في المناهج التاريخية المعاصرة: من التاريخ المقارن إلى التاريخ المتصل
Contemporary Historical Methodologies: From Comparative History To Connected History
الملخّص
سيطر التاريخ المقارن على المجال العلمي خلال عقود عديدة، وانشغل به الباحثون تنظيرًا وممارسةً وتطويرًا، ولم تستطع منهجية أخرى، خلال فترة طويلة، منافسته وفرض نفسها بدلًا منه، حتى نادى بعضهم بتتويجه "ملك المناهج التاريخية". لكنّ المتغيرات السياقية التي عايشها العالم بأكمله خلال العقود الأخيرة، خاصة مع العولمة، هزّت "عرش" التاريخ المقارن، وأفرزت الساحة العلميّة "شبكة" من المنهجيات التي تستجيب لمتطلبات السياق الجديد. وتسعى هذه الدراسة إلى التعريف بأهم المقاربات والمناهج التاريخية المعاصرة التي ما زالت في أوج ديناميكيتها وتطورها، منها: تاريخ التداول الثقافي والتاريخ المتصل والتاريخ المتشابك والتاريخ المتقاطع والتاريخ عبر القومي.
Abstract
Comparative history dominated the academic arena for decades and researchers engaged with it in theory, practice and development. For a long time no other methodology could compete with it and prevail in its place, so it was crowned the "king of historical methods". But the contextual changes that the whole world has experienced in recent decades - especially with globalization - have shaken the throne of comparative history, and the scientific arena has given rise to a "network" of methods adapted to the needs of the new context. The aim of this study is to present the main contemporary historical approaches and methodologies that are still at the peak of their dynamism and development, including: connected history, Shared History, cultural transfer, transnational history, Histoire croisée, entangled History.
- التاريخ المتصل
- التاريخ المتقاطع
- تاريخ التداول الثقافي
- التاريخ المتشابك
- التاريخ المتقاسم
- Connected History
- Shared History
- Cultural Transfer
- Histoire Croisée
- Entangled History
| سمية الوحيشي | Louhichi *Soumaya | |
| في المناهج التاريخية المعاصرة: من التاريخ المقارن إلى التاريخ المتصل Contemporary Historical Methodologies: From Comparative History To Connected History | |
مقدمة
كرّست الكتابات التاريخية الحديثة اهتمامها، خلال عقود عديدة، لكتابة التاريخ القومي، وأدّت دورًا محوريّا في صناعة الإطارَين الجغرافي والسياسي للوطن القومي، فالشعور بالانتماء القومي لم يكن ليتحقق من تلقاء نفسه، ولم تكن "القوميّة" معطى طبيعيًا حاصلًا بالبداهة، بل تكفّلت الكتابة التاريخية القومية بمهمّة "إيجاد" مفهوم "الوطن القومي" و"صناعته". وعملت لهذا الغرض على البحث عن قواسم وخصائص مشتركة داخل إطار مكاني محدّد، لتشكّل من خلالها هوية قومية معيّنة، أصبح الانتماء إليها مُلِزمًا، لأن عدمه يضع الفرد على هامش هذا الكيان. من خلال هذا، يتوضح لنا الارتباط التاريخي بين فكرة القومية وكتابة التاريخ القومي. ثمّ إن عمليّة التأريخ للأمة القوميّة كرّست منذ البداية فكرة التجانس داخليًا، وحدّدت "شروط" الانتماء إلى كيان قومي ما، وكرّست في الوقت نفسه فكرة الاختلاف خارجيًا. وفي هذا السياق أيضًا نشأ التاريخ المقارن منهجية بحثية، وهي منهجية متجذرة في سياق نشأة القومية ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بها، فالمقارنة كانت منهجية ناجعة لتك يرس فكرة التجانس داخليًا والاختلاف خارجيًا. ويُعتبر المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ (1886 - 1944) أحد أهم الأسماء المؤسسة للتاريخ المقارن في أوروبا، وقد كتب مقالة رائدة نشرها سنة 19281. واجهت منهجيّة التاريخ المقارن2 انتقادات عدّة، أهُّمُها أنّها تكرّس فكرة المرك يزة الأوروبية؛ إذ إن أوروبا ظلت المنطلق والمركز وعنوان التقدم والتحضّر والمثالَ والنموذجَ الذي به يُقارن، وبه يُقتدى. ولم تكن الغاية المقصودة من هذه المنهجية مقارنة موضوعية ومتوازنة ل "أ" و"ب"، بل إن المقارنة تنطوي على قناعة بأفضلية "أ" على "ب"، وتقوم على سؤال هو: ما الذي ينقص "ب" لتصبح مثل "أ"؟ وذهب منتقدو التاريخ المقارن إلى أنّ منهجيّته تفترض فكرة وحدتين منفصلتين عن بعضهما انفص لًا تامًا، وهو ما يترتب عليه تصوّر خاطئ لدويلات قومية منفصلة عن بعضها وأن سيرورتها تخضع لعوامل ديناميكية داخلية فحسب، في حين أن هذه الوحدات تتفاعل فيما بينها بين تأثير وتأثر ومترابطة ضمن نسيج من علاقات متشابكة ومتقاطعة، لا يمكن تجاهلها3. ومع تحوّل الاهتمام إلى فضاءات تتجاوز الإطار القومي – العولمة – لم يعد هذا المنهج مواكبًا للتحولات على أرض الواقع4، وبدت الحاجة إلى بديل منهجي وتوظيفه في كتابة تاريخية تتجاوز الحدود القومية منهجيّا وعمليّا ضرورة ملحّة. وقد أفرزت الساحة العلميّة خلال العقود الماضية منهجيات عدّة، تحاول من خلالها تجاوز القصور المنهجي للتاريخ المقارن. تكوّن هذه المنهجيات
في الحقيقة "شبكة" فيما بينها؛ إذ إنها متفرعة من بعضها، ومنفتحة على بعضها، ومتفاعلة فيما بينها. ولا تزال هذه المناهج في أوج ديناميكيتها ولم تتبلور آلياتها بصفة نهائية، وحضورها على الساحة العلمية متقارب، لم تتفرّد إحداها بها دون سواها5. تحرص هذه المناهج، على خلاف التاريخ المقارن، على تجاوز الإطار القومي وموقعة مواضيع بحثها في فضاءات مكانية مختلفة محلية كانت أو جهوية أو عولمية، وتركز على دراسة العلاقات المتبادلة وعمليات التفاعل بين كل هذه الفضاءات مع الإقرار في الوقت نفسه بالتنوع والاختلاف بينها. من هذه المنهجيّات: التاريخ المتصل أو التاريخ المتقاسم، وتاريخ التداول الثقافي، والتاريخ عبر القومي، والتاريخ المتقاطع، والتاريخ المتشابك6.
أوالًا: في نقد التاريخ المقارن
الدراسات النقدية للتاريخ المقارن لا تحصى. وتلخّص دراسة قيّمة للمؤرخ الفرنسي ميشيل فرنر (1946 -) وعالمة الاجتماع الفرنسية بنيديكت زمرمان (1965)-7 مجمل نتائج هذه الدراسات النقدية، وتعدّد أربعة إشكالات مهمّة تسود التاريخ المقارن. يتعلّق أوّلها بنسبية الرؤية التاريخية للملاحظ/ الكاتب، وهذا إشكال أساسي يمسّ كل الإنتاج المعرفي التاريخي. يضاف إلى هذا أن الإنتاج المعرفي المتولد من عملية المقارنة، هو معرفة ناتجة من ملاحظ/ مراقب يتموضع خارج الأشياء المرصودة، ويقف منها مسافة تجعل الملاحظة المبنيّة على المقارنة ممكنة، أي إنّه يضع نفسه في موقع حيادي مطلق، على الأقلّ نظريّا. ولئن كانت ملاحظة التطورات الاجتماعية والثقافية عبر هذه المسافة ممكنة نظ ريًا، فهي غير ممكنة عمليًا؛ إذ إنها تم جز اختيارات الملاحظ/ الكاتب اللغوية ومفاهيمه ومرجعيته الثقافية وخبرته الشخصية مع عملية الملاحظة هذه، وتؤثّر في تشكّل الإنتاج المعرفي، وتبتعد به عن الحيادية. ويتعلّق الإشكال الثاني، في نظر فرنر وزمرمان، بمستويات المقارنة، فالإطار والظرفيات العامة التي تتم فيها عمليات المقارنة ليست موضوعية البتّة؛ إذ إن هذه العمليات تنطلق مثلًا من فكرة القومية، التي هي مفهوم مترسّخ في السياق الأوروبي، إضافةً إلى أن هذا المفهوم ومثله مفهوم "الحضارة" مثلًا ليسا بمعطيات طبيعية، بل لهما جذورهما وخصائصهما التاريخية، وتشمل هذه المفاهيم معانيَ معيّنة وتقصي أخرى، بحسب الزمان والمكان، وتضع اعتبارات قيمية مختلفة للدين والسياسة والثقافة. أمّا الإشكال الثالث، في رأي الباحثين، فيتعلّق بمواضيع المقارنة، فأًّيًا كان موضوع المقارنة الذي يختاره المرء، سواء كان مصانع الإنتاج أو مؤسسات أو جمعيات، فإنه نتاج تاريخي، يخضع لتفاعل ديناميكي وحيوي مع العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وتع يرفه وتحديده يتغيران ويتشكلان مع هذا التفاعل. ويضيف فرنر وزمرمان إلى القائمة إشك لًا رابعًا، يعدّانه من أهم إشكالات التاريخ المقارن؛ فالمقارنة باعتبارها عملية معرفية تفترض التزامن، في حين أن التغير والتحول من سمة المجتمعات، ويخضعان لمبدأ اللاتزامن. فحين يحاول التاريخ المقارن أخذ
هذا التغير والتحول في الحسبان، يشوّش هذا على منهجية عمله التي تفترض التزامن، وتوحي ضمنيًا باختلافات وتشابهات ثابتة لا تتغير. وكلما دخل المرء في تفاصيل هذه التغيرات والتحولات، أصبح من الصعب تب رير عمليّة المقارنة في حدّ ذاتها. فالتاريخ المقارن يعاني علة اللاتاريخية، بعبارة فرنر وزمرمان؛ إذ إنه ريكز على مقارنة الأشياء في كل كبيرة وصغيرة، ولكنه يغفل كلًّيًا عن نظام سيرورة الأشياء وتطورها. ويذهب النقد الموجّه للتاريخ المقارن إلى أكثر من هذا؛ فهو ريى أنّ المقارنة تفشل في دراسة العلاقات التاريخية بين وحدات المقارنة وفحصها على نحو منهجي، ذلك أنه لا يولي التاريخ المقارن اهتمامًا بحثيًا بعمليات التداول، وعمليات هجرة المجموعات السكانية ونزوحها وعمليات التثاقف والتلاقح الثقافي الناتجة منها8.
ثانيًا: التاريخ عبر القومي
اعتبرت الأنثروبولوجيا، منذ بدايات القرن التاسع عشر، المجموعات البش يرة كياناتٍ قائمةً بذاتها؛ كلّ منها على حدة، وكل منها في إطار مكاني معيّن خاصّ به. ومنذ بداية خمسينيات القرن الماضي، ناقش علماء الأنثروبولوجيا سؤ لًا مهًّمًا: أهذه الكيانات قائمة بذاتها، ومن ثمّ يمكن الاكتفاء بتفسيرها من خلال عوامل ذاتية، أم أن الأحرى دراسة هذه الكيانات من خلال علاقاتها ببعضها؟ ومع طفرة العولمة التي شهدها القرن العشرون في نهاياته، وما واكبها من تدفّق مكثف للبضائع والأشخاص والأفكار، وجد علم الأنثروبولوجيا نفسه أمام تحديات جديدة. فلو افترضنا أنّ هذا المجتمع القائم بذاته، والذي يمكن تفسيره من خلال عوامل ذاتية، قد وجد فعلًا في مكان وفي زمان ما، فإننا في سياق العولمة لا نستطيع أن ننكر دور العوامل الخارجية في تشكيل كيان مجتمعي ما، أو أن نعتقد واهمين أن تصور "المجتمع القائم بذاته" يمكنه أن يثبت أمام ظاهرة العولمة. وطرح علماء الأنثروبولوجيا سؤ لًا مهمًا آخر، فكما أن مفهوم المجتمع القائم بذاته هو في الحقيقة تصوّر، وليس معطى طبيعيًا، فإن مفهوم المكان أيضًا ليس معطى طبيعيًا، بل هو تصوّر بشري، تمّ تك يرسه من خلال مجموعة من الأفكار والممارسات والرموز. ومع التحولات والتغيرات التي أفرزتها العولمة، أصبح من الصعب تمييز مكان ما، بمفهومه التقليدي، من مكان آخر9. وفي الحقيقة، فإنّ مفهوم المكان كان قد ارتبك قبل العولمة بمدّة طويلة؛ إذ إن الاختراعات التقنية التي تتالت خلال القرن التاسع عشر، خاصّة اختراع السكة الحديدية، أدّت إلى تق يرب المسافات المكانية على نحو ملحوظ، ومكّن اختراع التلغراف والهاتف من الاتصال عبر مسافات بعيدة ومن دون تقارب محسوس، فأحدث ثورة في الخ يرطة الإدراكية للمعاص يرن وتغييرًا في تصورهم للمكان المحيط بهم، وهو ما كان له تأثير عميق في مفهوم المكان، وأدّى بحسب تعبير الكاتب الألماني هاينرش هاينه (1797 - 1856) إلى "زعزعة الأسس الجوه يرة لمفهوم المكان والزمان"، وإلى "قتل المكان "10. كان التاريخ القومي قد نشأ تخصصًا أكاديميًا مع الدولة القومية وأصبح أحد أعمدتها الأيديولوجية الرئيسة. وقد تمكّن المؤرخون بناءً على هذه المقاربة، من التركيز على تاريخهم القومي إلى حدّ بعيد بمعزل عن تاريخ بقية العالم. وخلال فترة طويلة جدًا، جرى إهمال الجهات الفاعلة من غير الدول وشبكاتها الدولية، وإهمال التفاعلات والترابطات خارج الإطار القومي. لقد تقوقع المبحث التاريخي داخل حدود الإطار القومي وظل حبيسها فترة طويلة. بل إنّ الأمة القومية والدولة حتى اليوم ظلّتا موضوعين مرك زَّيَين في البحث التاريخي، ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه؛ بسبب مرك يزة الدول القومية في السياسة
الداخلية وفي العلاقات الدولية. ولا ننسى أن نشأة الكيانات القومية تُعتبر حديثة، فقد شهدت الفترة التي تلت عام 1945 وحدها إنشاء 121 من أصل 193 دولة. ويفسّر هذا تواصل الحضور القويّ للتاريخ القومي، الذي وصفه بعض المؤرخين ب "استبداد القوميّ"11. مع نهاية القرن العش يرن، ومع تقدّم تيار العولمة، لم يعد من الممكن قبول المفهوم التقليدي للمجموعات البش يرة باعتبارها كيانات قائمة بذاتها، كلّ منها على حدة، وفي إطار مكانيّ "قوميّ" معيّن خاصّ به، ويستحيل تصوّرها خالية من التأثيرات العالمية، بل إن العالمي والمحلي "القومي" أصبحا متشابكَين لا ينفصلان. في هذا السياق، تأسس "التاريخ عبر القومي"، الذي يقوم على مقاربة للتاريخ تركز على سلسلة الروابط التي تتجاوز الحدود السياسية للكيانات القومية وتسعى إلى البحث في الروابط بين أجزاء مختلفة من العالم، وذلك بناءً على دراسة شبكات تنقل الأفكار والأشخاص والأشياء؛ فيمكن على سبيل المثال، تتبّع شبكات بعيدة المدى من التجار، أو العمّال الحرفيّين أو الاقتصاديين الليبراليين الجدد12. يخوّل لنا التاريخ "عبر القومي"، وما تفرّع منه من تاريخ "عبر مكاني"، أو "عبر حدودي" أو "عبر ثقافيّ" أو غيره13، أن نتجاوز مفهوم "المكان" على أنه كيان مغلق قائم بذاته، ونتابع التأثيرات بين المحلّي والعالمي في اتجاهيهما. ويبين التاريخ "عبر القومي" أنّ الكيانات، سواء كانت "محلية" أو "قومية" أو غير ذلك ليست بالمعطيات الثابتة، بل هي معطيات ديناميكية متغيرة14. وتجدر الملاحظة هنا أنّ أجزاءً كبيرة من الكرة الأرضية، قبل بدايات القرن العش يرن، لم تكن خاضعة لنظام الدول القومية بقدر ما كانت خاضعة لسيطرة الإمبراطوريات والمدن-الدول وما إلى ذلك، لذا فإن مصطلح "التاريخ عبر القومي" لن يكون اعتماده دقيقًا في سياق تاريخي قبل سنة 191415. يتسم التاريخ عبر القومي بالرغبة في تجاوز "الدولة القومية" باعتبارها معطى للتحليل، والتغلب، من الناحيتين النظ يرة والتطبيقية، على الثنائيات الكبرى التي تهيمن على التاريخ القومي: العالمي والمحلي، القومي والدولي، نحن وهُمْ. بالنسبة إلى التاريخ عبر القومي، يمكن أن تكون وحدات التحليل حًّيًا أو بضع قرى، أو حتى محيطًا بأكمله؛ إذ تقوم الفكرة المحورية للتاريخ عبر القومي على تتبّع تحرّكات الأشخاص (أو الأشياء أو الأفكار) أينما ذهبوا، وعلى النظر في الحركات والتدفقات والتداولات
العابرة للفضاءات القومية، إضافةً إلى أنه يوجّه نظره إلى "فضاء التدفقات" Flows the of Space، بعبارة أرجون أبادوراي Appadurai Arjun (1949 -)، الذي كان عمله في أواخر الثمانينيات محوريًا في نضوج منهجية التاريخ عبر القومي. فالتاريخ عبر القومي ريى أن العمليات التاريخية لا تحدث في أماكن مختلفة فحسب، بل يؤَّسَس لها أثناء الحركة بين المدن والأقاليم والممالك16. يُعدّ المؤرخ الفرنسي بيير إيف سونييه (1963 -) من أهم الأسماء المؤسسة للتاريخ عبر القومي، وقد نشر في سنة 2009 مع المؤرخ الياباني الأصل آكيرا إ يريه (1934 -) موسوعة مهمة بعنوان: التاريخ عبر القومي: من منتصف القرن التاسع عشر إلى اليوم17، أصبحت مرجعًا لا غنى عنه لدراسة التاريخ عبر القومي. وفي سنة 2013، نشر سونييه كتابه التاريخ عبر القومي18، الذي أصبح مرجعًا لكل باحث في هذا المجال. يذكر سونييه أنّ أوّل من استخدم عبارة "عبر القومي" هو المؤرخ الفرنسي كونستانتان بيكور Pecqueur Constantin (1801 - 1887)، إلا أن مقاربة التاريخ عبر القومي لم تتبلور وتكتسب زخمًا إلا بعد أن نشر عالمَا السياسة روبرت أو كيوهان (1941) - وجوزيف س. ناي (1937 -)، في سنة 1971، كتابًا بعنوان العلاقات عبر القومية والسياسة العالمية19. وقد رسم هذا الكتاب منعطفًا مهًّمًا بالنسبة إلى التاريخ عبر القومي Turn Transnational، وفتح بابًا واسعًا للبحث في التشابكات والتفاعلات بين السياسات والمجتمعات والجماعات عبر الحدود، ومثّلت دراسة المنظمات غير الحكومية، والجهات الفاعلة غير الحكومية من غير الدول على اختلاف أنواعها، والشركات المتعددة الجنسيات، والمنظمات الدولية الحكومية الدولية (عصبة الأمم، الأمم المتحدة)، وغيرها، مجالات خصبة لتطبيق منهجية التاريخ عبر القومي. لاحقًا، توسّعت البحوث التطبيقية لتشمل دراسات المناطق الحدودية، وحقوق الإنسان، والبيئة، وأثْرَت مقاربة التاريخ عبر القومي الدراسات المتعلقة بالهجرة والشتات. تناولت الدراسات التاريخية، قبلها وخلال سنوات عديدة، موضوع الهجرة، سواء كانت هجرة حرة أو قس يرة، بأن ركّزت على تأثير الهجرة في بلد المقصد أو بلد المنشأ. وقد أدى إدخال هذا البعد "عبر القومي" إلى اهتمام المؤرخين بدراسة أسباب الهجرة وآثارها في بلد المنشأ وبلد المقصد، ووجهت اهتمامها إلى حركة عودة العديد من المهاج يرن إلى بلدانهم الأصلية، ودرست العوامل الكامنة فيها ونتائجها. ويفتح التاريخ عبر القومي إمكانات تحليلية أوسع لفهم العلاقات المتبادلة والشبكات المعقدة والجهات المتعددة الفاعلة. يعرّف سونييه التاريخ عبر القومي بأنّه مقاربة ومنظور يسلط الضوء على ما يعمل بين الوحدات التي أنشأها البشر لتنظيم حياتهم الجماعية من خلالها، و ريكز على التفاعلات والتشابكات بين الشعوب والمجتمعات؛ ومن هنا، فإن التفاعلات والتشابكات عبر القومية هي محور اهتمام التاريخ عبر القومي. ولذا يحثّ سونييه المؤرخين على توسيع نظرهم إلى ما وراء الكيانات القومية، ويبيّن أنّه إذا ما درس المؤرخ مثلًا تأثير إعلان الاستقلال الأميركي وامتداده فإنه يحتاج إلى متابعة هذا التأثير حيثما اتجهت أنظاره، سواء كان ذلك في غانا أو فنزويلا، وليس فقط إلى اليابان ما بعد الحرب20.
في القرن الحادي والعش يرن، أصبح التاريخ عبر القومي تخصصًا فرعيًا راسخًا في معاهد التاريخ21، وهو يختلف عن التاريخ العالمي History Global الذي يبحث في التغيرات العالمية والتغيّرات على مر الزمن، ويختلف عن التاريخ الدبلوماسي أو الدولي الذي يبحث في العلاقات الخارجية بين الحكومات والدول22.
ثالثًا: التاريخ المتصل أو التاريخ المتقاسَم
تعبّر هذه التسميات المختلفة في الواقع عن المنهجيّة نفسها، ويُعرّف التاريخ المتصل أو المتقاسم بأنه، على عكس التاريخ المقارن، يهتم حص ريًا بتحرّكات وتحّولّات وتنّقلّات للإنسان والأشياء والأفكار في المكان، ويدرس مسارات حركات التداول، وعمليات التثاقف والتلاقح، واكتساب المعرفة وتكييفها في المجتمع الجديد. وعلى عكس التاريخ المقارن، يتميّز التاريخ المتصل أو المتقاسم بانفتاحه على سياقات غير متزامنة، وبسعيه إلى تجاوز مفهوم الحدود القومية؛ إذ إنه يعمل على درس التحركات والتحولات خارج التع يرفات القومية السائدة للمجتمعات. نشأ مصطلح التاريخ المتصل في أوساط مدرسة الحوليات الفرنسية التي أسس لها كل من مارك بلوخ (1886 - 1944) ولوسيان فافر (1878 - 1956). وقد أصدر الاثنان في سنة 1929 مجلتهما حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي23، وعملا من خلالها على انفتاح علم التاريخ على الجغرافيا وعلم الاجتماع. وانتقلا بها من التأريخ للحدث إلى النظر في حيثياته الطويلة الأمد، وأخذا خاصة العوامل الاقتصادية بعين الاعتبار. وقد ارتبط المصطلح لاحقًا باسم سي جر غروزينسكي (1949 -) الذي بيّن في أبحاثه مدى واسعًا للتلاقح الثقافي الذي نتج من الحركات التوسّعية الإسبانية – وهو النموذج الذي درسه – والتي لا يمكن الإحاطة بأهمّيتها وحجمها باعتماد منهجية التاريخ المقارن، مثلًا، التي تفترض أنّ كًّلا من الوحدات المقارنة ثابتة ومتجانسة24. واستطاع غروزينسكي أن يبرز في كتاباته روابط وتفاعلات ثقافية تتجاوز الوحدات القومية، و ريسم بهذا خ يرطة مختلفة للعالم. على أنّ هذه التلاقحات هي أبعد ما تكون عن عملية "تهجين سعيدة"25، بل تنتج من صدامات كثيرًا ما تكون عنيفة، إلى جانب أنّ النتيجة ليست نظامًا موحدًا ثابتًا، بل فسيفساء من التجزئات والشذرات الثقافية التي تمرّ بعملية التلاقح وتحتاج إلى برهة من الزمن للتموضع في سياقها الجديد. ويُعتبر سنجاي سوبرهمنيان (1961 -) من أهم من ارتبط التاريخ المتصل باسمهم؛ إذ إنه عمل على تطبيق هذه المنهجية في كتاباته وسعى من خلالها إلى إبراز الروابط بين مناطق مختلفة في العصر الحديث المبكر، وعمل على تتبّع جذور هذه الروابط عبر المكان والزمان من خلال دراسات أرشيفية معمقة، وقد ساعده في ذلك تمكّنه من لغات أوروبية وشرقية عديدة. وعلى عكس المقاربات التي
تفترض أنّ التباين والاختلاف بين الوحدات الثقافية الإقليمية المتعدّدة ثابت، التاريخ المقارن أو البنيوية مثلًا، يدافع سوبرهمنيان عن فكرة أنّ الاختلافات بين الثقافات موجودة فعلًا، ولكنها ليست بالجوهر الثابت؛ فهي نتاج تاريخي وعرضة للتغيير المستمر. و ريى أنّه لا يمكن تحديد قاعدة عمل عامة، بل يجب دراسة كل حالة على حدة لتوضيح تأثير هذه الاختلافات في التواصل، إن كانت تعرقل لايًااحتسم هلعجت ىتح وأ لاثًاام مهفلا، و ريى ضرورة الوقوف كل مرة عند الدور الذي تؤديه القواسم المشتركة والوسطاء26. وتبيّن دراسات التاريخ المتصل أو المتقاسم أنّ التحركات والتنقلات بين المجتمعات والدول والأمم والمجموعات البش يرة تساهم في تشكيل كل هذه الكيانات إلى حدّ بعيد، وتنتقد أنّ تجاهل هذه التفاعلات وإسهاماتها يعني حجب مكوّنات ثقافية مهمّة، وتؤاخذ الكتابات التاريخية المقارنة عليه؛ إذ إنها التزمت بحدود الكيانات القومية – وهي تكوين تاريخي متأخر – فعجزت عن النظر في التشابهات والتقاربات المتجذّرة في تاريخ أبعد. وتوجّه هذه المناهج النظر إلى مسألة مهمّة تتعلق بآليات استقبال عناصر الثقافة المادية والروحية وتكييفها في المجتمع الجديد؛ إذ إن عمليات التفاعل ارتبطت دائمًا بعمليات الترجمة الثقافية. فحركات الترجمة ساعدت من جهة في عمليات تملّك العناصر الثقافية المستقبَلة وتكييفها مع المجتمع الجديد، ومن جهة أخرى أدّت دورًا محوريًا في تغيير ثقافة المجتمع المستقبِل وإثرائها وانفتاحها. بناءً عليه، يسعى التاريخ المتصل، أو المتقاسم أو عبر القومي، إلى التغلب على القوالب المحصورة داخل حدود التفكير القومي، ويؤكّد أنّ الثقافة وحتى الكيانات القومية خاضعة لسيرورة تغيي يرة متواصلة وأنّ الحدود غير ثابتة، ومحتوى ثقافة التبادل خاضع للتكييف وتستوجب مفاهيمه تع يرفات جديدة27.
رابعًا: تاريخ التداول الثقافي
ترتبط منهجية تاريخ التداول باسم المؤرخ الفرنسي ميشيل إسباني (1951 -)، الذي قطع بهذه المنهجية مع منهجية التاريخ المقارن التي تقوم على مبدأ المقارنة بين المجموعات؛ فهو ريى أنّ تكوّن المجموعات لا يسبق عمليات التداول الثقافي حتى يمكننا مقارنتها، بمعنى أن سيرورة الأمور لا تبدأ بتكوّن مجموعات منفصلة عن بعضها، واضحة المعالم والصفات، ثم في مرحلة ثانية تدخل هذه المجموعات في عملية تداول ثقافي، بل إنّ عملية التداول هذه عامل مؤسس لهذه الجماعات ومحرّكها28. ويعرّف الباحث الألماني ماتياس ميدل (1961 -) مفهوم التداول الثقافي بأنه "حركة مجموعات من الناس والأشياء المحسوسة والمفاهيم والأنظمة الثقافية في المكان، وفي الحالة المثالية تكون هذه الحركة بين ثقافات متنوعة ومنفصلة عن بعضها ثم ينتج التمازج والتفاعل بينها"29، فتاريخ التداول الثقافي ريكز اهتمامه أساسًا على عمليات التكيف والتأقلم التي تخضع لها النظم المعرفية
والمفهومية عند انتقالها من سياق معيّن إلى آخر. ويبدو واضحًا من خلال هذا التع يرف أنّ تاريخ التداول الثقافي لم يستطع التخلي تمامًا عن "مدّ حدود"، لكنه مع ذلك ريى أنّ الاختلافات ليست ثابتة، بل نسبية؛ فبدلًا من التركيز على المتضادات وتك يرس الاختلاف، يدعو هذا المنهج إلى التركيز على التداولات، أي التلاقحات والامتزاجات الثقافية Métissages، فكل مجموعة قائمة، حتى تلك التي تضع حدودًا صارمة بينها وبين الأخرى، تحمل في طياتها لمسات تداول قديم30. وحتى في هذه المسألة لا يختلف تاريخ التداول الثقافي عن التاريخ المتصل أو المتقاسم، فكلاهما يهتم بالتحركات والتحولات في المكان، أي بتنقلات الإنسان والأشياء والأفكار، لكن تاريخ التداول الثقافي يصقل منهجية العمل في عدّة مواضع ويعمّقها أكثر، فهو يبحث في عدّة مسائل أخرى؛ منها أسباب التداول وحيثياته. وإن سلّمنا بواقع أن التداول يحدث في كل زمان ومكان ودائمًا، فإن هذا التداول نشأ كلّ مرّة في ظرفية وسياق معينَين، وعن ط يرق فاعلين معيّنين ولأسباب معيّنة، والبواعث قد نجدها في الثقافة المنطلق أو في الثقافة المستقبِلة أو الناقلة، ونجاح هذا التداول متوقف كثيرًا على مدى حاجة الثقافة الناقلة إليه. ويتكشّف لنا جانب آخر من هذه المسألة، إذا وجّهنا اهتمامنا إلى "التاريخ الاستعماري"؛ إذ لا يمكن في هذا السياق كتابة تاريخ التداول الثقافي من دون التنبّه إلى أن عمليّة انتقال الأفكار والأنظمة قد تمّت أساسًا من العواصم الأوروبية؛ أي من مراكز القوى المُستعمِرة؛ ما يعني ارتباط هذه العملية بمسألة القوة، كما تبيّن ذلك الدراسات ما بعد الكولونيالية. وتفنّد هذه الدراسات آراء المؤرخين القديمة التي تتحدّث عن عملية تلقائية نتجت من الفوارق الحضارية أو من "عملية تبشير حضاري"، بكل ما توحي به عبارة التبشير من سلمية، وتؤكد العلاقة القائمة بين الثقافة والقوة، فتبنّي ثقافة المستعمر وأنظمته المعرفية لم يكن اختيارًا حرّا للفاعلين في الثقافة المستقبِلة، بل عمل المُستَعمِر على صناعة خطاب كولونيالي معيّن ساعد على استقرار نظامه. لكنّ هذه العملية لم تَخْلُ، بطبيعة الحال، من مصالح مشتركة بين الجانبين، ومن تحالفات بين المُستَعمِر والمُستَعمَر أحيانًا31. أما المسألة الثانية التي يبحث فيها تاريخ التداول الثقافي فتخص معايير الاختيار؛ إذ لم يحدُث قُّطُ نقلٌ لثقافة بأكملها، بل إنّ عملية النقل تخصّ عناصر مختارة منها. لذا يوجّه تاريخ التداول الثقافي نظره إلى أسباب اختيار الفاعلين لعناصرَ ما دون غيرها لتداولها، ويدرس "الخطاب" الذي يتمّ تك يرسه في السياق المعني لإضفاء الشرعية على عملية الاختيار هذه. يتجه تاريخ التداول الثقافي، على إثرها، إلى النظر في مسألة ثالثة تخص نتائج هذا التداول. فالتداول يُحدث تغييرًا، يستهدف عادة الثقافة المستقبِلة، سواء كان التغيير نتيجة تداول ثقافي واسع النطاق عبر تيار "الحداثة" مثلًا، أو نتيجة فعاليات أكثر تواضعًا مثل التداول فيما يخص نظم الرعاية الاجتماعية أو التعليم المدرسي مثلًا، لكنّ الثقافة التي تكون المنطلق لا تبقى كذلك، بأي حال من الأحوال، بمعزل عن نتائج التداول. وبناءً عليه، فإنّ تاريخ التداول الثقافي يبحث في عملية "التأثير الارتدادي" لحركات الاستعمار في العواصم الأوروبية مثلًا، والمقصود هنا ليس دراسة عمليّة التداول في اتجاه معاكس فحسب، بل يهتم تاريخ التداول الثقافي كذلك بتأثيرات "نشر" الحضارة الخاصة بشعبٍ ما في وعيه نفسه بذاته وبثقافته. فإذا تم التداول بين مجموعات متوازنة فيما بينها من حيث المبدأ، يؤدي هذا إلى نموّ نوع من حسّ الانتماء المشترك؛ فليس من باب المصادفة، إذًا، أن تزدهر خلال السنوات الأخيرة دراسات التداول الثقافي بين دول الاتحاد الأوروبي. ويختلف الوضع إذا تمّ البحث في التداول الثقافي في اتجاه واحد فقط، كما يحدث عادةً عند دراسة السياق الاستعماري؛ إذ لا ينتج من البحث في عملية التداول في هذه الحالة حسّ انتماء مشترك، بل على العكس من ذلك، كُرّست الدراسات حينئذ لعلاقة تراتبية.
وينظر تاريخ التداول الثقافي في نتائج التداول على مستوى آخر، إذ إن التغيير لا يلمس الثقافة المستقبِلة فحسب، بل إنّ موضوع التداول نفسه يخضع ضمن هذه العمليّة إلى التغير والتحول. فقد تؤدي عملية التداول إلى استئصال موضوع التداول من سياقه وموضعته في سياق جديد؛ بمعنى أن عنصر التداول أو موضوعه يُنتَزع من سياقه الأصلي في الثقافة المنطلق، وهو الذي منحه سابقًا معناه، ليوضع في سياق الثقافة المستقبِلة الجديد التي تمنحه معنى جديدًا. وقد يحدث هذا التغيير إذا لم يُنقل محتوى الموضوع لاثًاام لامًاااك، أو إذا أسيء فهمه أو فُسّر بطُيرقة مختلفة. وقد تنجح عمليّة تداول موضوع أو عنصر ما، وقد تبوء بالفشل. وتكون عملية التداول ناجحة عند تلقّف الثقافة المستهدفة للموضوع، بغض النظر عن كيفية هذا التلقف، وربما يُنظَر إلى المتلَّقَف في السياق الجديد على أنه دخيل ويجري التعامل معه بناءً على هذه الصفة، وقد يحتفظ ببعضٍ من معانيه القديمة، ويضيف إليها معانيَ جديدة يكتسبها في سياقه الجديد، وقد يتماهى المتلقّف أيضًا تماهيًا كاملًا مع خصوصيات سياقه الجديد، إلى حدّ نسيان أنه دخيل. ويمكن أن تفشل عملية التداول أيضًا، وذلك عندما يتمّ تجاهل العنصر المتداول، أو مقاومته بأن يتمّ حظره مثلًا32. في هذا الإطار يشير الدارسون إلى أهمية حركات الترجمة ودورها في عمليّات التداول؛ إذ إنها ساعدت من جهة في عمليات تملّك العناصر الثقافية المستقبَلة وتكييفها مع المجتمع الجديد. ومن جهة أخرى، أدّت دورًا محوريًا في تغيير ثقافة المجتمع المستقبِل وإثرائها وانفتاحها. وبناءً على هذا، يسعى تاريخ التداول الثقافي إلى التغلّب على القوالب المحصورة داخل حدود التفكير القومي، ويؤكّد أنّ الثقافة وحتى الكيانات القومية خاضعة لسيرورة تغيي يرة متواصلة وأن الحدود غير ثابتة، كما أن محتوى ثقافة التداول خاضع للتكييف وتستوجب مفاهيمه تع يرفات جديدة. فعمليات التواصل والتداول هذه لا تدل على علاقات تواصل وتشابهات بين كيانات اجتماعية مختلفة فحسب، بل تدل أيضًا على شبكات من التواصل في اتجاهات مختلفة تعيد تشكيل هذه الكيانات الاجتماعية وهويتها تشكيلًا جديدًا33. في الحقيقة، تقدّم دراسات تاريخ التداول الثقافي بين الدول نتائج ث يرة ودقيقة، خاصةً فيما يخصّ ثقافة الاستقبال. ورغم أنّها وضعت البناء القومي الأيديولوجي محلّ تساؤل، وأثبتت وجود العناصر الدخيلة في الثقافة القومية، وأكّدت، بناءً عليه، أن الحدود لم تكن ثابتة قطّ، فإنّ تاريخ التداول الثقافي، مع كلّ هذه التدقيقات المنهجية، يواجه عدّة انتقادات؛ أولها يعترض على تحديد ضمنيّ لنقطتَي بداية ونهاية لحركات التداول، فتاريخ التداول الثقافي يفترض في تحليلاته نقطة بداية ونقطة نهاية لهذه الحركات، وعادة ما تموضع هذه المنهجية نقطتَي البداية والنهاية في الكيانات أو الثقافات القومية التي يتم التداول فيما بينها، لذلك ينحصر تحليل التداول في الإطار القومي، وإن ظلت التوصيفات والمفاهيم القومية في كثير من الحالات ضمنية، فما إن ينتقل المهاجر من إيطاليا إلى الولايات المتحدة الأميركية أو الأرجنتين مثلًا، حتى يواجه الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافة الإقليمية في الجهة المقابلة، ويجري "قياس" سلوكه وتقييمه بالنظر إلى سلوكيات المجتمع الذي يوجد فيه وبحسب مقياسه. وتراوح هذه القياسات بين الاندماج التام في أقصى الطرف والانغلاق التام على الثقافة الأصلية في الطرف الآخر من المقياس. وحتى حينما تولّد الهجرة سلوكيات جديدة خاصة بها، فإنّ هذه السلوكيات تُقَّيَم وتقاس بسلوكيات الأنظمة المحلية – القومية وأنماط الإدراك فيها. عمومًا، لا يمكن تحليل عملية التداول من دون موقعة أطرافها ضمن نظم ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية معيّنة. لهذا السبب، يتضمن تاريخ التداول الثقافي دائمًا بُعدًا مقارنًا، سواء تم التعبير عنه مباشرة أو ضمنيًا. وبناءً عليه، يبدو أن منهجية تاريخ التداول، وإن وجّهت نظرها إلى التفاعلات والتداولات بين الكيانات المختلفة، تكرّس من حيث لا تدري فكرة الكيانات القومية باعتبارها مرجعية. والنتيجة أنّ منهجية تاريخ التداول الثقافي التي نادت بتخليص التاريخ من الحدود التي رسمها الفكر القومي تترك "بابًا خلفيًا" مفتوحًا يسمح للفكر القومي بالعودة إلى ساحة العلوم التاريخية34.
خامسًا: التاريخ المتقاطع
ارتبط مفهوم التاريخ المتقاطع35 باسمَي المؤرخ الفرنسي ميشيل فرنر وعالمة الاجتماع الفرنسية بنيديكت زمرمان. وقد عمل فرنر قبل ذلك مع المؤرخ الفرنسي ميشيل إسباني حول تاريخ التداول الثقافي – وكنّا قد أشرنا إلى هؤلاء الباحثين ومناهجهم سابقًا – قبل أن يعمّق أفكاره في مرحلة لاحقة من مسيرته العلمية ضمن فكرة "التاريخ المتقاطع"36. يوضح فرنر وزمرمان أنّ منهجيتهما، التاريخ المتقاطع، جاءت ردّا منهجًّيًا على الانتقادات الموجهة إلى التاريخ المتصل وتاريخ التداول الثقافي ومحاولة لتجاوز الحدود القومية، وهو الهدف الذي لم تستكمله المنهجيات السابقة. في المقابل، يوضح الباحثان أنّ التداولات والتشابكات والتقاطعات في حدّ ذاتها هي موضوع مشترك بين التاريخ المتصل وتاريخ التداول الثقافي والتاريخ المتقاطع، وأنّ التاريخ المتقاطع يهدف في الواقع إلى الهدف نفسه الذي تسعى إليه منهجية التاريخ المتصل وتاريخ التداول، وأنّ الأخيرتين استطاعتا أن تعالجا مسائل منهجية كثيرة وقف التاريخ المقارن دونها. ولكنّ التاريخ المتقاطع استطاع، في رأي الباحثين، أن يتقدم خطوة أخرى نحو هذا الهدف، وذلك بإضافة بعدين منهجيّين مهَّمَين. أوّلهما أنّه في حين نشأت مناهج التاريخ المتصل وتاريخ التداول الثقافي في تعارضٍ تامّ مع التاريخ المقارن، سعى التاريخ المتقاطع إلى البحث عن طرق للتغلب على هذا التعارض وتضمين أسئلة مقارنة في منهجه. وثانيهما أنه في الوقت الذي يستمد التاريخ المتصل وتاريخ التداول الثقافي ديناميكيتهما العلمية من استكشاف أهمية التشابكات التاريخية وإبرازها وإيجاد الآليات المنهجية لدراستها، يتعمق التاريخ المتقاطع في تحليل هذه التشابكات والتقاطعات بإضافة مستويات أخرى إليها37. ويبين فرنر وزمرمان أنّ التقاطعات تتمّ في مفهوم "التاريخ المتقاطع" على ثلاثة مستويات مختلفة. يتعلق الأمر في المستوى الأول بعملية تقاطع على مستوى الأشخاص، والمقصود بها حركة المهاج يرن مثلًا، التي تؤدّي إلى نشأة شبكة متنوّعة من التداولات. أما في المستوى الثاني، فيتعلق الأمر بتقاطع الأفكار؛ ومنها الأنظمة الاقتصادية والسياسية والتعليمية، تصاحبها حركة أشياء ملموسة، مثل الكتب ومنتجات التكنولوجيا وغيرها، ونادرًا ما تكون هذه الحركة في اتجاه واحد، فبعد تكيّف العنصر المنقول مع سياقه الجديد، كثيرًا ما تحدث عمليّة التداول في اتجاه معاكس Transfer - Re. وعلى مستوى ثالث، ينادي التاريخ المتقاطع بضرورة أن يضع الملاحظ/ الكاتب نفسه ضمن اعتباراته البحثية ودراسة التقاطعات بين الملاحظ/ الكاتب وموقعه من الحدث الذي يؤرخ له، والزاوية التي ينظر منها وعلاقته بموضوع البحث نفسه38. فالتاريخ المتقاطع يُخضع عملية إنتاج المعرفة نفسها للبحث، بمعنى أن الملاحظ/ الكاتب نفسه، يصبح تحت المجهر ويتحول إلى جزء من المبحث. ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ هذه هي الإضافة
الأساسية التي يتميّز بها التاريخ المتقاطع39. ويهدف التاريخ المتقاطع من وراء إضافة هذا البعد المهمّ إلى تجاوز الحواجز والحدود التي تضعها الكتابة التاريخية، التي ما زالت تسيطر على النص التاريخي والمحكومة برؤى ووجهات نظر قومية، والتي ما زالت تتعامل بآليات هذه الرؤية القومية ومفاهيمها. تُدرس التداولات، عادة، من وجهة نظر ثقافة المنطلق أو من وجهة الثقافة المستقبِلة فحسب، لكنّ التاريخ المتقاطع حين يضيف هذا المستوى البحثي ويدعو المؤرخ إلى أن يوجّه "عدسات كاميرات" عديدة نحو الموضوع للإحاطة بموضوع البحث من كل الجوانب، يتمكن من المقارنة بين زوايا النظر المختلفة، ثمّ المراوحة والموازنة بينها. هذا مهم؛ فإشكالية "حيادية" الملاحظ/ الكاتب، هي إحدى الإشكالات المرك يزة في العلوم الاجتماعية والتاريخية، إذ إنّ الملاحظ/ الكاتب لا يمكنه الاقتراب من موضوعه على نحو مباشر، بل هو متجذر في سياق معيّن ومتأثر به عن وعي أو عن غير وعي؛ لذا فهو يكتب بالضرورة استقراءات انعكاسية، ثم إن الملاحظ/ الكاتب يقدّم أحيانًا تحليلًا ثانويًا من خلال نقل تفسيرات و"استقراءات انعكاسية" أخرى40. يحاول التاريخ المتقاطع معالجة المسألة منهجيّا، من خلال تفكيك نصوص وآراء لملاحظين/ كتاب مختلفين وتجاوز الآراء الأحادية، ويحلل التوصيف اللغوي لظاهرة أو حدث ما في نصوص وسياقات تاريخية مختلفة، ويبحث في المتغيرات التي تحدث على مفهوم معيّن في سياقات مكانية وزمانية مختلفة، وينظر في كيفية توظيفها نصّيًا، فالتاريخ المتقاطع يدرس التفاعلات التي تحدث بين ملاحظات وتأملات الملاحظ/ الكاتب وبناء منظور معيّن وتدمجها في العملية المعرفية. ويعي التاريخ المتقاطع أنّ هذه التفاعلات ليست ماضيًا تاريخيًا منتهيًا، بل هي متواصلة مع الملاحظ/ الكاتب الحالي. فالمؤرخ أو الكاتب نفسه هو إذًا أحد مواضيع الدرس والتمحيص ضمن منهجية التاريخ المتقاطع؛ إذ على كلّ منهما أن يُخضع نفسه، أي أفكاره وآراءه المكتسبة، للتأمل النقدي. ويعني هذا أنّ مصطلحات الملاحظين ومفاهيمهم، بمن فيهم الملاحظ الراهن، مطروحة للمناقشة، وكذلك مصطلحات الشخصيات الفاعلة ومفاهيمها. وهذه مسألة يتميز بها التاريخ المتقاطع. فبدلًا من الفصل الكلاسيكي بين الباحث وموضوع بحثه، يأخذ التاريخ المتقاطع في الاعتبار الترابطات والتفاعلات العديدة التي تحدث بينهما. ويعني هذا على وجه الخصوص أنّ التاريخ المتقاطع ينظر إلى موضوع البحث بصفته نتيجة تفاعلات تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يأخذ في الحسبان تفاعلات الباحث مع موضوعه، ويحرص على أن يخضع المؤرخ نفسه للرقابة الذاتية. ويؤكد فرنر وزمرمان أنّ هذه هي نقطة قوة التاريخ المتقاطع؛ فمن خلال تغيير وجهات وزوايا النظر، يتم لفت الانتباه إلى الاختلافات التي يجب على التاريخ المتقاطع التعامل معها وإدماجها في تحليله. فبهذا المعنى يخلق التاريخ المتقاطع مج لًا واسعًا للأسئلة المتعددة الأبعاد. وهو ما يعبّر عنه كليفورد غيرتز Geertz Clifford (1926 - 2006) ب "الوصف الكثيف " Description Thick، والمقصود به الوصف الدقيق "المجهري" للظواهر في سياقها المحدد. وينصبّ التركيز هنا على ملاحظة الوقائع، وبالقدر نفسه على الأهمية الثقافية التي يمنحها الفاعلون لواقعة معيّنة41. في المقابل، ريى المؤرخ الألماني يعقوب هورت (1977 -)، في مقالة نقدية له، أنّ سعي التاريخ المتقاطع إلى وضع الملاحظ/ الكاتب ضمن الاعتبارات البحثيّة، هو مطلب مبرّر تمامًا، لكنّه ينتقد بشدّة الرأي الذي يعتبر أنّ التاريخ المتقاطع قد أسّس
لمنهجية تاريخية جديدة، فمطلب تحويل الملاحظ/ الكاتب إلى جزء من المبحث، هو شرط منهجي يجب أن يتوافر في كلّ عمل بحثي، بغضّ النظر عن المنهجية المعتمدة. وبناءً على هذا النقد، فإنّ هورت لا يعتبر التاريخ المتقاطع، وكذلك الشأن بالنسبة إلى التاريخ المتصل/ المتقاسم أو تاريخ التداول الثقافي أو التاريخ المتشابك، منهجيات عمل، بل رياها رؤى ومقاربات بحثية فحسب42. على مستوى آخر، يسعى التاريخ المتقاطع إلى مراعاة مقاييس مختلفة للبحث. وتجدر الإشارة في البداية إلى أنّ مسألة المقياس ليس لها بعد مكاني وخرائطي فحسب، بل لها بعد زماني أيضًا، إذ إنّ البعد المكاني يمتد من الق يرة الصغيرة إلى القارات وكوكب الأرض، ومن الأسرة إلى المجتمع العالمي، وما إلى ذلك (التاريخ الجزئي والكلي)؛ فالتاريخ المتقاطع لا يمكن أن يُكتب على مستوى الماكرو - تاريخ وحده أو على مستوى الميكرو – تاريخ وحده، بل يجب المراوحة بين زوايا نظر محلية وجهوية وقومية وعولمية، والنظر بذلك في الواقعة عن قرب، مع الابتعاد عنها بعد ذلك والنظر إليها من خلال مسافة ما، ثم الموازنة بين النظر من مسافات وأمكنة مختلفة. وبالنسبة إلى البعد الزمني، فإنّ النطاق الزمني يمتد من زمانية الحدث في آنه إلى المدى الطويل، إذ إن التاريخ المتقاطع لا يكتفي بالنظر في العوامل المباشرة والقصيرة المدى التي تؤثر في حدث ما، بل يأخذ العوامل الطويلة المدى وغير المباشرة durée Longue التي تؤثر فيه في الاعتبار والمراوحة بين جميع هذه العوامل؛ ما يسمح بإبراز التفاعلات الديناميكية في السياقات الزمنية المختلفة وتقديم قراءة تاريخية متشابكة. تقوم منهجية التاريخ المتقاطع، إذًا، على استقراء المعرفة السوسيوتاريخية واستنباطها من خلال منظومة زمانية ومكانية معيّنة. فتراعي البعد الزمني لموضوع المعرفة نفسه وكذلك لحظة استقراء الموضوع، أي اللحظة التي تُنتج فيها المعرفة. وتولي الموقع أي المكان الذي تتم منه الملاحظة اهتمامًا. فهي عملية تأريخ "مكثّف"، تأخذ في الاعتبار البعدين الزماني والمكاني لعملية إنتاج المعرفة. ويؤكد الباحثان أهمية اعتماد مقاييس مختلفة باستمرار؛ لأنّ عناصر التداول، سواء كانت سلعًا أو أشخاصًا أو أفكارًا، لها - بحسب مستوياتها الزمانية والمكانية - معانٍ مختلفة. ولكنّ هذه المعاني، على اختلافها، هي في الحقيقة ليست منفصلة عن بعضها. لذلك، فإنّ دور التاريخ المتقاطع هو تتبّع في المكان والزمان لكيفية تناول الملاحظ/ الكاتب وسرده لحدث ما، ودراسة مظاهر التأثير والتأثر والوقوف على المتغيرات في المعاني ودمجها في التحليل43. إنّ التاريخ المتقاطع إذ رياعي مقاييس زمانية ومكانية مختلفة ريفض فكرة أنّ المفاهيم ثابتة دائمة، ويؤكّد أنّها تخضع لتحّولّات دلاليّة عميقة وتكتسب في السياقات الزمنية والمكانية المختلفة معانيَ جديدة، وهو ما يمنح التاريخ المتقاطع نقطة قوة أخرى مقارنة بالتاريخ المتصل وتاريخ التداول الثقافي اللذين لم يتمكنا من أخذ طابع المفاهيم الديناميكي والمتغير في الاعتبار44. مع هذا، تبقى أمام التاريخ المتقاطع نقاط عديدة عليه النظر فيها؛ فعليه مثلًا أن يتجاوز الفضاء الفرنسي - الألماني، الذي نشأت فيه الأبحاث والمقالات التأسيسية لفرنر وزمرمان45. وعليه أن يتجاوز افتراضية وجود شركاء متساوين إلى حد ما – فرنسا وألمانيا في
الأمثلة المدروسة – وتوسيع مجال البحث ليشمل عملية تداول متعددة الأقطاب، مثل أن يبحث في التداول بين ثلاثة بلدان أو أكثر. ومن المهم التحقيق في علاقات القوى غير المتكافئة؛ مثل علاقة المُستعمِر والمُستعمَر والتركيز على مسألة القوة ودورها. ويتطلب هذا دمجًا منهجيًا بين التاريخ المتقاطع والتاريخ الاستعماري، وهو أمرٌ سيثري المنهجية بالتأكيد.
سادسًا: التاريخ المتشابك
ارتبط تاريخ التداول الثقافي والتاريخ المتقاطع بمؤرخين فرنسيين وألمان وبسياق أوروبا الغربية تحديدًا، وقد لقيت هذه المفاهيم رواجًا خاصة في هذه البلدان. أمّا مفهوم التاريخ المتشابك فتطَّوَر في السياق الأنكلوسكسوني – ما زالت الأبحاث خارج هذا السياق قليلة – واهتم أساسًا بتاريخ المملكة الب يرطانية. وفي هذا السياق، يُستخدم مفهوم "تاريخ الإمب يرالية الجديدة" كثيرًا. ويجدر التنبيه هنا إلى ارتباط هذه المنهجية بالسياق الاستعماري وبالحقبة التاريخية ابتداءً من القرن الثامن عشر – بما فيها السياقات الزمانية والمكانية السابقة لتكون الكيانات القومية – وهذا اختلاف أساسي بين التاريخ المتشابك وبقية المنهجيات التي عرضناها آنفًا. فهذا المدخل المنهجي ريكز اهتمامه على التشابكات بين المُستعمِر والمستعمَر، أي بين المجتمعات الأوروبية والمجتمعات "غير الأوروبية"، أو بعبارة أخرى بين المركز الأوروبي والأطراف غير الأوروبية، وينتقد بواسطة هذه الآلية المرك يزة الأوروبية، لأنّ منهجية التاريخ المتشابك تقوم على تحويل النظر إلى التأثير المتبادل والتأثرات والتفاعلات بين الطرفين46. إن أهم نص مرجعي ل "تاريخ الإمب يرالية الجديدة"، وأيضًا لتاريخ التشابك، هو كتاب الاستشراقللكاتب الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد (1935 – 2003)، الذي نشره عام 1978، وفيه يؤكد أنّ "المشرق" هو اصطناع غربي، فالاستشراق الغربي هو الذي أوجد "الشرق" مفهومًا، وهو الذي يوفّر اللغة والمفاهيم والصور التي يمكن من خلالها الكتابة والتحدث عن الشرق نفسه؛ ومن ثم، التفكير فيه أيضًا. و ريتبط هذا الإنتاج المعرفي حول الشرق ارتباطًا وثيقًا بالقوة الاستعمارية للغرب، فالمعرفة هي وسيلة للقوة كما أنّ القوة وسيلة المعرفة لكي تصبح مهيمنة. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر، تم إضفاء طابع "جمودي" على الشرق، فأصبح جامدًا في الزمان، وانسحب من مسار التغيير والتطوّر، بل أُخ جر من ساحة الفاعلين التاريخيين. وهكذا، أصبح التناقض بين الشرق والغرب أمرًا لا يمكن تجاوزه47. يؤسس نصّ مهمّ آخر لمنهجية التاريخ المتشابك، هو كتاب المؤرخ الألماني المعاصر أوسترهامل (1952) تحول العالم، الذي يسعى فيه إلى سرد تاريخ العالم في "القرن التاسع عشر الطويل" وتفسيره. ويقدّم قراءة تقوم على منهجية "التاريخ المتشابك" لعصر الإمبراطوريات وتأثيراته في المستعمرات. وقد نوقش هذا الكتاب على صعيد واسع في المجال الأكاديمي. ريفض أوسترهامل فكرة المرك يزة الأوروبية. و ريى أنّ أوروبا لم تكن في نهاية القرن الثامن عشر المركز الوحيد الذي انبثقت منه الديناميكية التاريخية، بل هناك فاعلون متعددون، مثل الهند والصين وغيرهما. ومع ذلك، يصف أوسترهامل القرن التاسع عشر بأنّه "قرن أوروبي"؛ ليس بسبب التأثير الهائل للتغييرات التي انبثقت من أوروبا فحسب، بل أيضًا لأنّ أوروبا قد أصبحت في هذا القرن مقياسًا لجميع الفاعلين في جميع أنحاء العالم48.
يهدف سعيد وأوسترهامل وممثلو تيّار "ما بعد الاستعمارية" إلى إنهاء استعمار التاريخ بالمعنى الأوسع للكلمة، فيسعون إلى تأريخ يتجاوز أنماط التفكير الاستعماري ويخلق مناهج علمية جديدة لدراسة تاريخ التوسع الاستعماري والمستعمرات. ومن أجل التغلب على المرك يزة الأوروبية، لا يكفي إضافة مواضيع تخص تاريخ بلدان "خارج أوروبا" إلى المناهج المدرسية والجامعية، بل الأهم من ذلك هو تجاوز الصورة النمطية لثنائية الغرب والشرق، وهو ما يسعى إليه تاريخ التشابك؛ إذ إنه ينطلق من أفكار "ما بعد الاستعمارية" ويعمل ضمن هذا الإطار المرجعي المشترك على تطو ري منهجيّته وآليّات عمله، وإخضاعهما لتقييم نقدي، فيسعى لفحص الصورة النمطية الثنائية للغرب والشرق، وآليات الترويج لها؛ إذ إن الحركات الاستعمارية لم تعتمد آلية القوة وحدها في عمليّة التأسيس لهذه الثنائية، بل تم الترويج لها أيضًا من خلال خطابات وممارسات ومؤسسات معيّنة. تنتقد المؤرخة الألمانية مارغ يرت برنو (1962 -) في آراء أوسترهامل وسعيد أنها تقصر نظرتها على العامل الاقتصادي. وتبين أنّ تاريخ التشابك لا يكتفي في الحقيقة بدراسة التأثيرات الاقتصادية للقوى المستعمِرة، وتحليلها ضمن سياق الثورة الصناعية، بل يتجاوزها إلى النظر في التأثيرات الثقافية، فهو يسعى، من دون إهمال التأثيرات الاقتصادية والسياسية، إلى استكشاف كيفية تأسيس المعرفة بالعالم المحيط انطلاقًا من موقع القوة، وانعكاس هذه المعرفة على الممارسات. ويعمل التاريخ المتشابك أيضًا على دراسة التأثيرات في الاتجاهين مع الأخذ في الاعتبار علاقات القوى غير المتكافئة في عملية التداول، فالأبحاث في البداية كانت تركّز على تأثيرات القوى المستعمرة، فلا تتمّ مثلًا كتابة تاريخ الهند في القرن التاسع عشر من دون النظر في دور الحكّام الاستعماريين والتجار والمبش يرن الب يرطانيين في المستعمرة الهندية، ومن دون دراسة دور السياسيّين والعسك ريّين، أي صنّاع القرار عامة، في مركز القوة المستعمرة. لكن هل ظلّت القوى الاستعمارية الكبرى معزولة عن أيّ تأثير خارجي صادر عن المستعمرات؟ وهل من تأثيرات في الاتجاه المعاكس؟ وما نوعها؟ وأين نجد هذا التأثير محسوسًا؟ تظل هذه الأسئلة مفتوحة أمام التاريخ المتشابك لينظر فيها. وسيكون عليه أيضًا التركيز أكثر من السابق على المستعمرات نفسها؛ ليس فقط على المعرفة والممارسات التي أنتجها الفاعلون الاستعماريون، بل على تفاعل المستعمَيرن معهم. فمَن تعاون مثلًا مع الفاعل في عملية إنتاج المعرفة الاستعمارية؟ وما اهتماماته أو مصالحه؟ وما كانت نتائج ذلك؟ وإلى أي حٍّدٍ تدفقت المعرفة من الثقافة المنطلق إلى السياق الجديد؟ وكيف جرى تكييفها مع الأفكار الموجودة قبلها؟ تتطلّب الإجابة عن كلّ هذه الأسئلة أخذ العوامل المحلية في البحث في الحسبان، ومن المهم الاستناد إلى المصادر المكتوبة باللغات المحلية، حتّى لا يعاد اجترار الأنظمة المعرفية التي أنتجتها القوى الاستعمارية، والتي اكتفت بمصادرها المكتوبة بلغتها، لأسباب براغماتية49.
خاتمة: في نقد المناهج المذكورة
بلغ الجدال الأكاديمي بين ممثلي التاريخ المقارن وممثلي المناهج التاريخية الناشئة التي عرّفنا بها في الدراسة (التاريخ عبر القومي، التاريخ المتصل/ التاريخ المتقاسَم، تاريخ التداول الثقافي، التاريخ المتقاطع، التاريخ المتشابك) أوجه في التسعينيات من القرن الماضي وكان كل من الجانبين يقدم منهجيته على أنها منهجية منفصلة ومتعارضة مع المنهجية الثانية50. إذ كان يُنظر إلى
المنهج المقارن على أنه آلية يمكن من خلالها استنباط الخصوصية في الطرفين المقارنَين وتحليلها، في حين كان ممثلو المنهجيات المدروسة ريكزون على التفاعلات بين الثقافات والمجتمعات، واهتمت الأبحاث في هذا المجال بحركة الأشخاص والأشياء والمفاهيم والأفكار بين سياق وآخر وتفاعلاتها مركزة على المشترك بين الأطراف المدروسة. لكنّ البحث اليوم يحاول تجاوز هذه النظرة التنافسية بين التاريخ المقارن والمناهج الجديدة، خاصة التاريخ المتقاطع، وأثبت أنه يمكن في كثير من المواضيع إدماج المنهجيتَين وتطبيقهما في البحث، بحيث يتجاوز بمنهجية ما تعجز الأخرى عن الإيفاء به، ولا يغفل العمل البحثي عن عمليات التأثير والتأثر، ويعي الاختلافَ في الوقت نفسه. وتبيّن أعمال نقديّة أنّ الإدماج بين المناهج ليس مجديًا دائمًا ولا يؤدي بالضرورة إلى نتائجَ أفضل، وقد تنبّه إلى ضرورة الموازنة الجيّدة عند إدماج هذه المنهجيات؛ إذ يصعب أن يكون العمل بمنهجيتين متناسقًا ومتوازنًا51. إضافةً إلى هذا، يعدّد المؤرخ الألماني يعقوب هورت إشكالات منهجية أخرى، ومنها ما يسمّيه التجزّؤ المنهجي؛ فهو ريى أن المستمع في المؤتمرات التاريخية اليوم يلاحظ "زخمًا" كبيرًا من المناهج، فهذا التنوع والتعدد المنهجي، في رأيه، وإن كانا نتيجة حتمية وإيجابية للعمل البين – تخصصي ويدّلان على مرونة وانفتاح منهجي بين التخصصات، خاصة بين علوم التاريخ وعلوم الاجتماع والإثنولوجيا والأدب، وهو أمرٌ أعطى علوم التاريخ بالتأكيد دفعًا قويًا وفتح أمامها آفاقًا منهجية ومواضيع بحث جديدة، يهدّد في الوقت نفسه بتجزّؤ منهجي في علوم التاريخ52. وينبّه هورت إلى أن المحاولة الجادة في كثير من الأحيان، وأحيانًا العمياء، لتطبيق منهجية ما بكل حذافيرها وتعقيداتها، تؤدي إلى "الإرباك"53 وإلى نتائج بحثية خاطئة. أضف إلى ذلك أن التقيد "الأعمى" بمنهجية ما يؤدي إلى التضييق على التفكير الخّلاق والإبداعي، لذا فإن على الباحث أن يجرب أكثر من "منهجية" على موضوع بحثه، ويقلّب المنهج الذي يعتزم تطبيقه على جميع نواحيه، ولا يتقيد به تقيدًا أعمى، بل يظل واعيًا ب "محدوديته وقصوره"، وعليه أن يظل منفتحًا على "إدماج" مناهج واستنباطات جديدة إبداعية وخّلاقة، فالمسألة الفارقة في المبحث التاريخي ومفتاح نجاحه تتمثل في الاختيار الذكيّ لمنهجية أو منهجيات معيّنة، والتعمق في فهمها واكتساب مهنية في التعامل معها والتوفّق في تطبيقها على الموضوع قيد البحث، بحيث يتم توظيفها بنجاعة ليكون بناء النص وهيكلته متينَين وحجاجُه مقنعًا ونتائجه منطقية.
المراجع
العربية
التليلي، مصطفى. "مقاربات في العلوم الإنسانية والاجتماعية – مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية". أسطور. العدد 12 (2020). عثمان، عمرو. "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء". أسطور. العدد 1 (2015).
الأجنبية
Ahuja, Ravie. “Mobility and Containment. The Voyages of South Asian Seamen, c. 1900 – 1960.” International
Review of Social History. no. 51 (2006).
Arndt, Agnes & Joachim C. Häberlen & Christiane Reinecke (eds.). Vergleichen, verflechten, verwirren?
Europäische Geschichtsschreibung zwischen Theorie und Praxis. Göttingen: Vandenhoeck Ruprecht, 2011.
Bayly, C. A. et al. “AHR Conversation: On Transnational History.” The American Historical Review. vol. 111 ,
no. 5 (2006).
Bernard, H. Russel & Walnut Greek (eds.). Handbook of Methods in Cultural Anthropology. California: Altamira
Press, 1998.
Bloch, Marc. “Pour une histoire comparée des sociétés européennes.” Revue de Synthèse Historique. no. 46.
nouvelle série (1928).
Clavin, Patricia. “Defining Transnationalism.” Contemporary European History. vol. 14 , no. 4 (2005).
Cohen, D. & M. O’Conner (eds.). Comparison and History: Europe in Cross-National Perspective. New York/
London: Routledge, 2004.
Cooper, Frederick. Colonialism in Question. Theory, Knowledge, History. Berkley: University of California Press,
Cooper, Frederick & Ann Laura Stoler. Tensions of Empire. Colonial Cultures in a Bourgeois World. Berkley:
University of California Press, 1997.
Conrad, Sebastian & Dominic Sachsenmaier (eds.). Competing Visions of World Order: Global Moments and
Movements , 1880 s – 1930 s. London: Palgrave Macmillan, 2007.
Espagne, Michel. “Sur les limites du comparatisme en histoire culturelle.” Genèses. Sciences sociales et histoire.
no. 17 (1994).
Espagne, Michel & Michael Werner. Transferts. Les relations interculturelles dans l’espace franco-allemand ,
XVIIIe – XIXe siècle. Paris: Recherche sur les civilisations, 1988.
Geppert, Alexander & Andreas Mai. “Vergleich und Transfer im Vergleich.” Comparativ. no. 10 (2000).
Gottowick, Volker. “Transnational, Translocal, Transcultural: Some Remarks on the Relations between Hindu-
Balines and Ethnic Chinese in Bali.” Journal of Social Issues in Southeast Asia. vol. 25 , no. 2 (2010).
Gruzinski, Serge. La pensée métisse. Paris: Fayard, 1999.
________. “Les mondes mêlés de la monarchie catholique et autres Connected Histories.” Annales. no. 56 (2001).
________. Les quatre parties du monde. Histoire d’une mondialisation. Paris: Fayard, 2004.
Gunilla, Budde et al. (eds.). Transnationale Geschichte – Themen, Tendenzen und Theorien. Göttingen:
Vandenhoeck & Ruprecht, 2006.
Hannerz, Ulf. Transnational Connections: Culture, People, Places. London: Routledge 1996.
Keohane, Robert O. & Joseph S. Nye. Transnational Relations and World Politics. Cambridge, MA: Harvard
University Press, 1972.
Lorenz, Chris. “Comparative Historiography. Problems and Perspectives.” History and Theory. no. 38 (1999).
Middel, Matthias. “Kulturtransfer und Historische Komparatistik – Thesen zu ihrem Verhältnis.” Comparativ.
Zeitschrift für Globalgeschichte und vergleichende Gesellschaftsforschung. vol. 10 , no. 1 (2000).
Mike Featherstone & Scott Lash (eds.). Spaces of Culture. City, Nation, World. London: Sage, 1999.
Noiriel, Gérard. La tyrannie du national. Paris: Calmann-Lévy, 1991.
Osterhammel, Jürgen. Die Verwandlung der Welt – Eine Geschichte des 19. Jahrhunderts. Munich: C.H.Beck, 2020.
Patel, Kiran Klaus. “‘Transnations’ among ‘Transnations’? The Debate on Transnational History in the United
States and Germany.” Amerikastudien/ American Studies. vol. 54 , no. 3 (2009).
Paulmann, Johannes. “Internationaler Vergleich und interkultureller Transfer. Zwei Forschungsansätze
zur europäischen Geschichte des 18. Bis 20. Jahrhunderts.” Historische Zeitschrift. no. 267 (1998).
Pernau, Margrit. Transnationale Geschichte. Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2011.
Said, Edward. Orientalism. Harmondsworth: Penguin Books, 1995.
Saunier, Pierre-Yves. Transnational history. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2013.
Saunier, Pierre-Yves & Akira Iriye (eds.). The Palgrave Dictionary of Transnational History: From the Mid- 19 th
Century to the Present Day. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009.
Spiliotis, Susanne-Sophia. Transterritorialität und nationale Abgrenzung. Konstitutionsprozesse der “griechischen
Gesellschaft” und Ansätze ihrer faschistoiden Transformation, 1922 / 24 – 1941. Munich: De Gruyter, 1998.
Subrahmanyam, Sanjay. “Connected Histories. Notes towards a Reconfiguration of Early Modern Eurasia.”
Modern Asian Studies. 31 / 3 (1997).
Ther, Philipp. “Deutsche Geschichte als Transnationale Geschichte: Überlegungen zur Histoire Croisée
Deutschlands und Ostmitteleuropa.” Comparativ. no. 13 (2003).
Welskopp, Thomas. “Stolpersteine auf dem Königsweg. Methodenkritische Anmerkungen zum internationalen
Vergleich in der Gesellschaftsgeschichte.” Archiv für Sozialgeschichte. no. 35 (1995).
Werner, Michael & Bénédicte Zimmermann (eds.). “Vergleich, Transfer, Verflechtung. Der Ansatz der Histoire
croisée und die Herausforderung des Transnationalen.” Geschichte und Gesellschaft. no. 28 (2002).
________. De la comparaison à l’histoire croisée. Paris: Seuil, 2004.
________. “Beyond Comparison. Histoire Croisée and the Challenge of Reflexivity.” History and Theory. no. 45
الهوامش
- Marc Bloch, "Pour une histoire comparée des sociétés européennes," Revue de Synthèse Historique , no. 46 (1928), pp. 15 – 50 ;
ينظر:
William H. Sewell, "Marc Bloch and the Logic of Comparative History," History and Theory , vol. 6 , no. 2 (1967), pp. 208 – 218. - هناك دراسات كثيرة جدًا وقيّمة حول التاريخ المقارن، أقتصر فيما يلي على ذكر دراستين تجملان أهم المحطات التاريخية والنتائج البحثية لمدرسة التاريخ المقارن، ينظر:
C. Lorenz, "Comparative Historiography: Problems and Perspectives," History and Theory , no. 38 (1999), pp. 25 – 39 ; D. Cohen & M. O’Conner (eds.), Comparison and History: Europe in Cross-National Perspective (New York/ London: Routledge, 2004).
لا تكرّس هذه الدراسة مج لًا أوسع للحديث عن التاريخ المقارن، لأن الكتابات حوله كثيرة وهو ليس موضوع البحث الجاري الذي كّز اهتمامه على المناهج البحثية التي جاءت لتجدد هذا المنهج وتتجاوز نقائصه. والبحث يعرض الانتقادات التي يوجهها ممثلو الاتجاهات البحثية الجديدة للتاريخ المقارن، لينتقل منها لعرض المناهج التاريخية الحديثة وهو صلب موضوع هذا البحث. - Margrit Pernau, Transnationale Geschichte (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2011), pp. 7 - 12 , 34.
- ينظر المقالة التالية فيها وصف دقيق للسياقات السياسية والفك يرة التي نشأت فيها مختلف المناهج والمدارس التاريخية المعاصرة:
Sebastian Conrad & Dominic Sachsenmaier, "Introduction: Competing Visions of World Order: Global Moments and Movements, 1880 s– 1930 s," in: Sebastian Conrad & Dominic Sachsenmaier (eds.), Competing Visions of World Order: Global Moments and Movements , 1880 s- 1930 s (London: Palgrave Macmillan, 2007), pp. 1 - 28. - Michael Werner & Bénédicte Zimmermann, "Beyond Comparison: Histoire Croisée and the Challenge of Reflexivity," History and Theory , no. 45 (2006), pp. 30 - 50 , esp. pp. 30 - 31.
- التاريخ المتصل History Connected، والتاريخ المتقاسم History Shared، وتاريخ التداول الثقافي Transfer Cultural، والتاريخ عبر القومي History Transnational، والتاريخ المتقاطع croisée Histoire، والتاريخ المتشابك History Entangled. تهتم هذه المقالة بجملة من المناهج تتقارب من بعضها وتكوّن معًا شبكة تتواصل فيما بينها معرفيًا. وبالتزامن مع هذه المناهج، ثمّة مناهج تاريخية أخرى لا تقلّ أهمية عنها مثلًا التاريخ العالمي، ينظر: عمرو عثمان، "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء"، أسطور، العدد 1 (2015)، ص 7 - 23.
- ينظر: 50 - 30.
pp , Zimmermann & Werner؛
ينظر أيضًا البحثان النقديان التاليان:
M. Espagne, "Sur les limites du comparatisme en histoire culturelle," Genèses. Sciences sociales et histoire , no. 17 (1994), pp. 112 - 121 ; T. Welskopp, "Stolpersteine auf dem Königsweg. Methodenkritische Anmerkungen zum internationalen Vergleich in der Gesellschaftsgeschichte," Archiv für Sozialgeschichte , no. 35 (1995), pp. 339 - 367. - Werner & Zimmermann, pp. 30 - 33.
- Pernau, pp. 67 - 70.
- Heinrich Heine, Lutetia – Berichte über Politik, Kunst und Volksleben. Berichte für die Augsburger "Allgemeine Zeitung" (Berlin: Hofenburg, 2014), esp. letter from Mai 5 th 1843.
- وهي العبارة التي عنون بها المؤرخ الفرنسي جيرارد نواريال كتابه:
Gérard Noiriel, La tyrannie du national (Paris: Calmann-Lévy, 1991). - C. A. Bayly et al., "AHR Conversation: On Transnational History," The American Historical Review , vol. 111 , no. 5 (2006), pp. 1441 - 1464 , esp. p. 1446.
- حول التاريخ عبر المكاني History Translocal، ينظر:
Volker Gottowick, "Transnational, Translocal, Transcultural: Some Remarks on the Relations between Hindu-Balines and Ethnic Chinese in Bali," Journal of Social Issues in Southeast Asia , vol. 25 , no. 2 (2010), pp. 178 - 212 ;
حول التاريخ عبر القومي History Transnational، ينظر:
Ulf Hannerz, Transnational Connections: Culture, People, Places (London: Routledge, 1996); Ulf Hannerz, "Transnational Research," in: H. Russel Bernard, Walnut Greek (eds.), Handbook of Methods in Cultural Anthropology (CA: Altamira Press, 1998);
حول التاريخ عبر الثقافي History Transcultural، ينظر:
Wolfgang Welsch, "Transculturality: The Puzzling Form of Cultures Today," in: Mike Featherstone & Scott Lash (eds.), Spaces of Culture: City, Nation, World (London: Sage, 1999);
حول التاريخ عبر الحدودي
History Transterritorial،
ينظر:
Susanne-Sophia Spiliotis, Transterritorialität und nationale Abgrenzung. Konstitutionsprozesse der "griechischen Gesellschaft" und Ansätze ihrer faschistoiden Transformation, 1922 / 24 - 1941 (Munich: De Gruyter, 1998). - Werner & Zimmermann, p. 35.
- Bayly, "AHR Conversation," p. 1442.
- Ibid., pp. 1443 – 1450 ; Patricia Clavin, "Defining Transnationalism," Contemporary European History , vol. 14 , no. 4 (2005), pp. 421 - 439.
- Pierre-Yves Saunier & Akira Iriye (eds.), The Palgrave Dictionary of Transnational History: From the Mid- 19 th Century to the Present Day (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009).
- Pierre-Yves Saunier, Transnational History (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2013).
- Robert O. Keohane & Joseph S. Nye, Transnational Relations and World Politics (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1972).
- Saunier, pp. 2 - 5.
- ينظر دراسة موسعة عن أهمية التاريخ القومي وتدريسه في الجامعات الأميركية والألمانية، ثم مراحل إدماج التاريخ عبر القومي في الجامعات المذكورة:
Kiran Klaus Patel, "‘Transnations’ among ‘Transnations’? The Debate on Transnational History in the United States and Germany," Amerikastudien/ American Studies , vol. 54 , no. 3 (2009), pp. 451 - 472. - يختم الباحث الألماني هانس أول يرش فيهلر دراسة له بالتساؤل إن كان التاريخ عبر القومي هو الملك المتوّج الجديد على المناهج التاريخية.
Hans-Ulrich Wehler, "Transnationale Geschichte – der neue Königsweg historischer Forschung?" in: Gunilla Budde et al. (eds.), Transnationale Geschichte – Themen, Tendenzen und Theorien (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 2006), pp. 161 - 174. - Marc Bloch & Lucien Febvre , Annales d’hisoire économique et sociale.
- من أهم أعماله التأسيسية:
Serge Gruzinski, La pensée métisse (Paris: Fayard, 1999), esp. pp. 77 - 81 ; Serge Gruzinski, "Les mondes mêlés de la monarchie catholique et autres Connected Histories," Annales , no. 56 (2001), pp. 85 - 117 ; Serge Gruzinski, Les quatres parties du monde: Histoire d’une mondialisation (Paris: Fayard, 2004). - Happy Hybridity آهويا بعبارة:
Ravie Ahuya, "Mobility and Containment. The Voyages of South Asian Seamen, C. 1900 - 1960 ," International Review of Social History , no. 51 (2006), p. 112. - Sanjay Subrahmanyam, "Connected Histories: Notes towards a Reconfiguration of Early Modern Eurasia," Modern Asian Studies , vol. 31 , no. 3 (1997), pp. 735 - 762.
- Werner & Zimmermann, pp. 36 - 37.
- Espagne, "Sur les limites du comparatisme," pp. 112 - 121 ; Pernau, p. 43.
- Matthias Middel, "Kulturtransfer und Historische Komparatistik – Thesen zu ihrem Verhältnis," Comparativ. Zeitschrift für Globalgeschichte und vergleichende Gesellschaftsforschung , vol. 10 , no. 1 (2000), pp. 7 - 41 , esp. p. 18 ;
حول تاريخ التداول أيضًا، ينظر:
M. Espagne & Michael Werner, Transferts: Les relations interculturelles dans l’espace franco-allemand , XVIIIe – XIXe siècle (Paris: Recherche sur les civilisations, 1988). - Pernau, p. 45.
- Pernau, pp. 45 - 46.
- Ibid., pp. 47 - 48.
- Werner & Zimmermann, pp. 37 - 39.
- Ibid., p. 34.
- ينظر أيضًا: مصطفى التليلي، "مقاربات في العلوم الإنسانية والاجتماعية – مقالات مترجمة من اللغة الفرنسية"، أسطور، العدد 12 (2020)، ص 155 - 166.
- أنجز فرنر عملًا تأسيسيًا مع زمرمان حول التاريخ المتقاطع ونشراه بثلاث لغات هي الفرنسية والإنكلي يزة والألمانية:
Michael Werner & Bénédicte Zimmermann, "Vergleich, Transfer, Verflechtung. Der Ansatz der Histoire croisée und die Herausforderung des Transnationalen," Geschichte und Gesellschaft , no. 28 (2002), pp. 607 - 636 ; Michael Werner & Bénédicte Zimmermann, "Penser l’histoire croisée: Entre empirie et réflexivité," in: Michael Werner & Bénédicte Zimmermann (eds.), De la comparaison à l’histoire croisée (Paris: Recherche sur les civilisations, 2004), pp. 15 - 49 ; Michael Werner & Bénédicte Zimmermann, "Beyond Comparison. Histoire Croisée and the Challenge of Reflexivity," History and Theory , no. 45 (2006), pp. 30 - 50 ;
وقد قرر فرنر وزمرمان المحافظة على تسمية المفهوم باللغة الفرنسية في كتاباتهما باللغة الألمانية وكذلك الإنكلي يزة. لذا، فإنّ ما يقابل عبارة croisée Histoire هو المستعمل حتى في الكتابات الإنكلي يزة والألمانية. إضافةً إلى هذا العمل التأسيسي، نشر الباحثان لاحقًا دراسة معمّقة باللغة الفرنسية، ينظر:
Michael Werner & Bénédicte Zimmermann (eds.), De la comparaison à l’histoire croisée (Paris: Seuil, 2004). - Werner & Zimmermann, "Beyond Comparison," pp. 31 - 32 ; Pernau, pp. 49 - 53.
- Werner & Zimmermann, "Beyond Comparison," pp. 38 - 41.
- Agnes Arndt, "Der Bedeutungsverlust des Marxismus in transnationaler Perspektive – ‘Histoire Croisée’ als Ansatz und Anspruch an eine Beziehungsgeschichte West- und Ostmitteleuropas," in: Agnes Arndt, Joachim C. Häberlen & Christiane Reinecke (eds.), Vergleichen, verflechten, verwirren? Europäische Geschichtsschreibung zwischen Theorie und Praxis (Göttingen: Vandenhoeck Ruprecht, 2011), pp. 89 - 114 , esp. p. 91.
- Werner & Zimmermann, "Beyond Comparison," pp. 40 - 41.
- Ibid., pp. 40 - 42 ; Pernau, p. 51.
- Jakob Hort, "Vergleichen, Verflechten, Verwirren – Vom Nutzen und Nachteil der Methodendiskussion in der wissenschaftlichen Praxis: ein Erfahrungsbericht," in: Arndt, Häberlen & Reinecke (eds.), pp. 319 - 341 , esp. pp. 333 - 336.
- Werner & Zimmermann, "Beyond Comparison," pp. 42 - 44.
- Ibid., p. 44.
- قدّم فرنر وزمرمان مث لًا تطبيقيًا في دراسة لهما حول نظام الإحصاءات الاقتصادية في ألمانيا وفرنسا وعملا من خلالها على تجاوز المنهج المقارن وبيّنا ضرورة دراسة وجهتَي النظر الفرنسية والألمانية في سياقاتهما والوقوف على آليات عملهما وتفاعلاتهما، مع التنبيه إلى ضرورة الإقرار بنسبية وجهات النظر وتعدّديتها، وهو ما يتيح لكل الأطراف مراجعة منهجياته وأدوات عمله. ينظر:
Werner & Zimmermann (eds.), De la comparaison à l’histoire croisée ;
قدّم العمل التالي دراسة تطبيقية لمنهجية التاريخ المتقاطع:
Philipp Ther, "Deutsche Geschichte als Transnationale Geschichte: Überlegungen zur Histoire Croisée Deutschlands und Ostmitteleuropa," Comparativ , no. 13 (2003), pp. 155 - 180. - حول التاريخ المتشابك ينظر خاصة:
Frederick Cooper, Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History (Berkley: University of California Press, 2005); Frederick Cooper & Ann Laura Stoler, Tensions of Empire: Colonial Cultures in a Bourgeois World (Berkley: University of California Press, 1997); Pernau, pp. 56 - 66. - Edward Said, Orientalism , 2 nd ed. (Harmondsworth: Penguin Books, 1995), pp. 325 - 328 ; Pernau, pp. 57 - 58.
- Jürgen Osterhammel, Die Verwandlung der Welt: Eine Geschichte des 19. Jahrhunderts, 3 rd ed. (Munich: C.H.Beck, 2020); Pernau, p. 82.
- Pernau, pp. 81 - 82.
- ينظر السجالات حول هذا في:
Johannes Paulmann, "Internationaler Vergleich und interkultureller Transfer. Zwei Forschungsansätze zur europäischen Geschichte des 18. Bis 20. Jahrhunderts," Historische Zeitschrift , no. 267 (1998), pp. 649 - 685 ; Geppert & A. Mai, "Vergleich und Transfer im Vergleich," Comparativ , no. 10 (2000), pp. 95 - 111. - نُشرت هذه الأعمال النقدية في عمل مشترك، ينظر خاصة مقدمة الكتاب:
Agnes Arndt et al. (eds.), Vergleichen, verflechten, verwirren? – Europäische Geschichtsschreibung zwischen Theorie und Praxis (Göttingen: Vandenhoeck, 2011), pp. 11 - 32 , esp. pp. 13 - 14. - سبق الإشارة إلى هذا العمل، وقد نُشر ضمن العمل المشترك المذكور في الهامش: 323 - 319.
pp ," Vergleichen , " Hort. - وهو ما عبّر عنه هورت من خلال العنوان التهكمي والساخر الذي اختاره لمقالته النقدية وترجمته: "قارن، شابك، اربك."