العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأحزاب السياسية في المغرب ومأزق التوترات الاجتماعية الجديدة

الأحزاب السياسية في المغرب ومأزق التوترات الاجتماعية الجديدة

The New Silk Road in Chinese Strategy: Goals, Power and Challenges

* Elhabib Stati Zineddine الحبيب استاتي زين الدين|

الملخّص

قطع المغرب مراحل عدة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي في مجال الإصلاحات السياسية والدستورية، التي تميّزت بإعادة هيكلة الحقل السياسي وفق منهجية دستورية وتوافق سياسي، بوصفها شرطًا مسبقًا لعملية التقارب بين الفاعلين السياسيين. لكن إذا كان هذا التقارب، أو الانفتاح السياسي، قد ساهم في تقليص السيرورة الانتخابية على مستوى الممارسة، فإنه عزز في المقابل اتّساع الساحة الاحتجاجية وتراكم المهارات والخبرات من جانب المحتجين وتطوُّر قدرات التنسيق الأكثر استقلالية وإضعاف الميول الاستقطابية للنظام. ويفرض هذا التطوّر، في المستوى القريب والمتوسط، على الطبقة السياسية تجديد خطابها ووسائل تواصلها وكيفياته؛ للحيلولة دون استمرار تآكل صدقيتها.

Abstract

This paper focuses on the Belt and Road Initiative, as a strategy aimed at connecting China with the rest of the world, in a way that centers Beijing in the economic and political ring.

الكلمات المفتاحية:
  • الحزام والطريق
  • الصين
  • النظام العالمي
Keywords:
  • Belt and Road Initiative
  • China
  • Global Order

Political Parties in Morocco and the Impasse of New Social Tensions

مقدمة

من يتفحّص ما يُنتج حول الوضع الحزبي المغربي من الناحية الأكاديمية، أو حتى ما يُكتب على المستوى الإعلامي - بأنواعه المختلفة - يتأكّد بسهولة من أنه أصبح يحمل، بوعي أو بغيره، بعضًا من "الشك" في مدى قدرة النسق السياسي على تفعيل الوعود والإصلاحات المنتظرة المُحاطة بالكثير من التردّد والتوتر في سياق تنامي الطلب الاجتمعي؛ وهم تردد وتوتر حيّان تشهد عليهم الحكومات المتعاقبة، نظرًا إلى تباين مكوّناتها وتعدّدها، وداخل الطبقة السياسية أيضًا التي تصل بصعوبة إلى امتصاص مطلب إدماج الأجيال الجديدة من المناضلين في فعل المسؤولية السياسية وممرستها1. وربما يضرّ التعميم بالحذر الإبستيمولوجي، لكن تُعزّز هذه الملاحظة التحولّات الجارية، بما فيها التفاعل المتواضع للأحزاب السياسية مع جائحة "كوفيد 19-"، في مقابل عودة المخزن القوية2. في تقرير مطوّل بعنوان "ما الخطأ في الديمقراطية"، أوردت أسبوعية ذي إيكونومستالبريطانية في عام 2014 أن العالم العربي يعاني أنظمةً قويةً ودولً هشّة3؛ ما يفيد أن العمل على إصلاح مؤسسات الدولة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخلها، مسألةٌ ضروريةٌ لترسيخ بنية الدولة باعتبارها أداة لخدمة المصلحة العامة أولً، ثم المجتمع بفئاته كلها، وليس لفئة أو أقلية، ثانيًا. ومن دون السقوط في مقارنة معيارية ونصية للواقع السياسي العربي، وبعيدًا عن الاستغناء عن المسالك التي تفتحها القراءة الدستورية لتفسير جزء من العطب الكبير في إنتاج ممرسة سياسية متصالحة مع قيم الديمقراطية، نظرًا إلى مشكل الإرادة السياسية والإرث التاريخي، فإن أخذ دور الفاعل الخارجي وتأثيره في دعم تلك الممرسة أو تعطيلها، في الحسبان، أمرٌ جوهري4. لكن يختلف هذا التأثير من دولة إلى أخرى، بسبب طبيعة النظام السياسي، أو الموقع الجغرافي، أو الأهداف المُراد تحقيقها على المستوى المتوسط أو البعيد في ظل سياقات مضطربة5. سيُساعدنا الانتباه إلى هذه الاعتبارات في فهم ما تشهده المملكة المغربية من احتجاجات، وغيرها الكثير من البلدان العربية والمغاربية، التي يُتوقّع أن تستمر وتدوم وتتصاعد وتيرتها، بسبب العوامل الموضوعية المسؤولة عنها والمُسبِّبة لنشوبها. والحقيقة أنها ظاهرة قديمة؛ إذ إن الحركات السياسية والاجتمعية موسومة بمتغيرات جديدة، لم تكن حاضرة خلال القرن الماضي، في مقدمتها ثورة التكنولوجيات الجديدة، وما تتيحه لمستخدميها من إمكانات هائلة لربط الاتصال وتبادل المعلومات والتواصل من أجل تكثيف الجهود للضغط على الحكومات، وهو ما لم يكن مُتاحًا نهائيًا خلال عقود القرن العشرين، أو القرون التي سبقته، إلى جانب ما اكتسبته أجيال هذه الحركات من وعي ملحوظ؛ إذ ما عاد الناس يستسيغون فكرة ألّ طاقة لهم على تغيير قدَرهم، كم صُوّر لهم، وأن الرضا هو أفضل عزاء لوضعهم6. لربما تحقق ما عناه سارتر بقوله: إنه ابتداء من اليوم الذي يُكِن فيه تصوّر حالة أخرى للأمور، يمكن أن يُلقى ضوء جديد على آلامنا وبلايانا، وأن نقرّر أننا لا يمكننا احتملها7. عكس ما كان متوقّعًا بعد تسع سنوات من انفجارات عام 2011 في العالم العربي وتداعياتها السوسيوسياسية المحلية والإقليمية، لم يسترجع الفضاء العام هدوءه، على الرغم من اتساع دوائر المشاركة السياسية والحديث بصيغة الحاضر عن جيل جديد من دساتير الحقوق. لكن هل حَالَ هذا التضمين الدستوري دون كسب الشارع العام فاعلين و"زبناء جددًا"، وجدوا في الاحتجاج وسيلةً مُثلى لنيل المطالب، أو على الأقل المحافظة عليها؟ تستدعي الإجابة عن هذا التساؤل محاولةَ رصد طبيعة العلاقة بين الممرسة الاحتجاجية وأزمة السياسة، وما تُحيلنا إليه من ضعف كبير في آليات الوساطة السياسية التقليدية في مجتمع قيد التحول، مع الأخذ في الحسبان ما يثيره المشهد السياسي الحالي من قلق مزدوج: وجود تعددية حزبية على مستوى الواقع، ووحدة مستفزّة بخصوص "البرامج السياسية" التي تُرادف، في معظم الأوقات، "البرامج الانتخابية" المحكومة بأفق المشاركة في العملية السياسية وفق قواعد اللعبة القائمة، طمعًا في الوصول إلى السلطة أو التقرب من دائرة القرار السياسي. ونظرًا إلى الترابط الوثيق بين العمل السياسي والنقابي، وبحكم أن النقابات الأكثر تمثيلية خرجت كلها من رحم الأحزاب السياسية، ولربما نسخة منها، تكوّن فيهم نوع من "الزاوية"، ما جعلها تبدو مسلوبة الإرادة، مُسيّة من دون وعيها، خاضعة لمنطق المبايعة، رديفة لنفوذ البطانة8، عاجزة عن القيام بدور الوساطة

  1. محمد الطوزي، "الإصلاحات السياسية والانتقال الديمقراطي"، في: آلان روسيون [وآخرون]، التحولات الاجتماعية بالمغرب (الرباط: مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، 2000)، ص.153
  2. للتعرف إلى مختلف الدلالات على لفظ المخزن، ينظر: الحبيب استاتي زين الدين، "الممارسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول"، عمران، العدد 19 (شتاء 2017)، ص.147
  3. What's Gone Wrong with Democracy," The Economist , 27/2/2014, accessed on 2/4/2020, at: https://cutt.us/ou3v3
  4. عزمي بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، سياسات عربية، العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، ص.8
  5. المرجع نفسه، ص 4.9
  6. الحبيب استاتي زين الدين، "الحماية الدولية للحق في حرية الاحتجاج السلمي "، مسالك، العدد 53-52 (أيار/ مايو 2018)، ص.130
  7. جان بول سارتر، الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمن بدوي (بيروت: منشورات دار الآداب، 1966)، ص.696-695
  8. عبد الله العروي، من ديوان السياسة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص.149

الحقيقية بين الفاعلين في الحركات الاحتجاجية وأجهزة الدولة ومؤسساتها، على نحو سمح لهذه الحركات بالتمرس على التفاوض وإدارة الصراع وإبرام الاتفاقات. في ضوء ذلك، تنطلق إشكالية البحث من تساؤل مركزي، نابع في الأساس مم يحدث في هذه المنطقة من متغيّات متلاحقة في ظل بيئة إقليمية مضطربة: ما هي تجلّيات أزمة الوساطة التي تحول دون اضطلاع الأحزاب السياسية بدورها في تقريب الهوّة بين الفاعل الاحتجاجي والدولة في إطار وظائفهم التأطيرية والتكوينية؟ وتُغذّي هذا التساؤل أسئلةٌ أخرى لا تقل أهمية، من قبيل مظاهر تطوّر الممرسة الاحتجاجية ومحددات الوساطة وشروط قيامها، نظرًا إلى الأجواء المُخيّمة الداخلية والمؤثرات الخارجية، لأن الحركات الاجتمعية تتأثر بطبيعة الأنظمة السياسية وطبيعة المناخ السياسي الذي تنشط فيه، خصوصًا أن علاقاتها بجملة من الفاعلين السياسيين المحليين اتّخذت أشكالً وأبعادًا منوعة، تأرجحت بين التحالف والتضامن والخصام السياسي والتفاوض والمنافسة، وذلك بحسب إكراهات السياق وخيارات الفاعلين ومصالحهم9. ضمن هذا التصور، سيكون من المفيد، علميًا، من خلال استثمر المعطيات الببليوغرافية والبحث الإثنوغرافي، تقسيم هذا العمل ثلاثة محاور متداخلة: الأول يُخصّص لرصد أسباب التحول الذي طرأ على دينامية الاحتجاجات ومؤشراته، من دون إغفال مظاهر الثبات القائمة فيها، لعلّنا نهتدي إلى فهم الحيثيات والتجلّيات التي تدعو إلى الحديث اليوم عن "مجتمع الحركة الاحتجاجية". ويركّز الثاني على مظاهر الوساطة السياسية والعوائق التي تحول دون تعزيزها في ظل نظام سياسي يُجيد إعادة إنتاج نفسه باستمرار، وهو أمر يقودنا إلى إثارة الانتباه، في المحور الثالث، إلى منافع وحدود آلية التوافق التي ميّزت التجربة السياسية في المغرب.

أولا: "مجتمع الحركة الاحتجاجية" في تطور دائم

يُدرِك المهتم بتطورات الحركات الاجتمعية الجديدة وأثرها في تأكيد المصالح والدفاع عنها في السياسة المعاصرة، من جهة، أنه ما عاد في الإمكان إدراجها في خانة الظواهر غير العادية10، وما عاد الشباب، وهم الفئة العريضة في المجتمع، يخافون، من جهة، من مطالبة الدولة بأن تعاملهم على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والاستحقاق، وأن تقوم بالواجبات المنوطة بها بمقتضى الدساتير والقوانين الجاري العمل بها، ومن جهة أخرى أن على البلد أن يكون بيتًا للعيش المشترك على قاعدة المواطنة ليس إل11. والجدير ذكره، في هذا الإطار، أنه وإن كانت الاختلافات القائمة بخصوص المنطلقات الأولى للأحداث الكبرى التي تشهدها الدول العربية كثيرة، فالملاحظ أنها تكاد تلتقي حول وجود بعض العوامل والمتغيرات المشتركة التي أسهمت على نحو حاسم في تفجير الأوضاع12. وينطبق على هذه الأخيرة، من دون شك، تشخيص الراحل المهدي المنجرة، على نحو كبير، وإن كان قاسيًا، بقوله: "إن تاريخ العالم الثالث، في الخمسين سنة الأخيرة، عبارة عن سلسلة لامتناهية من المهانات والمذلّة"13. ومن الناحية السياسية، عاشت الشعوب العربية، باعتبارها جزءًا من هذا العالم، منذ بدايات استقلالها في أواسط القرن الماضي، في ظل نُظم سياسية تسلّطية، من أبرز مظاهرها استحواذ نخب عائلية على الحكم والتحكم في العملية الانتخابية وانحسار دور النخب على مستوى صنع القرارات14، وغياب المؤسسات الديمقراطية15. وقد يكون من المفيد التذكير بأن

  1. ينظر: الورقة المرجعية للندوة العلمية الدولية التي نظّمها المركز العربي للأبحاث
  2. هانك جونستون، الدول والحركات الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز
  3. امحمد مالكي، "تقديم الإطار النظري لأشغال الندوة المنظمة من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة بمراكش، حول موضوع: 'عنف الدولة"'، 12-11 حزيران/ يونيو 2004، منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، سلسلة دراسات وندوات هيئة الإنصاف والمصالحة، ص.17
  4. للمزيد، ينظر: المنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي، "تقرير موجز حول التجارب الدولية والدروس المستفادة، والطريق قدمًا"، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 6-5 حزيران/ يونيو 2011، ص 6، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/35Dgpn3؛ Frédéric Vairel, Politique et mouvements sociaux au Maroc (Paris: Presses de Sciences Po, 2014), p. 21.
  5. المهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا إمبريالية، ط 5 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص.8 14 عبد الإله سطي، "سوسيولوجيا الثورات العربية محاولة تأويلية للمسارات والمآلات"، في: ثورات الربيع العربي: مخاطر الانتقال السياسي والاقتصادي، سلسلة المؤتمرات والندوات 34 (مراكش: المركز العلمي العربي للدراسات والأبحاث الإنسانية، 2013)، ص 69. 15 المنجرة، ص.8
  6. ودراسة السياسات - فرع تونس، "الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية"، تونس، 10-8 آذار/ مارس 2018، ص 5، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3lItocS
  7. القومي للترجمة، 2018)، ص.93

المغاربة، شأنهم شأن باقي سكان المنطقة العربية، خطوا الخطوة الأولى في مسارهم التحرري في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، حيث تمكّنوا من النجاح في مقاومتهم الاستعمر الذي كان يجثم على بلدانهم، غير أن هذا المسار خضع للكثير من المنعرجات، واستسلم، في وقت من الأوقات، لضغوط محلية وخارجية، أدّت، على نحو أو آخر، إلى تعطيل طموحات هذه الشعوب، على امتداد أكثر من ستين سنة16. والنتيجة إفراز بنيات سلطوية من داخل المجتمع، تقوم على علاقات أبَوية، ترسّخت في ذهنيات المجتمع، وأثّرت سلبيًا في الحريات الفردية وحرية تحرك الفاعلين السياسيين، في ظل استمرار ابتكار أساليب القسر والتزوير كلها، وتكميم الأفواه وإهانة الإنسان17. دولة التسلّط، بهذا الشكل، هي دولة عضلات، تعيش انشراخات بين قانون الجمعة ووجدان الفرد، بين السلطة العمومية وسلطة الفرد، بين المدينة والبيت. الفرد فيها مستعبد بالتعريف، لا يعرف الحرية إلّ إذا خرج منها وعليها18. وقد أثّر هذا التسلّط سلبيًا في حركية الاقتصاد وإنتاجيته وتنافسيته؛ إذ كان لتحالف المال والاقتصاد والسلطة نتائج وخيمة على تعميق التفاوت بين مكوّنات المجتمع: نخبة اقتصادية تستحوذ على معظم خيرات البلاد وبنَت ثروتها بفضل اقتصاد الريع، في مقابل تزايد الفئات الشعبية التي تعاني الفقر19 والبطالة، وما رافقهم من اتّساع فجوة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء في مجموعة من البلدان العربية، ولا سيّم بعد التخلّ عن متضمّنات دولة الرعاية الاجتمعية، والتأثر برياح التغيرات الاقتصادية العالمية خلال الربع الأخير من القرن الماضي20. على الرغم من النتائج التي تحققت نتيجة تطبيق معيار نسبة النمو الذي اتّبعته الدول العربية، استجابة لإيحاء المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية أو إملاءاتها، نلاحظ انهيارًا شاملً لنمذج التنمية التي فرضتها المحافل الدولية21. كيف ذلك؟ لم تنعكس أرقام هذا النمو "الوردية" على مستوى المواطنين المعيشي، بسبب "عدم مراعاة البعد الاجتمعي للنمو"22، بما يفيد أن منافع النمو لم تُوزَّع توزيعًا متكافئًا، ولم تُصاحبها عملية إعادة توزيع للدخل العام بطريقة سليمة وعادلة، الأمر الذي قاد إلى تفشّ ظاهرة الفساد التي باتت تتشكل في منظومة اجتمعية متكاملة. وإذا تأملنا، مثلً، الحالة التونسية والمصرية والمغربية، بخصوص سوء توزيع الثروة والطرائق غير المشروعة للاستيلاء عليها، فسنجد تشابهًا بينها23، مع اختلاف في الدرجة وليس في النوع، نظرًا إلى فشل أنظمتها في إيجاد نظام اقتصادي تنافسي عادل، تكون فيه المسافة بين السلطة والثروة واضحةً. وفي غياب اقتصاد بهذه الميزة، أصبحت هذه الدول تقترب، في صيغتها الحالية، من معادلة التنمية من دون ديمقراطية. هذا في الوقت الذي خضعت فيه المجتمعات العربية كلها لتحولّات عدة متسارعة، من تجلّياتها الانتقال الديموغرافي البارز والتحول من العائلة الممتدة إلى الأسرة النووية، وتزايد نسبة التمدن، وتنامي دور الطبقة الوسطى، وانتشار التعليم، وتفشّ بطالة الشباب، واهتزازات في القيم والعلاقات الاجتمعية وفي الوعي بالذات، وبروز تعبيرات الفردانية24. لم يشذّ المغرب عن هذه الفعالية الاحتجاجية، حيث نزل الشباب إلى الشارع، مطالبين بمغرب آخر وتوزيع آخر للثروة والسلطة في آن واحد، ومؤسسات أخرى ولعبة سياسية أخرى وإعلام آخر وتعليم آخر... إلخ25. وقد أبرزَ عام 2011 التطور الذي حدث على مستويات شكل الحركات الاحتجاجية ومضمونها ومجالها والمشاركين فيها26، نظرًا إلى إسهامها في إرساء قدرة الذات على الفعل الحر المستقل من دون وصاية من جهة ما، وبسبب ما تُبديه السلطة السياسية من قدرة وذكاء استراتيجيين أيضًا على مستوى تدبير آليتي الاحتواء والتحييد وتوظيفهم في اللحظات المناسبة27. ولعل ذلك يؤشر إلى تطوّر محددات الحركات الاجتمعية السوسيولوجية28، ويبرر أيضًا مدى

  1. عبد اللطيف حسني، "حركة 20 فبراير بالمغرب: الجذور، المسار، الآفاق"، وجهة نظر، العدد 50 (خريف 2011)، ص.3
  2. محمد نور الدين أفاية، "الفاعلون السياسيون والاجتماعيون في التحولات العربية الراهنة"، في: التحولات الاجتماعية في العالم العربي: تجارب مقارنة (الدار البيضاء: مطبعة البيضاوي، 2012)، ص.15
  3. عبد الله العروي، مفهوم الدولة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1981)، ص.6-5
  4. آسية بلخير، "الوطن العربي ومواجهة الفقر: من الإرث الاستعماري إلى تحديات العولمة الاقتصادية"، المستقبل العربي، العدد 394 (أيلول/ سبتمبر 2015)، ص.43
  5. المرجع نفسه، ص.38
  6. المنجرة، ص.9-8
  7. محمد عبد الشفيع عيسى، الفقر والفقراء في الوطن العربي، أوراق عربية 35 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص.15
  8. عبد العلي حامي الدين، "دستور 2011 السياقات السياسية ومضامين الإصلاح الدستوري المأمول"، الفرقان، العدد 67 (2011)، ص.9
  9. أفاية، ص.15
  10. مراد دياني، 20" فبراير، أو معضلة التحول الديمقراطي 'اللامتناهي' في المغرب"، في: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب، مراد دياني (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.17
  11. زين الدين، "الممارسة الاحتجاجية بالمغرب"، ص.162-141
  12. الحبيب استاتي زين الدين، الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 349-364؛ محمد فاوبار، "الشباب ومأزق النخب في المغرب في سياق ما بعد الربيع العربي"، في: النخب والانتقال الديمقراطي: التشكل والمهمات والأدوار، مهدي مبروك (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.582-581
  13. حسن الزواوي، "إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب"، منتدى طلبة كلية الحقوق جامعة ابن زهر، شوهد في 2020/1/2، في: https://bit.ly/32IzHpy

ضرورة أن تُؤخذ في الحسبان عمليات التحولّات الديموغرافية المتعددة التي تعود إلى انتشار التعليم بين الذكور أولً، ومن ثم بين الإناث. وباتت أغلبية الشباب – التي كانت أمّية كلّها تقريبًا منذ بضعة عقود - قادرة على الكتابة والقراءة عند بلوغها الفترة العمرية 24-20 عامًا، وهي الفترة التي يبدأ معها الزواج والإنجاب. وباتت بعض نتائج هذه التحولّات معروفة ومدروسة جيدًا (مثل العلاقة بين التعليم وانخفاض الخصوبة)29. ويعيش الشباب المغربي وضعًا استثنائيًا يضعهم في صلب التحولات والتغيرات كلها التي عرفها مجتمعهم. ويمر المغرب في المرحلة الراهنة بفترة مفصلية وحاسمة من تاريخه. من جهة، تسجيل هيمنة عنصر الشباب على الأقل من الناحية الديموغرافية في سياق مرحلة التحول الديموغرافي. ومن جهة أخرى، معاينة تشكّل قطاعات واضحة ومتجذّرة بين جيلين: جيل ارتبط بالحركة الوطنية والكفاح من أجل التحرر وبناء الدولة المستقلة، وجيل آخر، هو الجيل الحالي الذي يمكن أن نربطه بفترة الملك محمد السادس وزملائه في الدراسة الذين يشكلون ما اصطُلح عليه النخبة المولوية المرتبطة بالملكية30؛ إذ يمكن الإقرار بموت الجيل الأول أو نهايته31. باستقراء الوثائق التأسيسية لحركة 20 فبراير، ومجمل الشعارات التي رفعتها، تزامنًا مع الحراك العربي، نهتدي إلى أن مطالبها ذات طبيعة سياسية وحقوقية واجتمعية عامة، لا تخص فئة دون أخرى32، بل تكاد تهمّ أغلبية شرائح المجتمع. تُختصر هذه المطالب، عادة، بثلاثية الحرية والكرامة والعدالة الاجتمعية، كم هو الشأن بالنسبة إلى أغلبية الحركات الاجتمعية التي تحرّكت في الموجة الأولى من الانتفاضات والثورات العربية33. شباب الحركة - ولفظ الشباب هنا ذو حمولة حيوية وسياسية، أكثر من كونه معطى بيولوجيًا من شريحة عمرية محددة34 - تفاعلوا مع موجة التحولات الإقليمية التي أحدثتها الرجّة العربية في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتأثرت بخصوصية الدولة والمجتمع، وأثّرت فيهم في الوقت ذاته، للتنديد بثنائية الفساد والاستبداد بالشارع العام35. ولئن لم تفلح الحركة في التحول إلى حركة جمهيرية لها امتداد شعبي، فإن احتجاجاتها شكّلت، على خلاف ما هو رائج، درجة الوعي السياسي لدى فئة الشباب، ومدى استعداده لممرسة دور مؤثر في صنع المستقبل وصوغ خطوطه ومساراته، وإن كان الفارق كبيرًا بين الاستعداد لإحداث التغيير وتوجيه مساره في الاتجاه الذي يخدم المصالح المتضاربة للقائمين عليه، في ظل نظام سياسي يُجِيد إعادة إنتاج نفسه، بفضل قدرته على تدبير الأزمات والتكيّف مع مختلف التقلّبات الاجتمعية والسياسية، لتجذّره وفاعليته ومكانته في الثقافة السياسية. بالفعل، ضَعُف الزخمُ الاحتجاجي الذي قادته الحركة خلال السنة الثانية، وصارت لا تعقد اجتمعاتها إلّ نادرًا، وتمرّ في جوّ متوتر إلى أقصى الحدود في حال عقدها، أما المظاهرات والاحتجاجات فقلَّت وتراجعت في بعض المدن، وانعدمت في مدن أخرى، في حين حافظت على وجودها في مدن بعينها. ويعود هذا التراجع إلى عوامل متداخلة متعددة، جزء منها خارجي مرتبط بتطور الحراك الإقليمي على المستوى العربي والمغاربي، وجزء آخر محلي صرف، يتوزّع هو الآخر على قسمين: الأول داخلي يتعلّق بطبيعة تركيبة الحركة نفسها، والثاني خارجي يتصل بخصوصية النظام السياسي. وفي مقابل خبرة هذا الأخير وتدبيره،

  1. يوسف كرباج، "هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية: نموذجا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، عمران، العدد 3 (شتاء 2013)، ص.8
  2. عبد القادر بوطالب، "الشباب والسياسي: طبيعة التمثلات وعوامل انحسار ظاهرة الانتساب الحزبي في المجتمع المغربي"، سياسات عربية، العدد 38 (أيار/ مايو 2019 ص)،.66
  3. Jacques Palazzoli, "La mort lente du mouvement national au Maroc," Annuaire de l'Afrique du Nord , vol. 11 (1972), pp. 233-251.
  4. الجدير ذكره هنا أنه على الرغم من أن المحتجين طالبوا بمزيد من العدالة الاجتماعية وبالحصول على خدمات الدعم الاجتماعي في مجالات الصحة والتعليم والسكن، فإن جُل مطالبهم تركز على المسائل السياسية. وما يعطي رمزية ودلالة أكبر لهذا التوظيف السياسي للشارع هو أن الحركة ليست تنظيمً سياسيًا أو حركة سياسية بالمفهوم الكلاسيكي للحركات
  5. محمد نعيمي، "محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية: حالتا حركة 20' فبراير' وحراك الريف في المغرب"، عمران، العدد 31 (شتاء 2020)، ص.101 34 للاستزادة، ينظر: عبد السلام بنعبد العالي، "الشباب: التشبيك وثقافة التواصل والتغيير السياسي"، في: الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية، إشراف كمال عبد اللطيف ووليد عبد الحي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 76-77؛ حفصة أفيلال وفرانشيسكو فاكيانو، "التذويت السياسي في تجربة شباب حركة 20 فبراير المغربية"، عمران، العدد 30 (خريف 2019)، ص.42
  6. أو القوى السياسية المتعارف عليها؛ إذ هي ليست حزبًا أو نقابة أو جمعية، بل هي قبل كل شيء حركة شعبية ظهرت بوصفها ظاهرة سياسية. ينظر: دراسة نقدية للدستور المغربي للعام 2011، تنسيق إدريس المغروي (ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2012)، ص 10؛ محمد شقير، "حركة 20 فبراير بين مواجهة الاستبداد وإسقاط الفساد"، وجهة نظر، العدد 51 (شتاء 2012)، ص.25
  7. الحبيب استاتي زين الدين، "الدينامية الاحتجاجية وأزمة الوساطة السياسية والنقابية: الشارع بديل المؤسسات في المغرب"، المستقبل العربي، مج 14، العدد 474 (آب/ أغسطس 2018)، ص.74

وما نجم عنه من قدرةٍ على الأخذ بزمام المبادرة، كانت الحركة أسيرة هشاشتها التنظيمية والسياسية التي تجلّت في عدم قدرتها على تدبير الخلافات الأيديولوجية بين مكوّناتها، وفي الصراع على الزعامة أيضًا، ما شلّ قدرتها على إنضاج مبادرة سياسية تدفع بها إلى الأمام. بمعنى آخر، لم تُنهَك قوى الحركة "من الخارج" فحسب، بفعل الاستراتيجية التي اتّبعتها المؤسسة الملكية، بل وجدت نفسها، مع مرور الوقت، تحت نوع آخر من التأثير، يُسمّيه ابن خلدون، إذا جاز لنا استعارة ذلك، "الهزيمة من الداخل"36. بمعنى أدق، إلى جانب الثقافة السياسية السائدة، وغياب مساندة بعض القوى السياسية والإعلامية للحركة وذكاء السلطة السياسية، كان للتناقضات الأيديولوجية والسلوكية الحادّة في صفوف مكوّنات الحركة مفعولها السلبي على ثقة الناس بشعاراتها وقدرتها على الصمود. فأن تُقرّر جمعة العدل والإحسان الانسحاب من الحركة قد يكون أمرًا مفهومًا وله ما يبُرّره إلى حدٍ ما على الرغم من اختلاف القراءات والتأويلات؛ وأن تبقى بعض المكوّنات اليسارية متمسكة بحركة 20 فبراير، فذاك قد يكون موقفًا مقبولً له ما يسوِّغه على الرغم من الإنهاك الشديد الذي أصاب الحركة. ومع اختلاف هذين المآلين، فإن هذه القوى السياسية لم تغيِّ مواقعها ولا مواقفها، ولم تنتقل من العمل النضالي الجمهيري إلى العمل الانتخابي. غير أن ما يثير الدهشة هو أن تغادر الحركة، بكيفية غير معلنة، الأحزاب اليسارية الملتئمة في تحالف اليسار الديمقراطي، وأن تؤسس في الشهر الأول من عام 2014 فدرالية اليسار الديمقراطي، وتخرج بقرار المشاركة في سائر الاستحقاقات الانتخابية، بعد أن كانت ال "لا" هي الجواب الذي اتخذته شعارًا لها في عام 2011، بشأن الإصلاحات السياسية والدستورية التي أعلن عنها النظام السياسي، ومختلف العمليات الإجرائية التي أعقبتها. كم لا يمكن إنكار أن الأثر النفسي والجيوستراتيجي لنتائج الثورات العربية في عقول الناس في المغرب كان مدوّيًا. ولا يزيد تنوّع هذه العوامل المؤثرة في الحركة مسألة المآل إلّ تعقيدًا، ولا سيّم أن الحركة ما عادت مُطالبة بالتصدي لمواقف العداء والتشكيك الداخلية فحسب، المعلنة أو المستترة التي ما عادت ترى فيها إلّ مجرد ذكرى، إنما أيضًا في مواجهة قوة الاستنزاف من الداخل. لذلك، ينبغي لكل قراءة للوضع الذي آلت إليه الحركة، أن تنطلق من هذه المعطيات37. على الرغم من تراجع حركة 20 فبراير بنسبة كبيرة منذ عام 2012، أو حتى ربما ما عاد لها تأثير واضح منذ التصويت على الدستور38، فإنه يمكن تأكيد أن ديناميتها، بعد أزيَد من تسع سنوات على نشأتها، ما زالت حاضرة في الفضاء العام، بصيغ جديدة، تستثمر التراكمت والتجارب الحاصلة في مجال الممرسة الاحتجاجية. ولئن كانت السلطة قد استعادت ما تنازلت عنه تحت ضغط الشارع، وانتقلنا من حزب للدولة إلى حقل حزبي كامل تحت المراقبة، فإنه ترسخت، على مستوى التحولات، عقيدة المساءلة لدى الأجيال الجديدة39. وفي هذا الاتجاه، يبدو جليًّا أن الشارع المغربي بقي وفيًّا لديناميته الاحتجاجية، بل الملاحظ أن وتيرة الاحتجاجات في ارتفاع ملموس، مع ما يسجل من تحوّل في طابعها، حيث نلاحظ انتقالها التدريجي من الاحتجاجات ذات البعد السياسي والوطني، كم هي حال حركة 20 فبراير، إلى احتجاجات فئوية ومجالية أكثر ارتباطًا بالملف الاجتمعي. إذا استحضرنا مجموع الحركات الاحتجاجية التي شهدها الشارع على اختلاف سياقاتها ومآلاتها ومساراتها، فسنخلص إلى عجز الهيئات الوسيطة عن الاضطلاع بأدوارها الدستورية40، وعن تحوّل الفضاء العمومي إلى الشارع وتغيير أسلوب التعبير، مع توظيف وسائل التواصل الاجتمعي، ما يكسر احتكار الإعلام، ومن ثم توجيه الرأي العام41. أما ما ميّز حراك الريف، مرورًا بالتفاعلات التي خلّفتها مقاطعة ثلاثة منتوجات للاستهلاك اليومي، وصولً إلى امتدادات حركات جرادة وزاكورة وغيرهم من المناطق، فهو أنها كلها وقائع تُعبّ عن مشكلات المغرب العميقة التي ما عاد التعبير عنها مرتبطًا بفئة عمرية أو بمجال جغرافي، بل أصبحت حاضرة بين جميع الفئات، وفي المجالات كلها، لاعتبارات متعددة، من ضمنها تعثّ خيارات النخبة السياسية والتكنوقراطية. ما عاد خطاب الحركة الوطنية مؤثرًا في فئات عريضة من المجتمع، لم تعرف فترة الاستعمر إلّ سمعًا، ما ينعكس على التنظيمت السياسية المتفرعة من الحركة الوطنية، أو تلك التي أريد لها أن تتصدّى للحركة الوطنية42. وإذا استثنينا وضع جمعة العدل والإحسان، فسيبدو أن "الطوباوية الإسلامية"، بدورها، في أزمة بعد قيادتها الائتلاف الحكومي

  1. أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، اعتناء ودراسة أحمد الزعبي (بيروت: دار الأرقم للطباعة والنشر، 2004)، ص.118
  2. للاستزادة، ينظر: زين الدين، الحركات الاحتجاجية في المغرب، ص 375-388؛ دياني، ص 19-18؛ محمد باسك منار، "دستور سنة 2011 في المغرب: أيّ سياق؟ لأيّ مضمون؟"، دراسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014/1/27، ص 2، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/2IMmPaW؛ محمد مصباح، "ماذا تبقّى من حركة 20 فبراير؟"، اليوم 24، 2015/2/23، شوهد في 2020/2/7، في: https://bit.ly/3kuT0ZG؛ محمد نعيمي، "حركة 20 فبراير:
  3. ينظر الحوار الذي أجراه منير عبد المعالي مع عبد الرحمن رشيق بشأن أسباب فشل الحراك المغربي، في: "رشيق: هذه أسباب فشل الحراك المغربي"، اليوم 24، 2015/2/21 شوهد، في 2020/1/22، في: https://bit.ly/35RpKbi
  4. حسن طارق، "في ذكرى الربيع المغربي"، العربي الجديد،.2018/3/2
  5. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التقرير السنوي لسنة 2018   (الرباط: 2018)، ص 23، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3nBdm4Z
  6. حسن أوريد، "المغرب بين زمنين"، القدس العربي،.2018/12/5 42 المرجع نفسه.
  7. مآلات وانتخابات"، موقع، 2015/8/18، شوهد في 2020/3/8، في: https://bit.ly/32ImU6I لكم

منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، وإخفاقها في الاستجابة لتطلّعات الناس، والأدهى سقوطها في تسويات غير مفهومة، وقبولها، في مرات عدة، ما كانت تنتقده علانية في المعارضة. ربما للسلطة مفعولها، إذ بدلً من أن تغير الجمعة السلطة تنجح الأخيرة في تغييرها. وحتى باستحضار النقاش القديم - الجديد بين أداء السياسي والإداري، ليس خافيًا أن الوجوه التكنوقراطية التي جيء بها لملء الفراغ أو تعميقه لم تفطن، عن قصد أو جهل، إلى أن الواقع المعقّد يحتاج إلى الاجتهاد والإبداع أكثر من محاولة تنفيذ تصوّرات جاهزة للمؤسسات المانحة. وهو الأمر الجلي، سواء في ما سمّي "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" التي أريد لها منذ إطلاقها في عام 2005 "محاربة الفقر والإقصاء الاجتمعي"43، ولم تُفلح في "تلبية الاحتياجات"44، أو في التعليم، حيث تواترت الإصلاحات مع مسلسل متواصل من الإخفاق والانحدار46. إن استفحال الأزمة الاقتصادية وضعف استقلالية القرار المالي وغياب خطط بديلة للارتقاء بجودة خدمات القطاعات الاجتمعية المتدهورة، إضافة إلى التجاذبات السياسية، كلّها مؤشرات تكشف عن الهوّة الموجودة بين الخطاب السياسي "المتقدم" والممرسة "المتعثرة". لنأخذ الحراك في منطقة الريف أنموذجًا لهذه الأزمة؛ فهو يستحق وقفةَ تأمّلٍ وتفكير في الكثير من سمته، بما لها وما عليها، لعلّنا نفهم حقيقة التحولّات المجتمعية، ونكتشف طبيعة الوعي الجمعي الذي يتشكل داخل المجتمع المغربي بمكوّناته كلها، والأهم هو محاولة رصد نظرة الفاعل الاحتجاجي بهذه الرقعة الجغرافية إلى المؤسسات والوسائط الموجودة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الأمر يتطلّب تريثًا وحذرًا إبستيمولوجيًا، لأن وراء الظاهر البسيط، إذا جاز لنا توظيف عبارة عبد الله العروي في استبانة، يقبع مشكل صعب47. وإذا استحضرنا "مفارقة أولسون" التي مفادها أن الجمعات الصغرى تكون قابلة للتحشيد أكثر من الجمعات الكبرى بفضل ما تتيحه "الحوافز الانتقائية" من إمكانات للتعبئة، وبفضل فاعلية تقنية "الدكان المغلق" في صدِّ محاولات "الراكب بالمجان"، أمكن القول إن حراك الريف استطاع أن يتجاوز تلك المفارقة ويحشُد فئات اجتمعية منوّعة في منطقة الريف، خصوصًا في مدينة الحسيمة على امتداد عام تقريبًا48. ويتفاعل في هذه الحركة الاحتجاجية، في هذا الفضاء الترابي، التاريخي والوعي العصبي (يشدّ في الدرجة الأولى أفراد المنطقة بعضهم بعضًا)49 في بعده الرمزي مع الاجتمعي في نزعته الواقعية. إنه يعيد إلى الواجهة خصوصية التاريخ المحلّ، ضمن صراع اجتمعي يُغذّيه الإحساس الجمعي ب "الحُكْرَة" والأمل بإمكان التغيير على مستوى واقع العيش اليومي في آن واحد50. وإذا كانت المنطقة تشترك مع مختلف أنحاء المملكة في المشكلات المتعلقة بالتنمية والحق في العيش بكرامة، فإن التناول العلمي لمسألة الحراك يصطدم، عادة، بضرورة استحضار عمق قضية الريف وقِدَمها، التي تمتد تراكمتها من نهاية الخمسينيات إلى اليوم، وتبقى قابلة للتجدد والتفاعل مع أي حادث طارئ، ليس في الحسيمة فحسب، بل في المنطقة برمتها. إن فهم هذه التراكمت والخلفيات الممتدة التي قد ينظر إليها البعض بتوجّس وحيطة، والعمل على تحليل أسبابها من دون أحكام جاهزة أو توظيف سياسي، هو المسلك الأنسب للتعامل الإيجابي معها. ويتميّز الحراك في الريف، على خلاف حركة 20 فبراير، بعصبية، تبرز من خلال التفاف الأسر والقبائل وعروشها وأفخاذها وساكنة المهجر وتعاطف المناطق الأمازيغية، مثلم يختلف من حيث تجذّره التاريخي، باستحضار شخصية عبد الكريم الخطابي، ومن خلال مراسيم القسَم العلني51، إضافة إلى كثافة الطلب الاجتمعي

  1. للاستزادة حول أهداف هذه المبادرة ومرتكزاتها، يمكن الرجوع إلى خطاب الملك محمد السادس، في 18 أيار/ مايو 2005. ينظر: "نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس مساء يوم الأربعاء 18 مايو 2005 إلى الأمة"، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، 2020/5/18، شوهد في 2020/11/21، في: https://bit.ly/337Ykfo
  2. مقتطف من الخطاب الملكي في افتتاحه الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة للبرلمان. ينظر: "جلالة الملك يلقي خطابًا ساميًا أمام أعضاء مجلسي
  3. عبد الله العروي، استبانة، ط 3 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع، 2016)، ص.39
  4. نعيمي، "محدودية نظرية الاختيار العقلاني"، ص.104
  5. محمد عابد الجابري، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 6 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص.168-169 49 للاستزادة عن هذا الوعي العصبي المحلي ومظاهره، ينظر: زين الدين، الحركات الاحتجاجية في المغرب، ص.493-494
  6. البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة"، بوابة مجلس النواب للمملكة المغربية، 2018/10/12، شوهد في 2020/11/21، ف:ي https://bit.ly/2V077M1 45 أوريد، "المغرب بين زمنين".
  7. حسن أوريد، " هل المغرب في مأمن عن الأخطار؟"، القدس العربي، 2017/7/7، شوهد في 27/1/2020، في: https://bit.ly/2FRkeuA

وسياقه المرتبط هذه المرة، إلى حدٍ بعيد، بالتفاعل السيكولوجي مع مقتل محسن فكري، وما كشف عنه من مفارقات داخلية صارخة تعكس تواضع الحصيلة والواقع في مجالات اجتمعية عدة52، على نحو أضفى على الحراك خصوصية مجالية وهوياتية، وأكسبه القدرة على التمدد والديمومة مدةً تعدّت عشرة شهور قبل بدء مسلسل المحاكمت والاعتقالات التي ضاعفت صعوبات التكهّن بسيرورته ونتائجه النفسية على وجه التدقيق، على نحو يُحيلنا إلى الأزمة التي تعتري مجالَ السياسة والاجتمع، بحكم أن الحراك الاجتمعي ظهر متحررًا من أي إطار سياسي محدد، بل على العكس من ذلك، يبدو منفصلً عن الأحزاب السياسية وليس انفصاليًا، ما سمح ببروز رموز وقادة يُعبّون عن هذا الحراك في ظل فراغ رهيب، عنوانه غياب الثقة بين الشباب ومختلف الفاعلين أحزابًا ودولة؛ ما عقّد عمليات التواصل والتحاور والتفاوض كلها53. والنتيجة أن ظهور مأزق وساطة حقيقي يفرض البحث في مسبباته وسياقات نشأته، ولمّ التفكير في المداخل الممكنة للتخفيف من امتداداته.

ثانيًا: بشأن مظاهر أزمة الوساطة السياسية وأبعادها

أمام الإغراءات المتزايدة والبدائل المتعددة التي أصبح يمنحها الشارع للمشاركين والمشاركات في الاحتجاجات، للتعبير عن رؤيتهم لمحددات الاجتمع والسياسة من دون المرور عبر المؤسسات التقليدية القائمة، تتنامى الحاجة إلى البحث في "أزمة الوساطة" واختبار فرضية "تاريخيتها" لفهم السبب أو الأسباب التي تجعل معادلة الوساطة والتمثيل تتخذ، في مرات كثيرة، منحى مقلوبًا، حيث تُستمدّ شرعية "الوسطاء" و"الممثلين" من الأعلى، وليس من المجتمع بالضرورة. منذ نحو عقد ونصف العقد من الزمن، انتُقد المهدي المنجرة من مسؤولي الأحزاب السياسية على جرأته "المفرطة" في تشخيص وضع العمل السياسي، بقوله: "إن جميع الأحزاب في المغرب والتيارات السياسية لن تتجاوز نسبة 20 في المئة إذا ما أنجِز استطلاعٌ للرأي حول مصداقيتها. إذن، هذه الفئة، أصبحت لا تمثل أي شيء وضاعت مصداقيتها"54. ويضيف: 80" في المئة من الشباب الذين تقلّ أعمرهم عن 25 سنة، لم يهتموا بأي حزب، ليس لأنهم لا يريدون السياسة، وإنما لكونهم لا يهتمون بالسياسة، كم تؤطرها الأحزاب الموجودة الآن"55. ما الذي تغيّ لتفهم المؤاخذة أو الحيلولة دون الاطمئنان إليها؟ الغريب أن ما كشفه مؤشر "الثقة وجودة المؤسسات" الذي أعدّه المعهد المغربي لتحليل السياسات في عام 2019، يُخفّف من هذه المؤاخذة، إن لم نقل يدحضها. كيف ذلك؟ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 69 في المئة من المغاربة لا يثقون بالأحزاب السياسية كلها، و 25 في المئة فقط يثقون بالنقابات العملية، وتصل الثقة بالحكومة إلى نحو 23 في المئة56. من هنا، يحق لنا أن نتساءل: هل ما يهمّ النظام الديمقراطي هو أن تتكاثر الأحزاب وتتوالد، أم أن يكون في الحزب من الحيويّة ما تجعله يستوعب تعدُّد الأصوات واختلاف الآراء؟ هل تعدّدية الحزب هو أن يدفعك إلى أن تقف خارجه منافسًا، أم أن يمكّنك من أن تُقيم "فيه" مخالفًا؟57 وهل تتمثّل وظيفة الحزب، في الأساس، في بلوغ السلطة، أم أن الديمقراطية الحقيقية تقضي بأن يجعل الحزب هذه السلطة أداةً طيّعةً لخدمة المصلحة العامة؟ لماذا لا تُعطي الأحزاب إنتاج الأفكار مكانةً مهمّة في سلّم أولوياتها والتزاماتها، ولا سيّم في فهم أن الأساس هو أن تُشكل هذه الأفكار نسقًا لتحقيق رؤية ومشروع؟ ألا يؤثر ضعف المرجعيات والبرامج السياسية وتشابهها، سلبيًا في تمثل المواطنين العمل السياسي؟ أليست حيرتهم وانتقاداتهم وسوء فهمهم للممرسة الديمقراطية وطبيعة السلطة وغايتها نتيجة موضوعية لهذا الضعف؟ المغزى من هذه الأسئلة مجتمعة هو الإشارة إلى التناقض الذي صار يُيّز وظيفة الحزب، والوهن الذي يخترق بنيته. إذا كان أحد علمء السياسة والقانون الدستوري (موريس دوفرجيه) قد حدد وظيفة الحزب السياسي "في السعي للاستيلاء على السلطة، أو على الأقل الرغبة في المشاركة في ممرستها"، فإنه، بالتأكيد، لم يكن يقصد الأحزاب المغربية، لأنه يدرك جيدًا، وهو أحد الذين اشتغلوا على الحقل السياسي المغربي، أن دراسة هذه الأخيرة تفرض بالضرورة إعادة النظر في هذا التعريف58. وعلى الرغم من أن المادة الثانية من قانون الأحزاب السياسية تُعرّف الحزب السياسي بأنه "تنظيم

  1. للمزيد عن هذه المفارقات، ينظر: خطاب الملك محمد السادس لمناسبة الذكرى ال 18
  2. بوطالب، ص.67
  3. المهدي المنجرة، قيمة القيم، ط 2 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2007)، ص.295
  4. المرجع نفسه، ص.296 55  " مؤشر الثقة وجودة المؤسسات: نتائج أولية"، المعهد المغربي لتحليل السياسات، 2019/12/3، شوهد في 2020/1/6، في: https://bit.ly/2RIH2PC
  5. لعيد العرش. ينظر: "نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة حلول الذكرى 18 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين"، البوابة الوطنية للمغرب، 2017/7/29، شوهد في 2020/11/21، في: https://bit.ly/3nIlZut
  6. عبد السلام بنعبد العالي، "من مفهوم الكثرة إلى مفهوم التعدُّد"، مجلة الدوحة، العدد 99 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.64
  7. أحمد بوز، "الأحزاب السياسية وإشكالية الوظيفة"، منبر الدكتور محمد عابد الجابري، شوهد في 2020/1/24 في،: https://bit.ly/3iGKvKx

سياسي دائم، يتمتع بالشخصية الاعتبارية، يؤسس، طبقًا للقانون، بمقتضى اتفاق بين أشخاص ذاتيين، يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية، يتقاسمون نفس المبادئ، ويسعون إلى تحقيق نفس الأهداف"، وتُحدّد وظيفته في العمل، طبقًا لأحكام الفصل 7 من دستور 2011، على "تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، كم يُساهم في التعبير عن إرادة الناخبين ويشارك في ممرسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية"59، تكاد تتفق مجموعة من الباحثين على أن الوضعية التي آلت إليها الأحزاب، بفعل عوامل كثيرة، سنأتي على ذكر أهمها لاحقًا، أدّت إلى جعلها ليست غير قادرة على ممرسة وظيفتها في مجال تأطير المواطنين فحسب، بل حالت أيضًا دون تمكينها من تكوين وإفراز نخب سياسية مؤهلة، تُساهم إلى جانب الدولة في تسيير الشأن العام وتدبيره، واقتسام أعباء الحكم عند الاقتضاء60. من تبعات هذا الواقع ضعف الحراك السياسي عند الأحزاب السياسية بأطيافها السياسية كلها، وأمسينا، والحالة هذه، من وجهة نظر أحد الباحثين، أمام نوادٍ سياسية مغلقة، كم بقيت عقدة الزعيم غير قابلة للحل إلّ بوفاته، أو عن طريق الانشقاق عن الحزب الأم61، ليُعيد الحزب الجديد إنتاج الحلقة المفرغة نفسها من منظومة القيم التي تعلّل بها لتبرير انشقاقه62. تاريخيًا، بدأت الحياة الحزبية المغربية بثلاثة أحزاب: حزب الشورى والاستقلال وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي المغربي. واليوم، يناهز عددها ستة وثلاثين حزبًا. ويرجع هذا التناسل إلى أسباب كثيرة، كم سنُبيّ لاحقًا، غير أن أهم ما يترتب عليها أنها تقوّي سلطة الملك وشرعيته، وتُضعِف موقف الأحزاب؛ حيث تصبح التعددية إطارًا يُضعف قدرة النخب الحزبية التفاوضية وتأثيرها السياسي63. وبغضّ النظر عن القراءات المتعددة للتعددية الحزبية وتباينها، يمكن أن نسجل أن أغلبية الأحزاب السياسية المغربية نشأت متمحورة حول شخصية رئيسة، ونادرًا ما تسمح بوجود شخصيات متنافسة؛ الأمر الذي يضطر هذه الشخصيات إلى إيجاد كيانات حزبية منافسة64، حيث يظهر تاريخ الأحزاب السياسية المغربية تاريخ انشقاقات بامتياز65. من ثمة، لن تخرج مقاربة بنية الأحزاب السياسية الحالية عن ثيمة الأزمة. ألا تعيش الأحزاب المنبثقة من الحركة الوطنية أزمة واضحة؟ ألم تعد أزمة "العدالة والتنمية" مكشوفة تنبئ بأنه سيكون لها ما بعدها مستقبلً؟ حتى الأحزاب الإدارية، في نهاية المطاف، تتأقلم. وعلى كل حال، الأحزاب الإدارية ليست أحزابًا جمهيرية، هي أحزاب أطر، وفي غالب الأمر هي تجمّعات مصالح، لا تُعبّ عن رؤية مجتمعية66. وتختزل هذه العبارات، على الرغم من قساوتها، الوضع المأزوم الذي أصبح يسم العمل السياسي، وتفسر، إلى حدٍ ما، أحد أبرز الجوانب المغذّية لبروز مجتمع "الحركة الاجتمعية" بديلً من المؤسسات التقليدية. منذ أكثر من ستين سنة على استقلال المغرب، توصّل أحد الباحثين الأجانب إلى أن الأحزاب في المغرب سُمّيت مجانًا بهذا الاسم، لأنها لا يمكن تصوّرها مجردة عن الذاتية، ويفسر ذلك بكون تاريخها هو تاريخ بعض الرجالات أكثر منه تاريخ التنظيمت67. وعلى الرغم من هذه المدة كلها، لا يخفي أحد الباحثين المغاربة أن "فكرة الزعيم" أصبحت "ظاهرة ممأسسة"68، ويؤكد آخر أن الحزب بزعمئه بقي خاضعًا لآليات النسق الثقافي العام، وحمل قيم هذا النسق ورسّخها داخل الحقل السياسي، ما أضفى على الأخير طابعًا سياسيًا جعل الحزب السياسي امتدادًا للمؤسسات الدينية، وعلى رأسها الزاوية69. ما لم تتعال على مستوى الزاوية أو العشيرة أو النادي أو النقابة، ستبقى الأحزاب السياسية، في نظر العروي، مسلوبة الإرادة، مسيّة من دون وعيها، خاضعة لمنطق المبايعة، رديفة لنفوذ البطانة70.

  1. ظهير شريف رقم 1.11.166 صادر في 24 من ذي القعدة 1432 (22 أكتوبر 2011) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية"، الجريدة الرسمية، العدد 5989، 2011/10/24، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3nCDhJM
  2. أحمد بوجداد، الملكية والتناوب: مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتا  ج النظام السياسي (الرباط: مطبعة النجاح الجديدة، 2000)، ص 113؛ زين العابدين حمزاوي، "الظاهرة الحزبية بالمغرب: مقاربة نقدية على ضوء تجربة التناوب السياسي"، نوافذ، العدد 96 (تموز/ يوليو 2000)، ص 198؛ محمد ضريف، "في أزمة الأحزاب السياسية: ثلاث مقاربات مركزية"، أسبوعية الحدث، العدد 6، 2000/11/2.
  3. محمد زين الدين، "الفعل الحزبي بالمغرب وسؤال الدمقرطة"، مسالك، العدد 3 (2005)، ص.50
  4. زين العابدين حمزاوي، "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب "، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 16 (خريف 2007)، ص.106
  5. Jean-Claude Santucci, "Les partis politiques marocains à l'épreuve du pouvoir: Analyse diachronique et socio-politique d'un pluralisme sous
  6. محمد شقير، "أصول الظاهرة الحزبية بالمغرب"، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، العدد 12-11 (1990)، ص.68-76
  7. بوطالب، ص.70
  8. ينظر حوار يونس بوجبهة مع حسن أوريد، في: يونس بوجبهة، "حسن أوريد: غادرت القصر لأني لم أوافق على خيارات أصحاب القرار.. وحزب العدالة والتنمية خذل حراك التغيير في المغرب"، ألف بوست، 2015/8/5، شوهد في 2020/1/10، في: https://bit.ly/35SjznI
  9. Robert Rezette, Les partis politiques marocains (Paris: PUF, 1955), pp. 245-246.
  10. محمد شقير، الديمقراطية الحزبية في المغرب: بين الزعامات السياسية والتكريس القانوني (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2003)، ص.117
  11. نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي، ط 3 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص.254 69 العروي، من ديوان السياسة، ص.149
  12. contrôle," Remald , no. 24 (2001).

نظرًا إلى العلاقة بين الحزب والنقابة، يخلص صاحب كتاب في غمر السياسة إلى أن فكرة الزاوية أصبحت تنطبق على النقابة والحزب في الوقت ذاته، فكلاهم تكوّن فيه نوع من الزاوية (شيخ ومريدون)71، لم يؤثر في صورة النقابة فحسب، بل أساء أيضًا إلى الوظيفة النبيلة التي حددها الفصل الثامن من دستور 2011، المتمثلة في مساهمة المنظمت النقابية للأجراء، والغرف المهنية والمنظمت المهنية للمشغلين، في "الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتمعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وفي النهوض بها"، وحصرها الفصل الأول من ظهير 16 تموز/ يوليو 195772 في قصد وحيد هو "الدرس والدفاع عن المصالح الاقتصادية والصناعية والتجارية والفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها"، وتعزّزت بالمادة 396 من مدوّنة الشغل التي تنصّ على أن النقابات المهنية تهدف، إضافة إلى ما تنصّ عليه مقتضيات الفصل الثامن من الدستور، إلى "الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتمعية والمعنوية والمهنية الفردية منها والجمعية للفئات التي تؤطرها وإلى دراسة وتنمية هذه المصالح وتطوير المستوى الثقافي للمنخرطين بها. كم تساهم في التحضير للسياسة الوطنية في الميدانين الاقتصادي والاجتمعي وتستشار في جميع الخلافات والقضايا التي لها ارتباط بمجال تخصصه"73. بحسب الخلاصات التي انتهى إليها المشاركون في حوار "سيناريوهات المغرب في أفق 2025"، فإنه، على الرغم من الإنجازات المحققة في مغرب التسعينيات من القرن الماضي، لا يمكن القول إن رهان الديمقراطية قد تَمّ ربحه؛ إذ ما زالت تشوب س ورررة الإصلاح مجموعة من النقائص74، إن على المستوى الدستوري أو المؤسساتي أو الاجتمعي. ما فتئت المؤسسة الملكية تحتفظ بهيمنتها، وتشكّل الأساس في المنظومة السياسية المغربية. غالبًا ما يتم اتخاذ القرارات السياسية على المستوى المركزي، أما عمل الحكومة والبرلمان فلا يتجاوز تنفيذ التوجيهات الملكية75. بعد حصول المغرب على الاستقلال، بينم استمرت الحركة الوطنية في التشديد على أن الاش اررك في المسؤولية يفضي إلى اش اررك في اقتسام السلطة، اختارت الملكية لنفسها منطقًا آخر77، هو منطق الدولة78. بتعبير عميق ممزوج بقدر واضح من النقد الذاتي في ذاكرة ملك، يقول الملك الراحل الحسن الثاني: "لم تكن هناك قوتان، وإنما كان تياران، أحدهم صبور وكان يمثله والدي الذي كان يعتقد أن الطريقة المثلى المُؤدِّية إلى محمود النتائج هي عامل الزمن. والتيار الآخر كان عديم الصبر [...] كانت مطالبهم في مستوى درجة إدراكهم للأشياء، كان لديهم ميل طبيعي لإضفاء أبعاد ضخمة على الجزئيات، كانوا يهتمون بما هو ثانوي على حساب ما هو جوهري، وفي بعض الأوقات كان الحوار لا يسوده أي تَفهُّم؛ إذ كان كل منا يحلّق على ارتفاع يختلف عن ارتفاع الآخر. لقد كانت حقًا مأساة بالنسبة للمغرب"79. ليس إذًا صدفة أن يبقى الدستور مشروعًا معلّقًا طوال أكثر من أربعين سنة (1996-1956)، وهو الذي يؤسس السلطة ويبني المؤسسات، وليس من الصدفة أن تستمر هذه الأخيرة عرضة للنقد، وتبرز حاجة الدولة والمجتمع إلى جيل جديد من العلاقات، تجسّدت في إشراك "خصوم الأمس" في الحكم، في إطار حكومة التناوب. غير أنه إذا كان الهدف المعلن للتناوب التوافقي هو فسح المجال لتنافس القوى السياسية، فسرعان ما اتضح أن وصول هذه القوى إلى مواقع التدبير لا يعني الوصول إلى سلطة القرار80في نظام سياسي له خصوصياته التاريخية ونمطه التثقيفي81، تُشكِّل فيه الحكومة الطبقة الثانية داخل الجهاز القراري المغربي الذي يحتل فيه الملك المكانة الأساسية82. وهو ما يفسّ عدم توصل الحقل السياسي إلى إقرار التقاطب المفترض في البرامج والتصورات، وإنتاج الانتخابات لائتلاف حكومي ينقصه الانسجام التام، وفرق معارضة تُصوّت أحيانًا

  1. محمد عابد الجابري، في غمار السياسة: فكرًا وممارسة، الكتاب الأول، سلسلة مواقف (بيروت: الشركة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.24
  2. ظهير شريف رقم 1.57.119 بشأن النقابات المهنية"، الجريدة الرسمية، العدد 2340، 1957/8/30، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/3pJWgUw
  3. ظهير شريف رقم 1.03.194 صادر في 14 من رجب 1424 (11 سبتمبر 2003) بتنفيذ القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل"، الجريدة الرسمية، العدد 5167، 2003/12/8، ص 3969، شوهد في 2020/11/21، في: https://bit.ly/3lWxpuk
  4. سعيد خمري، روح الدستور، الإصلاح: السلطة والشرعية بالمغرب، سلسلة نقد السياسة (الرباط: منشورات دفاتر سياسية، 2012)، ص.183
  5. سؤال المستقبل: مناقشة حول سيناريوهات المغرب في أفق 2025 (الرباط: مؤسسة
  6. بمقدار ما تمتعت الملكية بمشروعيات متعددة، كان نصيب الحركة الوطنية من المشروعية التاريخية وافرًا، ومن ثم شكّل الطرفان معًا رقمين غير سهلين في إعادة بناء الدولة بعد الاستقلال. ينظر: مالكي، ص.17 76 المرجع نفسه.
  7. للاستزادة، ينظر: الحسن الثاني ملك المغرب، ذاكرة ملك، أجرى الحوارات إيريك لوران، ط 2 (الرياض: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، 1992)، ص.24
  8. عبد الأحد السبتي، "الشعوب العربية وعودة الحدث"، في: عبد الحي مودن وعبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس، أسئلة حول انطلاق الربيع العربي، تقديم الطيب بن الغازي، سلسلة بحوث ودراسات 94 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2012)، ص.49-50
  9. عبد الله ساعف، "كيف يصنع القرار في الأنظمة العربية: الحالة المغربية"، في: نيفين مسعد (تحرير وتنسيق)، كيف يُصنع القرار في الأنظمة العربية: دراسة حالة الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، سوريا، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.511 80 المرجع نفسه، ص.528
  10. فريديريك إبرت، 2006)، ص.15

لمصلحة الحكومات، وأحزاب تزاوج بين لغة الموقع الحكومي ولغة موقع المعارضة83. قبل عام 2011، ظهر أن هناك اهتممًا أكبر بالبحث عن وسائل معالجة المشكلات الاجتمعية. تم تكثيف المبادرات الرامية إلى تخفيف الاحتقان الاجتمعي، وأجريت تغييرات كبرى في طاقم الوجوه التي تتولّ المناصب السامية، والتحق فريق من الطاقات الشابة بالقصر الملكي84، وأُعفي وزير الداخلية إدريس البصري، وسُمح بعودة إبراهيم السرفاتي وعائلة المهدي بنبركة، وبلورة مفهوم جديد للسلطة، مع مرونة أكبر في تدبير الاحتجاج الاجتمعي والتوسيع النسبي لمساحة حرية التعبير والانخراط في ورش ومشاريع تنموية كبرى في مجال البنى التحتية ومحاربة الهشاشة الاجتمعية، وغيرها من القرارات والمبادرات الجريئة والإيجابية ذات الوقع السياسي والاجتمعي الحسن، وسيكون من الإجحاف نفي وجودها في المغرب. لكن في المقابل، بعد مرور 15 سنة على تعديلات عام 1996، وما تبعها من استحقاقات انتخابية (الانتخابات التشريعية لأعوام 1997 و 2002 و 2007 والانتخابات الجمعية لعامي 2003 و 2009 وانتخابات ثلث مجلس المستشارين)، وما انبثق منها من مؤسسات تشريعية وتنفيذية وجمعية، وانطلاقًا من النقاشات وردات الفعل التي أعقبت حكومة عبد الرحمن اليوسفي وإدريس جطو وعباس الفاسي، تم تسجيل الكثير من الاختلالات التي وفّرت الأساس القانوني والدستوري لعرقلة مسار التطور الديمقراطي والتنمية السياسية85 والحركة الإصلاحية، وانطلقت مع تعيين وزير أول تكنوقراطي بعد انتخابات 27 أيلول/ سبتمبر 200286، وتفاقمت بعد أحداث 16 أيار/ مايو 2003. إضافة إلى هذا المتغير، احتفظت الهيئة التي باشرت بأكبر عملية مصالحة لإنصاف ضحايا الأمس وزرع الأمل في نفوس جيل الحاضر والغد، بأغلبية توصياتها لنفسها، كم بقيت محاربة المفسدين وناهبي المال العام تخضع لثقافة "الخطوط الحمراء"87. في موازاة ذلك، نسجل وجود اختلالات حادة88 وظواهر اجتمعية وسياسية مقلقة تُهدّد التمسك الاجتمعي، نقرأ أهم مظاهرها في خلاصات الدراسة التي أعدّها الممعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية في مجال قياس مستوى التمسك الاجتمعي في المغرب: في الوقت الذي تستمر فيه الروابط الأسرية في تصدّر مصادر إحساس المغربي بالأمان والثقة89، أدّت التحولات التي شهدها المجتمع المغربي إلى إضعاف العلاقات داخل الأسر، ومن ثمة، إضعاف الرابط الاجتمعي والعيش المشترك. في حين تتّسم الثقة بالضعف، سواء بين الأشخاص أم تجاه المؤسسات90. وهي الوضعية التي أنتجت، بحسب المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي، مشاعر ظلم وحالات قلق، بسبب سوء التفاهم المتعدد الاتجاهات: بين الشباب والأسر، خصوصًا في الأوساط الاجتمعية التي تعاني الفقر والأمية وانعدام السكن اللائق، كم أنتجت مظاهر تمرد على الشرخ الاجتمعي والاقتصادي وواقع الفساد والزبونية والإحساس المتنامي بحرية محجوزة من جرّاء الصعوبات الاقتصادية؛ وهو ما يؤدي بعدد لا بأس به إلى الضياع والهشاشة والصراعات العائلية وانهيار القيم ومشاعر اللاجدوى والاحتقار الذاتي، واستبطان الإحساس بكونهم ضحايا مجتمعٍ غير قادر على الإنصات إليهم، أو على الاعتراف بذكائهم وكرامتهم؛ الأمر الذي يُنتج أشكالً منوعة من الاحتجاجات91. بماذا يمكن أن نُعزّز هذا التفسير؟ تكون الخلاصة المُحيّنة التي توصل إليها ريمي لوفو بمنزلة أجوبة مُركّزة جدًّا عن هذا التساؤل، غير أنها دالّة، وتنسجم مع الوضع الذي رسمناه سابقًا. يقول في هذا الإطار: "غداة الاستقلال، كنّا نسمع الأحزاب والنقابات وهي تدّعي ممرسة السلطة باسم الكتل الجمهيرية التي لم تكن لها تمثيلية إلّ بشكل محدود، بيد أن النظام الملكي قد أزاح هذه الأحزاب والنقابات بدون صعوبة تُذكر بفضل دعم العالم القروي والقوات المسلحة"92، و"رفض دومًا أن يرهن نفسه بشكل مباشر من وراء تشكيلة سياسية ما، وظل يسهر على تأمين نوع من التعددية من بين أولئك الذين يعبّون عن وفائهم غير المنقوص لفكرة السلطة الملكية ولشخص الملك بالذات"93، ليهيمن "بكامل السهولة في إطار المعيش اليومي"94.

  1. المرجع نفسه.
  2. الجابري، في غمار السياسة، ص.9
  3. حامي الدين، ص.13
  4. يعتبر هذا التعيين خروجًا على المنهجية الديمقراطية التي تم تكريسها في عام 1998، حيث تم الرجوع إلى الحزب الحائز المرتبة الأولى في الانتخابات لاختيار الوزير الأول.
  5. السبتي، ص.50
  6. محمد نعيمي، "الربيع العربي في المغرب: الإرهاصات والتفاعلات، حركة 20 فبراير
  7. تعتبر الدراسة قيمة الثقة هي المعيار الذي نقيس به قوة نظام مجتمعي ما أو ضعفه، وقدرته على مقاومة عوامل التفكك.
  8. المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (IRES) يطلق النسخة الثانية من البحث الوطني حول الرابط الاجتماعي في المغرب"، المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، شوهد في 2020/11/21، في: https://bit.ly/3pQjhoE
  9. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التقرير السنوي لسنة 2011   (الرباط: 2011)، ص 68، شوهد في 2020/11/15، في: https://bit.ly/2Kr3r3T
  10. ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، ترجمة محمد بن الشيخ، مراجعة عبد اللطيف حسني، سلسلة أطروحات وبحوث جامعية 2 (الدار البيضاء: منشورات وجهة نظر؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص.281
  11. المرجع نفسه، ص.291 92 المرجع نفسه، ص.281
  12. نموذجًا "، أبحاث، العدد 62-61 (2015)، ص.25

ثالثًا: منافع آلية التوافق وحدودها

بالرجوع إلى مختلف المعطيات التي أوردناها، قطع المغرب مراحل عدة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي في مجال الإصلاحات السياسية والدستورية التي تميزت بإعادة هيكلة الحقل السياسي وفق منهجية دستورية وتوافق سياسي، بوصفها شرطًا مسبقًا لعملية التقارب بين الفاعلين السياسيين. لكن ما زالت التحولّات السياسية والدستورية في المغرب تخضع لاستراتيجية ترمي إلى جعل التغيير يتم من داخل الاستمرارية، لتجنب النتائج غير المتوخّاة من الدمقرطة. بعبارة أخرى، يبقى من الصعب تحليل دينامية النظام السياسي المغربي في غياب فهم طبيعة المحددات والاستعملات السياسية التي يُعتبر مفهوم الانتقال الديمقراطي موضوعًا لها. وسيبقى هذا الأخير عصيًّا على الفهم، نظرًا إلى كثافة الإصلاحات الدستورية والسياسية ومحدودية آثارها في دمقرطة النظام السياسي، الأمر الذي يثير أكثر من استفهام وسؤال، ويدعو إلى التفكير في مظان هذا العجز عن التقدم على طريق الانتقال نحو الأفضل، كم حصل في مجمل مناطق العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وهي في مجملها سلسلة أسئلة تستحضر دور المعرفة والثقافة في تفسير لماذا غدا سؤال الإصلاح والتغيير عصِيًّا على الإجابة95. أليس للأمر علاقة كذلك بما سمه ماثيو غيديرMathieu Guidère قدرة الأنظمة الاجتمعية في البلدان العربية على "التحمل" و"الولاء" بالاستناد إلى الخيال الجمعي (تأثير قوي للأعيان البارزين، مكانة الجيش الخاضع للرقابة، السعي لنيل المناصب السامية... إلخ)؟ ولا يُخفي عبد الله حمودي، في هذا السياق، تشاؤمه من أمرين: أحدهم يرتبط بوجود نخبة مهيمنة تعوزها الخبرة التاريخية التي تجعلها مستعدة للتوافق والحلول الوسطى، حيث تحظى هذه النخب بامتياز أكبر حصة واحتكارها بوصفها حقًّا طبيعيًّا، في حين أن الطبقات الممثلة في أوروبا وفي غيرها تعلّمت التوافق والحلول الوسطى من خلال النكسات التي تعرّضت لها96.

في علاقة بهذه الحلول، دعونا نتوقف عند آلية "التوافق السياسي" التي استطاعت المملكة من خلالها أن تضمن أمنها واستقرارها وتدفع، بمقتضاها، بمختلف الأحزاب إلى المشاركة في ممرسة السلطة وتدبير الشأن العام وفق قواعد متفق عليها. لكن العقل نفسه يُذكّرنا بأن هذه الآلية إلى جانب حَجْبِها عمق المشكلات الاجتمعية وانحصار التفكير فيها في أثناء "تدبير الأزمة"، انعكست سلبيًا إلى حدٍّ ما، على وظيفة الأحزاب السياسية التي أصبحت رهينة للتحالفات التوافقية، سواء الدائمة في علاقتها بالمؤسسة الملكية، أم الظرفية في إطار علاقة الأحزاب في ما بينها97، على نحو حصر العمل السياسي داخل زوج "معارضة/ أغلبية"، أي ربطه مباشرة بالموقع الحكومي، بعيدًا عن شيء اسمه برنامج حزبي أو مرجعية أيديولوجية98، منتجة بذلك أنماط التعامل البيروقراطي نفسه99. وأصبحت الأجواء التي تُخيِّم على هذه الأحزاب هي نفسها تلك التي يصادفها الباحث في الدراسات التي تتخذ أجواء البلاطات موضوعًا لها100. وجعل هذا الوضع الحزب السياسي سجين بنيةٍ تنظيمية مغلقة، غير منفتحة، ليس على المجتمع وطبيعة التحولات التي يعرفها فحسب، بل النقاشات الداخلية أيضًا، سواء كانت فردية أم جمعية، وهي الظاهرة التي ارتبط بها منطق الإقصاء والإقصاء المضاد، الأمر الذي يترك تأثيرًا سلبيًا في إنتاج الأفكار والمفاهيم101. يمكن قراءة هذا الانغلاق، على سبيل المثال لا الحصر، من خلال تفشّ ظاهرة الترحال في البرلمان، وتهافت الأحزاب السياسية على

  1. امحمد مالكي، "التغيير العربي العصي"، مركز الإمارات للدراسات والإعلام   - إيماسك، 2018/4/2، شوهد في 2020/2/14، في: https://bit.ly/3ccyiuJ
  2. عبد الله حمودي، "عن الربيع المغربي"، في: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب، ص.733
  3. نجد هشاشة التحالفات وعدم خضوعها لمنطق عقلاني، الأمر الذي لم يسمح بتشكل تقاطبات سياسية محورية، ومن ثمّ تكون تحالفات تخضع لمنطق سياسي مقبول تكون نتيجته وضع برامج سياسية منسجمة ورؤى إصلاحية موحدة. ينظر: حمزاوي، "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب"، ص.111
  4. لا تتوافر للأحزاب المغربية، في معظمها، أيديولوجيا واضحة المعالم، يستقل بها كل حزب عن غيره من الأحزاب؛ إذ على الرغم من اختلاف التقارير الأيديولوجية، فإنها تغترف، في آخر المطاف، من المعين الأيديولوجي نفسه، الأمر الذي يسمح بنعت هذه التعددية الحزبية بأنها شكل من أشكال التوحد الأيديولوجي، نظرًا إلى تقارب الأفكار والبرامج لعدد كبير منها. ينظر: محمد شقير، القرار السياسي في المغرب (الدار البيضاء: دار الألفة، 1992)، ص.59
  5. عبد اللطيف حسني، "الحالة السياسية للمغرب سنة 2002 "، وجهة نظر، العدد 18 (2003)، ص.10
  6. عبد اللطيف أكنوش، واقع المؤسسة والشرعية السياسية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21 (الدار البيضاء: مطبعة بروفانس، 1999)، ص.84-85
  7. محمد المسكي، "الظاهرة الحزبية بالمغرب: بين غياب النظرية السياسية وغياب المشروع المجتمعي"، وجهة نظر، العدد.)2002(14

استقطاب الأعيان خلال الانتخابات، ما يؤكد عدم قدرتها على تحديث بنائها ووظائفها الاجتمعية والسياسية وتطويرها، وعدم استحضار الكفاءة والموضوعية في تزكية المرشحين باسمها، والرغبة في الفوز بأكبر عدد من المقاعد بالطرائق والوسائل كلها، إضافة إلى عدم تجدد نخبها وعدم انفتاحها على نحو كافٍ على النساء والشباب، الأمر الذي كرّس رتابة المشهد السياسي والحزبي وأزمته، وأسهم في عزوف فئات عريضة من المجتمع102، على رأسها الشباب. ومع أن هنالك مجهودات حثيثة بُذلت لتخليص الممرسة السياسية من إرث الماضي الثقيل، حيث السياسة ترادف المنع والاعتقال والقمع، من خلال طيّ صفحة انتهاكات سنوات الجمر والرصاص، عبر مصالحة وطنية وجبر للضرر، فإن صورة العمل السياسي ما زالت تعاني أثر الفترات السابقة، إضافة إلى ما يشكو منه العمل السياسي، كم أشرنا سابقًا، من ظاهرة تناسل الأحزاب وصعوبة التمييز بينها على مستوى المرجعية والبرنامج السياسي، إضافة إلى تكريس صورة الصراع بشأن المناصب والتزكيات والترشيحات الانتخابية، مع وجود فساد نخبوي كبير، يعوّق التواصل مع المجتمع، ويضعف العرض السياسي المقدم للمواطنين. كم تعرف الأحزاب المغربية شيخوخة مهولة لقادتها، ونكوصًا واضحًا في الديمقراطية الداخلية103، والتسابق في استملة الأعيان وأصحاب المال والنفوذ داخل مجال جغرافي محدد. منذ الاستقلال إلى اليوم، بقيت المؤسسة الملكية تعتمد، عبر وزارة الداخلية، على تسخير أحزاب سياسية بعينها في تنظيم الأعيان، على الرغم من التغيير الذي وقع في البنيات الحزبية، وفي بنية الساكنة. ما يؤكد ذلك على مستوى الواقع أنه إذا كانت أحزاب الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري تقوم بهذه المهمة منذ نشأتها، فاليوم أصبح حزب الأصالة والمعاصرة، بدوره، يُنظّم الأعيان المحليين من الناحية السياسية، وفي ارتباط موضوعي بوزارة الداخلية واستراتيجيتها التقليدية، بل حتى الأحزاب التقدمية (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية) لم تسلم من هذا التوظيف البراغمتي؛ إذ هي الأخرى تلجأ إلى هؤلاء الأعيان الذين يعتبرون أنفسهم حلفاء موضوعيين للمؤسسة الملكية؛ والأدهى من ذلك أن التجربة تؤكد أن حزب العدالة والتنمية الذي كان ينتقد هيمنة الأعيان، ما عاد يجد حرجًا في استقطاب الأعيان والترحيب بهم للترشح باسمه في الاستحقاقات الانتخابية لتوسيع قاعدته الانتخابية (في علاقة بغريزة البقاء) نظرًا إلى الارتباطات الموضوعية والذاتية التي ما زالت قائمة بين الكتلة الناخبة على ضآلتها، والانتمء الاجتمعي للمرشّحين للانتخابات. يفسّ هذا، إلى حدٍ بعيد، تعامل الفاعلين الحزبيين المغاربة مع المشاركة الحكومية، أساسًا، بوصفها مجالً لتدبير العلاقة مع الدولة، وليست مجالً لإنتاج السياسات (سياسات عمومية وأجوبة عن أسئلة المجتمع)؛ إذ عملت الرواسب التاريخية، داخل الأحزاب، على تكييف ردات فعلها، على نحو يجعل هاجسها الأساسي هو التفكير في المسألة السياسية (مسألة الدولة، السلطة، الدستور... إلخ)104. ألم يُقدّم حزب العدالة والتنمية تنازلات كثيرة في الحكومة الحالية على نحو جعله شبيهًا بالأحزاب الإدارية؟ لماذا لم يمتلك الحزب الجرأة الكافية لمناقشة اختيار الاعتذار عن المشاركة في الحكومة؟ كيف لنا أن نفسر تعيين الملك سعدَ الدين العثمني رئيسًا للحكومة قبل عقد المجلس الوطني للحزب؟ لربما يصطدم الباحث عن إجابة لهذه التساؤلات بكثافة حضور هاجس تدبير العلاقة مع الدولة، الذي بات يحكم على معظم الأحزاب السياسية بالانخراط في عملية التقرب من السلطة والدولة105، والتخلّ، في المقابل، عن وظيفة الحزب الأساسية، بوصفه جهازًا للوساطة بين الدولة والشارع، وضابطًا للصراعات، ومدمِجًا للمطالب الشعبية في النظام السياسي، مثلم يبرز حضوره في درجة تعبئته المواطنين والدفاع عن قضاياهم106. وهكذا، تحوّلت الطبقة السياسية إلى دعامة إسنادية107 للنظام السياسي واختياراته المركزية التي قد تختلف من حقبة إلى أخرى، بحسب طبيعة المرحلة ومستلزمات التحول108، بدلً من أن تكون طرفًا وازنًا في القرار السياسي الذي يتحوّل إلى قرار مغلق109، يضعف عملية المشاركة السياسية، ويتحكم في المنافذ المؤدية إلى دائرة صنع القرار السياسي. وفق هذا المجال المغلق، يمكن إدراج ردات فعل معظم الأحزاب السياسية تجاه حركة 20 فبراير، والتعامل السلبي والمتسرّع مع احتجاجات الحسيمة. وهكذا، يمكن اعتبار رفض هذه الأحزاب السياسية مساندة الحركات الاحتجاجية وتجاهل مطالبها، أو الترقب

  1. إدريس لكريني، "محاسبة الديمقراطية: التداعيات المحتملة لاحتجاجات حركة 20 فبراير في المغرب"، السياسة الدولية، العدد 184 (نيسان/ أبريل 2011)، ص 90-91.
  2. يونس بلفلاح، "عزوف الشباب المغربي عن المشاركة السياسية"، العربي الجديد،
  3. حسن طارق، السياسات العمومية في الدستور المغربي الجديد، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية 92 (الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2012)، ص.70
  4. زين الدين، "الدينامية الاحتجاجية وأزمة الوساطة"، ص 82.
  5. المرجع نفسه، ص 25.
  6. محمد معتصم، "التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، 1988، ص 552.
  7. يونس برادة، "وظيفة الحزب في النظام السياسي المغربي"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2000، ص 60.
  8. Dusan Sidjanski, "Décisions closes et décisions ouvertes," Revue fran ҫ aise de science politique, vol. XV, no. 2 (1965), pp. 251-269.

الحذر لنتائجها، أو حتى مهاجمتها، بمنزلة مراقبة ذاتية تمارسها الأحزاب السياسية على نفسها، أو تكريس لتراضٍ وتوافقٍ قائم بينها وبين المؤسسة الملكية، أو بالأحرى "لعبة توافق"، على حد تعبير رقية المصدق، يمكن، عبر تتبع الممرسة، اكتشاف ما يشوبها من ثغرات تتعارض ودعم دولة القانون وسلطة المؤسسات110، لأن اللعبة التي تتحكم في عمل الشركاء السياسيين لا تطوِّر مسلسلً يؤسس لسموّ الدستور، بقدر ما يدفع في الواقع في اتجاه تهميشه، ليبقى أخذه مرجعيةً "مجرد مسألة تكتيكية"111، تُدرج ضمن إطار "صراع غير واضح"112 من أجل السلطة، كم يشكل أحد مظاهرها113. إذا دمجنا، في هذا الإطار، مجمل التحولّات التي عرفها المغرب السياسي - مع التركيز على طبيعة العلاقات بين الفرقاء السياسيين في مرحلة ما بعد التسعينيات وما قبلها - فسنتبيّ أن المغرب مرّ بمرحلتين أساسيتين: مرحلة الانغلاق (الصراع على السلطة واحتكارها)، وقد امتدت من بداية الاستقلال إلى عقد التسعينيات، ثم مرحلة الانفتاح (التقارب والتراضي بين الأطراف المتصارعة على ثوابت النظام السياسي وعلى الدستور والورش الإصلاحية)، التي بدأت مع بداية عقد التسعينيات، وتميزت بتبني أحزاب الحركة الوطنية خطابًا سياسيًا جديدًا يسعى للتوافق مع القصر114، ويتّجه، في الأساس، إلى حقل التدبير الاقتصادي والاجتمعي والثقافي115. وأهم تساؤل يُطرح إزاء هذا الانتقال من الصراع إلى الممرسة السياسية القائمة على التوافق، هو علاقة هذه الممرسة الجديدة بالديمقراطية. في الواقع، يوجد تباين كبير بين الباحثين بخصوص الإجابة عن هذا الإشكال؛ إذ هناك من يعتقد أن التراضي آلية تُجنّب البلاد عواقب الشد والجذب والصراع والشقاق116، وتخلّف جسرًا أساسيًا من التواصل بين الفاعلين السياسيين خارج إطار الشكلانية الدستورية، بل إنها أعادت نوعًا من الثقة السياسية بورثة الحركة الوطنية117، بينم يرى آخرون ألّ أحد يذهب بهذا التراضي بعيدًا إلى الحد الذي يوحي فيه بوجود مشروع مجتمعي متكامل، لأن الدولة وأغلبية القوى السياسية – على الرغم من كل ما تقوله - تخشى أكثر ما تخشى الاتجاه الوحيد118، ثم إن التوافق تابع للشرعية الذاتية للعاهل119، كم هيمن خطاب التراضي السياسي بين الملك والمعارضة، مع موالاة الكثير من الأحزاب للملكية، ومنح الثقة للكثير من المشاريع الحكومية، بعيدًا عن البرلمان الذي بقي من دون تأثير كبير في الخيارات الكبرى للحكومة (قضية التعليم ومدوّنة الأسرة والمسألة الانتخابية)120. بيد أن هذا الاختلاف حول "آلية التوافق"، لا يمكن أن يحجب عنّا منافعها، على امتداد المنعطفات المصيرية في تاريخ المغرب المعاصر، في مقاربة الإشكاليات الوطنية الكبرى، لكسب رهانات المعارك الدبلوماسية الحاسمة، كم في مجالات التحديث والدمقرطة والتنمية121. بعد مدة طويلة من التحضيرات والتخطيط والتنازلات المقدَّمة، كلّف الملك الراحل الحسن الثاني السيد عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتشكيل حكومة "التناوب التوافقي"، وهي الحكومة الخامسة والعشرون في المغرب المستقل. ما الذي تغير في المغرب حتى أصبح دخول الاتحاد في تجربة "التناوب" شيئًا ممكنًا، بعد 38 عامًا من المعارضة؟122 نقتبس من الراحل محمد عابد الجابري جوابه عن هذه التجربة: "الملك يدعو حزب المعارضة التاريخية، ليرأس حكومة، ويشارك فيها ببضعة وزراء! إنهم لا يمارسان السلطة لأن مراكز القرار ليست في يديهم، بل هي في أيدي القوى المحافظة التي تعترض سبيل التغيير والإصلاح بشكل أو بآخر، حفاظًا على وضعها كصاحبة السلطة الحقيقية"123. تعرضت المقاربة الانفتاحية للكثير من الانتقادات، خصوصًا ما يتعلق بطريقة تدبير مسألة "التراضي السياسي"، وملف حقوق الإنسان والمؤسسات المشرفة عليه في الواقع، وإن عرف هذا الأخير دينامية

  1. ينظر حوار رقية المصدق في النشرة (28 تشرين الأول/ أكتوبر 1996)، نقلً عن: حمزاوي، "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب"،.117 ص
  2. Rkia El Mossadeq, Consensus ou jeu de consensus? Pour le réajustement de la pratique politique au Maroc (Casablanca: Imprimerie Najah El Jadida, 1995), p. 19.
  3. عبد الرحيم المنار اسليمي، "الدستور والدستورانية: ملاحظات حول اللعبة السياسية بالمغرب"، وجهة نظر، العدد 17 (خريف 2002)، ص.22
  4. حمزاوي، "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب"، ص 118.
  5. محمد المساري، "جدلية التوافق في الفضاء السياسي المغربي"، المجلةالعربية للعلوم السياسية، العدد 33 (شتاء 2012)، ص.13
  6. خالد علوية، "تحولات الصراع السياسي في المغرب"، في: بيير سلامة [وآخرون]، جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1982)، ص.246
  7. محمد عابد الجابري، "الكتلة التاريخية"، الاتحاد الاشتراكي، 1999/12/11، نقلً عن:
  8. اسليمي، ص.22
  9. حوار زكية داود مع بول باسكون في عام 1978، ترجمة مصطفى المسناوي، نشر أول مرة في مجلة لاماليف، العدد 94 (كانون الثاني/ يناير-شباط/ فبراير 1978)، وأعاد نشره منتدى ابن تاشفين المجتمع والمجال، في: بول باسكون أو علم الاجتماعي القروي (الدار البيضاء: مطبعة دار القرويين، 2013)، ص.30
  10. محمد أتركين، "التوافق والانتقال الديمقراطي"، رسالة دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، 2007، ص.105
  11. المساري، ص.30
  12. محمد الأخصاصي، "الإصلاحات في المغرب: الحصيلة والمستقبل"، المستقبل العربي، العدد 444 (شباط/ فبراير 2016)، ص.28-29
  13. محمد عابد الجابري، " المغرب: إلى أين؟ مستقبل التجربة الديمقراطية في المغرب"، فكر ونقد، العدد 16 (شباط/ فبراير.)1999 121 محمد عابد الجابري، "التناوب والمُلْك حارسه"، الاتحاد، 2005/4/26، شوهد في 2020/10/11، في: https://bit.ly/2UBj8Hw
  14. المساري، ص.17

جديدة بفضل الفضاءات الجديدة التي أفرزتها حكومة التناوب وانتقال الملك، حيث ستتوارى المقاربة الانفتاحية، فاسحة المجال لظهور المقاربة الانتقالية الرامية إلى الوصول إلى المصالحة الوطنية124، لطيّ صفحة الماضي والتفكير في الحاضر واستشراف المستقبل. وهي المصالحة التي اتفقت الأطراف على عنوانها واختلفت في الآليات الكفيلة بتحقيقها. لكنها تبقى تجربة مغربية بلغت حدودًا لا سابق لها في التاريخ الحديث للدولة المغربية، نظرًا إلى الشجاعة السياسية والأخلاقية التي قضت بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة. إنها حصيلة يصعب القفز عليها، نظرًا إلى التأثير الذي مارسه الكثير من أحداثها التاريخية في السلوك الاحتجاجي المغربي، خصوصًا بعد تجربة التناوب. ويفرض التاريخ نفسه "كوسيلة ضرورية لفهم أيّ شأن من شؤون المغرب. إن المغرب بلاد الاستمرارية والتطور، سواء إلى الأمام أو إلى الوراء، يحدث فيه داخل الاستمرارية وليس خارجها"125. يتفق الجابري هنا ضمنيًا مع ما ظل يردده العروي: "النظام مشيَّد لكي يضمن لذاته الاستمرارية على الحالة التي هو عليها"126. يبدو واضحًا أن الخطوات التي سبقت وأعقبت "تجربة التناوب" التي عاشها المغرب هي مجرد عود على بدء: "الجهة التي كانت في الحكومة منذ أزيد من ثلاثين سنة تُسحب إلى 'المعارضة'، والجهة التي كانت في المعارضة يؤتى بها إلى الحكومة"127. لم يستبعد عبد الرحمن اليوسفي128 فكرة أن يكون التناوب التوافقي مجرد "تكرار وإعادة للتجارب السابقة"، وأنه "لم يكن مفروضًا عن طريق انتخابات أجمعت كل الأحزاب السياسية على التنديد بها، كم أنه لم يكن نتيجة تحالفات عقدتها الأحزاب بكل حرية، بل كانت نتيجة اتفاق بين الملك الحسن الثاني، المالك لكل السلطات، والمعارضة التاريخية في المغرب"، لأنه كم "فهم الجميع أن هذه الأغلبية ما كان لها أن تتشكل دون الضوء الأخضر ممن يهمه الأمر". يتفق عبد الله حمودي مع عبد الله العروي، عندما وصف التناوب السياسي بالإشراك، والأحزاب المساهمة فيه بالمشاركة129. فهي تبقى خطوات محسوبة تروم إيجاد نوع من التنفيس السياسي، أكثر منها مبادرات حقيقية مدرجة في إطار مشاريع130 لتعزيز التحول الديمقراطي. لكن ما ينبغي الانتباه إليه أن هذه الدورة الأربعينية ما بين "التناوب" الذي أ 1958 قرّ في عامُ و"التناوب" الذي أقرّ في عام 1998 لم تكن كلها انتظارية، بل شهدت أحداثًا وتطورات وآمالً ومآلات مختلفة، كُتب عنها الكثير على المستوى الأكاديمي أو الإعلامي، غير أن ما يهمنا، في إطار هذه الدراسة، هو درجة تأثيرها في موضوع الحركات الاحتجاجية، خصوصًا أنه على الرغم من أن المملكة شهدت انفتاحًا سياسيًا مؤكدًا، انطلق مع التعديلات الدستورية لعامي 1992 و 1996، وتعزّز بمجيء حكومة التناوب التوافقي في عام 1998، وتم مع دخول المغرب مرحلة حكم الملك محمد السادس، فإن المشكلة المطروحة هي بالضبط مسألة التطور غير المتكافئ للحقلين السياسي والاجتمعي. ويبدو الأمر كم لو تعلق بمفارقة بين انفتاح سياسي ملحوظ وتقدم اجتمعي جد مرتبك. وهنا لا بدّ من أن نتساءل عمّ إذا كان الاحتجاج قد تغيّ، أو خفّ بعد تشكيل حكومة التناوب؟ وهل يعتبر فاعلو الاحتجاج مطالبَهم أدنى عمقًا من تحولات المشهد السياسي، أم أن مطالبهم أعمق وأعقد من هذه التحولات، كم تُسائل باستمرار الدولة الاجتمعية؟ وهل أجواء الثقة بين الفاعلين السياسيين انعكست إيجابيًا على ارتفاع أسْهُم الحاجات الاجتمعية الأساسية للساكنة؟ واقعيًا، على الرغم من الدينامية الإصلاحية التي امتدت أربع سنوات من عمر هذه التجربة، فإن دائرة الحركات الاحتجاجية توسّعت وتنوّعت مطالبها132 على نحو لافت، بين ما هو اجتمعي وسياسي واقتصادي وقيمي وحقوقي. وبرزت احتجاجات المعتقلين اليساريين السابقين المُفرَج عنهم، والاحتجاج النسائي، ثم الاحتجاجات الإسلامية والأمازيغية، واحتجاجات حاملي الشهادات الجامعية، وغيرها من الحركات الاحتجاجية الشعبية ذات البعد الاجتمعي والسياسي التي أثثت الفضاء العام. وكلّها حركات تعكس بداية تكسير عملية

  1. أتركين، ص.236
  2. الجابري، " المغرب: إلى أين؟."
  3. Abdellah Laroui, La Crise des intellectuels arabes. Traditionalisme ou historicisme? (Paris: François Maspero, 1974), p. 143.
  4. الجابري، "المغرب: إلى أين؟."
  5. مقتطف من العرض الذي قدّمه عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول السابق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في إطار منتدى الحوار الثقافي والسياسي في بروكسل)(بلجيكا، 26-24 شباط/ فبراير 2003. في: عبد الرحمن اليوسفي، "تجربة ديمقراطية المغرب،
  6. عبد الله حمودي، مصير المجتمع المغربي رؤية أنثربولوجية لقضايا الثقافة والسياسة والدين والعنف، حوار وإعداد توفيق بوعشرين ومحمد زرنين، دفاتر وجهة نظر 5 (الرباط: دفاتر وجهة نظر، 2004)، ص.23 المرجع نفسه.
  7. عبد العلي حامي الدين، "إشكالية الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب"، مسالك، العدد 6 (2007)، ص.21 129 عبد الرحمن رشيق، "الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر"، ترجمة الحسين سحبان، منتدى بدائل المغرب، أيّار/ مايو 2014، ص 26.
  8. أية تطورات من أجل دولة الحق بأفريقيا"، ترجمة عبد الحميد الجواهري ومصطفى النحال، مجلة الملتقى، العدد 26 (2011)، ص.107

التطويق133التي أحكمتها السلطة على المجتمع في المراحل الماضية134. عودة إلى آلية التوافق، نسجل أنها تترجم، على المستوى القانوني، واقع تجدّد الشرعية الوطنية للمؤسسة الملكية، وعلى المستوى السياسي، سموّها وهيمنتها على ما عداها في منظومة المؤسسات الوطنية. في ظل وضع كهذا، ‬حيث استفادت الملكية في المغرب من خلال دفع جزء من أحزاب المعارضة إلى الاشتغال داخل مؤسسات الدولة136‬، كان صعبًا أن ينشأ أيّ فضاء احتجاجي بعيدًا عن الحقل السياسي المؤسس، قبل أن يكسر الحراك في الحسيمة هو الآخر هذا الحاجز، ويتطوّر في استقلال عن الأحزاب السياسية (المتحدة عمومًا حول السلطة والمنقسمة في ما بينها)، وخير دليل انتقاد المشاركين في حراك الريف، مثلً، لأغلبية الأحزاب والتنظيمت النقابية والمدنية ورفض وصايتها، في الكثير من مسيراتهم وشعاراتهم المرفوعة، بوصفها "هيئات بيروقراطية"137. الرسالة غياب الثقة بالحكومة والأحزاب السياسية والمجالس الجمعية، لتجد المؤسسة الملكية نفسها في وضع المخاطب المباشر من المشاركين في الاحتجاجات. هذا التراجع المسجل في القيام بدور الوساطة بما هي آلية لتدبير الخلافات، جعل عباس الجراري، المستشار الملكي السابق، يؤكد أن "الجميع يتفرّج على ما يجري أو يذكون نيران الفتنة أكثر مم هي متّقدة، حتى الملف وصلنا إلى طريق يكاد يكون مسدودًا، بعد أن فشلت المؤسسات المنوط بها حل المشكل في تدبير الأزمة والوصول بها إلى بر الأمان"138. وأضاف: "أنه من المؤكد أن هناك أخطاء، فأنا أتساءل أين هي الحكومة من كل هذا، وأين هي الأحزاب والمؤسسات التي تصرف عليها الملايير" بحكم أنه ظهر جليًّا أن الكل "ينتظر تدخُّل الملك، وهذا ليس هو الحل منذ البداية، لا يعقل أن تتخلّ الحكومة والمؤسسات عن مسؤولياتها ليتم الزج بالملك في قضايا مثل هاته، ليس سهلً أن يغامر الملك في ملف شائك مثل هذا لا يمكن توقُّع ردود الأفعال فيه". القول بهذا رضوخ للواقع وتحدياته، لكن الخطر يكمن على المستوى القريب والمتوسط في إدامة هذا الواقع أو التغاضي عنه.

خاتمة

عود على بدء، لا يمكن للبحث في الوساطة السياسية ومأزق التوترات الاجتمعية إلّ أن يتساءل عن نفسه. هل استطاع أن يبيّ العوامل التي أتاحت للممرسة الاحتجاجية إمكانات كبرى لتكريس استقلاليتها واكتساب تجربة وخبرة في تدبير تحركاتها؟ يجب أن يستحضر الجواب عن هذا التساؤل أن الأحزاب السياسية تجد، على المستوى العالمي، صعوبة في إنجاح مهمة تقديم واقتراح ونقاش الأفكار والقيام بدور الوساطة على نحو مؤثر ومقنع في زمن العولمة وتأثيرات الأزمة الاقتصادية وتآكل الأيديولوجيات. يختلف الأثر من دولة إلى أخرى، وتزداد حدّة الوضع، بكل تأكيد، في البلدان السائرة في طريق النموّ، كم هو الشأن بالنسبة إلى المغرب. أبرز مؤشر على ذلك أن المحتجين يجدون أنفسهم في أغلبية الحالات يخاطبون مبعوثي وزارة الداخلية على المستوى المركزي أو الجهوي أو المحلي، مع ما ينتج من ذلك من سوء الفهم والتقدير وانتشار الإشاعة في غياب شبه تام لوسطاء فاعلين (علمء وبرلمانيون وسياسيون ونقابيون وناشطون جمعويون وإعلاميون... إلخ) في إمكانهم أن ينقلوا مطالب المحتجين المشروعة إلى أصحاب القرار المعنيين. يصعب والحالة هذه الاطمئنان إلى فكرة عجز هؤلاء الفاعلين عن ممرسة هذه الوساطة أصلً في ظل المشهد السياسي القائم، أو التسليم التام بخطاب المظلومية. ألم تكن الرسائل التي بعثها الملك محمد السادس لمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربّعه على العرش بمنزلة علاج بالصدمة لكل من يتهرّب من تحمّل مسؤوليته كاملة في الرخاء والشدة بغضّ

  1. علي كريمي، "الدبلوماسية المغربية وحقوق الإنسان"، فكر الاقتصادية والقانونية والسياسية، العدد 3 (2014)، ص 12؛ عبد الرحيم المنار اسليمي، "السلوك الاحتجاجي والموت التواصلي في الفضاء السياسي المغربي"، وجهة نظر، العددان 20-19 (ربيع-صيف 2003)، ص.15 131 المرجع نفسه.
  2. Mounia Bennani-Chraibi & Mohamed Jeghllaly, "La Dynamique protestataire du mouvement du 20 février à Casablanca," Revue française de science politique , vol. 62, no. 5-6 (2012), p. 870.
  3. الأخصاصي، ص  24؛ عبد الصادق توفيق، "حركة 20 فبراير الاحتجاجية في المغرب:
  4. ينظر: "المستشار الملكي الجراري يشتكي من الاستغلال السيئ لما قاله عن الملك والأحزاب"،، 2017/7/4، شوهد في 2020/1/20، في: https://bit.ly/2FPhTAc الأول 135 المرجع نفسه. 136 المرجع نفسه.
  5. مكامن الاختلال وإمكان النهوض"، المستقبل العربي، العدد 264 (آب/ أغسطس 2014)، ص.77

النظر عن المكاسب السياسوية المبحوث عنها خدمة للوطن: "التطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداري، نن مع التطلّعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة. فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيًا وإعلاميًا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كم ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه". هذا التشخيص المؤلم، يجعل الأفق ضبابيًا وغير واضح المعالم، ولربما معه يغيب أمل بناء وضع اعتباري خاص للأحزاب السياسية في الأمد القريب، غير أن التفاؤل لا يعدم في السياسة وبناء الوطن في السياق المغربي الطموح. في هذا الصدد، لا يسعنا إلّ التنبيه إلى أن انغلاق الحزب على نفسه، والإفراط في السعي للبقاء على كرسي السلطة، بغضّ النظر عن وظيفة الحزب والأدوار والأبعاد المرتبطة بوجوده، وجمود بنياته الداخلية التي تحول دون وصول القواعد السفلى إلى الأجهزة القيادية إلّ في حالات نادرة، ستُبقي رهان الانتقال إلى الديمقراطية معلّقًا. لا بد من استثمر دروس الماضي والتحولّات الجارية محليًّا ودوليًا، والتفكير الجاد في مشروع وطني تأهيلي يرفع منسوب الثقة بالسياسة وممرسيها؛ إذ لا ديمقراطية حقيقية من دون أحزاب قوية تمتلك قدرًا وافرًا من الصدق وتحمّل مسؤولية التوجه والاختيار، وجرأة الفعل وشراسة الدفاع عنه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمصلحة المواطن والإعلاء الفعلي من قيمته. لماذا التذكير مرة أخرى بهذا الأمر؟ لأنه إذا كان الانفتاح السياسي قد حوّل الساحة الانتخابية إلى شيء متقلّص، ففي المقابل، عزّز ذلك اتساع الساحة الاحتجاجية وتراكم المهارات والخبرات من المحتجين، وتطور قدرات التنسيق الأكثر استقلالية وإبطال الميول الاستقطابية للنظام. تطوّر فرض نفسه بحكم الواقع، وتغذي أرقامه الدراسات العلمية والتغطيات الإعلامية، و"تسللت" ديناميته تدريجيًا إلى تقارير المؤسسات الدستورية الموجّهة إلى الملك، بصورة ترفع من درجة الدفع بمكوّنات الطبقة السياسية إلى تجديد مضمون خطابها (التحلّ بالواقعية والانفتاح الصادق على الفئات المستهدفة ضمن مسار جديد لإعادة بناء الثقة)، وكذا في طرائق عملها وهياكلها التنظيمية وتركيبة أعضائها (فتح مجال أكبر للشباب والنساء) ووسائل وكيفيات تواصلها حتى تتمكّن من مواصلة أداء المهمت المنوطة بها بموجب الدستور الذي تحتج به وقانون الأحزاب الذي تحتكم إليه في بناء أو تعديل البيت الداخلي الذي تأوي إليه في أثناء ذكرى التأسيس أو الانتخابات أو لحظة تشكيل الحكومات.

المراجع

العربية

20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. مراد دياني (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد. مقدمة ابن خلدون. اعتناء ودراسة أحمد الزعبي. بيروت: دار الأرقم للطباعة والنشر،.2004 أتركين، محمد. "التوافق والانتقال الديمقراطي". رسالة دبلوم الدراسات العليا في القانون العام. جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتمعية. الدار البيضاء،.2007

الأخصاصي، محمد. "الإصلاحات في المغرب: الحصيلة والمستقبل". المستقبل العربي. العدد 444 (شباط/ فبراير).2016

اسليمي، عبد الرحيم المنار. "الدستور والدستورانية ملاحظات حول اللعبة السياسية بالمغرب". وجهة نظر. العدد 17 (خريف.)2002 ________. "السلوك الاحتجاجي والموت التواصلي في الفضاء السياسي المغربي". وجهة نظر. العددان 20-19 (ربيع-صيف.)2003 أفيلال، حفصة وفرانشيسكو فاكيانو. "التذويت السياسي في تجربة شباب حركة 20 فبراير المغربية". عمران. العدد  30 (خريف.)2019

أكنوش، عبد اللطيف. واقع المؤسسة والشرعية السياسية في النظام السياسي

المغربي على مشارف القرن 21. الدار البيضاء: مطبعة بروفانس،.1999

الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية. إشراف كمل عبد اللطيف ووليد عبد الحي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

برادة، يونس. "وظيفة الحزب في النظام السياسي المغربي". أطروحة لنيل

دكتوراه الدولة في القانون العام. جامعة الحسن الثاني. الدار البيضاء،.2000

بشارة، عزمي. "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي". سياسات عربية. العدد 38 (أيار/ مايو.)2019

بلخير، آسية. "الوطن العربي ومواجهة الفقر: من الإرث الاستعمري إلى تحديات العولمة الاقتصادية". المستقبل العربي. العدد 4 39 (أيلول/ سبتمبر.)2015

  1. مقتطف من خطاب الملك محمد السادس لمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربعه على العرش.
  2. مونية بناني الشرايبي، "الملك طيب، والطبقة السياسية سيئة: سردية في آخر أنفاسها؟"، مركز الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأميركية ببيروت (آب/ أغسطس 2017)، ص.13

بنعبد العالي، عبد السلام. "من مفهوم الكثرة إلى مفهوم التعدُّد". مجلة الدوحة. العدد 99 (كانون الثاني/ يناير 2016).

بوجداد، أحمد. الملكية والتناوب: مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي. الرباط: مطبعة النجاح الجديدة،.2000

بوز، أحمد. "الأحزاب السياسية وإشكالية الوظيفة". منبر الدكتور محمد عابد الجابري. في: https://bit.ly/3iGKvKx

بوطالب، عبد القادر. "الشباب والسياسي: طبيعة التمثلات وعوامل انحسار ظاهرة الانتساب الحزبي في المجتمع المغربي". سياسات عربية. العدد 38 (أيار/ مايو.)2019

بول باسكون أو علم الاجتمعي القروي. الدار البيضاء: مطبعة دار القرويين،.2013

التحولات الاجتمعية في العالم العربي: تجارب مقارنة. الدار البيضاء: مطبعة البيضاوي،.2012

توفيق، عبد الصادق. "حركة 20 فبراير الاحتجاجية في المغرب: مكامن الاختلال

وإمكان النهوض". المستقبل العربي. العدد 264 (آب/ أغسطس.)2014

ثورات الربيع العربي: مخاطر الانتقال السياسي والاقتصادي. سلسلة المؤتمرات والندوات 3.4 مراكش: المركز العلمي العربي للدراسات والأبحاث الإنسانية، 2013.

الجابري، محمد عابد. العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. ط 6. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 ________. "المغرب: إلى أين؟ مستقبل التجربة الديمقراطية في المغرب". فكر ونقد. العدد 16 (شباط/ فبراير.)1999

________. في غمر السياسة: فكرًا وممرسة. الكتاب الأول. سلسلة مواقف. بيروت: الشركة العربية للأبحاث والنشر، 2009.

"جلالة الملك يلقي خطابًا ساميًا أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة". بوابة مجلس النواب للمملكة المغربية. 2018/10/12. في: https://bit.ly/2V077M1 جونستون، هانك. الدول والحركات الاجتمعية. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2018

حامي الدين، عبد العلي. "إشكالية الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب". مسالك. العدد).2007(6

حامي الدين، عبد العلي. "دستور 2011 السياقات السياسية ومضامين الإصلاح الدستوري المأمول". الفرقان. العدد).2011(67

الحسن الثاني ملك المغرب. ذاكرة ملك. أجرى الحوارات إيريك لوران. ط 2. الرياض: الشركة السعودية للأبحاث والنشر،.1992

حسني، عبد اللطيف. "الحالة السياسية للمغرب سنة 2002 ". وجهة نظر. العدد).2003(18

________. "حركة 20 فبراير بالمغرب: الجذور، المسار، الآفاق". وجهة نظر. العدد 50 (خريف.)2011

حمزاوي، زين العابدين. "الظاهرة الحزبية بالمغرب: مقاربة نقدية على ضوء تجربة التناوب السياسي". نوافذ. العدد 96 (تموز/ يوليو.)2000 ________. "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب". المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 16 (خريف.)2007

حمودي، عبد الله. مصير المجتمع المغربي رؤية أنثربولوجية لقضايا الثقافة والسياسة والدين والعنف. حوار وإعداد توفيق بوعشرين ومحمد زرنين. الرباط: دفاتر وجهة نظر 5. الرباط: دفاتر وجهة نظر،.2004

خمري، سعيد. روح الدستور، الإصلاح: السلطة والشرعية بالمغرب. سلسلة نقد السياسة. الرباط: منشورات دفاتر سياسية، 2012.

دراسة نقدية للدستور المغربي للعام 2011. تنسيق إدريس المغروي. ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.2012

رشيق، عبد الرحمن. "الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى

التظاهر". ترجمة الحسين سحبان. منتدى بدائل المغرب، أيّار/ مايو.2014

روسيون، آلان [وآخرون]. التحولات الاجتمعية بالمغرب. الرباط: مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث،.2000

الزاهي، نور الدين. الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي. ط 3. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2011

الزواوي، حسن. "إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب". منتدى طلبة كلية الحقوق جامعة ابن زهر. في: https://bit.ly/32IzHpy زين الدين، الحبيب استاتي. "الممرسة الاحتجاجية بالمغرب: دينامية الصراع والتحول". عمران. العدد 19 (شتاء.)2017

________. "الحمية الدولية للحق في حرية الاحتجاج السلمي". مسالك. العدد 53-52 (أيار/ مايو.)2018

________. "الدينامية الاحتجاجية وأزمة الوساطة السياسية والنقابية: الشارع بديل المؤسسات في المغرب". المستقبل العربي. مج 14، العدد 744 (آب/ أغسطس.)2018

________. الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.

زين الدين، محمد. "الفعل الحزبي بالمغرب وسؤال الدمقرطة". مسالك. العدد).2005(3

سارتر، جان بول. الوجود والعدم: بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية. ترجمة عبد الرحمن بدوي. بيروت: منشورات دار الآداب،.1966 سلامة، بيير [وآخرون]. جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1982.

سؤال المستقبل: مناقشة حول سيناريوهات المغرب في أفق 2025. الرباط: مؤسسة فريديريك إبرت،.2006

الشرايبي، مونية بناني. "الملك طيب، والطبقة السياسية سيئة: سردية في آخر أنفاسها؟". مركز الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأميركية ببيروت (آب/ أغسطس.)2017

شقير، محمد. "أصول الظاهرة الحزبية بالمغرب". المجلة المغربية لعلم الاجتمع السياسي. العدد).1990(12-11

________. القرار السياسي في المغرب. الدار البيضاء: دار الألفة،.1992

________. الديمقراطية الحزبية في المغرب: بين الزعامات السياسية والتكريس القانوني. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2003

________. "حركة 20 فبراير بين مواجهة الاستبداد وإسقاط الفساد". وجهة نظر. العدد 51 (شتاء.)2012

طارق، حسن. السياسات العمومية في الدستور المغربي الجديد. سلسلة مؤلفات وأعمل جامعية 92. الرباط: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2012.

"ظهير شريف رقم 1.03.194 صادر في 14 من رجب 1424 (11 سبتمبر 2003)

بتنفيذ القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل". الجريدة الرسمية.

العدد.5167 2003/12/8:. في https://bit.ly/3lWxpuk

"ظهير شريف رقم 1.11.166 صادر في 24 من ذي القعدة 1432 (22 أكتوبر 2011) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية". الجريدة الرسمية. العدد.2011/10/24.5989 ف:ي https://bit.ly/3nCDhJM "ظهير شريف رقم 1.57.119 بشأن النقابات المهنية". الجريدة 1957/8/30.2340 فيhttps://bit.ly/3pJWgUw:.. العدد الرسمية العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1981

________. من ديوان السياسة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2009

________. استبانة. ط 3. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع،.2016

عيسى، محمد عبد الشفيع. الفقر والفقراء في الوطن العربي. أوراق عربية 35. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.

كرباج، يوسف. "هل تؤدي الثورة الديموغرافية إلى ثورة ديمقراطية: نموذجا الشرق الأوسط وشمل أفريقيا". عمران. العدد 3 (شتاء.)2013 كريمي، علي. "الدبلوماسية المغربية وحقوق الإنسان". فكر الاقتصادية والقانونية والسياسية. العدد).2014(3

لكريني، إدريس. " محاسبة الديمقراطية: التداعيات المحتملة لاحتجاجات حركة 20 فبراير في المغرب". السياسة الدولية. العدد 184 (نيسان/ أبريل.)2011

لوفو، ريمي. الفلاح المغربي المدافع عن العرش. ترجمة محمد بن الشيخ. مراجعة عبد اللطيف حسني. سلسلة أطروحات وبحوث جامعية 2. الدار البيضاء: منشورات وجهة نظر؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2011. مالكي، امحمد. "تقديم الإطار النظري لأشغال الندوة المنظمة من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة بمراكش، حول موضوع: 'عنف الدولة"'، 12-11 حزيران/ يونيو 2004. منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان. سلسلة دراسات وندوات هيئة الإنصاف والمصالحة ________. "التغيير العربي العصي". مركز الإمارات للدراسات 2018/4/2.فيhttps://bit.ly/3ccyiuJ:. والإعلام – إيماسك

المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي. التقرير السنوي لسنة 2011. الرباط:.2011

________. التقرير السنوي لسنة 2018. الرباط:.2018

المساري، محمد. "جدلية التوافق في الفضاء السياسي المغربي". المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 33 (شتاء.)2012

مسعد، نيفين (تحرير وتنسيق). كيف يُصنع القرار في الأنظمة العربية: دراسة حالة الأردن، الجزائر، السعودية، السودان، سوريا، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010

المسكي، محمد. "الظاهرة الحزبية بالمغرب: بين غياب النظرية السياسية وغياب المشروع المجتمعي". وجهة نظر. العدد).2002(14 معتصم، محمد. "التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي". أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتمعية. الدار البيضاء،.1988

منار، محمد باسك. "دستور سنة 2011 في المغرب: أيّ سياق؟ لأيّ مضمون؟"، دراسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2014/1/27:. في https://bit.ly/2IMmPaW المنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي. "تقرير موجز حول التجارب الدولية والدروس المستفادة، والطريق قدمًا". برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 6-5 حزيران/ يونيو 2011:. في https://bit.ly/35Dgpn3 المنجرة، المهدي. الإهانة في عهد الميغا إمبريالية. ط 5. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2007

________. قيمة القيم. ط 2. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2007

مودن، عبد الحي وعبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس. أسئلة حول انطلاق الربيع العربي. تقديم الطيب بن الغازي. سلسلة بحوث ودراسات 9.4 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2012 "مؤشر الثقة وجودة المؤسسات: نتائج أولية". المعهد المغربي لتحليل السياسات. 2019/12/3:. في https://bit.ly/2RIH2PC النخب والانتقال الديمقراطي: التشكل والمهمت والأدوار. مهدي مبروك (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

"نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة حلول الذكرى 18 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين". البوابة الوطنية للمغرب. 2017/7/29:. في https://bit.ly/3nIlZut "نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس مساء يوم الأربعاء 18 مايو 2005 إلى الأمة". المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. 2020/5/18:. في https://bit.ly/337Ykfo نعيمي، محمد. "الربيع العربي في المغرب: الإرهاصات والتفاعلات، حركة 20 فبراير نموذجًا". أبحاث. العدد).2015(62-61

________. "محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتمعية: حالتا حركة 20' فبراير' وحراك الريف في المغرب". عمران، العدد 31 (شتاء.)2020

اليوسفي، عبد الرحمن. "تجربة ديمقراطية المغرب، أية تطورات من أجل دولة الحق بأفريقيا". ترجمة عبد الحميد الجواهري ومصطفى النحال. مجلة الملتقى. العدد).2011(26

الأجنبية

Bennani-Chraibi, Mounia & Mohamed Jeghllaly. "La Dynamique protestataire du mouvement du 20 février à Casablanca." Revue française de science politique. vol. 62, no. 5-6 (2012).

El Mossadeq, Rkia. Consensus ou jeu de consensus? Pour le réajustement de la pratique politique au Maroc. Casablanca: Imprimerie Najah El Jadida, 1995.

Laroui, Abdellah. La Crise des intellectuels arabes. Traditionalisme ou historicisme? Paris: François Maspero, 1974.

Palazzoli, Jacques. "La mort lente du mouvement national au Maroc." Annuaire de l'Afrique du Nord. vol. 11 (1972). Rezette, Robert. Les partis politiques marocains. Paris: PUF, 1955.

Santucci, Jean-Claude. "Les partis politiques marocains à

l'épreuve du pouvoir: Analyse diachronique et socio-politique

d'un pluralisme sous contrôle." Remald. no. 24 (2001).

Sidjanski, Dusan. "Décisions closes et décisions ouvertes." Revue fran ҫ aise de science politique. vol. XV, no. 2 (1965). Vairel, Frédéric. Politique et mouvements sociaux au Maroc. Paris: Presses de Sciences Po, 2014.

"What's Gone Wrong with Democracy." The Economist. 27/2/2014. at: https://cutt.us/ou3v3