Return to Article Details American Aims and Strategies in the Arab World

أهداف الولايات المتحدةّ واستراتيجياتها في العالم العربيّ

Israel and the Geostrategic Changes in the Arab World

مروان بشارة *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى تحديد مصالح الولايات المتّحدة وأهدافها في المنطقة العربيّة من خلال العمل على الإجابة عن سؤالين رئيسين: الأوّل، ما هو الاختلاف بين إدارة أوباما وسابقاتها في ضوء وعودها بالتغيير، خاصةً بعد التحولّات المأساوية التي تعصف بالمنطقة العربيّة حاليًّا؟ والثاني، إلى أيّ مدى تعكس إستراتيجية هذه الإدارة، دبلوماسيتها العامّة بشأن الديمقراطية والحرّية والعدالة في المنطقة؟ (لا تتطرّق الدراسة إلى الموقف السياسي الكامن وراء السياسات، بما فيها دور مجموعات الضغط). تبيّن الدراسة كيف يعالج البحث موضوع الطائفيّة بوصفها نظامًا علائقيًّا خاصًا يقوم بين السلطة والمجتمع رفع أوباما سقف التوقّعات عندما لم تقتصر وعوده على تغيير سياسة الولايات المتحدة من جهة، والمجتمع والفرد من جهة أخرى، وهي انعكاس لخريطة توزيع القوة، وأثرُ من آثار الخارجية فحسب، وإنما شملت وضع حدٍّ للعقلية التي دفعت بواشنطن إلى الحرب. فعلى تعريف الفرد وتحديد موقعه ومكانته في المجتمع، والحدود المسموح له بممارسة فعله الرغم من اختلاف الأسلوب والمنهج لدى إدارة أوباما عن سلفه بوش الابن، إلا أنّ الأهداف عنها فشل الدولة في أداء مهماتها كدولة. تتعرض الدراسة لتعدد الإشكاليات الطائفيّة الكلّية والإستراتيجيات الإقليمية للإدارة الجديدة بقيت منسجمة مع المبادئ الأميركيّة في العالم العربيّ بتعدد طوائفها الكبرى: بين شيعيّة أخذت تتضخم خصوصيتها إلى التقليدية في المنطقة التي تتلخّص في ثلاث مصالح رئيسة: أولوية ضمان حرّية الوصول درجة التقوقع خارج مجال الدولة، ومسيحيّة متوجسة من واقعها فأخذت تبحث لنفسها عن إلى مصادر الطاقة في المنطقة، والحفاظ على تفوّق الولايات المتّحدة على جميع أمانٍ داخليّ أو خارجيّ يحميها، وسُنيَّة لا تزال فكرة الحكم السلطانيّ- الذي يغلّب ثقافةً القوى الدولية والعالمية، واحتواء جميع قوى الممانعة العربيّة لضمان سيطرة الأجندة على أخرى مقابل التسليم بحكم مطلق- تداعب مخيلة الإسلاميّين. الإستراتيجية الأميركيّة في المنطقة العربيّة، ومن بينها ضمان أمن إسرائيل.

Abstract

Israel is following the strategic changes in the region arising from the Arab revolutions with great anxiety. It is aware that its chances to control the process of change underway, and all the changes arising from it, are limited. Despite this, it is trying its utmost to minimize the negative effects of these changes on its standing in the region. This article deals with Israeli positions towards these geostrategic changes, foremost among them the fall of a number of dictatorial regimes, some of which Israel relied upon to guarantee its security. The establishment of democratic regimes in a number of Arab states threatens to disrupt the balance that was tipped in favor of Israel's security. Examined in this study is the decline of American influence in the Arab region, the prospect of change in Israeli-American relations, as well as the possibility of Israel losing its monopoly over non-conventional weapons because of the Arab Spring. To conclude, a review of the Israeli position on the revolution in Syria is also offered.

الكلمات المفتاحية:
  • الثورات العربية
  • إسرائيل
  • التغيرات الجيوستراتيجية
Keywords:
  • Arab Revolutions
  • Israel
  • Geostrategic Changes

مقدّمة

في مطلع ولايته الأولى، تعارضت سياسة أوباما مع توجّهات سلفه الجيوسرتاتيجية بشدّة، ولاسيّم تلك المتعلّقة بنشر القوّات البرّية واستخدام القوّة النارية في الشرق الأوسط الكبير لفرض التحوّل في العالم العربيّ بالإكراه والاحتلال المباشر. رحّبت شعوب المنطقة وحكوماتها إضافةً إلى العالم قاطبةً، باستثناء إسرائيل، بوعود التغيير في مجال السياسة الخارجية والقطيعة النهائية مع عقيدة بوشالقاضية بتفرّد الولايات المتّحدة، في الوقت الذي تستطيع فيه العمل مع أطرافٍ متعدّدة، ولم يكن العرب استثناءً. إذ كان الكثري منهم توّاقًا لرؤية نهاية عهد بوشومعجبًا بمسرية باراك أوباما، الرجل الأسود الذي ارتقى اجتمعيًّا، حتّى أصبح رئيسًا للقوّة العظمى الوحيدة في العالم، بعد أن كان ناشطًا منظاّمللمجتمعات المحلّية الفقيرة.

أمّا خُطب الرئيس أوباما الثلاثالرئيسة الموجّهة إلى العالمين العربيّ والإسالميّ التي ألقاها خلال سنته الرئاسية الأولى، فقد رأت فيها واشنطن وعواصم أخرى تحواّلً عن عهد بوش، وتأكيدًا على استعداد الإدارة الأميركيّة الجديدة لفتح صفحةٍ جديدةٍ مع العالمين العربيّ والإسلاميّ قائمة على الاحترام والمصالح المتبادلة. بيد أنّ هذه الكلمت البرّاقة لم تترافق مع أيّ فعلٍ ملموسٍ أو محدّد. ففي الوقت الذي عُرف فيه بوش بتعرثّاته السياسية الكربى، افتقر الرئيس أوباما عند تسلّمه مهامّه، إلى أيّ سياسة محدّدة، ولم يكن يملك الوضوح المطلوب للتعبير عنها. في نهاية عام 010 2، بدا العالم العربيّ مفتقرًا للقيادة، غارقًا أبدًا في الركود والاستقطاب والاضطهاد. وواصل المستبدّون العرب تسابقهم سعيًا لاسرتضاء الولايات المتّحدة التي احتوتهم ضمن نظامها الإقليمي الفوضوي. وأغفلت واشنطن تمامًا التغّيرّات التي هزّت المنطقة تمامًا، نظرًا لتعاملها الطويل مع المنطقة من منظور النفط وإسرائيل و"الحرب على الإرهاب". لكن ذلك لم يمنع إدارة أوباما من أن تدَّعي بوقاحةٍ في البداية، أنّ الفضل في انطالق الثورات العربيّة السلميّة إمنّا يعود إليها؛ بل سرّبت إلى الجسم الإعلامي في واشنطن لدى اندلاع الانتفاضات، أنها منهمكةٌ في وضع اللمسات الأخيرة على الأجندة الرسمية للديمقراطية للعالم العربيّ. ونسب العديد من الخبراء النافذين "إسرتاتيجية أوباما في عدم التدخّل وخطاباته "الملهمة" إلى نهوض الحركات الديمقراطية الشبابية.

تأسيس نموذج الاختلاف

الدبلوماسية العامّة للولايات المتحدة وإستراتيجيتها في العالم العربيّ

لطالما شهدت سياسة الولايات المتحدة الأميركيّة تعارضًا بين إسرتاتيجيتها في العالم العربيّ ودبلوماسيتها العامّة فيه. فطوال نصف القرن المنصرم، تبنّت الولايات المتحدة مكافحة الشيوعية وروّجت لها علنًا (ترومان، وأيزنهاور، ونيكسون). ودافعت عن حقوق الإنسان (كارتر) والتحرّر (ريغان) والسالم (كلينتون) والحرّية (جورج بوش). وفي الوقت نفسه، حرّضت واشنطن على تدبير الانقلابات على قادةٍ وطنييّن منتخبين، ودعمت أنظمةً قمعية وساندت الاحتلال العسكري، كم شنّت حروبًا وعمليّاتٍ عسكريّةً سرّيةً غير شرعيةٍ في المنطقة. إذ اعترفت كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الرئيس بوشفي كلمتها في القاهرة 005 2 بما يلي:

لقد سعت بلادي- الولايات المتّحدة - لمدّة 06 عامًا إلى بسط الاستقرار على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة من الشرق الأوسط، ولكنها لم تحقّق أيًّا منهم.

عندما تبوّأت الولايات المتحدة موقعَ القوى الاستعمرية الأوروبيّة منذ أكر من نصف قرن، دأبت باستمرار على تعزيز تدخّلها الإستراتيجي في المنطقة الذي بلغ ذروته في حريبَالخليج الأولى (9911) والثانية 003(2). وحافظت واشنطن على ثبات أهدافها حتّى عندما عمدت إلى تغيريخطابها أو إسرتاتيجيتها أو تحالفاتها، فحدّدت أهدافها في عقيدتها المعلنة وركّزت على النهوض بمصالحها الجيوسياسية. وبغية

تنفيذ تلك الأهداف، كان عليها أن تبقي على أسطولها وقواعدها وانتشار قوّاتها في المنطقة لحمية وجودها الدائم فيها، وإبعاد الاتحاد السوفياتي والقوى الأخرى عنها، وصدّ موجة القومية العربيّة (والمدّ الإسلاميّ لاحقًا). وقدّمت واشنطن مصالحها الاقتصادية بصورةٍ ملحوظة، ما ضمن لها امتياز الوصول بحرّية ومن دون عوائق إلى مصادر الطاقة في المنطقة. إذ أعلن الرئيس أوباما في كلمته في 9 1 أيار/ مايو 011 2:

على مدى عقودٍ من الزمن، انتهجت الولايات المتّحدة العمل على مجموعة من المصالح الجوهرية في المنطقة، هي مكافحة الإرهاب ووقف انتشار الأسلحة النووية؛ وضمن حرّية حركة التجارة؛ وضمن أمن المنطقة؛ والذود عن أمن إسرائيل؛ والسعي لسلامٍ عربيّ إسرائيليّ.

وقد غذّت الولايات المتّحدة منذ منتصف القرن العشرين، معارك لا تُعدّ ولا تُحصىفي العالم العربيّ، متذرّعةً بدايةً بالحرب الباردة ضدّ الشيوعية، ثمّ بمكافحة القوميّة العربيّة لتحمي حلفاءَها وعملاءَها ولإبعاد القوى العالمية والإقليمية الأخرى عن المنطقة. وكان على العرب أن يختاروا في كلّ عقدٍ تقريبًا، بين واشنطن وأحد "الأشرار" الإقليمييّن الذين تحدّدهم واشنطن. وانقسموا بالتالي وفقًا لتأييدهم لعبد الناصر في مصر في أوائل الستينيات، ولعرفات في فلسطين في أوائل السبعينيات، وللخميني في إيران في أوائل الثمنينيات، ولصدّام حسنيفي العراق في التسعينيات، ومن ثمّ بن لادن في أفغانستان في عام 001 2. وللمفارقة، لم تتبنَّ الولايات المتّحدة يومًا "سياسةً عربيّة" رسميّةً قائمةً بذاتها، على الرغم من تدخّلها الطويل في المنطقة ووجود من يُعرف ب"المستعربين" في وزارة الخارجية، فهي قد اعتمدت في الواقع، الإسرتاتيجية الإمبريالية الكلاسيكية "فرّقْ تَسُدْ" بالتعاون مع عملاء إقليمييّن، عرب وغير عرب. نبذت واشنطن تقليديًّا الوحدة العربيّة، إذ رأتها فكرةً خياليةً تحمل تهديدًا، كم رفضت الأيديولوجيا الخطرة للقوميّة العربيّة. كم نظرت إلى الإسلام السياسي نفسه بصفته تهديدًا وأرضيّةً خصبةً للأفكار المعادية للغرب. صحيح أنّ الإدارات المتعاقبة للولايات المتّحدة أطلقت شعاراتٍ ورواسم عن الديمقراطية والإسلام، إلا أنّها أبدت دومًا لامبالاة تجاه شعوب المنطقة وتجاه طغاتها، إذ استحوذت مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية و"أمن إسرائيل" على جلّ اهتممها، تاركةً العرب تحت وطأة أنظمتهم. وعندما كانت الإدارات الأميركية تدعو للديمقراطية، كانت تروّجها كدبلوماسيّةٍ عامّةٍ تعزّز "القوّة الناعمة" للولايات المتحدة. وكانت تسوّقها "سلعةً" جاهزةً متوفّرةً لدى وزارة الخارجية الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمنظّمت غير الحكومية التابعة لهم، بغية تشييدها على أنقاض السيادة الوطنية. من ناحيةٍ أخرى، سرعان ما أثبت غزو العراق وأفغانستان واحتلالهم، أنّ اللجوء إلى "القوّة الصلبة"، من خلال شنّ الحروب في سبيل تعميم الديمقراطية الأميركية، لم يكن سوى مهزلة. إذ أصيبت الإدارة الأميركية بالإرباك نتيجة الانتخابات في مصر وتونس والمغرب، فاحتارت بين اعتمدها القوّة الناعمة أو القوّة الصلبة، تمامًا كم تجاهلت في الماضي الانتصارات الانتخابية للجبهة الإسلاميّة للإنقاذ في الجزائر ولحمس في فلسطين، إضافةً إلى الحكومة الائتلافية التي يشارك فيها حزب الله في لبنان. وكانت واشنطن قد استاءت أيضًا من نتائج الانتخابات في العراق وأفغانستان. كلّ ما سبق، حال دون أن يثق العرب بالخطاب الأميركيّ بشأن الديمقراطية، علامأنّ حكوماتٍ نيابيةً عربيّةً تمثيلية، ستكون أقلّ استعدادًا لقبول الإمالءات الأميركية، وأكر ميلا لمعارضة محور الولايات المتّحدة - إسرائيل. فقد أكّدت استطلاعات الرأي باستمرار عداء العرب لخطط واشنطن في المنطقة، إذ رأى نحو %80 ممّن شملهم الاستطلاع، أنّ تدخُّل الولايات المتّحدة العسكري عزّز الإرهاب وقلّص فرص السلام، بينم شكّك %70 منهم، في صدق نيّتها في تعميم الديمقراطية، وأرجعوا دوافعها إلى طموحها لتحقيق السيطرة الإقليمية. ولو أنّ تحالفًا يضمّ الدول الإسالمية غزا كندا والمكسيك واحتلّهم، لغضب الأميركيّون حتم1.

موجز تاريخي ضروري

قامت الإسرتاتيجية الأميركيّة في المنطقة العربيّة منذ لحظة تدخّلها الكثيف فيها، على دعامتين هم: احتواء التوسّع السوفياتي، وضمن تدفّق النفط الرخيص. فقد أقرّ الرئيس ترومان بأهمية نفط الخليج في خطابه أمام الكونغرس في 24 أيار/ مايو 951 1، إذ أعلن أنّ الشرق

  1. الإيرانيون يفضّلون علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، ولكن ثقتهم بأوباما ضعيفة"، استطلاع رأي أجرته جامعة ميريلاند، الرأي العام العالمي، 9 1 أيلول/سبتمبر.2009 (باللغة الإنكليزية) http://www.worldpublicopinion.org/pipa/articles/brmiddleeastnafricara/639. php

الأوسط "يحتوي على نصف احتياطيات النفط في العالم"، وحذّر أيضًا من الضغوط السوفيتيّة في هذه المنطقة المضطربة. في النصف الأوّل من خمسينيات القرن الماضي، راهنت أميركا على ما يسمّى الدول العربيّة "المعتدلة". فأوصىترومان بمستويين من التحالفات العسكرية الإقليمية: قيادة الشرق الأوسط المستوحاة من النموذج البريطانيّ، ومنظّمة الدفاع عن الشرق الأوسط التي عُرفت أيضًا بحلف بغداد. وشمل هذا التحالف تركيا والعراق الملَكيّة (الخارجة عن الصفّ العربيّ) وباكستان، وانضمّت إليه إيران لاحقًا عام 955 1. ورفضت مصر هذا الحلف؛ في حين تفاقم الوضع عام 955 1 بسبب الغارات الإسرائيليّة على غزّة التي كانت حينها تحت السيطرة المصريّة. وحذا الرئيس أيزنهاور حذو ترومان، ووثّق إلى حدٍّ كبيرٍ العلاقات الأميركية مع الحلفاء العرب، وخفّف الاعتمد على بريطانيا من دون المساس بمستوى العداء لمصر القومية العربيّة، ووسّع الدور العسكري الأمريكي في المنطقة معزّزًا تدخّل بلاده فيها، بغية مواجهة التهديدات الخارجية العدائية. وقد تخيّلت عقيدة كلٍّمن أيزنهاور وترومان دورًا رئيسًا للحلفاء العرب في حمية المصالح الأميركية وفي مواجهة الاتّحاد السوفياتي في المنطقة، ودورًا صغيرًا غريمهمّ لإسرائيل. وبالفعل، وفي أعقاب الهجوم الثلاثيالذي شنّته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر عام 9561، ضم أيزنهاور صوته إلى الاتحاد السوفياتي للمطالبة بإعادة جميع الأراضي المحتلّة إلى مصر، وإجبار إسرائيل على الانسحاب إلى الحدود الدولية. استحالت عقيدة أيزنهاور بما تشمله من طلبٍ لسلطاتٍ استثنائيةٍ تسعى إلى الحدّ من تنامي النفوذ السوفياتي في المنطقة، قانونًا أقرهّ الكونغرس الأميركي في آذار/ مارس 957 1؛ ما أدّى إلى تعزيز علاقات الولايات المتّحدة بالمملكة العربيّة السعوديّة والأردن ولبنان والعراق بغية مواجهة سورية ومصر، وللحدّ من التدخل المصريّ في اليمن. وبدأت السياسة الخارجية الأميركيّة تولي البلدان المعنيّة اهتممًا خاصًّا، من خلال تدخّلها المباشر في لبنان لصالح الرئيس كميل شمعون ضدّ ما وصفه بالدعم السوريّ لتمرّد عام 958.1 وساهمت الولايات المتّحدة أيضًا في زعزعة التحالف السوريّ المرصيّ وتبديد تقارب البلدين مع الاتّحاد السوفياتي. فتناولت بعض التقارير تواطؤ الولايات المتّحدة للإطاحة بعبد الكريم قاسم، فيم أكّدت تقارير أخرى علم الولايات المتحدة بانقلابات 963 1 دون أن تحرّك ساكنًا. إلا أنّه منعًا لأيّ التباسٍ، لن تتطرّق الدراسة لتلك الانقلابات. وقد قدّمت الولايات المتّحدة مساعداتٍ جديدةً للأردن وفق عقيدة أيزنهاور، بعد أن أحبط الملك حسين العملية الديمقراطية في مملكته وألغى نتائج انتخابات 957 1.

الحروب بالوكالة والصراع العربيّ الإسرائيليّ

نتيجةً للمحاولات الفاشلة لاحتواء معسكر القومية العربيّة في أوائل الستينيات، بما فيها فشل التقارب مع مصر الناصرية، اضطرّت واشنطن إلى إنشاء علاقات أوثق مع إسرائيل. تدخّلت الولايات المتحدة في شؤون المنطقة منذ الخمسينيات، لبسط نفوذها عليها بدالمن الدول الأوروبية الحليفة الآفلة بغية احتواء التأثير المتنامي للقومييّن العرب والنفوذ السوفياتي، والتزامًا منها نحو إسرائيل. واعترفت حكومة أشكول بالولايات المتّحدة قوّةً عظمى صاعدة، وراعيًا إسرتاتيجيًّا محتماللها، بديالً عن النفوذ الآفل لراعييْها الاستعمريّينْبريطانيا وفرنسا. لقد عربّت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن ذلك أفضل تعبير قبل حرب 967 1 بعامٍ واحد، إذ حدّدت الأساس الجيوسياسي لما أصبح العلاقة التبعية الأكر أهمّية في الشرق الأوسط طوال النصف الثاني من القرن العشرين. صرّح المتحدث باسم الخارجية الإسرائيليّة لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية قائالً:

توصّلت الولايات المتّحدة إلى استنتاج مفاده أنّه لم يعد بإمكانها الردّ على جميع الأحداث في العالم، وعليها أن تعتمد على قوّةٍ محلّيةٍ تكون بمنزلة قوّة ردعٍ صديقة تشكّل خطّ الدفاع الأوّل الذي يدرأ مخاطر التدخّل الأميركيّ المباشر. وتشعر إسرائيل أنّ هذا التعريف ينطبق عليها2.

ومنذ ذلك الحين، دعمت العقائد الرئاسية الأميركية عمومًا إسرائيل وإيران، والسعودية لاحقًا، على حساب العالم العربيّ، ووسّعت حدودها الجغرافية والإسرتاتيجية - الاقتصادية. إالّ أنّ هناك عاملينْ إسرتاتيجيّينْ عجلّا حرصها على بناء علاقةِ تبعيّةٍ جديدة مع إسرائيل: أوّلهم، تمتُّع إسرائيل بالتفوّق العسكري على جميع جيرانها قبل عام 967 1؛ وثانيهم، استغلال ما تتيحه قوّة إسرائيل لعرقلة نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط عن طريق تدمير جيوش حلفائه وعملائه وتجهيزاتهم السوفياتية3.

  1. نيويورك تايمز، 12 حزيران/يونيو.1966
  2. Green Stephen, Taking Sides , (1984), pp. 168-169, 174.

في أعقاب حرب 967 1، أعجب الرئيس جونسُون بنجاح إسرائيل في هزيمة عميلينْسوفياتيّينْ، هم سورية ومصر، في غضون ستّة أيامٍ فقط، مستخدمةً أسلحةً أميركيّةً وغريأميركيّة. بعد تلك الحرب، منحت واشنطن إسرائيل دعامسياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا غير مسبوق، وباتت ترى العالم العربيّ من منظور إسرائيل والصراع العربيّ الإسرائيليّ. وغدا واضحًا أيضًا أنّ سياستها تجاه العالم العربيّ ستكون رهينة حسابات واشنطن للحرب الباردة. لم يُبدِ الرئيس الأميركيّ نيكسون اهتممًا خاصًّا بالعلاقات الإستراتيجية بإسرائيل. بل إنّه، وفقًا لمستشار الأمن القومي هنري كيسنجر، رأى في نصر عام 967 1 كسبًا للسوفييت الذين "أصبحوا أصدقاء العرب في حني تحوّلت الولايات المتّحدة إلى عدوٍّ لهم". وشبّه نيكسون في خطابٍ ألقاه في 72 كانون الثاني/ يناير 969 1، الشرق الأوسط "ببرميل بارودٍ شديد الانفجار" لأنّه كان يعتقد "أنّ الانفجار القادم في الشرق الأوسط قد يتضمّن مواجهةً بين القوى النوويّة." ولكن إذا قُدِّر لذلك أن يحدث، كان على الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تستعدّ لمواجهة أيّ تحدّياتٍ إسرتاتيجية قد تبرز في المنطقة. ولم يدعم كيسنجر، ولا نيكسون لاحقًا، خطّة وليام روجرز الدبلوماسية من أجل حلّ الصراع العربيّ الإسرائيليّ على أساس قرار الأمم المتّحدة 242، علامأنّ روجرز كان وزير خارجية الولايات المتّحدة وقتذاك. وأسرّا للقادة الإسرائيلييّن ألا يلقوا بالا لتلك الخطّة حتّى ولو وافق عليها عبد الناصر4.

النفوذ الإقليمي

ضمنت واشنطن التفوّق العسكري لإسرائيل وإيران وتبنّتْهم "شرطيّينْ إقليميّْينْ" أو "نفوذين إقليميّينْ" بغية إضعاف النظام القومي العربيّ والتحالف السوفياتي العربيّ. يُعرف ذلك التوجّه أيضًا بعقيدة نيكسون التي حَدّدتْعلى مدى عقدٍ من الزمن (979-19691) سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وُضعت عقيدة نيكسون عام 9691 نتيجةً لتنامي المعارضة الداخلية في الولايات المتّحدة بسبب تدخّلها العسكري في فيتنام، بهدف الحدّ من تدخّل الولايات المتّحدة المباشر في الخارج، من خلال بناء تحالفاتٍ إقليميّةٍ تتوىلّالدفاع عن المصالح الأميركيّة الحيويّة في جميع أنحاء العالم. ولقد أدّت هذه العقيدة في الشرق الأوسط، إلى تفويض دولتينْ، هامإسرائيل وإيران، للدفاع عن مصالح الولايات المتّحدة في المنطقة. أمّا دور إيران الشرطي الإقليمي في منطقة الخليج، فتقرّر حين أعلنت بريطانيا نيّتها الخروج منها في مطلع السبعينيات. بينم تعزّز الدور الممثل لإسرائيل عندما تعاون الإسرائيليون لإنقاذ عرش الملك حسني إبّان أزمة عام 970 1 حين أوشك مقاتلو منظّمة التحرير الفلسطينيّة المدعومون من سورية على الإطاحة به5. تجاهلت الولايات المتّحدة اقتراحات الرئيس المصريّ أنور السادات عام 971 1 بشأن سالمٍ يقوم عىلتنفيذ قرار مجلس الأمن 242، وأصرّت عىلألا تقدّم إسرائيل أيّ ردٍّ إيجابيٍّما لم تخرج مصر من الفلك السوفياتي. صحيح أنّ عقيدة نيكسون - كيسنجر التي ارتبطت بفيتنام بصورةٍ رئيسة، حدّدت إستراتيجية "الفتنمة" - أي جعل فيتنام الجنوبية تتوىلّمهمّة الحرب مع فيتنام الشاملية بدالً من الولايات المتّحدة - في تسليح وكلائها الإقليميين ودعمهم بغية تنفيذ سياستها وصيانة مصالحها وشنّ حروبها، ولذلك جعلت إسرائيل حجرَ الزاوية في سياستها تجاه المنطقة العربيّة. فقد ادّعى كيسنجر أنّ نيكسون أراد تعزيز قوّة إسرائيل فقط "لأنه لم يرغب في أن تضطرّ الولايات المتحدة إلى خوض معارك إسرائيل". وقال كيسنجر إنه عندما أصبح السوفييت أكر تورّطًا (في "حرب الاستنزاف" المصريّة):

كان علينا مواجهة السوفييت والمتطرّفين العرب، وإلا لبدت التنازلات الإسرائيليّة وكأنها نتيجة تدخّل القوّات السوفياتية6.

يعّبرّ الردع الإسرائيلي للتدخّل السوريّ أو للانتصار الفلسطينيّ في أزمة 970 1 في الأردن، "عن نموذجٍ للخدمات الإسرتاتيجية التي يمكن [لإسرائيل] تقديمها للولايات المتّحدة". وكان ذلك بمنزلة الدليل الحاسم على قدرة إسرائيل على أداء الدور الإقليمي الذي تطلبه منها الولايات المتّحدة. وقد حاول كيسنجر التخفيف من الأذى المحتمل الناجم عن الأعامل الإسرائيليّة؛ إلا أنّه بدالً من ذلك، عربّعن إيمانه بالأهمّية الإستراتيجية لإسرائيل من خلال رفعه التوصيات التالية:

ضمن الردع الإسرائيلي، وتزويدها بالأسلحة على المدى الطويل، والتعهّد بعدم إجبارها على الخضوع لتسوية لا ترتضيها، وجعل مساعي روجرز المتواصلة "عقيمة" وتقليصها لتقتصر على ترتيبات جزئيّة7.

ونجمت عن تورّط إسرائيل كوكيل للولايات المتّحدة في حرب 9731، آثارٌ مأساوية. إذ اقتنع كيسنجر في 9 تشرين الأوّل / أكتوبر 973 1

  1. Kissinger Henry, White House Years, (Boston: Little Brown, 1979), p. 564, Department of State Bulletin 17/2/1969,p.142-143
  2. Steven Spiegel, The other Arab-Israeli conflict, (1985), pp. 196-203.
  3. Kissinger Henry, White House Years, (Boston: Little Brown, 1979), pp. 371; p. 570-571.
  4. Mansour Camille, Beyond Alliance, (New York: Columbia University Press, 1994), pp. 99, 104-105.

أنّ "إسرائيل تعرّضت لهزيمةٍ إسرتاتيجية بغضّ النظر عامّ ستؤول إليه الأحداث"، فباتت أكر اعتمدًا على حمية واشنطن وعلى مساعدتها المباشرة، وذلك أكر من أيّ وقتٍ مضى، من أجل القيام بالمهمت التي توكلها إليها الولايات المتحدة. فهزيمة إسرائيل الإستراتيجية، تعني هزيمة الولايات المتّحدة. وقد دعا كيسنجر الولايات المتّحدة الأميركية وقتئذٍ إلى "إعادة تقييم جوهرية للإسرتاتيجية"، مشيرًا إلى أنّ "هزيمة إسرائيل بواسطة الأسلحة السوفياتية ستكون بمنزلة كارثةٍ جيوسياسية للولايات المتّحدة"8. اتّخذت الحكومة الأميركية أثناء حرب 9731 جميع إجراءات التأهّب النووي الضرورية من أجل دعم إسرائيل؛ فزوّدتها بكمّيات كبيرة من الأسلحة الجديدة بواسطة جسرٍ جويٍّطارئربطها بالولايات المتّحدة، في الوقت الذي كان فيه القتال دائرًا، وكانت مصر تتقدّم في الجنوب، بينم انشغلت وحدات كبيرة من القوّات الإسرائيلية على الجبهة السوريّة. تحرّكت إدارة نيكسون - كيسنجر في الأيام الأخيرة للحرب، لوضع القوّات الأميركيّة ولاسيّم الفرقة 82 المحمولة جوًّا في حالة تأهّب، وأرسلت حاملات طائراتها إلى شرق البحر المتوسّط، ما أرعب السوفييت حتّى شكّوا في أنّ القيادة الأميركيّة قد أصابها مسّ من الجنون. لا شكّ في أنّ تلك التدابير عربّت عن التزام أميركا العميق بضمن عدم هزيمة إسرائيل، وإن كان البعض قد عزا ذلك إلى حسابات داخلية لدى نيكسون تتعلّق بأزمة ووترغيت؛ إالّأنّها في الواقع عزّزت موقع إسرائيل مقارنةً بوضعها قبل نشوب الحرب. إذ بات من المستحيل على العرب إعلان انتصارهم، وضمنت الولايات المتّحدة حاجتهم للبقاء تحت رحمة الدبلوماسية الأميركيّة بعد الحرب9. بدت سياسة "الخطوة خطوة" التي دشّنها كيسنجر بين إسرائيل ومصر جذّابةً، لأنّها وفقًا لكميل منصور في كتابهأكثر من تحالف "أتاحت إبقاء العرب، في موقع التوسّل لأطول فترةٍ ممكنة، أمام الولايات المتّحدة التي تملك مفتاح التسوية، وأجربت العرب على دفع أغلى ثمنٍ ممكنٍ لواشنطن مقابل استعادة مساحات صغيرة من الأراضي، وسمحت لإسرائيل باستعادة عافيتها تدريجيًّا نتيجة صدمة الحرب، وأتاحت لها تقديرًا دقيقًا للنتائج المحتملة لكلّ خطوةٍ من خطوات كيسنجر، لتستطيع القيام بردٍّ أفضل على الخطوة التالية". وقد أصبح جليًّا منذ منتصف السبعينيات أنّ حساباتٍ إسرتاتيجية أساسيّة تتجاوز الصراع العربيّ الإسرائيليّ، تكمن وراء سياسة واشنطن ومساعي وساطتها، ولا تتعلّق بالسلام بمقدار ما تتعلّق بالمصالح10.

عزّزت الولايات المتّحدة شبكة وكلائها من خلال دعم عملائها العرب غير الديمقراطييّن وتسليحهم، مقابل تأمين خدماتٍ إستراتيجية وأمنية واستخباراتية ودبلوماسية واقتصادية. عُرفت تلك الأنظمة بالأنظمة "المعتدلة" بغضّ النظر عن نظام حكمها الاستبدادي وانتهاكاتها لحقوق الإنسان والحقوق السياسية. ولكن النفعية بقيت عامالثًابتًا في السياسة الخارجية للولايات المتّحدة، لأنّ "الأنظمة الاستبدادية تشكّل محطّةً جامعةً تقدّم جميع الاحتياجات، ما يسهّل كثيرًا التعامل معها مقارنةً بالمجالس النيابية ووسائل الإعلام غير القابلة للضبط"11. وأصبح "إرهابيًّا" كلّ من رفض اقتراحات الولايات المتّحدة أو مبادراتها، إذ هُوجم أو قُوطع أو أبعد، بغضّ النظر عن العقيُدة أو القاعدة الشعبيّة. كم تبدّلت قائمة المعتدلين والمتطرّفين بين الحين والآخر، بناءً على "إصلاحات" في سياستهم الخارجية. فعُدّت مصر على سبيل المثال عدوًّا، بدءًا من الخمسينيات حتّى السبعينيات، غري أنّها سرعان ما تحوّلت إلى عميلٍ بعد فترةٍ وجيزة من توقيع اتفاقيّات كامب ديفيد عام 979 1.

منظور الحرب الباردة: دول معتدلة وأخرى متطرّفة

بيّنت جين كيركباتريك - مستشارة الرئيس الأميركي ريغان والسفيرة لدى الأمم المتّحدة في ما بعد - أنّ واشنطن قسّمت العالم العربيّ

  1. Kissinger Henry, Years of Upheaval , (Boston: Little Brown, 1982), pp.
  2. Stein Janice Gross, in David Welch (ed.) The Middle East and the United States, (Westview, Colorado, 1999), pp. 213-216.
  3. Mansour, Camille, Beyond Alliance, (New York: Columbia University Press, 1994), pp. 116.
  4. Traub, James, “The Myth of a Useful Dictator”, Foreign Polic y, (March http://www.foreignpolicy.com/articles/2011/03/18/the_myth_of_the_useful_ dictator1

في الثمنينيات إلى نوعين من الأنظمة: الأنظمة "الشمولية" والأنظمة "الاستبدادية. وأقامت إدارة ريغان علاقات وثيقة بالأنظمة الاستبدادية بغية القضاء على الأنظمة الشمولية. ارتقت الولايات المتّحدة بمكانة إسرائيل، لتغدق عليها قيمةً إستراتيجية على الرغم من - أو رمبّا بسبب - اعتداءاتها المتكرّرة الأحادية الجانب في المنطقة، بما في ذلك قصف المواقع النووية العراقيّة (9811) واجتياح لبنان (9821) والقمع الرهيب في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وأوضح ذلك بول وولفويتز، أحد أقطاب مثقّفي المحافظني الجدد في إدارة الرئيس ريغان، حين قال:

لقد استمعت في الأشهر القليلة الماضية إلى هراءٍ كثريٍ يفيد بأنّ هذه الأزمة بيّنت انتفاء حاجتنا إلى التعاون الإسرتاتيجي مع إسرائيل، بانتهاء الحرب الباردة وزوال الاتّحاد السوفياتي كتهديد رئيس. فقد اندلعت أزماتٌ إقليميّةٌ عدّة في الماضي، ولم يؤدّ فيها الاتحاد السوفياتي أيّ دور، فياماضطلعت إسرائيل بدورٍ حاسمٍ في حفظ الاستقرار، وقد تندلع أزمات مشابهة في المستقبل12.

أتاحت نهاية الحرب الباردة لواشنطن فرض "سالمٍ أميركيّ" جديدٍ في المنطقة. فتحرّكت بسرعة لتنشر نحو نصف مليون جنديّ في منطقة الخليج وطردت القوّات العراقيّة من الكويت بعد اجتياحها لها عام 990 1. ووجد العالم العربيّ نفسه مرّةً أخرى منقسما بين العراق والكويت، وانقسمت آراء الدول الأعضاء في الجامعة العربيّة بشأن قرار المشاركة في العمليات العسكرية في العراق، وتساوى عدد الدول الموافقة وعدد الدول المتحفّظة. وأبرزت الحرب دورَ الولايات المتّحدة بوصفها الشرطيّ الوحيد في العالم، كم بيّنت بوضوحٍ قدرتها على توجيه صفعةٍ قويّةٍ إلى الوحدة والنظام العربييّن. بعد فترةٍ وجيزةٍ، تغريّتصنيف الأنظمة العربيّة من دولٍ استبدادية معتدلة، وأخرى شمولية متطرّفة، ليستبدل في التسعينيّات بدولٍ مؤيّدةٍ أو بأخرى معارضةٍ "لعملية السالم" التي ترعاها الولايات المتّحدة، وهي مبادرة إقليمية تحوّلت إلى نظام الأمر الواقع للشرق الأوسط في الفرتة التي تلت الحرب الباردة. إلا أنّ الفشل المتوقّع للولايات المتّحدة في إنشاء "شرق أوسط جديد" على مقاس رغباتها ومحسوبٍ على إسرائيل، جعل عملية السلام الأميركي الدائم موضوعًا خلافيًّا. فقد حافظت واشنطن على المظهر الخارجي لعمليّة السالم بالتوازي - ورأت هي وإسرائيل في كلّ خطوةٍ عربيّةٍ مستقلّة، تبديدًا لجهدهم "السلمي". ولكن بعد مرور سبع سنوات وبعد توقيع سبعة اتفاقاتٍ موقّتة، غدا واضحًا أنّ هذا السالم الدبلوماسي كان غير كافٍ لتحقيق السلام، إلا أنّه ملائم تمامًا لعمليّة أدّت إلى شلّ عملية السلام، بعد فشل قمّة كامب ديفيد عام 000 2 واندلاع الانتفاضة الثانية. وفي غضون ذلك، مهّد انهيار الشيوعية وهزيمة - أو فشل - التمثيل السياسي للقومية العربيّة العلمنية، الطريقَ لصعود الإسلام السياسي في العالم العربيّ. وقد تبنّى هذا الإسالم السياسي العديدَ من البرامج القومية العلمنية العربيّة الشعبية والشعبوية، ولاسيّم مناهضة الإمبرياليّة ومعاداة الاحتلال والهيمنة الإسرائيليّة في المنطقة. وأفسحت هزيمة المشروع الناصري بدءًا من عام 967 1 المكانَ للإخوان المسلمين، تمامًا كم مهّد الإذلال الذي تعرّضتْله حركة فتح الطريقَ لحركة حمس، ومثلم سمح تراجع الجبهة الوطنية اللبنانيّة بصعود حزب الله. اتّسمت حقبة التسعينيات برعاية إدارة كلينتون "لعملية السلام". وعلى الرغم من الضجّة المثارة بشأن آفاق تحوّل المنطقة، وعرض ملامح "شرق أوسط جديد"، فقد فشلت العملية في تحقيق السلام. وبفضل رعاية الأمم المتّحدة للمنتدى الإقليمي، حافظت فكرة عملية السالم عىلزخمها حتّى في فترات توقّف المفاوضات. أمّا المهزلة، فكمنت في تصنيف مؤيّدي عملية السلام الأميركيّة معتدلين بينم صُنّف رافضوها متطرّفين.

"أسرلة" السياسات الأميركيّة في الشرق الأوسط

بعد هجمت 11 أيلول / سبتمبر في نيويورك عام 0012، كان على النظام العربيّ أن ينقسم مرّةً أخرى إلى دول "معنا وأخرى ضدّنا" في "الحرب العالميّة على الإرهاب" التي شنّتها الولايات المتّحدة. وقد أوجز بوشعقيدته في خطابٍ شهير له ادّعى فيه أنّ الحرّية في أميركا منوطة بقضيّة الحرّية في الخارج. وقُيّض للعقيدة الجديدة أن تطبّق في حربين أساسيّتين تميّزتا بانتشار عسكريٍّ أميركيٍّ واسعٍ في المنطقة بلغ ذروةً جديدةً في عام 003.2 وأدّى تطبيق "برنامج الديمقراطية" على ظهر الدبّابات وحاملات الطائرات إلى تدمير العراق وتمزيق نسيجه الوطني وإذكاء الكراهية وتفاقم المشاعر المعادية لأميركا في نهاية المطاف. وأدّى في الوقت نفسه إلى إضعاف التيّار العلمني والليبرالي في المنطقة، كم أدّى إلى التسبّب في وفاة مئة ألف عراقيّ على الأقلّ. حاولت إدارة بوشأيضًا أن تفرض على وكلائها في المنطقة، انتخاباتٍ ارتأت أنّها قد تؤدّي إلى مزيدٍ من الانفتاح السياسي أو "الحرّية" في

  1. Puschel Karen. U.S.-Israeli Strategic Cooperation in the Post-Cold War Era: An American Perspective, (Boulder, CO: Westview Press 1993). pp. 105

بلاد العرب والمسلمين، كم لو أنّ إجراء الانتخابات يُتوَّج بالديمقراطية. واستندت الولايات المتّحدة إلى مصر لإجراء انتخابات أكر انفتاحًا وطلبتْمن إسرائيل أن تسمح لحمس بخوض الانتخابات الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة. إلا أنّ الأمور سارت في اتّجاهٍ معاكس، إذ زُوّرتْ الانتخابات المصريّة 006-2005 2 وانتهى المطاف بسجن أغلبية أعضاء المجلس التشريعي الذين ينتمون إلى حركة حمس التي أطيح بحكومتها بالتواطؤ مع إدارة بوش. وبطريقةٍ ممثلة، حثّ بوش المملكة العربيّة السعوديّة على إجراء انتخابات، إلا أنّ الانتخابات التي أجريت كانت انتخاباتٍ بلديّة لا علاقةَ لها بالسياسة أبدًا. واهتزّت مصداقية بوشفي شأن الديمقراطية لدى إشادته بضيفه الرئيس بن علي في أثناء زيارته البيت الأبيض عام 004 2، إذ رأى فيه حليفًا في الحرب على الإرهاب، وأثنى على الإصلاحات التي قامت بها تونس والمتعلّقة "بحرّية الصحافة"، كم مدح عملية إجراء "انتخابات حرّةٍ وتنافسية" فيها.

وتبدّت ازدواجية القادة العرب في تقديمهم الولاء وتوفيرهم الدعم الضمني والصريح لسياسات بوشفي العراق وأفغانستان وفلسطين في سياق "حربه العالمية على الإرهاب"، مقابل تخيلّ الولايات المتّحدة عن الضغط عليهم من أجل التحوّل إلى النظام الديمقراطي. وأدّى فشل "برنامج الحرّية" الذي يسعى إلى تحقيق الحرّية بواسطة الحرب، إلى تعزيز النظام الاستبدادي في المنطقة بسبب استغلاله التفويض المطلق الذي منحته إيّاه حرب الولايات المتّحدة لقمع المعارضة السياسية الداخلية. وتسبّبت إسرتاتيجية إدارة بوشالتي تلت الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، والمتمثّلة في "نقل الحرب إلى أرض العدوّ" في إغراق المنطقة في حامّم دم مرعب أو، وفقًا لمصطلحات "المحافظين الجدد"، في "فوضى خالّقة"، كان الديمقراطيون الليبراليون والعلمنيّون أوّل ضحاياها. من جانبها، تولّت إسرائيل - متذرّعةً بمكافحة الإرهاب - زمامَ المبادرة لتصبح بطلة الحملة الصليبية ضدّ ما يُعرف في الغرب بالأصولية الإسالميّة. وبطبيعة الحال، يغدو كلّ شيء منطقيًًّا عندما يؤخذ في الحسبان إيمان بوشالصادق بأنّ شارون كان "رجل سلام". قد تكون إدارة بوشقد تطرّقت إلى التحوّل إلى النظام الديمقراطي، لكن الولايات المتّحدة دعمت في الواقع الحكّام المستبدّين من تونس إلى السعودية تحت ذريعة "الأمن القوميّ". وبحلول نهاية سنوات حربه الثمني، عمّق بوشوأركان إدارته من المحافظين الجدد13 الانقسامات الإقليميّة في إطار إسرتاتيجية الأمر الواقع التي عرّفتها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية ب"الفوضى الخالّقة." وأنذرتْبمزيدٍ من التشظّي في العالم العربيّ، ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل على المستوى الوطني الداخلي أيضًا، بدءًا بالعراق وانتهاءً بما شهدناه مؤخّرًا في السودان وفلسطين ولبنان والصومال. خلال هذه الفرتة، أطاحت واشنطن بأنظمة، وأقامت تحالفات مع أسوأ منتهكيحقوق الإنسان بهدف زعزعة الاستقرار، واحتكرت العملية السياسية الإقليمية، وتدخّلت في الشؤون الداخلية للدول التي تنعم بالسيادة، واجتاحت دوالمعادية.

  1. من اللافت أنّ بعض الخرباء والمثقفين قدّروا "برنامج الديمقراطية" الخاصّ بالرئيس جورج دبليو بوش، و ادّعى أنصاره أنه هو من زرع بذور التغيير عندما جعل قضيّة الديمقراطية في الشرق الأوسط إحدى أولويّات الأمن القومي الأميركي، وتعهّد بأن تبذل الولايات المتحدة كلّ ما يلزم من أجل قضيّة الحرّية. وكتب إليوت أبرامز مساعد بوش السابق لشؤون الأمن القومي في الشرق الأوسط في صحيفة الواشنطن بوستPost Washington الأميركية: "إن الثورة في تونس وموجة التظاهرات العملاقة في مصر والمسريات الأخيرة في اليمن تثبت بوضوح أنّ بوشكان محقًّا". فكتب صاحب العمود الصحفي تشارلز كراوثمر Charles Krauthammer الذي ينتمي إلى مجموعة المحافظين الجدد: "اليوم، يدعم الجميع من دون استثناء "برنامج الحرّية". بالطبع، لم يدعمها بالأمس سوى جورج بوشوتوني بلير وعصبة من المحافظين الجدد الذين يملكون طاقة استثنائية خالّقة، إذ تحدّوا المفهوم السائد عن الوضع الاستثنائي للعرب". (تشارلز كراوثمر "من برنامج الحرية إلى عقيدة الحرية"، واشنطن بوست، 0 1 شباط/فبراير 011 2. على الرابط التالي: http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2011/02/10/ AR2011021005339.html. وعقّب على الموضوع نفسه مجموعة معلّقين أمثال فريد زكريا من شبكة السي أن أن CNN الذي قال: "ولكن لا بدّ من إعطاء الرئيس جورج دبليو بوشحقّه. فقد لمس المشكلة، وآمن أنّ العرب ليسوا عاجزين وراثيًّا عن تحقيق الديمقراطية. وقد دعم القضيّة الكبرى للإصلاح العربيّ بواسطة القيم الأخلاقيّة الأميركية". (فريد زكريا، "مقابلة مع هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي"، نصوص من شبكة السي أن أن، 23 كانون الثاني/يناير 011 2). على الرابط التالي: http://www.cnnstudentnews.cnn.com/TRANSCRIPTS/1101/23/fzgps.01. html. وبدورها ردّدت مجلّة الإيكونوميست Economist البريطانية الفكرة أعلاه في مقالة بعنوان "هل جورج بوشعلى حقّ؟ مع اندلاع انتفاضة مصر، بدا فجأة ‘البرنامج العربي للحرّية’ أكر حكمة قليالً".

أوباما: التغيير الموعود

منذ مطلع عهد أوباما، بات التناقض جليًّا بين الخطاب والإستراتيجية. فالتزامه بالانسحاب من الشرق الأوسط الكبير تعرّض لاختباره الأوّل في أفغانستان. فبعد طول تمعّنٍ وتردّد، وسّع البيت الأبيض الإستراتيجية الأفغانيّة لتشمل أفغانستان وباكستان، وصعّد الحرب من خلال زجّه بفوج من 0 5 ألف جنديٍّ ألحقهم بإستراتيجية عسكرية أكر عدوانيّةً، لمكافحة التمرّد بقيادة الجنرال ديفيد بترايوس، وشملت انتشارًا واسعًا للقوّات إضافةً إلى حزمةٍ من الحوافز والتهديدات لمن رفض التعاون مع الاحتلال الأمريكيّ. وقد أطلق أيضًا حملةً جديدةً للطائرات من دون طيّار - وهي غير قانونيّة في رأي الأغلبيّة - غطّت جميع أنحاء المناطق الممتدّة من أفغانستان وصوالإلى اليمن، مرورًا بالصومال. وتحدّثالرئيس أوباما في الشرق الأوسط، عن علاقةٍ تقوم على "المصالح المشتركة والاحترام المتبادل" ولاسيّم مع إيران، بيد أنّه بحلول عام 010 2 بدأ في توجيه الإنذارات إلى طهران. ودعا أيضًا إلى تبنّي نهجٍ أكر واقعيّةً وأقلّ تدخاّلفي المنطقة، وأوضح أنّ الولايات المتّحدة لن تحاول فرض التغيري على الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء ولن تسعى إلى ممرسة التأثير السياسي عليهم بالقوّة. ولكنه التزم بتوسيع العمليات السرّية الأميركيّة في الشرق الأوسط (كم كشفت صحيفة نيويورك تايمز في أيار/ مايو 010 2). وناشد رئيس الوزراء الإسرائيليّ الصّلف بنيامين نتنياهو تجميد بناء المستوطنات اليهوديّة، ثمّ أنّبه لاحقًا، لكنّه استمرّ في توفير الدعم لإسرائيل بطرقٍ مختلفة ما جعله في الواقع أحد أصدقاء إسرائيل الأكر إخلاصًا في التاريخ الحديث.

البراغماتية الجديدة

تبنّت إدارة أوباما سياساتٍ براغمتيّةً تجاه الحكّام العرب المستبدّين بهدف تحقيق مزيدٍ من التعاون الإقليمي. وقد رأت في زيارة أوباما إلى مرص قبل 18 شهرًا من اندلاع الثورة، تأييدًا للرئيس حسني مبارك، الديكتاتور المريض البالغمن العمر 81 عامًا، والذي وصفه أحد المدوّنين المصرييّن بأنّه: "يحكم بالأحكام العرفيّة والشرطة السرّية وغرف التعذيب. ولا تستطيع أيّ كلمة قد يتفوهّ بها الأستاذ أوباما تغيير النظرة السائدة أنّ الأميركينييدعمون دكتاتورًا بتوفيرهم مساعدات سنويّة له تتجاوز المليار دولار"14. خلال جولته الأولى في المنطقة، أمل هذا الرئيس البراغمتي في تحسني العلاقات بالمستبدّين العرب من دون فرض أيّ مطالب أو شروطٍ في مجايلَحقوق الإنسان والديمقراطية. فقد زار أوباما الرياض قبل القاهرة، ووصف مبارك بأنّه "حليف قويّ الشكيمة"، وأشاد ب"حكمة العاهل السعوديّ وحفاوته اللطيفة". ولم تخفَ دلالة ذلك الثناء عن العالم العربيّ. وفي الواقع، قرّرت إدارة أوباما تقليص الميزانيات المخصّصة للمنظّامت غير الحكومية في العالم العربيّ، والتي سبقت دعم الديمقراطية في المنطقة. وتزامن انفتاح أوباما على العالم العربيّ وتوسيع نطاق الحرب في أفغانستان لتصل إلى باكستان، وتكثيف الهجمت بواسطة الطائرات دون طيّار في بلدانٍ مثل اليمن، وفشله في الوقت نفسه في الضغط على إسرائيل لتجميد زحفها الاستيطاني على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. وبحلول الربيع العربيّ، وصلت شعبيّة أوباما إلى أدنىمستوياتها بين الجمهير العربيّة التي سبق أن رأت فيه رجل دولةٍ واعدًا. وعند اندلاع الثورات العربيّة، بذلت إدارته جهدًا بائسًا كي تظهر بمظهر الداعم للجمهير العربيّة من خلال تسريبها إلى وسائل الإعلام، وبصورةٍ انتقائية، تقارير تفيد بوجود مخطّط أولّي للتحوّل إلى النظام الديمقراطي في العالم العربيّ.

الردّ الأميركي على الثورات العربيّة

اضطرّت إدارة أوباما، نتيجة التطوّرات المأساوية في تونس ومصر لإعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها في المنطقة. فم إن تجاوز البيت الأبيض الصدمةَ الأولى والغموضَ والالتباس، سعى للتمسّك بشركائه المستبدّين من خلال الدعوة إلى الإصلاح والانتقال السلمي. فحين افتتنالعالم "بالثورة" التونسيّة التي أطاحت بنظام بن علي التسلّطي، أبقت الحكومات الغربيّة على لامبالاتها الواضحة، أو أصيبت بالارتباك في أحسن الأحوال. عندما اجتاح التغيير مصر، تكرّرت الممطلة نفسها. وشكّل موقف الإدارة الأميركيّة هذا، تناقضًا مأساويًّا جليًّا مع موقفها الداعم "للانتفاضة" الإيرانيّة قبل عامين إذ كان فوريًّا وحمسيًّا. وعربّت ملاحظة

  1. حسام الحملاوي، "الوقت المناسب، المكان الخطأ"، نيويورك تايمز، (2 حزيران / يونيو 0092)، على الرابط التالي: http://www.nytimes.com/2009/06/03/opinion/03alHamalawy.html.

وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في شأن عدم انحياز الولايات المتّحدة خلال المواجهات التي عمّت إيران، عن النفاق الغربيّ المعتاد مقارنةً بتصريحاتها المتعاطفة مع التظاهرات في إيران عقب الانتخابات التشريعية عام 009 2. فعلى سبيل المثال، أعلن أوباما قائالً: "بالنسبة إليّ، من الخطأ التزام الصمت"15 تجاه القمع في إيران. صحيح أنّ ذلك لا يعني أنه اتّخذ موقفًا من الانتخابات الإيرانيّة، وأنّه كان في استطاعته أن يعربّبصراحةٍ أكبر، إلا أنّ واشنطن كانت متحمّسةً للثورة الخرضاء إذ رأت فيها حركةً موالية للغرب. ولم تبدأ الولايات المتّحدة ومعها زعمء غربيّون آخرون في اتّخاذ مواقفَ أكر وضوحًا والإدلاء بتصريحات متمسكة لصالح انتقالٍ سلميٍّ منظّمٍ للسلطة، إالّبعد أن تأكّدوا أنّ حلفاءهم آيلون للسقوط. إلا أنّ الولايات المتّحدة سرعان ما ارتبكت حين اتّضح لها أنّ هذه الانتفاضات هي ثوراتٌ تبرشّبقطيعةٍ تامّةٍ مع الماضي. فقد رأت فيها مخاطر متعدّدة ولم تلحظ فيها فرصًا يجب استثمرها والدفاع عنها ورعايتها. وتلعثم الرئيس أوباما قائالً: "لدى الولايات المتّحدة شراكةٌ وثيقةٌ مع مرص. وكان الرئيس مبارك متعاونًا جدًّا. نحن نتعاون في عددٍ من القضايا، ويضطلع أولئك المنتشرون في الشوارع بمسؤولية الاحتجاج سلميًّا". وأكّد نائبه جو بايدن: "مبارك ليس ديكتاتورًا"16. في حين علّق روبرت غيبس السكرتير الصحفي للبيت الأبيض: "نحن لسنا بصدد الاختيار بين من هم في الشوارع ومن هم في الحكومة"، وكأنه يساوي أخلاقيًّا بين الطغاة والمحكومين17. وعندما استوعبت الحكومة الأميركيّة أخريًا كنْه الانتفاضات التي كانت تجتاح الدول العربيّة، قرّرت إدارة أوباما اتّخاذ موقفٍ انتقائي يقضيبدعم التغيير في ليبيا وسورية، والتزام الصمت تجاه البحرين واليمن.

الموقف في ضوء النتائج

عندما فهمت إدارة أوباما أخيرًا خطورة التغيير الذي يجتاح المنطقة وأدركت نطاقه، بدءًا بتونس وصوالإلى اليمن، مرورًا بمصر والبحرين وليبيا وسورية، بدأت تؤكّد على خطاب التغيير الديمقراطي استجابةً لما بات يُعرف "بالربيع العربيّ"، وتحدّثت بصورةٍ إيجابية وحمسيّة عن دعم الديمقراطية، متخلّيةً بوضوحٍ عن براغمتيتها المبكرة وتواطئها الأولّي. إلا أنّ دبلوماسيتها العامّة أربكت إسرتاتيجيتها الجديدة المحسوبة والأكثر تعقيدًا، والتي تباينت بحدّةٍ بل وتناقضت مع خطابها. فقد حافظت إدارة أوباما على السلوك الإمبريالي الجوهري تجاه العرب، على الرغم من الاختلاف الحادّ بين الإسرتاتيجية الجديدة وسابقتها (في أثناء إدارة بوش) من ناحية مقاربتها ووسائلها ونطاقها. وسرعان ما أعادت توجيه إسرتاتيجيتها نحو الأسس المبدئية القديمة الخاصّة بمنطقة الشرق الأوسط من خلال تعزيز نظام المحسوبية لديها المتمحور حول العملاء الإقليمييّن، القدامى منهم والجدد، ما يضاعف نفوذها الجيوسياسي ومصالحها الاقتصادية في غرب آسيا وما وراءها لتبلغ الحدّ الأقصى. وسيكون الحكم على نتائج الثورات تبعًا لموقفها من مصالح الولايات المتّحدة، لا وفقًا للمستوى التمثيلي للعملية السياسية وديمقراطيّتها.

قاعدة "كلّ حالة على حدة "

قرّر الرئيس أوباما التعامل مع كلّ حالةٍ على حدة، رافضًا التعامل مع الربيع العربيّ بمجمله، ودعمه وفق مقياس واحد. فشكّلت مصر الثقل الأهمّ بين دول الربيع العربيّ، ولم تكن الولايات المتّحدة لتسمح للتغيير أن يمضيفيها من دون رقابة. وكان ثمّة خطرٌ كبير بعد استثمر عشرات مليارات الدولارات في هذا البلد منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 979 1. وتُعدّ مصر إلى جانب السعودية، أحد أهمّ وكيلين عربييّن نظرًا لحجمها ودورها الإقليمي. بناءً عليه، سارعت واشنطن بالشراكة مع الجيش المصريّ، لتأمين تغييرٍ بطيء ومدروس. وصادف وجود كبار الضبّاط المصرييّن في واشنطن لحضور اجتمعات التنسيق، لحظة اندلاع الثورة، فبات جدول الأعمل واضحًا: سيطرة العسكر على وتيرة التغيير في فترة ما بعد مبارك.

  1. الرئيس أوباما عن التظاهرات في إيران: ‘ بالنسبة إليّ، من الخطأ التزام الصمت تجاه ما يجري في إيران‘"، موقع شبكةآي بي سي News ABC، 15 /6/ 009.2 على الرابط التالي: http://abcnews.go.com/blogs/politics/2009/06/president-obama-on-protests- in-iran-it-would-be-wrong-for-me-to-be-silent/
  2. بايدن: مبارك ليس دكتاتورًا، ولكن للشعب الحقّ في التظاهر"، شبكة بي بي إس الإخبارية PBS "برنامج نيوزآور"، 72 كانون الثاني/يناير.2011 http://www.pbs.org/newshour/bb/politics/jan-june11/biden_01-27.html.
  3. برايان مونتوبولي، "البيت الأبيض: نحن لا ننحاز إلى أحد في مصر"، شبكة سي بي اس نيوز الإخبارية News CBS، 31 كانون الثاني/يناير.2011 http://www.cbsnews.com/8301-503544_162-20030108-503544.html.

وكيّفت إدارة أوباما دعمها للثورة في كلّ بلدٍ وفقًا لمساندة تلك الثورة لأهداف واشنطن في المنطقة. فدعمت الرئيس اليمنيّ الجديد (نائب الرئيس السابق) عبد ربه منصور هادي بعد أن أيّد الحكومة الأميركية في الحرب غير الشرعية التي تشنّها على بلاده بواسطة طيّارات دون طيّار، معربًا علنًا عن تأييده للولايات المتّحدة التي تواصل انتهاكاتها للسيادة اليمنيّة بذريعة محاربة تنظيم القاعدة. وفي المقابل، تلقّى هادي تأييدًا مباشرًا من الرئيس أوباما في مناسباتٍ عدّة. أمّا بالنسبة إلى تحالفه مع مصر، فقد شدّد الرئيس الأميركيّ على أنه يتوقّف على أداء قادتها المنتخبنيحديثًا. وأوضح أنّه لن يعدّ الإخوان المسلمين حلفاء له حتّى يحدّدوا موقفهم. وقدّم الاعتداء الإسرائيليّ على غزّة في تشرين الثاني / نوفمرب 012 2 فرصةً للرئيس المرصيّ الجديد كي يظهر صدقيّته. فبعد إدانةٍ مقتضبة وممطلة، مضىمرسي في وساطة ناجحة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحمس بعد مشاوراتٍ وثيقة مع واشنطن وتنسيقٍ مباشر مع الرئيس أوباما. ودعمت واشنطن أيضًا قادة ليبيا ما بعد القذّافي عندما فتحوا سوق الطاقة وإعادة الإعمر، وتبنّوا مواقف "صديقة" تجاه الولايات المتّحدة إقليميًّا. وتقرّبت إدارة أوباما أيضًا من النظام الجزائريّ لكسب دعمه في حربها ضدّ ما تعدهّ مجموعةً تابعةً للقاعدة في مالي؛ واستمرّت في دعم الملكيّة الأردنيّة المتعاونة معها في مواجهة الانتفاضة الشعبيّة على حكومتها.

استرجاع ربيع الناتو: الولايات المتحدة تحاول تطهير خطاياها في العراق

رأت الولايات المتّحدة وحلفاؤها الأوروبيون في ليبيا فرصةً سانحةً، بعد أن أتت ردّة فعلها على ثوريتَ تونس ومصر بطيئة، وافتضاح علاقاتها الوثيقة مع الطغاة العرب. ومثل وحشٍ هائج، استمت نظام القذافي لوضع حدٍّ للثورة والحؤول دون نجاحها. فليبيا بلدٌ غنيٌّنسبيًّا ومنتجٌ للنفط ويقع على الحدود الجنوبيّة لأوروبا، بين مصر وتونس. وكانت شروط تغيير النظام قد أينعت فيه. ولم يكن لديه التعقيدات الإقليميّة التي يعيشها اليمن، ولم يكن يعاني من الفقر كاليمن. باختصار، كان الموقع الأسهل بالنسبة إلى الناتو كي يشقّ طريقه داخل الربيع العربيّ. فقد نجحت الدول الأعضاء في حلف الناتو في الحصول على عقوباتٍ من مجلس الأمن ضدّ نظام القذافي وفقًا للقرار 970 1، ثمّ جاء بعده القرار 973 1 الأكر فعاليّةً والذي صيغبأسلوب فضفاض يتيح التحرّك العسكري مع استبعاد نشر القوّات البرّية. وفي غضون ساعاتٍ، تدخّلت قوّات الناتو بذريعة حمية المدنييّن من غضب القذّافي "باتّخاذ كافّة الخطوات الضروريّة" لذلك. وكم هو متوقّع، هلّلت وسائل الإعالم الغربيّة (الليبرالية منها والمحافظة) لشجاعة فرنسا وبريطانيا، وللقيادة الأميركيّة لحؤولها دون وقوع "إبادةٍ جمعيّة". ولم يُعْنَ كثيرًا أولئك الذين روّجوا للرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي ولرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وللرئيس الأميركيّ أوباما، بالتضحيات الجسيمة التي قدّمتها المقاومة الليبيّة. كان هذا هو الغرب "المستعدّ للقتال دفاعًا عن قيمه في وجه البربريّة"، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، "الأمل الأكبر أن يكون القرن الحادي والعشرون أقلّ وحشيّةً من القرن العشرين"18. كان مدهشًا مدى قصور ذاكرة وسائل الإعلام، ومدى الاستسهال في الاستشهاد الانتقائيّ بالتاريخ. وسرعان ما تبّينّأنّ معظم الذرائع المعتمدة لشنّ الحرب كانت، إمّا مبالغًا فيها أو مفتعلةً لتبرير التدخّل العسكري الغربيّ. واستند قرار الأمم المتّحدة وقصف الناتو الذي تلاه، إلى حالةٍ طارئةٍ مبالغٍ فيها لإنقاذ بنغازي من "الإبادة الجمعية" في أعقاب تهديد القذافي لها. إذ لطالما اتّسمت تصريحات القذافي بطابعٍ تهديدي، وعندما استولت قوّاته على مدنٍ أخرى، لم تُرتكب فيها مثل هذه الفظائع. كان ثمّة تضليلٌ أيضًا بخصوص حالات الاغتصاب الجمعي واستخدام المرتزقة الأفارقة. فقد جرى استغلال مبدأ "حقّ الحمية" المثير للجدل والمشاعر، لتبرير التدخّل العسكري الغربيّ بذرائعَ إنسانيّة. بدت ليبيا، بصورةٍ متزايدة، وكأنّها العراق - وكان من الصعب تجاهل الإحساس بأنّنا أمام مشهدٍ سبق ورأيناه19. لم تكن عسكرة الربيع العربيّ في ليبيا بادرة خريٍ لها أو لدول عربيّةٍ أخرى كسورية واليمن. فقد شوهّ استغلالُ الغرب للتصعيد في ليبيا، الثورةَ العربيّة أيضًا، متزامنًا مع احتمل وقوع مزيد من التدخلّات الأجنبية الممثلة التي طالما رفضها العرب بسبب انتقائيتها ودوافعها الأنانية. صحيحٌ أنّ التدخّل في ليبيا كان لصالح الشعب، ولكن ذلك لا ينطبق على التدخّل في كلٍّمن البحرين أو سورية. وشجّع هذا التدخّل حلفَ الناتو - الذي استعاد نشاطه - على تناول العملية

  1. روجر كوهين: "الدافع الأوّل للنزعة التدخّلية"، نيويورك تايمز، 92 آب/أغسطس.2011 http://www.nytimes.com/2011/08/30/opinion/30iht-edcohen30.html.
  2. انظر العرض الممتاز لماكسيميليان سي فورت في "الأساطير العشر الأولى في الحرب على ليبيا"، كاونتر بانش، Counterpunch، 31 آب/أغسطس.2011

الليبيّة كنموذجٍ أوَلّيٍّلعملياتٍ قادمةٍ في أفريقيا ومناطق أخرى من الجنوب. شهد تدخّل حلف الناتو منعطفًا غريبًا؛ إذ إنّه قد يبدو وكأنه مؤامرة، لكنّه ليس كذلك. ففي أواخر عام 010 2، قرّرت فرنسا وبريطانيا تنظيم مناوراتٍ حربية تحت اسم عملية ميسترال الجنوب، بمشاركة آلاف العسكرييّن والمعدّات من كلا البلدين. ونصّ السيناريو على قيام خصمين عسكرييّن قديمين بتوحيد قواهم للقيام بقصف دكتاتور جنوبيّ متخيّل. وجرى تمرير المناورات بقرارٍ خيالي من مجلس الأمن ورقمه 003 3، وتقرّر البدء بها في 21 آذار / مارس 011 2. والواقع أنّ القصف الفعليّ على ليبيا بدأ يوم 9 1 آذار / مارس. إنّها مصادفةٌ بالتأكيد، ولكنّها تسلّط الضوء على العقليّتين الفرنسيّة والبريطانيّة وتفّسرّ عدم بذل جهدٍ دبلوماسي جادٍّ وفعليّ. كانت القاذفات رابضةً مسبقًا على المدارج، ولكن لم يكن ممكنًا إنجاز مهمّة ليبيا - وفق ما خلص إليه حلف الناتو فيم بعد - من دون الدور العسكري الكبير والمتطوّر للولايات المتّحدة. وتبنيّالنتائج في ليبيا وسورية حتّى الآن بوضوحٍ، أنّ عسكرة الثورة وحمس الغرب لاستخدام القوّة العسكرية - على الرغم من الدعم الذي يلقاه من شريحةٍ واسعةٍ من السكّان - تعني أنّ ثمن التغيير باهظٌ على المجتمع والدولة والمواطنين.

السنوات الأربع المقبلة

إدارة الأزمة

تشير التصريحات الأولى لإدارة أوباما إلى أنّه لن يحدث تغييرٌ جذريّ في السنوات الأربع القادمة مقارنةً مع السنوات الأربع الأخيرة؛ فمحليًّا، لا تزال الإدارة الأميركيّة منشغلةً بالأزمة والانتعاشالاقتصادي، بينم ستواصل على الصعيد العالمي انشغالها ب "محورها الآسيوي"، عبر تعزيز التركيز الإسرتاتيجي على آسيا بدالمن العالم العربيّ وأوروبا. كم أنّها ستبقي على العقوبات على إيران، وستشدّدها على الأرجح إلى أن تصبح طهران أكر استجابةً لمطالب واشنطن. وستستمرّ في دعمها لإسرائيل على الساحة الدولية وتحافظ على تفوّقها العسكري على جيرانها العرب، بغضّ النظر عن تجاوزاتها في الأراضي المحتلّة، كم تَب في تصويت الهيئة العامّة للأمم المتّحدة في شأن فلسطين والردّ الإسرائيلي عليه بتوسيع الأنشطة الاستيطانيّة.

القيادة من الخلف: العملاء والحلفاء

لا يتوقّع أحدٌ أن تصبح الولايات المتّحدة انعزالية بأيّ شكلٍ من الأشكال بسبب تورّطها في أفغانستان وباكستان. إلا أنّها في المقابل لن تحاول نشر أيّ قوّاتٍ كبيرةٍ على الأرض. وبدالمن ذلك، ستواصل التدخّل من وراء الكواليس في المنطقة العربيّة وفي بعض الدول العربيّة عندما ترى ضرورةً لذلك. وستواصل أيضًا قيادة الحلفاء والعملاء من الخلف بدالمن اتّخاذ خطوات أحاديّةٍ صريحة. ويشمل ذلك دعم الأنظمة المستبدّة التي تضع نفسها في خدمة سياسات الولايات المتّحدة.

القيادة من الجوّ

يبدو أنّ إدارة أوباما شرعت في توسيع تدخّلها العسكري من الجوّ، من خلال توسيع المراقبة بواسطة الأقمر الصناعية وشنّ هجمت الطائرات دون طيّار على الدول العربيّة والإسلاميّة كلّم كان ذلك ضروريًّا. وبعد أن أنشأت أوّل مركز قيادة في أفريقيا ووضعت ذراعًا أمنيّةً خاصّةً متخصّصةً في الحرب الإلكترونية وعيّنت لقيادتها جنراالبأربع نجوم، ستعتمد الإدارة أيضًا على أحدثثورة في الشؤون العسكرية لتعزيز نفوذها إلى الحدّ الأقصىوتقليص تدخّلها المادي في المنطقة. هذا ما حدثحتّى الآن في باكستان وأفغانستان والصومال واليمن وليبيا.

تشكيل ما بعد الثورة

أمّا في ما يتعلّق بالثورات العربيّة، فمن الواضح أنّ الولايات المتحدة ستحاول أن ترصد عن كثب مسار التغيير في جميع دول الربيع العربيّ وفي كلٍّمنها عىلحدة، وتراقب نطاق التحوّل ومساره فيها بكلّ الوسائل المتاحة، ولاسيّم بواسطة الضغوط الدبلوماسية والأسلحة والحوافز الاقتصادية. وستضاعف محاولاتها للتأثير في مصر ما بعد مبارك واليمن ما بعد صالح وليبيا ما بعد القذّافي، بهدف احتواء أيّ مقاومة محتملةٍ للإملاءات الغربيّة أو لجم أيّ قواسمَ مشتركة ناشئة قد تعزّز الوحدة العربيّة.

العثور على فرصة في الخطر المحدق

ثمّة تصوُّرٌ متنامٍ بأنّ واشنطن قد تستفيد من تصاعد التوترات المذهبية في المنطقة، تمامًا كم فعلت في النزاع المذهبيّ في العراق، بغضّ النظر عن تداعيات ذلك على العالم العربيّ وعلى استقراره على المدى الطويل. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، قد يشكّل صعود المحور السنّي الجديد، فرصةً للولايات المتّحدة وإسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها وعملائها الذين يدورون في فلكها. وعلى الرغم من أنّ النعرات المذهبية العابرة

للحدود الإقليمية قد تثبت أنّها الخطر الأكبر الذي يواجه المنطقة في العقود المقبلة، يبدو أنّ إدارة أوباما مستعدّة لفرضها. وهذا يتّفق تمامًا مع استشراف أوباما في خطابه في آذار/ مارس 011 2 عن الشرق الأوسط حين قال: "ستأتي أوقات لن تتطابق فيها مصالحنا القريبة المدى تمامًا ورؤيتنا البعيدة المدى للمنطقة." وغنيٌّعن القول، إنّ واشنطن دعمت السعودية طويالفي مواجهة إيران، على الرغم من إدراكها الإيحاءات المذهبية الواضحة لنزاعهم الإقليمي. قد تكون الولايات المتّحدة ورمبّا روسيا راضيتين عن اقتتالٍ يدور بين متطرفّي السنّة والشيعة، طالما ستنخفض أسعار النفط وترتفع مبيعات الأسلحة ويضعف العرب. وقد ثبت منذ أمدٍ بعيدٍ أنّ العنف المذهبي هو الأكر بشاعةً ورعبًا بين أشكال العنف السياسي. وبما أنّ أغلبية دول الشرق الأوسط هي موطن لمختلف المذاهب الدينيّة والإثنيات، لا بدّ أن تبدّد نذر العاصفة المذهبية المتجمّعة أيّ بارقةٍ للتعايش المشترك. إنّ واشنطن تعي ذلك تمامًا.

خلاصة

يمكن المرء أن يستنتج أنّ إدارة أوباما لا تختلف في الواقع كثيرًا عن سابقاتها عندما يتعلّق الأمر بالدفاع عن مصالحها الإسرتاتيجية الجوهرية في المنطقة العربيّة. وعلى غرار سابقاتها، فإنّها تشكو من تناقضٍ رئيسٍ بين دبلوماسيتها العامّة وإستراتيجيتها، أو من التناقض الناشئعن العمل وفقًا لقيمها الجوهرية بدالمن مصالحها الآنيّة. وخلافًا لالتزامها المبدئي "بإنهاء العقلية" التي دفعت الولايات المتّحدة إلى الحرب، عملت إدارة أوباما على توسيع نطاق الحرب في أفغانستان لتشمل باكستان، وبقيت متورّطةً عسكريًّا على عدّة جبهات. تعتمد إدارة أوباما في المنطقة العربيّة سلوك سابقاتها: جمهوريّة أقلّ وإمبرياليّة أكر، وتثير الشقاق غالبًا إمّا عمدًا أو غيابيًّا. ولا تزال واشنطن أيضًا تنكر وضعها الإمبراطوري الفعلي، وتفضّل بدالً من ذلك أن تضطلع بدورٍ أخلاقيٍّ مرشدٍ باعتبارها الوصيّ على الأمن والاستقرار والسلام وحقوق الإنسان. وقد تصرّفت إدارة أوباما أيضًا بصورةٍ مغايرةٍ لسابقاتها. وبرهنت طوال السنوات الأربع المنصرمة أنّ القوّة العظمى تُدار بشكلٍ أفضل وأكر فعاليةً عندما تتصرّف ضمنيًّا بصورةٍ أقلّ تبجُّحًا وعدوانيةً وعنفًا، مع الحفاظ على مستوى الردع العسكري والمصالح الجوهريّة نفسها. وفي الواقع أثبتت الإمبراطورية الأميركيّة أيضًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة أنّها أصبحت أكر - وليس أقل - فعاليةً وأكر تماسكًا عندما قلّصت دورها ومجالها العسكري في المنطقة العربيّة. ولكن لا ينبغي أن تتحّمل واشنطن وحدها مسؤولية تجنّب فوضى إقليمية كبرى تنجم عن توسّع وجودها العسكري في المنطقة أو تتسبّب في انكمشه. تميل الولايات المتّحدة إلى تقليص تدخّلها الخارجي، بسبب توسّعها العسكري المفرط قياسًا بالتحدّيات الاقتصاديّة التي تواجهها، وتحقيقها الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة بعد اكتشاف مكامن غازٍ محلّية جديدة. إلا أنّه لا ينبغي أن يُفرسّتبنّي التعددية والنأي عن الأحاديّة المتهوّرة على أنه نزعة انعزالية. وبالتالي، فإنّ انسحاب القوّات العسكرية الأميركية من أفغانستان من دون إعادة انتشارها في منطقة الخليج أو في أماكنَ أخرى في المنطقة، يمثّل التحدّي الأكبر لأوباما في السنوات الأربع القادمة. وعىلالرغم من جميع أوجه التشابه بنيإدارة أوباما وسابقاتها بشأن المصالح الأميركيّة الجوهريّة في المنطقة، تتيح تعدّدية أوباما وبراغمتيته مجاالأوسع من المجالات المتاحة سابقًا، للتأثير في سياسة الولايات المتّحدة. ويستطيع العرب اغتنام الفرصة، ولا بدّ لهم أن يفعلوا ذلك.