بين الثورة والديمقراطية: الخلفيات الفلسفية لفكر اليسار الراديكالي الفرنسي
Between Revolution and Democracy: The Philosophical Backgrounds of French Radical Left Thought
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى استجلاء الخلفيات الفلسفية لخطاب اليسار الراديكالي الفرنسي. وتعني باليسار الراديكالي تشكيلة مكوّنة من تيارات سياسية وشخصيات فكرية وكتّاب ومثقفين وناشطين مدنيين وسياسيين، يقفون على يسار المشهد السياسي في الديمقراطية الفرنسية، لالتزامهم بأولوية قيمة المساواة في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية على قيم الحرية والعدالة والمواطنة. وخلافًا لليسار المعتدل، يرى هؤلاء أن تحقيق شروط المساواة، يقتضي إطاحة النظام الرأسمالي وإلغاء اقتصاد السوق. تبيّن الدراسة في المبحث الأول أن فكر اليسار المعتدل الفرنسي، خلافًا لليسار المعتدل في ديمقراطيات أخرى، لم يكن يُحبّذ القطيعة مع اليسار الراديكالي، وبقي يتشارك معه فكرة أن التحرر الحقيقي يقتضي اجتثاث أسباب الاستغلال والاستلاب، على الرغم من أنه تبنّى سياسات براغماتية والتزم باحترام الديمقراطية في الفترات التي تولّى فيها الحكم. وفي المبحث الثاني، تسعى لتمييز ثقافة اليسار الراديكالي الجديد من تلك المميزة لليسار الراديكالي المتطرف الماركسي في صيغتيه التروتسكية والماوية. وفي المبحث الثالث، تحاول تعقّب النظريات الفلسفية الخلفية التي نجدها متواترة في الخطاب اليساري الراديكالي الجديد الفرنسي، وفي أسلوبه في الدفاع عن مواقفه.
Abstract
This paper explores the philosophical context of the of political culture on the French radical left. Radical left refers to a group consisting of political and civil activists, intellectuals, writers, scholars, and politicians who assert their commitment to the priority of equality in economic and social conditions over values of freedom, justice, and citizenship. Unlike the moderate left, they believe that the satisfaction of equality claims requires the overthrow of the capitalist system and the abolition of the market economy. In the first section, the paper argues that the thought of the French moderate left, unlike the moderate left in other democratic countries, did not favour a break with the radical left and continued to share with it the idea that true liberation requires eradicating the causes of exploitation and alienation. Even though the moderate left adopted, when it held power, pragmatic policies and committed itself to the respect of democracy and constitutional order, it did not give up the idea of total societal transformation. The second section distinguishes the culture of the new radical left from that of the extreme Marxist radical left in its Trotskyist and Maoist forms. The third section traces the philosophical background of French new radical leftist discourse, writings, and methods.
- الثورة
- الديمقراطية
- اليسار
- فرنسا
- Revelation
- Democracy
- Left
- France
مقدمة
كان اليسار الراديكالي واليمين المتطرف في فرنسا من أكبر المستفيدين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، في عام 2022؛ فالأخير ممثلًا في التجمع القومي RN (حزب الجبهة القومية سابقًا FN)، تمكّن من إيصال مرشّحته، مارين لوبان Pen Le Marine، إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية، وفاز ب 89 مقعدًا في الانتخابات التشريعية، محتلًا المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد في المجلس النيابي. في حين نجح اليسار الراديكالي، ممثلًا في الاتحاد الشعبي الإيكولوجي والاجتمعي الجديد NUPES، الذي ضمّ كلًا من حزب فرنسا الأبّية La France insoumiseوالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي والقطب الإيكولوجي، في الفوز في الانتخابات التشريعية، ب 142 مقعدًا، وتكوين الكتلة الثانية في المجلس النيابي. وفضلًا عن هذه الحصيلة في الانتخابات التشريعية، استطاع المكوّن الرئيس لتحالف أحزاب اليسار، فرنسا الأبيّة، أن ينتزع لمصلحة زعيمه ومرشحه جان لوك ميلينشون Mélenchon Jean-Luc المرتبة الثالثة في الانتخابات بعدد من الأصوات، يفوق سبعة ملايين ونصف المليون.1لعل الحدث الأبرز الذي شدّ انتباه الملاحظين في هذه الانتخابات هو انهيار شعبية الحزب الاشتراكي، ممثل يسار الحُكم، المحسوب عامة على الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية. فقد فقدَ ريادة اليسار، التي احتلّها على نحو خاص منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، لمصلحة حزب فرنسا الأبيّة وزعيمه ميلينشون في الانتخابات التشريعية السابقة الذكر. وقبل الانتخابات، كان قد فقدَ نسبة عالية من قواعده ومناصريه وقياداته ومناضليه الذين انضم بعضهم منذ انتخابات عام 2017 إلى التجمع الرئاسي، بقيادة إيمانويل ماكرون Macron Emmanuel، الرئيس الحالي للبلاد، الذين استهوتهم رؤيته لسياسة تتخطى الاستقطاب التقليدي (يسار – يمين) المهيمن على الفكر السياسي الفرنسي، في حين انضم بعضهم الآخر إلى حزب فرنسا الأبية، بقيادة ميلينشون، ورأوا في برنامجه السياسي التجسيد الأفضل للفكرة الاشتراكية. تتبنّى قيادات الاتحاد الشعبي الإيكولوجي والاجتمعي الجديد برنامجًا اقتصاديًا واجتمعيًا، يتضمن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1500 يورو، وخفض الإحالة إلى التقاعد إلى سن الستين، للعمل والموظفين في القطاعين الخاص والعام، والتخّلي عن قانون حمية تنافسية الشركات الفرنسية، الذي وُضع في أثناء عهدة الرئيس فرانسوا هولاند Hollande François (2017-2012)، وتجميد أسعار المواد الأساسية، واعتمد سياسة التخطيط الإيكولوجي، وتتبنى أيضًا مطلب تغيير دستوري لتأسيس جمهورية سادسة، وتأميم شركات مهمة، مثل كهرباء فرنسا والطرق السيارة، والتراجع عن الاتفاقيات التي أبرمتها فرنسا مع الاتحاد الأوروبي واعتمد العصيان المدني للتصدي لقوانين أوروبية، كانت فرنسا قد صوتت لمصلحتها وصدّقت عليها. وفي ذلك كله، يكون الحزب الاشتراكي باعتباره جزءا من هذا الاتحاد قد قطع مع إرث أربعين عامًا من التواؤم مع اقتصاد السوق والتعامل البراغمتي مع الرأسملية، على غرار سائر الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية الأخرى. يرى الاقتصادي الفرنسي إيلي كوهين وعالم السياسة جيرار غرونبرغ أن انضمم الحزب الاشتراكي إلى اتحاد قوى اليسار الراديكالي، يعني نهايته بصفته حزبًا اشتراكيًا ديمقراطيًا، وخاتمة لمسارٍ انطلق منذ مؤتمر تأسيسه في مدينة إيبناي Epinay في عام 1971. وقد تميز بالتباس جوهري حول هويته، فمن جهة هو سليل الأممية العملية وأيديولوجيتها الاشتراكية (كان الحزب يُعرف حتى عام 1971 بأنه "الفرع الفرنسي للأممية العملية ouvrière l'Internationale de française Section، الذي يُعرف اختصارًا بSFIO، والذي كان قد أسّس في عامُ 1905 بمبادرة من الزعيم اليساري الفرنسي جان جوراسJean Jaures
))1914-1859(2، ويسعى للقطيعة مع النظام الاقتصادي والسياسي الرأسملي. ومن جهة أخرى، بتبنّيه الديمقراطية ورهانه على الانتخابات مصدرًا للشرعية السياسية، قاداه إلى توخّي سياسات براغمتية لتلبية انتظارات ناخبيه وإرجاء مطلب القطيعة مع الرأسملية3. وبخلاف كوهين وغرونبرغ، لا يأسف ميلينشون على انهيار الاشتراكية الديمقراطية الفرنسية؛ إذ لم تعد، في رأيه، تجسّم مطالب الطبقات الشعبية والفئات الشغيلة منذ أن خضعت لإملاءات الرأسملية المهيمنة، وراهنت على المنظومة الرأسملية لتحقيق مكاسب لجميع فئات المجتمع، وأسقطت من اعتبارها إطاحتها واستبدالها بأخرى تكون عادلة حقًا. ولا تُعّبر الإصلاحية الاشتراكية الفرنسية، في رأيه، عن حقيقة فكر اليسار الفرنسي وثقافته؛ فالحزب الاشتراكي الذي أسّس في عامُ 1971، بقي طوال السبعينيات يؤكد أنه حزب معادٍ للرأسملية ومناصر لأفكار كارل ماركس، في حين ناقضت الاشتراكية الديمقراطية هذا الاتجاه، وقبلت بشروط الرأسملية في صيغتها المُؤَمْوَلة Financialised، أو المضاربية المسيطرة حاليًا، وتبنّت سياسات السوق والعرض، بدلًا من سياسات دعم الاستهلاك والطلب على البضائع لتحفيز النمو والإنتاج4. ومع ذلك، يبدو لنا أن أسباب الأزمة التي عصفت بيسار الحكم الفرنسي وجعلته يفقد الجزء الكبير من خزّانه الانتخابي ويعاني نزيفًا مستمرًا في مناضليه وأنصاره وقواعده لمصلحة قوى سياسية معتدلة أو متطرفة، لا تعود إلى عجزه عن حسم الصراع داخله لمصلحة وجهة فكرية وسياسية تتبنّى الاشتراكية الديمقراطية وتتخّلى عن استراتيجية القطيعة مع الرأسملية فحسب، مثلم يذهب إلى ذلك كوهين وغرونبرغ، ولا إلى سيطرة الوجهة الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية داخله، التي فرضت سياسة التواؤم مع الرأسملية المؤموَلة Capitalism Financialized، مثلم يذهب إلى ذلك ميلينشون. فمع إقرارنا بأهمية التردّد في حسم النزاع بين التيارين المتصارعين داخله، فإننا نرى أن السبب الأساسي يعود إلى تحّولّات عرفتها فكر اليسار، ليس في فرنسا فحسب، بل في الديمقراطيات عمومًا، عمّقت الهوّة بين اليسار التقليدي المعتدل الساعي للحُكم، ونزعة يسارية متطرّفة وراديكالية. وقد عرّف الفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي جان بيير لوغوف الاختلاف بين يسار الحُكم التقليدي واليسار الراديكالي، بأنه اختلاف بين فكرين سياسيين متعارضين5: الأول يجعل المسألة الاجتمعية مركز الاهتمم ومناط الفعل السياسي، والثاني يجعل من قضايا المجتمع مناط الجدل العام والفعل السياسي. فقد نجح اليسار الراديكالي، في رأيه، في فرض قضايا متعلّقة بالجسد والجنسانية والطبيعة والمحيط وتربية الأطفال والثقافة والتاريخ على النقاش العام، وفرض على يسار الحُكم تبنّيها. وفي حين كان اليسار التقليدي يُعالج هذه المسائل سابقًا بوصفها جزءًا من المسألة الاجتمعية المتعلقة بالمساواة والعدالة في توزيع فوائد العيش المشترك وتكاليفه ومقاومة البطالة وتحفيز الاستثمر والبحث في سبل المواءمة بين النمو الاقتصادي وحمية المحيط وتحقيق مطالب المساواة المتعلقة بالحقوق الفردية وبحقوق مجموعات اجتمعية ذات خصوصيات، مثل النساء أو المثليين أو المهاجرين أو السود أو غيرهم، فإنها اليوم تُطرق على نحو منفصل وراديكالي6. فعلى خلاف المقاربة الشاملة لليسار التقليدي والمعتدل التي تراعي المصلحة العامة والمبادئ التي قامت عليها الجمهورية في فرنسا، وتُبرَم في سياقها تحالفات وتوافقات تؤدي إلى صياغة برامج انتخابية تحظى برضا القاعدة العريضة من الناخبين، اعتمد اليسار الجديد مقاربة نقدية جذرية للمضي، جعل نفسه من خلالها في طليعة النضال في سبيل التحرّر الخُلقي والسلوكي والتغيير الثقافي للإنسانية، بتغيير العقليات عبر التربية ووسائل الاتصال الحديثة والقطيعة مع العالم القديم، وبإحداث "ثورة ثقافية" لتثبيت القيم والسلوك التي تنسجم مع الحالة الجديدة التي غدا عليها المجتمع الفرنسي، وهو تشخيص يماثل تقريبًا التشخيص الذي قدّمه المؤرخ والإعلامي جاك جوليار الذي يشير إلى الحيرة التي باتت تنتاب ناخبي اليسار في فرنسا منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية في عام 2017، لفقدانهم المبيّنات التي كانوا يتعرّفون من خلالها إلى السياسي أو المثقف اليساري7؛ إذ غدا الأخير شخصًا غريبًا عليهم، لم يعد يؤمن بحضارته وأمته وثقافته، وغير متأكد من هويته الجنسية، وتحلّل من كل ما كان في الماضي سبب وجوده ومبعث فخره. فقد تخّلى اليسار، في رأي جوليار، عن طموحه في أن يكون حزب الأمة والأمن واللائكية والمدرسة الجمهورية والقيم الكونية ومبادئ الأنوار وفكرة المصلحة العامة لفائدة وجهة نظر نسبوية وجمعوية8، ولم يعد يرى الجمهور التقليدي لناخبي
الحزب الاشتراكي المتكوّن في الأساس من شغالين، في برنامجه الانتخابي ذلك الحزب الذي عهدوه، بقدر ما بات يُعّبر أكثر عن تطلّعات ورغبات أقليات ناشطة، مثل الأقليات الجنسية، وتحديدًا هنا ما يسمى "مجتمع الميم" LGBTQ، والنسويين واليساريين والإسلامويين والإيكولوجيين الراديكاليين، أكثر مم يُعّبر عن مطامحهم وقضاياهم. وبقي هذا الجمهور، في نظر جوليار، متشبثًا بالقيم التقليدية لليسار الفرنسي، مثل الديمقراطية واللائكية والتربية الجمهورية والعدالة الاجتمعية وكونية حقوق الإنسان، في حين أصبح اليسار يميل إلى فهم جمعوي للحقوق، يربطها بهويات متميزة لجمعات انتمء. وهو ما يفرّسر، في نظره، اتجاه هذا الجمهور إلى التصويت إلى اليمين بدلًا من اليسار9. تدافع هذه الدراسة ضد الرأي الذي يفصّل داخل الفكر السياسي لليسار الفرنسي بين اتجاه معتدل في مطالبه المتعلقة بتحقيق المساواة في الأحوال، واتجاه راديكالي متصلّب، يجعل تحقيق مقتضيات المساواة رهينًا بإحداث تغيير جوهري في نظام المجتمع ونمط العيش، على الرأي الذي يعتبر أن التميز بين يسار حُكم معتدل ويسار راديكالي ثوري، لم يحصل على نحو بّين في فكر اليسار الفرنسي. لقد بقي يسار الحكم الفرنسي مشدودًا إلى فكر يساري راديكالي، على الرغم من أنه خاض انتخابات متعدّدة، وشارك في هيئات ومجالس تمثيلية، وفي حكومات، وتوّلى رئاسة البلاد في ثلاث مرات. وقد منعه هذا الانشداد من تبنّي رؤية إصلاحية ملتزمة بالعدالة الاجتمعية، وجعله يسعى دومًا لاحتواء الراديكالية في صفوفه، بدلًا من القطع معها وعزلها ثقافيًا وفكريًا. وقد أصبحت هذه الثقافة السياسية اليسارية الراديكالية السمة الغالبة على فكر اليسار الفرنسي، تنتعش داخل الحزب الاشتراكي وخارجه في الأحزاب الأخرى، وفي المجتمع المدني، من جامعات ومؤسسات ثقافية ونقابات ومنظمت مهنية وغيرها. وهو ما يفرّسر، في نظرنا، الانحسار الذي عرفه اليسار المعتدل وصعود اليسار الراديكالي في انتخابات عام 2022 الرئاسية والتشريعية. ونقصد ب "اليسار الراديكالي"، هنا، طيفًا واسعًا يضم أحزابًا وشخصيات فكرية وثقافية ومنظمت تتفق على رفض فكرة عّبر عنها في عام 1995 المؤرخ الفرنسي فرانسوا فيري في نهاية مؤلفه ماضي وهم: دراسة حول الفكرة الشيوعية، مفادها "أنه حُكم علينا، في ما يبدو، أن نعيش في العالم الذي نحيا فيه"، وأن نودّع من ثمّ الحلم بعالم آخر، وكذلك نبوءة فوكوياما أن الديمقراطية الليبرالية ستكون، بعد انهيار الشيوعية وهدم جدار برلين في عام 1989، الأفق الوحيد للإنسانية والتاريخ10. في فرنسا، لا يمثل التعلق بعالم آخر خالٍ من الاستغلال والاستلاب سمة لقوى هامشية فحسب، كم هي الحال في ثقافات يسارية لديمقراطيات أخرى، إنما هو متغلغل في الثقافة السياسية لليسار الفرنسي ب "معتدليه" وراديكالييه. ولبيان ذلك، سأشرح بدءًا ما نقصده بالتمييز بين يسار معتدل ويسار راديكالي في الفكر السياسي اليساري الفرنسي، ونقارن بين فكر اليسار الفرنسي المعتدل، مجسّدًا بالحزب الاشتراكي الفرنسي، والفكر الذي ميّز الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية والألمانية خصوصًا، ثم سأحلل الأسس النظرية للراديكالية اليسارية الكلاسيكية التي سنميّزها من راديكالية اليسار الجديد. وفي المبحث الأخير، سأتطرق إلى الأصول الفلسفية لما يُسمى "اليسار الجديد"، الذي أصبح التيار الغالب على اليسار الراديكالي، وسأتقّصى أثر ذلك في الثقافة اليسارية الفرنسية، والمشهد السياسيّ في فرنسا على نحو عام. لقد استحثنا أمران للانشغال بهذا الموضوع والكتابة عنه: الأول هو أهمية اليسار الفرنسي وفكره السياسي منذ الثورة الفرنسية في عام 1789، وشدّة تأثيرهم ليس في ثقافة اليسار في العالم فحسب، بل في الثقافة السياسية لليمين أيضًا، وهو ما يجعل فهم التحّولّات في الثقافة السياسية، وفي الفلسفة السياسية المعاصرة، يمرّ أحيانًا عبر فهم الأصول الفكرية لثقافة اليسار الفرنسي. والثاني هو أهمية هذه الثقافة وأثرها في فكر اليسار في بلداننا، ولا سيم في المغرب العربي، حيث تكاد تكون اللغة/ الثقافة الفرنسية اللغة الأولى والمصدر الأول للمعرفة واستقاء الأفكار للنخب اليسارية.
1. اليسار المعتدل واليسار الراديكالي
يُعدّ الحزب الاشتراكي وحزب راديكاليي اليسار11 الممثَليَن لليسار المعتدل في فرنسا، اللذين يقبلان باقتصاد السوق ويحترمان، ضمن حدودٍ ما، وبدرجات متفاوتة، حقوق الملكية، ويجعلان مقتضى التدبير الحصيف للشأن العام الذي يحرص على الاستقرار السياسي والسلم الأهلي وضمن النموّ الاقتصادي، يغلب على مقتضى التغيير
الجوهري للمجتمع أو قلب نظامه. غير أن الحزب الرئيس داخل اليسار، وهو الحزب الاشتراكي، بقي مصّرًا على عدم الانجرار إلى المسلك الذي انتهجته الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في عدد من الدول الأوروبية، والتخلي عن الحُلم الاشتراكي في القطع مع النظام الرأسملي وإقامة نظام اجتمعي واقتصادي يحقّق التملّك الجمعي لوسائل الإنتاج، بمصادرة الأملاك والثروات الخاصة. فحتى عندما تبنّى زعمؤه سياسات براغمتية تتكيّف مع واقع النظام الرأسملي وتتبنّى الخصخصة وتقبل بمنطق اقتصاد السوق التنافسي المندمج في العولمة، بقوا دائمًا يذكّرون أن نموذج الاشتراكية الذي يتبنونه يختلف عن ذاك الذي تعتمده الاشتراكية الديمقراطية12. وإذا كان يسار الحُكم (أي اليسار الفرنسي المعتدل المتجسّد في هذين الحزبين) قد شارك في الانتخابات كلها، ودخل المجالس التمثيلية، البلدية والجهوية والإقليمية والتشريعية، وشكّل حكومات بالتحالف مع أحزاب يسارية أخرى، من قبيل الحزب الشيوعي وحزب الخضر، ساهم في ترويض جموحها الراديكالي، ووصل إلى الرئاسة ثلاث مرات، مع فرانسوا ميتران Mitterand François (1995–1981) وفرانسوا هولاند، واتسمت برامجه بالعقلانية والبراغمتية والاعتدال في أكثرية المناسبات التي توّلى فيها الحكم، فإن هناك بعض السمت التي يتشاركها مع اليسار الراديكالي، وإن اختلف معه في الطرائق والخطط العملية، فقد شدّدت الأرضية السياسية التي أقرّها مؤتمر إيبناي للحزب الاشتراكي الفرنسي، في عام 1971 على هدف استراتيجي، يتعّين العمل على تحقيقه، وهو "القطيعة مع الرأسملية"، وهو ما يفرض على الحزب عدم الاكتفاء بإصلاح المنظومة الاقتصادية والاجتمعية القائمة لجعلها أكثر فاعلية والعمل على استبدالها بأخرى تحقّق الاشتراكية ومقتضى العدالة الحقّة والمساواة الفعلية وتحرّر الطبقة العاملة والمجتمع من الاستغلال والهيمنة. لذلك أوصت أرضيته المنبثقة من ذاك المؤتمر باعتمد سياسات تُحكِم سيطرة الدولة على القطاعات المهمة للاقتصاد، وتدعم القطاع العام، وبالتأميم الواسع للشركات الخاصة لتعزيز التشغيلية وإعادة توزيع الدخل13. وقد أفضى به ذلك إلى أن يصوغ، في عام 1972، برنامجًا مشتركًا مع الحزب الشيوعي الفرنسي، أفاد منه الحزب الاشتراكي كثيرًا؛ إذ استقطب شرائح اجتمعية مهمة كانت تعدّ الحزب الشيوعي الوحيد العازم على إطاحة النظام الرأسملي وتحقيق الاشتراكية. غير أن هذه الاستراتيجية جعلت الحزب الاشتراكي يكاد يكون الحزب الاشتراكي الأوروبي الوحيد، في تلك الفترة، الذي يتبنّى برنامجًا راديكاليًا، يروم إحداث تغيير في نظام المجتمع بأسره. وعندما نقارن مخرجات مؤتمر إيبناي بالأرضية المشتركة التي تمخّض عنها مؤتمر باد غودسبورغ Godesberg Bad للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، في عام 1959، يبرز لنا الاختلاف بين الثقافة السياسية للحزبين الاشتراكيين اليساريين14، فقد حققت الاشتراكية الديمقراطية الألمانية تحوّلًا في هذا المؤتمر، شمل نقطتين أساسيتين، مثّلتا منعرجًا في تاريخها: الأولى هي القطيعة مع ضرب من العلمنية المناضلة ضد الإكليروس والكنائس ميّزت الاشتراكية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر، وذلك حينم عدّ المؤتمر روافد الاشتراكية الديمقراطية متأصّلة في الأخلاق المسيحية والنزعة الإنسانية والفلسفة الكلاسيكية، والثانية تخلّيه عن الماركسية وفكرة صراع الطبقات، وعن التأميم برنامجًا اقتصاديًا، وإقراره بضرورة الاعتمد على اقتصاد السوق والمنافسة وتحفيز المبادرة الحرة لأصحاب الأعمل والمقاولين سبيلًا لخلق الثروة ودفع النمو الاقتصادي، مع احتفاظ الدولة بحقّها في التعديل حينم تعجز آليات السوق عن توفير التشغيلية والعدالة الاجتمعية المطلوبة15. حقق مؤتمر باد غودسبورغ نقلةً نوعية في تاريخ الفكر الاشتراكي، بقطيعته مع التوجه الماركسي لبرنامج هايدلبرغ الذي أقرّه مؤتمره في عام 1925، ففضلًا عن عدم ذكر ماركس وأفكاره بوصفها مرجعية نظرية وفكرية، قدّم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني نفسه وريثًا للأخلاق المسيحية والنزعة الإنسانية الليبرالية للفلسفة الكلاسيكية، مؤكدًا بذلك سلسلة التطورات والمراجعات الطويلة التي تعود بداياتها إلى فترة حكومة فايمر Weimar (1933-1918). وقد مكّنه ذاك من استقطاب قادة نقابات، عُرفت بتوجهاتها المسيحية، وشرائح كبيرة من الطبقة العاملة المتدينة التي كانت تصوّت تقليديًا لحزب الديمقراطية المسيحية16، فمع برنامج باد غودسبورغ، انتهى القول بالصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا، وكذلك الحديث عن أفق لتجاوز الرأسملية من خلال التملّك الجمعيّ للموارد الاقتصادية، في الوقت الذي أقرّت فيه
الاشتراكية الديمقراطية الألمانية بمزايا المنافسة وحرية المبادرة الاقتصادية والسوق الحرة ودورها في خلق الثروة وتحفيز النمو وتحسين أوضاع المواطنين المعيشية، واعترف المؤتمر أيضًا بالقانون الأساسي؛ أي دستور ألمانيا في عام 1949، بوصفه أساس الديمقراطية الألمانية. ولم يكن ذلك كله يعني تحوّل الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى حزب ليبرالي يتخّلى عن الالتزام بإيجاد الحلول للمسألة الاجتمعية، وتقتصر سياساته على ضمن مبدأي الحرية والفاعلية الاقتصادية فحسب. فنّد فيلي براندت Brandt Willy (1992-1913)، الذي كان أول اشتراكي يتوّلى منصب المستشار في ألمانيا (1974-1969)، وكان أحد الفاعلين في هذا المؤتمر والداعمين بشدّة للتحوّل إلى التوجه الجديد للحزب الاشتراكي الديمقراطي، التفسيرَ الليبرالي لمخرجات مؤتمر باد غودسبورغ؛ ففي الكتاب الذي نشره في عام 1975، بالاشتراك مع شخصيتين اشتراكيتين أوروبيتين، هم المستشار النمساوي برونو كرايسكي Kreisky Bruno (1983-1970) ورئيس وزراء السويد أولوف بالمه Palme Olof (1976-1969، و 1986-1982)، عاد إلى وقائع هذا المؤتمر لينفي أن يكون باد غودسبورغ مجرّد تطبيع للاشتراكية الديمقراطية مع الليبرالية الاقتصادية17، فوفق رأيه، لم يكن الأمر يتعلق- في هذا المؤتمر – بالتخّلي، فحسب، عن تأميم وسائل الإنتاج، بل بتأسيس مذهب اشتراكي اجتمعي على فكرة مفادها أن الحرية والعدالة يؤثر بعضهم في بعض، ما يستوجب إعادة صوغ العلاقة بينهم في الاشتراكية من خلال توضيح الصلة التي تربطهم بقيمة أخرى أساسية هي التضامن، التي تتضمن معنى الالتزام المتبادل بما هو شرط ضروري لمتانة الرابطة الاجتمعية المشتركة وديمومتها. وبناءً على هذه الثلاثية "الحرية والعدالة (المساواة) والتضامن (الإخاء)"، يُعيد براندت صوغ مشروع الاشتراكية الديمقراطية، ليوطّد صلته بالمُثل العُليا لعصر الأنوار18. وبدلًا من أن يعادي اليسارُ فكرةَ النموGrowth بوصفها سمة المجتمع الرأسملي الاستهلاكي المهووس بتكديس الثروة، ففي إمكانه، في رأي براندت، أن يدفع نحو توجيه البرامج الاقتصادية والاجتمعية صوب أخذ قضايا البيئة على محمل الجدّ، وأن يعمل على تحسين الاقتصاد من وجهة كيفية لا كمية فحسب، ويعمل على صوغ معايير بيئية صارمة على الصعيد الدولي في سياق اقتصاد يقوم على السوق الحرّة. وفي ما يتعلّق بنوعية الحياة، شدّد براندت على ضرورة جعل ظروف العمل إنسانية ولائقة، وتحفيز المشاركة في صنع القرار داخل المؤسسات الاقتصادية، وتحديدًا هنا مشاركة ممثلي العمل في مجالس الشركات في القطاعين الخاص والعام. كان لهذه المقاربة اليسارية الإصلاحية، الساعية لخطّ طريق ثالثة بين الرأسملية الليبرالية والشيوعية الشمولية Totalitarian، الأثرُ البالغ، في سبعينيات القرن الماضي، في عديد الحركات السياسية المتبنّية للاشتراكية، والمدافعة عن مصالح الطبقة العاملة في دول أوروبا19. أما في فرنسا، فبقيت الحركة الاشتراكية الفرنسية تستهجن مصطلح "الاشتراكية الديمقراطية"، ويرى ميشيل فينوك أن سبب ذلك هو أن معناها اختلط بالنزعة التحريفية للأحزاب اليسارية الأوروبية الكبرى التي تخلّت عن برنامج الثورة والتغيير الراديكالي20. ومع أن الأخيرة تتبنّى سياسة اجتمعية تقدمية، فإن الاشتراكية الفرنسية بقيت تنظر إلى هذه السياسة باعتبارها تسويةً مع النظام الرأسملي، تحافظ على بنيانه. وفي الوقت الذي تخّلى فيه الاشتراكيون الديمقراطيون في أوروبا عن استراتيجية القطيعة مع الرأسملية، استمرّ الحزب الاشتراكي الفرنسي يتبنّاها حتى عامي 1983-1982، في الأقل على المستوى الرسمي. وفي مقابل توجّهات مؤتمر باد غودسبورغ، كان لمخرجات مؤتمر إيبناي للحزب الاشتراكي الفرنسي مخرجات أخرى تختلف اختلافًا كبيرًا؛ فالحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني خفّض في مؤتمره من نبرته المعادية للإكليروس وأكّد أن القيم المسيحية تشكّل، إلى جانب تلك التي أكدتها الفلسفة الإنسانوية، مصدرًا من مصادر فكره السياسي، في حين أكد الحزب الاشتراكي الفرنسي في مؤتمره تشبّثه بنهج الثورة الفرنسية في معاداة الإكليروس وتبنّي علمنية مناضلة، ليبقى وفيًا لتقاليد الفرع الفرنسي للأممية العملية، الذي أفشلت قواعده المتشبّثة بالعلمنية والماركسية محاولات قادتها، أمثال دانييل ماير Daniel Mayerوليون بلومLeon Blum الساعية للانفتاح على المسيحيين اليساريين وضمّهم إلى صفوفهم، ومراجعة أركان العقيدة الماركسية وفق رؤية إنسانوية وأخلاقية21. نصّ بيان مؤتمر إيبناي، الذي سبق الإعلان عن اللوائح، على أنه "لا يمكن أن توجد ديمقراطية حقيقية في المجتمع الرأسملي. بهذا المعنى، يكون الحزب الاشتراكي حزبًا ثوريًا"22. ولتجسيد هويته الثورية، وضع لنفسه هدفًا، هو "التأميم التدرّجي لوسائل الإنتاج والاستثمر والتبادل"23. لكن لم يُفضِ هذا الالتزامُ بمهمت الثورة
والقطع مع النظام الرأسملي إلى إدارة الظهر لماضي الحزب والتقليد الذي سار عليه، فلم يتخَّلَ عن النهج الديمقراطي، ولا عن الانتخابات، لكنه أكّد مقاومة النزعة الإصلاحية، "لأن الأمر لا يتعلق بصيانة نظام، إنما بتعويضه بآخر"24. وبذلك، تجنّب المؤتمر المسلك الذي سار فيه مؤتمر باد غودسبورغ؛ فالحزب الاشتراكي الفرنسي يطمح إلى أن يكون حزبًا طبقيًا وجمهيريًا في الوقت نفسه، وليس حزب الجميع؛ أي شرائح المجتمع وفئاته كلها التي يمكن أن يستهويها عرضه السياسي والقيم والخيارات السياسية التي يُدافع عنها. يقوم برنامج الإنعاش الاقتصادي، الذي وضعته حكومة الحزب الاشتراكي الفرنسي في عام 1982، بعد فوز الحزب بالانتخابات التشريعية، على سيطرة الدولة على القطاعات الحيوية من الاقتصاد وتحفيز الاستهلاك بدعم الطلب من خلال الزيادة في الأجور وتقليص نسب الفائدة على القروض وتحويلات اجتمعية مهمة لفائدة الفئات الضعيفة اقتصاديًا، وانتدابات واسعة في القطاع العام والوظيفة العمومية. لكنه اصطدم بدخول نموذج دولة الرفاه في جلّ دول أوروبا في أزمة بدأت أماراتها تبرز منذ منتصف السبعينيات، لتبلغ أوجها في بداية الثمنينيات. وتمثّلت مظاهر هذه الأزمة في نمو النفقات العامة في المجالين الصحي والاجتمعي، بنسق أرفع من نموّ إيرادات الدول من الضرائب. ولتدارك العجز عن تمويلها، اضطرت الدول إلى الترفيع في المساهمت لمصلحة الصناديق الاجتمعية، بمزيد من الاقتطاع من الأجور والزيادة في الضرائب، وهو ما جعل الاقتطاع الإجباري الذي تخضع له دخول المواطنين يشهد ارتفاعًا قياسيًا نسبة إلى الناتج المحلي الخام GDP؛ ففي فرنسا مثلًا كان هذا الاقتطاع يساوي 35 في المئة، في عام 1970، ليرتفع إلى 41.7 في المئة، في عام 1980، قبل أن يتجاوز 45 في المئة، في عام 199025، وهذا يعني أن نسق تطوّر الإنفاق العام، المرتبط بالسياسات الاجتمعية وبآليات إعادة توزيع الدخول Incomes، أصبح أسرع من نسق نمو الناتج القومي. وفي الوقت الذي تباطأ النمو، في بداية عام 1974، واصلت النفقات الاجتمعية منحاها التصاعدي بنسق أسرع لاضطرار دول الرفاه إلى صرف منح للعاطلين عن العمل، بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتمعية وارتفاع معّدلّات البطالة. وسبّب هذا الوضع تراجعًا في الاستثمر وتقلّصًا في إيرادات الدول من الجباية، وشًّحًا في الموارد الضرورية لتمويل الجهاز البيروقراطي لدولة الرفاه26؛ فلم تعد السياسات الكينزية القائمة على تحفيز الاستهلاك والتيسير النقديQuantitative Easing قادرة على مواجهة تضافر نسب عالية من التضخم وارتفاع متواصل للبطالة، ما حتّم تغييرًا في أولويات السياسات الاقتصادية، فبدلًا من سياسة دعم الطلب لتحفيز الاستهلاك، قصد إنعاش الاقتصاد، اتجهت السياسات العامة إلى دعم العرض والاهتمم باستقرار الأسعار والسيطرة على تكلفة الإنتاج وتقليص العجز في الميزانية العامة للحفاظ على سعر صرف مستقر للعملة الوطنية والخفض في الضرائب، بدلًا من استهداف التشغيلية التامة وتحسين القدرة الشرائية بدعم الطلب. وإضافة إلى ذلك، دفع الانفتاح الاقتصادي والتنافس على الصعيد العالمي وخوف الدول من هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمرات الخارجية وتدّني نسب الاستثمر الداخلي إلى تقليص الجباية على الشركات، ما نجم عنه أيضًا تراجع إيرادات الدول من الضرائب؛ فالانفتاح الاقتصادي وتسارع نسق العولمة منذ بداية الثمنينيات، فاقم حدّة التنافس بين الشركات والاقتصادات، وأنظمة الحمية الاجتمعية المعتمدة من الدول. وفضلًا عن ذلك، أحدث تطور التكنولوجيات الحديثة تغييرات في البُنى الاجتمعية للدول الأوروبية، وقلّص حجم الطبقة العاملة بفعل الرقمنة وتطوّر الاقتصاد اللامادي وتوجّه الكثير من الصناعات، ولا سيم التحويلية منها، نحو دول الجنوب، حيث العملة الرخيصة. ومن آثار ذلك إضعاف القاعدة الانتخابية للأحزاب الاشتراكية عمومًا27. لم تشكّل هذه الإكراهات فرصة للحزب الاشتراكي الفرنسي لإجراء مراجعة عميقة للعقيدة التي تبنّاها في مؤتمر إيبناي، ففي الوقت الذي أكد مؤتمره الذي عقد في عام 1991 الوجهةَ الإصلاحية التي لخّصها ميشيل روكار (2016-1930)، أحد قادته حينها، في الشعار الآتي: "مجتمع متكافل في ظل اقتصاد سوق"28، عارض الاتجاه الراديكالي داخله ذلك التوجّه، وعدّه تنكّرًا للاختيارات الأساسية التي بُني عليها الحزب. وعلى الرغم من معارضة الراديكاليين، فإن الحزب، أكد، في حقبة حكومة ليونيل جوسبان Jospin Lionnel (2002-1997)، وجهته الإصلاحية، وأدخل على الاقتصاد إصلاحات مهمة، مثل خصخصة شركات كبرى تملكها الدولة، وخصخصة التصرف في عدد من المرافق العامة التي كانت الدولة تحتكر إدارتها، وهي قرارات وتوجّهات لم يرضَ عنها الجناحُ الراديكالي للحزب، الذي بقي متشبّثًا بمخرجات مؤتمر إيبناي، وواصل التصدّي للتوجّه الجديد. بقي الفكر المعادي للرأسملية منتشرًا في فرنسا بين النقابات ومنظمت المجتمع المدني ومختلف التشكيلات اليسارية، الحزبية وغير الحزبية،
على الرغم من فقدان الفكرة الشيوعية تأثيرها في الثقافة والحياة السياسية الفرنسية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي (1991). وبقي هذا الفكرُ يُنعش باستمرار داخل الحزب الاشتراكي ضربًا من الحنين إلى مرحلة التأسيس، يختلط بشعور الإثم بالانتمء إلى حزب تورّط في إدارة أزمات الرأسملية29. وقد أضعف ذلك صدقية القيادة، وبعث الشك في مشروعيتها، وفي إخلاصها للمبادئ التي قام عليها الحزب. وبان ذلك بوضوح في الاستفتاء على مشروع الدستور الأوروبي في أيار/ مايو 2005؛ إذ بدا الانقسام حاًّدًا بين الإصلاحيين الداعين إلى قبول الدستور والتصويت لمصلحته، وخصومهم الداعين إلى رفضه. عمل غياب القاعدة العملية وانعدام القبول الإجمعي داخل الحزب الاشتراكي للخط السياسي الإصلاحي على أن يبقى الحزبُ خجولًا من أن يكون حزبًا حاكمًا، بحسب إشارة ميشيل فينوك، وبقي الحلم الثوري يراود جزءًا كبيرًا من أعضائه وقياداته، من دون أن تتمكن الغالبية التي تبنّت الإصلاحية من بلورة مذهب منسجم يوفّق بين "مقتضيات الديمقراطية والسوق والتضامن والفاعلية"، بحسب ما نص عليه البيان الختامي لمؤتمره في مدينة براست، في عام 199730. في عام 1997، خاض الحزب تجربة حكم متميزة، دامت حتى عام 2002، توّلى فيها زعيمه، في ذاك الوقت، ليونيل جوسبان Lionel Jospin، رئاسة الحكومة، بعد فوز تحالف اليسار الذي قاده، والمتكوّن من الحزب الشيوعي وحزب الخضر وحزب راديكاليي اليسار في انتخابات ذاك العام. لكن شهد مؤتمر الحزب الاشتراكي في عام 2003 عودة قوية للجناح الراديكالي، ليهاجم سياسات حكومة جوسبان، التي عدّها سبب الهزيمة في انتخابات عام 2002 الرئاسية والتشريعية، لاعتمدها سياسات ليبرالية تتوخّى معالجة إدارية وتقنية، فحسب، للأوضاع الاقتصادية والاجتمعية، ولقيامها بإصلاحات من قبيل الخصخصة، التي مثّلت تنازلات مؤلمة لفائدة الرأسملية النيوليبرالية31. وقد سعت الوجهة الإصلاحية التي اعتمدتها حكومة جوسبان لخطّ طريق وسط ما بين العداء التقليدي لاقتصاد السوق والطريق الثالثة التي انتهجها رئيس الوزراء البريطاني، في ذلك الوقت، زعيم حزب العمل توني بلير Blair Tony، ولقي دعمًا من المستشار الألماني زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي في وقتها غيرهارد شرودرGerhard Schroder والرئيس الأميركي بيل كلنتون Clinton Bill. فقد دافع جوسبان في عام 1998 عن سياسة حكومته التي رفضت سياسات الرئيس فرانسوا ميتران المتأسّية بشعار "لا تأميمت ولا خصخصات"، وبادرت في كل مرة تبَّين فيها أن تكوين أحلاف صناعية أمر ضروري، ولا سيم على الصعيد الأوروبي، إلى تيسير ذلك وإتاحة رؤوس أموال الشركات المملوكة من الدولة للاستكتاب العام وخصخصة بعضها على نحو جزئي أو تام32. وفي عام 2000، صرّح أنه لا يرى نفسه مُجبرًا على استخدام لغة ثورية، من قبيل مجاز القطيعة مع الرأسملية لتعليل اختياراته الاقتصادية والسياسية. لكنه سعى، من جهة أخرى، لطمأنة الجناح الراديكالي داخل حزبه وحكومته عندما نأى بنفسه عن الوجهة التي اتّبعها بلير في بريطانيا، ودفع عن نفسه وحكومته صفة الاشتراكية الليبرالية، حين صرّح في اجتمع للمجلس الوطني لحزبه: "إننا لسنا اشتراكيين ليبراليين، إننا اشتراكيون وديمقراطيون. ينبغي لنا أن نتدخل وننظم ونضع الضوابط لعولمة الاقتصاد، لكن مع البقاء في مواقعنا. ينبغي للاقتصاد والسياسة أن يسيرا بالتوازي"33. وفي الوقت الذي حرص على أن يُظهر تباينه مع توجّه بلير الذي عُرف ب "الاشتراكية الليبرالية"
Liberalism Social، أكد جوسبان تبنّيه اقتصاد السوق في إطار وجهة أيديولوجية متميزة، أرادها فريدة من نوعها، وقد لخّصها في الصيغة الآتية: "نعم لاقتصاد السوق، لا لمجتمع السوق". ومع ذلك، مُني جوسبان وفريقه بهزيمة في انتخابات عام 2002، ما اضطره إلى إنهاء مسيرته السياسية والانسحاب من الحياة العامة. في مؤتمر ديجون، في أيار/ مايو 2003، حصل توافق مكّن من رأب الصدع وبقاء الحزب الاشتراكي موحّدًا، بيساره الراديكالي وجناحه البراغمتي الإصلاحي. لكن الاستفتاء على الدستور الأوروبي في عام 2005، فجّر الخلافات من جديد عندما رفض يسار الحزب الالتزام بنتيجة الاستشارة الداخلية التي فاز فيها الموقف الداعم للتصويت ب "نعم"، الذي تزعّمه هولاند، على حساب الموقف الداعي إلى التصويت بالرفض، الذي تزعّمه رولان فابيوس Fabuis Roland الذي يمكن عدّه أحد القادة التاريخيين للحزب. ومع ذلك، ومع وجود جناح قوي داخل الحزب قاد حملة ضد مسوّدة الدستور الأوروبي، رافعًا شعار "مناهضة العولمة الليبرالية" التي يُكرّسها ذلك الدستور، بحسب ما يعتقد هذا الجناح، فإن الحزب لم ينقسم، ولم يُفصل المنشقون عن الموقف الرسمي لقيادته. وكذلك، لم يفلح إعلان المبادئ الذي لجأت إليه القيادة في تبديد الشكوك في الهوية الإصلاحية للحزب؛ إذ جاء مشوبًا بالغموض، وتضمّن تأكيدًا على أن الحزب يحمل مشروعًا للتغيير الاجتمعي الجذري، وينوي توحيد ثقافات اليسار كلها، ويرفض التسليم بالانقسامات الموروثة من الماضي في الحركة اليسارية34. كان الفكر السياسي اليساري في فرنسا، في غالبيته، فكرًا راديكاليًا معاديًا لاقتصاد السوق والمبادرة الحرة وذا علاقة متوترة مع الديمقراطية، بحسب ما تشهد دراسات عدة35. وقد وفّرت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 الفرصة لعودة الفكر الراديكالي داخل الاشتراكيين بقوة؛ إذ عدّ كثيرون منهم الأزمةَ مؤرّشًا على قرب انهيار الرأسملية المؤمولَة المسيطرة على العالم، وعلى صواب مناهضتهم العولمة الليبرالية، ليطرحوا من ثم ضرورة تأميم المؤسسات المالية والقيام بتنظيم حقيقي للنظام المالي العالمي حتى لا يخرج عن السيطرة الديمقراطية للشعوب ذات السيادة36، فهذه الأزمة التي هي، في رأيهم، نتيجة لتنامي التفاوتات داخل الديمقراطيات وبين الشعوب، تؤكد أن النظام الرأسملي الحالي فاقد الفاعلية والضوابط الأخلاقية. لذلك، عادت من جديد في مشاريع الاشتراكيين ولوائح مؤتمراتهم ومجالسهم، بعد أزمة عام 2008، فكرة البحث عن بديل حقيقي من نمط الرأسملية المسيطر على الصعيد العالمي. ومن ذلك المشروع الذي تبنّاه في 27 نيسان/ أبريل 2010 المجلس الوطني للحزب، والذي يطالب بإرساء "نمط جديد للتنمية الاقتصادية والاجتمعية والبيئية"37. ويمكن أن نُدرج في هذا السياق تصريح هولاند في حملته الانتخابية في عام 2012 أن "خصمه الحقيقي هو عالم المال"، وكذلك مقترحه توظيف ضريبة قدرها 75 في المئة على الدخول التي تتجاوز مليون يورو في السنة38؛ إذ بدت هذه التصريحات والسياسات كأنها تهدف إلى إبراء الذمة من شُبهة التواطؤ مع المنظومة الرأسملية القائمة، وإرضاء الجناح الراديكالي لحزبه واليسار الفرنسي عمومًا.
لكن ليست معاداة الرأسملية والالتزام بإسقاطها باستغلال تناقضاتها الداخلية، الاقتصادية والاجتمعية والثقافية، لدفعها نحو الانهيار، ورفض التكيّف مع منظومتها، الصيغةَ الوحيدة للراديكالية اليسارية. كنتُ قد أشرتُ، في المقدمة، إلى أن الدارسين ومتابعي الساحة السياسية في فرنسا، مثل جوليار ولوغوف، يرجعون سبب انهيار شعبية يسار الحُكم الفرنسي إلى سيطرة اليسار الثقافي الراديكالي، في الأساس، الذي صرف اهتممه عن المسألة الاجتمعية وتحوّل إلى الدفاع عن حقوق الأقليات والهويات في إطار تصور جَمعَوي Communitarian للمساواة. ولفهم هذا التحوّل، سأقف عند حيثيات بروز ما يسمى "اليسار الجديد" في فرنسا، وما نجم عنه من تحّولّات في الفكر السياسي لليسار. لكن، قبل ذلك، أرى من المهم التمييز بين فكر اليسار الجديد بوصفه الصيغة الجديدة للراديكالية اليسارية وضرب آخر من الراديكالية، مُيثّلها يسار أرثوذكسي ماركسي متطرف، له حضور مهم في المشهد السياسي وتأثير في الجناح الراديكالي الفرنسي داخل الحزب الاشتراكي.
2. التطرف اليساري والفكر الراديكالي
في خمسينيات القرن الماضي، بدأت على الصعيد الداخلي لفرنسا وأوروبا، سياسات الإنعاش الاقتصادي لمخطط مارشال لإعمر أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تُؤتي نتائجها. وقد عرفت فرنسا، مثل غيرها من الدول الأروربية، ارتفاعًا في معّدلّات النمو والرفاه، انعكس إيجابيًا على أوضاع الطبقتين العاملة والوسطى، وبدأت تتضح معالم مجتمع استهلاك ووفرة. أما على صعيد الحركة العملية والاشتراكية المناهضة للنظام الرأسملي، فقد سلكت الأحزاب السياسية الأوروبية المتبنّية الماركسية طريق التواؤم مع الرأسملية واقتصاد السوق، مع المطالبة بإصلاحات اجتمعية. وفي الوقت الذي بقيت تقدّم لجمهيرها خطابًا راديكاليًا مناهضًا للنظام الرأسملي، اعتمدت على صعيد الممرسة مقاربة إصلاحية، هي نفسها المقاربة التي اعتمدها الحزب الشيوعي الفرنسي بعد تأسيسه في عام 1930، وكذلك "الفرع الفرنسي للأممية العملية"، سلف الحزب الاشتراكي الذي أُسّس قبل ذلك التاريخ39. أما المنظمت العملية والنقابية، فقد فرض عليها تطورُ الرأسملية واقتصاد السوق اعتمدَ التنظيم الهرمي، وتركيز القرار بين أيدي أقلية من قياداتها، والتحول التدرجي إلى جمعة ضغط، والتزوّد بالأدوات التي تستخدمها مراكز الضغط، مثل القيادة المركزية والتنظيم البيروقراطي والتوزيع الهرمي للمسؤوليات والنفوذ واعتمد الإضرابات وسيلةً لتحسين وضعها التفاوضي لاقتلاع مكاسب لمصلحة الطبقة العاملة. وقد حققت بذلك مكاسب، تمثّلت في زيادات في الأجور وحمية ضد التشغيل الهشّ والفصل الاعتباطي من العمل، وتأمين على المرض، وحمية من حوادث الشغل، وغير ذلك من التشريعات لمصلحة الطبقة العاملة، وكذلك تعديلات على نظام الاقتراع لجعله أكثر ديمقراطية40، وهي مكاسب تُلبّي حاجات طبقة اجتمعية تريد أن تفوز لنفسها بموقع داخل النظام الرأسملي، وليست طبقة تريد أن تطيحه لتحقيق المساواة والعدالة التامة، وفق وجهة نظر مساواتية راديكالية. ساهمت جملة من العوامل في جعل الحزب الشيوعي الفرنسي يحظى بشعبية واسعة في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، لعل أهمها زيادة عدد المنخرطين فيه بفضل السمعة الطيبة التي حظي بها لمساهمته في مقاومة الغزو النازي لفرنسا، وكذلك تقدير دور الاتحاد السوفياتي والجيش الأحمر في مساعدة أوروبا في التخلّص من خطر الفاشية والنازية وتحرير ألمانيا مع قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية. وفضلًا عن ذلك، دفع الانكمش الاقتصادي وانتشار التشغيل الهشّ والبطالة المكثفة التي أعقبت تحرير فرنسا، فئات اجتمعية عريضة للالتحاق بالنقابات التابعة للحزب الشيوعي الفرنسي، ولا سيم "الكونفدرالية العامة للشغل" CGT، ما زاد في توسيع قاعدته وتصاعد شعبيته41. لكن منذ منتصف الخمسينيات، وبداية تعافي الاقتصاد الفرنسي والخروج من الأزمة، بان عجز قيادات الحزب عن مسايرة التطلّعات الجديدة للعمل، ولا سيم تلك المتعلقة بالفرص التي بات يوفرها المجتمع الصناعي الحديث42، واتّسعت الهوّة بين الحاجات الخصوصية التي يفرضها نظام العمل القائم على الصناعة والتنظيم الإداري والبيروقراطي، وتطلّعات العمل والشغّالين إلى العدالة والمساواة. ففي البلدان الاشتراكية، أخمدت السياسات الستالينية الأصوات المعارضة كلها، وكل احتجاج وتعبير للطبقة العاملة عن عدم الرضا، وفرضت نمطًا سياسيًا واجتمعيًا متكلّسًا على المجتمع. أما في المجتمعات الرأسملية، فلم تكن التنظيمت الشيوعية والاشتراكية، في نظر عدد من المثقفين المنشقين عنها، قادرةً على الاستجابة للحاجات والتطلّعات العملية والشبابية الجديدة، وواجهتها بتصلّب على الصعيد النظري، وبضرب من التواطؤ مع المنظومة الرأسملية على صعيد الممرسة43.
يضم اليسار المتطرف لفيفًا من الحركات السياسية اليسارية التي تشترك مع الماركسية اللينينة في تعريفها النزاعيAgonistic للسياسة، من حيث إنها تفترض وجود تناقض وجودي بين طرفين متعاديين، وأن المطالب المتعلقة بالمساواة في الأحوال ذات أولوية، على اعتبارات الهوية والانتمء القومي والجمعي. ويتّهم اليسار المتطرف الحزبَ الشيوعي الفرنسي بخيانة الماركسية اللينينية، كم تبلور في موقفه من اجتياح القوات السوفياتية بودابست في عام 1956، بعد الانتفاضة في هنغاريا (المجر)، وحتى قبل ذلك التاريخ. ويتكوّن هذا اليسار، أساسًا، من التروتسكيين والماويين ومجموعات أخرى عُرفت بأسمء قادتها، يتميز بعضها من بعض، في عدد من المبادئ والنقاط النظرية44. فمن خلال نقدها خيانة قادة الحركة العملية للمركسية اللينينية على صعيدي النظرية والممرسة، قدّمت هذه الحركات نفسها بديلًا من الحزب الشيوعي وقادته، في حين وضعت نضالاتها ضمن الإطار النظري نفسه. لذلك، بقيت تقف على يسار الحزب الشيوعي، وترفض تأويله الماركسية اللينينية وأشكال تكييفها مع الواقع، ولم ترفض العقيدة الماركسية اللينينية نفسها. لهذا، يعدّها المؤرخ الفرنسي ريشار غومبان اتجاهًا متطرفًا داخل المذهب الشيوعي، فغرض الحركات التروتسكية أو الماوية هو الاتجاه نحو الأقصى في الشيوعية، وليس تقديم بديل منها يكون أكثر تحرريّة منها. ففي نظرها، تُعدّ الشيوعية الرسميّة، ممثلة في الحزب الشيوعي الفرنسي والاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، انحرافًا عن النموذج المثالي للشيوعية، بما أنها أصبحت تعمل على تدبير شؤون النظام الرأسملي ومساعدته في تجاوز أزماته لجعله مستقرًا ويُحقق نتائج أفضل، وفي تجميع وتركيز للقوة والنفوذ أكبر، بدلًا من العمل على استبداله بنظام اجتمعي يكون عادلًا حًّقًا45. نشأت التروتسكية في فرنسا بصفتها تيارًا ماركسيًا لينينيًا عقب انشقاق ليون تروتسكي Trotsky Léon (1940-1879)، أحد زعمء الثورة البلشفية الروسية، بعد خلافه مع خليفة لينين على رأس الحزب الشيوعي السوفياتي؛ أي مع جوزيف ستالين Joseph Staline (1878-1953)، ومغادرته الاتحاد السوفياتي وتشكيله اتجاهًا جديدًا داخل الماركسية، مناوئًا للشيوعية السوفياتية. وقد عُقدت الأممية البروليتارية الرابعة، التي أرادها تروتسكي وأشياعه بديلًا من الأممية الشيوعية الثالثة، التي سيطر عليها الحزب الشيوعي السوفياتي، في فرنسا في عام 1938، ولم تلقَ نجاحًا كبيرًا. لكن في عام 1969، توصّل التروتسكيون الفرنسيون إلى تأسيس حزب شيوعي خاص بهم، حمل اسم "الرابطة الشيوعية" communiste Ligue La، ليكون الفرع الفرنسي للأممية الرابعة، ثم انشقت في عام 1973 جمعة عنه لتؤسس "الجبهة الشيوعية الثورية" Révolutionnaire Communiste Front، وتشكّلت بعد ذلك "الرابطة الشيوعية الثورية" في عام 197546. أسّست التروتسكية على قاعدة معارضة الشعار الذي رفعه ستالين "الاشتراكية في بلد واحد"، ورفعت ضدّه شعار "الثورة الدائمة"، رافضةً كل تواطؤ من النظام الرأسملي، وداعيةً إلى العودة إلى "الديمقراطية العملية" للتصدّي للقمع الستاليني. وفي حين بحث الشيوعيون عن تحالف مع البرجوازية الجمهورية، فإن التروتسكية دعت إلى الثورة الاجتمعية الراديكالية47. ولعلّ ذلك ما يفرّسر، في نظر فيليب راينو، بقاء التروتسكية مؤثرةً بعد سقوط الأنظمة الشيوعية؛ إذ أمكن مناضليها القول إن الفكرة الشيوعية في نقائها الثوري، تناقض الصورة القاتمة التي يقدّمها المعسكر الاشتراكي والبلدان المنضوية ضمنه48. ووفق هذا الرأي، لم يأفل نجم الثورة الشيوعية العمليّة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نهائيًا، بل بقيت هذه المهمّة مؤجلة، وينبغي تحقيقها. ويُجمل راينو الأفكار الرئيسة للعقيدة التروتسكية في العناصر الثلاثة الآتية: 1. ضرورة الفصل بين ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1917 وميراثها من جهة، والستالينية من جهة أخرى، ما يمكّن من التمييز، في نظرهم، بين الإرهاب الستاليني والسياسات المعتمدة من لينين وتروتسكي، 2. الطبيعة الاشتراكية لعلاقات الإنتاج في الاتحاد السوفياتي، ما يجعل من البيروقراطية السوفياتية طبقة طفيلية، لا طبقة مستغلة ومالكة لوسائل الإنتاج على غرار البرجوازية في النظام الرأسملي، 3. تخّلي الطبقة البيروقراطية السوفياتية عن السياسة الثورية، وهو ما يفرض إعادة بناء الحركة الثورية وتجديد قيادتها للتحرّر من الرأسملية49.
لكن خلافًا للموية والماويين (نسبة إلى زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ) الذين بقوا على مواقفهم المتصلّبة الرافضة للديمقراطية والانتخابات، بَرهَن التروتسكيون على مرّ الزمن، وعلى الرغم من الانقسامات العديدة في صفوفهم، على قدرتهم على التكيّف مع واقع المنظومة الرأسملية، وأبدوا ليونة جعلتهم يشاركون في مختلف الدورات الانتخابية في فرنسا، من دون أن يلطّفوا من حدّة خطابهم المناهض للرأسملية والرافض للاعتراف بمزايا الديمقراطية التمثيلية. ويلاحظ الباحث كريستوف بورسيي أنه كانت ثمة مؤّشرات انفتاح داخل أحد الفصائل الرئيسة للتروتسكية الفرنسية، الممثّل في الرابطة الشيوعية الثوريةLigue communiste révolutionnaire LCR)(، من بينها تخلّيه في مؤتمره في عام 2003 عن شعار "دكتاتورية البروليتاريا"، ومبادرته إلى تأسيس حزب جديد، يكون سليلًا لحزب الرابطة، وأكثر انفتاحًا منه على القوى الديمقراطية المعارضة للرأسملية. ومع ذلك، عارض الاتجاه التروتسكي المحافظ، بحسب بورسيي، تلك التغييرات، وتغلّب في الأخير، وفرض أن يكون الحزب الجديد حزب الطبقة العاملة، وأن يبقى وفيّا للتصوّر الماركسي؛ أي أن يبقى حزبًا ثوريًا. لذلك، لم تُبدِ قيادة الحزب الجديد المنبثقة من مؤتمر عام 2003 أيّ استعداد للقبول بمطالب بعض أعضاء المؤتمر، الداعية إلى الانفتاح على "اليمين"، وتوخّي الاعتدال في الخطاب والأهداف حتى يستطيع الحزب استقطاب قاعدة انتخابية واسعة، بل إنه نحا صوب مزيد من التصلّب، وضمّ إليه شخصيات ومجموعات سياسية عُرفت بانتمئها إلى اليسار المتطرف50. في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2022، تقدّم مرشحان عن حزبين تروتسكيين للرئاسة، هم نثالي أرتو Artaud Nathalie مرشّحة حزب الكفاح العملي ouvriere Lutte، وفيليب بوتو Philippe Poutou عن الحزب الجديد المناهض للرأسملية Nouveau parti anticapitaliste، سليل الرابطة الشيوعية الثورية، في حين فضّل الحزب العملي الديمقراطي المستقل Indépendent ouvrier Parti، سليل المنظمة الشيوعية العالمية التروتسكية، دعم ترشّح ميلينشون للرئاسة وتحالف الاتحاد الشعبي الإيكولوجي والاجتمعي الجديد الذي كوّنه51. يتّحد التروتسكيون الفرنسيون، مع اختلافاتهم كلها، في نقطتين أساسيتين: الأولى هي العداء للرأسملية والرأسمليين الذين يصمونهم بالتوحش واللاإنسانية. وبهذا، يبقون أوفياء لجوهر العقيدة الماركسية الأرثوذكسية التي ترى أن لا خلاص في ظلّ الرأسملية واقتصاد السوق. والثانية هي عداؤهم لما يسمّونه "الديمقراطية البرجوازية"؛ أي الديمقراطية التمثيلية الليبرالية التي يتمنّون انهيارها حتى تنفجر الأوضاع، ويمكنهم التخلص من الرأسمليين وحسم الصراع معهم في الشوارع، وليس داخل المؤسسات، كم يُفترض أن تكون الأمور في الديمقراطية. وفي انتظار قيام الثورة، ومع أن التروتسكيين يعدّون صناديقَ الاقتراع فاقدة المشروعية، فإنهم يستعملون الانتخابات لإبلاغ صوتهم وإقناع الناس بأن التحرّر يمرّ بالضرورة عبر إطاحة المنظومة الرأسملية. يتميز الماويون من اليسار التقليدي بفكرة يستقونها من ماو تسي تونغ، تؤكد على الطبيعة المبدعة لعفوية الجمهير، وضرورة أن يرافق الحزبُ الطليعي الحركةَ الإرادية للجمهير، بدلًا من أن يقودها ويتحكم في اتجاهها52. وقد لاقت الإرادوية الماوية، التي تعني أن قيام الثورة لا يتوقف على مدى توافر الظروف الموضوعية السانحة، بل على الأعمل البطولية النابعة من الإرادة والعزيمة الصادقة للجمهير التي تمتلك طاقة ثورية فطرية كامنة، تنتظر الطلائع الثورية القادرة على إيقاظها وتحريكها، هوى في نفوس الشباب المندفع في أيار/ مايو 1968 في ما عُرف بالانتفاضة الشبابية في فرنسا. لكن بقي الإطار النظري للمركسية في صيغتها الماوية هو نفسه، وبقيت محاولة الماوية المزاوجة بين وثوقية على صعيد العقيدة
والنظرية، وعفوية جمهيرية على صعيد التكتيك، محدودة بالطوق الذي تضربه النظرية على الممرسة53. يُعرف الماويون بأنهم جمعة من اليسار المتطرف، ينسبون أنفسهم إلى البيان الشيوعيلماركس، لكن أيضًا وأساسًا إلى الكتاب الأحمر لماو تسي تونغ، ويشيدون بالثورة الثقافية التي أطلقها في عام 1966 في الصين، وينتقدون الحركة الإصلاحية التي قادها الزعيم دينغ شياو بينغ Xiaoping Deng (1997-1904)، بعد وفاة ماو تسي تونغ في عام 1976. وقد أسس مناضلون فرنسيون ماويون في عام 1979 "المنظمة الشيوعية الماركسية اللينينية – الطريق البروليتارية"، في حين أسس مناضلون آخرون الحزب الشيوعي الماوي. وفضل عن ذلك، توجد مجموعات أخرى ماوية مستقلة، مثل تلك التي تسمي نفسها "مقاومة هجومية" offensive Résistance، أو "الجبهة الاجتمعية" Social Front54، مع فسيفساء من الحلقات والجمعات، تقوم بقراءات نقدية لمرحلة حكم ماو في الصين، متعاطفة مع هذه التجربة. ينتمي الفيلسوف الفرنسي ألان باديو إلى إحدى هذه الحلقات الماوية التي أطلقت على نفسها اسم "المنظمة"، وهي مجموعة ذات وجود محتشم، تستلهم أفكارها من المأثور الماوي، وتدافع عن حقوق المهاجرين، ولا سيم من هم في وضع غير قانوني55. ولأهمية أفكار باديو في نحت صورة يسار راديكالي من دون مواربة أو تنازل عن أيّ مطلب ثوري، وللاتساق الذي تبدو عليه فلسفته السياسية، سأركز على بعض جوانبها هنا، وأقارنها بأفكار فلاسفة آخرين من أقصى اليسار، من قبيل توني نغري (2023-1933)، وبيير بورديو (2002-1930)، وإتيان باليبار.)-1942(ينتقد باديو بشدة فكرة الوفاقConsensus التي قامت عليها الديمقراطيات الحديثة والمعاصرة؛ إذ تفترض هذه الفكرة أن النزاع في المصالح - مهم كان عميقًا، أو اتّخذ أشك لًا عنيفة - لا يمنع الحلول غير العنيفة والرضائية له. ففي الديمقراطيات، مثلم أشار الفيلسوف بول ريكور (2005-1913)، لا يمنع التضارب والنزاع من أن "تعّبر هذه المصالح عن نفسها في المجال العام، وأن توجد قواعد للتفاوض حولها"، وفي المجتمعات الديمقراطية، "يستدعي النزاع وجود وفاق، وهو ما يجعل التفاوض ممكنًا"، بحسب ريكور نفسه56. وفي مواجهة هذه الرؤية للسياسة بوصفها إدارة للخلافات عبر التفاوض على قاعدة وفاق خلفي، دافع باديو، في كتابه موجز في الميتاسياسة، عم يُسمّيه "سياسة الحدث"، قائلًا: "سنُعارض كل تصوّر وفاقي للسياسة [... لأن] الحدث لا يكون مشتركًا حتى لو كانت حقيقته كونية؛ ذلك أن الاعتراف به بوصفه حدثًا هو نفسه قرار سياسي"57. من وجهة نظر باديو أيضًا، يستطيع قرار سياسي ما أن يصنع الحدث، إذا نجح في إنجاز أمر يكون قطيعةً مع النظام الذي تسير عليه الأشياء في العالم، وأن يجعل فرادة الحدث الذي أنجزه تقترن بكونية "الحقيقة السياسية". وهو يقدّم أمثلة على هذه الأحداث، منها: المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي والعنف اليعقوبي إبان الثورة الفرنسية (1799-1789)، وكذلك وقائع من تاريخ الحركة الشيوعية، مثل بعث "السوفياتات" في أثناء الثورة البلشفية (1917)، وإحداث "مناطق محرّرة" في أثناء الثورة الصينية (1949-1927) والثورة الثقافية في الصين الماوية. وفضلًا عن هذه الأمثلة، يضيف باديو لحظات مهمة من النضالات الراهنة، مثل تلك المتعلقة بإحداث منظمت للدفاع عن العمل المهاجرين المقيمين على نحو غير قانوني في فرنسا، وعن فاقدي المأوى والسند58. لا توجد السياسة، إذًا، إّلا في الحالة التي يتحقق فيها الاقتران بين فرادة "الحدث" و"كونية الحقيقة السياسية". لكن حقيقة هذه السياسة لا يمكن أن تكشف عنها، في نظره، فلسفة سياسية ترى دورها يتمثل في إعادة الاعتبار إلى الرأي في المجال السياسي، وتدعو إلى الحوار والنقاش العام، في الوقت الذي يكون فيه الفعل والقرار السياسيان هم الضرورة العاجلة. ولذلك، يدافع باديو عن أخلاق الحقيقة ضدّ أخلاق التواصل المميزة لسياسة الرأي، لأن "الرأي هو دون الصحيح والخاطئ مرتبة، وخصيصته هي أن يكون قابلًا للإبلاغ فعلًا. وفي المقابل، كل ما يتعلق بمسار الحقيقة هو ما لا يمكن إبلاغه. إن الإبلاغ سمة مميزة للآراء فحسب. أما الحقيقة، فيقتضي الأمر ملاقاتها"59. تكتفي، إذًا، أخلاق التواصل المميزة لسياسة الرأي، في نظر باديو، بخطاب الحدّ الأدنى الذي يعزو للسياسة دورًا سلبيًا، وهو التصدّي للشرّ وتقليص مآسي البشر وآلامهم، ويدين كل مسعى لجعل
تحقيق خير يخدم مصلحة عامة ومشتركة غايةً للفعل السياسي، من جهة أن ذلك سيعود بنا، وفق أشياع أخلاق التواصل، إلى عهد الطوباويات الكليانية. ما يرفضه باديو، إذًا، هو السياسة السلبية التي تعمل على تقليص منسوب الشرّ في العالم، متحجّجة بواقعيتها وقابلية مضامينها للتحديد، ما ييسرر الاتفاق بشأنها، في حين يعسرر تحقيق خير يصعب الاتفاق على صفاته وهويته. وهو يرفض هذه الصورة للسياسة؛ إذ يقول: "إذا كان 'الوفاق' الأخلاقي يقتضي تحديد ما هو الشر، فسيترتب على ذلك أن كل محاولة لتجميع البشر حول فكرة موجبة للخير، وأكثر من ذلك، للتعرّف إلى من هو الإنسان من خلال ذلك العمل، ستكون عندها المصدر الحقيقي للشرّ عينه. إن ذاك لهو ما شحنوا به عقولنا منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا: كل مشروع ثورة، الذي ينعتونه ب 'اليوتوبي'، يتحوّل، على ما يزعمون، إلى كابوس شمولي"60. وضدّ هذا الوفاق الرخو الذي تشكّل في المجتمعات الديمقراطية بعد انهيار الشيوعية السوفياتية، يدافع باديو عن ضرورة ابتكار شروط سياسة تحرّر جمعي جديد. ومن أجل ذلك ينبغي للسياسة، قبل كل شيء، أن تقدّم نفسها باعتبارها سعيًا للابتكار الإيجابي والقطيعة مع النظام المترسخ داخل المجتمع. وبهذا المعنى، يكون مجال السياسة، في الأساس، مجالَ النزاع وتعارض المصالح الذي لا يُحلّ إّلا بانتصار طرف على الأطراف الأخرى وسيطرته عليها، وليس بتوافق أو تسوية بينها61، فالسياسة، وفق هذه الوجهة، لا تكون ممكنة إّلا حينم تجد جمعةٌ ما نفسها تواجه ما سّما ه باديو "الاختبار المصيري بامتياز"، أي الحرب، ومن ثم يصبح إمكان السياسة هنا شيئًا واحدًا، مع احتمل وجود العدو، فعالم سلميّ ومسالم، من دون أعداء مُحتملين، يكون "عالمًا من دون سياسة". لذلك، أكد أن أخلاق الحقيقة، خلافًا لأخلاق الوفاق، تفترض "العملية الفريدة من نوعها المتمثلة في تسمية من هو العدّو"ّ62. ويمكّن هذا التصور للسياسة، بوصفها ممرسة قائمة على علاقة التضادّ والصدام، وعلى التعارض بين العدو والصديق، أشياعَ اليسار الراديكالي من تحديد مجال السياسة بأنه، في جوهره، مجال الصراع بين أعداء ألدّاء. وبناءً على ذلك، يكون رهان الصراع هو الاستحواذ على السلطة السياسية وممرسة الهيمنة، ويكون مُؤَدَّى المواجهة هو انتصار طبقة على أخرى، أو جمعة سياسية على أخرى، فلا مجال في السياسة – وفق هذه الوجهة – لمعالجة، أو حلّ، غير عنيف، ولترتيبات أو إجرائيات متفق عليها يمكن أن يحتكم إليها الفُرقاء المتخاصمون لإنهاء نزاعهم على المصالح وتصوّرات الخير التي يختلفون فيها63. في حين تؤكد الوقائع التاريخية أن استقرار الديمقراطيات المعاصرة ودوامها بقي دومًا رهين إمكانية توافر مثل ذلك الحلّ التوافقي، ومثل تلك الترتيبات المتوافق عليها. ويرى توني نغري، الفيلسوف اليساري الإيطالي وأحد القياديين السابقين للألوية الحمراء الإيطالية، أن الحلول التي تقدّمها الديمقراطيات للنزاعات مغشوشة، لأنها تكبح جمح القوة اللامتناهية للجمهور أو الشعب، بحشرها في قفص "السلطة المُؤَّسسَة". و"السلطة المؤَسّسَة" وفق نغري هي مجمل الترتيبات والإجراءات التي نعدّها في الديمقراطيات اليوم الأسسَ لدولة القانون الحديثة ولتنظيم المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة، وما يقتضيه من تمثيل سياسي وفصل بين السلطات وقواعد عُليا حاكمة للعملية السياسية، من قبيل دولة القانون والمراجعة الدستورية وغيرها64. نحن، هنا، أمام معارضة للديمقراطية القائمة على توافق خلفي باسم ديمقراطية مطلقة، يُقدّمها نغري ومايكل هاردت Hardt Michael في كتابهم الإمبرراطورية على أنها " تنظيم لقوة إنتاجية وسياسية على شكل وحدة سياسية - حيوية خاضعة لإدارة الجمهور، منظمة من الجمهور، وموجّهة من الجمهور - ديمقراطية مطلقة في غمرة العمل"65. وعلى هذا النحو، يعمل هذا التصور الراديكالي للسياسة على نسف الأطر التي تشتغل داخلها ما يصفه الكاتبان "سياسة
برلمانية"، عبر تفكيك ما يعدّانه الافتراضات الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه السياسة. ولئن شدّد باديو ونغري وهاردت على نهج الثورة بوصفه السبيل لخرق الحدود التي فرضتها الشكلانية الليبرالية على الفعل السياسي لئلا يتحول إمكان مجتمع آخر إلى واقع، فإن مؤلَّفيَن آخرَين، لا يقلان عنهم راديكالية، هم باليبار وبورديو، سلكا طريقًا أخرى، تمثلت في القبول بالمكوّنات الرئيسة للديمقراطية الحديثة، واقترحا أشك لًا من النضال الهادف إلى مقاومة مظاهرها التي يعدّانها منتجة باستمرار للتفاوت الاجتمعي66. ويقتضي ذلك، في رأيهم، تعرية منطق التسليع، وكشف أوهام المساواة الشكلية، والعمل على تعزيز المكاسب الاجتمعية وترسيخها. ولكن على الرغم من طابع هذه الوجهة الإصلاحي، فإنها تبقى راديكالية ومتمسكة بالعمل على ظهور أشكال أخرى من تنظيم المجتمع ومفهوم جديد للمواطنة، يتجاوز ما تعدّه الإطار المحدود للمساواة الشكلية في الحقوق التي تحاول الليبرالية حصرها فيه67. ما يبدو لنا مشتركًا بين المقاربتين؛ أي المقاربة الثورية لباديو ونغري وهاردت، والمقاربة المتوسّلة بنهج الإصلاح الراديكالي لإطاحة الرأسملية، التي يتبنّاها باليبار وبورديو، أنهم تختزلان الرابطة الاجتمعية في المفردات نفسها للصراع من أجل الهيمنة، فنموذج الهيمنة يبدو لنا هو الذي يقدّم للسياسات الراديكالية لأقصى اليسار الإطار المناسب لتصوّراتها، فم دامت السياسة تتحدد من خلال هذه الواقعة الصلبة، وهي الهيمنة فحسب، فإنها ستكون موضوع نقد واعتراض أو إصلاح، ليس لبعض جوانبها، أو الاستخدام غير المشروع للسلطة الذي يتعّين رفضه ويجب التصدي له ومقاومته، إنما نظام المجتمع بأسره، القائم على التوزيع اللامتكافئ لأسباب القوة والنفوذ والسلطة. وما يعترض عليه اليسار الراديكالي، باستمرار، يتمثل في المؤسسات السياسية كلها التي لا يمكنها الاشتغال إّلا على قاعدة توزيع العمل الاجتمعي والفصل بين المهيمِنين والمهيمَن عليهم. إن فهم السياسة بوصفها تحررًا من الهيمنة في أشكالها كلها يجعل الفعل السياسي المشروع ذاك الذي ينشد التخلّص، فحسب، من أشكال السيطرة والاستراتيجيات والأجهزة والأدوات كلها التي وُضعت لتكريسها واستدامتها. غير أن عيب هذه المقاربة للسياسة يتمثل في أنها تجعل التحرّر من الهيمنة لا يكون إّلا بالخروج من السياسة نفسها، وبالتخلّص من علاقات السلطة كلها، مثلم أشار إلى ذلك ميغال أبنسور (2017-1939)، وهو ما يبدو لنا حلمًا بعيد المنال68. 3. اليسار الجديد ونقد الماركسية الكلاسيكية يُرجع الدارسون ظهورَ اليسار الجديد في فرنسا إلى عام 1956، الذي تميّز بأحداث مهمة، منها أزمة قناة السويس وقمع الجيش السوفياتي انتفاضةَ بودابست في هنغاريا ضد النظام الشيوعي، بعد عجز الأخير عن السيطرة على الأوضاع، وتقرير خروتشوف عن جرائم ستالين الذي قدّمه إلى الحزب الشيوعي السوفياتي. وفي هذه السنة نفسها، صوّت الحزب الشيوعي الفرنسي في البرلمان لفائدة منح حكومة غي مولي Mollet Guy (1975-1905) الاشتراكي سلطات استثنائية لإعادة الأمن والهدوء إلى الجزائر69. وقد تشكّل اليسار الجديد على قاعدة رفض سياسة الاستقطاب الثنائي بين المعسكرين الأنغلو-فرنسي، الذي تدعّم بانضمم الولايات المتحدة إليه وزعامتها له. وبسبب ذلك، دان أنصار هذا اليسار الاعتداء الثلاثي (إسرائيل وإنكلترا وفرنسا) على مصر، في أزمة قناة السويس، وكذلك التدخل السوفياتي في هنغاريا، لكنهم واصلوا في الوقت نفسه النقد الجذري للرأسملية. وأصبح اليسار الجديد تيارًا عالميًا، بلغ ذروة تطوّره في أواخر الستينيات، مع حركة أيار/ مايو 1968 في فرنسا، وحركات احتجاجية شبيهة عرفتها دول مثل إيطاليا والمكسيك والأرجنتين، وما سُمي أيضًا "ربيع براغ" في عام 1968؛ إذ تدخّلت القوات العسكرية السوفياتية لقمع انتفاضة شبابية ضد الحزب الشيوعي الحاكم هناك، ليبلغ مسار تطوره ونهايته في عام 1989، مع سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الاستقطاب الثنائي، وما كان لهذا الحدث من تداعيات على الصعيد العالمي70.
تزامن بروز اليسار الجديد مع ظهور ضرب جديد من المعارضة السياسية، بلغت أوجها في حركة أيار/ مايو 1968، يُسميها غومبان "الاحتجاج"71. ففي عالم من الوفرة النسبية والتغير التكنولوجي والعلمي والاقتصادي المتسارع، وظهور تشّكلّات وفئات اجتمعية جديدة، اكتشفت الحركة العملية، في نظر اليسار الجديد، أن العمل بدؤوا يُعّبر ون عن رغبتهم في أن يحدّدوا بأنفسهم أهداف نضالاتهم، وأن ينحتوا، لمجتمع المستقبل الذي يريدون، معالمَ اشتراكية أصيلة قائمة على استقلالية القرار؛ أي اشتراكية تحكم فيها الطبقة العاملة نفسها بنفسها، بعيدة عن مركزية التنظيم والقرار التي ميّزت التنظيمت الشيوعية، مثل الحزب الشيوعي الفرنسي والكونفدرالية العامة للشغل التابعة له. وكانت حركات الاحتجاج موجّهة ضد أرباب الأعمل والصناعيين وسلطة الدولة والقيادات التقليدية للطبقة العاملة؛ فبمقاومة التركيبة القمعية للمجتمع في كل مكان في العالم والطوق الخانق الذي يضربه حولهم من نصّبوا أنفسهم قياداتٍ لهم، يمكن العمل - في رأي أنصار نظرية الاحتجاج - القطع مع سنوات من التجارب الإصلاحية العقيمة، ومن الجمود النظري والدوغمئية في تصور المستقبل. وقد أصبحت، في رأيهم، الطبقة العاملة جاهزةً لتحمّل مسؤوليتها في إدارة أعملها والمسك بمصيرها بأيديها. وبناء عليه، ينبغي للنظرية الثورية أن تتغير، وبدلًا من أن تسبق الفعل الاجتمعي، ينبغي لها أن تتبعه، أو - في أفضل الأحوال - ترافقه. تمثّل اليساروية الفرنسية، في نظر غومبان، التي تطابق ما يعرف ب "اليسار الجديد"، ذلك القطاع من الحركة الثورية الذي سعى لتقديم بديل جذري من الماركسية اللينينية بوصفها نظرية في التغيير الاجتمعي وفق رؤية الحركة العملية وتطوّرها. وهي تُقصي، في الوقت نفسه، مبادرات التجديد النظري التي انبثقت من اتجاه الاشتراكية الديمقراطية، بوصفها ليست فكرًا ثوريًا، ولا تجعل من غاياتها تقويض المجتمع الرأسملي، وكذلك الحركات المعارضة الفرنسية كلها المنتسبة إلى الشيوعية، والمتبنّية أشك لًا من التجديد للفكر الشيوعي، بوصفها لا تقدم بديلًا حقيقيًا وتكتفي بالعودة إلى اللينينية، أو إلى الأصول الثورية للمذهب الشيوعي72. وفضلًا عن هذين المَعيَنيَن للتجديد الفكري للحركة العملية، يُقصي اليسار الجديد، في نظر غومبان، مَعينًا آخر يقع بينهم، هو ذلك الذي تنهل منه جمعات وتشكيلات ترى نفسها ثوريةً وإصلاحيةً في الوقت نفسه، تستقي من النزعة البلشفية الثورية، ومن الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية أفكارها وتطلّعاتها. ولا تُدرج أيضًا ضمن اليسار الجديد، في نظر غومبان، تنظيمت وتيارات يسارية، مثل الحزب الاشتراكي الموحد الفرنسي PSU، الذي انصهر في مؤتمر إيبناي في الحزب الاشتراكي الفرنسي الحالي، ومن سمّوا أنفسهم "اليسار الجديد" الإنكليزي، فضلًا عن مجموعات يسارية تتبنّى الإصلاحية الثورية التي وضع أسسها النظرية المفكر الفرنسي أندري كورز73 ومجموعات ثورية إيطالية، مثل مجموعة حركة ""البيان Manifesto Il. يمكن، في رأينا، تحديد نقاط التميز بين اليسار الجديد وأقصى اليسار المتأثر على نحو أو آخر بالماركسية ورؤيتها لمجال السياسة، وطريقتها في ممرسة النقد الاجتمعي في أربع نقاط أساسية. تتعلق الأولى بمراجعة موقع مقولة "الاستلاب" في النظرية الماركسية والاستخدام الموسّع لها، لتشمل فئات اجتمعية غير العُمل. وتتمثل النقطة الثانية في اكتشاف فواعل تاريخية جديدة غير البروليتاريا التي أناط بها ماركس دور الفاعل التاريخي الوحيد. أما النقطة الثالثة فهي بلورة مفهوم جديد للهوية لم يعُد يحصرها في الهوية الطبقية فحسب، وينحو أكثر فأكثر صوب التعددية الهووية. في حين تتمثل النقطة الرابعة في نقد عقلانية عصر الأنوار وصوغ مفهوم العقل الأداتي مع مدرسة فرانكفورت.
أ. مراجعة مفهوم "الاستلاب"
لا بد من التنويه، أولًا، بأن الماركسية، وإن بقيت مرجعًا فكريًا لليسار الجديد، فإنها لا تنتسب إلى ماركس، عالم الاقتصاد وصاحب كتاب رأس المال، بل إلى ماركس السوسيولوجي، صاحب كتاب المخطوطات الاقتصادية والاجتمعية، الذي كان لا يزال عند تأليفه تحت تأثير هيغل74؛ فهو ماركس هيغلي، لم يقطع بعد مع الميتافزيقا، ولم يتبنّ بَعدُ وجهة التحليل الوضعية القائمة على مبدأ الحتمية والتوقّع العلمي، فالوقائع كذّبت التحاليل الاقتصادية لماركس، صاحب رأس المالوتنبؤاته، من قبيل توقّعه أن تصبح الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسملية المتقدمة، على غرار إنكلترا، أكثر فقرًا، وأن يتزايد عدد أفرادها بفعل إفقار الطبقة الوسطى من الرأسمليين الصغار والمتوسطين، لعدم قدرتهم على البقاء في المنافسة في اقتصاد سوق مفتوح مع كبار الصناعيين والتجار، ما يُهيّئها للاضطلاع بدور تاريخي، وأن تصبح الطبقة الثورية الكونية التي بتحريرها نفسها من
النظام الرأسملي وإقامة الاشتراكية، تحرّر الإنسانية جمعاء. وفقدَ اليسار الجديد بهذا الأملَ أن تتبوأ الطبقة العاملة موقع الفاعل التاريخي في عملية التحرّر؛ إذ لم تعد بفعل تحسّن أوضاعها داخل النظام الرأسملي ونجاحها في تحسين شروط الاستغلال مؤهلةً للقيام بهذا الدور الذي اعتقد ماركس أن التاريخ يعزوه إليها75. كانت نقطة الانطلاق لهذه السلسلة من المراجعات لنصوص ماركس الأولى، كتاب جورج لوكاش Lukács Georg (1971-1885) المهم التاريخ والوعي الطبقي (1923) الذي طرح فيه السؤال عن العلاقة بين فلسفة البروليتاريا والثورة الاجتمعية، وانتقد المقاربة المادية الغالبة على الماركسية في عصره، لفصلها بين المادة والفكر، وجعلها الواحد منهم انعكاسًا للآخر، وهي مقاربة تنتهي – وفق تصوّره - إلى التأكيد أن البنية التحتية للمجتمع، التي تشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، هي التي تحدّد البنية الفوقية، ومن ثم، وعي الأفراد وثقافتهم وإداركهم لواقعهم. لذلك، بدت للوكاش هذه المقاربة غير جدلية؛ إذ تتضمن تصوّرًا آليًا بسيطًا وسطحيّا؛ فالنشاط الواعي للأفراد يتمّ، في نظره، ضمن واقع موضوعي عبر مسار تتحقق فيه الوحدة بين الذات والموضوع، وبين عالم الكينونة وعالم الروح. فيقول: "إنه فقط في هذه الحالة عندما 'يُدرَك الحقيقي لا كمدة فقط، بل كذات أيضًا'، عندما الذات (الوعي، الفكر) تكون بذات الحين مُنتِجَة ونتاج التطوّر الجدلي، عندما تتحرك بالنتيجة بذات الحين في عالم خلق ذاتَه وكان صورتَها الواعية، وهذا العالم يفرض مع ذلك عليها في ملء الموضوعية، فآنئذ فقط إن قضية الجدلية وتجاوز التضاد بين ذات وموضوع، فكر وكائن، حرية وضرورة... إلخ، يمكن اعتبارها محلولة"76. وفق هذا التصور، يُحدث فعل المعرفة نفسه تغييرًا في موضوعه. وحين نتوقف عند الموضوع فحسب، لا نمسك إّلا بمظاهر الأشياء ونعدّها في آنيتها وراهنيتها الماثلة أمامنا، ولا ندركها في صيرورتها ومسار تشكّلها. المقولة الفلسفية السليمة، هنا، هي مقولة "الكليّة" التي لا يمكن فهمها وتقدير أهميتها إّلا من خلال المنهج الجدلي، في حين أن المنهج الذي يُسمّيه لوكاش "التفكّري" Reflexive لا يدرك إّلا ضربًا زائفًا من الموضوعية، فهو منهج خاص بمنطق المعرفة للبرجوازية التي لا تستطيع أن ترتفع عن الآنية وتتجاوزها لأنها حبيسة الموقع والوضع الذي تحتله في التقسيم الاجتمعي للعمل، في حين أن البروليتاريا - بفعل جدلية وضعها الطبقي - مدفوعة إلى البحث لنفسها عن سبيل للخلاص منه، وهي الوحيدة القادرة على امتلاك فهم للمسار برمّته؛ أي في كلّيته. ومن ثم، لا يكون الوعي، بحسب هذا التصور، مجرّد انعكاس للمسار التاريخي، إنما الفاعل الحقيقي الذي يمكنه أن يحوّل التاريخ من خلال الأفعال التي يم لي القيام بها. وفي لحظة الثورة، يزول تمامًا الفصل بين الذات والموضوع في المسار الثوري. وهو مسار لا تستطيع إدراكه في كلّيته إّلا فئة قليلة من البشر، تمكّنت من الارتفاع إلى مستوى الوعي الذاتي. من خلال هذه العودة إلى كتابات ماركس الشاب، والتشديد على التطابق بين الذات والموضوع ضمن المسار التطوري، ينتقد لوكاش مادية جورجي بليخانوف Plekhanov Georgi (1918-1856) وكارل كاوتسكي Kautsky Karl (1938-1854) ونظريتهم في التطور التدرجي للرأسملية نحو الاشتراكية الذي تبنّاه الإصلاحيون الألمان77، والذي يراه نتاج قراءة خاطئة لماركس، قائمة على الفصل بين الجدلية والمادية التاريخية، أدّت إلى اعتمد قراءة مادية صرفة للتاريخ، تدّعي اكتشاف القوانين التي تحكم مسار تطوره، وأفضت إلى شيوع مفهوم خاطئ في أوساط الماركسيين والحركة الشيوعية العالمية، تمَّثَل في ما أطلق عليه "الاشتراكية العلمية". وأمر كهذا كانت له مفاعيل مهمّة على صعيد تقييم الحركة الثورية ومسار تطورها، فم يُطعن في وجاهته هنا هو الدور الطليعي المنوط بالحزب الثوري القائد للطبقة العاملة، من جهة أن العنصر المحدّد لم يعد يكمن - كم هو الأمر وفق تصوّر المادية التاريخية - في التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، إنما في وعي البروليتاريا بذلك. ووعي البروليتاريا لا يكون مباشرًا، بل عبر قدرتها على التحرّر من الاستلاب الذي يُسميه لوكاش "التشيؤ"78. وبهذا، يكون العامل المحدّد هنا هو الاستلاب الذي لا يتعلق بعوامل موضوعية قابلة للملاحظة يمكن استقراؤها عبر المعرفة بقوانين التاريخ، مثلم تؤكد ذلك القراءة الأرثوذكسية للمركسية، التي يقوم بها منظّرون ماركسيون، مثل كاوتسكي، إنما بعوامل مقترنة بالوعي، ومن ثمّ تنضوي ضمن البنية الفوقية للمجتمع. تُعدّ قراءة لوكاش للمركسية، التي تعطي الأسبقية للجدلية على المادية التاريخية، والوعي على البنية التحتية للمجتمع، والاستلاب على الاستغلال، تطورًا مهمًا في فكر اليسار الجديد، كان له أثره في أوليّات النضال من أجل التحرّر، فجرى التحوّل - تدريجًا - من نقد الماركسية إلى نقد المجتمع. وبدأ ذلك عبر تبلور تصوّرات وقراءات
"تحريفية" للمركسية وتحليل للتجربة السوفياتية التي أدّت إلى ترسيخ نظام بيروقراطية دولة ورأسمليتها. إن أهم سمة ينبغي لنا التشديد عليها، في نظرنا، في هذا الفكر الجديد الذي برز داخل الماركسية، هي القطيعة مع الهَوس بالعوامل الاقتصادية، فقد تبّين أن إزالة أسباب الاستلاب على الصعيد الاقتصادي لا يُنهيه تمامًا في الواقع. وبمعنى آخر، ينبغي القطع مع كل إرث المقاربة الماركسية للواقع، وفق مبدأ الحتمية الاقتصادية، ولا سيم بعد أن كذّب الواقع فرضيات كتاب رأس المال، على نحو ما أسلفت. لقد أكد اليسار الجديد ضرورة وضع حرية الاختيار للإنسان المستلب في الصدارة، حتى يمكنه التحرّر على صعيد الحياة اليومية، محَّلَ نزعة اقتصادوية شائعة بين الماركسيين تعود إلى المرحلة الأخيرة من كتابات ماركس، التي أكدت الحتمية العلمية وتجاهلت دور الوعي الفردي والطبقي، ورسّخت في الوقت نفسه ممرسات الامتثال والطاعة للقيادة السياسية. ينبغي كذلك وضع الظاهرة الثورية في سياقها التاريخي، فالنظرية الثورية الأرثوذكسية تؤكد أن التناقضات الاقتصادية للرأسملية توفر الأرضية لظهور أسباب التغيير الاجتمعي، ما يقتضي تقويض البُنى الرأسملية التي تنتج باستمرار أوضاع الحيف والاستغلال والاستلاب. ويرفض اليسار الجديد هذه المقاربة الاقتصادية الضيقة، ويؤكد أن المجتمعات الغربية ليست مُقدِمة على أزمة اقتصادية حادة، وأن الانهيار الاقتصادي للرأسملية، الذي ما فتئ تروتسكي يُبّشر به منذ برنامجه الانتقالي في عام 1938، بعيد عن التحقق. ومن خلال تحليله التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي والجمهوريات الاشتراكية الأخرى، استنتج اليسار الجديد أن التغّير ات في البنية التحتية، من قبيل إلغاء المِلكية الفردية وتأميم وسائل الإنتاج، لا تكفي لتحرّر الإنسان وانعتاق المجتمع؛ إذ يبقى خضوع البشر هو الواقع القائم في موسكو، أو نيويورك، أو بيجين، أو باريس. وبقدر ما تتطور أشكال جديدة من الإنتاج والاستهلاك، وتزدهر التكنولوجيا، وتعمّ مجالات الحياة كلها، تبرز أشكال جديدة من الاستلاب. لذلك، يقتضي أيّ مشروع تغيير راديكالي تحليلًا عميقًا للمجتمع الحديث وأشكال الاستلاب التي تنتشر في داخله. ولهذا، سيكون الضوء مسلّطًا على نقد الحياة اليومية ومظاهر الاستلاب التي تشوبها، بعد أن كان مسلّطًا على العوامل الاقتصادية، مثل تلك المتعلقة بنمط الإنتاج والاتجاه التراجعي لنسبة الربح في النظام الرأسملي. لقد توسّع نطاق نقد المجتمعات الرأسملية والأنظمة الشيوعية المنظّمة في شكل بيروقراطية دولة، القائمة في البلدان التابعة للاتحاد السوفياتي في ذاك الوقت، ليشمل مجتمعات الاستغلال كلها، وتاليًا المجتمعات كلها79. وأصبح النقد الماركسي للاستغلال والاستلاب اللذين يخضع لهم العمل في المجتمع الرأسملي، يشمل موضوعات وفئات لم يكن ينشغل بها التحليل الماركسي الكلاسيكي، وفتح بذلك جبهات جديدة من الصراع. لم تُنْفَ أهمية نقد الاستلاب وقيمته بالنسبة إلى النظرية الاجتمعية في التحرّر، فوضع المنتِج المفصول عن مُنتَجه لا يزال يُعدّ الاستلاب والتشيّؤ في معناه الجوهري والمطلق، لكن، أكّد النقد الجديد، في الوقت نفسه، أن العامل هو أيضًا ضحية لأشكال أخرى متعدّدة من الاستلاب في حياته اليومية؛ فالعائلة، مثلًا، تمثّل بنية استلابية أوّلية، تعمل على إعادة إنتاج النموذج السلطوي والتراتبي للمجتمع، وتصهر التنشئة الاجتمعية نفسيّةَ الطفل على نحو يجعله يتواءم مع الدور الذي خصّصه له المجتمع وعزاه إليه، في حين تُواصل المدرسة والتقليد البيداغوجي السائد تكييف الطفل واقتلاعه من عفويته وتجريده من فضوله ومن رغبته العميقة في الخلق. وتهدف، كذلك، أخلاق الجنس والمحرّمات والمحظورات إلى تدمير عناصر الشخصية الحرة والفردية80. وحين يتحوّل الطفل إلى إنسان راشد، يكون المجتمع قد هيّأه لدور المستهلك، والعامل، والموظف، وما إلى ذلك. وفي مجالات حياته كلها، يكون الفرد مفصولًا عن رغباته، وعن الإشباع الحقيقي لها. وحتى يستردّ الفرد إنسانيته الحقيقية السليبة، ينبغي له أّلا يكون واعيًا بالواقع الاقتصادي والسياسي للاستلاب الذي يعيشه، فحسب، بل أن يزيل أيضًا أسباب
الفصل في مجالات حياته كلها، حتى يصبح سيّد نفسه81. وعلى المستوى الجمعي، يعني ذلك أن يكون قادرًا على التحكّم في كل قطاع من قطاعات الحياة الاجتمعية التي يمارس فيها تجاربه على نحو يومي82.
ب. فواعل تاريخية جديدة
من المهم التذكير أن الثورة البلشفية العملية في روسيا في عام 1917 حصلت ضد توقّع ماركس وتحليلاته، وكذلك الثورة الصينية في عام 1949. لذلك، ينظر اليسار الجديد إلى زعمء ثوريين، مثل لينين وماو وكاسترو وتشي غيفارا، بأنهم تحريفيون ناجحون83، فلينين كان أول التحريفيين الذين نجحوا في إثبات خطأ توقّعات ماركس، ونجح ماو في تحدّي تعليمت ستالين، المستوحاة من العقيدة الماركسية الأرثوذكسية، وأن يثبت أن الفلاحين يستطيعون التحوّل إلى طبقة ثورية وتحرير بلدانهم. والشيء نفسه ينطبق على كاسترو الذي نجح - مع رفيق دربه غيفارا - في القيام بثورة في مجتمع متخلّف صناعيًا، وهو كوبا، بالاستناد إلى معرفة جيّدة وخبرة مستمدّة من الظروف المحلية وتشخيص جيد لما يتطلّع إليه الناس في بلدانهم. لذلك، بدت الماركسية التي يتبنّاها اليساريون الجدد في أواسط خمسينيات القرن الماضي منهجيةً في تحليل الواقع، أكثر مم هي عقيدة أو مذهب. واتجه هؤلاء صوب الجانب الرومانسي في فكر ماركس، الذي يبرز فيه ناقدًا أخلاقيًا للمجتمع الرأسملي، وظّف نظرية الاستلاب التي استقاها من هيغل، لتفسير أسباب فقر حياة الأفراد في المجتمع الرأسملي وخلوّها من المعنى84. إن ما يبقى، في نظرهم، من فكر ماركس، حين يُجرّد من الانحرافات الوضعانية التي شابته، هي فكرة أن شرور العالم الرأسملي كلها ومساوئه تشكّل منظومة واحدة ومتكاملة، وأن على كل شخص أن يعمل من أجل التحرّر والثورة في أيّ ظروف يجد نفسه فيها. ويشدد موريس كرانستون على سمة ثانية لفكر اليسار الجديد، فضلًا عن الاستخدام الموسع لنقد الاستلاب والتشيّؤ في المجتمعات الرأسملية، هو يأس أنصار هذا الفكر من إمكان أن تتحمل البروليتاريا في هذه المجتمعات المسؤولية التي أناطها بها ماركس، وهي تحرير نفسها وتحرير الإنسانية من نظام يقوم على الاستغلال والاستلاب، بعد أن أصبحت هذه الطبقة، بحسب ماركوز، مندمجة في النظام الرأسملي، ولا ترى مصلحتها خارجه85. وقد وجد اليسار الجديد بروليتاريا أخرى غير تلك التي وصفها ماركس، تتمثل في من وصفهم فرانز فانون Fanon Franz (1961-1925) ب "معذبي الأرض"86. تتكوّن هذه البروليتاريا الجديدة من المفقّرين والمظلومين من فلاحين وعُمل المناطق الريفية في العالم الثالث وسكان المعازل الأميركية من السود، وجميع المستلبين الذين لفظهم نظام المجتمع الرأسملي وجعلهم يعيشون على الهامش، مثل المهاجرين فاقدي تصاريح الإقامة الرسمية في دول الملجأ. لذلك، نظر مفكرو اليسار الجديد وقادته، أمثال سارتر ودوبري وفانون وماركوز وغيفارا وكاسترو وغيرهم، إلى الثورات والكفاح ضد الاستعمر باعتبارها علامات لبروز تشكّل جديد للبروليتاريا، لم يعطه لا ماركس ولا إنجلز الأهمية التي يستحقها.
ج. الهويات المستلبة
التطور الثالث في فكر اليسار الجديد، هو ذاك المتعلق بالهويات المستلبَة التي عانت وتعاني الحيفَ والظلمَ والنكران، فبعد بلورة صياغة جديدة لفكرة الاستلاب والتخّلي عن الدور الطليعي للطبقة العاملة في تحرير الإنسانية، الذي يمكن عدّه هو الآخر من استتباعات الاستعمل الموسع لنقد الاستلاب في الحياة اليومية، يأتي التفكير في الهوية بصفته مشغلًا أساسيًا.
بدأ مفهوم "الهوية"، منذ ستينيات القرن العشرين، ينتشر في الخطاب العام والعلوم الاجتمعية. ويستخدم الفاعلون الاجتمعيون مقولة "الهوية" عند التعبير عن ذواتهم وتوصيف ممرساتهم للتأكيد على ما يشتركون فيه من سمت مع الآخرين، وعلى ما يختلفون فيه عنهم من صفات أخرى. ويستخدمها أيضًا القادة السياسيون لإقناع الناس بضرورة إدراك ذواتهم ومصالحهم والصعوبات التي يواجهونها بوصفها أمرًا مشتركًا بين أناس ذوي هوية واحدة ويختلفون عن غيرهم. ويمكّن ذلك هؤلاء القادة من توجيه الفعل الجمعي صوب غايةٍ ما، وتعبئة الطاقات والإمكانيات لتحقيقها87. وعلى هذا النحو، تستخدم مقولة "الهوية" في الحياة اليومية لتعيين ما يُسمّى "سياسات الهوية" في أشكال مختلفة. وعلى الرغم من غموض المصطلح، فإنه يمكننا أن نميّز بين المعاني الآتية التي يستخدم وفقها. في المعنى الأول، تبرز الهوية بصفة الدافع والمحفّز للفعل السياسي والاجتمعي، سواء أكان فرديًا أم جمعيًا، وتأخذ مكان المصلحة الفردية التي يُفترض أن تكون محفزًا كونيًا للفعل، وفق وجهتي نظر ليبرالية السعادة وليبرالية الحقوق التي تعدّ الحقوق الذاتية والمصالح هي دوافع الفعل الفردي. في هذا التصوّر، تكون الاعتبارات المتعلقة ب "تصوّرات ذاتية خصوصية"، لا بمصالح شخصية فحسب، هي المحفّز. ويفترض ذلك فهمًا وتفسيرًا للفعل من خلال متضادين: الأول يضع في تقابل تصوّر الذات لذاتها والمصلحة الخاصة؛ والثاني هو تقابل الخصوصية والكونية. والمعنى الثاني هو ذلك الذي يشدّد على الطابع الجمعيّ للهوية، ويُحيل هنا إلى سمة أساسية تجعل أعضاء مجموعة أو فئة من الناس متشابهين، أو على الأقل يرون أنفسهم كذلك. ويمكن أن تُفهم هذه السمة موضوعيًا بأنها مصدر الإحساس بشبَه قائم في الواقع، أو على نحو ذاتي بوصفها موضوع شعور وإدراك وخبرة مشتركة بين أعضاء تلك المجموعة. ويفترض أن يتمظهر ذاك التشابه في السمة في أشكال من التضامن، وفي وعي وميولات مشتركة وأفعال جمعية. ويعترضنا هذا الاستخدام على نحو خاص في الكتابات عن الحركات الاجتمعية والتقسيم الجنسي للأدوار الاجتمعية والدراسات المتعلقة بقضايا الإثنية والانتمء الثقافي والقومية88. وعندما تصبح الهوية التعبير الأساسي عن كيان فردي، سواء أكان خاصًا أم جمعيًا، والشرطَ الضروري للكينونة الاجتمعية، تحيل إلى أمر يُفترض أن يكون أساسيًا وعميقًا ومؤسّسًا. وتغدو عندها متميزة من إجملي الصفات الأخرى للذات، التي يُنظر إليها عندئذ أنها سطحية وعرضية وحادثة، في حين تكون الهوية أمرًا ينبغي الاعتراف به وتثمينه وتنميته ورعايته والحفاظ عليه. وتستخدم الهوية، وفق هذا المعنى، للدلالة على الطبيعة التعددية المتقلبة والمجزّأة وغير المستقرة للأنا الفردي في العالم المعاصر، وهو ما يجعله في حاجة إلى هوية مشتركة تمنحه، هو وجمعة الانتمء، صلابة وفهمًا جمعًّيًا يتشاركه مع سائر أعضائها ويُطمئنهم على الاستمرارية عبر الزمن لتلك الخصيصة المشتركة بينهم. وعلى مستوى منطق الفعل الجمعي، يعطي ذلك الأولوية لفكرة التضامن بين أعضاء الجمعة وتغليب مصلحتهم المشتركة على التصوّر الأداتي للفعل من حيث هو فعل فردي ينشد مصلحة خاصة مفهومة جيّدًا. في الديمقراطيات المعاصرة، أدّى السيل الطافح من المطالب ذات الطابع الهووي في العشريات الثلاث الأخيرة إلى تحّولّات مهمة في الخطاب العام والحجاج السياسي، وأحدث أثرًا مهمًا في مختلف حقول المعرفة العلمية في الدراسات والبحوث الأكاديمية89، أهمها النقد اللاذع الذي وُجّه إلى مقولات أضفي عليها في السابق طابع كوني، مثل مقولة العامل من حيث هو عنصر من طبقة مرشحة للقيام بدور الفاعل التاريخي الذي في الوقت الذي يحرر نفسه، يُحرّر الإنسانية جمعاء، على نحو ما تزعم الماركسية. ومثلم وَظّفت الماركسية نقد جوزيف دي ماستر Maistre de Joseph (1821-1753) لإعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية، حين أعلن أن الإنسان لا وجود له، وما يوجد هو الشخص الحامل جنسيةَ بلدٍ ما والمنتمي إلى قومية ما، لتؤكد أن الفرد لا وجود له من حيث هو إنسان، وأن ما يوجد هو العضو في طبقة اجتمعية ما، فإن أنصار التعدديّة الهووية نفوا وجود الطبقة، وأكّدوا في المقابل وجود الجمعة ذات الهوية الخاصة التي لا تُختزل في مصالحها الاقتصادية فحسب، مثلم تدّعي الماركسية90. وفضلًا عن ذلك، كان النقد موجّهًا أيضًا إلى مقولة المواطن الليبرالية، فهي الأخرى تطمس الواقع، لأن مواصفات المواطنة، بحسب ما صاغتها النظريات الليبرالية والجمهورانية، لا تتجسّد إّلا في الأبيض الأميركي، الذكر البروتستانتي الميسور والمندمج اجتمعيًا، هذا على الرغم من طابعها المجرّد وادّعائها الحياد تجاه اعتبارات اللون والدين والثقافة والعرق والجنس والطبقة91، فالمجموعات الاجتمعية المختلفة، يتميز بعضها من بعض بحاجات ومصالح وثقافة وتاريخ وواقع حياة وإدراك لعلاقاتها الاجتمعية، خاص بها يميزها من غيرها. ومن ثم، ينبغي لفكرة المواطنة، بحسب وجهة النظر المنافحة عن سياسات الهوية، عدم نكران أهمية هذه الاختلافات، بل يجب الاعتراف بها والإقرار بطابعها الجوهري.
يستوجب الأمر عندئذ، في رأيهم، إعادة تعريف المواطنة وفق مقتضيات تعددية المجموعات الإثنية والثقافية والأنواع الاجتمعية التي تكون كل واحدة منها متضامنة داخليًا، وتجعل من الأخرى خصمًا أو خطرًا محتملًا يتهدد كيانها ووحدتها، وهو ما يفرض على الفعل السياسي في الديمقراطية، بالنسبة إلى إريس ماريون يونغ، وهي واحدة من المدافعات عن سياسات الهوية، أن ينشد إقامة تحالفات بين المجموعات المغلقة لخوض الانتخابات، أو لتنظيم فعاليات مشتركة بينها، أو للمساومة على مطالبها وأولوياتها، بدلًا من إنكار وجودها وطمس حقيقتها بدواعي المواطنة الواحدة والمتساوية، على نحو ما تفعل الليبرالية92.
د. العقل والتقنية والسيطرة على العالم
إلى جانب هذه التحّولّات الثلاثة التي برزت من داخل حقل التجديد الفكري لليسار الجديد: إعادة الاعتبار إلى المقولة الفلسفية ل "الاستلاب" وإعادة صوغها واستخدامها على نحو موسّع لتحليل مظاهر الاستلاب في الحياة اليومية، واكتشاف فواعل تاريخية، غير الطبقة العاملة، تعاني الاستلاب والاضطهاد، وتبني مطالب الهويات الأقلية المظلومة، هناك أيضًا وجه آخر للتجديد الفكري اليساري الراديكالي، كان له أثر في النقد الجذري للمجتمع الاستهلاكي الحديث، ونقصد به نقد ماكس هوركهايمر Horkheimer Max (1973-1895) وثيودور أدورنو Adorno Theodor (1969-1903) للعلم والتقنية وعقلانية الأنوار. شدّدت القراءة الماركسية التقليدية لمسيرة التاريخ البشري، من العهود البدائية إلى عصر الرأسملية، على تنامي قدرة البشر على السيطرة على العالم مع تطور قوى الإنتاج. وفي عصر الأنوار، مع ولادة العلم الحديث والقدرات الهائلة التي وفّرها لتوظيف المعرفة العلمية عبر التقنية للسيطرة على الطبيعة، بلغت مسيرة التاريخ أوجها، ومكّنت من تحرير البشر من استبداد الضرورة الطبيعية. غير أن ثمار هذا التحرّر، وفق وجهة نظر الماركسية التقليدية، صادرتها الطبقاتُ المُهيمنة والمُستغِلة التي استفادت من التقسيم الاجتمعي للعمل لتجييرها لمصلحتها. ويبقى الأمل معقودًا في خلق مجتمع الوفرة الدائمة وتحقيق "مملكة الحرية"، بإعادة امتلاك المنتجين أنفسهم؛ أي العُمل، أدوات الإنتاج، في المرحلة الشيوعية. شكك أدورنو وهوركهايمر في مدى سلامة هذه السررديّة وواقعيّتها، وعدّا القطيعةَ بين الإنسان والطبيعة وما نتج من ذلك من هيمنة وتحكّم مستمر ومتطور في الطبيعة، لم يُفض إلى أيّ تقدّم صوب التحرّر والانعتاق البشري، فالمقابل الذي دفعه البشر للانفصال عن الطبيعة والهيمنة عليها، كان التقسيم الاجتمعي للعمل الذي خلّف استغلالًا واضطهادًا، كُبر حجمُه باطّراد مع تزايد السيطرة على الطبيعة، على الرغم من توافر قدرات كبيرة للتحرّر93. وقد ترافقت السيطرة على الطبيعة مع تعزيز نفوذ الطبقات المهيمنة اجتمعيًا بفعل تقسيم العمل وإخضاع غالبية الناس للنظام الاجتمعي ومعاييره، التي غدت بمنزلة الطبيعة الثانية التي تحكم أفعالهم وتحدّد رؤيتهم لأنفسهم وموقعهم ضمن علاقات الإنتاج القائمة. ولم يقم التقدم التكنولوجي إّلا بتطوير آليات الهيمنة والاستبداد وتحسين نمط اشتغالها وأدائها. وفي الوقت نفسه، توسّعت سيطرة العقل الحسابي التي لم تعد مقصورةً في مجال الطبيعة الخارجية، بل شملت الطبيعة الداخلية للإنسان نفسه، مُحدثةً انشطارًا داخل الذات، بين أنا عقلاني، مستبطن للقيم السائدة اجتمعيًا ويعتمد الحساب لتحقيق الغايات والأهداف المُحِدِّدة للفعل الاجتمعي، وأنا إمبريقي، مجالُه الأحاسيس والدوافع والمشاعر العفوية، وخاضع لسيطرة الأنا العقلاني وتحكّمه. وقد حوّل تطور أدوات العقل في الهيمنة على عالم الطبيعة، من خلال العلوم والتكنولوجيا، المحيطَ الطبيعي الخارجي إلى مجرّد مواضيع محدّدَة كمًّيًا، جاهزة للاستخدامات البشرية المتعددة، ومحا التمييز بين الأشياء في وجودها المستقل وإدراكنا لها لمصلحة ضرب من التطابق بين المفاهيم والنظريات والواقع التجريبي والمخبري؛ فالتنوير - بتعبير هوركهايمر وأدورنو – "لا يعترف بوجودٍ وبحدثٍ إّلا ما أمكن ردّه إلى الوحدة: إن مثاله هو النظام أو النسق الذي يمكن استخلاص كل شيء منه. وبذلك لا يمكن التفريق فيه بين شق عقلاني وآخر تجريبي"94. وقد بلغ هذا النفيُ للطبيعة، في رأيهم، صورتَه الفلسفية المكتملة في عصر الأنوار، حينم أصبحت الطبيعة هي العقل نفسه، والسياسة في الفاشية حينم انتقمت الهمجية لنفسها من الحضارة، وكأنما الطبيعة الممتهنة تثأر من العقل. ووصل التطور الصناعي والتكنولوجي أعلى مراحله حينم تحوّل إلى مشروع تدمّر من خلاله البشريةُ نفسها، بتدميرها كوكب الأرض الذي تقيم عليه وجودها، وغدا كل ما ابتكرته وأنشأته على هذا الكوكب معرّضًا للهدم والنسف، إما بفعل الانفجارات والحروب التي غدت تعتمد أخطر الأسلحة وأكثرها دمارًا، أو بفعل التلوث. وبدلًا من السعي المحموم للسيطرة على الطبيعة، ينبغي للبشر أن ينشدوا إقامة مجتمع متحرّر من الاستغلال والاضطهاد الطبقي والتصالح مع الطبيعة، وهو ما يعني التخّلي عن الإصرار العنيد على فرض رغبات البشر ونزواتهم عليها والإقلاع عن تعريف هوية البشر بوصفها هيمنة ونسيطرة على العالم، ويتعّي - في الوقت نفسه - الاعتراف بالتميز بين الطرفين، الطبيعة والإنسان، وضرورة إعادة صوغ العلاقة بينهم على نحو يبتعد عن أسلوب الإخضاع والهيمنة95.
خاتمة
سعت هذه الدراسة لفهم طبيعة الفكر السياسي المميز لليسار الفرنسي الذي جعله ينحو صوب التطرف والراديكالية. وخلافًا لليسار الاشتراكي الديمقراطي الأوروبي، كان اليسار المعتدل الفرنسي - ممثلًا في الحزب الاشتراكي وحزب راديكاليي اليسار - متردّدًا، على الرغم من فوزه في الانتخابات وتولّيه حكم البلاد في مناسبات عدة، في الدفاع عن سياسات تقطع مع الأحلام الثورية للاشتراكية الماركسية في القطيعة مع النظام الرأسملي. وقد حاولت الدراسة أن تُبّين أنه خلافًا لما هي الحال في عدد من الديمقراطيات الأوروبية، حيث بدا الانقسام واضحًا بين يسارٍ معتدل يُسمى "يسار حُكم"، مسيطرٍ على المشهد السياسي ويدفع الثقافة السياسية والجدل العام نحو الوسطية والواقعية والبراغمتية، لم يكن الانقسام داخل اليسار الفرنسي بالبّين والعميق، فالحزب الاشتراكي الذي حكم فرنسا مرات متعدّدة، كان يضمّ داخله قوى ذات خطاب راديكالي، سعى دومًا لإرضائها وجعلها تقبل بالسياسات الإصلاحية، كم سعى - في المناسبات كلها التي فاز فيها في الانتخابات - لاستقطاب أحزاب يسارية راديكالية لتوريطها في الحُكم وإقناعها باعتمد سياسات واقعية وإصلاحية، في حين أنه لم يجازف (ولو مرة واحدة في تاريخه) بإبرام اتفاقيات وتسويات مع يمين الوسط، الذي بدا أحيانًا أقرب إلى سياساته الحكومية من اليسار الراديكالي والمتطرف. وقد حاولت الدراسة أن تُفرّسر هذا التردّد في فكر الاشتراكيين بسطوة الفكر السياسي المتطرف والخطاب الراديكالي وفاعليتهم السياسية، وسعت لرصد التحّولّات الفكرية والفلسفية التي طرأت على ثقافة اليسار وجعلته ينقسم إلى يسار راديكالي معادٍ للرأسملية، يقف على يسار الحزبين الشيوعي والاشتراكي الفرنسيين، يتبنّى الماركسية اللينينية في صيغتها التروتسكية أو الماوية، ويسار جديد يجعل من التحرّر من أشكال الاستلاب كلها، لجميع فئات المجتمع وجميع المعذبين في الأرض غايته، ومن مقاومة أشكال الجور والحيف كلها قضيته الأساسية، ومن التغيير في طبيعة الثقافة والتربية، وتكوين الإنسان الجديد برنامج عمله. هذا اليسار الجديد، كم يقول عنه لوغوف، نقل مركز الاهتمم من القضية الاجتمعية المركزية، وهي العدالة الاجتمعية وتعميم أسباب الرخاء وفوائد النمو الاقتصادي على جميع المواطنين وتحقيق الإدماج الاجتمعي على قاعدة قيم المواطنة المتساوية، إلى قضايا المجتمع والمسائل التي تخصّ الأقليات والهويات المضطهدة والتحرر العالمي ومقاومة ما يسِمه اليسار الراديكالي بالعولمة الرأسملية النيوليبرالية وتدميرها للمحيط الطبيعي وإفقارها لعالم الحياة من خلال التقنية والعلم واكتساح العقل الأداتي له.
المراجع
العربية
الشيخ، محمد. المثقف والسلطة: دراسة في الفكر الفلسفي المعاصر. بيروت: دار الطليعة،.1991
فانون، فرانز. معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي وجمل أتاسي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015
فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993
كيمليشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة. ترجمة منير الكشو. تونس: دار سناترا للنشر،.2010
لوكاش، جورج. التاريخ والوعي الطبقي. ترجمة حنا الشاعر. ط. 2 بيروت: دار الأندلس،.1982
ماركس، كارل. مخطوطات ماركس لعام 1844. ترجمة محمد مستجير مصطفى. القاهرة: دار الطباعة الحديثة،.1974
ماركوز، هربرت. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. ط 3. بيروت: دار الطليعة،.1988
هاردت، مايكل وأنطونيو نغري. الإمبرراطورية: إمبرراطورية العولمة الجديدة. ترجمة فاضل جتكر. الرياض: دار العبيكان،.2002
هوركهايمر، ماكس وثيودور ف. أدورنو. جدل التنوير. ترجمة جورج كتوره. بيروت: دار الكتاب الجديد،.2006
هونيث، أكسل. التشيّؤ: دراسة في نظرية الاعتراف. ترجمة كمل بومنير. الجزائر: دار نشر كنوز الحكمة،.2012
الأجنبية
Abensour, Miguel. "Philosophie politique, critique et émancipation." La philosophie et l'émancipation de l'humanité (UNESCO). no. 10 (2002).
Anderson, Perry. Considerations on Western Marxism. London: Verso, 1975.
Audier, Serge. "La gauche réformiste et le libéralisme." Alternatives économiques. vol. 4, no. 40 (2008).
Badiou, Alain. Abregé de Métapolitique. Paris: Seuil, 1968. _________. L'éthique. Paris: Nous, 2003.
Balibar, Etienne. "Les frontiéres de la démocratie européene." Critique internationale. vol. 1, no. 18 (2003).
Bergounioux, Alain. "Socialisme français et social démocratie européenne." Vingtiéme siécle: Revue d'histoire. no. 65 (Janvier-Mars 2000).
Berguinioux, A. & B. Manin. Le régime social- democrate. Paris: PUF, 1989.
Berguinioux, A. "Demain La social-démocratie?" Le Débat. no. 161 (2010).
Berman, Marshall. The Politics of Authenticity, Radical Individualism and the Emergence of Modern Society. New York: Atheneum, 1972.
Berstein, Serge & Odile Rudelle (dir.). Le modéle républicain. Paris: PUF; Hachette, 2015.
Boltanski, Luc & Eve Chiapello. Le nouvel esprit du capitalisme. Paris: Gallimard, 2011.
Bourdieu, Pierre. Contre-feux. Paris: Liber-raisons d'agir, 1998.
Bourseiller, Christophe. L'extrêmisme, une grande peur contemporaine. Paris: CNRS Editions, 2001.
_________. Nouvelle histoire de l'ultra-gauche. Paris: Les Editions du Cerf, 2021.
Brubaker, Roger. "Au dela de 'l'identité'." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 4, no. 139 (2001).
Buton, Philippe. Histoire du gauchisme. Paris: Perrin, 2021.
Cervera-Marzal, Manuel. "Une 'démocratie radicale' pas si radicale? Chantal Mouffe et la critique immanente du liberalisme." Raisons politiques. vol. 3, no. 75 (2019).
Cervera-Marzal, Manuel. Le populisme de gauche. Sociologie de la France insoumise. Paris: La Découverte, 2021.
Cohen, Daniel & Alain Bergounioux (dir.). Le socialisme à l'épreuve du capitalisme. Paris: Fayard, 2012.
Cos, Rafaël. "Dénoncer le programme." Revue française de science politique. vol. 68, no. 2 (Avril 2018).
Cranston, Maurice (ed.). The New Left: Six Critical Essays. Florida: The Library Press, 1971.
"Dialogue: Jean-Luc Mélenchon-Michaël Fœssel: La gauche est-elle un parti de plaisir?" Philosophie magazine. no. 157 (Mars 2022).
Fatikh, Karim. "Le 'nouvel ordre' du programme de bad Godesberg, Sociologie d'une reconstruction sociale de l'économie." Utopies économiques. no. 72 (Automne 2014).
Furet, François. Le passé d'une illusion: Essai sur l'idée communiste. Paris: Robert Laffont, 1995.
Gombin, Richard. The Origins of Modern Leftism. London: Pegin Books, 1975.
Gorz, Andre. Strategie ouvriere et neocapitalisme. Paris: Seuil, 1964.
_________. Miséres du présent, richesse du possible. Paris: Galilee, 1997.
Grunberg, G. "Le radicalisme dans le parti socialiste aujourd'hui." French Politics, Culture & Society. vol. 29, no. 3 (Winter 2011).
Illich, Ivan. Une société sans école. Paris: Seuil, 1970.
Julliard, Jacques. Les gauches françaises (1762-2012). Paris: Fayard, 2012.
_________. Comment la gauche a deposé son bilan. Paris: Flammarion, 2022.
Keuchyan, Razmig. Hémisphére gauche, une cartograhie des nouvelles pensées critiques. Paris: La Découverte, 2017.
Lacalu, Ernesto & Chantal Mouffe. Hegemony and Socialist Strategy, towards a Radical Democratic Politics. London: Verso, 2001 [1985].
Lazar, Marc. Le communisme, une passion française. Paris: Perrin, 2002.
Le Goff, Jean-Pierre. La gauche à l'agonie? 1968-2017. Paris: Perrin, 2017.
Lefebvre, Henri. Critique de la vie quotidienne. vol. 2. Paris: L'arche, 1980 [1961].
Levin, Michael. "Marxism and Romanticism, Marx debt to German Conservatism." Political Studies. vol. XXII, no. 4 (1974).
Marcuse, Herbert. An Essay on Liberation. Boston: Beacon Press, 1969.
Mitchell, Joshua. American Awekening, Identity Politics and other Afflictions of our Time. New York: Encouter Book, 2020.
Moreau, Jacques. "Le congrès d'Épinay-sur-seine du parti socialiste." Vingtième Siècle: Revue d'histoire. no. 65 (Janvier-Mars 2000).
Mouffe, Chantal. La politique et ses enjeux: Pour une démocractie plurielle. Paris: La Decouverte, 1994.
_________. "Antagonisme et hégémonie: La democratie radicale contre le consensus néoliberal. Entretien Helke Wagner." Revue internaationale des livres et des idées. no. 3 (Janvier 2008).
Negri, Toni. Le pouvoir constituant: Essai sur sur les alternatives de la modernité. Paris: PUF, 1997.
Poulain, Jacques, Hanz Jork Sandkuller & Fathi Triki. L'agir philosophique dans le dialogue transculturel. Paris: L'harmattan, 2005.
Raynaud, Philippe. L'extrême gauche plurielle: Entre démocratie radicale et révolution. Paris: Editions Autrement, 2006.
Ricoeur, Paul. Autour du politique: Lectures 1. Paris: Seuil, 1992.
Ricoufreyt, Thibaut. Les socialistes français fâce à la troisiéme voie britanique (1997-2015). Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 2016.
Rosanvallon, Pierre. La crise de l'Etat providence. Paris: Seuil, 1992.
Sand, Shlomo. Une bréve histoire mondiale de la gauche. Paris: La Decouverte, 2022.
Vivekanandan, B. et al. Global Visions: International Peace and Security , Co-operation, and Development. New Delhi: Palgrave MacMillan, 2016.
Winock, M. La gauche en France. Paris: Perrin, 2006.
Wolin, Richard. The Wind from the East, French Intellectuals and the Legacy of the 1960s. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2010.
Young, Iris Marion. "Polity and Group Difference: A Critique of the Ideal of Universal Citizenship." Ethics. no. 99 (Janvier 1989).