التاريخ الاجتماعي للمغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: أي دور للمخزن في تعميق أزمات المعيشة؟
Social History of 18th- and 19th- Century Morocco: The Role of the Makhzen in Deepening Livelihood Crises
الملخّص
تروم هذه الدراسة الإجابة عن سؤال مركزي هو: هل ساهم تدبير المخزن للأوضاع السياسية في المغرب خلال القرن التاسع عشر في تردي أحوال العامة؟ ولمعالجة هذا الموضوع اعتمدنا النبش والتقصي في المصادر المعاصرة لتجميع شتاته مركّزين على فترتَي حكم السلطانين المولى سليمان والمولى الحسن الأول. فقد اختلفت معالم سياسة المخزن من سلطان إلى آخر، وتبدلت بتبدل الظروف العامة للبلاد، فراوح وقعها على العامة بين الخير العميم والتفقير المدقع. لكن ما كان يميز هذه العلاقة خلال القرن التاسع عشر أنها كانت معقدة، ميّزها تزايد تكالب القوى الاستعمارية الأوروبية، وتزايد الضغوط التي مارستها على المغرب؛ فكان بديهيًا أن تتأثر علاقة المخزن بالسكان؛ إذ ازدادت الجبايات، وتعددت أسماؤها، في وقت ساد فيه القحط، الذي كان مؤديًا في الغالب إلى اشتداد المسغبة، فتمردت القبائل التي توجد في الهامش، وكان ردّ السلاطين تنظيم "حركات" لتأديبها وتحصيل الضرائب والغرامات.
Abstract
The article aims to answer the question: How did the Makhzen's management of the country's political conditions during the 19 th century contribute to the deterioration of public conditions? To address this issue, we have adopted excavation and investigation of time sources to collect its diaspora, focusing on the two reigns of the Sultans, Moulay Suleiman and Moulay Hassan I. The features of the policy of the Makhzen varied from one sultan to another, and changed with the change in the general conditions of the country. However, what distinguished this relationship during the nineteenth century was that it was complex, marked by the increasing intransigence of European colonial powers, and the exacerbation of the pressures that they exercised on Morocco. It was obvious that the relationship of the storehouse with the population was affected, as the levies increased, and their names varied, at a time when they spread in the locality, and the famines that were accompanying them, so the tribes that existed on the margins rebelled, and the response of the sultans was to organize "movements" to discipline the tribes and collect taxes and fines.
- المخزن
- الجباية
- المجاعة
- تصدير الحبوب
- أوروبا
- Makhzen
- Tax Collection
- Famine
- Grain Exports
- Europe
التاريخ الاجتماعي للمغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: أيّ دور للمخزن في تعميق أزمات المعيشة؟ Social History of 18 th- and 19 th- Century Morocco: The Role of the Makhzen in Deepening Livelihood Crises
تروم هذه الدراسة الإجابة عن سؤال مركزي هو: هل ساهم تدبير المخزن للأوضاع السياسية في المغرب خلال القرن التاسع عشر في تردي أحوال العامة؟ ولمعالجة هذا الموضوع اعتمدنا النبش والتقصي في المصادر المعاصرة لتجميع شتاته مركّزين على فترتَي حكم السلطانين المولى سليمان والمولى الحسن الأول. فقد اختلفت معالم سياسة المخزن من سلطان إلى آخر، وتبدلت بتبدل الظروف العامة للبلاد، فراوح وقعها على العامة بين الخير العميم والتفقير المدقع. لكن ما كان يميز هذه العلاقة خلال القرن التاسع عشر أنها كانت معقدة، ميّزها تزايد تكالب القوى الاستعمارية الأوروبية، وتزايد الضغوط التي مارستها على المغرب؛ فكان بديهيًا أن تتأثر علاقة المخزن بالسكان؛ إذ ازدادت الجبايات، وتعددت أسماؤها، في وقت ساد فيه القحط، الذي كان مؤديًا في الغالب إلى اشتداد المسغبة، فتمردت القبائل التي توجد في الهامش، وكان ردّ السلاطين تنظيم "حركات" لتأديبها وتحصيل الضرائب والغرامات.
The article aims to answer the question: How did the Makhzen's management of the country's political conditions during the 19 th century contribute to the deterioration of public conditions? To address this issue, we have adopted excavation and investigation of time sources to collect its diaspora, focusing on the two reigns of the Sultans, Moulay Suleiman and Moulay Hassan I. The features of the policy of the Makhzen varied from one sultan to another, and changed with the change in the general conditions of the country. However, what distinguished this relationship during the nineteenth century was that it was complex, marked by the increasing intransigence of European colonial powers, and the exacerbation of the pressures that they exercised on Morocco. It was obvious that the relationship of the storehouse with the population was affected, as the levies increased, and their names varied, at a time when they spread in the locality, and the famines that were accompanying them, so the tribes that existed on the margins rebelled, and the response of the sultans was to organize "movements" to discipline the tribes and collect taxes and fines.
أستاذ باحث في التاريخ، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، أكادير، المغرب. University Professor at the Centre Régional des Métiers de l’Education et de la Formation, Agadir, Morocco. Email: aitjamal22@yahoo.fr
مقدمة
تطلَق تسمية "المخزن" في المغرب على الأجهزة الإدارية والمراسيم المرتبطة بالسلطة1. كما ارتبطت في أذهان الناس بالخزن،
فالمخزن هو الذي يجمع الضرائب العينية بمختلف مسمياتها ومناسباتها؛ إذ كان الجباة يجمعون كميات هائلة من الحبوب خاصة في
سنوات الخصب، فيتم الاحتفاظ بها في مخازن مدن الرباط وفاس ومراكش، ولا يقوم المخزن بتصريف ما فضل عن استهلاكه إلا بعد
مرور سنوات طويلة، فهو لا يبيع مدخراته إلا في حالة خصاص2 بعد أن تفقد الكثير من جودتها، أو يوزع بعضًا منها زمن المحلة والندرة. لقد عرفت أحوال المغرب خلال القرن التاسع عشر ترديًا كبيرًا، فالضغوط الأوروبية، خاصة المالية منها، انتهت بانهيار أجهزة
المخزن، وبحدوث أزمة اقتصادية خانقة انعكست على الأوضاع الاجتماعية للسكان. لم يجد المخزن من حلٍّ لها إلا بالزيادة في قيمة
الضرائب وتنويع المغارم التي تعددت في وقت كثر فيه تعاقب سنوات الجفاف والقحط، التي كانت مقرونة في الغالب بالوباء، وكانت
"الحركة" وسيلة لتحصيل الجبايات وتأديب القبائل الرافضة أو المتلكئة في أدائها. كل هذا يجعلنا نتساءل: هل ساهمت سياسة المخزن الجبائية في تفقير السكان بسبب كثرة الضرائب والكلف المتعددة
المفروضة عليهم؟ وهل زادت تجاوزات رجالاته3 من معاناة الناس من حيث الكميات المحصلة أو من حيث طرق استخلاصها؟
خاصة أنه كان لزامًا على أهل البادية توفير مؤونة المشاركين في "الحركات" السلطانية، وضمان حسن ضيافة ممثلي المخزن بمختلف
رتبهم عند حلولهم بالقبيلة لمهمة ما أو مرورهم بمجالها، وكانت نوعية الطعام المقدم تختلف تبعًا لنوعية الضيوف4.
أوالً: الحَرْكات السلطانية أداة للتذكير بقوة المخزن
إذا كانت "الحركات" السلطانية معروفة في تاريخ المغرب، فإنها ميزت حكم بعض السلاطين كالمولى سليمان5 والمولى الحسن الأول6، وكانت تأخذ شكلً من أشكال مؤسسات الحكم في المغرب7، وتحتفي بكل مظاهر الفخامة،8 مظهرةً أشكال الهيبة بصورة
مبالغ فيها في غالب الأحيان، فيحضر الإكراه المادي والمعنوي9، منوعًا "آليات الضبط والإخضاع، بالاعتماد على أمور السياسة
1 ﻋﺒﺪ اﷲ اﻟﻌﺮوي، ﻣﺠﻤﻞ تاريخ اﻟﻤﻐﺮب، ج 2 (الدار البيضاء/ بيروت: اﻟﻤﺮﻛﺰ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ اﻟﻌﺮﺑﻲ، 1994)، ص 209 - 210.
2 Nicolas Michel, Une Économie de subsistance, Le Maroc précolonial , tome 2 (Le Caire: L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1997), p. 559.
3 ينظر في هذا الباب ما كتبه: مصطفى فنيتر، "المخزن وقواد البوادي"، في: البادية المغربية عبر التاريخ، تنسيق إبراهيم بوطالب، منشورات كلية الآداب والعلوم
الإنسانية، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 77 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)، ص 73 - 87. 4 فاطمة العيساوي، كلف البوادي في القرن التاسع عشر (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 1999)، ص 141. 5 قاد المولى سليمان خمسة عشر حركة إلى مختلف أطراف المغرب، ينظر: محمد أعفيف، "الحركات الحسنية من خلال مؤلفات ابن زيدان"، مجلة كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، العدد 7 (1981)، ص 51. 6 نظم المولى الحسن الأول حركة واحدة على سوس عندما كان خليفة لوالده بمراكش، وعشرين حركة عندما صار سلطانًا على البلاد حتى وُصف بأن "عرشه كان على
صهوة جواده". لمعرفة أخبار الحركة الأولى، ينظر: محمد زرهوني، العلاقات بين السلطة والسكان بمنطقة طرفي الأطلس الكبير الغربي في أعوام الستين من القرن
التاسع عشر (1280 ه/ 1863 م- 1290 ه/ 1873 م)، سلسلة الأطروحات والرسائل 5 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998)، ص 130 - 149؛
الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (1165 - 1233 ه): تاريخ الدولة السعيدة، تحقيق أحمد العماري (الرباط: نشر دار المأثورات، 1986)، ص 341.
7 Michel, tome 2 , p. 572.
8 شارك في "الحركة" الثانية للمولى الحسن الأول إلى بلاد سوس، التي انطلقت من مراكش في 4 أبريل 1886 م حوالى 40 ألف رجل، وهناك من يقدّر عدد المشاركين
فيها بسبعين ألفًا. ورد في دراسة لسلطات الحماية، في:
Fonds: Protectorat Maroc, Inventaire: 15 , Cartons: 4 MA/ 900 - Affaires du Sud 1912 , Centre d'Archives Diplomatiques de Nantes.
9 ينظر: مكونات المحلة السلطانية ومهمات كل واحد منها في: لويس أرنو، زمن المحلات السلطانية – الجيش المغربي وأحداث قبائل المغرب ما بين 1860
و 1912 م، ترجمة محمد بن عمر ناجي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2001)؛ وايسجربر فردريك، على عتبة المغرب الحديث، ترجمة عبد الرحيم حزل، ط 2 (الرباط:
دار الأمان، 2011)، ص 48 - 49.
والكياسة المنوطة بالأشراف المراقبين للحركة أو الزعامات الدينية المحلية"10، فكانت بحق تعبّر عن سلطة المخزن وقوته ووجوده
الفعلي11، هادفةً إلى القضاء على المناوئين وتأكيد بيعة القبائل وضمان تغذية بيت مال المخزن من الجبايات والهدايا. كان المخزن يرسم مسار "الحركة" باتّباع أماكن وجود الماء والكلأ حتى تتمكن من الاستراحة وإرواء الدواب12، وكان يختار توقيتها بدقة، وكان ذلك التوقيت يوافق في الغالب أوقات الحصاد حتى يتمكن المخزن من استخلاص الجبايات، ويضمن مؤونة الحراك وعلف الخيل.
واجبات القبائل نحو "الحَرْكات" المخزنية13
كان المخزن يفرض على كل قبيلة توجد في مسار "الحركة" تقديم مجموعة من الخدمات، على رأسها دعم جند المحلة بحرّاك
من أبناء القبيلة، تتوافر فيهم شروط معينة من ذوي النجدة والحزم. كما كانت القبائل ملزمة بتوفير "الراتب"، أي المؤونة لمختلف أفراد "الحركة"، وتوفير علف دواب النقل، بل أكثر من ذلك تزويدها بهذه الدواب، وكانت هذه الكلف عامة لا يُستثنى منها أحد.
فعلى سبيل المثال، حددت رسالة للسلطان الحسن الأول إلى أمناء وشيوخ مديونة، بتاريخ أربعة وعشرين من ربيع الثاني من سنة 1302 ه (10 شباط/ فبراير 1885 م)، عدد الإبل الواجب عليهم تعويضها بعد "معاينة الصحيح والعاجز والضائع، وتخليف الضائع وضمه للصحيح السالم، وبيع العاجز، واشتراء الصحيح بثمنه [...] فالعدد المقيد منها عليكم أنتم بالخصوص هو ثمانية وعشرون وعلى أولاد زيان مثلها ينوب الزيايدة فيها بالثلث"14. كان على القبائل كما كتب الصحافي الإنكليزي والتر هاريس سواء كانت في تمرد مفتوح أو في حراك مؤقت أو في سلم وخضوع، أن تقدّم الطعام للحراك والكلأ لتلك الحوافر الجرارة، خاصة أن هذه "الحركات" كانت تتكون من جند أعدادهم غفيرة، ومن حاشية تعددت مهماتها وتسمياتها، فكان وقع حلول "الحركات" يشبه إلى حد بعيد ما يتركه مرور أسراب الجراد15. أرهقت هذه الخدمات كاهل القبائل خاصة تلك التي كانت تمر بها هذه "الحركات"، فكانت القبائل التي تعبر مجالها الطرق الرئيسة، وتلك التي تستقر ببسيط السهول تعاني الأمرّين لتلبية الطلبات المنهكة للمحلات، خاصة أن هذه "الحركات" كانت
تتميز بكثرة أعدادها وتنوع مكوناتها، وكانت علية أفرادها تستدعي خدمات خاصة وتغذية دون العامة، ينضاف إلى ذلك بطء تنقل هذه الحركات التي قد تتعدد في أوقات القلاقل والتمردات، والتي قد تصادف فترات الجذب والخصاص. بل كان بعضها يمكث في مجال بعض القبائل مددًا طويلة، فعلى سبيل المثال بقيت محلة المولى الحسن الأول بسوس عندما كان وليًا للعهد أحد عشر
شهرًا، وبقيت "الحركة" التي قادها الأمير محمد بن الحسن الأول إلى المنطقة نفسها ثمانية أشهر كانت كلها أيامًا عصيبة على
قبائل سوس.
10 الطيب بياض، المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880 - 1915 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 156. 11 يصف جون واتر بوري المخزن في كتابه أمير المؤمنين، على أنه نسق قارّ من العنف المستمر الذي يهدف إلى إرغام القبائل على الخضوع التام وأداء الضرائب
والمغارم، لكن في الواقع كان الوجود المخزني القار (الحاميات والنزالات المخزنية) أو المؤقت (الحركات) يهدف كذلك فضلً عن استخلاص الجباية إلى تعهد أحوال
أطراف البلاد، والتعبير عن الوجود الفعلي للمخزن بها، وأنه حامي البلاد من كل أجنبي دخيل، وهذا ما تؤكده حركاتا المولى الحسن الأول إلى سوس وواد نون اللتان
كان يهدف من خلالهما إلى وضع حد لنشاط التاجرَين ماكنزي وكورتيس بالسواحل الجنوبية للمغرب. ينظر: جون واتر بوري، أمير المؤمنين، ترجمة عبد الغني أبو العزم
[وآخرون]، ط 3 (الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2013)، ص 57. 12 رحمة بورقية، الدولة والسلطة والمجتمع، دراسة في الثابت والمتحول، في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب (بيروت: دار الطليعة، 1991)، ص 57 - 58. 13 للتعرف أكثر على تركيبة "الحركة" وآليات اشتغالها، ينظر: بياض، ص 154 - 159. 14 نعيمة هراج التوزاني، الأمناء بالمغرب في عهد السلطان الحسن الأول: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،
2012)، ص 323 - 324.
15 Walter Burton, Harris, Le Maroc au temps des sultans , Paul Odinot (trad.), 3 ème éd. (Rabat: Dar Al Aman, 2012), p. 14.
تزيد الحركات السلطانية من تردي أوضاع الناس المعيشية، فمنطقة سوس عرفت على سبيل المثال حركة للمولى سليمان وحركتين للمولى الحسن الأول صادفتا زمن شحٍّ ومسغبة، الأولى سنة 1882 والثانية سنة 1986، واستمر وقعهما إلى فترات متأخرة،
ينضاف إلى هذه الحركات تلك التي كان ينوب عن السلاطين في قيادتها موظفون، كتلك التي قادها أغناج إلى بلاد سوس سنة 180416، وتلك التي كان على رأسها الكاتب محمد الرهوني، فقد جاء على لسان المؤرخ محمد بن أحمد أكنسوس (ت. 1877) أنه "في عام ثلاثة عشر ومائتين وألف (1799 م)، وجه السلطان كاتبه محمد الرهوني للسوس لجمع أموال المنقطعين، فجمع ما قدر عليه ورجع"17، وفي السنة الموالية أرسله في حركة جديدة إلى المنطقة نفسها، فجبى أمواله ورجع19. وما يثير الانتباه استمرار إرسال الحركات إلى بلاد سوس حتى وصل عددها إلى إحدى عشرة حركة في المدة 1810 - 190120. إن حلول "الحركة" كان يستدعي ضمان مؤونة المشاركين فيها، فغالبًا ما كانت تسبق موعد وصولها إجراءات يقوم بها ممثلو
المخزن تضمن انخراط القبائل كلها في ضمان ضيافة متميزة للسلطان ومن معه؛ ونظرًا إلى كثرة أفراد المحلة، فإن هذه المساهمة
كانت تؤثر في مدخرات أفراد القبيلة، وهو ما يلاحظ في المواسم اللاحقة، خاصة إذا تأخر هطل الأمطار، ينضاف إلى ذلك مشاركة شباب القبيلة ورجالها (القوى المنتجة) في "الحركة"، مما يحول دون استغلال الكثير من الأراضي الزراعية. كانت كل قبيلة على سبيل المثال مجبرة على المشاركة في حركة المولى الحسن إلى سوس، وذلك بتقديم مئتين من الحراك21، وهو ما كان يفقد
"الكوانين"22 جزءًا من اليد العاملة النشيطة، خاصة إذا صادف حلول المحلة وقت حرثٍ أو حصاد. ينضاف إلى ذلك أن كل القبائل
كانت ملزمة بتوفير مستلزمات "الحركة" من دواب النقل والركوب لتعويض تلك المجهدة أو النافقة بسبب طول المسافة التي تقطعها ووعورة الطرق والمسالك، وكان عليهم كذلك إصلاح الطرق التي ستمر منها الحركة السلطانية23. لقد كانوا كما كتب أحمد بن خالد الناصري "مقدمين بين يديهم هداياهم متترسين بأبنائهم وإخوانهم وسراياهم، مادين أعناق الامتثال عاضين بالنواجذ على الخدمة وصالح الأعمال، فأتوا بمؤونتهم على قدر الاستطاعة ومهدوا لسلوك الجيش السعيد ما صعب من طرقهم حتى صارت مسلوكة مساعدة"24. كانت المحلة وسيلة من وسائل بسط سلطة المخزن، وإخضاع القبائل، وإذلال المتمردة منها، لكن ما يميزها هذه المرة أنها كانت في فترة نابت فيها الظروف الطبيعية عن المخزن في إنهاك القبائل وكسر شوكتها25. لهذا كان الناس أحيانًا كلما علموا بقرب
وصول حركة سلطانية يفرّون إلى جهات أخرى إن استطاعوا إلى ذلك سبيل26.
16 أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، ج 8 (الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997)، ص 111؛
الرباطي، ص 653. 17 محمد بن أحمد أكنسوس، الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي، تحقيق أحمد بن يوسف الكنسوسي، ج 1 (مراكش: المطبعة
والوراقة الوطنية، 1996)، ص 281. 18 المرجع نفسه. 19 شفيق أرفاك، "التمثيل المخزني بقبيلة اشتوكة بسوس 1882 - 1900 "، في: وقفات في تاريخ المغرب، تنسيق عبد المجيد القدوري (الرباط: منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، 2001)، ص 471. 20 عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، ج 1 (الرباط: المطبعة الملكية، 1961)، ص 202. 21 الأسر. 22 رسالة من المولى الحسن الأول إلى القائد عدي بن علي في 28 صفر 1303 ه لاستصلاح الطريق إلى سوس، الخزانة الملكية، مخطوط رقم 185. 23 الناصري، ج 9، ص 180. 24 الملاحظة نفسها تنطبق على حملة المولى سليمان على الجنوب سنة 1807 التي جاءت مباشرة بعد أزمة المعيشة التي عرفتها المنطقة، حيث أدى الوباء إلى انقراض
عائلات بأكملها بجبل السوس، ينظر: محمد المختار السوسي، المعسول، ج 3 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 1961)، ص 251.
25 Harris, p. 14.
صورة لموكب السلطان المتوجه نحو مدينة مراكش
المصدر: Casablanca photo.Maillet
مساهمة حركات السلطان المولى سليمان في نشر الطاعون27
بعد أن استطاع المولى سليمان تمهيد المناطق الشمالية للخضوع لسلطته بعد القضاء على خصومه، نظم "حركة" إلى منطقة عبدة لتلقي بيعة عبد الرحمن بن ناصر الذي كان موقفه المتردد يثير التوجس، وكان يتأرجح بين الخضوع والتمرد28. جاءت حركة المولى سليمان في فترة كانت المنطقة تعرف عسرًا في تدبير الأقوات، وتجد صعوبة في إعادة الإنتاج بعد سنوات
من الوباء والمحلة، فكانت كما كتب ابن كروم في رسالة إلى السلطان: "إن الرعية 'دازت'29 عليهم جائحة الجراد والمحلة وانقطعت الدرهم ولا توجد"31. وهو الأمر الذي نجده في رسالة أخرى إذ عبّر صاحبها عن واقع الحال، بقوله: "أشغلتنا محلة سيدنا حتى عن
أنفسنا [...] والآن قد حصل لهم من الجذب [كذا] بالنسبة لأهل البادية الحب ولا شيء بيدهم منه"32.
26 تحدّث عن مساهمة "الحركة" في نشر العدوى: محمد أمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، منشورات كلية
الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992)، ص 92؛ دانييل شروتور، يهودي السلطان: المغرب
وعالم اليهود السفرد، ترجمة خالد بن الصغير (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2011)، ص 119؛ الرباطي، ص 315. 27 الرباطي، ص 315 - 317. 28 تعني مرّت.
29 أوردها: عبد الرحمن المودن، البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 25 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1995)، ص 334. 30 المرجع نفسه.
هكذا خرج المولى سليمان من مكناس في 11 نيسان/ أبريل في حركة كثيرة الجند والحاشية، ولمّا وصل إلى الرباط الذي كان
المولى الطيب قد سبقه إليها وجد العدوى منتشرة، فلم يمكث بها ليحطّ الرحال بالصويرة، بعد أن مرَّ بالدار البيضاء وأسفي، ثم اتجه
إلى مراكش التي لم يطل مقامه بها كثيرًا، راجعًا إلى مكناس بسبب انتشار الوباء، وكثرة الموتان. يخبرنا الضعيف في هذا الباب بأنه
كان في كل يوم يموت من جيش السلطان أعداد كبيرة33. كانت العدوى متفشية بين الجند حتى "وكأنه نهض بجندين، جند من العسكر، وجند من الوباء"35. وتذكر المصادر أن المدن التي عسكر بها الجيش انتشر فيها الطاعون، فحصد من الخلق الكثير. هذا ما أكدته رسالة للقنصل البريطاني بطنجة، ذكر فيها أن جيش السلطان المولى سليمان كان قد حمل معه بذور الوباء من فاس إلى الرباط، ثم إلى باقي السواحل الأطلسية36. ساهم تحرك الجند في اتساع رقعة العدوى، فبعد أن انتشر الوباء في فاس ومكناس، حمل الجند براثينه إلى زعير ثم الشاوية ودكالة وعبدة والحوز التي لم يكن الوباء بها حتى حلّت "الحركة" في بلادهم37، ليصل في شهر آب/ أغسطس إلى سوس "وتمادى إلى السنة التالية ضاربًا الجهات التي أخطأها سابقًا، ولم ينقطع أثره إلا مع نهاية 1800 "38.
3.النتائج السياسية والديموغرافية لحملة المولى سليمان
مكّن الوباء من إراحة المولى سليمان الذي تخلص من معارضيه، وكسر شوكة القبائل، وهكذا مات من الأمراء كل من المولى هشام والمولى الحسين ثم المولى الطيب39، والحاج الهاشمي العروسي عامل دكالة وولده الطاهر، وأخيه محمد بخدمه وعياله ونسائه40. ومات أيضًا ابن ناصر العبدي41. وكان قد تلقى في شباط/ فبراير من سنة 1798 مبايعة أخيه عبد المالك الزيزون الذي كان مستبدًا بحكم منطقة سوس42، فخمدت جرّاء الوباء نار الفتنة، حيث أنهك القبائل وأضعف شوكة الثوار، وصار
حال الناس هو التطلع إلى الخلاص. رأى الزياني أن الطاعون كان خيرًا على المولى سليمان لأنه أراحه أخيرًا من إخوته الطامعين
في الحكم، وهو ما ذهب إليه أكنسوس بقوله: "انقطع الوباء في المغرب آخر السنة الثانية عشرة بفاس ومكناس ونواحيهما. وظهر في الدنيا سرور وفاضت الخيرات بمتخلف الأموات وذلك مصداق البركة في بقية الجوائح، وكذلك لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، ولما مات العتاة والظلمة ومشاهيب البلاء وشياطين القبائل، تمهدت المملكة لمولانا سليمان، فلم يبق له معارض ولا منازع"43. كانت الخسائر البشرية جسيمة، فبالرغم من أننا لا نتوفر على أرقام دقيقة لضحايا الوباء، فالمؤكد أن وقعه كان كبيرًا على السكان.
لقد وصل عدد موتى الطاعون بالصويرة إلى أكثر من مئة ضحية يوميًا بعد شهر من العدوى، وصار الوضع بين تراجع وانتشار، فقد قدّر
31 الرباطي، ص 315. 32 المرجع نفسه. 33 محمد المنصور، المغرب قبل الاستعمار - المجتمع والدولة والدين 1792 – 1822، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)،
ص 171. 34 المرجع نفسه. 35 البزاز، ص 94. 36 الرباطي، ص 316. 37 المرجع نفسه، ص 315. 38 المرجع نفسه، ص 317. 39 المرجع نفسه، ص 302. 40 أكنسوس، ص 281.
التاجر البريطاني جيمس غراي جاكسون Jackson Grey James عدد الوفيات في هذه المدينة بحوالى 4500 وفاة، وأن 100 فرد من سكان قرية الديابات البالغ عددهم 133 شخصًا قد لقوا مصرعهم جراء الوباء أي حوالى 77 في المئة من مجموع سكانها. وعمومًا، فإن
شهادات القناصلة الأوروبيين تتحدث عن أن الوباء خلف نزيفًا ديموغرافيًا وهلعًا كبيرًا جعل الناس يفرون إلى البوادي والجبال، ودفع
التجار الأجانب إلى مغادرة البلاد، فانقطع تعامل الدول مع المغرب. أما في بلاد سوس، فيخبرنا الفقيه المانوزي بأن الوباء "أخلى البلاد والعباد"44، بل أدى الأمر إلى انقراض أسر بأكملها45. وأورد الطبيب رنو Renaud أن القنصل الفرنسي بروسوني Broussonnet كتب أن عدد الوفيات خلال هذه الأزمة قد وصل في مدينة تارودانت إلى 800 ضحية في اليوم46. وهو رقم كبير إذا اعتبرنا تواضع عدد سكان المدينة، ومن المؤكد أن الناس قد وجدوا صعوبات جمة في دفن موتاهم، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الهلع الذي يرافق مثل هذه الحالات، بل إن حامية مخزنية في المدينة مكونة من 1200 جندي قد فنت، ولم ينج منها سوى جنديين فقط، ومات الكثير من علماء المدينة وصناعها47.
النتائج لااجتماعية و لااقتصادية "للحركة"
كان بديهيًا أن يتأثر الاقتصاد بهذه الآفة، التي عمقتها "الحركة"، فتناقصُ أعداد الفئة النشيطة من السكان والهلع الذي خلفه
الوباء، كان من نتائجهما ترك الحقول وهجرة الصنائع. فكان طبيعيًا في مثل هذه الظروف أن يفرّ الناس من العدوى. وكان من نتائج
ذلك نقص في الأقوات، وارتفاع أسعار القليل الموجود منها في الأسواق. لقد كان الوضع عامًّا باستثناء مدينة طنجة التي استفادت
من معونات دول القناصل المستقرين فيها. عرفت البلاد عجزًا غذائيًا مردّه تأثّر أحوال الناس بالوضع العام للبلاد أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، زاد من
حدة تفاقمه انتشار الأوبئة خاصة الطاعون الكبير في الفترة 1798 - 1900، ووباء 1806، والجائحة التي كانت في الفترة 1818 - 1825،
والتي كانت مصحوبة باجتياح للجراد. كل هذا أدى إلى أزمة ديموغرافية عانت البلاد آثارها سنواتٍ لاحقة؛ فقد تراجع الإنتاج الفلاحي، وهجر الناس قراهم باحثين عن الخلاص، وتقلصت أعداد النشيطين منهم، بل أكثر من ذلك بقيت جهات كثيرة تعوي فيها الذئاب وتنعق فيها الغربان. يدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل عن مبرر خروج السلطان في حملته على الجنوب في فترة كان فيها الطاعون متفشيًا في مدينتَي
فاس ومكناس حتى فني من الخلق ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى48. ألم يكن ذلك هروبًا منه نحو الجنوب؟ إذا رجعنا إلى سياق حركة المولى سليمان، فإننا نستنتج أن البلاد بأكملها كانت في وضع كارثي؛ فقد تكالبت المحن على الناس، ما يجعلنا نذهب إلى ما ذهب إليه الفشتالي من قول إنه "لم يكن لسفر (المولى سليمان) دليل ولا موجب"49.
41 السوسي، ج 3، ص 250. 42 السوسي، ج 11، ص 120.
43 H.P.J. Renaud, "Recherches historiques sur les épidémies du Maroc: La peste de 1799 d'après des documents inédits," Hespéris , vol. 1 (2 ème trimestre 1921), p. 171.
44 أبو زيد عبد الرحمن الجشتمي، "مخطوط الحضيكيون"، نسخة في ملكنا، ص 26. 45 الرباطي، ص 314. 46 البزاز، ص 92. 47 الفشتالي مقيد في وباء 1798 - 1800، أورده: البزاز، ص 92.
ثانيًا: وقع سياسة المخزن الخارجية على الرعية: قضية وسق الحبوب نحو أوروبا50
كانت قضية وسق الحبوب من الأمور التي كان لها أثرٌ ملموس في حياة الناس، خاصة أنها صادفت ظروفًا طبيعية غير ملائمة
عمّقت أزمة المعيش. أثارت هذه القضية جدلً بين الناس، وكانت لها تداعيات كبيرة على علاقة المخزن بمحيطه، لقد اعتبرها
المخزن أمرًا جوهريًا يتعدى ضمان الأمن الغذائي إلى قضية لصيقة بهيبة المخزن ومظهرًا من مظاهر سلطته. وما يثير الحيرة فعلً
في هذه القضية أن المخزن تعامل بتناقض بيّن، فقد شجع في بعض الأحيان بيع الحبوب للأجانب وقام بتحديد أسعارها، بل حاول
احتكار وسقها51، وفي أحيان أخرى منع ذلك وحارب قبائل الثغور التي تجرأت على القيام به من دون علمه؛ وفي هذا الصدد يخبرنا الضعيف الرباطي أن السلطان أرسل مبعوثيه إلى كل من الدار البيضاء ودكالة والشاوية ليقفوا على بيع القمح: "أما أنتم يا أهل دكالة نصارى نصارى، وأخذ في بيع الزرع للنصارى، وشرط عليهم أن يدفعوا الريال بسبع أواق ونصف، فإن لم يريدوا، فليدخلوا وسط دكالة ويشتروا الزرع لأنفسهم ويكتروا عليه، وبعث للشاوية وقال لهم كيف بكم حتى تبيعوا الزرع للنصارى بأربع أواق بالدار البيضاء. احملوا زرعكم إلي وأنا أشتريه بثماني أواق"52. كان المغرب قبلة للسفن الأوروبية المستوردة للحبوب خاصة أن أوروبا عرفت في هذه الفترة اضطرابات كثيرة انقلبت فيها موازين القوى بعد الحروب النابوليونية53. وقد شجع المخزن تصدير الحبوب لتجاوز الصعوبات الاقتصادية التي عرفتها البلاد، وفي هذا الصدد يخبرنا الضعيف مرة أخرى أنه "في أواخر ذي الحجة عام 1218 ه/ أبريل 1804 م أتى مركب النصارى من جنس السويد للدار البيضاء وأراد وسق الزرع الذي هو أعشار الشاوية. وفي ليلة استهلال محرم عام 1219 ه/ 12 أبريل 1804 م ابتدأ الوسق من الدار البيضاء، ودخل في المركب 3000 فانكة وستمائة وتسعون فانكة. وبقي له الزرع، وفي الغد كمل وسقه نحو ستة آلاف فانكة"54. ويؤكد ذلك بقوله: "أطلق بيع الزرع للنصارى بالدار البيضاء وغيرها"55. نستنتج أن المخزن حاول احتكار بيع الحبوب، مانعًا القبائل من القيام بذلك على نحوٍ أحادي، مستخدمًا الإغراء أحيانًا والترهيب
أحيانًا أخرى، فقد خرج السلطان في 23 أيلول/ سبتمبر 1814 من فاس في "حركة" في اتجاه الريف، مكونة من نحو أربعين ألف
جندي؛ لأنهم استقلوا بأنفسهم وصاروا يبيعون الزرع للنصارى56، بل وصل به الأمر إلى اعتراض السفن المهرّبة للقمح، مصادرًا
حمولتها، ليعيد بيعها للأوروبيين، فكان بحسب تعبير الضعيف "يبعث الرياس من الرباط وسلا في سفن يتعرضون للسفن التي تخرج من أسفي وتيط، فيغنمونها، ويأتون بسفن النصارى]ثم[يبيعه السلطان للنصارى أيضً" ا57. لقد ضرب المخزن بيد من حديد كل من
حاول تعطيل عملية احتكاره، فحتى عندما قلّ الزرع وارتفعت الأسعار، وامتنع أهل الرباط عن التعامل مع النصارى، يخبرنا الضعيف
48 عرفت الجزائر وتونس سنتي 1804 و 1805 مجاعة رهيبة، لكنها لم تمس المغرب، إذ كانت المحاصيل فيه وفيرة، فقام المخزن بتصدير جزء منها لتخفيف معاناة
سكان القطرين المنكوبين. ينظر:
Lucette Valensi, Le Maghreb avant la prise d'Alger 1700 - 183 0 (Paris: Flammarion, 1969), p. 24.
49 يعني تصديرها. 50 الرباطي، ص 267. 51 سمح المولى سليمان بتصدير خمسين ألف قنطار من الحبوب لتزويد الجيش البريطاني الذي كان يحارب جيوش نابليون في لشبونة وقادس. ينظر:
المنصور، ص 80. 52 الرباطي، ص 332. 53 المرجع نفسه، ص 321. 54 المرجع نفسه، ص 385. 55 المرجع نفسه، ص 273.
أنه: "في يوم الثلاثاء سادس ربيع الثاني اتفق الجل من أهل الرباط على عدم كيل الزرع للنصارى، فهجموا على دار القصري فدخلوا على النصراني وكسروا الأمداد ونهبوا النصراني"58. ومن المؤكد أن المخزن كان لا يتساهل في مثل هذه الأمور، فقد أوكل إلى القائد محمد بركاش مهمة القبض عليهم واعتقالهم بالمهدية ثم إرسالهم إلى فاس، حيث سُجنوا59. استفادت النخبة من الأعيان والموظفين من بيع الحبوب للنصارى، فازدادت غنى وربطت علاقات مجاملة مع حكام الدول الأوروبية متجاوزة سلطة المخزن، فأرسلت الهدايا النفيسة لجلب ود التجار والحكام، فصارت تخرج حمولتها من المراسي المغربية قاصدة الموانئ الأوروبية؛ ونستنتج من الرواية التي أوردها الضعيف الرباطي كيف جابه الناس هذه الحمى التي شملت تجارة الحبوب مع الخارج ف "في المحرم غنم أهل سلا ثلاث سفن من النصارى موسقة بالزرع، اثنتان خرجتا من الدار البيضاء وكان بهما الشريف سيدي عبد الله ولد سيدي محمد بن عبد القادر الوزاني لأنه كان يبيع الزرع للنصارى [...] والثالثة خرجت من أسفي وكان بها القائم وهو عبد الرحمن بن ناصر العبدي، وكان يبيع الزرع للنصارى أيضًا، وكذلك القائم بطيط وهو الحاج محمد بن العروسي الدكالي وكان يبيع الزرع للنصارى، وكل هؤلاء مخالفون على مولانا سليمان. أما السفينة التي خرجت من أسفي فوجدوا فيها سبعة من عتاق الخيل وسبعة ونمرًا أهداها عبد الرحمن بن ناصر لسلطان إسبنيول فأوتي بالخيل والسبع والنمر لمولانا سليمان"60. كان لبيع الزرع للأجانب نتائج وخيمة على الأوضاع الاجتماعية للسكان، فقد كان من وقعها المباشر قلة في تموين الأسواق وارتفاع الأسعار، فجرى استنزاف مدخرات المغرب من الحبوب، ما جعله عرضة للمجاعة وفريسة سهلة لتقلبات المناخ، وبهذا "وصل الزرع بالرباط ست أواق للمد ونصفًا، والناس يأتون بالزرع من زرهون، ومن الغرب وأزغار للنصارى بالرباط، وبالرباط نحو التسعين سفينة للنصارى وكذلك العرائش والدار البيضاء وذلك عن إذن السلطان المولى سليمان"61. كل هذا أدى إلى ارتفاع أسعار الحبوب، إذ "وصل الزرع بالرباط سبع أواق [...] وفي يوم عاشوراء لم يوجد اللوز ولا الفاكهة، وكانت السفن توسق الزرع من تطاون [كذا] وطنجة والعرائش والرباط والدار البيضاء والصويرة على إذن مولانا سليمان. ويوسقون أيضًا بأسفي [كذا] على إذن القائم عبد الرحمن بناصر، وبطيط على يد محمد بن العروسي وأتت في هذه السنة الصابة بمراكش وكلها رفعت لأسفي وأكادير وكانوا يخلصون الصابة قبل الدراس"62. أزَّم بيع الحبوب للنصارى حال العامة، فبعد شهر من وصول مبعوثين فرنسيين في ربيع 1817 إلى الرباط للسهر على تصدير
الحبوب، ارتفعت أثمان القمح ب 50 في المئة على الأقل، حيث بلغت 22 أوقية للمد الواحد مقارنة بالسعر السابق الذي كان يراوح بين أوقيتين وأربع أواق، ليستقر السعر في أيلول/ سبتمبر من السنة نفسها إلى 26 أوقية63؛ ما جعل التزود بالحبوب بغية مستعصية على عامة الناس. والغريب في الأمر أن تصدير الحبوب كان يتم في فترة شدة، فقد أناخ شح الأمطار بكلكله على البلاد؛ ففي عام 1816 قلّ المطر، وزاد من وطأة ذلك اجتياح الجراد، وتفاقم الوضع في السنوات الموالية. وهي الصورة التي لخصها نائب القنصل الفرنسي بالرباط دوليسيبس بقوله: "إن استمرار الجفاف الحالي الذي يقل مثيله في هذه البلاد قد روع السلطان ورعياه على السواء [...] إن سكان البلاد رج لً ونساء ومن كل الأعمار، وبغض النظر عن انتمائهم الديني، يقضون أوقاتهم في النحيب والصوم والابتهال إلى الله. ومما يزيد في ذعرهم ذكرى المجاعة القريبة العهد التي أنهكت البلاد وأفرغت المطامير"64.
56 المرجع نفسه، ص 263. 57 المرجع نفسه. 58 المرجع نفسه، ص 253. 59 المرجع نفسه، ص 268. 60 المرجع نفسه، ص 274. 61 المرجع نفسه، ص 263. 62 منصور، ص 296.
برزت موانئ تخصصت في تصدير الحبوب كالرباط والعرائش والجديدة وطيط والبريجة وأسفي وتطوان وطنجة والصويرة وغيرها، وأدى ارتفاع الأسعار وضعف التموين إلى سخط عارم. فقد ربط الناس ما آل إليه حالهم بتعامل المخزن مع النصارى، فعبروا عن استيائهم بالسطو على مخازن التجار الفرنسيين، وجهروا بتبرمهم من سياسة المخزن، بل أكثر من ذلك فقدوا الثقة به، وهو ما تعبر عنه رسالة من الوزير أحمد بن مبارك إلى قنصل فرنسا بطنجة بتاريخ 12 أيلول/ سبتمبر 1817، فحتى الزرع الذي أمر المخزن بنقله من أسفي إلى طنجة قصد إعانة المناطق الشمالية رأى فيه سواد الناس جزءًا من صفقة لصالح النصارى، وسرعان ما تحوّل السخط إلى
عنف ترجم في مهاجمة السفن والمستودعات65. ولتبديد مخاوف الناس قام المخزن بتوزيع الحبوب عليهم، لكن الوثائق لا تخبرنا بأن جميع مناطق المغرب قد استفادت من هذه العملية، فقد تركز مجهوده أساسًا على مناطق الشمال حيث حاول تزويد أسواقها بما
يخفف وطأة الخصاص، ليمنع في نهاية المطاف، أمام تفاقم تردي الأوضاع وتزايد سخط العامة، بيع القمح للأوروبيين. يفسر إقدام المولى سليمان على السماح بتصدير الحبوب بالضائقة المالية التي كان عليها المخزن بسبب اضطرابات الحكم، وما كانت تتطلبه من أموال ومؤونة تستدعيها محاولات القضاء على مناوئي السلطان. وزاد من شدة وقعها توالي مواسم فلاحية سيئة مما انعكس على الجبايات وقيمتها. انضاف إلى ذلك توقف مداخيل الجهاد البحري. لهذا رأى المخزن ضرورة التخفيف من القيود المفروضة على التجارة مع أوروبا، محاولًاستغلال الظروف الأوروبية المتمثلة في الحروب النابليونية وما نشأ عنها من خصاص هائل في المواد الغذائية.
ثالثًا: الجباية والكلف وأثرها في العامة
1.انعكاسات هزيمة تطوان على الأوضاع السياسية و لااجتماعية بالمغرب
كان وقع هزيمة حرب تطوان كارثيًا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب66، فكان لقبول المخزن
بشروط الإسبان نتائج وخيمة على ماليته، فمعاهدة 26 نيسان/ أبريل 1860 نصت على دفع المغرب مئة مليون بسيطة في أجل ثمانية أشهر، غير أن الأحداث برهنت على أن هذا القدر كان يفوق إمكانيات البلاد الضعيفة أصلً؛ إذ إنّ الدفعة الأولى (25 مليون بسيطة) أفرغت خزينة الدولة، ولتجاوز الأزمة المالية، طلب المخزن قرضًا من الإنكليز قدره ثلاثون مليون بسيطة، ولما تلكؤوا في الاستجابة67 توجه إلى الرعية لإثقال كاهلها بمزيد من الكلف والإتاوات وذلك بالزيادة في قيمتها وإحداث أخرى جديدة، فأرسل السلطان سعاته إلى مراكش لجمع مقدار الدفعة الثانية (10 ملايين بسيطة). عمومًا، فإنّ هذه الحرب وما نجم عنها من مغارم كانت لها نتائج كارثية على مالية البلاد مسّت أساسًا مورّدیها الأساسيين لجمع
المال وتسديد الديون، وهما الضريبة الفلاحية ومداخيل الجمارك، التي كانت مداخيلها أوفر، وكانت قابلة للرقابة، لكن استقرار الموظفين الإسبان في الموانئ لاستيفاء قيمة الغرامة (نصف مداخلها) جعلها خارج سلطة المغرب68. إن الحديث عن حرب تطوان واتفاقية الصلح التي أعقبتها أمرٌ يعبّر بصدق عن واقع حال المغرب خلال النصف الأول من
القرن التاسع عشر، ويجعلنا نتساءل: هل كانت هذه الهزيمة ناتجة من الضعف العام للمغرب الذي ظهر جليًا منذ هزيمة إيسلي أمام
63 المرجع نفسه، ص 297 - 298. 64 كان وصف الناصري لهذا الانكسار بليغًا، ف "وقعة تطوان هذه هي التي أزالت حجاب الهيبة عن بلاد المغرب، واستطال النصارى بها، وانكسر المسلمون انكسارًا لم
يعهد لهم مثله، وكثرت الحمايات ونشأ عن ذلك ضرر كبير". ينظر: الناصري، ج 3، ص 100 - 110؛ عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس،
ج 3، ط 2 (الرباط: المطبعة الوطنية، 1990)، ص 440 - 469. 65 جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)، ص 84. 66 تفاصيل الأزمة في: جرمان عياش، "جوانب من الأزمة المالية بالمغرب بعد الغزو الإسباني سنة 1860 "، في: المرجع نفسه، ص 79 - 120.
الفرنسيين؟ أم أنها كانت سببًا انضاف إلى أسباب أخرى ساهمت في إضعاف البلاد؟ خاصة أن الأحداث اللاحقة بينت بعمق وهَن
المغرب، ذلك الوهَن الذي ازداد تفاقمًا خلال النصف الأخير من هذا القرن وبداية القرن العشرين. وقعت أحداث شبيهة لحرب تطوان في نهاية حكم الحسن الأول، وتحديدًا خلال شهرَي تشرين الأول/ أكتوبر
وتشرين الثاني/ نوفمبر 1893، بين قبائل الريف وقوات إسبانيا المتمركزة بمليلية، انتهت بمفاوضات بين ممثلي المخزن والماريشال مارتينيز كامبوس Antón Campos - Martínez Arsenio بمدينة مراكش69. وتحت الضغط، وقّع المخزن معاهدة صلح بتاريخ 5 آذار/ مارس 1894، كانت شروطها مخزية كسابقتها؛ فقد قضت بأن يؤدي المغرب غرامة قدرها خمسة ملايين "بيزيتا" نقدًا وخمسة عشر مليونًا أخرى على أقساط في مواعيد محددة، تنضاف إليها 6 في المئة فائدةً إذا تأخر عن أوقات الدفع.
ونصّت على أن يتم الدفع بالعملة المعمول بها في إسبانيا، وكذلك بالدورو الإيزابيلي. تضمنت هذه الاتفاقية بنودًا سرية قوّت من
النفوذ الإسباني بالمغرب، وأضعفت سلطة المخزن تجاه هذه الدولة، ولحلّ أزمة المخزن المالية لجأ من جديد إلى القبائل، فأنهك الناس بالجبايات والكلف70. استفحلت الأزمة المالية عند محاولة المخزن إصلاح "الديوانة"71 التي بدأها في 29 آذار/ مارس 1862، وما نتج من ذلك من تحرير بيع المنتجات المغربية، فجرى إغراق الأسواق المغربية بالمصنوعات الأجنبية، فتقوّى مركز التجار الأوروبيين في البلاد،
واستفحلت الحماية القنصلية، فأضحى التجار الأجانب ملاكًا، وتراجع نصيب الدولة المغربية من العملة الأوروبية التي كانت البلاد في أشد الحاجة إليها. كان حال المغرب كما وصفه الصحافي هاريس ينهار شيئًا فشيئًا، فكان تحت رحمة ضغط الأوروبيين وتمرد القبائل
يحاول ضمان توازن مستحيل72. عانى الناس آثار سياسة المخزن الخارجية، خاصة بعد استفحال الأزمة المالية في نهاية القرن التاسع عشر وانتشار الحماية القنصلية بكثرة، وهو ما جعل الثقل الجبائي يقع في أغلبه على عواتق القبائل، خاصة تلك المستوطنة في السهول74. لم تكن الضرائب الشرعية كافية لتدبير أمور الدولة، فالزكوات والأعشار كانت تتأثر بالتقلبات المناخية وبطرق حفظ الغلل، وما أكثر العوامل التي تؤثر في كميات المحاصيل وفي أسعارها! لذلك لجأ السلاطين إلى فرض جبايات أخرى تعددت أنواعها وأسماؤها، فكانت النائبة75 والمعونة والمكوس76 والترتيب77 والجزية وغيرها، فضلً عن المغارم78 والهدايا79 وواجب الضيافة، كما فُرضت ضريبة جديدة سُميت مكوس الأبواب.
67 ينظر تفاصيل هذه المفاوضات عند كل من: إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، ج 3 (الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1985)، ص 274؛ محمد العربي
معريش، المغرب الأقصى في عهد الحسن الأول 1873 - 4 189 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989)، ص 239 - 267؛ حسن صبحي، التنافس الاستعماري الأوربي
في المغرب (1884 - 1904) (القاهرة: دار المعارف، 1965)؛ (Paris: Hachette, 1952), p. 90 Histoire de Maroc.H. Cambon,
68 معريش، ص 267؛ (Paris: Challamel Ainé, 1885), pp. 127 - 129 Le Maroc moderne.J. Erckmann,
69 الاسم المغربي للجمارك، وهي تعريب للكلمة الفرنسية douane La.
70 Harris, p. 7.
71 عياش، ص 91.
72 هي من أقدم الضرائب أحدثت في عهد محمد القائم السعدي، وتدل على ما كان يقدمه أرباب الأسر للمخزن من مال ومؤن وخدمات عوض الخدمة العسكريةُ
الواجبة على السكان البالغين (حدّ الصايم.)
73 تسمى كذلك "المستفاد"، وهي مفروضة على البضائع التي تدخل الأسواق من أبواب المدن. 74 كان الترتيب يروم جعل جميع شرائح المجتمع المغربي سواسية في أداء الضرائب والكلف. ينظر: بياض. 75 يتحملها سكان القبيلة بالتساوي عقابًا لهم على ما يحدث من مخالفات، ونميز فيها بين ذعائر الاعتداءات وذعائر المروق وعدم الامتثال.
76 كانت تقدّم في الأعياد الدينية (عيد الفطر وعيد الأضحى وذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم)، وهي واجبة على القبائل والأعيان. تهدى للسلطان أو لممثليه
في الجهات والمدن، كما كانت تقدم للسلطان عند توليته الحكم أو عند حلوله بالمدن أو مروره بمجال القبائل.
وفي المجال الفلاحي أدخلت تغييرات على الضرائب المفروضة على الفلاحين، فتحولت من ضرائب كانت تُفرض بنسب شرعية محدودة على المحاصيل الزراعية وعلى المواشي إلى ضرائب تحدد الدولة مقدارها بحسب حاجاتها80. ينضاف إلى هذا ما كان يعتري تقدير "الخراصة"81 لهذه الضرائب من حيف ومحسوبية؛ ما أدى إلى إفلاس الفلاحين، الذين تركوا أراضيهم من دون حرث. كما أن الضرائب لم تكن فلاحية فقط بل كانت تشمل بعض المعادن النفيسة حيثما توافرت، فأهل ماسة كانوا على سبيل المثال يدفعون إلى مخزن المولى عبد الرحمن خمسة آلاف رطل من الفضة سنويًا82. كان المخزن يحصّل هذه الضرائب مباشرة عن طريق ممثليه في الأقاليم والجهات، أو ينظم حركات على القبائل الرافضة أداء هذه الواجبات. وكان أحيانًا يكلف بعض التجار والأعيان بتحصيلها مقابل مبالغ مالية وعينية وأحيانًا خدمية، فكان يباع امتياز جمع المكوس في مزاد علني83، فقد جرى تفويت تحصيل مستفاد مدينة تارودانت على سبيل المثال في سنة 1303 ه/ 1886 م لعبد الهادي بنونة مقابل تسعة آلاف مثقال في السنة، وما لبث أن وقعت الزيادة عليه في السنة الموالية84. لا يخفى ما كان يعرفه هذا التحصيل من شطط وتعسف، حيث يلاحظ إفراط في استعمال القوة، وزيادة مقدار هذه الضرائب من دون مراعاة لأحوال الناس ولتغير الأوقات، خاصة أن الحبوب كانت أساس هذه الضرائب، ونعرف تأثير تقلبات المناخ وتعدد القلاقل الاجتماعية واجتياح الجراد في المحاصيل الزراعية85. لم تكن هذه الضرائب قارّة عند السلاطين، فكلّ واحد منهم كان يبدع في فرضها وفي تسمياتها وفي إلغاء ما أقرّه سابقه، بل
في تحديد من يلزمه الدفع، ومن يكون من نصيبه الإعفاء، ومن ثم، كان الضرر يمسّ العوام من الفلاحين والحرفيين. وكان أهل
الحواضر أكثر من وقع عليهم وزر الأداء خاصة أوقات انكماش سلطة المخزن، وعانى الفقراء منهم مقارنة بالأعيان وكبار التجار86. فقد اعتمد السلطان محمد بن عبد الرحمن على سبيل المثال نظام "المقاطعة" الذي كان أساسه الاتفاق مع كل قبيلة على دفع مقدار معلوم إلى المخزن كل سنة، وعلى أعيان القبيلة تدبير أمر توفير ذلك القدر، سواء كان عينًا أو نقدًا. لكنّ خلفه المولى
سليمان ألغى ذلك واكتفى بالضرائب الشرعية، ما جعل ثقل الجباية يبقى على كاهل أهل البادية، وهو ما زاد أوضاعهم ترديًا. زد على ذلك أن المخزن كان يمتلك الكثير من الأراضي الزراعية في البوادي تسمى "ابلْادات المخزن" أو "أملاك المخزن"87،
منها البورية والمسقية، تنضاف إليها باستمرار أراضٍ جديدة تأتيه من حيازة أملاك المنقطعين88، وأحيانًا من الشراء لصالح المخزن أو لفائدة السلطان أو أفراد العائلة السلطانية. كان المخزن يقوم بزراعة أراضيه تحت إشراف العمال في إطار عملية "التويزة"89 التي
77 التوزاني، ص 48. 78 كان المخزن يستعين بهم في تحديد مقادير الزكوات والأعشار الواجب على الفلاحين والكسابين تأديتها. 79 محمد المختار السوسي، خلال جزولة، ج 2 (تطوان: المطبعة المهدية، [د. ت.])، ص 227 - 228. 80 التوزاني، ص 48. 81 المرجع نفسه، ص 333 – 334.
82 Jean Louis Miège, Le Maroc et l'Europe , 1830 - 1894 , vol. 3 (Paris: Presses Universitaires de France, 1962), pp. 383 - 384. 83 Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme Marocain (1830 - 1912) (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1933), p. 292.
84 محمد نجيدي، "أملاك المخزن بالبادية في عهد السلطان الحسن الأول"، في: البادية المغربية عبر التاريخ، ص 103. 85 المرجع نفسه، ص 106. 86 لم تقتصر "التويزة" على الأعمال الزراعية بل تعدتها إلى استصلاح المسالك والطرق وقنوات السقي، واستخراج الجير والجبس، وتوفير الحطب والأخشاب.
تنخرط فيها القبائل مجبرة. كما كان يقوم بإكراء "ابلادات المخزن"، وأحيانًا يتعاقد مع صغار الفلاحين في إطار ما هو شائع من تعاقدات تعرفها البوادي المغربية، كان من أبرزها "السهمة"90 و"تاشراعت "91. كان المخزن يمتلك أيضًا كثيرًا من المواشي والدواب التي يحصل عليها من مصادر جباياته الشرعية وغير الشرعية، وكان
يرعاها على نحو مباشر في العذائر92 تحت مراقبة العمال وتحت الإشراف المباشر لأمناء خاصين بها، يُعرف الواحد منهم باسم "أمين
العذير"93. كما كانت تُستغل بطريقة غير مباشرة؛ إذ كانت تكّلف القبائل بالعناية بها وصيانتها "على وجه الاحتفاظ بها إلى وقت
الاحتياج"94. لم تكن تُراعَى أحوال الناس، ولم يكن يُؤخَذ في الحسبان عسرهم، إذ كان الجباة يسعون في التحصيل، وكان من نتائج ذلك
رفض الناس أداء الضرائب، بل أدى الأمر إلى حدوث اضطرابات خطيرة في البوادي95 دفعت المخزن إلى إرسال حركات لتأديب
المحتجين، على نحوٍ كرس البؤس وزاد الأوضاع تفاقمًا96. كان وقع اضطراب الأحوال على السكان وخيمًا، فعانى الناس عسرًا بيّنًا، ساهم فيه انعدام الأمن وكثرة المغارم والذعائر ومساهمة
السكان في تمويل الحركات المخزنية، فقد كلف على سبيل المثال نزول حملة المخزن بتراب قبيلة أشتوكة ببلاد سوس سنة 1886، 8822 ري لً يوميًا، و 8800 مد من العلف و 186 من الشعير، وفرض على أهلها أداء ذعيرة قيمتها 43478 ري لً، دفعوها عينًا ونقدًا،
وهي 796 بهيمة و 5000 ريال97. كان المخزن على علم بما وصل إليه حال الناس من تردٍّ، ففي رسالة من المولى الحسن الأول إلى الأمينَين محمد بن الطاهر
بن الراضي والشيخ محمد بن بوعزة الواغدي، يظهر جليًا العبء الضريبي الذي كان يئنّ تحت وطأته السكان؛ إذا جاء فيها "ولما
حدث الترتيب السعيد، وأمرتم بفرض هدية عيدي الفطر والأضحى على العمل القديم ألزمتموهم الثلث، وأضفتم عليه هدية الموسم النبوي"98. كان المخزن مدركًا ما آلت إليه أحوال الناس من الفاقة ومن التذمر، مصرحًا في الرسالة المشار إليها بأن الناس قد "عجزوا
عن ذلك وتوقفتم من أجل ذلك ولا سيما من حيث أمرناكم بمنع من يروم بيع مواشيه، وتحمل الدين، وخشيتم فرار من صار مفلسًا
بعد الترتيب إن كلف وصار بالبال"99. زاد توالي سنوات الجفاف وانتشار الطواعين من تردي أحوال الناس، وعلى الرغم من ذلك كان المخزن مجبرًا على إيجاد السيولة
المالية لأداء الغرامات المفروضة عليه من جانب الأوروبيين وتسديد ما عليه من قروض. لقد كان مصرًّا على استخلاص الضرائب، مؤجلً
ذلك في السنوات العجاف حتى يتحسن الموسم الزراعي، فنتج منه تراكم الواجب، ما قاد الناس إلى الإفلاس التام100.
87 يكون سهم الفلاح أو نصيبه ثلث المحصول. 88 تسمية رائجة بالحوز تعني حصول من يخدم الأرض على نصيب من المحصول متفق عليه مع مالكها.
89 هي أراضٍ رعوية شاسعة كانت تحت مراقبة موظفي المخزن، محرَّمة على العامة وتصادر قطعانهم التي يجري ضبطها ترعى في هذه المراعي.
90 نجيدي، ص 116. 91 المرجع نفسه، ص 117. 92 مثال ذلك حال سوس بعد حركة المولى الحسن الأول الأولى، وما أعقبها من اضطرابات ونهب لدور شيوخ المخزن.
93 Miège, p. 388.
94 أرفاك، ص 483 - 484. 95 رسالة مؤرخة في 3 ربيع الثاني 1302 ه، أوردتها نعيمة هراج التوزاني، في: التوزاني، ص 317. 96 المرجع نفسه. 97 المرجع نفسه، ص 473.
2.تعسف ممثلي المخزن في تحصيل الضرائب والمغارم
كانت جباية المال غاية في حد ذاتها، فقد سعى القواد والباشوات إلى جمع الإتاوات من دون أخذ أحوال الناس وتقلبات الطبيعة في الاعتبار، فتنافسوا في تجميعها وادخارها، وفي الرفع من أعداد جندهم، وعملوا على تجويد تسليحهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلً، وتهافتوا على بناء الدور وتملّك الضيعات101. لم توضح ظهائر تعيين القواد والباشوات مهماتهم بدقة، بل كانت عامة دون تحديد لصلاحياتهم، إذ يفهم منها فقط طاعة السلطان والامتثال لأوامره ونواهيه دون حصرها في الأمور الإدارية والجبائية بل تعدّتها إلى أمور البيع والشراء وتأديب القبائل
والأعيان. ولعل هذه الصلاحيات المبهمة هي التي فتحت باب التأويل، فانجرف أغلب ممثلي المخزن إلى ممارسات تخالف الشرع أحيانًا، وتعاكس توجيهات المخزن نفسه أحيانًا أخرى. ولنا فيما جاء في ظهير تعيين المدني الخصاصي (ت. 1934) قائدًا على
قبيلته102، مثال على ذلك: "خدامنا الأرضين [...] وبعد فقد ولينا عليكم أخاكم خديمنا الأرضي القائد المدني بن أحمد وأسندنا إليه النظر في أمركم، فآمركم أن تسمعوا وتطيعوا فيما وليناه من الأمر والنهي في أمور خدمتنا الشريفة"103. كان المخزن عارفًا بشطط ممثليه، فقد جاء في إحدى رسائل السلطان المولى سليمان إلى أهل فاس، ما يلي: "عامل أكل السحت، وأطعمه الغوغاء والسفلة، وعامل لم يأكل ولم يطعم غيره"104. لكن على الرغم من ذلك، كان المخزن يرى وجوب طاعة العامة لموظفيه، وأن أي خروج على ممثليه هو تمرد عليه، فإن جار عليهم عامل لا يحل أن يحاربوه105، ونبّه إلى أن يقوم بذلك
سفيه محارب باغٍعليه. بل أكثر من ذلك نجده يدعمهم ويشجعهم في غيّهم، فالصدر الأعظم أحمد بن موسى قد أطلق يد العمال في
القبائل بالسلب والنهب لأجل أن يأتوه بأيديهم عامرة ليعمّر خزينته كما كتب الحجوي في اختصار الابتسام106. كان ذلك ديدن كل العمال وقواد المخزن خاصة زمن الحركات، حيث تسجل التجاوزات وتحضر في الغالب روح الانتقام. ولنا في تاريخ منطقة سوس أمثلة كثيرة، منذ حملة القائد عبد المالك أوبهي وخليفته محمد بن يحيى أغناج وما تلاها من حملات كان أبرزها تلك التي قادها الدليمي أحمد بن مبارك107 وحفيده إبراهيم، ويبقى القائد سعيد الكلولي مث لً سيئَ الذكر لهذا النوع من رجالات
المخزن؛ إذ نزلت محلته ببسيط سوس في سنة 1314 ه/ 1896 م، وكان هدفها جمع المغارم وتأديب القبائل التي تطاولت على عمال المخزن108، فأخذ الناس من وادي سوس إلى واد نون بالغرم الشديد والمؤن التي لا حدّ لها "قاعدا على أكل أموال الناس، داخلً
إلى أموالهم من كل باب"109، فألقى كلكله على قبائل الجنوب، فنهب بعضها110، واشتغل بالنهب والسلب والقتل وهتك الأعراض من سنة 1314 إلى سنة 1317 ه111.
98 كان يجري حصر السلطة في ثلاثة مظاهر يسعى الخاصة إلى تملكها مجتمعة، وهي المال والقوة والعمارة الفخمة. 99 محمد أيت جمال، الأوبئة والمجاعات بسوس وواد نون (ما بين 1900 م و 1945 م): التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للجنوب المغربي (الرباط:
دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2020)، ص 273 - 288. 100 السوسي، ج 20، ص 187. 101 الناصري، ج 8، ص 139. 102 المرجع نفسه، ص 56. 103 محمد الحجوي، اختصار الابتسام، مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، رقم ح 144، أورده: فنيتر، ص 152. 104 الإكراري محمد، روضة الأفنان في وفيات العيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان، تحقيق حمدي أنوش (أكادير: منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، 1998)، ص 63. 105 أرفاك، ص 480. 106 كان كما كتب صاحب المعسول"يظلم الناس في أملاكهم، وإنما ظلمه في المغارم المالية على عادة المخزنيين إذ ذاك". السوسي، ج 14، ص 110. 107 المرجع نفسه، ج 4، ص 39. 108 رواية أحمد المنوزي، وردت في: المرجع نفسه، ج 3، ص 259.
وجد كل من القائد سعيد الكلولي وحمو باشا تارودانت الدعم نفسه من الوزير أحمد بن موسى الذي رخص لهما إعمال ما يحلو لهما باسطًا يديهما في تولية وعزل من يشاءان من شيوخ القبائل، آمرًا إياهما بجمع الأموال بكل حيلة وبكل وجه"112، ففرض على كل
"كانون" دفع 50 ري لً بعملة الوقت، الثلثان منها بالدفع الجيد والثلث من المال الحسني دون استثناء، ودون مراعاة أن الوقت كان سنة جذب، انحصر فيها المطر وقل الزرع، ففرغت مخازن الناس وانتشرت المجاعة فيهم، وكأن الناس لم يكفهم ما كانوا فيه من بؤس، فأضيف إلى الضرائب والمغارم تقديم هدية خاصة إلى الوزير أحمد بن موسى "لأنه معتمد الولاة، ولا يقضى الغرض إلا على يديه"113. أدى كل هذا إلى تذمّر الرعية من إجحاف الجباية وتسلط محصّليها محمّلين إياهم مسؤولية ما وصلوا إليه من فاقة وخصاص،
فثاروا على أعيانهم، وحاصروا دور ممثلي المخزن وخرّبوها، فزاد ذلك من مشاكل المخزن في وقت تزايدت الضغوطات الأجنبية
عليه، فانعدم الأمن وتزايدت الفتن حتى صار القوي يأكل الضعيف، لا ناهٍولا منتهٍ، فبقي الناس في فوضى كالسكارى على حدّ تعبير
الإكراري114.
3.تدخّل المخزن للتخفيف من وقع أزمات المعيشة
عندما تشتد وطأة الجفاف، وتضيق الدنيا بالناس، ويصير العام كالحًا وينيخ بكلكله على البلاد والعباد، يظهر وقع الجائحة جليًا
على الاقتصاد التقليدي المعتمد على المجهود العضلي، فأي خلخلة في البنية الديموغرافية تترجم بنقص في اليد العاملة، تمس كل القطاعات الاقتصادية؛ إذ يقل عدد الفلاحين، ويتناقص مجموع العاملين في مختلف الحرف؛ وهو ما ينعكس سلبيًا على مختلف
الصنائع، التي يتناقص ما يعرض من بضائعها في الأسواق إلى أن يصل الأمر إلى درجة الندرة والخصاص، مما ينعكس مباشرةً على مداخيل الدولة من الضرائب. في مثل هذه الظروف يجد المخزن نفسه ملزمًا بالتدخل لتقديم يد العون للمحتاجين. لكن هذه المساعدات كانت تركز على
فقراء المدن دون أن تشمل معوزي الأطراف البعيدة. وكانت كذلك موسمية ولا تتعدى وجبات لا تسمن ولا تغني من جوع. فقد كان يقدم على سبيل المثال لمحتاجي المدن الكبرى الحساء صباحًا و"خبز الصدقة" عشية. وفي أوقات نادرة قدم الصدقات نقدًا كما فعل
المولى الحسن الأول حينما أمر أمناء مدينة الصويرة خلال المجاعة التي امتدت في الفترة 1878 - 1883 بتوزيع خمسين مثق لً يوميًا
على معوزي المدينة115. كان المخزن في زمن اشتداد المجاعة يعمل على تزويد الأسواق بالحبوب خاصة الشعير والقمح مخافة انتشار الفوضى المؤدية
إلى انعدام الأمن، التي كان من مظاهرها تمرد القبائل ومهاجمتها لدور ممثلي المخزن116، كما كان يتدخل على نحوٍ مباشر في حالات معينة، محاربًا الاحتكار والغلاء، وذلك بمراقبة الأسعار بواسطة المحتسبين، خاصة أسعار الحبوب والخبز. فحرص على ردع
المخالفين من التجار والمزارعين المحتكرين. وفي هذا الإطار، كتب المولى الحسن الأول إلى عمال الجهات وأمنائها يأمرهم بتزويد
109 تاريخ الوجاني أورده: أرفاك، ص 480. 110 أحمد التوفيق، مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 – 1912)، ج 2 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب بالرباط،
1978)، ص 482. 111 الإكراري، ص 179. 112 رسالة مؤرخة في 29 شوال 1300 ه الموافق 2 أيلول/ سبتمبر 1883 م. أوردها: البزاز، ص 372. 113 تعاظم التمرد ببلاد سوس في أواخر القرن التاسع عشر على نحو لم يسبق له مثيل، فجرى اقتحام الكثير من قصبات قواد المخزن. وفي سنة 1899 حاصرت قبائل
مجاط وإداو باعقيل ممثل المخزن بمجالها، وصادف ذلك أن عرفت المنطقة جدبًا ماحقًا. وقد ربط القائد محمد بن الحسين أهاشم ذلك ب "تحميلهم إياهم ما لا طاقة
لهم به من الذعائر والسخاري والمبائت على يد الخديم القائد سعيد الكلولي". من رسالة إلى السلطان مولاي عبد العزيز مؤرخة ب 22 نيسان/ أبريل 1898 م، ضمن أرشيف
مخطوطات البوخاري بودميعة، المجموعة 7، الملف رقم 1، أكادير.
الأسواق بالحبوب حتى يتمكن الناس من الأقوات117. كما كان المخزن في بعض الأوقات يفتح الأهراء التي في حوزته حتى يضمن تموين الأسواق بالقمح والشعير والذرة، فيبيعها بأثمان لا تروم تحقيق الربح كما فعل الحسن الأول إبان مجاعة سنة 1893. كان المخزن في بعض الأوقات يؤجل جمع المستفاد حتى تتحسن الظروف، فيرجئ تحصيل الضرائب ويعفي القبائل من تموين الحركات، فيتكفل بتغذيتها فاتحًا مخازنه لإطعام الحراك وتوفير علف دوابهم. لقد قام الحسن الأول خلال مجاعة 1882 بكراء بواخر لنقل
الحبوب من مدينتَي الجديدة والدار البيضاء إلى بلاد سوس، فعمل على فتح ميناء أكادير المغلق لجلب ما يغطي به حاجات حركته
إلى المنطقة، ورغم ذلك عجز عن تعويض ما كانت تقوم به القبائل في هذا الباب مما جعل بعض الجند يفرون من "محلة" السلطان. لا ينبغي نسيان وضع تدخل المخزن هذا في سياقه التاريخي، فقد يكون عملً كبيرًا إذا أخذنا في الاعتبار ما وصلت إليه البلاد
من ضعف في وقت تزايدت فيه سطوة الأوروبيين، فأحالوا البلاد ساحة للفوضى، حيث استشرت "الحماية القنصلية"، فجعلت التجار المحميين لا يعيرون أوامر المخزن انتباهًا. فكانوا يعملون على شراء الحبوب وتخزينها، حتى إذا نفدت من الأسواق باعوا منها كميات
محسوبة بأسعار مضاعفة، فحققوا من ذلك أرباحًا طائلة. كان المخزن في هذا الوقت في حيص بيص لا يدري ما يقدم وما يؤخر.
فكان بين سندان تردي الأوضاع العامة ومطرقة الضغوط الأجنبية المستفحلة، في وقت تراجعت فيه على نحو كبير مداخيل المخزن من الجمارك المرهونة ومن الضرائب، وهو ما جعل كل محاولات الإصلاح التي شرع المولى الحسن في سنّها لا تحقق المبتغى منها،
وصار وقعها كالهباء على الناس.
خاتمة
انعكست الأزمة المالية التي عاناها المغرب بعد هزيمة تطوان على أحوال العامة، وأثرت سلبيًا في علاقة المخزن بالقبائل؛
فأرهقت الحلول التي سنّها كاهل الناس، وجعلتهم في عسر بيّن، فساهمت على نحوٍ كبير في انعدام الأمن واضطراب أحوال الناس.
لقد أدت كثرة الضرائب وارتفاع قيمتها إلى السخط والاستياء، وفي أحيان كثيرة إلى الامتناع عن أدائها. يلاحظ أنه بالرغم من تسارع الأحداث التي عرفها المغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فإن المخزن لم يغير من طرق اشتغاله، فكانت "الحركات" الأسلوب المعتمد لتأديب القبائل الرافضة لأداء المكوس، والطريقة المعتمدة لقمع المتمردة منها، وكانت وسيلة للتعبير عن الحضور الفعلي للسلطة المخزنية. ولا يخفى ما كان يتطلبه هذا الحراك من مستلزمات مادية ولوجستيكية، كانت القبائل تتحمل عناء توفيرها، وهو ما زاد من معاناة الناس أفرادًا وجماعات. لقد كان السكان في تيه بين ضغط المخزن وقسوة الطبيعة. ساهم المخزن في بعض الأوقات في تفاقم حدة أزمات المعيشة، بخزنه لمحاصيل كثيرة تفقد من السوق، وكان يؤثر بذلك في العرض، ما يؤدي في الغالب إلى ارتفاع الأسعار. وحينما يسوّق هذه المحاصيل، تكون في الغالب قد أصابها السوس وعمّتها الحشرات،
خاصة أن بعض المحاصيل سريعة التلف عندما لا تكون ظروف التخزين سليمة. ورغم محاولات المخزن الموسمية التخفيف من وطأة وقع هذه الظروف على الفقراء، فإن تلك المحاولات لم ترقَ إلى مرتبة الحلول الجذرية للأزمة، بل كانت إجراءات لحظية.
114 الناصري، ج 9، ص 165.
115 M. Fourrier, "Chroniques de la vie de Moulay El Hassan," Revue Archives , vol. 8 (Mai), p. 354.
116 أرنو، ص 52. 117 الناصري، ج 9، ص 174 - 175.
المراجع
العربية
ناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2001.
الكنسوسي. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، 1996. اﻟﻌﺮوي، ﻋﺒﺪ اﷲ. ﻣﺠﻤﻞ تاريخ اﻟﻤﻐﺮب. الدار البيضاء/ بيروت: اﻟﻤﺮﻛﺰ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ اﻟﻌﺮﺑﻲ، 1994.
للجنوب المغربي. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2020.
الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999.
الإنسانية بالرباط. سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992. بن زيدان، عبد الرحمن. إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس. ط 2. الرباط: المطبعة الوطنية، 1990. ________. العز والصولة في معالم نظم الدولة. الرباط: المطبعة الملكية، 1961.
الطليعة، 1991. بوري، جون واتر. أمير المؤمنين. ترجمة عبد الغني أبو العزم [وآخرون]. ط 3. الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2013. بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880 - 1915. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.
البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2012.
مطبعة النجاح الجديدة، 1978. الحجوي، محمد. اختصار الابتسام. مخطوط بالخزانة العامة بالرباط، رقم ح 144. حركات، إبراهيم. المغرب عبر التاريخ. الدار البيضاء: دار الرشاد الحديثة، 1985.
أرنو، لويس. زمن المحلات السلطانية – الجيش المغربي وأحداث قبائل المغرب ما بين 1860 و 1912 م. ترجمة محمد بن عمر
أعفيف، محمد. "الحركات الحسنية من خلال مؤلفات ابن زيدان". مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية. العدد 7 (1981). أكنسوس، محمد بن أحمد. الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي. تحقيق أحمد بن يوسف
أيتجمال، محمد. الأوبئة والمجاعات بسوس وواد نون (ما بين 1900 م و 1945 م): التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي
البادية المغربية عبر التاريخ. تنسيق إبراهيم بوطالب. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. سلسلة ندوات ومناظرات رقم 77.
البزاز، محمد أمين. تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. منشورات كلية الآداب والعلوم
بورقية، رحمة. الدولة والسلطة والمجتمع، دراسة في الثابت والمتحول، في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب. بيروت: دار
التوزاني، نعيمة هراج. الأمناء بالمغرب في عهد السلطان الحسن الأول: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب. الدار
التوفيق، أحمد. مساهمة في دراسة المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850 – 1912). ج 2. الدار البيضاء:
الرباطي، الضعيف. تاريخ الضعيف (1165 - 1233 ه): تاريخ الدولة السعيدة. تحقيق أحمد العماري. الرباط: نشر دار المأثورات،
زرهوني، محمد. العلاقات بين السلطة والسكان بمنطقة طرفي الأطلس الكبير الغربي في أعوام الستين من القرن التاسع عشر (1280 ه/ 1863 م- 1290 ه/ 1873 م). منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية. سلسلة الأطروحات والرسائل 5. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998. السوسي، محمد المختار. المعسول. الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 1961. شروتور، دانييل. يهودي السلطان: المغرب وعالم اليهود السفرد. ترجمة خالد بن الصغير. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية،
صبحي، حسن. التنافس الاستعماري الأوربي في المغرب (1884 - 1904). القاهرة: دار المعارف، 1965. عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986. العيساوي، فاطمة. كلف البوادي في القرن التاسع عشر. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ الجمعية المغربية للبحث التاريخي، 1999. فردريك، وايسجربر. على عتبة المغرب الحديث. ط 2. ترجمة عبد الرحيم حزل. الرباط: دار الأمان، 2011. محمد، الإكراري. روضة الأفنان في وفيات العيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان. تحقيق حمدي أنوش. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1998. معريش، محمد العربي. المغرب الأقصى في عهد الحسن الأول 1873 - 1894. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1989. المنصور، محمد. المغرب قبل الاستعمار - المجتمع والدولة والدين 1792 - 1822. ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006. المودن، عبد الرحمن. البوادي المغربية قبل الاستعمار: قبائل إيناون والمخزن بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. سلسلة رسائل وأطروحات رقم 25. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،
الناصري، أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997. وقفات في تاريخ المغرب. تنسيق عبد المجيد القدوري. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001.
الأجنبية
Cambon, Henri. Histoire de Maroc. Paris: Hachette, 1952. Erckmann, Jules. Le Maroc Moderne. Paris: Challamel Ainé, 1885. Harris, Walter Burton. Le Maroc au temps des sultans. Paul Odinot (trad.). 3 rd éd. Rabat: Dar Al Aman, 2012.
Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme Marocain (1830- 1912). Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1933. Michel, Nicolas. Une Économie de subsistance, Le Maroc précolonial. Le Caire: L'Institut Français d'Archéologie Orientale, 1997. Miège, Jean Louis. Le Maroc et l'Europe , 1830 - 1894. Paris: Presses Universitaires de France, 1962. Renaud, Henri Paul Joseph. "Recherches historiques sur les épidémies du Maroc: La peste de 1799 d'après des documents inédits." Hespéris. vol. 1 (2 ème trimestre 1921). Valensi, Lucette. Le Maghreb avant la prise d'Alger 1700 - 183 0. Paris: Flammarion, 1969.