توجهات السياسة الخارجية الأميركية نحو غزة بعد عام 2007
Post- 2007 US Foreign Policy Trends in the Gaza
الملخّص
ترصد هذه الدراسة توجهات السياسة الخارجية الأميركية نحو قطاع غزة بعد عام 2007. وتنقسم إلى سبعة محاور، يناقش الأول الإطار العام للمقاربة الأميركية للصراع العربي - الإسرائيلي، ويبحث الثاني في المعضلة التي مثلها قطاع غزة ضمن الإطار نفسه، ويركز الثالث على الدور الذي أدته إدارة الرئيس الأميركي، جورج بوش في خلق معضلة غزة، ويفكك الرابع مخطط الانق ب على حركة المقاومة الإس مااية "حماس"، ويرصد الخامس محاولات عزل قطاع غزة وتهميشه، ويحلل السادس والسابع مكانة قطاع غزة في إدارتي الرئيسين الأميركيين، باراك أوباما، ودونالد ترامب، على التوالي. وتخلص الدراسة إلى أن قطاع غزة يمثل معضلة أميركية، كما هو معضلة إسرائيلية، ولكن هذه المعضلة نتاج سياسات أميركية سيئة ومنحازة، إلى حد بعيد، كما أنها مجرد عارض من عوارض المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة، وبما لا يبرئ الحصار المصري الرسمي على قطاع غزة من الأزمة الطاحنة التي يعيشها.
Abstract
This study deals with Israel's policy towards the Gaza Strip since Israeli Prime Minister Ariel Sharon proposed the unilateral disengagement plan in 2003. It examines Sharon's motives and goals in presenting the plan, under which Israel withdrew from positions inside the Gaza Strip to maintain control of its surroundings via land, sea and air. The study delves into Israel's policy towards the authority Hamas has wielded in the Gaza Strip since the latter's takeover of power there in 2007, examining the motives of the siege imposed by Israel on the Strip, the depth of the humanitarian crisis caused by the blockade, Israeli policy towards reconstruction, and Israel's vision of a settlement with Hamas' Gaza authority.
- إسرائيل
- غزة
- حماس
- Israel
- Gaza
- Hamas
مقدمة
تقوم المقاربة الأميركية، حتى عام 2017، في إطارها العام للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، على فكرة دعم حل الدولتين، الإسرائيلية والفلسطينية، على أن تكون الدولة الفلسطينية المرتقبة، بغض النظر عن مواصفاتها ونطاقها الجغرافي، في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي عام 2004 - وضمن خطتها التي عُرفت ب "مبادرة الشرق الأوسط الكبير"، الداعية إلى منح حريات أكبر ومشاركة سياسية أوسع في العالم الإسلامي، من أجل محاربة التطرف - مارست إدارة الرئيس جورج بوش الابن Bush W. George ضغوطًا كبيرة على السلطة الوطنية الفلسطينية لعقد انتخابات تشريعية. ورغم معارضة السلطة وإسرائيل لتلك الانتخابات، خوفًا من نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حمس) فيها، فإن إدارة بوش أصرت على عقدها، بناءً على حساباتها بأن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) هي التي ستفوز. وكانت المفاجأة في انتخابات عام 2006 عندما حققت حمس نصرًا انتخابيًا كاسحًا وضع الاستراتيجية الأميركية على المحك. بعد تشكيل حمس، المصنفة أميركيًا حركةً إرهابية منذ عام 19971، حكومتها الأولى، في عام 2006، قامت الولايات المتحدة الأميركية بقطع علاقاتها مع الحكومة الفلسطينية، ثمَّ حصرت تعاملها مع مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، بزعامة الرئيس محمود عباس. كم فرضت إدارة بوش عقوبات على مؤسسات السلطة التي يُشتبه تأثرها بحركة حمس، فضلً عن وضع ثلاثة شروط على الحركة عبر "الرباعية الدولية" المشرفة على المفاوضات، وهي الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إن هي أرادت أن يتم الاعتراف بها، وفك العزلة عن حكومتها. وتمثلت تلك الشروط في: الاعتراف بإسرائيل، والاعتراف بالاتفاقات السابقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتخلي عن العنف. وهي الشروط التي رفضتها حمس. وبناء عليه، شددت الولايات المتحدة العقوبات على حكومة حمس، وعلى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت السمة الأساسية للموقف الأميركي هي محاولة إضعاف حكم حمس. وثمة معلومات، بناءً على وثائق أميركية رسمية مسربة، تشير إلى أن الجنرال كيث دايتون Dayton Keith، المنسق الأمني الأميركي السابق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حرّض، في عام 2006، رجل فتح القوي في قطاع غزة، في ذلك الوقت، محمد دحلان، الذي كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي الفلسطيني للرئيس عباس، فضلً عن سيطرته المباشرة على جهاز الأمن الوقائي في القطاع، على إطاحة حكم حمس، مقابل منحه عشرات الملايين من الدولارات. إلا أن المواجهات بين حمس وأجهزة أمن السلطة، في حزيران/ يونيو 2007، انتهت إلى سيطرة حمس على القطاع. ومنذئذٍ، فرضت إسرائيل ومصر، بالتواطؤ مع السلطة الفلسطينية، حصارًا قاسيًا على القطاع وسكانه، ودعمت الولايات المتحدة ذلك الحصار تحت إدارات ثلاث؛ بدءًا من إدارة بوش، ومرورًا بإدارة باراك أوباما Obama Barack، وانتهاءً بإدارة دونالد ترامب Trump Donald. كم دعمت الولايات المتحدة السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح في الضفة الغربية. غير أن ذلك الحصار لم يؤدِ إلى انهيار حكم حمس، كم كان متوقعًا، بل إنه خلق وضعًا إنسانيًا مزريًا في قطاع غزة، فضلً عن أنه أتاح لإيران مد نفوذها فيه عبر تقديم مساعداتها إلى حمس. واللافت هنا أن الولايات المتحدة، رغم تعاقب ثلاث إدارات عليها منذ سيطرة حركة حمس على القطاع، لم تطور استراتيجية واضحة ومتمسكة نحوه، وهو ما أثار انتقادات كثيرة، إذ إن المقاربة الأميركية بقيت رهينة لردود الفعل نحو التطورات الميدانية على الأرض. وقد أدركت إدارة أوباما خطورة الأوضاع في القطاع، وخصوصًا أنها تعاملت مع تداعيات ثلاثة اعتداءات إسرائيلية عسكرية واسعة عليه، في أعوام /2008 2009 و 2012 و 2014، وقادت مفاوضات الهدنة في الاعتداءين الثاني والثالث، وعقدت مؤتمرين في مصر لإعادة بناء القطاع، إلا أنه لم يتحقق غير القليل في هذا السياق. وخلال فترة إدارة أوباما، مالت الولايات المتحدة إلى القبول ضمنيًا بالعمل مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية، تقبل الالتزام بشروط الرباعية الدولية، ولا تكون بقيادة حمس، كم جرى في منتصف عام 2014، قبل أن تشن إسرائيل عدوانًا آخر في صيف العام ذاته، توسطت إدارة أوباما لوقفه. ومنذ ذلك الحين، ومع بقاء محاولات إضعاف حكم حمس إطارًا عامًا للسياسة الأميركية، بدأت الولايات المتحدة تطرح توفير احتياجات غزة الأساسية من الماء والكهرباء وحرية الحركة لمنع تصعيد عسكري جديد. ورغم إعلانها، في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، تفاصيل الشق السياسي لخطتها لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، التي جاءت بعنوان: "السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"2، والمعروفة إعلاميًا باسم "صفقة القرن"، فإنه يبدو،
إلى الآن، أن إدارة ترامب لا تزال تتبنى المقاربة السابقة بالتنسيق مع إسرائيل ومصر، عبر السمح بدخول أموال من دولة قطر لتمويل قطاع الكهرباء وتغطية الرواتب. وتمثل خطة إدارة ترامب (صفقة القرن)، في جوهرها، محاولة لفرض حل على الفلسطينيين، يتجاوز على نحو صارخ أقل حقوقهم الوطنية، غير القابلة للتصرف، التي تضمنها قرارات الشرعية الدولية. ورغم أن الخطة تشير، في غير سياق، إلى قطاع غزة، فإن تلك الإحالات يلفها الغموض، من حيث بقائه معزولً عن العالم عبر حرمان الفلسطينيين من السيطرة على معبر رفح مع مصر، أو إبقاء مياهه الإقليمية تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. أما في ما يتعلق بحمس، فإن الخطة تلمح إلى مسؤولية "الدولة الفلسطينية"، المفترضة مستقبلً، في التصدي لها، ولغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية. وكانت إدارة ترامب قطعت، في عام 2018، التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، وأتبعت ذلك في العام نفسه بقرار قطع المساعدات الإنسانية عن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهم القراران اللذان أثرا سلبيًا في أوضاع الفلسطينيين عمومًا، وفي قطاع غزة تحديدًا. تناقش هذه الدراسة تطور الموقف الأميركي نحو قطاع غزة منذ عام 2007، ومحدداته، وما إذا كان شهد تغيرات في ظل إدارات ثلاث، وآفاق ذلك الموقف. ولكنها، وقبل الولوج إلى تفاصيل ذلك كله، ستعرض باختصار الإطار العام للمقاربة الأميركية للصراع العربي - الإسرائيلي، ثمَّ السياسات الأميركية التي مهدت لولادة معضلة قطاع غزة.
أولا: الإطار العام للمقاربة الأميركية للصراع العربي - الإسرائيلي
لا يمكن عزل السياسة الأميركية نحو قطاع غزة منذ عام 2006، العام الذي جرت فيه الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وشكّلت فيه حركة حمس حكومتها الأولى، عن المقاربة الأميركية تجاه ال – اررع العربي الإسرائيلي إج لا، ومن ضمنه ال اررع الفلسطيني - الإسرائيلي. وإذا كانت معادلة "الأرض مقابل السلام" هي الإطار العام الذي كيَّفَ المقاربة الأميركية تجاه ذلك الصراع منذ عام 1967 حتى عام 2017، فإن هذا لا يعني أن هذه المعادلة لم تعرف مواءمات أميركية في أحشائها لصالح إسرائيل، وتحديدًا في عامي 2002 و 2004، تحت إدارة جورج بوش الابن، وهو ما ستناقشه الدراسة لاحقًا. وتتمثّل أهمية المواءمة الأميركية التي جرت في عامي 2002 و 2004 في أنها هي التي أسست للأزمة الراهنة التي يعيشها قطاع غزة منذ عام 2005، أي منذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب منه فصاعدًا. كم أن تلك المواءمة هي التي صاغت الموقف الأميركي الراهن تجاه القطاع حتى اليوم.
وإذا كان موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة بقي مبهمً من مسألة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، مع ميل واضح إلى عدم الدفع باتجاه تحقيق ذلك، بذريعة أنه ينبغي أن يكون حصيلة مفاوضات فلسطينية/ عربية - إسرائيلية، فإن بوش الابن قطع مع هذا العُرف الأميركي، وذلك في رسالة ضمنات لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، أرئيل شارون، عام 2004، أكد فيها أن مطالبة إسرائيل بالانسحاب إلى حدود خطوط الهدنة عام 1949 يعد أمرًا غير واقعي3. ورغم ذلك، فقد بقيت إدارة بوش وفية - وإن نظريًا - لحل الدولتين، كم سيرد لاحقًا. وبقي الموقف الأميركي الرسمي، منذ أواخر إدارة بيل كلينتون Clinton Bill، يشدد على حل الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية، تتعايشان بأمن وسلام، جنبًا إلى جنب، إلى أن جاءت إدارة ترامب، مطلع عام 2017، فأعلنت أنها غير ملتزمة بهذه المقاربة4، بل إنها ذهبت أبعد من ذلك بالقطع مع سياسة أميركية راسخة، امتدت سبعة عقود، مفادها عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعدم نقل السفارة الأميركية إليها، إلا بعد اتفاق سلام فلسطيني/ عربي - إسرائيلي. كم أنها أعلنت رسميًا عدم قبولها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ولم تترك ذلك نتيجة مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية، كم كان عليه الوضع من قبل، وإن لم يعنِ ذلك طبعًا أن أي إدارة أميركية كانت تؤمن بحق العودة،
ولكن الولايات المتحدة سعت دومًا لنسفه من خلال مفاوضات عربية/ فلسطينية - إسرائيلية، وليس بقرار أميركي سافر.
ثانيًا: الطريق إلى معضلة قطاع غزة
مع فشل المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة من رئاسة كلينتون، صيف عام 2000، في كامب ديفيد، وصل الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، إلى النتيجة التي كانت بادية للعيان قبل ذلك بسنوات، ومفادها أن إسرائيل ليست في وارد الالتزام بقرارات الشرعية الدولية. فرغم أن اتفاق أوسلو نص على "تشكيل سلطة انتقالية ذاتية" في الضفة الغربية وقطاع غزة "لمرحلة انتقالية لا تتعدى الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية نهائية مبنية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و"3385، فإن عام 1999 مرّ من دون الدخول في مفاوضات الوضع النهائي. وقد أكدت مفاوضات كامب ديفيد أن طموحات الفلسطينيين بُنيت على أوهام. عمليًا، نسفت إسرائيل كل إمكانية لتنفيذ حل الدولتين على الأرض، بما يقتضيه ذلك من قيام دولة فلسطينية مستقلة، متصلة جغرافيًّا، وذات سيادة، وقابلة للحياة، على أساس حدود عام 1967، تكون عاصمتها شرق القدس المحتلة. وبدا واضحًا في كامب ديفيد، وقبلها وبعدها، أن إسرائيل مستمرة في مسعاها لفرض واقع "دولة كانتونات" فلسطينية أو "معازل" في الضفة الغربية، من دون القدس، فضلً عن رفضها السير باتجاه حل قضايا اللاجئين، والمستوطنات، والحدود، والسيادة، والمصادر الطبيعية. وقد نجحت إسرائيل في تحقيق ذلك عبر آليتين رئيستين، تتمثلان في: تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفرض وقائع جديدة على الأرض. عزل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية، وتقويض احتملات تحولها إلى عاصمة مرتقبة للدولة الفلسطينية العتيدة. وبسبب التعنت الإسرائيلي، وسياسات الاحتلال المتوحشة بحق المواطنين الفلسطينيين، والاعتداء على المقدسات الإسلامية، وغياب أي أفق للاستقلال الفلسطيني، تفجرت انتفاضة الأقصى في خريف عام 2000، فتسببت في سقوط آلاف القتلى والجرحى الفلسطينيين، فضلً عن مئات القتلى والمصابين الإسرائيليين. وفي خضم الأشهر الأولى للانتفاضة الفلسطينية، وصلت إدارة بوش الابن إلى سدة الحكم، وسعت لتجنب التورط في ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حتى لا تعيد تكرار تجربة إدارة كلينتون الفاشلة. ولكن لم يكَد يمضي عام على تفجر الانتفاضة الفلسطينية، حتى وقعت هجمت 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وعندها، أعلنت واشنطن "الحرب العالمية على الإرهاب" الإسلامي. لم تتردد حكومة شارون في استغلال الفرصة، فقدمت نفسها ضحية ل "الإرهاب" ذاته، خصوصًا مع لجوء المقاتلين الفلسطينيين إلى العمليات الفدائية في المدن الإسرائيلية. وقد مكّن الوضع الجديد إسرائيل من نقض بُنى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وإجهاض آمال قيام دولة فلسطينية. غير أن تصريح بوش، بعد هجمت 11 سبتمبر، عن "حرب صليبية ضد الإرهاب"6، وقيام بلاده بغزو أفغانستان في شتاء 2001، ثم العراق في ربيع 2003، دفعَا الولايات المتحدة إلى محاولة تبديد أي صبغة دينية للمعركة مع الإسلام والمسلمين. وسعت إدارة بوش إلى تحقيق ذلك عبر مسارين؛ الأول، محاولة الدفع باتجاه مزيد من الديمقراطية والحريات في منطقة الشرق الأوسط، عبر ما عُرف ب "مبادرة الشرق الأوسط الكبير"، أو "أجندة الحرية"، عام 20047. والثاني، إعطاء أولوية لمحاولة حل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بتأثير من رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير Blair Tony8. كلا المسارين كانا مترابطين في تفكير إدارة بوش، ورأت فيهم أنجع وسيلتين لمحاربة ما رأته تطرفًا وإرهابًا في منطقة الشرق الأوسط. قامت "مبادرة الشرق الأوسط الكبير" على الدفع باتجاه تحويل مجتمعات الدول المسلمة في المنطقة إلى أن تكون أكثر ديمقراطية وأكثر علمنية. واستهدفت المبادرة الإصلاح على ثلاثة مستويات: • أولً: تسويق الديمقراطية والحكم الرشيد. • ثانيًا: توفير فرص اقتصادية جيدة. • ثالثًا: إتاحة الوصول إلى المعلومات9.
على الصعيد الفلسطيني - الإسرائيلي، أعلن بوش، في حزيران/ يونيو 2002، أنه يجب على الفلسطينيين اختيار قادة جدد لم "يتلطخوا بالإرهاب"، كم شدد على ضرورة أن يتنازل عرفات عن صلاحياته ل "برلمان فلسطيني يتمتع بالسلطة الكاملة"10. واستمر بوش في ضغوطه على عرفات لتعيين رئيس وزراء يتمتع بسلطة الإشراف على الأمن والمال، وهو ما كان بتعيين محمود عباس رئيسًا للوزراء في آذار/ مارس 2003، لكن حكومته لم تعمر طويلً، إذ قدم عباس استقالته في أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، بسبب اصطدامه بعرفات الذي رفض أن يتنازل عن صلاحياته الواسعة. وفي تموز/ يوليو 2003، وحين كان عباس لا يزال رئيسًا للوزراء، طرح الرئيس بوش ما سمها "خارطة طريق للسلام في الشرق الأوسط"، حدد هدفها في إيجاد "تسوية نهائية وشاملة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي"، ولكن عبر خطوات مرحلية يجب على الطرفين الالتزام بها. تركزت الاشتراطات على الجانب الفلسطيني بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والعيش بأمان وسلام، فضلً عن محاربة الإرهاب ووقف التحريض. كم طالبت الفلسطينيين ببناء مؤسسات الحكم، ووضع دستور للدولة الفلسطينية، وإجراء انتخابات حرة. وفي مقابل ذلك، تعلن إسرائيل موقفًا واضحًا بالتزامها برؤية حل الدولتين، وتنسحب من المناطق التي أعادت احتلالها منذ أيلول/ سبتمبر 2000، وتجمد بناء المستوطنات، وتفكك "العشوائية" منها. وبعد أن يقوم الطرفان، الفلسطيني والإسرائيلي، بتنفيذ تلك الالتزامات، تقوم دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، و"مظاهر سيادية"، إلى أن يتمكن الفلسطينيون من هزيمة الإرهاب على نحو حاسم، وبناء ديمقراطية فاعلة11. لم تلتزم حكومة شارون بالمطلوب منها في "خارطة الطريق"، واستمرت في حصار مقر عرفات في رام الله، في إطار عملية "الدرع الواقي" التي أطلقتها في آذار/ مارس 2002. وأمام تعنت شارون، تراجع بوش، وبدأ يميل إلى موقفه تدريجيًا بأن عرفات ليس شريكًا موثوقًا في مفاوضات السلام. إلا أن التطور الأبرز في هذا السياق تمثل في خضوع بوش لمخطط شارون في تعزيز قبضة إسرائيل على الضفة الغربية، مقابل انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة. ففي نيسان/ أبريل 2004، بعث بوش برسالة إلى شارون، عُرفت باسم "وعد بوش"، اعتبر فيها أنه "في ضوء الحقائق الجديدة على الأرض، بما في ذلك التجمعات السكانية الإسرائيلية القائمة، فإن من غير الواقعي توقّع أن تكون نتيجة مفاوضات الوضع النهائي عودة كاملة إلى حدود الهدنة عام "194912. ويقصد ب "التجمعات السكانية القائمة" هنا، بطبيعة الحال، الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. ورغم أن رسالة بوش تؤكد أن الولايات المتحدة ملتزمة بقيام "دولة فلسطينية قابلة للعيش، ومتصلة جغرافيًا، وتتمتع بالسيادة، ومستقلة"، فإنها، وفضلً عن التوطئة لتشريع السيطرة الإسرائيلية على أكثر من ستين في المئة من الضفة الغربية، شددت على "يهودية" الدولة الإسرائيلية، ما يعني ضرورة توطين اللاجئين الفلسطينيين في "الدولة الفلسطينية، وليس في إسرائيل"13. وقد عنى ذلك عمليًا إلغاء حق العودة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، الذي يكفله قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، مراعاةً لهواجس إسرائيل الديموغرافية. لقد كان "وعد بوش" تراجعًا مباشرًا عن السياسة الأميركية نحو الصراع منذ عام 1967، والتي اعتبرت المستوطنات اليهودية غير شرعية، وعقبة أمام السلام14. بقي موقف إدارة بوش منحازًا إلى إسرائيل على نحو صارخ، خصوصًا في ما يتعلق برفض حكومة شارون التعامل مع عرفات الذي كان محاصرًا في مقر المقاطعة المدمر في رام الله، إلى حين وفاته أو تصفيته، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004. ورغم أن خليفة عرفات في الرئاسة كان محمود عباس، الرجل الذي كانت تنظر إليه الولايات المتحدة وإسرائيل على أنه معتدل، ويمكن العمل معه بوصفه معارضًا للعمل المسلح، نجح في إيقاف انتفاضة الأقصى في شباط/ فبراير 2005، فإنه لم يتمكن هو الآخر من تحقيق أي إنجاز تفاوضي مع إسرائيل. وفي آب/ أغسطس 2005، نفذت حكومة شارون "خطة فك الارتباط الأحادي الجانب" مع قطاع غزة، من دون التفاوض على ذلك مع الجانب الفلسطيني، وقامت بإخلاء المستوطنات فيه، وأعادت نشر قواتها حوله، في حين فككت أربع مستوطنات عشوائية في الضفة الغربية، مع تعزيز قبضتها عليها. ومن هنا، بدأت المرحلة الثانية التي قادت مباشرة إلى صوغ السياسة الأميركية الراهنة نحو القطاع15.
ثالثًا: كيف خلقت إدارة بوش معضلة غزة؟
سبقت الإشارة إلى أن إدارة بوش الابن حاولت تخفيف حدة الاحتقان في "الشرق الأوسط الكبير" الذي ترتب على سياساتها العسكرية، عبر مسارين، هم: أولً، الدفع باتجاه مزيد من الديمقراطية والحريات في المنطقة، وثانيًا، محاولة إيجاد حل للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. كم سبقت الإشارة إلى أن إدارة بوش مارست ضغوطًا كبيرة، منذ عام 2002، على السلطة الفلسطينية لتهميش عرفات، عبر مطالبته بالتنازل عن سلطاته لصالح برلمان فلسطيني منتخب يتمتع بالصلاحيات الكاملة. كم مارست واشنطن ضغوطًا موازية على عرفات لإجباره على وضع الإشراف على الملفين المالي والعسكري تحت سلطة رئيس وزراء فلسطيني قوي، وهو الأمر الذي عبّ عن نفسه في التعديلات التي تبناها المجلس التشريعي الفلسطيني، في آذار/ مارس 2003، على القانون الأساسي (الدستور) للسلطة الفلسطينية، ونصت على استحداث منصب رئيس للوزراء بصلاحيات واسعة16. ورغم وفاة عرفات، أواخر عام 2004، وصعود عباس، الأقرب في ذلك الوقت إلى واشنطن وتل أبيب، إلى سدة الرئاسة، مطلع عام 2005، فإن إدارة بوش بقيت تضغط على عباس لإجراء انتخابات تشريعية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي كانت تعارضه رام الله وتل أبيب معًا، خشية أن تأتي الانتخابات بحركة حمس17. بل إن بوش لم يطرح مسألة مشاركة حمس من عدمها في الانتخابات، عندما التقى عباس في واشنطن، في تشرين الأول/ أكتوبر 200518. وتحت إصرار إدارة بوش، التي كانت مقتنعة بأن حركة فتح ستفوز في الانتخابات19، رغم تحذير الفلسطينيين والإسرائيليين له بأن فتح ليست مستعدة لها بعد، رضخ عباس للأمر الواقع، ووافقت إسرائيل كارهة أمام إصرار بوش على إجرائها في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، رغم مشاركة حمس فيها. كان من المفترض أن تجري الانتخابات التشريعية في آب/ أغسطس 2005، إلا أن السلطة الفلسطينية أجّلتها حتى كانون الثاني/ يناير 2006، ضمن مساعي حركة فتح لحل خلافاتها الداخلية أولً، ومن ثم الاستعداد للانتخابات. وكانت المفاجأة مع ظهور النتائج الرسمية للانتخابات، بفوز حمس بأكثر من 56 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي، وهو ما عنى أن رئيس الوزراء القادم سيكون منها، وأن الأجهزة الأمنية والشؤون المالية ستخضع لإشرافه، وذلك إذا ما تمَّ تطبيق القانون الأساسي الذي ضغط بوش نفسه، من قبل، لتعديله على هذا الشكل. وتحت وقع الصدمة، بدأت معركة الاتهامات الداخلية في الإدارة الأميركية عن المسؤول عم جرى، والفشل في التنبؤ به20. كانت الضحية الأولى لما رأته إدارة بوش خللً جسيمً في حساباتها من وراء إجراء انتخابات فلسطينية هي "أجندة الحرية" نفسها21، إذ لم تأتِ الانتخابات بالقوى العلمنية، كم كانت تطمح الإدارة الأميركية، بل جاءت بالإسلاميين الذين يتمتعون بتنظيمت قوية في الشرق الأوسط، وكانوا هم القوة الوحيدة المنظمة مقابل الأنظمة العربية القمعية. لقد كانت الانتخابات الفلسطينية المسمر الأخير في نعش "أجندة الحرية" لإدارة بوش، وذلك بعد صدمة سابقة، هي انتخابات مجلس الشعب المصري، في عام 2005، التي جرت بضغط من إدارة بوش نفسها، وظفر فيها الإخوان المسلمون بخُمس مقاعد المجلس، رغم عمليات التزوير الواسعة التي قام بها النظام لصالح الحزب الحاكم حينئذٍ، "الحزب الوطني الديمقراطي" الذي فاز بأغلبية المقاعد. لم تقبل إدارة بوش وإسرائيل بنتائج الانتخابات الفلسطينية، كم أنها لم تعترف بشرعيتها22، وبدأت في التخطيط لإجهاضها مباشرة، وذلك على الرغم من بروز رأي في أوساط إسرائيلية وأميركية وأممية، مفاده أن النتيجة تمثل فرصة لإدماج حمس في عملية السلام عبر جناحها المعتدل23، وعبر ضغوطات الحكم وإكراهاته. إلا أن رأي بوش وإدارته، بالتواطؤ مع إسرائيل، استقر على إفشال حمس، وإخراجها من الحكم، وإن كان بالقوة. ويرد في تقرير أعده المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، ألفارو دي سوتو Soto de Alvaro، مباشرة بعد الانتخابات، أن عباس/ فتح وقيادة حمس أرادا تشكيل حكومة وحدة وطنية بينهم. ويشير التقرير إلى أن عباس كان مقتنعًا بأن حمس التي لم تهاجم حل الدولتين في برنامجها الانتخابي لن تمانع في مواصلته للمفاوضات مع إسرائيل على أرضيته. وأراد دي سوتو والأمم المتحدة من اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط أن تُفتح "قناة للحوار" مع حمس، على أساس أن
مشاركتها في الانتخابات قد تؤشر إلى استعدادها لوضع معارضتها لعملية السلام جانبًا24. غير أن واشنطن وتل أبيب عارضتا هذا الرأي بقوة، وضغطتا في المقابل لقطع المساعدات عن أي حكومة فلسطينية تشكلها حمس، أو تكون طرفًا فيها، ما لم تقبل حمس بشروط اللجنة الرباعية الثلاثة المذكورة سابقًا25. ومع رفض الحركة هذه الشروط، ورفض فتح، بضغوط أميركية، المشاركة في حكومة وحدة وطنية مع حمس، قامت الأخيرة بتشكيل حكومة بمفردها في آذار/ مارس 2006. ومباشرة، ردت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، كم أيدت إدارة بوش قرار إسرائيل حرمان الفلسطينيين من 50 مليون دولار سنويًا، هي قيمة الإيرادات الضريبية والجمركية التي كانت تجمعها نيابة عنهم، بناءً على بنود اتفاق أوسلو26. بعد تشكيل حمس حكومتها الأولى، رفض عباس وحركة فتح تسليم مسؤوليات الإشراف على الأجهزة الأمنية والمالية لها27، بل إنهم أعلنا استعادة هذه الصلاحيات لمؤسسة الرئاسة، وذلك على عكس ما يقرره القانون الأساسي المعدل، الذي صُمم من قبل على مقاس عباس تحديدًا، عندما استلم رئاسة الوزراء زمن رئاسة عرفات. وقد تسببت خطوات عباس وفتح هذه بإشعال فتيل التوتر مع حركة حمس، وهو ما هيّأ الأرضية لصدامات دموية بينهم، خصوصًا في قطاع غزة. قامت الحسابات الأميركية والإسرائيلية، حينئذٍ، على أن قطع المساعدات المالية والدولية، وتحديدًا الأميركية والأوروبية، فضلً عن الرسوم الضريبية والجمركية، عن السلطة الفلسطينية، سيجعلها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين، فضلً عن القيام بالتزاماتها الأخرى تجاه الفلسطينيين في مناطق نفوذها28. وكذلك لجأت إسرائيل إلى فرض قيود على حرية حركة الفلسطينيين، ولا سيم في قطاع غزة. كم اعتقلت عددًا كبيرًا من أعضاء حمس في المجلس التشريعي في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وبناءً على تلك الحسابات، فإن عجز السلطة الفلسطينية عن القيام بواجباتها نحو شعبها تحت قيادة حكومة حمس، وهندسة معاناة فلسطينية، سيعجلّان بسقوطها تحت ضغوط شعبية، حيث يمكن لعباس، حينئذٍ، حل المجلس التشريعي والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة تفوز فيها فتح29، بعد أن يدرك الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة التكلفة الباهظة لانتخاب حمس مجددًا. غير أن الاستراتيجية الأميركية جاءت بنتائج عكسية، حيث إن قطع المساعدات الدولية عن السلطة الفلسطينية أضر أولً بسلطة فتح وأجهزتها الأمنية، في حين لجأت حمس إلى مصادر تمويل بديلة، وتحديدًا إيران30. وفي جميع الأحوال، فإن من دفع فاتورة العقوبات الأميركية – الإسرائيلية - الدولية، كان الشعب الفلسطيني تحديدًا، الذي يبدو أن تلك العقوبات كانت مقصودة له، باعتبارها إجراءً تأديبيًا بسبب تصويته في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
رابعًا: مخطط الانقلاب على حماس
تؤكد بعض الوثائق السرية لإدارة بوش، التي تمّ الكشف عنها في ربيع عام 2008، أي بعد أقل من عام على الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية تحت سيطرة فتح، وقطاع غزة تحت سيطرة حمس، أن إدارة بوش سعت، منذ انتخابات عام 2006، إلى إطلاق شرارة "حرب أهلية" فلسطينية بين الحركتين، وذلك عبر تسليح قوات محسوبة على فتح وتدريبها لهزيمة حمس بالقوة في القطاع، وإسقاط حكومتها، وحل المجلس التشريعي، وإجراء انتخابات جديدة تُستبعد منها حمس31. وبحسب تلك الوثائق، فإن مسؤولية الإشراف على تلك الخطة أنيطت بوزيرة الخارجية الأميركية حينئذٍ، كونداليزا رايس Rice Condoleezza، ومساعد مستشار الأمن القومي حينها، إليوت أبرامزElliott Abrams32. إلا أن نتائج تلك الخطة كانت كارثية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى السلطة الفلسطينية، ممثلة بمؤسسة الرئاسة وحركة فتح، اللتين تواطأتا في المؤامرة، كم تؤكد تلك الوثائق نفسها. ورغم نفي أبرامز مسؤولية إدارة بوش عن الانقسام الفلسطيني، عبر الدفع باتجاه انقلاب فتحاوي على حمس، فإنه يقر أن حمس قد تكون توجست من
أن "هناك مؤامرة لسحقها"، ولذلك تحركت أولً ضد القوات الأمنية الموالية لفتح33. وبعيدًا عن نفي أبرامز، فإن الوثائق التي كُشف عنها، علاوة على شهادات من داخل إدارة بوش نفسها وحركة فتح والأمم المتحدة، تتضافر لتؤكد مسؤولية إدارة بوش المباشرة عمّ جرى في قطاع غزة منذ الانتخابات التشريعية عام 2006. وقد سبقت الإشارة إلى رفض إدارة بوش الاعتراف بنتيجة الانتخابات التي فازت فيها حمس، ومسارعتها إلى الدفع باتجاه عقوبات دولية على الفلسطينيين، فضلً عن الضغط على فتح لعدم المشاركة في حكومة وحدة وطنية مع حمس.
تشير الوثائق الأميركية إلى أن الولايات المتحدة هي التي حرضت عباس وحركة فتح على عدم تسليم مسؤولية الإشراف على الأجهزة الأمنية والقطاع المالي إلى حركة حمس، الأمر الذي مثّل شرارة الصدام الأول بين الطرفين. واستنادًا إلى تلك الوثائق، فإن رايس سافرت إلى رام الله، والتقت عباس في مقر المقاطعة، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2006، حاملة إليه رسالة أميركية واضحة بضرورة حل حكومة إسمعيل هنية في أقرب وقت ممكن، وإجراء انتخابات جديدة34. وتذكر الوثائق ذاتها أن عباس طلب مهلة بضعة أسابيع، إلا أنه تلكّأ في تنفيذ ما اتُفق عليه. وأمام ذلك، طلبت إدارة بوش من القنصل الأميركي العام في القدس، جاكوب واليس Walles Jacob، مقابلة عباس وتذكيره بتعهده. وقد تمَّ ذلك خلال أسابيع بعد زيارة رايس. وجاء في المذكرة التي حملها والس معه، ونسي نسختها في مقر عباس عند مغادرته، أن إدارة بوش طالبته ب "المضي قدمًا بسرعة وحزم" لحل الحكومة، وإعلان حالة الطوارئ، وتشكيل حكومة جديدة، إذا لم تقبل حمس بشروط الرباعية الدولية. والأهم من ذلك أن الوثيقة تشير بوضوح إلى أنه في حال وقوع صدامات مسلحة مع حمس، على خلفية ذلك، فإن الولايات المتحدة ستدعم عباس "ماديًا وسياسيًا". كم شجع والس عباس على الاستعانة ب "شخصيات ذات صدقية، وذات مكانة قوية في المجتمع الدولي"، مثل محمد دحلان. وفعلً، فقد تمَّ تعيين هذا الأخير مستشارًا للأمن القومي لدى عباس، وُوضعت جميع الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشرافه35. هنا، يدخل الجنرال دايتون على خط تطور الأحداث فلسطينيًا في تلك السنوات. ووفقًا للوثائق ذاتها، فقد التقى هذا الأخير دحلان، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، في خضم خوض حمس وفتح جولات من القتال المتقطع في القطاع، وأخبره أن الولايات المتحدة تريد مساعدته في بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمواجهة حمس، وهو ما وافق عليه دحلان، ولكنه طلب موارد كبيرة؛ ذلك أنه "ليس لدينا القدرة" على ذلك ضمن المعطيات الحالية. وفعلً، اتفق الرجلان على إعداد خطة أمنية فلسطينية، تقضي بوضع الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشراف دحلان، وتدريبها وتسليحها أميركيًا36. وبحسب ما أوردته تقارير استقصائية أميركية، فإن دايتون وعد دحلان بتوفير مبلغ 86.4 مليون دولار أميركي لتدريب القوات الفلسطينية الجديدة وتسليحها. وفي كانون الثاني/ يناير 2007، أعلن الناطق باسم البيت الأبيض أن الرئيس أمر رايس بتحويل المبلغ إلى السلطة الفلسطينية لمساعدة القوات الأمنية الخاضعة لسيطرة عباس مباشرة، بذريعة "استعادة القانون والنظام في قطاع غزة والضفة الغربية"37، إلا أن الكونغرس أفشل هذا المخطط برفضه إرسال أي مساعدات عسكرية فتاكة إلى السلطة الفلسطينية، خشية أن تنتهي في أيدي حمس فتستخدمها ضد إسرائيل. وفي النهاية، وافق الكونغرس على تقديم 59 مليون دولار مساعداتٍ عسكريةً غير فتاكة، ومعدات لحفظ النظام الداخلي38. وهنا، حاولت إدارة بوش الالتفاف على قرار الكونغرس عبر السعي لتوفير الأسلحة والذخيرة لقوات الأمن الموالية لعباس - دحلان من مصر والسعودية والإمارات والأردن. وفعلً، نجحت الإدارة الأميركية في توفير شحنات أسلحة للأجهزة الأمنية الفلسطينية، بقيمة 30 مليون دولار (20 مليون دولار، بحسب دحلان)39، من بعض هذه الدول، مثل مصر والإمارات، في
حين ساهم الأردن في تدريب تلك القوات40. وهكذا، فقد استمرت الصدامات الدموية بين حركتَي حمس وفتح، والأجهزة الأمنية المحسوبة عليهم أشهرًا أخرى. وفي 6 شباط/ فبراير 2007، دعا العاهل السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، قيادتَ حركتَي حمس وفتح إلى مكة المكرمة، لرعاية مصالحة فلسطينية - فلسطينية. ترأس وفد فتح رئيس السلطة، محمود عباس، وكان معه دحلان، في حين ترأس وفد حمس رئيس مكتبها السياسي حينئذٍ، خالد مشعل، وكان معه إسمعيل هنية. وبعد مفاوضات، اتفق الطرفان على تشكيل حكومة وحدة وطنية، يستمر بموجبها هنية رئيسًا للوزراء، مع منح حركة فتح حقائب وزارية مهمة. كم اتفقا على أن تشرف حمس على الملفات الداخلية، في حين يتولى الحقائب السيادية المهمة، مثل الخارجية والمالية، تكنوقراط وأكاديميون مستقلون، بتوافق من الطرفين. وبموجب الاتفاق أيضًا، وافقت حمس على "احترام" الاتفاقات السابقة الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، كم أتاحت المجال، ضمنيًا، لعباس الاستمرار في مفاوضاته مع الإسرائيليين على أرضية حل الدولتين. وفي مقابل ذلك، التزمت السعودية بدفع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية الذين كانوا يعانون منذ قطع التمويل الأميركي - الأوروبي عن مؤسسات السلطة، بعد تشكيل حمس حكومتها عام 200641. لم يعجب الاتفاق إدارة بوش، ويبدو أنها فوجئت به، وعبّ بوش عن "خيبة أمله" منه42، خصوصًا أن حمس لم تلتزم بالاتفاقات الفلسطينية - الإسرائيلية الموقعة من قبل، ولا بوقف "العنف"، أي التخلي عن الكفاح المسلح. ورغم أن إدارة بوش التقت وزراء في الحكومة الجديدة من غير المحسوبين على حمس، مثل وزير المالية حينئذٍ، سلام فياض، وهو ما أثار استياء إسرائيل التي أرادت مقاطعة تامة لأي حكومة فلسطينية تملك حمس تمثيلً فيها، فإن ذلك لم يعنِ قبول الإدارة الأميركية بالوضع الجديد. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن إدارة بوش سعت خلال هذه الفترة، علنًا، إلى إعادة استئناف أموال المساعدات العربية والأوروبية عبر المؤسسات المحسوبة على مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، مثل وزارة المالية تحت فياض، ولكنها فرضت سرًا مزيدًا من الضغوط عليها، للدفع باتجاه انهيار الحكومة43. وبحسب الوثائق التي تمَّ الكشف عنها لاحقًا، فقد وضعت وزارة الخارجية الأميركية خطة جديدة لإفشال حكومة الوحدة الوطنية، عُرفت باسم "الخطة ب"، وقامت على "تمكين (عباس) ومؤيديه من الوصول إلى نهاية محددة في أواخر عام 2007. تلك النهاية ينبغي لها أن ينتج منها حكومة فلسطينية، من خلال الوسائل الديمقراطية، تقبل بمبادئ الرباعية الدولية". ولا تتردد الخطة في إعلان هدفها الأساسي، وهو ضرورة أن يقوم عباس ب "إسقاط الحكومة"، إن لم تقبل حمس بشروط الرباعية الدولية رسميًا. وحينها، يمكن لعباس أن يفرض حكومة طوارئ44.
قناعة أم تجاوبًا مع الضغوط الأميركية، فإن عباس، كم تشير تلك الوثائق، تماهى مع مخططات إدارة بوش، وذلك عبر إعداد "خطة عمل للرئاسة الفلسطينية" لتعزيز قوات الأمن الفلسطينية وقدراتها. إلا أن الوثائق الأميركية تؤكد أن تلك الخطة طُورت بالتعاون مع الولايات المتحدة والأردن، في حين أن مسودتها الأساسية أعدت في وزارة الخارجية الأميركية. وبحسب المسودات الأولى للخطة، التي توضح خلفياتها الحقيقية، فإنها حددت هدفًا أساسيًا لها تمثّل في تعزيز قوات فتح من أجل "ردع حمس". وتوخت الخطة منح عباس "القدرة على اتخاذ القرارات السياسية الاستراتيجية المطلوبة [...] مثل إقالة مجلس الوزراء، وإنشاء حكومة طوارئ". وكم يرد في المسودات التأسيسية للخطة، فإنه يجب زيادة مستوى جاهزية 15000 رجل أمن من حركة فتح في قطاع غزة وتدريبهم، وإضافة 4700 عنصر آخر ليشكلوا نواة 7 كتائب جديدة مدربة تدريبًا عاليًا، على أن يتم تدريبهم في الأردن ومصر. وتعهدت الولايات المتحدة، بموجب الخطة، "بتزويد أفراد الأمن بالمعدات والأجهزة اللازمة لتنفيذ مهمتهم". أما التكلفة الإجملية للخطة فتم تحديدها في 1.27 مليار دولار، تتضمن التدريب والتجهيزات والرواتب، على مدى 5 سنوات. وفي الحصيلة، صدرت الخطة عن مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، بذريعة رفع كفاءة الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتحسين أدائها، لكن تفاصيلها جاءت مطابقة للمسودات التي أشرف عليها الأميركيون، في الخلفيات المشار إليها سابقًا45.
لم تتأخر الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب، بالتعاون مع إسرائيل، في بدء تدريب القوات الجديدة، وإرسال الأسلحة. وكانت الأخبار تتسرب إلى الصحافة، خصوصًا عبر المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا يعارضون إدخال بعض أنواع الأسلحة المتقدمة إلى أجهزة الأمن الفلسطينية، مخافة أن توجه يومًا إليهم، أو أن تقع في أيدي حركات المقاومة، وتحديدًا حمس46. لم يكن الإسرائيليون وحدهم الممتعضين
من بعض أجزاء الخطة، بل إن بعض أركان إدارة بوش كانوا قلقين بشأنها. مثلً، يؤكد ديفيد وورمسر Wurmser David الذي كان مستشارًا لنائب الرئيس الأميركي حينها، ديك تشيني Cheney Dick، أنه عارض الخطة مخافة أن تؤدي إلى سيطرة حمس على قطاع غزة47. إلا أن إدارة بوش مضت فيها غير ملتفتة إلى التحذيرات التي كانت تصلها عبر مسؤولين أميركيين وإسرائيليين ودوليين. وكم يؤكد دي سوتو، فإن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، حينئذٍ، ديفيد ولش Welch David، قال له، تعليقًا على الصدامات الدموية في قطاع غزة بين حمس وفتح: "أنا أحب هذا العنف. وهذا يعني أن فلسطينيين آخرين يقاومون حمس"48. كانت حمس تتابع تطورات الخطة الأميركية وما يسرّ ب عنها، وتماهي مؤسسة الرئاسة الفلسطينية والأجهزة الأمنية وقطاعات واسعة من حركة فتح معها، فضلً عن دخول شحنات الأسلحة إلى القطاع، واستمرار الصدامات التي كانت تستنزفها كثيرًا. وفي 14 حزيران/ يونيو 2007، وبعد صدامات دموية بين الطرفين، تمكن مقاتلو حمس من هزيمة القوات الموالية لحركة فتح، والسيطرة تمامًا على قطاع غزة. وبحسب وورمسر، فإن ما جرى لم "يكن انقلابًا نفذته حمس، وإنما كان إجهاضًا لمحاولة انقلابية قامت بها فتح"49. وهكذا، تحقق لإدارة بوش ما أرادت، "حربٌ أهلية" فلسطينية، لكن نتيجتها لم تكن ما هدفت إليه من إقصاء لحمس، فم جرى هو العكس، حيث قادت استراتيجيتها إلى فشل ذريع، ترتب عليه انقسام فلسطيني - فلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلً عن سيطرة حمس على القطاع، وتعزيز قوتها فيه بدعم إيراني، كم تقول الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، تبلورت ملامح سياسة أميركية منفصلة نحو الضفة الغربية من ناحية، وقطاع غزة من ناحية أخرى. ولا تزال تلك السياسة مستمرة حتى اليوم، مع ضرورة ملاحظة تبلور خطوط سياسة أميركية جديدة في ظل إدارة ترامب، وهو ما ستوضحه الدراسة لاحقًا.
خامسًا: "الضفة الغربية أولا "
مع هزيمة الأجهزة الأمنية الفلسطينية المحسوبة على حركة فتح، وسيطرة حركة حمس على قطاع غزة، تحولت استراتيجية إدارة بوش من محاولات عزل حمس وتهميشها إلى محاولة احتوائها. ولتحقيق ذلك، اتبعت إدارة بوش نهجين منفصلين، ولكنهم متكاملان؛ تمثل النهج الأول في تأييد الحصار الوحشي الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، وتقييد حركة سكانه. ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، بل إنها عمدت إلى الدفع باتجاه إحكامه إقليميًا، وذلك عبر تحريضها السلطة الفلسطينية على المشاركة فيه، وحضها مصر على تشديد الحصار من جانبها، ومحاربة الأنفاق على حدودها مع قطاع غزة، والتي استخدمها سكان القطاع للحصول على السلع التموينية والمواد الأساسية لمعيشتهم. كم أنها قادت حملة دولية لتعزيز عزل قطاع غزة، وتضييق الخناق عليه، ماليًا وإنسانيًا ودبلوماسيًا، الأمر الذي خلق معاناة إنسانية مزرية فيه. أما النهج الثاني، فتمثل في اتباع إدارة بوش سياسة "الضفة الغربية أولً"50، التي قامت في مرحلتها الأولى على دعم حركة فتح، وأجهزة السلطة التابعة لها في الضفة الغربية، أمنيًا وماليًا، وذلك من أجل محاربة حركة حمس، وجميع حركات المقاومة الأخرى، فضلً عن السعي لتوفير أنموذج فلسطيني أفضل في الضفة، مقارنة بالقطاع، لتعزيز صورة فتح شعبيًا، وإضعاف موقف حمس. أما المرحلة الثانية ضمن هذا النهج، فتمثلت في محاولات إدارة بوش، في أشهرها الأخيرة في الحكم، الدفع باتجاه تحقيق اتفاق سلام فلسطيني – إسرائيلي، يفضي إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، يُستثنى منها قطاع غزة مؤقتًا حتى يتمَّ إيجاد حل لمعضلته51. ورغم إعلان بوش تفاؤله في البداية بإمكانية تحقيق مثل ذلك الاتفاق، فإنه اضطر في النهاية إلى الاعتراف بصعوبة الأمر، ملقيًا اللوم على سيطرة حمس على قطاع غزة52، بدلً من الإقرار بمسؤولية إدارته عمّ آلت إليه الأمور، ورفض إسرائيل أي صيغة للسلام، وإن كان على حساب ما تبقى من فتات الحقوق الفلسطينية. في أي حال، لم تُفضِ جهود إدارة بوش، في محاولة إنجاز اتفاق سلام فلسطيني – إسرائيلي، إلى شيء ملموس، ولكنها ثبتت معطى عزل الضفة الغربية عن قطاع غزة دبلوماسيًا؛ فمع بقاء حل الدولتين إطارًا للمقاربة الأميركية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، إلا أن القطاع استُثني منه عمليًا تحت إدارة بوش، واستمر الأمر كذلك تحت إدارة أوباما، الأمر الذي بدا واضحًا في جهود رايس خلال عامي 2007 و 2008، ثمَّ محاولات وزير خارجية أوباما، جون كيري Kerry John، بين عامي 2013 و 2014. أما إدارة ترامب، فيبدو، على الأقل إلى الآن، أنها غير ملتزمة حتى بصيغة "الضفة الغربية أولً"، مع استمرارها في
عزل قطاع غزة، ولا يُعرف ما ستكون عليه سياستها بعد إعلان "صفقة القرن"، ورفض الفلسطينيين لها، وإن كان ثمة إرهاصات واضحة باتجاه الموافقة لإسرائيل على ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وهو ما سيجعل قطاع غزة محوريًا من جديد، جغرافيًا واقتصاديًا.
| مهدت المقاربة التي أسست لها إدارة بوش نحو قطاع غزة، القائمة |
مهدت المقاربة التي أسست لها إدارة بوش نحو قطاع غزة، القائمة على تهميشه وحصاره، منذ سيطرة حمس عليه صيف عام 2007، إلى عدم تطوير استراتيجية أميركية واضحة نحوه، وخصوصًا أن الولايات المتحدة لا تملك تمثيلً مباشرًا فيه، منذ مقتل ثلاثة أميركيين هناك في تفجير وقع عام 2003، استهدف قافلة دبلوماسية أميركية. ومرة أخرى، ثبت فشل المقاربة الأميركية؛ فعوضًا عن إضعاف حمس، أدت تلك المقاربة إلى خلق أزمة إنسانية في القطاع، فضلً عن ثلاثة اعتداءات إسرائيلية كارثية عليه، في أعوام /2008 2009 و 2012 و 2014، وهو ما ضاعف من أوضاعه المزرية إنسانيًا، وبيئيًا، واقتصاديًا، وسياسيًا. أما حمس، فرغم أنها محاصرة، وتمر بأوضاع سياسية صعبة، فقد بدا أن سقوطها غير مرجح، بل إن قوتها العسكرية تعاظمت، وأصبحت قادرة على شنِّ هجمت صاروخية على البلدات والمدن الإسرائيلية، بما في ذلك تل أبيب نفسها. ولا شك في أن ذلك ما كان ليتم لولا الدعم الإيراني الذي أصبحت حمس تعتمد عليه أكثر فأكثر منذ بدء التضييق عليها، ومحاولات إسقاط حكومتها عام 2006.
سادسًا: إدارة باراك أوباما
على الرغم من أن إدارة أوباما تبنّت، إلى حد بعيد، نهجًا مختلفًا في السياسة الخارجية عن إدارة بوش، بما في ذلك انخراطها المبكر في جهود محاولة التوصل إلى اتفاق فلسطيني - إسرائيلي، على نحو أدى إلى توتر علاقاتها مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فإنها لم تُحدث تغييرًا جذريًا في المقاربة التي رسختها إدارة بوش نحو قطاع غزة، بل إن أوباما الذي لم يتردد في انتقاد حصار قطاع غزة، والأوضاع الإنسانية المزرية المترتبة عليه، معتبرًا أنها تضر بأمن إسرائيل، ألقى باللائمة في ذلك على حمس53.
من الناحية الإطارية، حافظت إدارة أوباما على شرط إدارة سلفه بضرورة التزام حمس بمبادئ الرباعية الدولية، قبل الاعتراف بها شريكًا بنّاءً في مفاوضات السلام مع إسرائيل. كم أنها استمرت بسياسة "الضفة الغربية أولً"، بذريعة عدم إضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة. ورغم أن أوباما بقي ملتزمًا بسياسة سلفه، منذ عام 2003، بعدم إرسال أميركيين إلى قطاع غزة، فإن إدارته ضاعفت عدد الموظفين المحليين الذين كانوا يعملون تحت لافتات منظمت أميركية غير حكومية54. كذلك كان أوباما متشككًا في التزام نتنياهو بالسلام وحل الدولتين، وهو ما ترتب عليه صدامات متكررة بينهم، غير أنه عجز عن دفع إسرائيل لتغيير مسارها المدمر لحل الدولتين، خصوصًا في موضوع الاستيطان. وربما يكون التغيير الشكلي الأبرز الذي طرأ على السياسة الأميركية نحو قطاع غزة، تحت إدارة أوباما، قد تمثل في غياب المعارضة الأميركية الشرسة لأي حكومة توافق فلسطينية بين حمس وفتح، على شرط أن تتكون من تكنوقراط وأعضاء من غير حمس، وألا يكون لهذه الأخيرة تأثير فيها، فضلً عن ضرورة أن تلتزم بالاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل55.
وجدت إدارة أوباما نفسها وجهًا لوجه أمام معضلة غزة منذ مرحلة مبكرة جدًا من ولايتها؛ ففي 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، أي خلال الفترة الانتقالية بين إدارتَ أوباما وبوش، نفّذت إسرائيل عملية "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة، وقد توقف العدوان في 18 كانون الثاني/ يناير 2009، أي قبل أيام من تسلم أوباما الحكم رسميًا. كان العدوان الإسرائيلي كارثيًا، حيث استشهد قرابة 1500 شخص، وجُرح أضعافهم، ودُمرت آلاف المنازل والمرافق العامة. أمام ذلك، ساهمت إدارة أوباما في تنظيم مؤتمر دولي في مصر لإعادة إعمر قطاع غزة، ورغم تقديم تعهدات مالية كبيرة دوليًا، فإن قليلً منها وصل فعلً. وخلال تلك الفترة ركزت إدارة أوباما جهودها في قطاع غزة على أمرين؛ الأول، العمل مع الإسرائيليين والمصريين، وشركاء دوليين آخرين، لضبط تدفق السلاح إلى قطاع غزة، القادم من إيران عبر السودان. والثاني، الدفع باتجاه تحسين خدمات المياه، وإمدادات الطاقة، وتخفيف القيود على حركة سكان القطاع منه وإليه، بما في ذلك زيادة قدرة غزة على تصدير البضائع إلى إسرائيل والضفة الغربية56. وكم سبقت الإشارة، فإن تعامل إدارة أوباما مع حكومات الوحدة الوطنية، أو التوافق الفلسطينية، كان أقل حدة من إدارة بوش، وذلك كم جرى في عامي 2011 و 2014. لم تشجع الولايات المتحدة، تحت إدارة أوباما، أي جهود للمصالحة الفلسطينية - الفلسطينية، ولكنها، وعلى عكس إدارة بوش، لم تبادر إلى فرض عقوبات على السلطة الفلسطينية، مثل قطع المساعدات الأميركية المالية عنها، حينم شكلت حكومات بالتوافق بين حمس وفتح. كان موقف إدارة أوباما واضحًا من حيث إنها تتعامل مع وزراء فلسطينيين تكنوقراط يعملون ضمن حكومة لا يكون لحمس تأثير مباشر فيها، إلا إذا وافقت حمس على شروط الرباعية الدولية57. وقد أدى موقف إدارة أوباما ذاك إلى توتر في العلاقة بإسرائيل التي رفضت القبول بشرعية أي حكومة فلسطينية تكون حصيلة اتفاق بين حمس وفتح، حتى إن كان أعضاؤها مستقلين تمامًا، وملتزمين بشروط الرباعية الدولية. كم أن موقف إدارة أوباما، المحايد عمومًا، في تلك المسألة، لم يرُق لكثير من أعضاء الكونغرس الأميركيين الذين ضغطوا لقطع المساعدات المالية الأميركية عن حكومات التوافق الوطني الفلسطيني، بذريعة أن القانون الأميركي ينص على ذلك في حال تمثيل حمس في تلك الحكومات، أو حتى وجود تأثير لها فيها58. إلا أن موقف الإدارة كان معارضًا لذلك، حيث جادلت حينها بأن حكومات التوافق الفلسطيني كانت مشكَّلة من شخصيات مستقلة ملتزمة بالبرنامج السياسي للرئيس عباس، القائم على شروط الرباعية الدولية59. تعرضت إدارة أوباما لامتحان جديد في قطاع غزة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، وذلك عندما شنت إسرائيل عدوانًا آخر على غزة، أطلقت عليه اسم "عمود السحاب". وبعد أسبوع من القتال، تمكنت وزيرة الخارجية الأميركية حينها، هيلاري كلينتون Clinton Hillary، من التفاوض على هدنة مع الرئيس المصري حينئذٍ، محمد مرسي، الذي كان ينتمي إلى "الإخوان المسلمين"، الجمعة الأم لحمس60. إلا أن الامتحان الأصعب الذي تعرضت له إدارة أوباما في ملف قطاع غزة تمثل في عدوان "الجرف الصامد" الإسرائيلي، في تموز/ يوليو 2014. دام ذلك العدوان أكثر من 50 يومًا، وتسبب في سقوط أكثر من ألفَي شهيد فلسطيني، وآلاف الجرحى والمصابين، فضلً عن دمار هائل لحق بالقطاع. أما خسائر إسرائيل، فقد تمثلت في عشرات القتلى، ومئات الجرحى، فضلً عن تعرض مدن الدولة العبرية لقصف صاروخي فلسطيني متكرر، وصل بعضه إلى حيفا والقدس والخضيرة. على عكس عدوان 2012، كانت الظروف في عام 2014 أشد تعقيدًا؛ فمن ناحية، كان قد وقع انقلاب عسكري في مصر في العام السابق، وجاء عبد الفتاح السيسي، المعادي للإخوان وحمس، إلى الحكم. ووجدت إدارة أوباما نفسها أمام حلف إسرائيلي - عربي، وتحديدًا مصر والسعودية والإمارات، يدعو إلى إعطاء الفرصة لإسرائيل لاجتثاث حمس. كم كان هناك خلاف أميركي - إسرائيلي حول الدول الأقدر على التوسط في هدنة؛ أرادت إدارة أوباما دورًا تركيًا - قطريًا، على أساس العلاقات الجيدة التي تربطهم بحمس، في حين أصرت إسرائيل على أن يتم ذلك عبر مصر التي تشاركها العداء للحركة تحت حكم السيسي. وأخيرًا، كانت ثمة ضغوط كبيرة في الكونغرس لموقف أميركي أكثر حزمًا وانحيازًا لصالح إسرائيل، رغم أن موقف إدارة أوباما كان منحازًا أصلً إليها منذ البداية. مع بدء إسرائيل عدوانها على قطاع غزة في 7 تموز/ يوليو 2014، أعلنت إدارة أوباما تأييدها لما أطلقت عليه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مع التشديد "اللفظي" على ضرورة ممرسة أقصى
درجات ضبط النفس حيال المدنيين61. وبدا حينها أن إدارة أوباما لم تكن راغبة في عملية عسكرية إسرائيلية بهذا الحجم؛ إذ إنه، بعد أقلّ من يومين من بدء العدوان، اتصل أوباما بنتنياهو، وعبّ عن قلقه من التصعيد العسكري ضدّ غزة، وأبلغه بأنّ الولايات المتحدة مستعدة للتحرّك دبلوماسيًا من أجل العودة إلى اتفاق عام 2012 الذي توصلت إليه واشنطن والقاهرة، إبان رئاسة مرسي62. ولكن مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، وأداء المقاومة الفلسطينية الذي فاجأ إسرائيل والولايات المتحدة، فإنّ إدارة أوباما –الواقعة حينها بين انتقادات جمهورية وضغوط الكونغرس من أجل دعم إسرائيل - بالغت في رفع سقف الانحياز إلى مصلحة إسرائيل، وحمّلت حمس المسؤولية كلها بشأن ما يترتب على العدوان. بل إن إدارة أوباما سارعت إلى تقديم طلبٍ إلى الكونغرس لتخصيص تمويل إضافي بمئات ملايين الدولارات لدعم النظام الصاروخي الإسرائيلي وتطويره، والمعروف ب "القبة الحديدية"، المخصّصة لاعتراض صواريخ المقاومة الفلسطينية التي أمطرت إسرائيل، ووقفت هذه الأخيرة أمامها شبه مكشوفة. وبالفعل، أقر الكونغرس، مطلع آب/ أغسطس 2014، بتخصيص 225 مليون دولار تمويلً عاجلً لهذه المنظومة63. وقبل ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، أواخر تموز/ يوليو، أنّها سمحت لإسرائيل بالحصول على ذخائر من مخزونٍ محلي للأسلحة الأميركية، ضمن برنامج يديره الجيش الأميركي، ويطلق عليه اسم "مخزون احتياطيات الحرب - إسرائيل"؛ لإعادة تزويدها بالقنابل وقذائف الهاون. تأخر التحرك الدبلوماسي الأميركي لاحتواء التصعيد إلى ما بعد نهاية الأسبوع الثاني من العدوان، وتمثل في إرسال كيري إلى المنطقة، في 21 تموز/ يوليو، بعد فشل نظام السيسي في التوصل إلى هدنة بين الطرفين. وعبّ أوباما في اليوم ذاته عن امتعاضه من حجم الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وأبدى "القلق العميق" من جراء ذلك، لكنّه - ضمن الانحياز المبدئي الأميركي - أكد ما سمه "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"64. كانت المعضلة الأولى التي واجهت إدارة أوباما وقوف مصر رسميًا مع إسرائيل ضد الولايات المتحدة، في ما يتعلق باتفاقات التهدئة المقترحة لإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث اصطدمت جهود كيري برفض إسرائيلي لما قدمه من أفكارٍ ومقترحات خلال جولته في المنطقة65، بل إن نتنياهو أعلن رسميًا أن المبادرة الوحيدة التي تقبل بها إسرائيل هي المبادرة المصرية66. والمفارقة الأهم هنا، هي إعلان الرئاسة والخارجية المصريتين، غير مرةٍ، وفي تناغمٍ واضحٍ مع الموقف الإسرائيلي، أنهم لا تقبلان بأيّ تعديلات على مبادرتهم الأصلية لوقف إطلاق النار67. تمثلت المعضلة الثانية التي واجهها كيري في هذا السياق في ضغط مصر، وحلفائها من دول "الاعتدال" العربي، عليه لعدم "إنقاذ" حمس من "ورطتها"، وضرورة الإصرار على المبادرة المصرية، التي كانت في حقيقتها وثيقة استسلام يجب على فصائل المقاومة الفلسطينية الرضوخ لها. ومم زاد في استفزاز القاهرة اجتمع باريس الذي ضمّ، في 26 تموز/ يوليو، إضافة إلى كيري، وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وقطر وتركيا، إضافة إلى وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، ولم تُدعَ إليه إسرائيل ولا مصر ولا حتى السلطة الفلسطينية68. وبرّرت واشنطن دعوة قطر وتركيا بحاجتها إلى قنوات اتصال مع حمس التي تسيطر على قطاع غزة لإدماجها في أي صفقة سياسية لتهدئة قادمة69. وبعد سبعة أسابيع من بدء إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، تمكنت الدبلوماسية المصرية من إقناع الوفدين المفاوضين في القاهرة، الفلسطيني الموحد والإسرائيلي، بتوقيع هدنة طويلة الأمد بين الطرفين. اللافت أن الولايات المتحدة باركت الاتفاق، ولكن من مقاعد المتفرجين، بمعنى أنها لم تكن حاضرة مباشرة في تفاصيل الاتفاق، على عكس سوابق أخرى ممثلة، وإن كانت دفعت باتجاهه. وأكدت الخارجية الأميركية، حينها، على ضرورة السمح بإدخال المساعدات
الإنسانية العاجلة إلى قطاع غزة، وأعلنت أنها ستعمل مع شركاء دوليين آخرين لإعادة إعمر القطاع، غير أنها شددت، في الوقت ذاته، على ضرورة ألّ تستفيد حمس من تلك الجهود، وأن يتم ذلك كله عبر الشراكة مع السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس70. مرة أخرى، دعت الولايات المتحدة إلى مؤتمر دولي للمنحين في مصر لإعادة إعمر قطاع غزة، وكانت هناك تعهدات بنحو 5 مليارات دولار، وكالعادة، لم يصل أغلبها. وحتى نهايتها مطلع عام 2017، ركزت إدارة أوباما على حثِّ كل من إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية في رام الله على الحفاظ على الهدوء والاستقرار في قطاع غزة، عبر تزويده بثلاث حاجات أساسية للتنمية، هي: الكهرباء، والمياه، وحرية الحركة فيه ومنه وإليه. وكانت إدارة أوباما هي التي مهدت لدور تركي في القطاع لتزويده ببعض المساعدات الإنسانية، إلا أن الأهم في هذا السياق كان الدور القطري في تقديم شحنات الوقود، أو دفع ثمنها، لإمداد غزة بالكهرباء، فضلً عن دفع رواتب الموظفين فيه.
سابعًا: إدارة دونالد ترامب
سبقت الإشارة إلى أن إدارة ترامب قطعت مع المقاربة الأميركية التي كانت سائدة عقودًا طويلة تجاه الصراع الفلسطيني/ العربي – الإسرائيلي. كم أنها أعلنت عدم التزامها بحل الدولتين، الذي أصبح حجر الزاوية في المقاربة الأميركية في العقدين الماضيين. ومع ذلك، حافظت هذه الإدارة على الإطار العام للسياسة الأميركية نحو قطاع غزة، كم تقررت تحت إدارة أوباما، ولكن ضمن ما يبدو أنها خطة أوسع لتعزيز "صفقة القرن"، ومحاولة نسف ما تبقى من الحقوق الفلسطينية. في الإطار العام المتعلق بالسياسة نحو قطاع غزة، سعت إدارة ترامب، بداية، إلى استكمل ما بدأته إدارة أوباما من محاولات لتحسين الظروف المعيشية والإنسانية لسكان القطاع، وذلك عبر متابعة ثلاثة ملفات تنموية أساسية، هي: الكهرباء، والمياه، وحرية حركة أوسع للسكان والبضائع. كذلك، وعلى غرار الإدارة السابقة، لم تُبدِ إدارة ترامب تحفظات علنية على الجهود المصرية وجهود الأمم المتحدة في التوسط للمصالحة بين حركتَي حمس وفتح، أو التهدئة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وذلك كم جرى في الجولة الأخيرة من التصعيد بينهم في آذار/ مارس 2019. كم أن إدارة ترامب بقيت تغض الطرف عن الأموال القطرية التي تدخل إلى القطاع رواتبَ لموظفيه، وثمنًا لشحنات الوقود. ورغم ذلك، فإن هذه السياسة التي تتبعها إدارة ترامب غير بريئة البتة، خصوصًا أنها تبدو متناقضة مع الانحياز الأميركي الصارخ، وغير المسبوق، لصالح إسرائيل، بل التمهي التام معها، على الأقل إلى الآن، ومن ذلك تبنيها موقف إسرائيل الوحشي في التعامل مع مسيرات العودة السلمية منذ ربيع 2018. بل إن إدارة ترامب حاولت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 تمرير مشروع قرار في الأمم المتحدة لإدانة ما وصفته ب "الأنشطة العنيفة" لحركة حمس في قطاع غزة ضد إسرائيل، وتتضمن إطلاق الصواريخ، ومزاعم إساءة استخدام موارد قطاع غزة عسكريًا، بدلً من توجيهها لتلبية حاجة السكان المدنيين، فضلً عن "استخدام البالونات والطائرات الورقية المشتعلة"71. ولم تشِ إدارة ترامب في مشروع القرار إلى مسؤولية إسرائيل عن حصار القطاع وأوضاع سكانه المعيشية المزرية.
في سياق القطع مع المقاربة الأميركية السابقة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، على الأقل في العقدين الماضيين، نجد أنه عندما استقبل ترامب عباس في البيت الأبيض، في 3 أيار/ مايو 2017، لتدارس إمكانية "تحقيق سلام حقيقي ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين"72، فإنه لم يتطرق إلى حل الدولتين. في حين قال بيان البيت الأبيض، حينها، إنه تمَّ التباحث بين الطرفين حول سبل تحفيز النمو الاقتصادي وتمكينه في الضفة الغربية وقطاع غزة، على أساس أن ذلك "يعزز آفاق تحقيق سلام دائم وعادل"73. كان ذلك منسجمً مع الموقف الذي عبرت عنه إدارة ترامب منذ الشهر الأول لوصولها إلى سدة الحكم. مثلً،
فإن ترامب خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمعه منتصف شباط/ فبراير 2017 مع نتنياهو ألمح إلى أن إدارته غير ملتزمة بحل الدولتين74. وكان مسؤول رفيع في البيت الأبيض صرح، قبيل ذلك اللقاء، بأن الإدارة الجديدة لا تصر على حل الدولتين بوصفه صيغة توافقية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي75. عوضًا عن ذلك، ركزت جهود فريق ترامب، وعلى رأسه مبعوثه للسلام في الشرق الأوسط حينئذٍ، جيسون غرينبلات، في لقاءاته مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب، على تحسين الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في قطاع غزة76. بدت المقاربة الأميركية الجديدة حينها، نحو القطاع، كأنها محاولة لفصله عن الضفة الغربية، خصوصًا أنها جاءت في خضم سياق أوسع من الأحداث. وواضح أن إدارة ترامب توظف الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني للضغط على طرفيه في الضفة والقطاع والاستفراد بهم. ففي آذار/ مارس 2018، استضاف البيت الأبيض مؤتمرًا كبيرًا للتباحث في كيفية معالجة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، شاركت فيه 19 دولة عربية وأوروبية، إضافة إلى إسرائيل، ولكن غابت عنه السلطة الفلسطينية التي نظرت إليه بكثير من الشك والريبة77. وقد قدم مستشار ترامب، والمشرف على ملف عملية السلام في الشرق الأوسط، جاريد كوشنر Kushner Jared، عرضًا خلال المؤتمر لأفكار مقترحة لحل أزمة قطاع غزة الإنسانية، وتحديدًا في مجالات الكهرباء والماء والحركة، حتى إن أصرت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، التي تفرض عقوبات قاسية على القطاع، على عدم التعاون. وبحسب أحد كبار مسؤولي إدارة ترامب، فإن "إصلاح غزة أمر ضروري للوصول إلى اتفاق سلام"، في حين صرح آخرون بأن المؤتمر جزء لا يتجزأ من المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية المستقبلية78. إلا أن الحقيقة هي أن تلك المحاولات المزعومة لتخفيف وطأة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة لم تسفر عن شيء ملموس. أما السياق الأوسع للأحداث الذي تندرج ضمنه مقاربة إدارة ترامب لقطاع غزة، فيتمثل في سلسلة من السياسات التي أقدمت عليها، ويبدو أنها تقوم على تفريغ القضية الفلسطينية من القضايا الجوهرية والمركزية التي تُعَرِّفُ الصراع، وتدخل ضمن ما يُعرف ب "قضايا الحل النهائي". وقد اعتبر ترامب تلك السياسات مندرجة في سياق "إزالة العقبات" من على طاولة المفاوضات79، ومن ثم تسهيل التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين80. ومن رحم ذلك المنطق، أو اللامنطق، ولدت صيغت "صفقة القرن" مطلع هذا العام. مثلً، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، اعترف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وأتبعها بنقل السفارة الأميركية إليها في أيار/ مايو 2018، وبناء عليه، يكون، بحسب فهمه، قد "أزال" مشكلة القدس "العويصة" التي تعوق المفاوضات81. وفي آب/ أغسطس 2018، قرر وقف التمويل كليًا عن وكالة "الأونروا"، بذريعة "المبالغة"82 في تحديد أعداد اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما أضفى غموضًا حول مصير ملايين اللاجئين الفلسطينيين المعتمدين على خدمات الوكالة في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسورية ولبنان. ووفقًا لمسؤولين في إدارة ترامب، فإن تعريف اللاجئ الفلسطيني يمثل عقبة حقيقية أمام تحقيق سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل83، وهكذا يكون ترامب قد "أزالها" أيضًا! ترافق قرار وقف تمويل "الأونروا" بقرار آخر اتخذته إدارة ترامب في العام نفسه، تمثل في حجب مساعدات إغاثية وطبية وتنموية بقيمة 200 مليون دولار، كان من المفترض صرفها في عام 2018 في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتذرعت الإدارة الأميركية في قرارها ذاك، بأنه لا توجد مصلحة قومية أميركية84 في صرف ذلك المبلغ في الضفة والقطاع، خصوصًا في ضوء ما تزعمه من "عدائية" فلسطينية نحو الولايات المتحدة85. وتندرج الخطوتان الأخيرتان في سياق محاولة إكراه الفلسطينيين على التنازل عن حقوقهم.
ومنطق "إزالة العقبات" من على طاولة المفاوضات ذاته ينطبق على إعلان وزير الخارجية، مايك بومبيو Pompeo Michael، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أن الولايات المتحدة لم تعد تعترف بالرأي القانوني القائل إن بناء إسرائيل "مستوطنات مدنية" في الضفة الغربية "يتعارض مع القانون الدولي"86. وربما يكون الوضع الإنساني في قطاع غزة ذريعة ل "عقبة" أخرى يجب "إزالتها" بالنسبة إلى إدارة ترامب، أو حتى فصلها عن الإجملي الكلي الفلسطيني، مستفيدة في ذلك من عجز طرفي الانقسام الفلسطيني من تجاوزه أو تحييده، ومن ثم انتفاء إمكانية قيام دولة فلسطينية بحسب قرارات الأمم المتحدة، وتحديدًا قرار 242. ومن خلال سعيها لإزالة ملفات القدس وغزة واللاجئين وحق العودة والحدود والأمن والسيادة، ونزعها من "الدولة الفلسطينية" الموعودة، فضلً عن التمهيد لتمكين إسرائيل من ضم مساحات شاسعة من الضفة الغربية، وتحديدًا غور الأردن، فإن معالم خطة ترامب لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ضمن ما يُعرف ب "صفقة القرن"، تكون قد اتضحت، بتنسيق كامل مع إسرائيل. فتحت عنوان فرعي "حل واقعي لخيار الدولتين"87، تعرض الخطة على الفلسطينيين دولة منقوصة السيادة، مقيدة بحدود الأمن الإسرائيلي، منزوعة السلاح، مقطعة الأوصال، يصل بينها جسور وأنفاق، داخل الضفة الغربية نفسها، ومع قطاع غزة، تحت إشراف أمني إسرائيلي مطلق. غير أن ذلك العرض الذي لا يلتزم معايير قرارات الشرعية الدولية، خصوصًا من حيث تعريف الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مرهون باشتراطات قاسية على الفلسطينيين الالتزام بها أولً، مثل الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ورفض الدولة الفلسطينية "الإرهاب بكافة أشكاله" ومحاربته، والقبول بترتيبات خاصة تلبي الاحتياجات الأمنية لإسرائيل، تشير الخطة بوضوح إلى أنها تتضمن حق إسرائيل في القيام بعمليات أمنية داخل حدود الدولة الفلسطينية88. كم تشترط الخطة على الفلسطينيين القبول بالمسؤولية الأمنية الإسرائيلية، وسيطرتها على المجال الجوي غرب نهر الأردن89. كم تلمح الخطة إلى مسؤولية الدولة الفلسطينية في التصدي لحركة حمس، وغيرها من حركات المقاومة الفلسطينية90، وهو ما قد يكون تمهيدًا للدفع باتجاه اقتتال داخلي فلسطيني - فلسطيني. وبناءً على ما سلف، فإن ترامب، يؤكد عمليًّا ما أشار إليه سابقًا بأنه ليس ملتزمًا بصيغة حل الدولتين على أساس حدود عام 196791، وهو يختزل "صفقة القرن" في مفاوضاتٍ على حدود وهمية ضمن الضفة الغربية، لا عليها، وعلى إدارة لشؤون سكانها، من دون سيادة حقيقية92. أما قطاع غزة الذي تصفه الخطة بأنه "قضية معقدة جدًا"، بسبب سيطرة "حركة حمس الإرهابية عليه"93، ورغم الوعود الاقتصادية الوردية، فإنه سيتم إخضاع منفذه البري الوحيد إلى العالم الخارجي، معبر رفح، لترتيبات خاصة بين إسرائيل ومصر94، وإخضاع شواطئه لسلطة البحرية الإسرائيلية95. بمعنى، أنه سيبقى عمليًا تحت احتلال إسرائيلي غير مباشر. أما في ما يخص حمس، فإن الخطة تشدد على الشرط الأميركي، منذ إدارة بوش الابن، بأنه لا مجال للاعتراف بها جزءًا من أي حكومة فلسطينية مستقبلية، إلا إذا التزمت بشروط "الرباعية الدولية"96 التي سبقت الإشارة إليها.
خاتمة
يمثل قطاع غزة معضلة أميركية، كم هو معضلة إسرائيلية، ولكن هذه المعضلة هي نتاج سياسات أميركية سيئة ومنحازة، إلى حد بعيد، كم أنها مجرد عارض من عوارض المشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. كذلك لا يمكن تبرئة الحصار المصري الرسمي على القطاع من الأزمة الطاحنة التي يعيشها. أما الكارثة الأكبر فتتمثل في مساهمة الفلسطينيين أنفسهم في الإبقاء على معضلة غزة، وتعزيز الخطر الداهم على القضية الفلسطينية ومستقبلها. وكم بينت الدراسة، عبر الوثائق الأميركية، فإن أزمة القطاع ما كان لها أن تكون لولا تجاوب رئاسة السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح مع ضغوط إدارة بوش الابن منذ عام 2006. وللأسف، فإن قيادة السلطة الفلسطينية تجاوزت الضغوط الأميركية لتتحول هي نفسها إلى شريك أساسي في حصار قطاع غزة، ومحاولات إخضاعه،
على الرغم من أن ذلك يضعف الموقف الفلسطيني الكلي. كم نرى اليوم في محاولات إدارة ترامب إعادة تعريف الحدِّ الأدنى للحقوق الفلسطينية، وسعيها لفصل تلازم ملفَي الضفة والقطاع بوصفهم فضاءً للدولة الفلسطينية المرتقبة. وإذا كانت أوسلو هي مدخل ضرب المشروع الوطني الفلسطيني في حدوده الدنيا، فإن المساعي الأميركية والإسرائيلية لفصل مساري الضفة والقطاع، في ظل تواطؤ فلسطيني مريب يشترك فيه طرفا الانقسام، قد تكون خطوة جوهرية على هذا الطريق. في السنوات الماضية، سعت إدارة أوباما لتخفيف حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، ولكن مع الحرص على عدم تعزيز قوة حمس، أو إضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله. كانت حسابات إدارة أوباما تحاول تجنّب تصعيد عسكري جديد بين المقاومة الفلسطينية في القطاع وإسرائيل، على أمل تحقيق "سلام" فلسطيني - إسرائيلي. أما مقاربة إدارة ترامب لتخفيف الاحتقان في قطاع غزة فلها أهداف أخرى، فهي لا تريد تعزيز وضع حمس في القطاع، ولكنها مهتمة أيضًا بإضعاف السلطة الفلسطينية في رام الله، ومن ثم إرغام الفلسطينيين على الرضوخ لشروط "صفقة القرن" التي ستضيع ما تبقى من فتات حقوقهم، بدعم من محور عربي يتكون من مصر والسعودية والإمارات تحديدًا. أمام ذلك كله، فإن أول ال وررط الحتمية للخروج من الورطة الفلسطينية الراهنة يتمثل في مصالحة فلسطينية – فلسطينية، على قاعدة المصالح العليا للشعب الفلسطيني. ومن دون مشروع وطني فلسطيني توافقي، يرسخ الحدود الدنيا المرحلية للنضال الفلسطيني، فإن القضية الفلسطينية ستكون أمام امتحان عسير تغذيه أنانيات فصائلية وحزبية وشخصية. أما الدور الأميركي - الإسرائيلي في نسف الحقوق الفلسطينية، وتواطؤ بعض الدول العربية في ذلك، فليسا سوى تحصيل حاصل.
المراجع
Abrams, Elliott. Tested by Zion: The Bush Administration and the Israeli-Palestinian Conflict. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.
"Activities of Hamas and other Militant Groups in Gaza – GA Draft Resolution." The United Nations. 29/11/2018. at: https://bit.ly/2YuF3lX
Amr, Hady et al. "Ending Gaza's Perpetual Crisis: A New U.S. Approach." Brookings. Report (December 2018). at: https://brook.gs/31pgDw0
Bureau of Counterterrorism. "Foreign Terrorist Organizations." U.S. Department of State. at: https://bit.ly/2Qgw8QC
Bureau of Public Affairs. "Roadmap for Peace in the Middle East: Israeli/Palestinian Reciprocal Action, Quartet Support." U.S. Department of State. 16/7/2003. at: https://bit.ly/2QmbFdi
Judis, John B. "Clueless in Gaza: New Evidence that Bush Undermined a Two-state Solution." The New Republic. 19/2/2013. at: https://bit.ly/31ot2jE
Kerry, John. "Statement on Today's Cease-fire Agreement." U.S. Department of State. 26/8/2014. at: https://bit.ly/32qiq36
Kurz, Anat, Udi Dekel & Benedetta Berti (eds.). The Crisis of the Gaza Strip: A Way Out. Tel Aviv: Institute for Security Studies, 2018.
Mirkasymov, Bakhtiyar. "The US Greater Middle East Initiative." Policy Perspectives. vol. 4, no. 2 (2007). at: https://bit.ly/3aU3fmL
Office of the Press Secretary. "Letter from President Bush to Prime Minister Sharon." The White House. 14/4/2004. at: https://bit.ly/3hrSPNt
________. "Remarks by the President on Foreign Policy." The White House. 16/7/2014. at: https://bit.ly/2Qpmx9W ________. "Statement by the President on the Situation in Ukraine and Gaza." The White House. 21/7/2014. at: https://bit.ly/3hr3dVX
"Peace to Prosperity: A Vision to Improve the Lives of the Palestinian and Israeli People." The White House. 28/1/2020. at: https://bit.ly/3goo36U
"President Bush Calls for New Palestinian Leadership." The White House. 24/6/2002. at: https://bit.ly/3aU0W34 "Readout of the Meeting Between President Donald J. Trump and President Mahmoud Abbas of the Palestinian Authority." The White House. 3/5/2017. at: https://bit.ly/31uwtFT
"Remarks by President Trump and Prime Minister Netanyahu of Israel in Joint Press Conference." The White House. 15/2/2017. at: https://bit.ly/31qv96J
"Remarks by President Trump and Prime Minister Netanyahu of Israel in Joint Press Conference." The White House. 15/2/2017. at: https://bit.ly/2CW1tF3
Rose, David. "The Gaza Bombshell." Vanity Fair. 3/3/2008. at: https://bit.ly/3laY3zA
"Secretary Michael R. Pompeo Remarks to the Press." U.S. Department of State. 18/11/2019. at: https://bit.ly/32gu8x6
"The President's Speech in Cairo: A New Beginning." The White House. 4/6/2009. at: https://bit.ly/2YtIqcX
Waldman, Peter & Hugh Pope. "'Crusade' Reference Reinforces Fears War on Terrorism is Against Muslims." The Wall Street Journal. 21/9/2001. at: https://on.wsj.com/2CTkAj1
Wittes, Tamara Cofman. "The New U.S. Proposal for a Greater Middle East Initiative: An Evaluation." Brookings. Middle East Memo. 10/5/2004. at: https://brook.gs/2YudskC