-438هـ/ 1052-1045م)

Egypt As Seen by a Persian Traveler (438-444 AH/ 1045-1052 AD)

عبد المجيد بهيني*Abdelmajid

Bihini

الملخّص

تطرح هذه الورقة البحثية، موضوع توظيف المتن الرحلي في البحث التاريخي، وما يكتنف ذلك من مخاطر منهجية ترتبط أساسًا بتفاعل الرحّالة الفوري مع ما يرى من أحداث وما يصف من ظواهر وأوضاع. وقد يؤدي هذا التفاعل تارةً، بالنظر إلى قرب عهد المؤلف بالحدث وعدم أخذ وقت كافٍ لقراءته قراءة صحيحة، إلى الخروج باستنتاجات وتأويلات مجانبة للصواب ومخالفة للحقيقة؛ وتارةً إلى تشكيل صورة أو بناء موقف مبالغ فيه خصوصًا إذا كان للمؤلف تعاطف وميل إلى جهة معينة. وسعيًا لبيان ذلك، اخترنا الاشتغال بنص رحلة ناصر خسرو إلى مصر، إذ إنه يتضمن وصفًا لأوضاعها السياسية ونظمها الإدارية والعسكرية والجبائية في عهد المستنصر الفاطمي. ولم يقتصر خسرو على الوصف والملاحظة، بل كان يدلي بوجهة نظره الإيجابية إزاءها، من دون ترك مسافة زمنية كافية تسمح له بالقيام، أحيانًا، بقراءة واقعية موضوعية لما شاهد من أحداث، وسمع من أخبار ورأى من ظواهر. وقد يُبَرر ذلك بميوله الشيعي واعتناقه المذهب الإسماعيلي؛ لذلك يغلب على الحيز المخصص لمصر في الكتاب المدح والإطراء والتمجيد.

Abstract

This article considers the employment of travel literature in historical research and the associated methodological risks, mainly in relation to the traveller’s immediate interaction with the events he witnessed and the phenomena and conditions he described. Given the author’s proximity to the event and not taking enough time to read it closely, this engagement can at times lead to inaccurate deductions and interpretations. At others, it can convey an exaggerated image or attitude, especially if the author has an affinity for a particular side. This article focuses on the records of Nasir Khusraw’s journey to Egypt, featuring a description of the political climate and the administrative, military, and tax systems during the reign of the Fatimid caliph al-Mustanṣir. In addition to observations and descriptions, Nasir Khusraw also provides his positive impression of Egypt, at times without having given himself the span of time needed to objectively interpret the events he witnessed, the information he heard, and the experiences he had. Nasir Khusraw’s writings in Egypt, therefore, are rife with praise and commendation, in what may be explained by his Shi’i disposition and his adoption of the Ismaili school.

الكلمات المفتاحية:
  • ناصر خسرو
  • الرحلة
  • الحدث
  • التفاعل الفوري
  • مصر
Keywords:
  • Nasser Khosro
  • Trip
  • Event
  • Immediate Interaction
  • Egypt

مصر بعيون رحالة فارسي (444-438 ه/ 052-10451)م Egypt As Seen by a Persian Traveler (438 - 444 AH/ 1045 - 1052 AD)

تطرح هذه الدراسة موضوع توظيف المتن الرحلي في البحث التاريخي، وما يكتنف ذلك من مخاطر منهجية ترتبط أساسًا بتفاعل الرحّالة الفوري مع ما يرى من أحداث وما يصف من ظواهر وأوضاع. وقد يؤدي هذا التفاعل تارةً، بالنظر إلى قرب عهد المؤلف بالحدث وعدم أخذ وقت كافٍ لقراءته قراءة صحيحة، إلى الخروج باستنتاجات وتأويلات مجانبة للصواب ومخالفة للحقيقة؛ وتارةً إلى تشكيل صورة أو بناء موقف مبالغ فيه خصوصًا إذا كان للمؤلف تعاطف وميل إلى جهة معينة. وسعيًا لبيان ذلك، اخترنا الاشتغال بنص رحلة ناصر خسرو إلى مصر، إذ إنه يتضمن وصفًا لأوضاعها السياسية ونظمها الإدارية والعسكرية والجبائية في عهد المستنصر الفاطمي. ولم يقتصر خسرو على الوصف والملاحظة، بل كان يدلي بوجهة نظره الإيجابية إزاءها، من دون ترك مسافة زمنية كافية تسمح له بالقيام، أحيانًا، بقراءة واقعية موضوعية لما شاهد من أحداث، وسمع من أخبار ورأى من ظواهر. وقد يُبَرر ذلك بميله الشيعي واعتناقه المذهب الإسماعيلي؛ لذلك يغلب على الحيز المخصص لمصر في الكتاب المدح والإطراء والتمجيد.

This article considers the employment of travel literature in historical research and the associated methodological risks, mainly in relation to the traveller’s immediate interaction with the events he witnessed and the phenomena and conditions he described. Given the author’s proximity to the event and not taking enough time to read it closely, this engagement can at times lead to inaccurate deductions and interpretations. At others, it can convey an exaggerated image or attitude, especially if the author has an affinity for a particular side. This article focuses on the records of Nasir Khusraw’s journey to Egypt, featuring a description of the political climate and the administrative, military, and tax systems during the reign of the Fatimid caliph al-Mustanṣir. In addition to observations and descriptions, Nasir Khusraw also provides his positive impression of Egypt, at times without having given himself the span of time needed to objectively interpret the events he witnessed, the information he heard, and the experiences he had. Nasir Khusraw’s writings in Egypt, therefore, are rife with praise and commendation, in what may be explained by his Shi’i disposition and his adoption of the Ismaili school.

أستاذ التعليم العالي في شعبة التاريخ في جامعة شعيب الدكالي، المغرب. عضو مختبر "المجتمع المغربي: الديناميات والقيم." Associate Professor of Higher Education in the History Department at Shaib Al-Dakkali University, Morocco. Member of the Moroccan Society: Dynamics and Values Laboratory. Email: bihini@hotmail.com.

مقدمة

اخترنا الاشتغال بالمتن الرحلي في إطار المقاربة التاريخية لموضوع قرب عهد وقوع الحدث بقراءته ودراسته وتأويله، واتخاذ موقف منه أو إبداء رأي إزاءه من أجل توظيفه في بناء صورة من صور الماضي؛ ذلك أن مصنفات الرحلة، بالنظر إلى ما تشتمل عليه من أوصاف وتحاليل لظواهر مجتمعية وما تزخر به من أخبار ومعلومات سياسية واقتصادية واجتماعية، تعتبر مصدرًا لا غنى عنه للباحثين

في التاريخ. وتزداد أهميتها على اعتبار أن مؤلفيها يسجلون الأحداث التي عاصروها ويتفاعلون آنيًا معها؛ ومن ثم فهي متون تترجم

حاضر الفترة التي أُلفت فيها، هذا الحاضر الذي سيصير بمرور الأيام والشهور والسنوات ماضيًا؛ أي تاريخًا. ينسحب الشيء نفسه على المؤلفات القديمة التي أرّخ فيها مؤلفوها لأحداث ووقائع عاصروها وأبدوا آراءهم إزاءها، أو عبروا

عن مواقفهم منها؛ ولنا فيما قاله تقي الدين المقريزي (766 ه 845 -ه)1 خير مثال على المخاوف التي تنتاب هؤلاء حينما يؤرخون لأحداث كانوا شهود عيان عليها. يقول في معرض تقديمه للمنهج المتبع في تأليف كتاب المواعظ والاعتبار: "وأما أيُّ أنحاء التعاليم

التي قصدت في هذا الكتاب، فإني سلكت فيه ثلاثة أنحاء، وهي: النقل من الكتب المصنفة في العلوم، والرواية عمن أدركت من

شِيخة العلم وجلة الناس، والمشاهدة لما عاينته ورأيته. فأما النقل من دواوين العلماء التي صنفوها في أنواع العلوم، فإني أعزو كل نقل إلى الكتاب الذي نقلته منه، لأخلص من عهدته وأبرأ من جريرته [...]. وأما الرواية عمن أدركت من الجلة والمشايخ، فإني - في الغالب والأكثر - أصرح باسم من حدثني، إلا أن لا يحتاج إلى تعيينه، أو أكون قد أنسيته، وقل ما يتفق مثل ذلك. وأما ما شاهدته، فإني أرجو أن أكون - ولله الحمد - غير متهم ولا ظنين"2. ارتباطًا بما سبق، نروم الوقوف على المعلومات التي دوّنها ناصر خسرو في متن رحلته3 التي ضمنها وجهة نظره في أوضاع مصر

السياسية وبعض نظمها الإدارية والعسكرية والجبائية في عهد حكم المستنصر الفاطمي (427 - 487 ه/ 1036 - 1094 م)؛ والتركيز على رصد تلك التي تحمل إفادات عن أحداث ووقائع عاصرها المؤلف وشاهدها إما عيانًا، أو حُدِّث بها أو سمع عنها على اعتبار أنه مكث في مصر أزيد من ثلاث سنوات، وأن فترة حكم المستنصر لها دامت زهاء ستين سنة. وبما أن نص الرحلة4 يشتمل على معلومات وأحداث تاريخية كثيرة تهم تاريخ مصر السياسي في حقب سابقة، خصوصًا ما له صلة بما تختزنه ذاكرة عدد من المنشآت المعمارية

1  هو أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم، ويُلقب تقي الدين ويعرف بالمقريزي. ولد في القاهرة عام 766 ه/ 1366 م، وتيسر له دراسة علوم الدين

وحفظ القرآن ومعرفة النحو ودراسة الفقه والتفسير والحديث وبعض العلوم الأخرى، مثل التاريخ وتقويم البلدان والأدب والحساب على مشايخ العصر؛ ومن بينهم:

جده لأمه ابن الصائغ شمس الدين محمد بن محمد، وابن دقماق، وابن خلدون وغيرهم. تولى ديوان الإنشاء والحسبة في مصر، والقضاء والتدريس في كل من

مصر والشام، وألف كتبًا كثيرة، منها: إغاثة الأمة بكشف الغمة، وشذور العقود في ذكر النقود، والأكيال والأوزان الشرعية، والنزاع والتخاصم فيما بين

بني أمية وبني هاشم. توفي في القاهرة سنة 845 ه/ 1441 م. ينظر: حسين عاصي، المقريزي مؤرخ الدول الإسلامية في مصر (بيروت: دار الكتب العلمية،

1412 ه/ 1992 م)، ص 5  -  16. 2 المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف ب "الخطط المقريزية"، تحقيق محمد زينهم ومديحة الشرقاوي، ج 1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1998)، ص 10. 3  ناصر خسرو، سفرنامه: رحلة ناصر خسرو إلى لبنان وفلسطين ومصر والجزيرة العربية في القرن الخامس الهجري، نقلها إلى العربية الدكتور يحيى الخشاب،

ط 3 (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1983). انطلق ناصر خسرو في هذه الرحلة من خراسان صوب الحجاز مرورًا بشمال الجزيرة الفراتية وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية

في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واستغرقت سبع سنوات (438 - 444 ه/ 1045 - 1052 م). ومن غير المستبعد أن تكون المدة التي قضاها في مصر

(وهي أكثر من ثلاث سنوات) قد أسعفته في الاطلاع على وثائق ومحفوظات مكّنته من كشف خبايا الأمور السياسية والإدارية والمالية والعسكرية، والوقوف على الأحوال

الاقتصادية في عهد الخليفة المستنصر، فضلً عما شاهده وسأل عنه وسمعه. ويستفاد من فقرات كثيرة في نص الرحلة أن علاقات وطيدة ومباشرة كانت تربط بينه وبين

المستنصر ومقربين من حاشيته. ينظر: خسرو، ص 25، 107. 4  يرى كل من يحيى الخشاب وكراتشكوفسكي أن النص الذي وصل إلينا من رحلة ناصر خسرو قد وصل مختصرًا. المرجع نفسه، ص 17 - 18؛ كراتشكوفسكي

أغناطيوس يوليانوفتش، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، نقله إلى اللغة العربية صلاح الدين عثمان هاشم، ج 1 (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1963)،

ص 260  -  261.

  1. هو أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم، ويُلقب تقي الدين ويعرف بالمقريزي. ولد في القاهرة عام 766 ه/ 1366 م، وتيسر له دراسة علوم الدين وحفظ القرآن ومعرفة النحو ودراسة الفقه والتفسير والحديث وبعض العلوم الأخرى، مثل التاريخ وتقويم البلدان والأدب والحساب على مشايخ العصر؛ ومن بينهم: جده لأمه ابن الصائغ شمس الدين محمد بن محمد، وابن دقماق، وابن خلدون وغيرهم. تولى ديوان الإنشاء والحسبة في مصر، والقضاء والتدريس في كل من مصر والشام، وألف كتبًا كثيرة، منها: إغاثة الأمة بكشف الغمة، وشذور العقود في ذكر النقود، والأكيال والأوزان الشرعية، والنزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم. توفي في القاهرة سنة 845 ه/ 1441 م. ينظر: حسين عاصي، المقريزي مؤرخ الدول الإسلامية في مصر (بيروت: دار الكتب العلمية، 1412 ه/ 1992 م)، ص 5  -  16.
  2. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف ب "الخطط المقريزية"، تحقيق محمد زينهم ومديحة الشرقاوي، ج 1 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1998)، ص 10.
  3. ناصر خسرو، سفرنامه: رحلة ناصر خسرو إلى لبنان وفلسطين ومصر والجزيرة العربية في القرن الخامس الهجري، نقلها إلى العربية الدكتور يحيى الخشاب، ط 3 (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1983). انطلق ناصر خسرو في هذه الرحلة من خراسان صوب الحجاز مرورًا بشمال الجزيرة الفراتية وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واستغرقت سبع سنوات (438 - 444 ه/ 1045 - 1052 م). ومن غير المستبعد أن تكون المدة التي قضاها في مصر (وهي أكثر من ثلاث سنوات) قد أسعفته في الاطلاع على وثائق ومحفوظات مكّنته من كشف خبايا الأمور السياسية والإدارية والمالية والعسكرية، والوقوف على الأحوال الاقتصادية في عهد الخليفة المستنصر، فضلً عما شاهده وسأل عنه وسمعه. ويستفاد من فقرات كثيرة في نص الرحلة أن علاقات وطيدة ومباشرة كانت تربط بينه وبين المستنصر ومقربين من حاشيته. ينظر: خسرو، ص 25، 107.
  4. يرى كل من يحيى الخشاب وكراتشكوفسكي أن النص الذي وصل إلينا من رحلة ناصر خسرو قد وصل مختصرًا. المرجع نفسه، ص 17 - 18؛ كراتشكوفسكي أغناطيوس يوليانوفتش، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، نقله إلى اللغة العربية صلاح الدين عثمان هاشم، ج 1 (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1963)، ص 260  -  261.

من تمجيد لسياسة بعض السلاطين والأمراء السابقين، أو انتقاد أنظمتهم، فإن هذه الأخيرة ستُثتنى من الدراسة لخروجها عن إطار

البحث الزمني5. إن ما يميز رحلة ناصر خسرو من كثير من الرحلات، ارتباطها بأربعة معطيات أساسية: طول المدة التي قضاها المؤلف في مصر (ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.) ӵ ثقافته الواسعة وتوليه مناصب عليا. ӵ طول مدة حكم المستنصر (زهاء ستين سنة.) ӵ غرض الرحلة6.

أسعفته هذه المعطيات جميعها في تكوين صورة واضحة عن السياسة التي انتهجها المستنصر الفاطمي في تدبير شؤون مصر،

وسمحت له بتقديم أوصاف دقيقة عنها. فلم يكن خسرو رحّالة عابر سبيل، بل مكنه مكوثه الطويل في مصر وثقافته الواسعة وشغله

مناصب كبرى في الدولتين الغزنوية7 والسلجوقية8 من سبر أغوار السياسة الفاطمية. وإذا أضفنا إلى ذلك، بحسب ما جاء في مقدمة

محقق كتاب سفرنامه، أن الغرض من الرحلة يتمثل في رغبة مؤلفها في التعمق في المذهب الفاطمي والتبحر فيه، وأنه أصبح من كبار

دعاته9، فإن أثر ذلك كله كان واضحًا في المتن بحيث كانت نظرته إيجابية لكل ما له صلة بالدولة الفاطمية؛ لذلك غلب على تناوله

لسياسة المستنصر في متن رحلته، أسلوب المدح والإطراء والتمجيد، وذلك خلافًا للفقرات التي تحدث فيها عن باقي البلدان التي زارها. سنحاول فيما يأتي تجليةَ ذلك، من خلال الوقوف على بعض الأوصاف والمعلومات والانطباعات الواردة في الكتاب، التي تبرز رأي

المؤلف في شخصية الخليفة المستنصر، وفي تدبيره الإداري والأمني والضريبي، وكذا في تسييره شؤون مصر الاقتصادية والعسكرية. أولً: أوصاف المستنصر بالله الفاطمي (ت. 487 ه/ 1094 م) يذكر المؤلف10 في وصف رحلته أسماء عدد كبير من السلاطين والأمراء والحكام، إذ سجل بشأنهم معلومات تاريخية كثيرة، منهم من كان اتصاله به مباشرًا؛ أي رآه رأي العين، ومنهم من لم يتصل به، بل سمع عنه أو شاهد أثرًا من آثار سياسته في البلدان

5  جرت معالجة جزء من هذا الموضوع في دراسة سابقة. ينظر: عبد المجيد بهيني، "البعد التاريخي في وصف رحلة ناصر خسرو 'سفرنامه' (438 - 444 ه/ 1045 - 1052 م:)

النصوص الأثرية والجغرافية"، ندوة: التداخل في العلوم الإنسانية: التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، تنسيق عبد المجيد بهيني وأحمد المكاوي

(الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2019)، ص  15 - 17، 19  -  20، 22. 6  للتوسع في الغرض من الرحلة وبواعثها، ينظر مقدمة يحيى الخشاب لكتاب: سفرنامة، ص 13 - 14؛ كراتشكوفسكي، ص 259. 7  دولة إسلامية سنّية قامت في منتصف القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي في شمال الهند، وامتدت رقعتها لتشمل خراسان وطخارستان وسجستان وأجزاء من

بلاد ما وراء النهر. أسسها ألب تكين أحد الموالي الأتراك ممن كانوا في خدمة السامانيين، وتنسب إلى عاصمتها غزنة الواقعة على هضبة عالية بالقرب من وادي كابل، من

أشهر حكامها: سبكتكين بن ألب وولده محمود الغزنوي الذي عُرف بلقب "الغازي" لكثرة فتوحاته، ومن أشهر العلماء البارزين فيها الفيلسوف الرياضي المؤرخ أبو الريحان

البيروني 440 ه/ 1048 م. انتهت مدتها سنة 582 ه/ 1186 م. ينظر: مصطفى عبد الكريم الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية (بيروت: مؤسسة الرسالة،

1416 ه/ 1996 م)، ص 331. 8  ناصر خسرو، ص 11. يطلق اسم سلاجقة على فرع من الأتراك الغز، يُنسبون إلى جد مؤسس اسمه سلجوق بن تقاق، عاشوا أول أمرهم في تركستان ثم استقرّوا

ببخارى ومنها سيطروا على خراسان فقضوا على مؤامرة الزعيم البويهي البساسيري التي استهدفت إدخال بغداد تحت لواء الخلافة الفاطمية، وتمكنوا فيما بعد من إقامة

دولتهم السلجوقية على حساب البيزنطيين في آسيا الصغرى سنة 471 ه/ 1078 م على يد سليمان قتلمش وعرفت بعض فترات الازدهار. من أشهر أعلامها الوزير نظام

الملك أبو محمد الحسن، وأبو حامد الغزالي، وعمر الخيام، وناصر خسرو. لمزيد من المعلومات، ينظر: أبو الحسن علي بن أبي الكرم عز الدين بن الأثير، الكامل في

التاريخ، مراجعة وتصحيح محمد يوسف، الدقاق، مج 8 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 ه/ 1987 م)، ص 236 وما بعدها؛ الحسيني صدر الدين بن علي، كتاب أخبار

الدولة السلجوقية، تصحيح محمد إقبال (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1404 ه/ 1984 م)؛ الخطيب، ص 254. 9  المرجع نفسه، ص 26 – 29. 10  هو أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني المروزي. ولد في قباديان بإيران عام 394 ه لأسرة متوسطة الحال. التحق بخدمة الغزنويين الذين كانوا يحكمون معظم

مناطق فارس إلى بداية القرن الخامس الهجري. شغل مناصب حكومية مهمة في الدولة الغزنوية بحيث تولى خطة الإنشاء، وكان من المتصرفين في أموال السلطان

وأعماله. وبعد مجيء السلاجقة وحكمهم لإيران، التحق خسرو بالعمل في خدمتهم، فاشتغل بالديوان في عهد الأمير جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق حاكم

خراسان. كان ناصر خسرو واسع الاطلاع، انكب على قراءة الفلسفة والحكمة وبحث في الأديان، وعرف بكونه شاعرًا.

  1. جرت معالجة جزء من هذا الموضوع في دراسة سابقة. ينظر: عبد المجيد بهيني، "البعد التاريخي في وصف رحلة ناصر خسرو 'سفرنامه' (438 - 444 ه/ 1045 - 1052 م:) النصوص الأثرية والجغرافية"، ندوة: التداخل في العلوم الإنسانية: التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، تنسيق عبد المجيد بهيني وأحمد المكاوي (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2019)، ص  15 - 17، 19  -  20، 22.
  2. للتوسع في الغرض من الرحلة وبواعثها، ينظر مقدمة يحيى الخشاب لكتاب: سفرنامة، ص 13 - 14؛ كراتشكوفسكي، ص 259.
  3. دولة إسلامية سنّية قامت في منتصف القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي في شمال الهند، وامتدت رقعتها لتشمل خراسان وطخارستان وسجستان وأجزاء من بلاد ما وراء النهر. أسسها ألب تكين أحد الموالي الأتراك ممن كانوا في خدمة السامانيين، وتنسب إلى عاصمتها غزنة الواقعة على هضبة عالية بالقرب من وادي كابل، من أشهر حكامها: سبكتكين بن ألب وولده محمود الغزنوي الذي عُرف بلقب "الغازي" لكثرة فتوحاته، ومن أشهر العلماء البارزين فيها الفيلسوف الرياضي المؤرخ أبو الريحان البيروني 440 ه/ 1048 م. انتهت مدتها سنة 582 ه/ 1186 م. ينظر: مصطفى عبد الكريم الخطيب، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416 ه/ 1996 م)، ص 331.
  4. ناصر خسرو، ص 11. يطلق اسم سلاجقة على فرع من الأتراك الغز، يُنسبون إلى جد مؤسس اسمه سلجوق بن تقاق، عاشوا أول أمرهم في تركستان ثم استقرّوا ببخارى ومنها سيطروا على خراسان فقضوا على مؤامرة الزعيم البويهي البساسيري التي استهدفت إدخال بغداد تحت لواء الخلافة الفاطمية، وتمكنوا فيما بعد من إقامة دولتهم السلجوقية على حساب البيزنطيين في آسيا الصغرى سنة 471 ه/ 1078 م على يد سليمان قتلمش وعرفت بعض فترات الازدهار. من أشهر أعلامها الوزير نظام الملك أبو محمد الحسن، وأبو حامد الغزالي، وعمر الخيام، وناصر خسرو. لمزيد من المعلومات، ينظر: أبو الحسن علي بن أبي الكرم عز الدين بن الأثير، الكامل في التاريخ، مراجعة وتصحيح محمد يوسف، الدقاق، مج 8 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 ه/ 1987 م)، ص 236 وما بعدها؛ الحسيني صدر الدين بن علي، كتاب أخبار الدولة السلجوقية، تصحيح محمد إقبال (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1404 ه/ 1984 م)؛ الخطيب، ص 254.
  5. المرجع نفسه، ص 26 – 29.
  6. هو أبو معين الدين ناصر خسرو القبادياني المروزي. ولد في قباديان بإيران عام 394 ه لأسرة متوسطة الحال. التحق بخدمة الغزنويين الذين كانوا يحكمون معظم مناطق فارس إلى بداية القرن الخامس الهجري. شغل مناصب حكومية مهمة في الدولة الغزنوية بحيث تولى خطة الإنشاء، وكان من المتصرفين في أموال السلطان وأعماله. وبعد مجيء السلاجقة وحكمهم لإيران، التحق خسرو بالعمل في خدمتهم، فاشتغل بالديوان في عهد الأمير جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق حاكم خراسان. كان ناصر خسرو واسع الاطلاع، انكب على قراءة الفلسفة والحكمة وبحث في الأديان، وعرف بكونه شاعرًا.

التي زارها. كما يزخر نص الرحلة بأسماء آخرين لم يعاصرهم وأورد بشأنهم، إشارات تاريخية قيمة استقى بعضها تارةً من أفواه رجال ثقات لقيهم في أثناء وجوده في المناطق التي كانت خاضعة لأولئك الحكام، واعتمد في بعضها طورًا على ما كانت تختزنه ذاكرته من

معلومات تاريخية حولهم، أو على ما اطلع عليه في مصادر مكتوبة. ولم يثنِه قربه من الحدث أو معاصرته لبعض الحكام والأمراء عن التعبير عن رأيه في عدد من الأمور المرتبطة بسياساتهم والتعليق على بعض الأحداث وإبداء رأيه فيها؛ مما يعني أن التفاعل الآني مع الحدث كان مطروحًا منذ القديم. حظيت مصر بالنصيب الأوفر مما دوّنه خسرو عن البلدان والأقطار التي زارها في رحلته. واستأثر السلطان الفاطمي المستنصر

بأكبر حصة في هذا الباب؛ بحيث ضمّت رحلته معلومات عنه تدل على أن المؤلف شاهده عيانًا، وذلك بمناسبة وصفه لفتح الخليج11،

يقول واصفًا إياه: "شاب كامل الجسم، طاهر الصورة، من أبناء أمير المؤمنين حسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما [هكذا]. كان حليق شعر الرأس، يركب على بغل ليس في سرجه أو لجامه حلية، فليس عليه ذهب أو فضة. وقد ارتدى قميصًا

أبيض، عليه 'فوطة' فضفاضة، كالتي تلبس في بلاد المغرب، والتي تسمى في بلاد العجم 'دراعة'12، وقيل إن اسم هذا القميص 'الدبيقي'13 [...] وكان على رأسه عمامة من لونه، ويمسك بيده سوطًا ثمينًا "14. إن ما يلفت انتباه القارئ إضفاء خسرو لقب إمارة المؤمنين على الحسين بن علي بن أبي طالب، وإتباعه بالتصلية عليهما محاولة منه للسير على خطى من استماتوا ويستميتون من أجل إقناع الناس بانحدار الفاطميين من الأسرة النبوية الشريفة؛ أي بالأصل الشريف للفاطميين، ولإضفاء الشرعية على حكمهم. وقد وُصف المستنصر بأنه "شاب كامل الجسم" من دون إعطاء أي معلومة عن عمره. فكم كان عمره حينما رآه؟ يمكن الإجابة

بشكل تقريبي عن هذا السؤال باستحضار ما يلي: إذا علمنا أن هذا الأخير تولى الحكم خلفًا لوالده الظاهر لإعزاز دين الله وهو ابن سبع سنوات في النصف من شعبان سنة 427 ه/ 1036 م، وأن وفاته كانت في سنة 487 ه/ 1094 م، وأن السنة التي رآه فيها المؤلف بمناسبة يوم عيد ركوب السلطان لفتح الخليج تقع في المرحلة الثانية من رحلته، وهي المرحلة التي استقر فيها بمصر، ودامت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر15؛ فإذا استحضرنا كل هذه المعطيات التاريخية، أمكننا استخلاص أن عمر المستنصر كان يراوح بين 19 و 22 سنة.

ثانيًا: جوانب من سياسته الداخلية

1. انتشار العدل والأمن

يقول ناصر خسرو: "وقد رأيت الأمن والعدل، فيما رأيت من بلاد العرب والعجم في أربعة مواضع: الأول بالدشت أيام لشكر خان، والثاني في الديلم أيام أمير الأمراء جستان بن إبراهيم، والثالث بمصر أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين، والرابع بطبس أيام الأمير أبي الحسن كيلكي بن محمد، فلم أسمع على كثرة ما سافرت بمثل ما في هذه الجهات من الأمن ولم أره"16. إن ما يهمنا في هذا النص

11  يسمى "عيد ركوب فتح الخليج". خسرو، ص 93. 12  جبة فضفاضة مشقوقة المقدم من النحر إلى أسفل، بأزرار وعُرى.

13  نسبة إلى دبيق "بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر تنسب إليها الثياب الدبيقية". ياقوت الحموي، معجم البلدان، مج 2 (بيروت: دار صادر،

1397 ه/ 1977 م)، ص 438. 14  خسرو، ص 96. 15  من 7 صفر 439 ه إلى أواخر جمادى الثاني 442 ه. ينظر: خسرو، ص 19. (مقدمة المحقق.) 16  المرجع نفسه، ص 156.

  1. يسمى "عيد ركوب فتح الخليج". خسرو، ص 93.
  2. جبة فضفاضة مشقوقة المقدم من النحر إلى أسفل، بأزرار وعُرى.
  3. نسبة إلى دبيق "بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر تنسب إليها الثياب الدبيقية". ياقوت الحموي، معجم البلدان، مج 2 (بيروت: دار صادر، 1397 ه/ 1977 م)، ص 438.
  4. خسرو، ص 96.
  5. من 7 صفر 439 ه إلى أواخر جمادى الثاني 442 ه. ينظر: خسرو، ص 19. (مقدمة المحقق.)
  6. المرجع نفسه، ص 156.

حديث صاحب الرحلة عن الأمن والعدل بمصر في عهد المستنصر بحيث قدم صورة إيجابية عن حسن سياسته للرعية، وأكد ذلك في موضع آخر بقوله: "بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد أن البزازين وتجار الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم، بل يسدلون عليها الستائر. ولم يكن أحد يجرؤ على مد يده إلى شيء منها"17. وقد أورد أمثلة أخرى تؤكد ذلك18. وذكر أن علاقة السلطان بالناس كانت تطبعها الثقة، "فلا يخشون الجواسيس ولا الغمازين، معتمدين على أن السلطان لا يظلم أحدًا ولا يطمع في مال أحد"19. وفي السياق ذاته ذكر المؤلف أنه رأى في مصر نصرانيًا ثريًا يملك من السفن والأموال والأملاك الشيء الكثير. وحدث في

إحدى السنوات أن كان النيل ناقصًا وعزّت الغلة، "فأرسل الوزير إلى هذا النصراني، وقال: 'ليست السنة رخاء، والسلطان مشفق على

الرعية، فأعطِ ما استطعت من الغلة، إما نقدًا وإما قرضًا'، قال النصراني: 'أسعد الله السلطان والوزير، إن لدي من الغلة ما يمكنني من

إطعام أهل مصر [يقصد مدينة مصر أي القاهرة] الخبز ست سنوات"'20. وقد ربط المؤلف بين العدل والأمن والثروة حينما علق على هذا السلوك قائلً: "وكل من يستطيع الحكم يدرك كم ينبغي أن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذا المقدار، وأي سلام كانت فيه الرعية، وأي عدل كان للسلطان، بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر، لم يكن السلطان يظلم أو يجور على أحد، ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئًا مما يملك"21. ومن نتائج انتشار الأمن والعدل في عهده، سيادة التسامح الديني بين أتباع مختلف الديانات الموجودة بمصر، وترسيخ التضامن بينهم؛ الأمر الذي تجلى بشكل واضح في التحالف الذي كان يحصل كلما تطلبت الظروف ذلك بين الحكام والأغنياء لحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من دون اعتبار للعرق أو للدين أو للمذهب، وهي سياسة نهجها الفاطميون لتوطيد سيطرتهم على البلاد والحيلولة دون قيام الانتفاضات والثورات. ويُستشف من إحدى الإشارات أنه عقد مقارنة بين ما شاهده من غنى وأمن بمصر وبين ما عهده بموطنه الأصلي حينما قال: "ورأيت

أمو لً يملكها بعض المصريين لو ذكرتها أو وصفتها لما صدقني الناس في فارس، فإني لا أستطيع أن أحدد أموالهم أو أحصرها. أما الأمن

الذي رأيته هناك فإني لم أره في بلد من قبل"22. فعلى الرغم مما قد تحمله مثل هذه الإشارة من انحياز، فإنها تفيد بحسب شهادته في تعرف أن أوضاع الناس المادية وعلاقة الأغنياء بالحكام في فارس كانت مختلفة عما كانت عليه الأحوال بمصر أيام زيارته لها.

2. السياسة الضريبية

ألقى المؤلف الضوء في أكثر من موضع في هذه الرحلة على طرق تحصيل الخراج والضرائب في مصر، ونوه بها من خلال إقامة مقارنات بينها وبين ما كان معمولً به في بلدان أخرى بشكل مباشر أو مضمر. وفي هذا الخصوص، ذكر أنه سمع من مصادر موثوق بها أن مقدار ما كان يصل إلى خزانة المستنصر ألف دينار مغربي يوميًا من تنيس23، وأن هذا المقدار كان يصل مرة واحدة

"يحصله شخص واحد، يسلمه أهل المدينة إليه في وقت معين، وهو يسلم للخزانة، فلا يتأخر منه شيء. ولا يجبى شيء بالعنف من أي شخص"24.

17  المرجع نفسه، ص 108. 18  المرجع نفسه، ص 108  -  109. 19  المرجع نفسه، ص 105. 20  المرجع نفسه، ص 106. 21  المرجع نفسه. 22  المرجع نفسه، ص 105  -  106. 23  للوقوف على أهمية تنيس الاقتصادية ومصادر الجباية التي كان تصل منها إلى خزينة السلطان، ينظر: خسرو، ص 76 - 80؛ الحموي، مج 2، ص 51  -  54. 24  المرجع نفسه، ص 79.

  1. المرجع نفسه، ص 108.
  2. المرجع نفسه، ص 108  -  109.
  3. المرجع نفسه، ص 105.
  4. المرجع نفسه، ص 106.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ص 105  -  106.
  7. للوقوف على أهمية تنيس الاقتصادية ومصادر الجباية التي كان تصل منها إلى خزينة السلطان، ينظر: خسرو، ص 76 - 80؛ الحموي، مج 2، ص 51  -  54.
  8. المرجع نفسه، ص 79.

وفي شأن الخراج، استرعى إعجابه عادة وسنة استنها المصريون في استخراج خراجها وجباية أموالها منذ عهد الفراعنة، وما زالت مستمرة إلى وقت زيارة المؤلف؛ ويتعلق الأمر بفيضان النيل وعلاقته بجباية الخراج. ذلك أنه حين تبلغ زيادة النيل "ذراعًا كاملً تضرب البشائر ويفرح الناس، حتى تبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعًا، وهي الزيادة المعهودة، يعني أنه كلما قلت الزيادة عن ذلك، قيل إن النيل ناقص، فتصدقوا ونذروا النذور وعلاهم الغم. فإذا زاد عن هذا القدر فرحوا وأظهروا الغبطة"25. ومما نوه به في هذا السياق أن السلطان الفاطمي لا يأخذ الخراج ولا يطالب الناس بشيء ما لم يصل الارتفاع إلى ثمانية عشر ذراعًا26. وفي هذا دليل على اهتمام المستنصر بأحوال الناس ورعاية مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية بحسب صاحب الرحلة؛ وذلك عبر التخفيف عنهم بعدم ربط تحصيل الضرائب بالزمن؛ أي الموسم، بل بالحدث؛ أي بالواقع27. ومن بين الضرائب التي استرعت انتباهه أيضًا، تلك التي كانت مفروضة على ما يستخرجه الباحثون في تلال مصر ومحاجرها من الدفائن والكنوز، وكان يطلق عليهم اسم "المطالبين"28، بحيث كان السلطان يأخذ "خمس ما يكشفه المطالب والباقي له"29. ويستشف من إحدى الإشارات أن قيمة ما كان يستخرج منها كانت كبيرة بدليل تعيين رجل يشرف على المطالبين، وأن هؤلاء كانوا يجنون أمو لً وثروات عظيمة من هذه الخطة30. ولم يقتصر أمر الاشتغال بهذا الوجه من أوجه الكسب على أهل مصر، بل كان يأتي لهذا الغرض رجال من المغرب والشام حيث كان الاعتقاد سائدًا بأن أموال فرعون مدفونة في هذه

المواضع31. وانبهر صاحب الرحلة أيضًا بطريقة معاملة المستنصر للصناع وللناس جميعًا، فقد كان تعجّبه كبيرًا من حرصه على أن يتوصل

الصناع بما يستحقون من أجر لقاء ما ينسجونه له من قصب وبوقلمون32، وكان أشد حرصًا على دفع الثمن كاملً، وكانوا يعملون ذلك

بمحض إرادتهم وبرضاهم بعيدًا عن أعمال السخرة التي كانت في بلدان أخرى مفروضة عليهم من الديوان في مثل هذه الحالة.

25  المرجع نفسه، ص 81. 26  المرجع نفسه، ص 81  -  82. 27  تشير المصادر إلى أن الفاطميين منذ دخولهم مصر أبدعوا في موضوع تدبير فيضان النيل بنهج سياسة تتسم بكثير من الحيطة والحذر، وذلك لما لهذا المعطى الطبيعي

من تأثير في أوضاع مصر الاقتصادية والاجتماعية؛ يقول المقريزي: "ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق [ت. 387 ه/ 997 م]، في

سيرة المعز لدين الله، قال: وفي هذا الشهر (يعني شوال سنة اثنين وستين وثلاثمائة) منع المعز لدين الله من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى القائد

جوهر، فلما تم أباح النداء (يعني لما تم ستة عشرة ذراعًا) وكسر الخليج". وعلق المقريزي على فوائد إخفاء مقدار مياه النيل عن عامة الناس تعليقًا بديعًا قال فيه: "فتأمل،

ما أبدع هذه السياسة، فإن الناس دائمًا إذا توقف النيل في أيام زيادته أو زاد قليلً يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون

من بيعها رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة، إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فإن زاد الماء انحل السعر، وإلا كان

الجدب والقحط [...] ففي كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة وأجل عائدة". المقريزي، ج 1، ص 178. 28  المرجع نفسه، ص 113؛ بهيني، ص 19؛ تناول عبد الرحمن بن خلدون، في إطار نقده لهذا الوجه من وجوه الكسب، سبب ظهور أمر المَطالب والكنوز في مصر في

فصل عنونه بما يلي: "فصل في أن ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي". ينظر: عبد الرحمنبن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر،

1423 ه/ 2004 م)، ص 402 - 406؛ المسعودي أبو الحسن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي، ج 1 (بيروت: المكتبة العصرية،

1425 ه/ 2005 م)، ص  274 - 276؛ يقول المسعودي: "ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن [والبنيان] وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض وغيرهم

من الأمم ممن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية". المسعودي، ج 1، ص 274. 29  خسرو، ص 114. 30  المرجع نفسه، ص 114؛ يقول في هذا الصدد متحدثًا عن المسمى عمدة الدين خادم السلطان الفاطمي المستنصر وكان أمير المطالبين في عهده: "وكان عظيم

الجاه [...] وكانت أمواله من الكثرة بحيث استغرق نقلها من خزائنه إلى خزائن السلطان شهرين". المرجع نفسه، ص 113  -  114. ويذكَر أن أحمد بن طولون هو أول من

عيّن رجلً من عنده يكون مشرفًا على المطالبين. يقول تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في هذا الصدد: "وركب أحمد بن طولون يومًا إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم

عليهم ثياب صوف، ومعهم المساحي والمعاول، فسألهم عما يعملون، فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا بعدها إلا بمشورتي أو رجل من قبلي".

ينظر: المواعظ والاعتبار، ج 1، ص 128. 31  خسرو، ص 113 - 114؛ بهيني عبد المجيد، ص 19  -  20. 32  يتعلق الأمر بقماش ذهبي يتغير لونه بتغير ساعات النهار. ينظر: خسرو، ص 77.

  1. المرجع نفسه، ص 81.
  2. المرجع نفسه، ص 81  -  82.
  3. تشير المصادر إلى أن الفاطميين منذ دخولهم مصر أبدعوا في موضوع تدبير فيضان النيل بنهج سياسة تتسم بكثير من الحيطة والحذر، وذلك لما لهذا المعطى الطبيعي من تأثير في أوضاع مصر الاقتصادية والاجتماعية؛ يقول المقريزي: "ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق [ت. 387 ه/ 997 م]، في سيرة المعز لدين الله، قال: وفي هذا الشهر (يعني شوال سنة اثنين وستين وثلاثمائة) منع المعز لدين الله من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى القائد جوهر، فلما تم أباح النداء (يعني لما تم ستة عشرة ذراعًا) وكسر الخليج". وعلق المقريزي على فوائد إخفاء مقدار مياه النيل عن عامة الناس تعليقًا بديعًا قال فيه: "فتأمل، ما أبدع هذه السياسة، فإن الناس دائمًا إذا توقف النيل في أيام زيادته أو زاد قليلً يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السعر، ويجتهد من عنده مال في خزن الغلة، إما لطلب السعر، أو لطلب ادخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فإن زاد الماء انحل السعر، وإلا كان الجدب والقحط [...] ففي كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة وأجل عائدة". المقريزي، ج 1، ص 178.
  4. المرجع نفسه، ص 113؛ بهيني، ص 19؛ تناول عبد الرحمن بن خلدون، في إطار نقده لهذا الوجه من وجوه الكسب، سبب ظهور أمر المَطالب والكنوز في مصر في فصل عنونه بما يلي: "فصل في أن ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي". ينظر: عبد الرحمنبن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، 1423 ه/ 2004 م)، ص 402 - 406؛ المسعودي أبو الحسن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي، ج 1 (بيروت: المكتبة العصرية، 1425 ه/ 2005 م)، ص  274 - 276؛ يقول المسعودي: "ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن [والبنيان] وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية". المسعودي، ج 1، ص 274.
  5. خسرو، ص 114.
  6. المرجع نفسه، ص 114؛ يقول في هذا الصدد متحدثًا عن المسمى عمدة الدين خادم السلطان الفاطمي المستنصر وكان أمير المطالبين في عهده: "وكان عظيم الجاه [...] وكانت أمواله من الكثرة بحيث استغرق نقلها من خزائنه إلى خزائن السلطان شهرين". المرجع نفسه، ص 113  -  114. ويذكَر أن أحمد بن طولون هو أول من عيّن رجلً من عنده يكون مشرفًا على المطالبين. يقول تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في هذا الصدد: "وركب أحمد بن طولون يومًا إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب صوف، ومعهم المساحي والمعاول، فسألهم عما يعملون، فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا بعدها إلا بمشورتي أو رجل من قبلي". ينظر: المواعظ والاعتبار، ج 1، ص 128.
  7. خسرو، ص 113 - 114؛ بهيني عبد المجيد، ص 19  -  20.
  8. يتعلق الأمر بقماش ذهبي يتغير لونه بتغير ساعات النهار. ينظر: خسرو، ص 77.

ويبدو أن مدعاة هذا الإعجاب تكمن في أن خسرو لم يعهد مثل هذه المعاملة بموطنه الأصلي، ولا في البلاد الأخرى التي زارها في أثناء قيامه بهذه الرحلة، حيث كان الديوان والسلطان يفرضان "السخرة على الصناع"33.

3. سياسة التحكم في القطاعات الحيوية

تحدث المؤلف عن امتلاك المستنصر عددًا لا يحصى من البيوت في القاهرة ومصر، وذكر أنه كان - بحسب ما تنامى إلى سمعه - "يؤجرها ويحصل أجرتها كل شهر. يؤجرها للناس برغبتهم ثم يتقاضون الأجر فلا يجبر شخصًا على شيء"34. ويستفاد مما جاء في مواضع أخرى أنه كان يملك عددًا كبيرًا من الدكاكين والحمامات والأربطة في القاهرة35، وكثيرًا من السفن بتنيس36 وطرابلس37

التي كانت "تسافر إلى بلاد الروم وصقلية والمغرب للتجارة"38. وهذا يعني أنه كان مستأثرًا بعدد من القطاعات الحيوية التي كان من

شأنها تمكينه من إثبات قبضته على زمام الأمور السياسية، والتحكم في تدبير شؤون الناس، وتمويل البعثات الدعوية السياسية لنشر التشيع في بلدان أخرى وترسيخه في الأقاليم المنتشر بها. وفي هذا الإطار انتبه خسرو إلى وجود "طبقات أخرى من الرجال من ذوي الفضل والأدباء والشعراء والفقهاء" الذين كان الفاطميون يخصصون لهم بمناسبة يوم فتح الخليج المنوه بها أرزاقًا معينة39. واعتبارًا لمكونات هذه الطبقة وطبيعة وظائفها، من غير المستبعد أن يتعلق الأمر بجهاز دعوي مهمته العمل على نشر المذهب

الشيعي، وهي مهمة أثبتت الأحداث التاريخية سابقًا وراهنًا أنها تتطلب تنظيمًا دقيقًا وإمكانات مالية ضخمة لا يمكن تأمينها إلا بوجود

نظام سياسي ممركز يتحكم في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية على غرار ما وصف به صاحب الرحلة سياسة المستنصر لمصر.

ثالثًا: السياسة الخارجية

1. انتفاضة سياسية خارج مصر

من الأحداث السياسية التي وصل خبرها إلى مصر في أثناء وجود ناصر خسرو بها والتي ذكرها في متن رحلته، عصيان حاكم حلب معز الدولة أبي علوان ثمال بن صالح بن مرداس (433 - 448 ه)40 على المستنصر. يقول: "في سنة إحدى وأربعين وأربعمئة (1049 م)، وأنا بمصر، جاء الخبر أن ملك حلب قد شق عصا الطاعة على السلطان، وكان تابعًا له، وكان آباؤه ملوكًا على حلب [...] وكان للسلطان خادم اسمه عمدة الدولة [...]، قصارى القول إن السلطان بعث هذا الخادم إلى حلب، وأمده بقوة ليشد أزره، وأعطاه كل ما ينبغي للملوك من الدهاليز والسرر [...]، ولما قتل عمدة الدولة خاف ملك حلب أن يرسل له السلطان جيشًا، فبادر بإرسال ابنه

33  يقول في هذا السياق: "وما ينسج للسلطان من القصب والبوقلمون يدفع ثمنه كاملً، بحيث يعمل الصناع برضاهم للسلطان، لا كما في البلاد الأخرى حيث يفرض

الديوان والسلطان السخرة على الصناع". المرجع نفسه، ص 79. 34  المرجع نفسه، ص 89. 35  المرجع نفسه، ص 88. 36  في خضم وصفه لتنيس، يقول المؤلف: "ويرابط حولها، دائمًا، ألف سفينة، منها ما هو للتجار وكثير منها للسلطان". المرجع نفسه، ص 79.

37  كانت طرابلس تابعة لسلطان مصر. ينظر: المرجع نفسه، ص 48. 38  المرجع نفسه. 39  المرجع نفسه. 40  ابن العديم كمال الدين، زبدة الحلب من تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، ج 1 (دمشق: منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1370 ه/ 1951 م)،

ص 260.

  1. يقول في هذا السياق: "وما ينسج للسلطان من القصب والبوقلمون يدفع ثمنه كاملً، بحيث يعمل الصناع برضاهم للسلطان، لا كما في البلاد الأخرى حيث يفرض الديوان والسلطان السخرة على الصناع". المرجع نفسه، ص 79.
  2. المرجع نفسه، ص 89.
  3. المرجع نفسه، ص 88.
  4. في خضم وصفه لتنيس، يقول المؤلف: "ويرابط حولها، دائمًا، ألف سفينة، منها ما هو للتجار وكثير منها للسلطان". المرجع نفسه، ص 79.
  5. كانت طرابلس تابعة لسلطان مصر. ينظر: المرجع نفسه، ص 48.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه.
  8. ابن العديم كمال الدين، زبدة الحلب من تاريخ حلب، تحقيق سامي الدهان، ج 1 (دمشق: منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1370 ه/ 1951 م)، ص 260.

وهو في السابعة من عمره مع زوجه41، ومعهما كثير من التحف والهدايا للسلطان، وذلك ليعتذرا عما فعل. فلما جاءا مكثا ما يقرب من شهرين خارج مصر، ولم يؤذن لهما بالدخول، ولم تقبل تحفهما إلى أن شفع لهما الأئمة والقضاة عند السلطان، وتوسلوا إليه أن يقابلهما، ففعل ثم رجعا بالتشريف والخلع"42. وقد أورد كمال الدين بن العديم معلومات مفصلة ودقيقة عن أسباب هذا الحدث، تختلف عما جاء في النص المذكور بخصوص استقبال المستنصر لزوجة معز الدولة43. ويعتبر هذا التمرد أحد التحديات الخارجية البارزة التي شهدها عهده، ويفهم من النص أن نفوذ الخلافة الفاطمية السياسي كان ممتدًا زمن زيارة المؤلف لمصر إلى شمال بلاد الشام. كما أنه يميط اللثام عن المكانة التي كانت للأئمة والقضاة لدى الفاطميين، وعن أدوارهم السياسية الوازنة التي كانوا يضطلعون بها إلى جانب المسؤوليات القضائية والفكرية والدينية والمذهبية والدعوية التي كانت منوطة بهم.

2. محاولة استكشاف منابع النيل

بسبب الأهمية القصوى التي يمثلها وادي النيل بالنسبة إلى الاقتصاد المصري وما يستتبع ذلك من نتائج سياسية واجتماعية، أورد صاحب الرحلة معلومة تاريخية قيمة تلقّاها سماعًا، تفيد أن المستنصر أرسل بعثة في رحلة استكشافية لمحاولة معرفة مكان منابعه. وقد دامت هذه الرحلة سنة كاملة، "ولكن أحدًا لم يعرف حقيقة منبعه"44. وقد يستشف من مثل هذه الإشارة أن حكام مصر لم يخفوا رغبتهم في التوسع جنوبًا على حساب البلدان التي يمر عبرها النهر في محاولة للسيطرة عليها، أو على الأقل للحفاظ على

العلاقات الطيبة التي كانت تجمع مصر بتلك البلدان. يتضح ذلك من فحوى النص الذي يتحدث فيه المؤلف عن ولاية النوبة، قائلً: "وعلى مسافة أربعة فراسخ من هذه المدينة [أسوان] طريق ولاية النوبة، وهي ولاية أهلها جميعًا من النصارى. ويرسل ملوكها، من

قديم، الهدايا لسلطان مصر. وبين البلدين عهود ومواثيق، فلا يذهب جيش السلطان هناك، ولا يؤذي أهلها"45. وبموازاة العلاقات السياسية الطيبة، كانت هنالك علاقات تجارية تجمع بين الطرفين، حيث كان التجار المصريون زمن الرحلة يبيعون الخرز والأمشاط والمرجان، ويجلبون من النوبة الرقيق والقمح والذرة46.

3. البعثات

من المعلومات النادرة التي انفرد ناصر خسرو بتسجيلها، تلك التي تتعلق بوجود فرقة تتألف من أبناء ملوك وأمراء جاؤوا إلى مصر "من المغرب واليمن والروم وبلاد الصقالبة والنوبة والحبشة [...] وأولاد ملوك الكرج، وأبناء ملوك الديلم، وأبناء خاقان تركستان"47 بمناسبة يوم عيد ركوب السلطان لفتح الخليج. ويبدو أن الأمر، بحسب نص الرحلة، يتعلق بالبعثات التي كانت تفد على مصر من أطراف العالم للتوسع في معرفة المذهب الفاطمي48.

41  وتدعى علوية بنت وتُعرف ب "السيدة"، ينظر: ابن العديم، ج 1، ص 267.

42  خسرو، ص 113  -  114. 43  ينظر: ابن العديم، ج 1، ص 263  -  268. 44  خسرو، ص 81. 45  المرجع نفسه، ص 116. 46  المرجع نفسه، ص 81. 47  المرجع نفسه. 48  المرجع نفسه، ص 95، الهامش 2.

  1. وتدعى علوية بنت وتُعرف ب "السيدة"، ينظر: ابن العديم، ج 1، ص 267.
  2. خسرو، ص 113  -  114.
  3. ينظر: ابن العديم، ج 1، ص 263  -  268.
  4. خسرو، ص 81.
  5. المرجع نفسه، ص 116.
  6. المرجع نفسه، ص 81.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه، ص 95، الهامش 2.

وقد يفهم من النص أن حضور هذه البعثات يدخل ضمن إجراء سياسي دأب الحكام الفاطميون على القيام به في كل سنة لقياس مستوى العلاقات التي كانت تربط بين مصر وبين هذه الدول، ثم بينها وبين البلدان التي كان المذهب الشيعي منتشرًا فيها، وبينها أيضًا وبين الأقاليم التي كانت خاضعة لها سياسيًا ومذهبيًا. ويظهر أن مصاريف تنقّل هذه الوفود كانت على حساب الدولة المستقبلة، وهو ما قد يستشف من الفقرة التي تقول: "ولا يقل رزق الواحد من أبناء الأمراء عن خمسمئة دينار، وقد يبلغ الألفين، وليس لهم عمل إلا أن يذهبوا ليسلموا على الوزير حين يركب ثم يعودون"49. ومن غير المستبعد أن يكون طول المسافة التي تفصل بين مصر - مركز التشيع آنذاك - وبين تلك البلدان، ودرجة خضوع كل منها مذهبيًا لحكام مصر، هما المفسرين لذلك التمييز الحاصل في أرزاق أبناء الأمراء المخصصة لهم برسم هذه المناسبة.

رابعًا: مكونات الجيش الفاطمي

تحتوي الرحلة معلومات دقيقة ومفصلة عن الجيش الفاطمي، وعن عدد العناصر المكونة لكل فرقة؛ حيث ذكر المؤلف أنه كان مكونًا من الفرق التالية: فرقة تسمى "الكتاميين": وأصلهم من القيروان، رافقوا المعز لدين الله في أثناء انتقاله منها إلى مصر، وعددهم، بحسب ما سمعه، عشرون ألف فارس50. فرقة تسمى "الباتليين"51: وأصلهم من المغرب، دخلوا مصر قبل انتقال السلطان المعز لدين الله إليها، وعددهم، بحسب ما تنامى إلى سمعه، خمسة عشر ألف فارس52، قدموا مع جوهر الصقلي. ويعتقد – بحسب ما ذكره تقي الدين المقريزي  - أن سبب تلك التسمية يعود إلى أنهم لم يحضروا تقسيم المعز لدين الله للأموال التي وزعها على الجند بعد قدومه إلى مصر، وعندما طالبوا منحهم مخصصاتهم لم ينالوا شيئًا فقالوا: "رحنا في الباطل"53، فأطلق عليهم لقب "الباطلية "54. فرقة تسمى "المصامدة" (عشرون ألف رجل): يتميزون ببشرتهم السوداء55. تنتمي هذه الفرقة "إلى قبيلة مصمودة، وهي إحدى قبائل بربر البرانس. وقد شاركت أعداد كبيرة منهم في الفتح الفاطمي لمصر، كما أدّوا دورًا هامًا في فتح بلاد الشام. ولم تشر المصادر إلى حجم أعدادهم"56، لكن المؤكد أن أعدادهم كانت كبيرة مثلما تدل على ذلك إشارة خسرو السالفة.

49  المرجع، ص 95. 50  المرجع نفسه، ص 94؛ لمزيد من المعلومات حول تاريخ هذه الفرقة، ينظر: المنتشري عبده مرعي، "النظم والتراتيب العسكرية في الجيش الفاطمي (358 / 867 ه)

(969 / 1171 م)، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز سعود، المملكة العربية السعودية، 1438 ه/ 2017 م، ص 22  -  26. 51  لعل الأمر يتعلق هنا ب "الباطلية". ينظر: خسرو، ص 100، الهامش 2. 52  المرجع نفسه، ص 94. 53  المقريزي، المواعظ والاعتبار، نقلً عن: المنتشري، ص 28. 54  ذكر ابن عبد الظاهر محيي الدين أبو الفضل عبد الله المصري، أنه كانت لهم حارة في القاهرة حملت اسمهم. ينظر: الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية

القاهرة، حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور أيمن فؤاد سيد (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 1417 ه/ 1996 م)، ص 42. 55  خسرو، ص 94. 56  المنتشري، ص 26.

  1. المرجع، ص 95.
  2. المرجع نفسه، ص 94؛ لمزيد من المعلومات حول تاريخ هذه الفرقة، ينظر: المنتشري عبده مرعي، "النظم والتراتيب العسكرية في الجيش الفاطمي (358 / 867 ه) (969 / 1171 م)، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز سعود، المملكة العربية السعودية، 1438 ه/ 2017 م، ص 22  -  26.
  3. لعل الأمر يتعلق هنا ب "الباطلية". ينظر: خسرو، ص 100، الهامش 2.
  4. المرجع نفسه، ص 94.
  5. المقريزي، المواعظ والاعتبار، نقلً عن: المنتشري، ص 28.
  6. ذكر ابن عبد الظاهر محيي الدين أبو الفضل عبد الله المصري، أنه كانت لهم حارة في القاهرة حملت اسمهم. ينظر: الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة، حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور أيمن فؤاد سيد (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 1417 ه/ 1996 م)، ص 42.
  7. خسرو، ص 94.
  8. المنتشري، ص 26.

فرقة تسمى "المشارقة" (عشرة آلاف رجل): تتألف من عناصر تركية وعجمية (الديلم والأرمن والأكراد)57، اصطنعها الفاطميون في مصر، وأكثرهم وُلد فيها، وقد اشتقت التسمية من الأصل، وكانوا يتميزون بضخامة الأجسام58. فرقة تسمى "عبيد الشراء" (ثلاثون ألف رجل): وهم عبيد مشترون59. أصلهم من بلاد النوبة وإثيوبيا. وكان الحاكم بأمر الله الفاطمي أول من جعل السودانيين من مكونات الجيش التي يعتمد عليها. وقد أصبحوا يمثلون في عهد المستنصر أهم عناصر الجيش الفاطمي كما تدل على ذلك إشارة ناصر خسرو السالفة60. فرقة تسمى "البدو" (خمسون ألف رجل): أصلهم من الحجاز، وقد اشتهروا بالرماية61. فرقة تسمى "الأستاذين" (ثلاثون ألف فارس): تتألف من خدم بيض وسود اشتروا للخدمة62. يشكل الصقالبة الغالبية العظمى منهم، وهم خدم دورهم مرافقة الخليفة أينما حل وارتحل، وكانوا يشكلون الفئة الأولى من خواصه والمقربين منه. وقد انفرد مؤلف الرحلة بذكر عدد هذه الفرقة؛ إذ لم ترد في المصادر التاريخية الأخرى أي إشارة إلى عددها. فرقة تسمى "السرائيين" (عشرة آلاف رجل): وهم مشاة جاؤوا من كل ولاية، يتولى رعايتهم قائد خاص، يستعمل كل منهم سلاح ولايته63. فرقة تسمى "الزنوج" (ثلاثون ألف رجل): وهم متخصصون في المحاربة بالسيف وحده64. إلى جانب ما سبق، تحدث المؤلف عن مصدر مستحقات الجند المادية، وذكر أن نفقته كانت كلها من مال السلطان، وأن رواتبه لم تكن موحدة؛ بل كان لكل جندي أجر شهري على قدر درجته، وأن دفع هذه المرتبات لا يقع على أي أحد من الرعايا أو العمال؛ لأن هؤلاء كانوا يسلمون لبيت المال أموال ولاياتهم في كل سنة، ويجري صرف رواتب الجند منه في وقت معين بحيث "لا يرهق وال أو أحد من الرعية بمطالبة الجند"65. وبهذا يتبيّن أن التنظيم العسكري الفاطمي كان تنظيمًا محكمًا، وأن المستنصر كان يمسك بدواليب الحكم وبزمام الأمور

تحسبًا للفتن التي قد تنشأ هنا وهناك في حالة ترك تدبير أمر الجيش لعمال الأقاليم، وتحسبًا للثورات التي قد تنجم عن ذلك.

خاتمة

بناء على ما سبق، نستنتج ما يأتي:

57  للتوسع في هذا الموضوع، ينظر: المنتشري، ص 28  -  32. 58  خسرو، ص 94؛ "تم إطلاق لفظة المشارقة في الدولة الفاطمية على العناصر التي استجلبها الخلفاء الفاطميون للجيش الفاطمي بمصر من المناطق الشرقية للعالم

الإسلامي خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين. وقد جاءت هذه اللفظة لتمييز هذه العناصر عن لفظة 'المغاربة' الذين جاؤوا مع الفاطميين من المغرب". المنتشري،

ص 28. 59  خسرو، ص 94. 60  المنتشري، ص 34  -  35. 61  خسرو، ص 94. 62  المرجع نفسه. 63  المرجع نفسه. 64  المرجع نفسه، ص 95. 65  المرجع نفسه.

  1. للتوسع في هذا الموضوع، ينظر: المنتشري، ص 28  -  32.
  2. خسرو، ص 94؛ "تم إطلاق لفظة المشارقة في الدولة الفاطمية على العناصر التي استجلبها الخلفاء الفاطميون للجيش الفاطمي بمصر من المناطق الشرقية للعالم الإسلامي خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين. وقد جاءت هذه اللفظة لتمييز هذه العناصر عن لفظة 'المغاربة' الذين جاؤوا مع الفاطميين من المغرب". المنتشري، ص 28.
  3. خسرو، ص 94.
  4. المنتشري، ص 34  -  35.
  5. خسرو، ص 94.
  6. المرجع نفسه.
  7. المرجع نفسه.
  8. المرجع نفسه، ص 95.
  9. المرجع نفسه.

وتطبيقًا منذ القديم.

المتسمة بالمبالغة والتضخيم.

التاريخية وكتب التراجم التي اهتمت بتاريخ الدولة الفاطمية في مصر.

شهدتهما مصر في عهده.

في مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية.

66  كراتشكوفسكي، ص 259.

لن نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن إشكالية التفاعل آنيًا مع الحدث بالدراسة والتحليل والتأويل كانت حاضرةً موضوعًا وانشغ لً وإجراء لم يكتف المؤلف منهجيًّا بوصف ما شاهده في مصر من أوضاع سياسية واقتصادية؛ بل أبدى رأيه في عدد من الأمور المرتبطة

بسياسة المستنصر الإدارية والضريبية والعسكرية وسجل انطباعه عنها، وعبر عن موقفه الآني منها، من دون ترك مسافة زمنية أحيانًا

بين تاريخ وقوعها وتاريخ قراءتها والتعليق عليها. وكان من نتائج ذلك انطواء النص أحيانًا على بعض المعلومات والأوصاف والآراء

على الرغم من بعض المبالغات التي يتضمنها وصف المؤلف لأوضاع مصر حين زارها، والتي توحي بأنه أضحى من المنافحين عن المذهب الشيعي، بل أحد دعاته المستميتين بمنطقة بدخشان66؛ فإن نص الرحلة يزخر بمعلومات تاريخية غاية في الأهمية عن أحوال مصر في عهد المستنصر، ويكشف النقاب عن عدد من الأخبار والحوادث والأوصاف التي قد لا نجد أثرًا لها في المصادر أشاد المؤلف بسياسة المستنصر الضريبية والمالية (بهدف تلميع صورة الفاطميين الشيعة)، والربط بينها وبين العدل والأمن اللذين

يكمن سرّ تمكّن الدولة وفرض هيبتها في العمل على: إقامة حكم مركزي قادر على جمع مختلف مكونات التشكيلة الاجتماعية

بصرف النظر عن أصولها القومية أو مكانتها الاعتبارية أو الرمزية أو مرجعياتها الدينية، وإنشاء جيش ضخم منظم ومنضبط، والتحكم

  1. كراتشكوفسكي، ص 259.

المراجع

ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم عز الدين. الكامل في التاريخ. مراجعة وتصحيح محمد يوسف الدقاق. بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 ه/ 1987 م. ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، 1423 ه/ 2004 م. ابن عبد الظاهر، محيي الدين أبو الفضل عبد الله المصري. الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة. حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور أيمن فؤاد سيد. القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 1417 ه/ 1996 م. ابن العديم، كمال الدين. زبدة الحلب من تاريخ حلب. تحقيق سامي الدهان. دمشق: منشورات المعهد الفرنسي للدراسات العربية، 1370 ه/ 1951 م. بهيني، عبد المجيد. "البعد التاريخي في وصف رحلة ناصر خسرو 'سفرنامه' (438 - 444 ه/ 1045 - 1052 م): النصوص الأثرية والجغرافية". ندوة: التداخل في العلوم الإنسانية: التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا. تنسيق عبد المجيد بهيني وأحمد المكاوي. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2019. حسين، عاصي. المقريزي مؤرخ الدول الإسلامية في مصر. بيروت: دار الكتب العلمية، 1412 ه/ 1992 م. الحسيني، صدر الدين بن علي. كتاب أخبار الدولة السلجوقية. تصحيح محمد إقبال. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1404 ه/ 1984 م. الحموي، ياقوت. معجم البلدان. بيروت: دار صادر، 1397 ه/ 1977 م. خسرو، ناصر. سفرنامه: رحلة ناصر خسرو إلى لبنان وفلسطين ومصر والجزيرة العربية في القرن الخامس الهجري. نقلها إلى العربية الدكتور يحيى الخشاب. ط 3. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1983. الخطيب، مصطفى عبد الكريم. معجم المصطلحات والألقاب التاريخية. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1416 ه/ 1996 م. كراتشكوفسكي، أغناطيوس يوليانوفتش. تاريخ الأدب الجغرافي العربي. نقله إلى اللغة العربية صلاح الدين عثمان هاشم، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1963. المسعودي، أبو الحسن علي. مروج الذهب ومعادن الجوهر. اعتنى به وراجعه كمال حسن مرعي. بيروت: المكتبة العصرية، 1425 ه/ 2005 م. المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف ب "الخطط المقريزية". تحقيق محمد زينهم ومديحة الشرقاوي. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1998. المنتشري، عبده مرعي. "النظم والتراتيب العسكرية في الجيش الفاطمي (358 / 867 ه) (969 / 1171 م)". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة الملك عبد العزيز سعود. المملكة العربية السعودية. 1438 ه/ 2017 م.