العودة إلى تفاصيل المؤلَّف «الشعب يريد إعدام المحامين »:السنهوري بين القانون والثورة 1952 – 1954

«الشعب يريد إعدام المحامين »:السنهوري بين القانون والثورة 1952 – 1954

“The People Demand the Execution of Lawyers”: Al-Sanhuri, Between Law and Revolution (1952-1954)

عمرو الشلقاني

Amr al-Shalaqani

الملخّص

ظهر السنهوري في أزمة آذار/ مارس 1954 بطل آثر الوقوف مع التيار الديمقراطي، فنادى مع الجناح المؤيد للواء محمد نجيب بعودة الجيش إلى ثكناته، وإطلاق حرية الأحزاب السياسية، تمهيدًا لعقد انتخابات نزيهة في ظل دستور جديد كان له الدور الكبير في صوغ أحكامه. ثم ظهر بعد ذلك بأيام شهيد استخفاف العسكر بسيادة القانون، وعدائهم لاستقلال القضاء، فيُضرب القاضي الكبير على سلّم محكمته، ثم يشتد العداء بينه وبين عبد الناصر فيُعزل من منصبه القضائي، ويُمنع من السفر أعوامًا جزاء التزامه بمبادئه القانونية الرصينة.

Abstract

During the March 1954 crisis in Egypt, legal scholar Abd al-Razzaq al-Sanhuri was deemed a hero for defending the democratic political current and demanding, along with the groups supporting Brigadier Muhammad Najeeb, the return of the army to the barracks and the legalization of political parties—a move in preparation for transparent elections under a new constitution, which al-Sanhuri participated in drafting. Only days later, al-Sanhuri was made a martyr to the military’s disregard of the rule of law and its opposition to the independence of the judiciary. The great Egyptian jurist was beaten on the stairway to his courthouse, and the enmity between him and Gamal Abdel Nasser escalated to the point where the judge was forced into retirement and banned from travelling outside the country for years. This is the traditional narrative of the Sanhuri predicament, and one which this paper aims to contest. This narrative neglects the political role played by al-Sanhuri before he was assaulted and purged, a role that involved a great deal of cooperation with the leaders of the military coup d’état, making it difficult to view al-Sanhuri as a mere powerless victim of the Nasser regime’s disregard of the rule of law.

الكلمات المفتاحية:
  • دستور
  • الشعب
  • المحامين
  • السنهوري
  • الجيش
Keywords:
  • Gamal Abdel Nasser
  • Constitution
  • Egyptian Elections
  • Abd al-Razzaq al-Sanhuri

السنهوري بين القانون والثورة (1952 –)1954

ظهر السنهوري في أزمة آذار/ مارس 1954 بطالً آثر الوقوف مع التيار الديمقراطي، فنادى مع

الجناح المؤيد للواء محمد نجيب بعودة الجيش إلى ثكناته، وإطلاق حرية الأحزاب السياسية، تمهيدًا

لعقد انتخابات نزيهة في ظل دستور جديد كان له الدور الكبير في صوغ أحكامه. ثم ظهر بعد

ذلك بأيام شهيد استخفاف العسكر بسيادة القانون، وعدائهم لاستقلال القضاء، فيضُرب القاضي

الكبير على سلّم محكمته، ثم يشتد العداء بينه وبين عبد الناصر فيُعزل من منصبه القضائي، ويُمنع

من السفر أعوامًا جزاء التزامه بمبادئه القانونية الرصينة.

هذا السرد التقليدي لقصة الاعتداء على السنهوري نراه محل اعتراضات جوهرية، لما في ذلك السرد

التقليدي من إغفال غير قليل للدور السياسي الذي أداه السنهوري قبل لحظة الاعتداء عليه تلك،

وهو دور فيه من أوجه الود والتعاون مع القائمين على حركة انقلاب الجيش ما يتعذر معه اعتبار

السنهوري مجرد ضحية طاهرة للعصف الناصري بسيادة القانون. كيف لنا أن نفسر هذا التناقض الصارخ بين الاعتداء على السنهوري في 29 آذار/ مارس 1954

جرّاء تأييده للتيار الديمقراطي بحسب فولكلورنا القانوني من جانب، ومواقف السنهوري

السابقة على ذلك الاعتداء الدرامي بكل ما انطوت عليه من تأييد ومباركة للتدابير الثورية

والخارقة في مجملها للشرعية الدستورية من جانب آخر؟ أهمية السؤال تكمن في ما تشهده مصر اليوم وسط صدمة الشعب من عزوف نخبتنا القانونية عن

إقامة «العدل الثوري» الحق بعد 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وذلك لأسباب نراها تاريخية،

باقية معنا بعد ستة عقود من انقلاب الجيش، تاركة الجميع في توجس من أي تعامل ثوري مع نظام

مبارك وحاشيته، بينما نتابع أحكام البراءة تصدر الواحد تلو الآخر في شأن كل من قامت ثورة 25

يناير في وجه سلطانه. هي هواجس الماضي، تعود لتراودنا في الحاضر، عساها تفيد في لحظة ثورية جديدة كالتي تشهدها

النخبة القانونية في مصر اليوم، لحظة تحمل في طياتها واقعة ضرب أخرى، لسنهوري آخر، ربما على

سلّم مجلس الدولة، أو دار القضاء، أو الدستورية العليا، وكلّهم سواء. شهدت القاهرة ظهيرة يوم 29 آذار/ مارس 1954 تظاهرات لم يشهد تاريخ الثورات الحديثة أعجب منها؛

إذ خرجت مجموعات من المواطنين لتغمر شوارع المدينة وتهتف في طرقاتها، تارة بحياة الجيش والثورة وعبد

الناصر، وتارة أخرى بسقوط الأحزاب والنقابات والرجعية، بل وبسقوط الدستور ومعه الحرية والديمقراطية

كذلك. وما إن وصلت إحدى هذه المجموعات إلى مقر مجلس الدولة في الجيزة، حتى علا الهتاف ليشمل

الدكتور عبد الرزاق باشا السنهوري، رئيس مجلس الدولة حينئذ، الذي ما لبث المتظاهرون أن أخذوا ينعتونه

بالجاهل والخائن، ويطالبون بسقوطه هو الآخر. توقفت المسيرة خارج بوابة المجلس المغلقة بسلاسل الحديد، فدخل أحد الضباط إلى مكتب السنهوري وطلب

منه الخروج إلى حديقة المحكمة لمخاطبة الموجودين فيها والتهدئة من روعهم. وحينئذ اقتحمت جموع المتظاهرين

فناء المجلس، وانقضّ بعضهم على السنهوري بالسبّ والضرب. عندها فقط بدا أن السنهوري فطن أخيرًا إلى

أن الأمر لم يكن «مظاهرة أخاطب فيها المتظاهرين – كما ادّعى الضابط – بل أمر اعتداء مبيت عليّ، وما لبث

المتظاهرون أن دفعوني دفعًا إلى الحديقة وتوالى الاعتداء». حيُكى أن المتظاهرين كادوا يفتكون بالسنهوري ذلك اليوم، لولا أن الضربة التي وجّهت إليه تلقّاها أحد السعاة

في مجلس الدولة. كما حيُكى أن السنهوري لم يتمكن من مغادرة مكان الاعتداء إالّ بعد قدوم الصاغ صلاح سالم،

الذي اصطحبه إلى الخارج وهو مدثر بسجادة من مكاتب المجلس، وفق إحدى الروايات. ثم كان اليوم التالي للاعتداء، فأدلى السنهوري بأقواله إلى النيابة العامة من على فراشه في المستشفى، موجِّهًا

الاتهام صراحة إلى الصاغ جمال عبد الناصر بتدبير الاعتداء عليه يوم 29 آذار/ مارس، ثم طالبًا من زوجته عدم

السماح بدخول ناصر عليه الغرفة عندما قدم الأخير لزيارته والاطمئنان إليه في المستشفى. وتؤكد الوثائق المتاحة لنا صدق حدس السنهوري، فالتظاهرات كانت مأجورة، والمتظاهرون خرجوا من

هيئة التحرير الخاضعة لسلطة الضباط الأحرار، وبأمر من رئيس البوليس الحربي – أو الشرطة العسكرية كما

تُعرف اليوم – وذلك وفق خطة كان الأستاذ أحمد حمروش عقلها المدبِّر، بالتعاون مع زميليه في التنظيم إبراهيم

الطحاوي وأحمد طعيمة. تلك، باختصار، هي الخطوط العريضة لما أصبح يُطلَق عليه بالعامية «قصة ضرب السنهوري بالجزمة على سلّم

مجلس الدولة». وهي قصة تعرفها نخبتنا القانونية جيدًا، وتُكثر الإشارة إليها في معرض وصلات النحيب المألوفة

عامّ كانت عليه تلك النخبة من ازدهار قبل انقلاب الجيش عام 1952، ثم ما آلت إليه بعده من انهيار في المقدرات،

أصاب جهاز العدالة بأسره، من قضاء ومحاماة وكليات حقوق، خلال العقود الستة المنصرمة من «نظام يوليو»، مثلما

أصاب معها التزام الدولة بمبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء في ظل عهود ناصر ومن ورائه السادات ومبارك. يطل علينا السنهوري في السرد السالف للقصة بطالً آثر الوقوف مع التيار الديمقراطي خلال أزمة آذار/ مارس

1954، فنادى مع الجناح المؤيد للواء محمد نجيب بعودة الجيش إلى ثكناته، وإطلاق حرية الأحزاب السياسية،

تمهيدًا لعقد انتخابات نزيهة في ظل دستور جديد كان للسنهوري الدور الكبير في صوغ أحكامه. ثم يأتي بعد ذلك مشهد السنهوري شهيدًا على استخفاف العسكر بسيادة القانون، وعدائهم لاستقلال القضاء،

فيضُرب القاضي الكبير على سلم محكمته، ثم يشتد العداء بينه وبين عبد الناصر، فيُعزل من منصبة القضائي،

ويُمنع من السفر أعوامًا جزاء التزامه بمبادئه القانونية وإيثاره عفّة القاضي على العقيدة السياسية وسموّه عن

نزواتها المتقلبة، وبالطبع رفضه لكل تحالف، ولو تكتيكي، مع من في يده السلطة على مرّ الحكومات المتعاقبة.

1 عبد الرزاق السنهوري من خلال أوراقه الشخصية، إعداد نادية السنهوري وتوفيق الشاوي (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي،

1988)، ص.284

2 المصدر نفسه، ص.284-283

هذا السرد التقليدي لقصة الاعتداء على السنهوري نراه محل اعتراضات جوهرية، لا تمت بصلة إلى مكانة الرجل

الفكرية كواحد من أنبغ فقهاء القانون في تاريخنا الحديث، بل ربما أنبغهم على الإطلاق. إنما يكمن الاعتراض في

ما ينطوي عليه ذلك السرد التقليدي، بنبراته البطولية، من إغفال غير قليل للدور السياسي الذي أداه السنهوري

قبل لحظة الاعتداء عليه تلك، وهو دور فيه من أوجه الود والتعاون مع القائمين على حركة انقلاب الجيش ما

يتعذر معه اعتبار السنهوري مجرد ضحية طاهرة للعصف الناصري بسيادة القانون. فالرجل الذي رضُب على

سلّم مجلس الدولة في 29 آذار/ مارس 1954، وكان بذلك ضحية شديدة الدرامية لرفض «العسكر» تبنّي

دستور ديمقراطي جديد وعقد انتخابات نزيهة يختار فيها الشعب ممثّليه بالبرلمان، هو أيضًا الرجل نفسه الذي

جلس على منصتة القضائية في 31 تموز/ يوليو 1952، بعد أسبوع واحد من قيام الجيش بانقلابه العسكري،

فأفتى بما نراه يأتي على أحكام دستور 1923 ويتعارض مع أبسط قواعد المنطق القانوني السليم. ثم أمضى السنهوري بعد ذلك الجانب الأكبر من تلك المرحلة الحرجة ما بين انقلاب الجيش واشتعال أزمة آذار/

مارس 1954 وهو يمد الضباط الأحرار، وعلى رأسهم ناصر، بمختلف صور العون القانوني في مشروع «تطهير»

الحياة السياسية على نحو ما سنتناول بالتفصيل. فقد ساهم في صوغ بعض القوانين الحساسة للنظام العسكري

الحاكم في تلك المرحلة، وأفتى من قسم الرأي في مجلس الدولة بتحصين هذه القوانين من الطعن عليها بالعيب

أو العوار، كما صدرت في ظل رئاسته للمجلس أيضًا مجموعة مهمة من الأحكام القضائية المؤيدة لتلك القوانين. وليس أدلّ على مقدار ما وصلت إليه أوجه الود والتعاون بين مجلس الدولة والقائمين على انقلاب الجيش حتى

آذار/ مارس 1954، من أننا نجد سليمان بك حافظ في مذكراته، وهو زميل السنهوري في إدارة دفة التعاون

القانوني/العسكري هذا، قد ذهب في تفسيره لواقعة الاعتداء إلى استبعاد ضلوع جبهة عبد الناصر فيها «لانعدام

الباعث من جهتهم، إذ كانوا يعلمون أن السنهوري لم ينحز إلى جانب أي من الفريقين في الخلاف الواقع بينهما،

بل لعله كان في المرحلة الأخيرة منه أكثر لومًا لنجيب منه لصحبه». ولعل مطالعة غلاف مجلة روز اليوسففي عددها الصادر قبل أسبوع من وقوع الاعتداء على السنهوري أن

تكون أفضل تمثيل للحال الذي بلغه هذا الود والتعاون بين نخبة القانونيين والضباط الأحرار، إذ نجد على

الغلاف رسامً كاريكاتيريًّا لدستور البلاد الجديد المرتقب، وقد تأبّط ذراعيه ناصر ونجيب من كل ناحية، بينما

يقوم صلاح سالم على زفّه كالعروس بالورد من الأمام، بينما السنهوري في الخلف يحتفي بالموكب الدستوري

أيضًا عن طريق دق الصاجات، وسليمان حافظ إلى جانبه في مشهد مقارب لحركات الأراجوزات في الموالد،

احتفاالً هو الآخر بقرب صدور الدستور المأمول. كيف لنا أن نفسر هذا التناقض الصارخ بين الاعتداء على السنهوري في 29 آذار/ مارس 1954 جرّاء تأييده للتيار

الديمقراطي حسب فولكلورنا القانوني من جانب، ومواقف السنهوري السابقة على ذلك الاعتداء الدرامي من

جانب آخر، بكل ما انطوت عليه من تأييد ومباركة للتدابير الثورية والخارقة في مجملها للشرعية الدستورية؟ قبل هذا وذاك، لماذا العودة من الأصل إلى استذكار قصة ضرب السنهوري على سلّم مجلس الدولة؟ هل من

فائدة ترجى لتلك الذكرى؟ أوَليس من الأجدى عدم فتح دفاتر الماضي من جديد، والانتباه إلى ما يحيق بحاضرنا

القانوني من مشكلات ومصر تستشرف مستقبلها الدستوري في أعقاب ثورة 25 يناير؟ الرأي لدينا أن الثورة، أي ثورة، أينما تكن، أو كيفما تَقُمْ، هي دومًا عند أهل القانون جريمة، وعند أهل الثوار

عدل وقصاص. كانت تلك معضلة السنهوري في الأعوام الفارقة بين انقلاب الجيش عام 1952 واشتعال أزمة

3 سليمان حافظ، ذكرياتي عن الثورة (القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص.129

آذار/ مارس 1954، وكذلك الحال اليوم بعد عامين من قيام ثورة 25 يناير، وشعب مصر مصدوم من عزوف

نخبتنا القانونية عن إقامة «العدل الثوري» من بعدها، وذلك لأسباب نراها تاريخية، باقية معنا بعد ستة عقود من

انقلاب الجيش، تاركة الجميع في حال توجس من أي تعامل ثوري مع نظام مبارك وحاشيته، بينما نتابع أحكام

البراءة تصدر الواحد تلو الآخر في شأن كل من قامت ثورة 25 يناير في وجه سلطانه. هي هواجس الماضي، تعود لتراودنا في الحاضر، عساها تفيد في لحظة ثورية جديدة كالتي تشهدها النخبة القانونية

في مصر اليوم، لحظة تحمل في طياتها واقعة ضرب أخرى، لسنهوري آخر، ربما على سلّم مجلس الدولة، أو دار

القضاء، أو الدستورية العليا، وكلهم سواء.

وبعد أسبوع من “الحركة المباركة”

بدأ «نظام يوليو» أسبوعه الأول في الحكم بأزمة دستورية، صدر بشأنها فتوى من مجلس الدولة في 31 تموز/ يوليو

1952، قيل حينها «إن الطرفين المدني والعسكري التزما مسبقًا بالنزول على هذه الفتوى الدستورية أيًا كان محتواها». والحق أن هذه الفتوى كانت أول قطرة لغيث من التدابير «الثورية»، الخارقة في مجملها لمبادئ سيادة القانون

واستقلال القضاء خلال فترة ما بين انقلاب الجيش وأزمة آذار/ مارس 1954، كمحاكم «الغدر» و«الشعب»،

وحل الأحزاب والنقابات، وتحصين قرارات العسكر إزاء رقابة مجلس الدولة عليها، وكل ذلك بمباركة كبار

قضاة مجلس الدولة نفسه، وفقهاء القانون بكليات الحقوق من ورائهم. كان الملك فاروق قد تنازل عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني في 26 تموز/ يوليو 1952، وذلك بعد

ثلاثة أيام فقط من انقلاب الجيش، فثار التساؤل حول تشكيل مجلس الوصاية على العرش ليحكم باسم المليك

القاصر، ومدى وجوب حلف هذا المجلس اليمين أمام البرلمان قبل تولّيه السلطة. وكان دستور 1923 هو الحاكم لحظتها، وكانت مواده متسقة إلى حد بعيد مع مبادئ الحكم الديمقراطي في

الدولة المدنية الحديثة، فنصّت صراحة على أن «جميع السلطات مصدرها الأمة»، واشترطت المادة (50) منه

وجوب حلف الملك اليمين أمام البرلمان قبل تولّيه الحكم، كما اشترطت المادة (51) منه أن يحلف الأوصياء على

العرش اليمين ذاتها قبل تولّيهم الحكم باسم الملك إذا كان قاصرًا. وقد روعيت تلك المواد عند وفاة الملك فؤاد عام 1936، وانتقال الحكم إلى ولي عهده الأمير فاروق، الذي لم

يكن قد تجاوز بعدُ السابعة عشرة من العمر، فشكّل البرلمان حينئذ مجلسًا للوصاية على العرش، وقام أعضائه

بحلف اليمين أمام البرلمان، إلى أن أتم فاروق الثامنة عشرة بالتقويم الهجري، فذهب بدوره إلى مقر البرلمان في

29 تموز/ يوليو 1937، ووقف أمام الأغلبية الوفدية فيه ليتلو اليمين الذي نصه: «أحلف بالله العظيم أن أحترم

الدستور وقوانين الأمة المصرية وأحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.» ومن العجيب أن مواد دستور 1923، بروحها المدنية الحديثة تلك، جاءت أيضًا متسقة تمامًا مع واقع الحكم في

مصر لحظتها، حيث لا يتصور عاقل نزوح من في يده السلطة عنها إالّ بموته نتيجة مرض فتاك، أو فنائه لسبب

أعنف في مقدرات السياسة. ومن ثم يبدو أن واضعي الدستور آثروا الاقتصاد في مداد أقلامهم، واكتفوا في

صوغ المادة (52) منه بتنظيم مسائل انتقال الحكم لوفاة الملك من دون التعرض لغيرها من احتمالات خلو

4 وحيد رأفت، فصول من ثورة 23 يوليو (القاهرة: دار الشروق، 1978)، ص 120.121-

5 راجع في كل ما سبق: عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية: ثورة 1919، 3 ج (القاهرة: دار المعارف، 1989-1987)،

ج 3، ص 17 18- و.49-47

العرش لأي سبب آخر، كأن يتنازل الملك عنه مثال لمرض يعيقه عن الاضطلاع بمهامه، أو أن يتم عزل الملك

عن العرش بثورة الشعب عليه، ثم يبقى في قيد الحياة. وإزاء هذا الغموض في مواد الدستور، أخذت التصريحات تتضارب بشأن مجلس الوصاية على عرش الأمير أحمد

فؤاد، فنجد علي باشا ماهر، رئيس الوزراء حينئذ، تارة يقول بوجوب أن يحلف الأوصياء اليمين أمام البرلمان

قبل تولّيهم سلطات الحكم وفقًا للمادة (52) من الدستور، وتارة أخرى ينفي ذلك ويدّعي أن المادة (52)

تقتصر فقط على حالة وفاة الملك من دون تنازله عن العرش. وحتى لا يتصور القارئ أن هذا الخلاف في تفسير دستور 1923 كان خلافًا فقهيًا مجرّدًا من أي أثر سياسي،

ينبغي لنا التذكير بأن وزارة الهلالي باشا كانت قد أمرت بحل مجلس النواب عقب وقوع حريق القاهرة في

كانون الثاني/ يناير 1952، ثم تلا ذلك وقف جلسات مجلس الشيوخ، فكانت الحياة النيابية معطَّلة تمامًا عند

قيام «حركة الجيش» في 23 تموز/ يوليو 1952، وبالتالي كان من شأن الإصرار على أداء الأوصياء اليمين أمام

البرلمان أن يُدعى المجلس النيابي إلى الانعقاد، ومن ثم عودة الأغلبية الوفدية إلى مقاعدها، وهو أمر لم يكن على

هوى حكام مصر الجدد من العسكر، ولا على هوى ساسة البلد من المناوئين لحزب الوفد. إزاء هذا التباين في تفسير المادة (52) من الدستور، اتفق علي ماهر مع الضباط الأحرار برئاسة اللواء محمد

نجيب بك على استطلاع وجهة نظر قسم الرأي في مجلس الدولة في هذا الشأن، وقيل حينئذ «إن الطرفين المدني

والعسكري التزما مسبقًا بالنزول على هذه الفتوى الدستورية أيًا كان محتواها». وعلى ذلك، انعقد قسم الرأي في مجلس الدولة في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 31 تموز/ يوليو 1952،

بغرض الإجابة عن طلب الفتوى المقدم من رئيس الوزراء، ونصه «هل يجوز دعوة البرلمان المنحل للانعقاد

لفض مظروف الوصاية [على العرش] وليحلف الأوصياء أمامه باليمين الدستورية وذلك تطبيقًا للمادة 52 من

الدستور؟». وتوجّه إلى ذلك الاجتماع الطارئ جميع مستشاري قسم الرأي في المجلس، بمن فيهم الأستاذ سليمان

حافظ بك وكيل المجلس لقسمي الرأي والتشريع. كما فوجئ الحضور بقدوم رئيس مجلس الدولة الدكتور عبد

الرزاق السنهوري باشا ليرأس الاجتماع بنفسه، وذلك على غير العادة، حيث كان سليمان حافظ هو الذى يترأس

تلك الاجتماعات في الظروف العادية. وقد كان في قدوم السنهوري إلى مقر رئاسة قسم الرأي في شارع الفلكي،

ورئاسته لذلك الاجتماع الطارئ، ثم خروج سليمان حافظ من الاجتماع لمقابلة رئيس الوزراء علي ماهر باشا

والتشاور معه على ما يبدو، ثم عودته بعد ذلك للمشاركة في الاجتماع ثانية، كان في كل ذلك ما يدعو إلى الشعور

بالأهمية الاستثنائية للموضوع المطروح لأخذ رأي المجلس فيه، وبمقدار فداحة الأثر السياسي لهذا الرأي. ويشير محضر الاجتماع إلى انقسام الرأي في تفسير المادة 52 بين وجهتين، الأولى تبنّاها الدكتور وحيد رأفت دون

غيره من الحضور، والثانية ادّعاها سائر قسم الرأي، وفي مقدمته السنهوري وسليمان حافظ. وملخّص الرأي الأول

أن الأصل في الدستور هو أن يحلف الملك ومجلس الأوصياء اليمين أمام البرلمان قبل تويلّ أي منهما سلطات الحكم،

6 وهذا ما يبدو من مطالعة المذكرات الشخصية للدكتور وحيد رأفت بك، والذى كان يشغل حينئذ وظيفة رئيس ادارة الرأي بمجلس

الدولة لوزارتي الخارجية والعدل، انظر: رأفت، ص 120.121-

7 المصدر نفسه، ص 120.121-

8 المختار من فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في خمسين عاما، تقديم طارق البشري (القاهرة: مجلس الدولة، 1997)،

ص 46-39. انظر في النص الكامل لمحضر الجلسة، ملحق الكتاب رقم.)11(

9 وهُم الأساتذة أبو العينين سالم وعبده محرم وعمر لطفي وحامد عبد الكريم وعبد العزيز خير الدين وعبد الرحمن نصير، فضالً عن

الدكتور وحيد رأفت كما أشرنا سابقًا، انظر: المصدر نفسه، ص.39

10 المصدر نفسه، ص 40 و 42، وحافظ، ص 51 -.56

وأن سكوت المادة (52) عن تناول حالة التنازل عن العرش لا ينفي هذا الأصل، ولا يعني اقتصار حكم المادة على

حالة وفاة الملك دون غيرها، بل يجب أن يقاس على خلو العرش لوفاة الملك خلوه أيضًا بنزول الملك فاروق عنه،

ومن ثم يجب إعمال المبدأ الأصيل في الدستور ودعوة البرلمان المنحل للانعقاد في جلسة تأدية الأوصياء اليمين. أمّا الوجهة الثانية التي انتهى إليها المجلس برئاسة السنهوري، فكان مفادها «أن المادة 52 من الدستور مقصورة

على حالة الوفاة، أما حالة النزول عن العرش فإن الدستور لم يواجهها ولا يمكن دعوة مجلس النواب المنحل إلى

العمل في هذه الحالة». واتساقًا مع رأي الأغلبية هذا، عكف السنهوري وحافظ في ختام الجلسة على صوغ

مادة جديدة تضاف إلى نصوص الأمر الملكي لعام 1922 والخاص بتنظيم الولاية على العرش، وذلك «بغية

إنشاء نظام للوصاية المؤقتة».

وما بين وجهتي النظر هاتين، لا نجد أي صعوبة في ترجيح رأى الدكتور وحيد رأفت على أنه الأقرب إلى المنطق

القانوني السليم، بينما لا يسعنا فهم رأي الأغلبية في هذا الاجتماع، وفى مقدمتها السنهوري باشا، سوى

بتحميل رأيهم هذا على أثره السياسي البالغ؛ فالقول مع وحيد رأفت بتطبيق المادة (52) من الدستور بعد تنازل

الملك فاروق عن العرش كان يستتبعه تفعيل البرلمان بدعوة الأغلبية الوفدية فيه إلى الانعقاد، وما من شك في أن

مثل هذا الإجراء كان محل تخوّف من القائمين على الحكم حينئذ، سواء في الوزارة المدنية لعلي ماهر أو في صفوف

العسكر من الضباط الأحرار، ففساد الحياة السياسية خلال الأعوام السابقة لحركة الجيش كان أحد الاسباب

الرئيسة التي سيقت لإضفاء طابع الضرورة على الانقلاب العسكري، ومن الواضح أيضًا أن في دعوة مجلس

النواب إلى سماع يمين الأوصياء على العرش مخاطرة بعودة حزب الوفد إلى تقلّد وظائف السلطة التشريعية

باعتباره حزب الأغلبية في البرلمان، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تقويض حركة الجيش، بل وإدماغ موقفهم

القانوني بالخروج على الدستور. هكذا، إذًا، مدّ مجلس الدولة برئاسة السنهوري باشا يد العون الثمينة إلى الضباط الأحرار بعد أسبوع واحد من

الانقلاب العسكري، فاستحدث فكرة «مجلس الوصاية المؤقت» ثم صاغها بالمادة (11) أعلاه في قانون الولاية

على العرش، وبذلك تمكنت حكومة علي ماهر من تفادي الصدام مع الأغلبية الوفدية في مجلس النواب وضمنت

في الوقت ذاته غطاء لا يستهان به من المشروعية الدستورية في أداء الأوصياء اليمين أمام الوزارة، ومن خلفها

حكام البلد الفعليين من الضباط الأحرار في الجيش.

السنهوري و«الفقه الثوري»

صدرت البيانات الأولى للقائمين على انقلاب الجيش دونما استخدام لكلمه «الثورة» في وصفهم لوقائع ليلة

23 تموز/ يوليو 1952. وبقيت الحال كذلك لما يقارب السته أشهر من وقوع الانقلاب، فأشاروا إلى أنفسهم

أوالً بمصطلح «القيادة العامة» ثم «الضباط الأحرار»، وأخذت الصحف تشير إلى «حركة الجيش» ثم «الحركة

المباركة». ولم يظهر مصطلح «ثورة 23 يوليو 1952» في الخطاب العام للصحافة أو في بيانات الضباط الاحرار

حتى مشارف عام 1953.

11 المختار من فتاوى الجمعية العمومية، ص.44

12 المصدر نفسه، ص 46. في تفاصيل الجلسة ودور السنهوري وحافظ في صوغ هذه المادة، انظر: رأفت، ص 23-121، وحافظ،

ص.56-51

13 راجع في الرأي نفسه: عادل أمين، الحياة الدستورية في مصر، 1994-1952 (القاهرة: سينا للنشر، 1995)، ص 17-15، ويرى

أمين أن المرسوم بقانون الذي صدر تنفيذًا لهذه الفتوى «كان محاولة شاذة للتوفيق بين أمور متعارضة، فهو يخالف القواعد الدستورية كما

يخالف الإدراك السليم للأمور، وذلك بالإضافة إلى أنه يُعتبر انتهاكًا واضحًا لحق الناخبين المصريين لممارسة سلطاتهم عن طريق نوابهم

الشرعيين المنتخبين»، المصدر المذكور، ص.17

وشتّان ما بين لفظي «الثورة» و«الانقلاب» في الدلالة والمعنى، وليس أعلم من رجال القانون بقيمة هذا

الاختلاف بينهما، وما يستتبع ك منهما من أثر فقهي متباين جدًا في المنظومة القانونية للبلاد. من هنا نجد لافتًا للنظر أنه في يوم انعقاد قسم الرأي في مجلس الدولة للنظر في طلب الفتوى السالف الذكر،

نشرت جريدة الأهرامأولى مقالات الدكتور سيد صبري في سلسلته عن «الفقه الثوري»، التي دافع فيها عن

النظرية الدستورية القائلة بسقوط الدساتير القائمة بعد الثورات والانقلابات، وذهب فيها إلى أن ما حدث في

يومي 23 و 26 تموز/ يوليو 1952 ما هو إالّ «ثورة» أطاح فيها الجيش نظام الحكم القديم، ولم يتبق سوى إعلان

قادة هذه الثورة لسقوط دستور 1923، إثباتًا بذلك لواقع الحال، ودونما الحاجة إلى أي إجراءات أخرى. ويبدو أن المقال هذا قد لقي اهتمامًا في أوساط الجيش، ولدى القائمين على حركة 23 يوليو خاصة. وكاتبه،

الدكتور سيد صبري، هو أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق- جامعة فؤاد الأول، أو جامعة القاهرة في ما

بعد. ونجد أن نظرية الدكتور صبري هذه في «الفقه الثوري» كان لها صدى أيضًا في آراء بعض مستشاري مجلس

الدولة ممّن حضروا اجتماع قسم الرأي في يوم نشر هذا المقال، فذهب الأستاذ عبده محرم مثالً إلى أن البلاد دخلت

بعد انقلاب الجيش في «حالة الضرورة»، بكل ما يستتبعها من السماح بإجراءات القانون الاستثنائية، بينما قال

الأستاذ عبد الرحمن نصير، في سياق معارضته دعوة البرلمان إلى الانعقاد، إنه «حتى لو سلّمنا بانطباق حالة الوفاة

على حالة النزول، فإننا لسنا أمام مجلس نواب منحل وإنما أمام حياة نيابية معطَّلة وأمام ثورة داخلية، ولا يمكن

القول بعودة هذا المجلس المنحل للعمل».

ولعلَّ رأي الأستاذ أبو العينين سالم في هذا الشأن، وعلى نحو ما ورد في محضر الاجتماع، كان هو أكثر آراء

مستشاري مجلس الدولة تأثرًا بنظرية الفقه الثوري تلك، إذ ذهب إلى أنه «إذا طبّقنا حكم الدستور، فإن الحل

الذى قال به الدكتور وحيد رأفت يكون هو الحل الصحيح، ولكن الأمر هنا أمر ثورة قامت لإصلاح شئون هذه

البلد التي ساءت، فيجب في هذه الحالة النظر إلى الاعتبارات التى قامت بها هذه الثورة وعدم التقيد بنصوص

الدستور حرفيًا إالّ ما استطعنا أن نصل إلى الأهداف التي قامت عليها هذه الحركة المباركة. وإذا كان القائمون

على هذا الحركة قد أعلنوا احترامهم لأحكام الدستور فإنهم يقصدون بذلك الأحكام الدستورية الصالحة

والحياة النيابية السليمة، وأرى أنه لا يمكن دعوة البرلمان المنحل للانعقاد».

وكما رأينا، فقد انتهت فتوى المجلس بالفعل إلى عدم الحاجة إلى دعوة البرلمان إلى الانعقاد، لكن صائغيها لم

يستندوا في هذا إلى نظرية الفقه الثوري، واكتفوا بتسبيب رأيهم على أساس قصور أحكام دستور 1923 عن

تناول حالة النزول عن العرش صراحة. ولعله كان أفضل لمستشاري المجلس أن يسندوا فتواهم تلك إلى رأي

الفقه الثوري صراحة، بدالً من ذلك التفسير المعيب في مواد الدستور، وهو التفسير الذى تمخض عمليًا عن أثر

القول ذاته بسقوط الدستور تمامًا.

امتد اجتماع قسم الرأي في مجلس الدولة ما يقارب الست ساعات، وأخذت لهجة النقاش فيه تزداد حدة

بمرور الوقت، إلى أن انتهت الجلسة بمداخلة أخيرة للدكتور وحيد رأفت أثبتها أمين السر في المحضر الرسمي

للاجتماع، وسجل فيها تأكيد رأفت صراحة بأنه «لا يمكن أن يوافق» على رأي السنهوري وحافظ، متّهامً تفسير

الأغلبية للمادة (52) بأنه «مخالفة خطيرة لأحكام الدستور بل تعديل لأحكامه».

14 سيد صبرى، «الفقه الثوري،» الأهرام: 1952/7/31، 1952/8/24، و 5 و 1952/9/13، وقد قام الدكتور وحيد رأفت بالرد

على هذه المقالات بأخرى معارضة لها في الجريدة ذاتها، ومشار إليها بالمرجع السابق.

15 انظر محضر الجلسة، في: المختار من فتاوى الجمعية العمومية، ص.41

16 المصدر نفسه، ص.42

17 المصدر نفسه، ص.45

وإذا أخذنا بصحة هذا الرأي، كما نرى، وقلنا إن الفتوى الصادرة في 31 تموز/ يوليو 1952 ما كان يجب لها أن

تصدر بتأييد السنهوري، وهو القاضي الجالس على منصة الحكم في مجلس الدولة والمسؤول عن صون استقلال

القضاء من كل نزعة سياسية، إذا اخذنا بصحة هذا الرأي، فإن التساؤل التالي الذي علينا طرحه يجب أن ينصبّ

على كيفية تفسير ذلك التصرف من السنهوري وهو الفقيه الغيور على سيادة القانون في كتاباته. كيف ساند أكبر مفكري القانون في مصر، بل في العالم العربي، ذلك التأويل المريب في مواد الدستور المصري،

ولماذا سمح بصدور فتوى قانونية تحمل اسمه وتأتي إلى أهم مبادئ الليبرالية القانونية؟

باختصار، علينا أن نواجه سؤاالً شائكًا لا مفر من مجابهته؛ سؤال مناطه تأييد السنهوري لأن يتوىلّ حكم هذا

البلد مجلس للوصاية على العرش لا يحلف اليمين أمام نواب الشعب المنتخبين منه في البرلمان كما يتطلب التفسير

الدستورى السليم، وإنما يحلف اليمين أمام مجلس للوزراء يعلم الجميع، وعلى رأسهم السنهوري نفسه، بتعاونه

مع القائمين على حركة انقلاب الجيش.

الدافع الذي تقدمه القلة القليلة من الكتّاب الذين تعرضوا صراحة لهذا السؤال يتلخص في عداوة السنهوري

الشهيرة لحزب الوفد، ورغبته في تصفية حساباته السياسية معه بعد أن ناوأه بمراس في الأعوام السابقة على

الثورة. هكذا، نجد وحيد رأفت يشير في مذكراته إلى أنها كانت عداوة «معلومة منذ أن كان السنهوري وزيرًا

سعديًا في وزارة النقراشي ثم بعدما حاول الوفد عند توليه الحكم عام 1950 إقصاءه عن منصبه كرئيس لمجلس

الدولة». وفي ذلك إشارة إلى محاولة الوزارة الوفدية تمرير بعض التعديلات في قانون تأسيس المجلس عام

1950، يمتنع بمقتضاها على كل من توىلّ منصب سياسي أن يرأس مجلس الدولة بعد ذلك. ولم يكن يخفى على

أحد أن الغرض من هذه التعديلات المقترحة كان إجبار السنهوري على التقاعد من رئاسة المجلس، انتقامًا من

إقالة كبار الموظفين الوفديين من المصالح الحكومية المختلفة إبان تويلّ الوزارة السعدية الحكم وكان السنهوري

فيها وزيرًا للمعارف في الأربعينيات من مرحلة التجربة الليبرالية. غير أن محاولة الوفد تلك لإقصاء

السنهوري عن المجلس سرعان ما باءت بالفشل في ظل الزوبعة الصحافية التي أثارتها، ومن بعدها تهديد بعض

قضاة المجلس بالاستقالة الجماعية في حال تعديل الوفد قانون المجلس.

ولعل ما أجج تلك العداوة بين السنهوري والحكومة الوفدية ما صدر عن مجلس الدولة من أحكام قضائية ناوأ

فيها قضاته تعسف السلطة التنفيذية في مباشرتها عملها، بدءًا من إقرار المجلس بحق القضاء الإداري في الرقابة

على دستورية القوانين عام 1948، مرورًا بإلغاء القرارات الوزارية المتعاقبة لخروجها عن أحكام القانون،

خاصة بعد تويلّ الوفد للسلطة عام 1950، إلى إقرار المجلس بأحقيته في الرقابة على الأوامر العسكرية في 22

آذار/ مارس 1951 التي أعقبتها محاولة جديدة للوزارة الوفدية لتعديل قانون المجلس بإلحاقه وزارة العدل. وقد اعترض كلٌّ من المجلس ونقابة المحامين على ذلك التعديل القانوني الأخير، إالّ أن الأغلبية الوفدية في

البرلمان دفعت به في كانون الثاني/ يناير 1952 وذلك بأيام قبل إقالة حكومة النحاس باشا وحل مجلس النواب

في أعقاب حريق القاهرة في الشهر نفسه. غير أن موقف مجلس الدولة هذا المناوئ للسلطة التنفيذية سرعان ما انقلب إلى وتيرة مغايرة تمامًا بعد نجاح

18 انظر بشكل عام: رأفت، فصول من ثورة 23 يوليو.

Nathan J. Brown, The Rule of Law in the Arab World: Courts in Egypt and the Gulf , 19 راجع في وجهة النظر نفسها: Cambridge Middle East Studies; 6 (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), pp. 73-74.

20 ويرى البعض أيضًا في تدخّل السراي لصالح السنهوري ما سمح ببقائه في منصبه في المجلس. انظر: المصدر نفسه، ص.73

21 راجع في كل ما سبق: لطيفه محمد سالم، النظام القضائي المصري الحديث، 1914-1875 (القاهرة: مركز الدراسات السياسية

والاستراتيجية بالأهرام، 1984)، ص.284-283

حركة الجيش في 23 تموز/ يوليو 1952؛ فقد مد المجلس، وعلى رأسه السنهوري باشا، يد العون والمؤازرة إلى

الحكومات المتعاقبة على حكم مصر حتى آذار/ مارس 1954، وكان أول مؤشرات هذا التحوّل فتوى المجلس

في 31 تموز/ يوليو 1952، التي أتت وفق هوى حكومة علي باشا ماهر، ومن خلفها الضباط الأحرار، في تجنّب

عودة الوفد إلى البرلمان.

ويبدو من مذكرات وحيد رأفت في الاجتماع الذي تمخضت عنه هذه الفتوى أن مقدار العداوة بين السنهوري

وحافظ من جهة والوفد من جهة أخرى كان قد وصل إلى حد المطالبة بأن «تضمن الفتوى الصادرة منا دعوة

الحكومة إلى استخدام القوة إذا ما حاول مجلس النواب الوفدي المنحل الانعقاد من تلقاء نفسه». كما نجد في

محضر الجلسة سليمان حافظ يتوعد الحضور صراحة بأنه «إذا سئلت في ذلك فإني سأفتي بأن الحكومة تستطيع

أن تمنع هذا الاجتماع بل يتعين عليها أن تمنعه ولو بالقوة»، فثار رأفت في وجه سليمان حافظ عند سماعه هذا

الرأي، مذكّرًا بأنه «لا يليق بسدنة القانون وحرماته أن يستعْدوا الحكومة على نواب انتخبهم الشعب لتمثيله»،

خاصة أن الوطن «بصدد انقلاب عسكري لا يعلم إالّ الله إلى أين سيقود البلاد، وإنَّ واجبنا كحقوقيين مدنيين

أن نتضافر لمواجهة ما يصاحب تلك الانقلابات العسكرية من خطر على الحريات».

على أي حال، صدرت الفتوى في 31 تموز/ يوليو 1952 ثم أعقبها في آب/ أغسطس انهيار العلاقات الودية

بين ماهر والضباط الأحرار. وكان في مقدمة الخلافات بينهما اعتراض ماهر صراحة على مشروع قانون تحديد

ملْكية الأرض الزراعية، إلى أن وصل الصدام بينهما أوجه في ليلة 5 أيلول/ سبتمبر 1952، فتم اعتقال أربعة

وستين شخصية من كبار الساسة ورجال الحكم من مختلف الأحزاب السياسية، ثم أقيل علي ماهر من رئاسة

الوزارة في اليوم التالي، وأخذ الضباط الأحرار في البحث عن رئيس وزراء جديد لخلافته.

كان اسم السنهوري أبرز الأسماء المرشحة للمنصب لدى الضباط الأحرار، وما من شك أن تأييده قانون تحديد

الملْكية الزراعية كان من الأسباب الرئيسة وراء ترشيحه للمنصب. وكان الرجل نفسه قد أعرب عن استعداده

الاستقالة من مجلس الدولة لتويلّ رئاسة الوزارة الجديدة، إالّ أن الضغوط الأميركية، في ما يبدو، أثنت الضباط

عن هذا الاختيار. وكان في مقدمة اعتراضات السفير الأميركي جيمس كافري سبق توقيع السنهوري على «إعلان

ستوكهولم» في 1951، ذلك الإعلان الذى تبنّته حركة السلام الدولية وأيده كبار المفكرين من اليسار الأوروبي

أمثال جان بول سارتر، فثارت مخاوف السفير الأميركي من ميول السنهوري «المتطرفة»، وضغط لاستبعاده من

تويلّ المنصب، فكان ثاني الأسماء المرشحة لرئاسة الوزارة سليمان بك حافظ، وكيل مجلس الدولة لقسمي الرأي

والتشريع، وكان بدوره مستعدًا لترك المجلس والانضمام إلى الوزارة الجديدة ولكن من دون تويلّ رئاستها. وإزاء استبعاد اسم السنهوري، ثم رفض حافظ تويلّ المنصب، ولدت الوزارة الجديدة برئاسة اللواء محمد نجيب

في 7 أيلول/ سبتمبر 1952، فكانت بذلك أول وزارة مدنية يرأسها رجل من العسكر في تاريخ السياسة المصرية

منذ أن توىلّ عرابي باشا رئاسة الوزارة عام 1882. ويبدو أن الثنائي القانوني السنهوري/ حافظ قام بدور مهم

في إقناع نجيب بتويلّ منصب رئاسة الوزارة، مرجحًا له السلامة القانونية لاضطلاع رجل الجيش بزمام مجلس

الوزراء في أعقاب الانقلابات العسكرية. انضم سليمان حافظ إلى وزارة نجيب نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للداخلية، وكان له الدور الأكبر في انتقاء

22 أنظر محضر الجلسة، في: المختار من فتاوى الجمعية العمومية، ص.43

23 رأفت، ص.122

24 extremist” “ راجع في ذلك مراسلات كافري، ولقاء خاص مع خالد محيى الدين، في: Nasser’s Blessed Movement: Joel Gordon,

Egypt’s Free Officers and the July Revolution , Studies in Middle Eastern History (New York: Oxford University Press, 1992), p. 67.

أغلب وزرائها الذين لم يشملوا بالطبع أي وفديين في صفوفهم. وفي يوم تشكيل الوزارة، قُبلت استقالة الدكتور

وحيد رأفت من منصبه لما رآه من تخطيات مسّته بغير وجه حق في حركة إعادة تنظيم مجلس الدولة، بينما بقي

السنهوري رئيسًا للمجلس بعد تشكيل الوزارة، واضطلع بحكم منصبه هذا في إمدادها بمختلف صور العون

القانوني، سواء في صوغ بعض القوانين الحساسة التي دفعت بها وزارة نجيب، أو في الفتوى من قسم الرأي في

المجلس حول سلامة هذه القوانين من العيوب الدستورية. وفي مرحلة لاحقة، تمثّل العون أساسًا في مجموعة من

الأحكام الصادرة عن مجلس الدولة والمؤيدة لأعمال الوزارة المختلفة.

السنهوري و«تطهير» الحياة السياسية

في يوم تشكيل وزارة نجيب تلك، التي توىلّ فيها حافظ مهام الداخلية، ظهر مقال للأستاذ أحمد أبو الفتح في

جريدة المصريالمؤيدة للوفد، وذلك تحت عنوان «إلى أين؟»، استرجع فيه الصحافي بتكوينه القانوني وقائع

الانقلاب وراح يؤصّل لما تواجهه البلاد من مخاطر الانفلات الدستوري وانهيار سيادة القانون لدى القائمين

على حكمه، فهاجم السنهوري ومعه حافظ من دون أن يذكرهما صراحة، ووضع ثقال اللوم عليهما فقال: وفي اعتقادي أن الخطأ بدأ يوم أفتى مجلس الدولة فتواه في مجلس الوصاية المؤقت، وتلاه خطأ آخر يوم استمسك

علي ماهر بهذه الفتوى، ويوم نادى بعض الكتّاب بالفقه الثوري، وأقول في اعتقادي إنه في تلك الأيام بدأت

الأخطاء، فقد جانب الجميع نص الدستور الذي أعلن الجيش أنه عماد ثورته.. وبدأت الأخطاء، وأخذ كل خطأ

برقبة خطأ آخر، وإذا بأعاصير الأخطاء تهب ذات اليمين وذات الشمال ومن فوق ومن تحت، والمرء وسط كل

ذلك ذاهل تائه يحاول أن يصد هذا فيصرعه ذاك. وكأن أبو الفتح يتوقّع بهذا ما سيصيب الحياة الحزبية في الأشهر التالية من إعادة هيكلة جذرية على يد الثنائي

حافظ/ السنهوري، إذ إنها أصابت الوفد ومعه أحزاب الأقلية في مقتل، وأبقت على الإخوان والشيوعيين إلى

أن كان الفتك بهم عقب أزمة آذار/ مارس 1954، لتولد بذلك الجمهورية الأولى على أنقاض مبادئ سيادة

القانون واستقلال القضاء، وبتعاون في ذلك من سدنة هذه المبادئ ومن يُفترض فيهم نصرتها من القانونيين. كانت الدعوة إلى «تطهير» الحياة السياسية هي النداء الرئيس للاتجاه الإصلاحي في السياسة المصرية قبل انقلاب

الجيش في تموز/ يوليو 1952، حتى إن حكومة الهلالي باشا بادرت في آذار/ مارس 1952 إلى تشكيل «لجان تطهير»

في مختلف الوزارات، ثم واكب فتوى مجلس الدولة في 31 تموز/ يوليو 1952 بشأن الوصاية على العرش صدور

نداء في اليوم نفسه من اللواء محمد نجيب إلى جميع الأحزاب والهيئات السياسية المصرية «بتطهير نفسها والإعلان

عن برامجها»، إلى أن أصبح «التطهير» هو المصطلح الغالب على الخطاب السياسي لوزارة نجيب بعد تشكيلها في

7 أيلول/ سبتمبر 1952، فاستصدرت الوزارة في اليوم التالي المرسوم بقانون رقم 179 لعام 1952 بشأن تنظيم

الأحزاب السياسية، مضيّقة فيه الخناق على حرية تشكيل الأحزاب على نحو لم تشهده الحياة السياسية المصرية

من قبل. وباسم الحاجة إلى «التطهير»، أجازت المادة (5) من هذا القانون لوزير الداخلية الاعتراض على طلب

تكوين الحزب، وجعلت من اختصاص القضاء الإداري في مجلس الدولة النظر في الطعون في هذه الاعتراضات،

كما ألزمت المادة (19) منه جميع الأحزاب القائمة عند العمل بالقانون بأن تعيد تكوين نفسها وفقًا لأحكامه. كان سليمان حافظ هو المسؤول الأول عن إعداد هذا القانون. ولم يكن يقلّ هو الآخر عن السنهوري شهرة في عدائه

25 رأفت، ص.123

26 أحمد أبو الفتح، «إلى أين؟،» المصري،.1952/9/7

لحزب الوفد ورئيسه النحاس باشا على وجه الخصوص. وإذا كانت أحكام القانون الذي أعده قد طاولت نظريًا

جميع الأحزاب في الساحة السياسية المصرية، فإن حزب الوفد كان، بلا شك، المتضرر الرئيس من أحكامه؛ فبعد

صدور القانون، قام الوفد بإعادة تنظيم أوراقه الداخلية، متوخيًا أحكام قانون الأحزاب الجديد، فتنحّى النحاس

باشا عن رئاسة الحزب وأُسندت إليه رئاسته الفخرية، بينما انتقلت رئاسة الحزب الفعلية إلى عبد السلام باشا جمعة

خلفًا للنحاس. وبهذا التشكيل الجديد تقدم الوفد إلى وزارة الداخلية بإخطار إعادة تكوين الحزب يوم 6 تشرين

الأول/ أكتوبر 1952، وذلك قبل يوم واحد من انقضاء المهلة الممنوحة للأحزاب في هذا الشأن. اعترض سليمان حافظ، بصفته وزيرًا للداخلية، على إخطار الوفد بإعادة تشكيله هذه. وكان اعتراضه بدعوى

أن في تويلّ النحاس الرئاسة الشرفية لحزب الوفد تحايالً ومخالفة لقانون تنظيم الأحزاب. كما اعترض حافظ

أيضًا، وللسبب نفسه، على استمرار عضوية عبد الفتاح باشا الطويل في الوفد. وإزاء هذه الاعتراضات، انتقل

الخلاف بين حافظ والوفد إلى قاعات المداولة في مجلس الدولة، لتفصل محكمة القضاء الإداري في النزاع بموجب

اختصاصها المنصوص عليه في قانون الأحزاب الجديد. وشكّل الوفد هيئة للدفاع عن الحزب تكوّنت من 12

محاميًا من كبار رجال المحاماة حينئذ، وفى مقدمتهم الأساتذة إبراهيم فرج ومحمود سليمان غنام ومحمد صلاح

الدّين، ووحيد رأفت بعد استقالته من مجلس الدولة.

ولعل الأستاذ إبراهيم فرج كان أكثر أعضاء هيئة الدفاع حدّة في ترافعه عن مصير الحزب، فنجده في جلسة

الاستماع الأولى للنزاع أمام مجلس الدولة مدّعيًا أن «القضية التي تنظرونها اليوم ليست قضية مصطفى النحاس

أو عبد الفتاح الطويل، بل هي قضية الحياة النيابية في مصر»!، ثم نراه يوم 10 كانون الثاني/ يناير 1953

يترافع في القضية، ويتهم سليمان حافظ صراحة بالتواطؤ لحل حزب الوفد، وذلك في جلسة صاخبة حضرها

«جمع غفير من المواطنين حوّلوا قاعة المحكمة إلى شبه مظاهرة سياسية» نادى فيها فرج بأن الأمة المصرية وحدها

دون سليمان حافظ هي صاحبة الحق في حل حزب الوفد.

السنهوري ودستور 1954

قامت محكمة القضاء الإداري بتأجيل دعوى الوفد للحكم إلى 19 شباط/ فبراير 1953، غير أن المجلس لم

يتسن له فصل النزاع في نهاية المطاف، فقد أذاع اللواء محمد نجيب في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1952 بيانًا

أعلن فيه باسم الشعب المصري سقوط دستور 1923، وأن «الحكومة آخذة في تأليف لجنة تضع دستورًا جديدًا

يقره الشعب ويكون منزَّهًا عن عيوب الدستور الزائل». ثم تلا ذلك إذاعة بيان آخر في ليلة 16 كانون

الثاني/ يناير 1953 أعلن نجيب فيه «حل جميع الأحزاب السياسية منذ اليوم ومصادرة جميع أموالها لصالح

الشعب بدالً من أن تنفق في بذر بذور الفتن والشقاق، ولكي تنعم البلاد بالاستقرار والإنتاج أعلن قيام فترة

انتقالية لمدة ثلاثة سنوات حتى نتمكن من إقامة حكم ديموقراطي دستوري سليم». وتنفيذًا لهذا البيان صدر

في 18 كانون الثاني/ يناير 1953 المرسوم بقانون رقم 37 لعام 1953، ليقضي بإلغاء قانون الأحزاب الجديد،

وحظر أي نشاط حزبي على أعضاء الأحزاب المختلفة. واستنادًا إلى ذلك المرسوم بقانون، تم شطب دعوى الوفد

27 يذهب رأفت في هذا السياق إلى أن «من المعروف عن الأستاذ سليمان حافظ أنه كان في وقت ما من أنصار الحزب الوطني القديم،

كما كان عدوًا لدودًا لحزب الوفد ورئيسه مصطفى النحاس بالذات، بل وللأحزاب السياسية بوجه عام، فانعكست معالم هذا العداء في

نصوص التشريع الذى أعده (مرسوم بقانون 179 لسنة 1952)». انظر: رأفت، ص.75

28 المصري، 1952/11/21، و راجع في تشكيل هيئة الدفاع: رأفت، ص.78

29 المصري، /1/11 1953؛ رأفت، ص 80، و Gordon, p. 77.

30 رأفت، ص 45، والأهرام.1952 /12/ 10

31 الجريدة الرسمية (17 كانون الثاني/ يناير.)1953

أمام مجلس الدولة بعدما أصبح الحزب بموجب هذا القانون في عداد المنظمات السياسية «المحظورة.»

كذلك صدر في 18 كانون الثاني/ يناير 1953 المرسوم بقانون رقم 36 لعام 1953 الذي اعتبر «كل تدبير اتخذه

أو يتخذه القائد العام للقوات المسلحة بوصفه رئيس حركة الجيش التي قامت في 23 يوليو 1952، بقصد حماية

هذه الحركة والنظام القائم عليها، من قبيل أعمال السيادة التي لا يجوز الطعن فيها أمام محكمة القضاء الإداري

بمجلس الدولة»، كما قضى بتحصين جميع التشريعات الصادرة في شكل مراسيم بقوانين خلال المدة السابقة على

إعلان سقوط دستور 1923، وفي مقدمتها بالطبع تشريع الإصلاح الزراعي. وعلى هذا الأساس أصدر مجلس

الدولة حكمه في قضية يحيى البدراوي عاشور في 21 كانون الثاني/ يناير 1953، رافضًا طعن هذا الأخير بشأن

عدم دستورية قانون تحديد الملكية الزراعية.

هكذا إذن تعاقبت المراسيم بقوانين تعلن سقوط الدستور ثم حل الأحزاب وتحصين جميع التشريعات والتدابير

الصادرة منذ 23 تموز/ يوليو 1952 عن رقابة المحاكم، فخلت بذلك الساحة السياسية من جميع قوى المعارضة

عدا الإخوان المسلمين، إلى أن كان الصدام معهم في آذار/ مارس 1954. وخلت بذلك أيضًا المنظومة القانونية

من كل قيد دستوري يحد من قدرة النظام على «تطهير» الحياة الحزبية، وملاحقة كبار القائمين على الشأن

السياسي قبل حركة الجيش، ولا سيما استبعاد الوفديين منهم وفق رغبة سليمان حافظ الصريحة في ذلك.

وبينما بقي السنهوري على رأس قضاء إداري منزوع المخالب، لا سلطان لمجلس الدولة فيه حيال هذه التدابير

الثورية المحصنة من رقابة المحاكم، استمر سيل المراسيم بقوانين الصادرة عن وزارة نجيب، تارة بتعديل قانون

الأحكام العرفية وإنشاء نوع جديد من المحاكم العرفية يجلس على منصة القضاء فيها خمسة من ضباط الجيش

لمحاكمة أعداء النظام، وتارة أخرى باستحداث مجموعة من المحاكم الاستثنائية، مثل «محكمة الغدر» في

كانون الأول/ديسمبر 1952، ومن بعدها «محكمة الثورة» في أيلول/ سبتمبر 1953، ثم إحالة أعداء النظام إلى

هذه المحاكم الاستثنائية، وفى مقدمتهم أقطاب الوفد من أمثال عثمان باشا محرم وفؤاد سراج الدين باشا، ومن

بعده السيدة زينب الوكيل حرم النحاس.

وفي 21 شباط/ فبراير 1953، انعقدت أول جلسة للجنة الخمسين التي شكّلتها وزارة نجيب بغرض وضع

دستور جديد للبلاد. وكان ذلك في القاعة الرئيسة لما هو مجلس الشعب اليوم، فجلس نجيب على كرسي العرش

الذي كان يجلس عليه الملك فاروق من قبل، وجلس سائر أعضاء اللجنة في مقاعد نواب الشعب في البرلمان،

رغم أن أحدًا منهم لم يكن منتخَبًا لعضوية هذه اللجنة. وكان السنهوري في مقدمة هذا الحضور، بينما استُبعد

وحيد رأفت عن عضوية اللجنة وعن المشاركة في وضع الدستور الجديد، رغم أنه أستاذ القانون في كلية الحقوق

والمشهود له بالباع الطويل في الفقه الدستوري، ربما جزاءً له على اعتراضه على فتوى مجلس الدولة في 31 تموز/

يوليو 1952، ومن بعدها ترافعه عن الوفد في قضية الحزب أمام مجلس الدولة ثم اشتراكه في هيئة الدفاع عن

بعض الأقطاب الوفديين مثل عثمان باشا محرم.

على كل حال، انبرت هيئة وضع الدستور إلى عملها، فشكّلت لجنة فرعية من خمسة أعضاء، كان السنهوري

من بينهم، بغرض بحث مستقبل الحكم في مصر بين النظام الملكي وإعلان الجمهورية. وانتهت هذه اللجنة في

24 آذار/ مارس 1953 إلى اختيار النظام الجمهوري البرلماني بإجماع الآراء، وهو النظام الذي يجعل من رئاسة

الجمهورية منصبًا شرفيًا بلا سلطات تُذكر، فظهرت الصحف في اليوم التالي تعلن قرار اللجنة على قرائها لتفتح

32 المصري،.1953/1/22

33 راجع في ذلك خطاب حافظ إلى علي ماهر في: الأهرام،.1952/8/29

34 المرسوم بقانون رقم 154 لسنة 1952 والمصوب بالقانون رقم 155 لسنة 1952 بشأن اضافة مادة جديدة إلى القانون رقم 15 لسنة

1923 بنظام الأحكام العرفية وهي المادة 6 رابعًا.

بذلك صفحة جديدة في الخطاب السياسي المحتدم حينئذ حول إمكان الرجوع إلى الحياة النيابية وتفعيل دور

الأحزاب السياسية، ولكن مع تفادي مثالبها على نحو ما كانت قبل انقلاب الجيش.

وقد كان للسنهوري رأي في هذا المسألة، عرضه بشكل تفصيلي ودافع عنه على الملأ، مؤداه ضرورة تجنّب عودة

الحياة الحزبية إلى سيرتها الأولى قبل الثورة، من تشرذم الاتجاهات السياسية والتناحر بين الأحزاب، ومن ثم

وجوب اختزال النشاط السياسي مستقبالً في ثلاثة أحزاب محددة بالاسم لا رابع لها، كان أولها حزب يميني

محافظ يدافع عن التقاليد وينادي بعودة البلاد إلى سابق عهدها من عظمة التاريخ، وثانيها حزب ذو نزعة ليبرالية

يتبنّى التوجه الإصلاحي الحذر ويدافع عن الحريات الفردية سواء المدنية منها أو الاقتصادية، وأخيرًا حزب

اشتراكي العقيدة غرضه الدفاع عن «المكاسب الثورية» التي تحققت بعد انقلاب الجيش.

ومن بين هذه الأحزاب الثلاثة، التي أطلق السنهوري عليها تباعًا اسم «حزب المحافظين» و«حزب الأحرار»

و«الحزب الجمهوري الاشتراكي»، لم يخفِ الفقيه والقاضي الكبير تأييده المطلق للفصيل الاشتراكي في هذه

التشكيلة الحزبية الجديدة، مع الً رأيه بضرورة تبنّي سياسة تقدمية في الشأن الاجتماعي تجعل من قانون الإصلاح

الزراعي نموذجًا يحتذى به في ما قد تتبنّاه الدولة مستقبالً من إصلاحات تشريعية منشودة.

ولا يخفى على القارئ هنا كيف اختفى حزب الوفد تمامًا من تصور السنهوري لمستقبل الحياة السياسية في مصر.

وإذا كان نظام يوليو قد حقق للسنهوري بعض آماله في رؤية إعادة التوزيع العادل للثروة في مصر، فإنه لا يغيب

عن القارئ أيضًا أن النظام ذاته كان مسؤولا عامّ نال السنهوري من إقصاء عن الحياة الساسية برمّتها، وفدية كانت

أو غيرها، مع دخول البلاد في هيمنة الحزب الواحد على مقدرتها خلال الستة عقود التالية لانقلاب الجيش.

وكان ضرب السنهوري على سلّم مجلس الدولة

عرضنا حتى الآن لبعض تفاصيل مرحلة ما بين قيام انقلاب الجيش في 1952 واندلاع أزمة آذار/ مارس

1954. ورأينا كيف كان تأييد السنهوري ومعه سليمان حافظ للقائمين على الانقلاب بعد أسبوع من وقوعه،

ثم استمرار تأييدهم بعد ذلك وعلى نحو مطرد، حتى أصبح الثنائي القانوني السنهوري/ حافظ من كبار الوجوه

السياسية في هذه الفترة، خاصة ما تعلق في وقائعها بتفكيك المنظومة القانونية المصرية وفق دستور 1923؛ فقد

أفتى الرجلان بما ينتهك مبدأ حياد رجل القضاء عن السياسة، وفاضلا بين التفسير السليم للمادة (52) منه

وعداوتهم السياسية لحزب الوفد، وغلّبا التفسير الخلافي في أحكام هذا الدستور على رؤية نواب الوفد يعودون

إلى البرلمان. وكان معهما في ذلك كله سائر أعضاء قسم الرأي في مجلس الدولة، باستثناء الدكتور وحيد رأفت

الذي وقف دون غيره مدافعًا عن حق الشعب في عودة نوابه المنتخَبين منه إلى البرلمان، كما رأينا.

ثم انتقل سليمان حافظ بعد ذلك وزيرًا للداخلية في وزارة نجيب، واضطلع انطلاقًا من منصبه هذا ب “ تطهير ” الحياة

السياسية من نخبة ما قبل الثورة من الوفديين، ليصبح بعد ذلك المستشار القانوني لنجيب عقب إعلان الجمهورية

في 18 حزيران/ يونيو 1953، بينما بقي السنهوري رئيسًا لمجلس الدولة بعد تحجيم دور هذا الجهاز القضائي في

الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، خاصة ما تعلق منها بتطبيق القوانين الثورية المحصنة من رقابة المحاكم عليها.

إلى أن كانت أزمة آذار/ مارس 1954، حين وقف الرجلان على الأنقاض الباقية من مبادئ القانون، ولم تكن

كثيرة، وتحالفا مع محمد نجيب في صدام فرقته مع عبد الناصر ومؤيديه، ثم تحملا ثمن فشل هذا التحالف، فقرر

مجلس قيادة الثورة إعفاء نجيب من منصبه في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، وتم إقصاؤه إلى فيلا حرم النحاس

باشا في ضواحي القاهرة حيث بقي معتقالً قرابة عشرين عامًا. كما أقيل حافظ من منصبه واعتُقل هو الآخر إبان

العدوان الثلاثي عام 1956، حتى إذا ما أُفرج عنه قام بزيارة وحيد رأفت في مكتبه، وقد أصبحا كلاهما من ممارسي

المحاماة بعد أن كانا من القضاة في مجلس الدولة، ودار بينهما، وفق مذكرات رأفت، الحديث التالي:

استذكرنا سويًا ما جرى من أحداث منذ الفتوى إياها الخاصة بموضوع الوصاية على العرش، فأظهر لي (أي

حافظ) الندم على موقفه من هذا الموضوع ولتأييده المطلق لقادة حركة الجيش على حساب الحكم الديموقراطي

النيابي، وقال وهو في غاية التأثر إن ما أصابه من اعتقال وغم بعد ذلك إنما كان تكفيرًا عن تلك الذنوب، رحمه

الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته 35.

أمّا السنهوري، فكان ما كان عليه من واقعة الاعتداء بفناء مجلس الدولة يوم 29 آذار/ مارس 1954، ثم

أعقبها في 14 نيسان/ أبريل صدور قرار مجلس قيادة الثورة بإسقاط الحقوق السياسية عن 39 من الوزراء

الحزبيين السابقين على الثورة، وكان السنهوري واحدًا منهم، ففقد بهذا القرار صلاحية تولّيه رئاسة مجلس

الدولة، وأُطيح هكذا عن منصبه...

وفي ما يخص مجلس الدولة، فقد استمر في منهج التأييد لمن في يده السلطة، فأقر شرعية قرار حرمان الوزراء

السابقين من حقوقهم السياسية، وأكد بذلك استحالة عودة السنهوري إلى المجلس من طريق القانون، وبدأت

بذلك أولى صفحات علاقة جديدة بين النخبة القانونية ونظام يوليو الحاكم، كما استقرت الإشارة عليه اليوم،

وهي علاقة تواطؤ على متطلبات القانون، تتحكّم بها الهواجس الأمنية، ولا يزال الشعب المصري يدفع بسببها

أغلى الأثمان، في شهداء ثورة لا قانون لها.

عبدالرزاق باشا السنهوري

دعوة الحضور إلى اجتماع البرلمان لسماع حلف اليمين الدستورية من

مصطفى باشا النحاس

الملك فاروق قبل تنصيبه على عرش البلاد في تموز/ يوليو 1937

35 رأفت، ص.123

الملك فاروق في جلسة حلف اليمين أمام البرلمان (قاعة مجلس الشعب اليوم) محاط ا بأمراء الأسرة المالكة من جانب، ووزارة

النحاس باشا من جانب آخر

الملكة نازلي والأميرات شقيقات فاروق يتابعن جلسة حلف اليمين من المقصورة الملكية في البرلمان

القضاة ووسطهم الملك فاروق في فناء مبنى مجلس الدولة القديم عقب افتتاحه عام 1949

طابع البريد التذكاري بميلاد الأمير أحمد فؤاد الثاني في كانون الثاني/ يناير 1952

أول طابع بريد تذكاري بانقلاب الجيش في 23 تموز/ يوليو 1952

غلاف مجلة روز اليوسف في 22 آذار/ مارس 1954 وفيه السنهوري في الخلف بالصاجات يزف دستور مصر المرتقب

غلاف مجلة روز اليوسف الصادرة في أعقاب حريق القاهرة، 18 شباط/ فبراير 1952

عدد المصري 26 آذار/ مارس 1954: تسليم الجيش السلطة لحكومة منتخبة

غلاف مجلة روز اليوسف في أعقاب أزمة آذار/ مارس 1954 وهي تظهر ناصر حائرًا بين الضرب على رأس

الإخوان أو الشيوعيين أوالً؟

جريدة الأخبار: الجيش والشعب «جبهة واحدة» في أزمة آذار/ مارس 1954