العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تدريس الفلسفة في الكليات المغربية كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا

تدريس الفلسفة في الكليات المغربية كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا

The Teaching of Philosophy in Moroccan Colleges: The Faculty of Arts and Humanities at Ben M’sik as Example

محمد الشيخ

Mohamed el-Sheikh

الملخّص

* أكاديمي مغربي.

Abstract

The presence of philosophy in Morocco is threatened by conservative thinking and technocratic management that has formed an alliance with theology and technology. In contrast, philosophy is clearly and strongly marked as the creator of Morocco’s cultural glory and fame. In its relation with power, philosophy calls for independence on the one hand and suffers from attempts to make it follow another method, in addition to the injuries that have come from within, in terms of the establishment of traditions in philosophy teaching and philosophical thought far removed from the spirit of philosophy.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة
  • اللاهوت
  • التقنية
  • منهجية
  • التفكير
Keywords:
  • Theology
  • Technology
  • Methodology
  • Traditions

كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا

يتهدد وجود الفلسفة في المغرب كلٌّ من الفكر المحافظ والتدبير التكنوقراطي (تحالف اللاهوت والتقنية)، غير أن الفلسفة تتسم، في المقابل، بقوة باديةٍ في اعتبارها صانعة مجد الثقافة المغربية وشهرتها. وهي، في علاقتها بالسلطة، تنشد الاستقلال من جهة وتعاني محاولات الاستتباع من جهة أخرى. وذلك علاوةً على الأذيّات التي تأتيها من داخلها، بتكريس تقاليد في التدريس والتفكير الفلسفيين هي أبعد ما تكون عن روح التفلسف. من تاريخ تدريس الفلسفة في المغرب، حيث تبرز إمكانية التحقيب على أسس معينة، إلى رصد ما يميّز الوضع الراهن من جدّة، على المستويين البنيوي والوظيفي، يختم الباحث بتجربة شعبة معينة من شعب تدريس الفلسفة الجامعي، يرصد من خلالها ما بُذ ل من جهود في العقد الأخير ونيّف من تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية.

يتّسم وضع تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية بمفارقات صارخة، أكان من حيث الكم أم من حيث الكيف. وبيان ذلك أنه أولا، وضعٌ واقع بين الهشاشة من جهة، والقوة من جهة أخرى. والحال، أن هشاشته بادية من كون الفلسفة مهدّدة في وجودها في المغرب، إما باسم الفكر المحافظ (فتاوى الفقهاء في تحريم الاشتغال بالفلسفة)، وإما باسم التدبير التكنوقراطي (يكفي أن نشير ههنا إلى سنوات الثمانينيات، عندما فتح وزير التعليم حينئذ النار على الفلسفة، ومنع الكليات الجديدة من فتح شُعَب خاصة بالفلسفة)، حتى إن بعض المهتمين بتدريس الفلسفة في المغرب سمّى هذا الأمر «حالة استثناء ثقافي»، أو بفعل تحالف ذينك الفكر والتدبير في إطار ما كان يُعدّه الراحل عبد الكبير الخطيبي «تحالف اللاهوت والتقنية» (لك أن تنظر، مثلا، في مناظرة إفران بشأن التعليم، وتهديد الفقيه - مدجَّجًا هذه المرة بالفكر التقني - بإلغاء تدريس الفلسفة سنة.)1980

غير أن قوة الفلسفة ظاهرة للعيان، من جهة أخرى، ومن أماراتها أن الفلسفة أمست تُعدُّ من أهم التخصصات التي صنعت، ولا تزال تصنع، مجد الثقافة المغربية في الخارج وشهرتها في باقي الدول العربية، ولا سيما في المشرق العربي، الأمر الذي دفع بعض أهل الفلسفة في المغرب إلى الحديث عن «الاستثناء المغربي» في هذا الصدد، في نوع من مديح الذات عال. ثم إن وضع الفلسفة ذا المفارقات الجمّة واقع، ثانيًا، بين نشدان الاستقلال من جهة، ومحاولات الاستتباع من جهة أخرى. لقد ظل أساتذة الفلسفة الجامعيون يقاومون تدخّل السلطة أيًّا يكن مصدره؛ السلطة الوصية على الفلسفة بصورة مباشرة (وزارة التربية)، أو السلطة التي جعلت من نفسها وصية على الفلسفة بالقوة على نحو غير مباشر (وزارة الداخلية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية...). وكان ذلك التدخّل يتم بتعلة أن ما حتُ سِن الفلسفة إتقانه في المغرب، ولا تتقن سواه، إنما هو «تخريج المعارضة». والواقع، أنه لطالما قاومت شُعَب الفلسفة تدخّل السلطة في تدبير شؤونها. أمّا مخاطر محاولات الاستتباع والاستلحاق، فيشهد عليها انتعاش شُعَب الفلسفة، وفتح شُعَب جديدة بعد تفجيرات أيار/مايو الإرهابية عام 2003، في إشارة إلى قيام الحكومة، مدعومة من وزراء يساريين، بمقاومة المد السلفي الذي كانت الدولة قد غضّت الطرف عنه زمنًا طويلا، بل استغلته أحيانًا فزّاعة ضد التوجهات الفلسفية العلمانية، الماركسية منها والليبرالية، التي كانت تطبع تدريس الفلسفة في الجامعات المغربية. وأخيرًا، إن وضع تدريس الفلسفة واقعٌ لا تحت إذاية العدو، إذا ما نحن استعملنا لغة ابن رشد، وإنما تحت إذاية الصديق أيضًا، أي صديق الفلسفة الذي هو من بعض أساتذتها. وإني لا أقطع في هذا، وإنما أستثني الذين لطالما أساؤوا إلى تدريسها إما بأدلجتها المفرطة، وإما بتسييسها المغالى فيه، أو حتى بتحزيبها المبالغَ فيه. فأنت كنتَ، ولا تزال، تجد أن المدافع عن الفلسفة هو، من حيث لا يحتسب، أشد أعدائها؛ يسيء إليها من حيث يظن أنه حيُسن إليها، وذلك بتكريسه تقاليد في التدريس الفلسفي والتفكير هي أبعد ما تكون عن روح التفلسف. وها نحن نجني بعض «ثمار» تدريس الفلسفة اليوم في المغرب، من ضعف في الإنتاج الفلسفي، وغياب لتقاليد مناقشة الأطروحات الجامعية مناقشة جدّية، فضلا عن تعصّب صاحب كل اختصاص من الاختصاصات التي تسعها الفلسفة جميعًا لاختصاصه لا يحيد عنه قد أنملة، ولا يستسيغ فلسفة أخرى غير الفلسفة التي نشأ عليها، بل حتى غير الأطروحة التي كان أعدّها. وبالجملة، إن الهشاشة والقوة، والسعي إلى الاستقلال ومعاناة بعض إغراءات الاستتباع، واتّقاء شر العدو وائتمان الصديق المسيء... كل ذلك هو من المفارقات التي تطبع وضع تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية.

شيء من التاريخ

على أن هذا الأمر لا يمنعنا من القول إن تدريس الفلسفة في الجامعات المغربية عريق، إذا ما قورن ببعض البلدان العربية، اللهم باستثناء مصر ولبنان، ولربما تونس وإلى حد ما الجزائر. وإذا ما نحن أحببنا أال نذكّر بتراثنا الفلسفي وبجامعة القرويين، فإننا نقول مع أ. كمال عبد اللطيف، وهو من أساتذة الفلسفة في المغرب الذين ما فتئوا يعودون إلى تاريخ هذا التدريس: لاشك أن تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية وفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط يرتبط بميلاد التعليم العالي في المغرب في السنوات الأولى للاستقلال، أي في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات. ولاشك أن الراحل أ. محمد عزيز الحبابي قام بدور مهم في إرساء التقاليد الأولى لهذا التدريس، خاصة أنه جمع بين تكوينه الفلسفي الجامعي الذي كان يؤهله للبحث والتدريس، ومهمة العمادة، إذ كان أول عميد لأول كلية للآداب في المغرب. والحال، أن البدايات لم تكن سهلة ولا متيسرة؛ فقد ساهمت

عوائق متعددة في بناء الملامح الأولى للدرس الجامعي في الفلسفة بوسائل بشرية ومادية محدودة، وذلك رغم قلة عدد الطلبة وتوزّعهم بين قسمين لتدريس الفلسفة باللغتين العربية والفرنسية، مثل أغلب الشُّعَب والكليات، في زمن كانت فيه مظاهر وتجليات المرحلة الاستعمارية بمختلف أبعادها لا تزال حاضرة في مختلف فضاءات الواقع المغربي. ومع هذا، استطاع الحبابي، بمعية زمرة من زملائه العرب والأجانب (نذكر من الذين أمضوا سنوات عديدة في تدريس الفلسفة في المغرب خلال بداية الستينيات حكمت هاشم من سورية، وألبير نصري نادر من لبنان، ونجيب بلدي من مصر)، بناء الأسس الأولى لهذا الدرس، في علاقة وثيقة مع نظام البرامج والدروس كما كانت تقدّم في الجامعات التي درس فيها هؤلاء الأساتذة. وقد شكّل هؤلاء في مطلع الستينيات، بحسب عبارة أ. عبد اللطيف دائامً، الطلائع الأولى المدشَّنة للدرس الفلسفي في الجامعة المغربية. والحق أنه يمكننا النظر إلى المراحل الكبرى المؤطرة لهذا التعليم من أكثر من زاوية: زاوية البرامج والمقررات، أو زاوية التأطير العلمي والتربوي، أو زاوية شروط ومقومات الدرس الفلسفي الجامعي. كما يمكن النظر إلى هذه المراحل من زاوية التفكير في الإنتاجية والمردودية والنجاعة، وكذا الدور الثقافي التاريخي الموصول بتطور الذهنيات. على أنه يمكننا الحديث أيضًا عن هذه المراحل من خلال التفكير في عوائق وصعوبات الدرس الفلسفي في الجامعة وفي الفكر المغربي المعاصر، وهذا ما يميل إليه أغلب المتحدثين عن تدريس الفلسفة بالجامعة المغربية. ويرى أ. عبد اللطيف أنه، من أجل إحاطة أولية بهذا الموضوع، يمكننا أن ننجز ترتيبًا مؤقتًا لمراحل كبرى في تعليم الفلسفة في الجامعة المغربية، فتتحدث عن مرحلة التأسيس (-1959 1970). وهي مرحلة تميزت بنظام الشهادات الذي يختلف عن نظام السنوات، حيث كانت الإجازة مكوّنة من مجموعة من الشهادات التي ينالها الطلبة خلال سنوات الدراسة. وخلال هذه المرحلة، وإلى سنة 1973، ظلت الفلسفة تدرَّس بلغتين (الفرنسية والعربية)، بحيث ينقسم الطلبة إلى قسمين داخل الشعبة الواحدة. وابتداء من الموسم الدراسي -1973 1974، سوف حيُذَف القسم الفرنسي، بحكم التعريب الذي لحق بمقررات الفلسفة وبرامجها في المرحلة الثانوية، فأصبحت الدروس الجامعية في مختلف أقسام كلية الآداب باللغة العربية. على أن أهم ما عرفه عقد السبعينيات هو ارتفاع عدد الطلبة، حيث بلغ ذروته في نهاية ذلك العقد، وأصبحت شعبتا الفلسفة في الرباط وفاس تستقبلان سنويًا ألفي طالب (1400 طالب في كلية الآداب في الرباط و 600 طالب في كلية الآداب في فاس). وإذا كان ما يسمّيه عبد اللطيف «عقد التأسيس» (1960 - 1970) قد منح الإجازة في الفلسفة لمجموع من الطلبة لم يتجاوز عددهم 150 طالبًا من القسمين العربي والفرنسي، فإن العقد الثاني (-1970 1980)، وخاصة في نصفه الثاني، قد نقل تعليم الفلسفة من الناحية العددية إلى مستوى لا يرتبط بصيرورة طبيعية لنظام في التعليم متوازن ومتحكم فيه وفي مسألة تدبيره... وقد ترتب عن الفيض العددي الاستعانة بالأساتذة من المشرق العربي، وخاصة من مصر. وفي العقد الثالث (-1980 1990)، نشأت مشكلات جديدة في الجامعة المغربية؛ مشكلات موصولة بواقع المجتمع المغربي ورهاناته السياسية والثقافية، حيث أ علنت الحرب على الفلسفة وبرامجها بغير حق، وجرى تأسيس كليات للآداب في الجامعات المغربية الجديدة من دون شُعَب للفلسفة. ومقابل ذلك، وطوال عقد الثمانينيات وما تلاه، أنشئت شُعَب للدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية، ودُرّست فيها مواد يفترض أنها تدرّس بمناهج عصرية جديدة داخل تخصص الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية في شعبة الفلسفة.

1  عبد المجيد الانتصار وجمال هاشم، «الدرس الفلسفي في المغرب: حوار مع كمال عبد اللطيف،» على الموقع الإلكتروني:

هذا وقد تقلّبت بأشد ما يكون منزلةُ تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية في صلتها بالمواد المتعلقة بها؛ ففي البدء كانت إجازة الفلسفة (أربع سنوات، خُفضت اليوم إلى ثلاث) تشمل ضمن مكوناتها شهادتين في علم الاجتماع وعلم النفس. ثم تلا ذلك نظامٌ آخر أدمج التعليم المختلط للفلسفة والعلوم الإنسانية في جميع سنوات الإجازة. وفي مرحلة لاحقة على هذه، ط بّق نظام تعليمي يعتمد على وجود سنتين مشتركتين تدرّس خلالهما للطلبة دروس للفلسفة والعلوم الإنسانية، وذلك قبل أن تُعطى لهم فرصة اختيار أحد الاختصاصات الثلاثة، ثم عُدّل هذا النظام ذاته بحيث أصبح الجذر المشترك لا يشمل إلا سنة واحدة من سنوات الإجازة، بينما يتلقى الطالب في السنوات الباقية دروسًا متخصصة في علم النفس أو علم الاجتماع، حسب اختياره، من دون أن تغيب عن هذه الدروس المتخصصة دروس أخرى تكميلية في الاختصاصين الآخرين. وفي أمر الاتجاه العام للبرامج وللمواد المدَّرسة، يمكن تصنيف هذه المواد الفلسفية التي كانت تدرَّس بالكليتين الرائدتين في تدريس الفلسفة في المغرب (كلية الرباط، وكلية فاس) على النحو التالي: - البحث في التراث الفلسفي العربي الإسلامي، ولا سيما في وجهه الأندلسي المغربي. - البحث المنطقي والإبستمولوجي (فلسفة العلوم.) - البحث في تاريخ الفلسفة، ولا سيما في شقّيه الحديث والمعاصر. والحال أن التدريس الجامعي للفلسفة في المغرب اتّسم بسِمات عدة، منها أنَّه ما وُجد في يوم من الأيام في التعليم الجامعي الفلسفي المغربي مؤلفات خاصة بتدريس الفلسفة في الجامعة، وذلك بفضل تمتع رجال هذا التعليم بقدر كبير من الحرية. وهذه، كما أعتقد، سمة تكاد تميز التقليد الجامعي الفرنسي أيضًا الذي غالبًا ما متح منه «التقليد» المغربي، إن لم نقل استنسخه. ولهذا السبب قال الراحل محمد عابد الجابري في شهادته عن استحداث مادة «الإبستمولوجيا» في التدريس الفلسفي الجامعي في كلية الرباط في أوائل السبعينيات من القرن الماضي: «بدأت أزاول تدريس هذه المادة بكلية الآداب بالرباط في أقسام الليسانس [الإجازة] مع أوائل السبعينيات، وذلك بمبادرة شخصية، إذ لم تكن من جملة المواد المنصوص عليها. والحق أنه لم يكن هناك برنامج تفصيلي مفروض، فالأستاذ هو الذي يختار ما يريد تدريسه في إطار التخصص الذي ينتمي إليه». ذلك أن أساتذة الفلسفة في الجامعة المغربية كانوا، ولا يزالون إلى حد كبير، غير مقيَّدين ببرنامج تعليمي محدّد سلفًا -اللهم إلا في خطوطه العريضة وعناوينه الكبرى- وما كانوا محصورين في فلاسفة مقرَّرين بصورة إلزامية، بل هم محصورون في الغالب، وعلى وجه العموم، ضمن عناوين عامة، شأن «الفلسفة اليونانية» أو «الفلسفة الإسلامية» أو «الفلسفة الحديثة» التي قد تحقّق إنجازًا جادًا وقد تضيع سدى. ومن النادر للغاية أن ينجز ما قرره الأستاذ بدءًا بأكمله. والحال أن هذه الملاحظة قد تعم ولا تخص؛ وهي ما سبق للأستاذ عبد الرحمن بدوي أن وقف عليها في ندوة الخبراء التي عقدتها اليونسكو في مراكش بين 6 و 9 تموز/يوليو 1987 تحت عنوان: «تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي»، حتى بالنسبة إلى الجامعات الأوروبية. إن ما عاناه التعليم الفلسفي في فرنسا، تجده حاضرًا في التعليم الفلسفي الجامعي في المغرب؛ فقد

2  محمد وقيدي، «وضعية تدريس الفلسفة بالمغرب،» في: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء، مراكش، المملكة المغربية، 9/6 يوليو 1987 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990)، ص.257 3  محمد عابد الجابري، مواقف: إضاءات وشهادات، سلسلة كتب صغيرة، من ملفات الذاكرة الثقافية (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2003)، ص.14 4  عبد الرحمن بدوي، «تعليم الفلسفة في الجامعة،» في: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، ص.71-70

وضعت الفيلسوفة الفرنسية سيمون دوبوفوار في هذا الشأن كتاب Les mandarins، وهو مفهوم كان يفيد، في الأصل، الموظف السامي في النظام السياسي الإمبراطوري الصيني القديم الذي لطالما اتسم بالجمود على الرسوم، فوظفته الفيلسوفة بمعنى المثقف أو الأستاذ الجامعي المتنفذ، وذلك بغية إدانة التعليم الفلسفي الذي كان سائدًا في فرنسا منذ بداية القرن إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي، قبل أن تعصف ثورة الطلاب في أيار/مايو 1968 بهؤلاء المتنفذين الذين كانوا يكتفون عادة بتدريس أطاريحهم التي أنجزوها طوال مسار تدريسهم. على أن تحقّق مطلب تعريب تدريس الفلسفة رافقته بعض المشكلات المتعلقة باللغات الأجنبية. وإذا ما نحن شدّدنا على ما كان قد نبّه إليه بدوي، من أن حوالي عشرة في المئة فقط من كتب الفلسفة هي منقولة إلى العربية - على نحو غالبًا ما يكون مشكلا معيبًا ومدخولا - فإن المطلوب من الطالب تحصيل حوالي تسعين في المئة من معارفه باللغات الغربية الحية، وهو مطلب عسير يشك ل إحدى السمات الفارقة في تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية. وفضلا عن هذا وذاك، ظل تعليم الفلسفة في الجامعة بين البسط والقبض، فعلاوة على الرياح الإيديولوجية التي كانت تهزه (كان اختيار شعبة الفلسفة يعربّ عادة عن رفض للنظام السياسي). كان هذا التعليم، ولا يزال، مشدودًا شدًّا إلى سوق شغل ضيقة المنافذ وصعبة المأخذ؛ إذ كانت شعبتا الفلسفة في فاس والرباط قد شهدتا إقبالا منقطع النظير في سنوات السبعينيات، وذلك قبل أن يضرب الزمان ضربته، فنعرف أزمة بطالة الخريجين الجامعيين منذ الثمانينيات وإلى اليوم، بأثر من بدء تطبيق سياسة التقويم الهيكلي... وكان ما كان.

في الوضع الجديد

كان الراحل جمال الدين العلوي -أحد فرسان تدريس الفلسفة الإسلامية في الجامعة المغربية (جامعة فاس-) قد لاحظ منذ ما ينيف عن ربع قرن أنَّ: «(...) للفلسفة شعبتان خاصتان في كليتي الآداب بفاس والرباط، وأما الكليات الجديدة الأخرى -وهي كثيرة- فما تزال الفلسفة غائبة عن قاعاتها أو حاضرة حضورًا هامشيًا في الشُّعَب الأخرى». والحال أنه لطالما عدَّ أساتذة الفلسفة الاقتصار على تدريس الفلسفة في هاتين الكليتين حصارًا مضروبًا على الفلسفة. وقد أرجعوا ذلك إلى أسباب سياسية (اعتبار السلطة أن الفلسفة تخرّج المعارضين السياسيين لها، فتنتج بذلك ضديدها... فضلا عن الموقف المحافظ عامة من الفلسفة ومن تدريسها، وإرث الفكر القديم وسليل النظرة الدينية الضيقة)، أو إلى أسباب تكنوقراطية (قلة منافذ الخريجين التي تترتب عنها بطالتهم، وتشجيع الاقتصاد الليبرالي القائم على منطق الربح المادي السريع). ولا غرابة إذن أن يروا في ذلك تحالفًا بين الروح المحافظة والروح التكنوقراطية (وهو ما كان عبد الكبير الخطيبي قد عربّ عنه باسم «لاهوت التقنية»). وهكذا، وجدنا أ. محمد سيلا يقول: «وضعية الفلسفة بالمغرب هي جزء من وضعية الفلسفة بالعالم العربي الإسلامي. فالفلسفة ظلّ يُنظَر إليها دائامً على أنها بضاعة غربية، على أنها نبتة إغريقية دخيلة في ثقافتنا، وبالإضافة إلى ذلك فقد ا مت دومًا بالزندقة وبالإلحاد لأن الخطاب الفلسفي هو خطاب يختلف في منطلقاته، في بنيته الاستدلالية عن الخطاب الديني، لأن هذا الأخير هو خطاب مسلمّاتي ومعتقداتي، وبالتالي فهو خطاب راسخ في النفوس ويقدّم أجوبة قصوى حول الإنسان والمصير والحياة والموت... في حين نجد أن الخطاب

5  جمال الدين العلوي، «ورقات حول تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في المغرب،» في: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، ص.239

الفلسفي يتموقع في خط مناقض للخطاب الديني ولأي خطاب إيديولوجي، فهو لا ينطلق من مسلمات بل هو خطاب تراجعي كما يقول أحد الفلاسفة؛ أي أنه خطاب إنكاري، استفهامي، تساؤلي، تشكيكي، إلى حد ما... فنمط الحياة الفلسفية يتعارض مطلقًا مع نمط الحياة العادي... فالتفكير ليس صفة طبيعية في الإنسان، والتفكير مضاد للطبيعة البشرية، فالناس ميالون إلى الاستدفاء ببعضهم، إلى الأحاديث الجماعية، ولكن التفكير هو فعل جهاد شخصي، يتطلب الانعزال عن الجماعة، يتطلب التحلل من هذا الانصهار الجماعي والغوغائية الجماعية. ولهذا ستظل هناك عداوات دائمة ومستحكمة بين الفلسفة وكافة أشكال الاعتقاد، سواء الإيديولوجي أو الديني. وهذا شيء موجود في كافة المجتمعات البشرية، إلا أنه في مجتمعاتنا العربية اتخذ صيغة حادة. فتاريخنا العربي الإسلامي مليء بأشكال الإجهاز على الفلسفة وتحقير أصحابها. وفي تاريخنا المغربي هنالك وقائع تثبت أن السلاطين في غير ما مرة حرّموا تدريس الفلسفة والمنطق في جامعة القرويين. والمعْلمة الكبرى في الحملة على الفلسفة بالمغرب كانت في الثمانينيات عندما فتح السيد عز الدين العراقي – وزير التعليم آنذاك- النار على الفلسفة ومنع الكليات الجديدة من فتح شُعَب خاصة بالفلسفة». وبالفعل، حدث في المغرب أن تعرّض الدرس الفلسفي الجامعي سنة 1980 لإجراءات هدفت إلى الحد من حضوره ضمن التكوين الجامعي، وذلك بإيقاف التسجيل في شعبة الفلسفة، وبالتوقف عن فتح شُعَب للفلسفة في الجامعات الجديدة. وكان المبرّر الذي استند إليه قرار السلطة الوصية على قطاع التعليم والتربية هو أن تقلص إمكانات التوظيف يسمح بإيقاف التخصصات التي لا حاجة إليها في ذلك الوقت. وحدث بعد احتجاج المدرسين على هذا القرار أن تم التخفيف منه، بحيث سُمح بالتسجيل في شُعَب الفلسفة في أقدم جامعتين مغربيتين، أي الرباط وفاس، مع الاحتفاظ بقرار عدم فتح شُعَب للفلسفة في الجامعات الجديدة في مختلف جهات البلاد. ولطالما ع أساتذة الفلسفة في الجامعة المغربية وكل محبّي الفلسفة في المغرب عن مطلب يقضي بتوسيع التعليم الفلسفي في الجامعات المغربية، وذلك بفتح شُعَب الفلسفة في كل الكليات القديمة (مراكش مثلا) أو الحديثة العهد، أو على الأقل في بعضها، حسب الجهات الأساسية في البلد. ولو قُيّض لجمال الدين العلوي أن يعيش إلى أيامنا هذه -وهو الذي غاب وهو في عزّ عطائه - للاحظ أن الوضع صار اليوم مختلفًا؛ إذ أمست الفلسفة تدرَّس في الجامعات المغربية برمّتها، إما بوصفها مادة تكميلية بالنسبة إلى عديد من الشُّعَب العلمية على وجه الخصوص، وإما باستحداث شُعَب للفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس في عديد من الكليات المغربية (مراكش، الدار البيضاء، القنيطرة، مكناس، تطوان، المحمدية، الجديدة...). ويؤول بعضهم هذا الانتشار لشُعَب الفلسفة وما جاورها بأنه ردة فعل الحكومة على استقواء التيار السلفي الجهادي الذي اعتبرته هذه السلطات مسؤولا عن تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، ويرده بعضٌ آخر إلى تويلّ حقيبة وزارة التربية الوطنية حزب يساري معروف عنه بتعاطفه الشديد مع أهل الفلسفة، بل إن عديدًا من أ طره تخرّجت في شعبة الفلسفة. ولا شك أن تمديد تدريس الفلسفة في الثانوي، من القسمين الثاني والثالث فإلى القسم الأول، واستحداث شُعَب للعلوم الإنسانية يحتل فيها تدريس الفلسفة مكانة أولية، مع ما رافقه من حاجة الدولة إلى مدرسين للفلسفة في الثانوي، أمران متعلقان بفتح شُعَب جديدة للفلسفة في كثير من الكليات المغربية. غير أن هذه العوامل عوامل متضافرة، ولا يمكن فصل بعضها عن بعض. ذاك كان، أولا، وجهًا من وجوه التغيير الهيكلي الذي مسّ تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية، وكان، ثانيًا، وجهًا هيكليًا تمثّل هذه المرة في فك الارتباط الكلاسيكي بين كلّ من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس؛ إذ ظلت

6  وقيدي، ص.264

شعبة الفلسفة في التعليم العالي تضم دائامّ فروعًا ثلاثة - تسمّى «شعبة الفلسفة» اختصارًا، أو «شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس-» هي على التوالي: فلسفة عامة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. لكن كان هناك مواد سوسيولوجية وسيكولوجية مقرَّرة في برامج فرع الفلسفة العامة، كما كان ثمة مواد فلسفية مقرّرة في فرعي علم الاجتماع وعلم النفس. أما اليوم، فقد صار لكل تخصص من هذه التخصصات شعبته الخاصة، وذلك بناء على ما كان يلاحظه دائامً بعض أهل الاجتماع والنفس من هيمنة للفلسفة، ومن تنافر بين التخصصات الثلاثة، بالرغم من أنه كان هناك -على التحقيق- شُعَب ثلاث تحت المسمّى الجامع «شعبة الفلسفة». على أن هذا الانفصال ما كان انفصالا مطلقًا وإنما انفصالا نسبيًا؛ بحيث إن السنة الجامعية الأولى ما زالت مشتركة في عديد من الكليات، ولا يتم التخصص، بمعناه المعروف المعهود، إلا بدءًا من السنة الجامعية الثانية. أمّا السمة الثالثة، فهي عمومًا المساهمة الدائمة والفعلية التي كانت لأساتذة الفلسفة في وضع البرامج والمقررات التي كان يُعمَل بها في الجامعة، وفي تحديث هذا التدريس على وجه الدوام. وهنا كان الأساتذة يجتزئون لهم مجالات كبرى للاجتهاد، بحيث كانت تلك البرامج أو المقررات عادةً أطر عمل عامة وفارغة، يملؤها الأستاذ بما يشاء من المضامين التي يراها مناسبة. غير أن من سلبيات ذلك الأمر التمذهب الفلسفي والانحياز إلى جغرافيا للفلسفة (الفلسفة الفرنسية على حساب الفلسفة الأنغلوسكسونية)، مع إهمال شبه تام لحقّ اللغات، الميتة منها (اللاتينية واليونانية اللتين كان إدخالهما يشكل دومًا مطلبًا لبعض الأساتذة) أو الحية (الألمانية والإنكليزية على سبيل المثال)، وحتى تدريس الفرنسية كان ولا يزال على العموم تكوينًا تكميليًا، اللهم إلا إذا بادر بعض الأساتذة إلى تدريس نصوص فلسفية بالفرنسية والتعليق عليها بالعربية. علاوة على ذلك، إذا كان أحد المهتمين بتدريس الفلسفة في الجامعة المغربية قد لاحظ، منذ أمد، أن التراث الفلسفي الإسلامي كان يحظى بالمنزلة الأولى، مبديًا على نحو تلقائي الملاحظة الضدية التالية: «أما البحث في تاريخ الفلسفة المعاصرة وقضاياها، فيأتي في الرتبة الأخيرة من حيث الأهمية بالنظر إلى عدد الباحثين وما يتداول في سوق المطبوعات»، فلربما يمكننا القول اليوم، بعد أن شهد تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية تشبيب بعض أُطره، إن النزوع سائر إلى التغير، بحيث صار الاهتمام بالفلسفة المعاصرة يحظى بعناية أكبر، وكأننا نشهد بذلك انقلابًا في النزوع. وفي الجملة، من هشاشات التكوين الجامعي الفلسفي ما يمكن أن نسميه «هشاشات مؤسسية»، أي لازمت هذا التعليم ملازمة الظل للعيَن، وهي في عداد الثلاث: -1 ربط التعليم الجامعي للفلسفة بمنفذ تخرّجي واحد هو منفذ تدريس الفلسفة في الثانوي. وكلما حدث انكماش في هذا التدريس انعكس على خريجي الفلسفة انعكاسه المعلوم. هذا مع العلم بأنه لا يتم البحث عن منافذ أخرى، كالصحافة الثقافية في الإعلام السمعي البصري والمكتوب، مثلا، وذلك على الرغم من الازدهار النسبي الذي يعرفه مجال الصحافة والإعلام في المغرب، ولا سيما الحر منه... بحيث تغيب حتى الآن مواكبات جدية متخصصة ومهنية للأنشطة الثقافية التي تعرفها البلاد وللإصدارات الفكرية الجديدة التي لا بد من أن

7  العلوي، ص.240 8  العلوي، ص.246

تتناولها أقلام شابة ذات ثقافة عامة على نحو ما توفره شُعَب الفلسفة. ثم إن ربط توظيف الطلبة الخريجين بالاشتغال في المكتبات ما زال غير معمول به، إلا في حالات نادرة، رغم ما شهدته البلاد في العقد الأخير ونيف من فتحٍ لمكتبات وسائطية عديدة... وإن مشهد فتح «عيادات فلسفية خاصة» أو إدارة «مقاهٍفلسفية » على نحو ما يحدث في بعض الدول الأوروبية ليبدو ضربًا من الخيال العلمي الذي لا يحلم به حتى أشد أصدقاء الفلسفة تفاؤلا. وبالجملة، ينبغي القطع مع منطق الظرف التشغيلي الطارئ هذا. وقد ظل التكوين الفلسفي في المغرب يخضع لهذه الظرفية، ولايزال. كما يلزم الجب مع ارتهان تدريس الفلسفة الجامعي بسوق الشغل الذي تشك له مستويات الثانوي المغربي، حتى صرنا إلى دورات أزمة وازدهار. وهكذا، مثلا، لما تم تعميم الفلسفة على مستويات الثانويّ بكاملها، شهد تعليم الفلسفة في الجامعة انتعاشًا كبيرًا في الإقبال على التكوين الفلسفي، ودام هذا الأمر أزيد من عقد من الزمن. واليوم لوحظ بعض التراجع بفعل عودة ظاهرة إشباع الثانوي بالمدرّسين، وهو ما سوف تكون له عواقب على الإقبال على الفلسفة في السنين القادمة، وبهذا نبقى في منطق تعاقب «الفورة» و»الأزمة...» وقلمّا نخرج منه. -2 اللعبة الواضحة/الغامضة التي تجعل من تدريس الفلسفة شأنًا مرتهنًا بالوضع الإيديولوجي للبلد، بحيث إن ثمة اعتقادًا فاشيًا في هذا الارتهان الإيديولوجي الذي لا يخدم الفلسفة في شيء. وهو الارتهان الذي يقوم في أساسه على ضرب المواد بعضها ببعض؛ إذ يذكَر أنه لم ا قويت شوكة الفلسفة وخريجيها في الثمانينيات من القرنّ الماضي، استُحدثت شعبة الدراسات الإسلامية. وكان من بين الأغراض، الخفية لا الجلية، التي استُحدثت هذه الشعبة من أجلها تطويق المد الفلسفي الذي اعتبُر مدًا علمانيًا يساريًا معاديًا للنظام. ثم حدث أن ضرب الزمن، فإذا بالمغرب يُبتلى بالمد السلفي - في نسخته العنيفة - وإذا بإحياء الفلسفة يبغي من بين ما كان يبغيه -هكذا فهم البعض الأمر- تسليط الضد (الفلسفة) على الضد (النزعة الإسلامية)، وقد اعتبُرتا متعارضتين. والحال، أنه ما كان من صالح الفلسفة أن تُقحَم في هذه اللعبة الإيديولوجية والسياسية الظرفية؛ ذلك أن ما تم إنزاله بظرف، يمكن أن يتم رفعه بظرف أيضًا، وما كان لوضعه داع ظرفي، يمكن الاستغناء عنه إذا زال هذا الداعي الظرفي. لهذا يُدعى اليوم إلى القطع مع هذا المنطق التوظيفي الظرفي، وذلك بتصيير الفلسفة مادة «عادية» من بين مواد البرنامج الدراسي الثانوي والجامعي، ولا مادة «استثنائية» أو «احتياط ا إيديولوجيًا» يقع في خلفية المواد للتعزيز الأيديولوجي. هذا مع العلم بأن الفلسفة في العهد القديم كانت دائامً مظنة ظن، بالرغم من استفادتها من الهامش الليبرالي، وكان منطق «الخوف من انقلاب السحر على الساحر»، «والحذر في التعامل معه»، و«تركه تحت المراقبة اللصيقة» يحكم صلة النظام بالفلسفة وبالدراسات الإسلامية معًا. -3 إذا كان أحد المهتمين بالتدريس الجامعي في المغرب قد لاحظ في ندوةٍ أن «التعليم الجامعي يميل، أساسًا، بحكم تكوين المؤطّرين له، إلى السوق الفلسفية الفرنسية، ومن ثم يلُاحَظ ما يشبه غياب الإسهامات الفلسفية الأخرى (المدارس والاتجاهات الفلسفية في ألمانيا وإنكلترا على سبيل المثال)، اللهم إلا ما كان منها مترجمًا إلى الفرنسية. ومن هنا يمكن القول إنَّ اهتمام الباحثين ببعض الأسماء غير الفرنسية يكاد يكون بالجملة نقلا لاهتمامات البحث الفلسفي بفرنسا. ومع ذلك تنبغي الإشارة إلى بعض الاستثناءات التي تمثّل انفتاحًا مباشرًا على آفاق أخرى، وإن ظلت حالات خاصة غير مؤشرة، أو لنقل إن تأثيرها ما يزال محدودًا»، فإن المعقّب

9  العلوي، ص.242

على هذا المتدخّل عزّز هذه الملاحظة بالقول: «تجدر الإشارة (...) إلى أن تبعيتنا للثقافة الفرنسية جعلت الدروس التي نلقّنها لطلبتنا تركز على الاتجاهات الفلسفية في فرنسا، ونادرًا ما يتم الانتباه إلى التيارات الألمانية والأنغلوسكسونية، وهو نقص لا بد من تداركه، نظرًا لأهمية التحولات التي عرفها الفكر الفلسفي مع هذه التيارات الأخيرة». والحال أنه تم التغلب نسبيًا على بعض هذه المصاعب، بمقْدم أساتذة طوّروا معرفتهم باللغات الأجنبية غير الفرنسية، واهتموا أكثر بالفلسفة الأنغلوسكسونية (عن طريق مباحث المنطق وفلسفته، والإبستمولوجيا، وفلسفة اللغة...) والألمانية (مباحث التأويليات والفلسفة النقدية وفلسفة الدين)، لكن غلبة التيار الفرنكوفوني المتنفذ ما زالت بادية. والشيء بالشيء يُذكر، فالظاهر أن العقود الماضية من تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية أفلحت إلى حد ما في جعل الفلسفة مادة «عادية» من مواد التكوين، بل وفي تعديل النظرة العامة إلى الفلسفة بفعل اشتهار باحثي الفلسفة في المغرب والمشرق، وحتى في بعض بلدان الغرب، لكنّها مع ذلك لم تفلح قط في تأسيس «تقاليد فلسفية راسخة» على نحو ما نجده في الدول الغربية مثلا. ذلك أنه، من جهة، يبقى رواد تدريس الفلسفة في المغرب يشكّلون ما يمكن أن يُعتبر، بكثير من التجوز، تقاليد فلسفية - شخصانية الحبابي وأصالية الجابريمثلا وتاريخانية العروي وتداولية طه عبد الرحمن -... لكنها، من جهة أخرى، تقاليد لا يمثلها إلا أصحابها، فلا تكاد تجد من يطورها إلا في ما ندر. وهكذا، لا نجد عندنا تقليدًا راسخًا كما هي التقاليد في الجامعات الغربية، مثل التقليد الفينومينولوجي الغربي أو التقليد الهرمنوطيقي أو غيرهما من التقاليد الفلسفية الراسخة في الغرب. وكل ما يمكنك أن تحصل عليه لا يتعدى مناسبات تأبين من قضى نحبه من هؤلاء الرواد، وإحياء ذكرى، واستشهاد هنا وهناك، وحفلات تكريم لمن لا يزال ينتظر... أخيرًا، عود على بدء. قديامً قال الأديب والمفكر الألماني الشهير غوته: «من شأن ذاك الذي لا يعرف أي لغة أجنبية غير لغته، أال يعرف على التحقيق لغته». والحال، أنه منذ ربع قرن كان أحد أساتذة الفلسفة في الجامعة المغربية من الجيل الثاني من مدرسّي الفلسفة في الجامعة المغربية، وكان قد تقلّب في جميع أشكال التدريس، الثانوي منه والجامعي، قد تنبأ، بناء على ما كان خبَرِه من تدريس للفلسفة، قائلا: «وإذا كان تعريب مادة الفلسفة في بلادنا قد حل، وقتيًا ومبدئيًا، كثيرًا من المعضلات التي كان يطرحها تدريسها باللغة الفرنسية، فإنه ما فتئ يفرز، مع ذلك، مشكلات قد تصبح وخيمة في المستقبل. فأغلب النصوص الفلسفية الرئيسية بلغات أجنبية »)...(. واقترح، بعد أن لاحظ أن الطريقة التي تدرَّس بها اللغات الأجنبية لطلبة الفلسفة في الجامعة تجعل منها فضلة لا عمدة: «حبذا لو كانت اللغات الأجنبية في الجامعة بالنسبة للطلبة المتخصصين في الفلسفة، دروسًا في تقوية مادة التخصص نفسها، أي تدريس نصوص فلسفية، بل تذهب إلى حد اقتراح تدريس مادة أو مادتين باللغة الفرنسية [وملَِليس بالإنكليزية أو الألمانية أيضًا]، أو تقرير مؤلّف بالفرنسية ». والواقع أن ما خشيه هذا الأستاذ هو ما وقع بالفعل؛ فقد صار أساتذة الفلسفة يجدون، على الأغلب، أنفسهم أمام طلبة لا يتقنون أي لغة أجنبية، بل لا يتقنون حتى اللغة العربية نفسها. عزَّ المطلوب وبئس الطالب.

10  تعقيب سالم يفوت، في: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، ص.306 11  يفوت، ص.305 12  يفوت، ص.306

تجربة شعبة الفلسفة في كلية بنمسيك في الدار البيضاء نموذجًا فتيًا

إن عمر شعبة الفلسفة في كلية الآداب بنمسيك (الدار البيضاء)، التابعة لجامعة الحسن الثاني في المحمدية، حديث نسبيًا؛ إذ كانت هذه الشعبة قد رأت النور في الموسم الجامعي 2005-2004، وذلك بفضل جهود ذاتية بذلها أساتذة الفلسفة وعلم الاجتماع في الكلية ممن كانوا آنئذ يدرّسون الفلسفة لبعض التخصصات غير الفلسفية (شأن شعبة الأدب العربي، وشعبة التاريخ وغيرهما من الشُّعَب تحت مسمى «مواد التفتح»). وعلى الرغم من قصر هذه المدة، فإن تجربة الإنشاء والتدريس ثرّة غنية، من حيث الندوات الفكرية التي أقامتها هذه الشعبة بنشاط كبير، ومن حيث المساهمة في تجارب تعديل المقررات التي اقترحتها اللجنة الوطنية للبرامج، ومن حيث دينامية أُطرها التي أكسبت الشعبة بذلك شهرة لا بأس فيها في المغرب والعالم العربي؛ وذلك في الوقت الذي لوحظ -للأسف الشديد- بعض فتور أو تراجع في وهج شُعَب الفلسفة في بعض الجامعات العريقة، أو هكذا يخيل للمرء، مع قلة إقبال الطلبة على حضور الندوات الفكرية التي تميزت بها شُعَب الفلسفة دائامً، بل حتى عزوفهم عن حضور مناقشات رسائل الدكتوراه، بحيث صرنا نلحظ -مع الأسف - وعلى عكس ما كنا نشهد أيام التحصيل الجامعي، أن هذه المناقشات صارت لا تحضر فيها إلا لجنة المناقشة والمناقش وبعض ذويه وخاصته، وذلك كله في غياب الطلبة الذين هم المعنيون الأوائل بالحضور وبتعلم آداب مناقشة الأطروحات الجامعية. والحال، أنه يمكن بتقصي ما تمَّ تدريسه في هذه الشعبة الفتية من مختلف المواد -التي صارت تدعى في المغرب «وحدات» تضم كل واحدة منها «مواد-» تكوين فكرة واضحة إلى حد بعيد عن الجهود التي بُذلت في العقد الأخير ونيف من تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية، وعلى الحدود أيضًا التي وقفت عندها هذه الجهود. من الملحوظ، بداية، أن افتتاح شعبة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بخاصة، وفي مدينة الدار البيضاء التي ظلت دائامً تفتقد هذا التخصص لعقود، قد رافق جهودًا إصلاحية عامة وخاصة بُذلت على المستوى المركزي. ذلك أن إنشاء الشعبة وتدبير أمرها واكبا ما دُعي في المغرب «ميثاق التربية والتكوين»، الذي سعى إلى إصلاح بعض مناحي التعليم بالاستفادة من بعض التجارب العالمية في هذا الصدد، وتعلقت بما سُمّي «المخطط الاستعجالي» الذي يُعدّ ميثاقًا وطنيًا ثانيًا للتربية والتكوين اعتمد في قراراته ومبادئه على نتائج تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008، كما ترافق مع ما اعتبُر إصلاحًا جامعيًا كان من بين مسائله إدخال تعديل تقني على سنوات الإجازة وتقليصها من أربع سنوات إلى ثلاث. لهذا، لربما كان في اختبار سير هذه الشعبة امتحان لهذه البرامج كلها. ومن الملاحظات الأولى أن تدريس الفلسفة في هذه الكلية شهد التقلب في إنجاز البرامج؛ ففي البرنامج الدراسي الأول الذي تم تدريسه، وحسب ما يشهد به ما صار يُعرف باسم «الملف الوصفي» -دفتر تحملات كل تخصص على حدة يُرسَل إلى «اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي» في الوزارة الوصية، بغاية الموافقة عليه بعد أن تتم الموافقة عليه على مستوى الكلية والجامعة- كانت الأهداف هي التالية: دعم وتنظيم الكفاءات النظرية والمنهجية للطالب، وتعزيز قدراته على التحليل والنقد، والمساهمة في منحه وعيًا مطابقًا لواقعه الاجتماعي ومنفتحًا على الكوني والعالمي، وإعداده للاندماج في الحياة العملية، وتأهيله للانفتاح على محيطه الاجتماعي والثقافي والمهني عمليًا وفكريًا لمواصلة دراسته العليا المتخصصة حسب قدراته وطموحاته، من جهة، وحسب أسبقيات المجتمع وأهدافه، من جهة ثانية. وجاء نضد المجزوءات والمواد على النحو التالي:

الفصل الوحدة الأولى

لغة وتواصل:1 مبادئ التفكير الفلسفي: لغة أجنبية أولى (فرنسية) السؤال الفلسفي لغة أجنبية ثانية الأول (إنكليزية أو إيطالية أو من الفلسفة إلى تاريخ الفلسفة إسبانية) مدخل إلى نظرية المعرفة البحث الوثائقي

الفصل الوحدة الخامسة الوحدة السادسة

لغة وتواصل:1 الفلسفة السياسية والاجتماعية: لغة أجنبية أولى (فرنسية) الفلسفة السياسية الحديثة لغة أجنبية ثانية الثاني (إنكليزية أو إيطالية أو الفلسفة السياسية إسبانية) المعاصرة مدخل إلى الإعلاميات الفلسفة السياسية والأخلاق

الفصل الوحدة التاسعة الوحدة العاشرة

فلسفة التواصل:1 الجماليات وفلسفة الفن: مدخل إلى فلسفة الأسس الفلسفية التواصل للجماليات الثالث لغة أجنبية 1 مناهج الجماليات لغة أجنبية 2 مبادئ الحكم الجمالي مدخل إلى الإعلاميات الوحدة الثانية الوحدة الثالثة الوحدة الرابعة

مدخل إلى الفكر السوسيولوجي: المواضيع السيكولوجية السوسيولوجيا الكبرى: الكلاسيكية العمليات العقلية سوسيولوجيا المجتمعات العمليات الوجدانية المغاربية عمليات التكيف نصوص سوسيولوجية مختارة

الوحدة السابعة الوحدة الثامنة فضاءات الفكر الفلسفي الإسلامي: الفلسفة والأدب: مفاهيم وإشكالات إشكالية العلاقة بين معرفية الفلسفة والأدب مفاهيم وإشكالات أسس العلاقة بين الفلسفة أنطولوجية والأدب مفاهيم وإشكالات نماذج مختارة أخلاقية

الوحدة الحادية عشرة الوحدة الثانية عشرة

قضايا ميتافيزيقية: الفلسفة الحديثة القضايا الميتافيزيقية والمعاصرة: الكبرى الحداثة في الفلسفة نقد الميتافيزيقا الحداثة وفكر الأنوار نصوص مختارة فلسفة ما بعد الحداثة

الفصل الوحدة الثالثة عشرة الوحدة الرابعة عشرة

فلسفة التواصل:2 المنطق ومناهجه: نظريات التواصل مبادئ التفكير المنطقي الرابع لغة أجنبية 1 منطق القضايا لغة أجنبية 2 منطق الحجاج

الفصل الوحدة السابعة عشرة الوحدة الثامنة عشرة

فلسفة اللغة: لغة وتواصل:3 مقاربة تاريخية لمبحث لغة أجنبية 1 فلسفة اللغة لغة أجنبية 2 الخامس التوجهات المعاصرة في معلوميات فلسفة اللغة تقنيات التعبير نصوص نموذجية (بلغة والتواصل أجنبية)

الفصل الوحدة الواحدة والعشرون الوحدة الثانية والعشرون

فلسفة الأخلاق الحديثة والمعاصرة: فلسفة التاريخ: الفلسفة والأخلاق في فلسفة التاريخ عند العصر الحديث العرب السادس أزمة الأخلاق الإنسانية فلسفة التاريخ في في القرن 19 العصر الحديث أسس الأخلاق في فلسفة التاريخ المعاصرة المجتمع المعاصر

الوحدة الخامسة عشرة

الوحدة السادسة عشرة

تاريخ الأفكار العلمية والتقنيات: فلسفة العلوم تاريخ العوم والأفكار والتكنولوجيا: العلمية أسس المعرفة العلمية التشكل التاريخي للمعرفة مناهج المعرفة العلمية العلمية والتقنية المعاصرة فلسفة التكنولوجيا النهضة العلمية في العالم الإسلامي وأوروبا الحديثة

الوحدة التاسعة عشرة

الوحدة العشرون

الفلسفة التحليلية المعاصرة: مناهج التأريخ للعلوم: أسس الفلسفة التحليلية الموضوع والمنهج في إشكالية المعنى في التأريخ للعلوم الفلسفة التحليلية تاريخ العلوم عند العرب المعاصرة تاريخ العلم الحديث التحليل الفلسفي والتحليل الوضعي

الوحدة الثالثة والعشرون الوحدة الرابعة والعشرون

الفينومينولوجيا: أسس التفكير الفينومينولوجي مشروع نهاية الدراسة الفينومينولوجيا وأزمة العلم الحديث الفينومينولوجيا والهرمنوطيقا

والحال أن هذا المنهاج لم يكمل سنواته البدئية الأولى حتى اضطر الأساتذة إلى تعديله بفعل ملاحظات تبدت لهم فيه، إثر ازدياد المراس، شأن عدم الاتساق العام بين مجزوءاته ومواده. وهو عدم اتساق ما فتئوا يحاولون التجاوز عنه بلا جدوى. وقد تمثّل، مثلا، في عدم احترام البُعد التاريخي للمواد المدرَّسة بحيث كان يتم، مثلا، تدريس الفلسفة السياسية القديمة والحديثة والمعاصرة في فصل واحد، أو تدريس مادتي «مدخل إلى الميتافيزيقا» و«نقد الميتافيزيقا» في فصل واحد، فلا يكاد الطالب يشرع في التعرف على الميتافيزيقا، حتى يشرع في الاطلاع على نقودها. وقس على ذلك مادتي الحداثة في الفلسفة وما بعد الحداثة؛ إذ يتعرف الطالب على المادتين في تزامن لا في تتالٍ، كما يفرض منطق التاريخ ذلك. هذا فضلا عن تردد المنهاج بين التناول التاريخي للمواضيع الفلسفية وتناولها الإشكالي، فأنت واجده، على سبيل المثال، يتناول أسس الفلسفة التحليلية جنبًا إلى جنب مع إشكال المعنى فيها. لهذا وجد الأساتذة أنفسهم مضطرين إلى دمج بعض المواد في بعض، وإلى إلغاء مواد أخرى، أو إعادة ترتيبها في المنظومة. والحال أن الدرس الفلسفي الجامعي في المغرب، أمسى اليوم، ومنذ ثلاث سنوات، يسير وفق ما صار يُعرف ب «مسلك الإجازة الجديد»، الذي ط بّق وفق ما يُعرف في المغرب بالمخطط الاستعجالي الذي رام منه واضعوه إصلاح التعليم عمومًا، وتحقيق «الجودة» له. وما يميز هذا المنهاج الجديد، على المستوى الوطني، هو الوحدة في إطار التنوع، بحيث اقترحت لجنة وضع منهاج دراسي يضم جانبًا مشتركًا إجباريًا وجانبًا متباينًا اختياريًا، وهو منهاج يبدو أنه تحكمت في إملائه هواجس: منها الهاجس التشغيلي؛ وهذا ما يفسر إقحام عديد من المواد ذات الصلة بعالم الشغل، شأن المواد المتعلقة بتدبير المقاولات، وشأن إحداث إجازة برأسين: أكاديمي بحثي ومهني تشغيلي. ومنها هاجس التوافق؛ وهو ما بدا واضحًا في التوليفة العجيبة من المواد السابقة المأخوذة من مختلف شُعَب الفلسفة التي صارت تدرّس. وهكذا تُذَكِّرُ ديباجة البرنامج بالأفكار المسبقة عن الفلسفة التي تولّد عنها عداء ديني ومجتمعي لهذه المادة، وتبتغي تصحيح هذه النظرة. ثم تذكّر أهداف التكوين الفلسفي في الجامعة المغربية، وهي أهداف، على الجملة، كان هاجسها إحداث توليفة بين النظر والعمل (التأمل: التحليل والنقد، والعمل: الانفتاح على سوق الشغل)، فجاءت على النحو التالي: تطوير الدرس الفلسفي في الجامعة، وتوجيهه صوب «فلسفة أكثر إيجابية»، وإدماج الفلسفة في الثقافة العامة، وإمداد الطالب بثلاثة أنواع من المعارف: واحد يسمح له بالمساهمة في تطوير الفكر الفلسفي في المغرب، وثان قابل للتبيئة في مجالات مهنية مختلفة، وثالث يساعده على فهم العالم من حوله ووضع نفسه في محيطه الطبيعي والاجتماعي، وحث الطالب على تجاوز الركون إلى الجانب النظري في الفلسفة والبحث عن استثمارات «عملية: اقتصادية واجتماعية وسياسية» لما اكتسبه من معارف ومهارات، وإثراء ملكة التحليل والنقد لديه، وإعداده لتسيير مدينته. يبدو أن صائغي البرنامج كانوا متأثرين بأنموذج «بيداغوجية الكفايات» القائم على فكرة «المهارات». ومن المهارات التي استهدف البرنامج تنميتها لدى الطالب «مهارات منهجية» و«معرفية» و«تقنية» و«مهنية.» وحقيقة المهارات المنهجية أنها عبارة عن مقدرات في عداد الثلاث عشرة (الفهم؛ التحليل؛ الكتابة؛ البحث؛ الإقناع؛ التفكيك؛ حل النزاعات؛ النقد؛ الانتقال من النظري إلى التطبيقي؛ الاستخلاص؛ التعبير؛ تطوير المناهج؛ التدبير العقلاني)، فضلا عن مهارات قابلية النقل من مجال الفلسفة النظري إلى مجالات عملية

أرحب، ومهارة المساهمة في التنمية المستدامة. ومن المهارات المعرفية: التفكير الواضح المرفق بالتمييز والتدبير والاستدلال، والتفكير النقدي المصحوب بالقدرة على اتخاذ القرار العقلاني، والقدرة على التخيل والإبداع، والقدرة على صوغ الأفكار صوغًا مفاهيميًا. هذا علاوة على المهارات التقنية (التمك ن من اللغات، والتعبير أمام الجمهور، والتعلم والفهم، وفهم المعطيات وترتيبها واستغلالها، والكتابة الإقناعية، والتحاور، والأدوات الإعلامية، وتقنيات البحث العلمي، والعمل الجماعي)، والمهارات المهنية (القدرة على التكيف، واستثمارات المهارات المكتسبة، ونقل المعارف، والمرونة مع الوسط.) بناء على هذه الأهداف تم استحداث الوحدات والمجزوءات المقترحة على المستوى الوطني:

الفصل الوحدة الأولى الوحدة الثانية

لغة ومنهجية أسس الفكر الأول السوسيولوجي

الفصل الوحدة الخامسة الوحدة السادسة

الفلسفة القديمة: الثاني لغة وتقنيات مقاربة موضوعاتية التعبير والتواصل مقاربة بيوغرافية

الفصل الوحدة التاسعة الوحدة العاشرة

المنطق ومناهجه: الثالث لغة وإعلاميات 1 منطق القضايا منطق الحجاج 1 الوحدة الثالثة الوحدة الرابعة مدخل عام إلى الفلسفة: مدخل إلى علم السؤال الفلسفي النفس المباحث الفلسفية الكبرى

الوحدة السابعة الوحدة الثامنة فضاءات الفكر تطور الأفكار الفلسفي الإسلامي: العلمية: مفاهيم وإشكالات تطور الأفكار العلمية معرفية وأنطولوجية قبل العصر الحديث - مفاهيم وإشكالات تطور الأفكار العلمية أخلاقية وسياسية في أوربا الحديثة

الوحدة الحادية عشرة الوحدة الثانية عشرة الفلسفة الحديثة الفكر الأخلاقي: والمعاصرة 1 المذاهب الأخلاقية مدخل إلى الفلسفة الكبرى الحديثة الأخلاقيات

الفلسفة وقضايا

التطبيقية

الإنسان

الفصل الوحدة الثالثة الوحدة الرابعة عشرة عشرة

المنطق ومناهجه:2 الرابع لغة وإعلاميات 2 منطق المحمولات منطق الحجاج 2

والحال أن جديد الفصلين الأخيرين أمران اثنان:

الفلسفي الأولي، وهو المسار المسمّى «المسار الثاني.»

النحو التالي:

الفصل الوحدة السابعة الوحدة الثامنة عشرة عشرة فلسفة التربية: - الخامس الفلسفة والفن: مدخل إلى فلسفة الجماليات التربية الفلسفة والفن الفلسفة للأطفال

الإبستمولوجيا الميتافيزيقا مقاربة فلسفية مفاهيم وقضايا للمعرفة أنطولوجية نقد المعرفة العلمية ميتافيزيقا الإنسان الوحدة الخامسة الوحدة السادسة عشرة عشرة فلسفة العلوم: الفلسفة الحديثة أسس المعرفة والمعاصرة 2 العلمية التيارات التأويلية مناهج المعرفة البراغماتية العلمية

أولهما، تفرع التكوين إلى «مسارين» اثنين متوازيين (ما سُمّي «الفلسفة النظرية» و«الفلسفة التطبيقية»)، وذلك بترك الاختيار للطالب في ما إذا كان يود أن تكون إجازته ذات منحى أكاديمي صرف (تكوين نظري بالأولى في الفلسفة)، وهو ما سُمّي «المسار الأول»، أو أن تكون ذات منحى مهني (تكوين وظيفي منفتح، مثلا، على ميدان التربية (علوم التربية)، أو على علوم الصحافة (علوم الإعلام)، أو على غيرها من المهن ذات الصلة بتكوينه

وثانيهما، ترك الاختيار للشعبة في تحديد ذاك التكوين المهني الذي ترتئيه، وذلك بحسب اعتبارات عدة تؤخذ بعين النظر، منها محيط الجامعة المهني، وفرص الشغل المتوافرة فيه، وإمكان التعاقد مع المقاولات المعنية بتشغيل الطلبة الخريجين. ولهذا ازدوج التكوين بهذا المستوى واخت ذ صيغة ثنائية في الفصلين الخامس والسادس على

الوحدة التاسعة الوحدة العشرون عشرة فلسفة الدين: الفلسفة السياسية: مدخل إلى اللاهوت مقاربة موضوعاتية الطبيعي رواد الفلسفة السياسية الدين والعلم

تاريخ الأفكار فلسفة العقل والإيديولوجيات مدخل إلى فلسفة تاريخ الأفكار العقل تاريخ سيكولوجيا المعرفة الإيديولوجيات

الفصل الوحدة الواحدة

الوحدة الثانية

والعشرون

والعشرون

الفلسفة في الفكر العربي المعاصر فلسفة البيئة: الفكر العربي السادس الإيكولوجيا المعاصر وقضايا والإيديولوجيا الحداثة أخلاق البيئة -حقوق الإنسان في الفكر العربي المعاصر

الفلسفة والثقافة والمجتمع: التحليل النفسي:

مدخل إلى

مدخل إلى الفلسفة

الأنثروبولوجيا الثقافية

التحليلية الفلسفة والثقافة التفكير النقدي والتنمية

وهكذا، فإنه بعد مضي خمس سنوات (-2005/2004 2010/2009) على افتتاح الشعبة، كان لا بد من وضع اعتماد جديد يتم وفق المسطرة ذاتها التي سُلكت عند افتتاح الشعبة؛ فكان على الشعبة وضع الأهداف والتصورات وتنسيق المنهاج، وكان أن وض عت للمنهاج الغايات التالية: دعم كفاءات الطالب النظرية والمنهجية وتنظيمها؛ تعزيز قدراته على التحليل النقدي المنظم؛ المساهمة في منحه وعيًا مطابقًا لواقعه الاجتماعي ومنفتحًا على الكوني والعالمي؛ إعداده للاندماج في الحياة العملية؛ تأهيله للانفتاح على محيطه الاجتماعي والثقافي والمهني، تأهيله علميًا وفكريًا لمواصلة دراسته العليا المتخصصة، حسب قدراته وطموحاته من جهة، وحسب أسبقيات وأهداف المجتمع، من جهة أخرى. كما أن الشعبة هدفت إلى تحقيق الكفاءات التالية: القدرة على فهم وممارسة التفكير الفلسفي؛ القدرة على ممارسة التحليل الفلسفي للقضايا والنصوص؛ القدرة على الكتابة الحجاجية؛ القدرة على صوغ مشروع بحث في ميدان الفلسفة وإنجازه؛ القدرة على الإقناع؛ القدرة على التكيف مع أوساط مهنية مختلفة؛ القدرة على استغلال المهارات الأساسية المكتسبة في إطار المسلك في مجالات مهنية مختلفة. وفي ما يتعلق بالتكوين في الإجازة، فقد استُحدث مساران، أحدهما هو مسار «الفلسفة والتنمية»، والآخر هو مسار «الفلسفة ومجالاتها»؛ بحيث صار الطلبة يوجّهون إلى مسارين: أحدهما يخول الطالب اكتساب معرفة ذات صلة بسوق الشغل ومتعلقة بميدان التدبير المؤسساتي ومهن الصحافة والسمعي البصري، والآخر يؤهل الطالب لولوج الدراسات العليا قصد تعميق معارفه في تخصص الفلسفة والمجالات المعرفية المناظرة لها. ثم إنه أنشئ ماستر متخصص في الفلسفة في الموسم الجامعي 2009-2008، تحت مسمّى «الفلسفة وآلياتها النقدية». وقد أنشأ الأساتذة -اجتهادًا منهم- منهاجه الخاص على أساس من التوافق والأطر المتوافرة، فكان أن جاء هذا المنهاج على النحو التالي:

الوحدة الثالثة

الوحدة الرابعة

والعشرون

والعشرون

الثقافة المقاولاتية: مشروع نهاية الدراسة الثقافة المقاولاتية عروض ومناظرات منهجية

الثقافة المقاولاتية: مشروع نهاية الدراسة الثقافة المقاولاتية بحوث ومناظرات عروض ومناظرات منهجية

الفصل الرابعالفصل الثالثالفصل الثانيالفصل الأول
وحدة: التعبيرات
الفنية الحديثة
والمعاصرة
وحدة: الفلسفة الحديثة
والمعاصرة
وحدة: الفلسفة والدينوحدة: الفلسفات الكلاسيكية
الصورة
والتكنولوجيات
الجديدة
العقلانياتفلسفة الدين
والهرمنوطيقا
الفلسفة اليونانية ومحيطها
التعبيرات الموسيقية
الحديثة
نقد العقلانياتالدراسات الدينية
المعاصرة
النص والتأويل في الفكر
الإسلامي الوسيط
الاستشراق
تدريب للتحضير
للبحث
وحدة: الفلسفة
والأخلاق المعاصرة
وحدة: النقد الفلسفي
في الفكر العربي المعاصر
وحدة: الدراسات المنطقية
الحديثة والمعاصرة
فلسفة حقوق الإنساننقد المعرفة التراثيةالمنطق الرياضي التطبيقي
الأخلاق والتقنيةنقد المعرفة الغربيةالمنطق بين الفلسفة والعلم
وحدة: الفلسفة
السياسية الحديثة
والمعاصرة
وحدة: مناهج البحثوحدة: الإنتاج الفلسفي في
المغرب
مفهوم الدولة والمجتمع
المدني
المنهج في فلسفة العلومالنص الفلسفي في المغرب
مفهوم الحريةمناهج البحث في العلوم
الإنسانية
الفلسفة والمؤسسة والمجتمع
وحدة التقوية والمنهجيةوحدة تكميليةوحدة: التقوية والمنهجية 1
لغات أجنبيةالدراسات الثقافيةلغات اجنبية
ترجمةدراسات الأنساق
الثقافية
ترجمة
تقنيات التحريرالنقد الثقافيتقنيات التحرير

هذا، وكانت الدكتوراه في «الفلسفة والشأن العام» تتويجًا لهذا المسار بأكمله، وقد سُمّيَت، في تعالق مع الماستر، «الفلسفة والشأن العام». وهي تخوض تجربتها الأولى برسم هذا الموسم الجامعي.