العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الممكن والمستحيل في نظرة نيتشه إلى العالم

الممكن والمستحيل في نظرة نيتشه إلى العالم

The Possible and the Impossible in Nietzsche’s Worldview

تفروت لحسن

Tafrout Lehsan

الملخّص

* أستاذ الفلسفة في المدرسة العليا للأساتذة، جامعة القاضي عياض، مراكش.

Abstract

This study tries to move away from the current logical approach to the theory of "possible worlds", in an attempt to investigate the subject according to Nietzsche. It starts with the author's understanding of some views that this approach is not suitable, and of others who dispute this choice on the basis of opposition to the claim that Nietzsche, with his hostility to logic, reason, and all rational or philosophical truth, is unable to entertain a logical view of his understanding of the world, whether because of his demolition of counterpart worlds erected by philosophers before him, on the basis that they are idols, or in his foundation of his own possible world. The defense of this supposed opposition required that the author rely on what is known by logicians as dialectical argumentation, that is the search for proofs to rebuff this claim and found the legitimacy to talk about possible worlds for Nietzsche – the subject of the paper. This study does not seek to provide an arbitrary projection of logical interpretation onto Nietzsche's philosophy, but rather attempts to apply the new developments in the logic of research approaches that aim to reveal submerged elements in Nietzsche's critique of the concept of the world. The paper puts forward the following theories: the relative possibility of a real world according to Plato; the unlikelihood of a real world according to the priest; the rational impossibility of a real world in Kant's conception, the total impossibility of a real world according to positivism, and finally the radical possibility of a world after putting an end to parallel worlds—the idealist possibility.

الكلمات المفتاحية:
  • المستحيل
  • المنطق
  • نيتشه
  • العالم
  • العقل
Keywords:
  • The possible
  • the Impossible
  • the Logic
  • the Reason
  • Nietzsche

تبغي هذه الدراسة الانزياح عن الدرس المنطقي الرائج في نظرية -العوالم الممكنة-، قصد

تفحص موضوع العوالم الممكنة عند نيتشه. وهي تنطلق من إدراك الباحث ما قد يراه

البعض في أن هذا النظر غير ملائم للمقام، بل ربما ينازع آخرون في هذا الاختيار انطلاق ا من

اعتراض متكئ على دعوى أن نيتشه، بمعاداته المنطق والعقل وكل حقيقة عقلية أو فلسفية،

لا يمكنه أن يجنح إلى النظر المنطقي في نظرته إلى العالم، سواء في هدمه العوالم النظيرة التي

شيدها الفلاسفة قبله، باعتبارها أوثانًا، أو في تأسيسه عالمه الممكن الخاص. إن دفع هذا الاعتراض المفترض اقتضى من الباحث الاستناد إلى ما يُعرف عند المناطقة

بالمحجاجة، أي البحث عن الأدلة التي تردّ هذا الادعاء وتؤسس لمشروعية الحديث عن

العوالم الممكنة عند نيتشه الذي هو موضوع نظر الدراسة في هذا المقام. لذا، فإن تناول هذا

الموضوع ليس إسقاطًا تعسفيًا للتأويل المنطقي على فلسفة نيتشه، وإنما هو استثمار لبعض

ما استجد في منطق الموجهات من أبحاث، بغرض كشف بعض المغمور في نقد نيتشه

لمفهوم العالم. ويروم البحث في هذه الدراسة التحقيق في بعض الفرضيات، ومنها: الإمكان النسبي

للعالم الصادق مع أفلاطون؛ الإمكان البعيد للعالم الصادق عند الكاهن؛ الاستحالة العقلية

للعالم الصادق في تصور كانط؛ الاستحالة الكلية للعالم الصادق مع الوضعية؛ أفول العالم

الصادق، وأخيرًا الإمكان الجذري للعالم بعد القضاء على العوالم المتوازية - الإمكان المثالي.

اعتاد دارسو الفلسفة أن ينسبوا نظرية «العوالم الممكنة» إلى ما يُعرف بمنطق الموجِّهات

(modalités des)logique الذي تأصل في الأورغانون الأرسطي وتطور في الفترة المعاصرة

مع كريبكي (Kripke) وهنتيكا (Hintikka) وكواين) Quine) ولفيس) Lewis (. بل جرت العادة عند

المناطقة والفلاسفة أن ينسبوا إلى الفيلسوف الألماني ليبنتس السبق في الكلام على العوالم الممكنة، بناء على دعواه الشهيرة التي تقول «إن عالم الواقع ليس هو العالم الممكن الوحيد، بل إن هناك عوالم متعددة، وإن

عالم الواقع هو أفضل هذه العوالم». ولما كان ليبنتس معروفًا باتجاه فلسفي تفاؤلي، فإنه رأى أن هذا العالم هو أحسن العوالم الممكنة، وأن الشرور مفيدة وضرورية لخير أعظم ولعالم أجمل، وأن من الممكن أن يبلغ

الجنس البشري في مجرى الزمان كمالً أعظم ممّا نستطيع تخيله في الوقت الحاضر؛ فمبدأ التفاؤل عند ليبنتس

مقتضاه أنه لما كانت أفكار الله تحتوي على عدد لا حصر له من العوالم الممكنة التي يستحيل أن يوجد منها إلا عالم واحد، فيلزم أنه كان هناك سبب كاف لاختيار الله جعله يفضل هذا العالم، وهذا السبب هو أن هذا العالم هو أحسن العوالم الممكنة. أما الداعي الذي يدفعنا إلى التوسل بهذا الإرث المنطقي من طريق ربط الحديث عن العالم عند نيتشه بالإمكان المنطقي، فيقوم على الأدلة التالية: •  صحيح أن نيتشه يصنّف نفسه خارج استبداد المنطق التقليدي، فهو لا ينضبط للقيم الصدقية، ولا يعترف بمبادئ الاتساق المنطقي ولا بالتقويم الماصدقي للقضايا والاستدلالات ولا حتى بأسلوب النسق في صوغ أفكاره، فإن هذا لا يفيد بأن نيتشه ليس منطقيًا، ولا يعني أن قوله مجرد

سلاطة لسان وهذر، فهو ليس منطقيًا بالمعنى التقليدي، لكن عنده منطقًا يخصه هو منطق الفلاسفة

الجدد، فلاسفة المستقبل، ذوي العقول الحرة. هذه هي الملاحظة التي عبّ عنها فرانسوا ليوتار

(F. Lyotard) في ما أسماه «هذا المنطق الذي يلزمنا». •  يشهد المتن النيتشوي على الأهمية التي يحظى بها مفهوم العالم عند نيتشه، فنجده يستخدم هذا المفهوم أحيانًا بصيغة المطلق، كما في قوله: «لنترك العالم ليكون العالم». كما أنه يوظف غالبًا مفهوم العالم كموصوف

تسند إليه صفات أو محمولات مختلفة. وباعتماد هذه الخاصية، يتكلم نيتشه على العالم بصيغة الجمع، أي إن العالم عند نيتشه ليس واحدًا، بل عندنا عوالم متعددة: متشابهة أو متباينة. ولكل عالم مميزات تخصه، معرفيًا

وأنطولوجيًا وأخلاقيًا. فالعالم بلسان نيتشه متعدد، من ذلك مثلً: العالم الصادق؛ العالم الكاذب؛ عالم

الظاهر؛ عالم المظاهر؛ عالم الضعفاء؛ عالم الأقوياء؛ العوالم الأخرى؛ عالم الماوراء؛ عالم الصيرورة؛ عالمنا... وهذه شواهد تجعل تناول العوالم عند نيتشه مشروعًا.

(1) Gottfried Wilhelm Leibniz, Essais de théodicée: Sur la bonté de Dieu, la liberté de l’homme et l’origine du mal , chronologie et introd. par J. Brunschwig, GF-Flammarion; 209 (Paris: Garnier-Flammarion, 1969).

(((طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط 2 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.347

(((جوتفريد فيلهلم ليبنتز، المونادولوجيا والمبادئ العقلية للطبيعة والفضل الالهي، ترجمة عبد الغفار مكاوي؛ تقديم فؤاد زكريا

(القاهرة: دار الثقافة العربية، 1978)، الفقرتان 53 -.54

(((معلوم أن أسلوب الكتابة عند نيتشه يعتمد في الغالب على طريقة الفقرات والشذرات والومضة الفلسفية.

(5) Jean François Lyotard, «La Logique qu’il nous faut. Cours sur Nietzsche et les Sophistes,» (Deleuze/ Bibliographie et mondes inedits, 17/04/1975). (6) Frédéric Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra: Un Livre pour tout le monde et personne , trad. de Henri Albert (Paris: Société du Mercure de France, [s. d.]).

• لمّا كان منطلقنا الأساسي في تناول موضوع -العوالم الممكنة- عند نيتشه هو الاستناد إلى نصين قصيرين

في نظمهما وكثيفين في معانيهما، من مؤلَّفه المترجم إلى العربية بعنوان غسق الأوثان أو أفول الأصنام،

أي الفقرة السادسة من الفصل المعروف ب «العقل في الفلسفة» والفصل ذي العنوان «كيف أصبح ‹العالم

الصادق›، بالنهاية، خرافة: تاريخ غلط»، نجد أن نيتشه يعمد إلى استخدام العالم كموصوف بصفة

الصدق، أي العالم الصادق - يضعه في نهاية النص الثاني بين قوسين خلافًا لباقي مواقعه داخل النص نفسه.

فاستخدام نيتشه هذا الاقتران «العالم الصادق» ونقيضه المستلزم عنه بمقتضى قياس النقيض، أي «العالم

الكاذب»، ومقارنة العالمين، سلبًا أو إيجابًا بعالم الظاهر، يدفعنا، من دون جهد في التأويل، إلى نسبة العوالم

كما يتناولها نيتشه إلى نظرية العوالم الممكنة، أو على الأقل إلى التأويل الإمكاني للعالم؛ فالتعبير عن العالم يكون

إذن بصيغة الجمع، وتصبح العوالم عند نيتشه عوالم ممكنة، منها الصادق والكاذب والضروري والظاهر.. • إن نقد نيتشه الميتافيزيقا وهدم تصوراتها هما قلب للعالم الصادق ونقض للتمييز بينه وبين العالم

الظاهر، سواء على الطريقة الأفلاطونية أو على طريقة الاعتقاد المسيحي أو التصور الكانطي أو

التقويم الوضعي. هذا النقد هو في الوقت نفسه بناء لعالم نيتشه الخاص، عالم الصيرورة والعَود الأبدي

والإنسان الأعلى. وإذا كنا نلاحظ أن موضوع العالم الصادق حظي باهتمام المتخصصين بفلسفة

نيتشه، من أمثال هايدغر ودولوز وأرندت، فإن هذه الدراسات ركزت على جوانب الموضوع

الأنطولوجية والميتافزيقية من دون الخوض في علاقته بالمنطقيات. لذا، فإن مقاربتنا موضوع العالم

ستعتمد مقاربة أخرى، مقاربة مغايرة. •  يشير نيتشه في مواقع متفرقة من متنه إلى ليبنتس، مؤسس نظرية العوالم الممكنة، بل يعتبره، إلى جانب

كانط، المسؤول عن تأخر شيوع الصحة الثقافية في أوروبا. لذا، فإن معرفة ليبنتس مؤشر على اطلّاع نيتشه

على تصوره للعوالم الممكنة. أكثر من هذا هو أن في الإمكان أن نصنف نيتشه نقيضًا لليبنتس؛ فما دام نيتشه

يعترف بثأثره الشديد بفولتير الفرنسي، وما دام هذا الأخير ألّف روايته كنديد أو التفاؤل لنقض مفهوم

العالم الأفضل عند ليبنتس، جاز أن نستنتج أن نيتشه ينتصر لأطروحة فولتير. صحيح أننا لا نجد عند نيتشه اقترانًا صريحًا بين مفهوم العالم والجهات المنطقية، كالإمكان أو الاستحالة،

لكننا نقف في مواقع عدة من المتن النيتشوي على استخدام هذه الجهات؛ فنيتشه يستخدم -الممكن-

و-المستحيل- أداتين تعبيريتين لصوغ بعض مواقفه الفلسفية، ومن ذلك: - «من الممكن أن نعيش من دون ذكريات، وأن نكون سعداء مثل ما يبيّنه الحيوان، لكن يستحيل أن نعيش

من دون نسيان».

(7) Frédéric Nietzsche, Le Crépuscule des idoles , trad. de Henri Albert (Paris: Société du Mercure de France, 1888) (8) Frédéric Nietzsche, «Comment un monde vrai devint enfin une fable, Histoire d’une erreur,» dans: Nietzsche, Le Crépuscule des idoles. Wie die «wahre Welt» endlich zur Fabel wurde. Geschichte eines Irrthums

نعتمد استخدام «العالم الصادق» كترجمة للأصل الألماني Wie die «wahre Welt» خلافًا لبعض الترجمات العربية التي تعتمد «العالم

الحقيقي» مثل: غسق الأوثان (ترجمة علي مصباح، صادر عن الجمل)؛ أفول الأصنام (ترجمة محمد الناجي صادر عن إفريقيا الشرق.)

(9) Jean Granier, Le Problème de la vérité dans la philosophie de Nietzsche (Paris: Editions du Seuil, 1966). (10) Frédéric Nietzsche, Seconde considération inactuelle: De l’utilité et de l’inconvénient de l’histoire pour la vie , traduction d’Henri Albert, 3ème ed. (Paris: Société du Mercure de France, 1900).

- «لا يخلو الفن من الجمع بين الصدق والكذب، ففيه يمكن أن يكون النقيضان مجتمعين.» - «يستحيل على الإنسان إدراك الأخلاق بذاته.» - «يستحيل أن لا يكون هذا العجوز قد علم بموت الإله». - «يستحيل ألّ يكون لكل إنسان خصائص وراثية من أبويه وأجداده». - «يمكن أن توجد طبقة اجتماعية مستحيلة». في سياق هذا القول، ليس غرضنا إحصاء المواقع التي أعمل فيها نيتشه هذه الجهات المنطقية، وإنما قصدنا النظر في إمكانية قراءة تصوّر نيتشه للعوالم الممكنة والعوالم المستحيلة، وبالتالي سنركز الاهتمام على ما

يتعلق بهذا الموضوع. الراجح أننا لا نصادف عند نيتشه استخدامًا صريحًا للعوالم الممكنة، لكننا نقف عنده على بعض المفاهيم

التي لها علاقة بدلالات العوالم الممكنة. من ذلك، مثلً: - إذا كان الصدق هو المعيار الذي يقوم عليه العالم الممكن، سواء من حيث تركيب قضاياه: واتساقه أو تناقضه، أو من حيث بت صلاحية استدلالاته -وهذا ما يُعرف ب la logique alhétique - فإن

نيتشه يستحضر قيمتي الصدق والكذب في حديثه عن العالم؛ فهو يخصص جزءًا من كتابه غسق الأوثان

للفصل مع الغلط الذي سيطر على النظر الفلسفي، والقطع مع خرافة العالم الصادق التي استبدت بتاريخ الفلسفة. هذا الفصل معروف ب -كيف أصبح العالم الصادق خرافة: تاريخ غلط.- - على الرغم من أن نيتشه لم يستعمل في هذا الفصل، المخصص لقلب العوالم المعتبرة صادقة، مقولتي الإمكان والاستحالة بلفظ صريح، فإنه استخدم مفهومين ذوي علاقة وطيدة بنظرية العوالم الممكنة. والأمر يتعلق بمفهومي الولوج أو علاقة الولوج؛ ففي مطلع حديثه، في هذا الفصل، عن العالم الصادق، نقرأ الصيغة التالية: - «العالم الصادق، ممكن الولوج، للحكيم، للمتدين، للفاضل، إنه يحيا داخله، إنه هو.» - «العالم الصادق، غير ممكن الولوجالآن، لكنه موعود للحكيم، للمتدين، للفاضل، للخطّاء الذي كفّر عن ذنبه.»

(11) Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra , prologue. (12) Frédéric Nietzsche, «Qu’est-ce qui est noble?,»  in: Frédéric Nietzsche, Par-delà le bien et le mal: Prélude d’une philosophie de l’avenir , traduit par Henri Albert, collection d’auteurs étrangers, 10eme édition (Paris: Mercure de France, 1913), chap. 9, § 264. (13) Fréderic Nietzsche, Aurore: Réflexions sur les préjugés moraux , traduit par Henri Albert, collection d’auteurs étrangers, 4ème éd. (Paris: Mercure de France, 1901).

(((1 عبد الرحمن، ص.348

(((1 سول كريبك، فيلسوف ومنطقي أميركي، يهتم بأسماء العلم وعلاقتها بالجهات المنطقية: الضرورة والإمكان والاستحالة.

(16) Nietzsche, «Comment un monde vrai devint enfin une fable».

والمعلوم أن مفهوم الولوج أو عدمه يُعتبر من بين المداخل التي أسس عليها كريبكي دلالة نظرية العوالم

الممكنة. ومقتضى الولوج في نظرية العوالم الممكنة يفيد بأن العوالم في تشذّرها تكون مترابطة. هنا يكون التعريف المضبوط للعالم الممكن هو ما يسمّيه كريبكي Kripke frame، أي الزوج المعطى (W,R)، حيث

إن W مجموعة تسمّى عناصرها عوالم و R هي علاقة اثنانية بين هذه العوالم، هذه العلاقة تسمى علاقة

الولوج (relation d’accessibilité.)

استنادًا إلى منطق الموجّهات، يُظهر النموذج أن قضية P تكون ضرورية في العالم w إذا، وفقط إذا، كانت

صادقة في جميع العوالم الممكنة الولوج للعالم w باعتباره عالم الإحالة. يُطلَق على هذا العالم اسم العالم الحالي

أو الواقعي، ويُكتب اختصارًا AW Actual World) (. بل يمكن أن نتساءل، مثلً: هل كانت العوالم

الممكنة قابلة للولوج انطلاقًا من العالم الحالي AW؟ وفي حالة الإيجاب، يمكن أن نتساءل هل كانت العوالم الممكنة قابلة للولوج في ما بينها؟ فلو افترضنا أننا أمام عالمين M1 و M2، وأردنا أن نعرف هل كان العالم M2 قابلً أو غير قابل للولوج

انطلاقًا من العالم M1، ننظر في قضاياه. والقضية هي أن «من الضروري أن تتحقق P » في العالم M إذا

صدقت بالمعنى العادي في الدلالة المنطقية بالنسبة إلى كل عالمN القابل للولوج انطلاقًا من.N والعبارة

« P ممكنة» تتحقق في العالم M إذا وجد عالم N قابلً للولوج انطلاقًا من M، بحيث إن القضية P تكون صادقة بالمعنى العادي ل N. ويُفترض أن علاقة الولوج تتصف بخاصيتي التبادل والتعدي المنطقي.

والحقائق العملية للمنطق الموجّه تتحقق في كل العوالم. فالعالم يجب أن يكون قابلً للولوج انطلاقًا من

العالم الحالي إذا تسنّى أن نستخدم صورتنا عن هذا العالم الحالي. - يمكن أن نستخرج من نص نيتشه بشأن العالم الصادق مفهوم العالم الموازي. ويُقصد بالتوازي

في نظرية العوالم الممكنة أن عالمين على الأقل، ذوي الشروط التركيبية نفسها، يتصفان بإمكانية التحقق، بحيث إن ما يجري على أحدهما يجري على الآخر، فإثبات أحدهما أو نفيه يستلزم إثبات أو الثاني أو نفيه. وإذا كان نيتشه لا يصرح بعلاقة التوازي، فإن الفقرة الأخيرة من نصه تحيل إلى هذه العلاقة. هذا ما تتضمنه الومضة التالية في نهاية النص عينه: «لقد ألغينا العالم الصادق، أي عالم سيتبقى؟ ربما عالم الظاهر؟... كلا! فمع العالم الصادق ألغينا أيضًا

عالم الظواهر»!. إذا كان اجتماع هذه الأسباب يمثّل سندًا لنا لإمكانية التوسل بنظرية العوالم الممكنة، بقصد إعادة قراءة

نظرة نيتشه للعالم، للعوالم، فإن التساؤل الذي يحضر في هذا السياق هو: أين تتجلى أهمية استعمال منطق الموجّهات في نقد نيتشه للعوالم الأخرى وإقامة عالمه الخاص؟ وما هو الأفق الممكن لهذه القراءة؟

(17) J.-M Salanskis, «La Pensée radicale du possible,» (Université de Paris X Nanterre). (18) Patrice Bailhache, «Modalités: Approche logique,» Revue Belge de Philologie et d’histoire , vol. 81, no. 3 (2003), Langues et littératures modernes (Moderne taal en litterkunde), pp. 633-646. (19) Nietzsche, «Comment un monde vrai devint enfin une fable,» p. 20.

تفيد قراءة النص السابق بأنه نص مصيري؛ إنه لحظة الحزم، لحظة اتخاذ قرار القطع النهائي مع خرافة

«العالم الصادق». والعنوان الفرعي للنص يشير إلى أن الأمر يتعلق بتاريخ «خرافة»، وهو ما يعني أن

تصورات الدين بكهنته، والفلاسفة أو أنصاف الكهنة، حول العالم ما هي إلا تخيلات أو أوهام لا صلة لها

بعالم الواقع، العالم الحالي. فخرافة العالم الصادق هي غلط، غلط كبير يجب وضع نهاية له. إذا كان النص يتضمن في بنيته ست لحظات، ست فقرات تمثّل مواقف متباينة من العالم، وبمعنى أدق

تمثّل تأويلات العالم، فإنه يمكن ردّها إلى ثلاث أطروحات حول العالم، نقصد العالم الصادق. فعلى

الرغم من أن نيتشه يشير إلى موقف أفلاطون والمسيحية وكانط، إضافة إلى الوضعية ثم زرادشت، يمكن أن نتوسل بقانون التعدي المنطقي لنردّ هذه المواقف كلها إلى ثلاثة تأويلات للعالم: العالم المجرد

والعالم الوضعي وعالم نيتشه. ولما كان نيتشه يعتبر كانط «مسيحيًا مقنعًا» أو «مسيحيًا ماكرًا» أو «نصف

فيلسوف»، وكان يصنّف المسيحية ك«أفلاطونية للشعب»، فإن النتيجة المنطقية الأولى المترتبة عن

هذه المقدمات هي: • الأصل المجرد لفكرة العالم الصادق هو أفلاطون. فكما قال لويس الرابع عشر «الدولة هي أنا»

أو «الدولة التي هي أنا» أو «أنا سبينوزا...أنا الحق»، يقول أفلاطون «أنا، أفلاطون، أنا الحق.» •  العالم الآخر عند المسيحية مجرد عالم أفلاطوني معدّل ومبسّط ومخصّص للرعاع، إنه عالم مشوّه. •  العالم الصادق، عالم الشيء في ذاته، ليس في عمقه إلا فكرة مسيحية متنكرة، عالم شاحب اختفت شمسه

خلف السحب الرمادية، السحب الألمانية. هذه العوالم التي يبدو لنا اختلافها الظاهر، هي بالتحقيق عوالم ممكنة متشابهة من حيث إنها، بحسب قول نيتشه، تعمل على التعالي عن عالم الواقع وابتداع عوالم بعيد تحققها؛ إنها عوالم «الإمكان المثالي.» ف «تقسيم العالم إلى عالم ‹صادق› وعالم ‹الظواهر›، سواء على طريقة المسيحية أو على طريقة كانط (مسيحي ماكر في نهاية الأمر)، ليس سوى فكرة من وحي الانحطاط، عرض عن حياة في طرقها إلى الانحطاط».... يمكن إذن أن يتبدد الغموض المحيط في الدافع الذي يجعل نيتشه يجمع بطريقة التوالي والتساوق والترتيب

الزمني الفيلسوف والمتدين والفاضل في خانة واحدة، حيث يضع الحكيمَ أولً، يليه المتدين ثم الفاضل،

أي إن الأفلاطونية هي الأصل، تتبعها المسيحية التي هي مجرد أفلاطونية مخصصة للعوام -للشعب-

فالأخلاق الكانطية، التي هي مجرد مسيحية، متنكرة بلباس العقل العملي كما اعتمده كانط. لا يختلف كثيرًا حكم نيتشه على جميع أصناف المثالية عن موقفه من التصور الوضعي للعالم. فالمعلوم

أن نيتشه يلخص، في النص نفسه وبأسلوب الومضة الفلسفية التي تميز كتاباته، التصور الوضعي للعالم كما يلي:

(20) Frédéric Nietzsche, La Généalogie de la morale , 3 ème dissertation, § 23. (21) Frédéric Nietzsche, «La Raison dans la philosophie, » dans: Nietzsche, Le Crépuscule des idoles , § 6.

«العالم الصادق، عالم متعذر الولوج؟ لم يلجه أحد على أي حال. وكعالم لم يلجه أحد، فهو مجهول أيضً. ا

وبالتالي لا هو بعزاء ولا بمخلص أو ملزم: بأي شيء يمكن لشيء مجهول أن يلزمنا» (صباح قائم؛

التثاؤب الأول للعقل؛ صياح ديك الوضعية.) لهذا يمكن أن نُلحق حتى النظر العلمي للعالم الصادق، الذي يجسده الاتجاه الوضعي بالتصورات

السابقة، بالإمكانات المثالية. فإذا علمنا أن نيتشه في «جينالوجيا الأخلاق»، وخاصة في نقده المُثل الزهدية

التي يبتدعها الكهنة، يضع العلماء والكهنة في كفة واحدة، بل يعيب على العلم عدم قدرته على تجاوز

المُثل الزهدية، إن لم يكن هو نفسه منتجًا للعدمية على شاكلة التطبيب الكهنوتي في مواجهة شرور العالم

وعلى رأسها المعاناة؛ فالعالم والكاهن لهما إذن القيمة نفسها التي هي عند نيتشه، ولا يختلفان إلا من حيث

الأسلوب. تبعًا لهذه الملاحظة، وباستخدام قانون الإبدال المنطقي، يمكن أن تتكون هذه النتيجة: - نظرة الكاهن إلى العالم الصادق هي نفسها نظرة العالم، فهما تستلزمان العدمية. - عالم الكاهن كعالم العالم يتصفان بالإمكان نفسه، فهما متماثلان أو نظيران. عامة، يمكن أن نستنبط أن التأويلات الثلاثة للعالم، المسيحية والكانطية والوضعية، مشتقة بالمعنى المنطقي

من العالم الأفلاطوني. إنها مجرد فروع لعالم أفلاطون الذي هو الأصل؛ فهي تشترك جميعها في نفي العالم،

عالمنا، وفي نكران الحياة والتنكر لها. وبلغة المنطق الموجّه، فإن ما يجمع بين هذه التأويلات كلها هو: - تصنيفها لعالم الواقع كعالم ناقص، أي عالم غير تام، وكعالم متناقض، أي عالم يجمع بين الشيء ونقيضه،

خلاقًا للعالم الصادق المتصف بالاتساق والتمام. - اعتبارها عالم الواقع عالم الفساد، وإيمانها بأفضلية العالم الآخر، عالم الماوراء، علمً بأن مبدأ الأفضلية

يُعتبر ركنًا أساسيًا في نظرية العوالم الممكنة، بل إنها تقر بعدم أفضلية عالم الواقع كما عرفه ليبنتس. لكن هذا لا يعني أن نيتشه يتوقف عند حدود هذا التشابه بشأن العالم الصادق، بل يقيد عباراته، داخل

نصه، بحواصر منطقية، خاصة «الولوج» و«عدم الولوج». وهذان المفهومان، في نظرنا، هما اللذان

سيمكّنان من إماطة اللثام عن جهتي «الإمكان» و«الاستحالة» في نظرة نيتشه إلى العالم، للعوالم الممكنة.

الإمكان النسبي للعالم الصادق

يؤسس نيتشه نقده للفلاسفة على نكرانهم الحياة واختلاق عوالم وهمية: «الفلاسفة كلهم، وعبر العصور، يجمعون على حكم واحد على الحياة: إنها لا تساوي شيئًا. وسقراط نفسه سئم من الحياة. والشاهد

على تعبه وملله من الحياة ونقمته عليها قوله لحظة احتضاره: ليست الحياة سوى مرض عضال».

(22) Nietzsche, «Comment un monde vrai devint enfin une fable». (23) Nietzsche, La Généalogie de la morale , 3 ème dissertation, § 24. (24) Frédéric Nietzsche, «Le Problème de socrate,» dans: Nietzsche, Le Crépuscule des idoles.

لا يخرج أفلاطون عن هذا الحكم، بل إن نيتشه يعتبر أفلاطون جبانًا بسبب هروبه من الواقع وعدم قدرته على مواجهته. وإذا كان سقراط في نظر نيتشه مجرد مريض طال به المرض، فإن أفلاطون منحط نموذجي، فمثاليته وككل مثالية عرض مرضي، عرض انحطاط. في هذا السياق، يمكن أن نفهم عمق النقد النيتشوي للعالم الصادق كما تصوره أفلاطون. وهذا ما يلخصه المدخل المختصر من نصه: «كيف أصبح ‹العالم الصادق›، بالنهاية، خرافة: تاريخ غلط». نحن إذن أمام ومضة أو شعلة فلسفية تلخص الضربة القاضية لنيتشه ضد أفلاطون. وإذا كان كانط قد شبّه

مجال الميتافيزيقا بحلبة الملاكمة التي يتصارع فيها الفلاسفة على مر التاريخ، من دون منتصر ولا منهزم، فمن الجائز أن نشبّه هذا النص بالضربة النهائية للميتافيزيقا، ليس فقط ضد أفلاطون، بل ضد كانط

والمسيحية والوضعية، وجميع أشكال المطلق أيضًا. وإذا جاز لنا تشبيه الومضة أو اللمحة الفلسفية عند نيتشه، كشكل للكتابة ضد كل نسق للتعبير الميتافيزيقا، بقطعة من رياضة «الكاتش»، فإن العبارات القصيرة المكوّنة لهذا النص هي حرب على العوالم المثالية، إخضاعها لضربات المطرقة، هدمها وإقامة

عالم الحياة. يعبّ نيتشه عن ذلك بقوله: «في العالم من الأصنام أكثر مما فيه من الحقائق: هذا ما علمتني

إياه ‹العين الشريرة› التي ألقيها على العالم، وكذلك ‹الأذن الشريرة› التي أصغي بها إليه، هنا أيضًا تكون المساءلة بضربات مطرقة، أي إن الإصغاء بشك لكل نص مقدس، والنظر بريبة إزاء كل القيم يدلان بصورة جوهرية على القراءة المتميزة.» إذا كان هذا النص، موضوع هذه الدراسة، قد قرئ أكثر من مرة، فإن قراءتنا له، في سياق هذا النظر، سوف تقتصر على مفهوم الإمكان وما يترتب عنه. يبدأ نيتشه نصه ب«كلم جامع» كما يلي: «العالم الصادق، ممكن الولوج للحكيم، للمتدين، للفاضل - إنه يحيا داخله، إنه هو ». (الشكل الأقدم للفكرة، ذكية نسبيًا، بسيطة، مقنعة. بصيغة أخرى: «أنا، أفلاطون، أنا الحق ».) تبيّ القراءة المألوفة التي تقربنا من مفهوم العالم الصادق عند أفلاطون أن هذا الأخير يؤكد أن معرفة

حقائق الأشياء تقتضي أن تكون الحقائق خارجة عن الطبيعة المحسوسة. لذلك، نجده يقسم موضوع المعرفة إلى قسمين: المُثل الموسومة بعدم الفناء وعدم الانقراض والأشياء المادية المتغيرة والتي تكون

عرضة للصيرورة بحيث يلحقها الفساد. تسعفنا أسطورة الكهف في تمثّل صورة هذا التقسيم؛ فهناك عالم الداخل في مقابل عالم الخارج. والعالم الأول هو عالم المظاهر والوهم والفساد بخلاف عالم المثل المعتبرة حقائقه مطلقة وثابتة.

(25) «Platon est lâche devant la réalité, donc il fuit dans l’idéal».

(((2 يقصد بالكلام الجامع الأسلوب الذي يكتب به نيتشه، وهو ما يعرف بالقبس أو الومضة الفلسفية، والتي تقابل في الفرنسية لفظ:

Aphorisme، التي يقصد بها قول الكثير من المعاني بالقليل من اللفظ.

توسلنا في قراءة النقد النيتشوي للعالم الصادق عند أفلاطون بمقتضيات نظرية العوالم الممكنة التي يمكن

أن تولّد لدينا استنتاجات يمكن إجمالها في مبدأ الضرورة المنطقية وخاصية الإمكان النسبي ومعيار أفضلية العالم الصادق. وهذا ما نفصّل فيه القول كما يلي: • مبدأ الضرورة المنطقية، ومقتضاه أن العالم الصادق في تأويل أفلاطون يتصف بخاصية الضرورة من حيث نظمه، فهو عالم ضروري، وللمُثل منزلة الحقائق المطلقة، حيث إن وجودها لا يتوقف على شيء، بل

يتوقف كل شيء عليها؛ إنها مبادئ الكون الأولى ولها حقيقتها الذاتية المستقلة عن أي شيء آخر، وهي ثابتة وغير فانية لأنها توجد خارج الزمان والمكان. إنها بمثابة كليات، أي ماهيات ثابتة للأشياء. هذه الحقائق المطلقة تتصف بالأزلية، إنها سرمدية. ولما كان التسليم بفرضية العالم الصادق أو عالم الكليات يستلزم استحضار العالم النقيض، فإن العالم الكاذب هو عالم - الداخل، عالم داخل الكهف. فعناصر هذا العالم هي جميع التمثلات الخاضعة

للحواس، والتي تجعل الإنسان خبيثًا وشهوانيًا، وبالتالي مضطربًا. إن عالم المظاهر خادع، ويتضح هذا

التمييز في قراءة ليوتار؛ إذ يصنِّف العالم الأول عالمًا يخص الرجل الصادق والعالم الثاني عالمًا عضويًا أو

عالم الإنتاجية. • خاصية الإمكان النسبي، وتتمثّل في أن هذا العالم الصادق يمكن ولوجه، أي يمكن إدراكه، لكن هذا الإمكان بعيد التحقق، لأنه إمكان مشروط، أي إن ولوجه ليس في متناول الجميع، فليس كل من في الكهف

يمكنه التحرر من القيود والصعود إلى عالم المُثل. نحن أمام ولوج مقيد ومشروط؛ فولوج العالم الصادق محصور ومقصور على الحكيم -الفيلسوف المثالي- وعلى المتدين وعلى الفاضل أو صاحب الفضيلة. يمكن

تبسيط هذه الفكرة بالقول إن المُثل الأفلاطونية، في العالم الصادق، لا يمكن الوصول إليها أو إدراكها إلا

من خلال العقل الذي يرتقي خطوة خطوة، منتقلً من المحسوس إلى المعقول، وهذا ما يجعل معرفتنا ممكنة، هذا الإمكان الذي يتحول إلى استحالة إذا ما اعتمدنا أي حاسة من حواسنا بغية ولوجه. ويكون ولوج العالم الصادق عند أفلاطون ممكنًا داخل ثلاثة مجالات هي: - مجال المعرفة أو الفلسفة الذي يحيل إليه مفهوم «الحكيم» كمحمول في النص. - مجال الدِّين أو الخوف من الإله المشار إليه بحد المتدين. - مجال الأخلاق الذي يرمز إليه لفظ الفاضل أو صاحب الفضيلة. طبعًا هذه المجالات مترابطة لا منفصلة. وهنا يظهر تأويل عالم المُثل، فالفيلسوف، صديق الجدل، يصعد

به إلى الماهيات حتى يدرك الحقائق في ذاتها ويتعلم الخير والفضيلة والعدالة والحكمة. وصورة الفيلسوف، عند أفلاطون، هي صورة الجدلي الذي يتجاوز جميع فنون الخطابة والكتابة من أجل الكشف عن مجال المفاهيم واقتناصها وبلوغ المعرفة الكاملة، وبالتالي الحياة الكلية وسط التجريدات الأكثر صفاء مع ازدراء

(27) Lyotard, «La Logique qu’il nous faut ».

الغير واحتقار العالم الواقعي. فكما أن ولوج الأكاديمية عند أفلاطون مشروط، كذلك ولوج عالم الأفكار الذي لا يمكن ولوجه إلا بالتحرر من قيود الكهف لمعانقة الشمس الحقيقية. وهذه إمكانية تخص الفيلسوف دون أصحاب القوى البهيمية، قوة الغضب والقوة الشهوانية، ولا حتى ذوي الحس المشترك حتى ولو كانوا من الرعاع السياسيين. وإذا استثمرنا نظرة ليوتار السابقة، فإن الحاصل المترتب يفيد بأن العالم الصادق لا يمكن أن يلجه إلا الرجل الصادق، رجل العالم العضوي الذي يستطيع أن ينتج ما يطابق الفكرة الصادقة، فالفيلسوف هو هذه النسخة، النسخة الأيقونة؛ الفيلسوف وحده يعرف طبيعة الأشياء كما هي في ذاتها وفي ماهياتها، فهو أيضًا الوحيد الذي في استطاعته استعمال الأشياء الموافقة للموضوعات

المراد معرفتها معرفة صحيحة. أما النسخ الرديئة -السيمولاكر- فمحكوم عليها بالبقاء في عالم الظاهر، عالم الأشباه والخداع. إن عالم المُثل، أو العالم الصادق كما نظر إليه أفلاطون وناظر حوله سقراط، ممكن الولوج، لكن هذا الإمكان يبقى بعيد التحقق، فهو لا يُلزم إلا فئة مخصوصة، فئة الخاصة؛ ذلك لأن العالم الصادق يتصف بالإمكان

النسبي، ولوجًا وإدراكًا. • معيار الأفضلية: ومداره على أن تصور عالم المثل عند أفلاطون يتضمن الإقرار بأفضلية العالم الصادق ولا أفضلية العالم الكاذب، عالم الظاهر، عالم الكهف. وإذا كان هذا الاعتقاد يخالف المتعارف عليه في نظرية العوالم الممكنة، حيث إن عالم الواقع هو أفضل العوالم المتعددة الممكن وجودها، فإن أفلاطون يعتبر أن عالم الأيقونة أفضل من العالم الرديء. فالتمييز بين النسخة الجيدة والنسخة الرديئة هو في حد ذاته احتقار لعالم المظاهر وإعلاء لعالم المثل. هنا نشتمُّ تبخيس عالم الواقع واحتقار قيمه التي هي قيم الحياة كما

نحياها في العالم المحايث. إذا كان التأويل الأفلاطوني قد أقام مشروع العالم الصادق على ضرورة قضاياه الكلية -الأفكار- وعلى إمكانية تحقق هذه الكليات في عالم متعال عن عالمنا الأرضي، مع جعله من صفة الأزلية والأبدية لعالمه

الصادق، مبرّرًا للانتقاص من عالمنا الظاهر باعتباره عديم القيمة، عالمًا رديئًا، فإن نيتشه سيعترض على

هذا التأويل لأن العالم الصادق مجرد خرافة ليس لها ما يقابلها في الوجود المحايث؛ إنها خرافة لا تستوفي خاصية التحقق، فهي لا توجد إلا في ذهن أفلاطون. إنها من نسج خياله. ولذا، فإن هذا العالم يصبح

مستحيلً؛ فالولوج يقتضي أولًالوجود، أو، بلغة المناطقة، لتصح عبارة العالم لا بد من المقتضى، أي

ما يقتضيه القول لغة وعقلً؛ فللحكم مثلً على قضية «ملك فرنسا أصلع»، لا بد أن يوجد أولً ملك لفرنسا، ومن ثم يمكن الحكم عليه. كذلك عالم أفلاطون، فلنحكم عليه بإمكانية الولوج أو عدمه، لابد له من وجود. والحال أنه مجرد خرافة، فهو عالم مستحيل، أي ممتنع الإدراك والولوج. وبذلك سيحكم عليه نيتشه بأنه «فكرة ما عادت صالحة لشيء، وليست حتى بملزمة، شيء مهمل، فكرة غدت فائضة عن اللزوم، وبالتالي، فكرة مدحوضة: لنلغها إذن».

(((2 كتب أفلاطون على باب أكاديميته عبارة: «لا يدخل علينا من ليس مهندسًا»)Que nul n’entre ici qui ne soit géomètre(.

(29) Nietzsche, «Comment un monde vrai devint enfin une fable».

هنا يجد نيتشه نفسه ملزمًا بعد ضربات المثل- الأوثان الأفلاطونية بمطرقته، مضطرًا إلى قلب الأفلاطونية

بتصحيح صورة العالم. لكن، لما كانت خرافة العالم الصادق عند أفلاطون مجرد غلط من بين الأغلاط التي ابتلي بها تاريخ الفلسفة،

فإن نيتشه أصبح مجبرًا على العودة إلى حلبة الصراع - الملاكمة - لمواجهة الخصم/ العدو التاريخي.

إنه العدو، ممثلً في التصور المسيحي للعالم الصادق. هنا تظهر الجولة الثانية:

الإمكان البعيد للعالم الصادق

يحيلنا نيتشه إلى اللحظة الثانية من حكايته - خرافة العالم الصادق- بهذا القول المختصر: «العالم الصادق غير قابل للولوج الآن، لكنه موعود، للحكيم والمتدين والفاضل (للخط اء الذي كفّر

عن ذنبه.») (تطور الفكرة: تصير أكثر رهافة، أكثر مراوغة، أكثر استعصاء على الإدراك، تصير امرأة، تصير

مسيحية.)... يقتضي فهم مضمون هذه الومضة النيتشوية وفك معانيها الرجوع إلى التكافؤ المنطقي الذي يقيمه نيتشه

بين أفلاطون والمسيحية، فهذه الأخيرة تساوي أفلاطونية معدّلة، معتدلة ومخصصة للشعب. لذا، إن ما

يمكن أن يجري على الطرف الأول من المعادلة ينطبق على الطرف الثاني، لكن الملاحَظ أن نيتشه لا يتوقف

عند هذا الأمر؛ فهو يضيف قيدًا جديدًا يجعل المسيحية تختلف عن الأفلاطونية في تصورها للعالم الصادق.

هذا القيد هو «عدم الولوج» أو تعذّر الولوج أو امتناع إمكانيته. فالنص يصرح بأن العالم الصادق غير

ممكن الولوج، للحكيم، للمتدين، للفاضل، ولا حتى للخطّاء الذي كفّر عن ذنبه. هذا التمييز يولّد لدى

القارئ المتفطن مفارقات عدة. فإذا سلّمنا، بحسب نيتشه، بالتكافؤ بين العالمين أو بالتساوي بين الأصل

والفرع، فكيف يكون العالم الصادق الأفلاطوني ممكن الولوج ويكون العالم نفسه في التصور المسيحي غير

ممكن الولوج؟ يفترض تجاوز هذا الإشكال استحضار موقف نيتشه من التأويل الكنسي للعالم، وكيفية تموقعه على طرف

النقيض والضد من المسيحية عامة، ومن نظرتها إلى العالم الصادق خاصة؛ هذا الموقف الذي لا يخلو موقع

من المتن النيتشوي من الإشارة إليه بحقيقة اللفظ وليس بالاستعارة. ويكفي أن نشير إلى أن نيتشه لم يتوان

قط في النزول بضربات مطرقته على كل تنظير للعالم الآخر. فهو يصرح بأن «تأليف خرافات عن ‹عالم

آخر› غير هذا الذي لدينا أمر لا معنى له البتة، علمً بأن غرائز الثلب والتحقير والتشكيك في الحياة متمكنة

في داخلنا: أن ننتقم بالنهاية من الحياة ببدعة متخيَّلة لحياة ‹أخرى›، حياة أفضل.» لهذا، خصص نيتشه فصلً كاملً في مؤلفه هكذا تكلم زرادشتللرد على دعاة العالم الآخر؛ فهؤلاء لم

يختلقوا، بحسب رأيه، فكرة هذا العالم إلا للهروب من عالم الواقع. ونظرًا إلى عجزهم عن مواجهة المعاناة

والآلام التي تميز هذا العالم، ابتدعوا هذا العالم، ظنًّا منهم أنه العالم الصادق. وبعملهم هذا يكونون قد

ابتدعوا نوعًا من أسلوب العزاء والمواساة التي يعول عليها في تخفيف أمراضهم. هذه المهمة هي التي

شغلت الدرس الجينالوجي للأخلاق، حيث إن نيتشه قام بالتشريح الطبي للأصل المرضي للمُثل الزهدية

التي ابتدعها التطبيب الكهنوتي لتغيير اتجاه المعاناة وتأسيس عالم الضعفاء. العالم الآخر المضاد للقيم النبيلة للحياة. فالعوالم الأخرى ما هي، في نظر نيتشه، إلا خرافة تسببت في وجودها الآلام والشعور بالعجز. عوالم أوجدها الإنسان المتعب، الإنسان المريض. يمكن لهذه المعطيات أن تسعفنا في إعادة قراءة موقف نيتشه من العالم المسيحي، العالم الصادق الثاني. وبتوظيف بعض ما تقرر في نظرية العوالم الممكنة، نصوغ الملاحظات التالية: - استحالة العالم الصادق الثاني: إذا كان نيتشه يؤكد في العبارة المخصصة للعالم الصادق المسيحي أن هذا العالم «غير ممكن الولوج الآن، لكنه موعود»، فإن ما يسترعي الانتباه ويتطلب التروي في التحليل هو استخدامه للفظي «الآن» و«موعود». والمعلوم أن كلمة «الآن» تصنّف عند أهل المنطق ضمن ما يصطلح عليه بالجهات المنطقية الزمانية وكلمة «موعود» تحيل إلى الأصل التجاري للقيم الأخلاقية، قيم الدائن والمدين كما هو معمول بها في فضاء البيع والشراء. لهذا، فإن استخدام نيتشه القيدين في هذا السياق يُفهم منه أن العالم الصادق ليس ممكن الولوج الآن؛ فعلى الرغم من أن المعنيين به هم أنفسهم

المعنيون بعالم المُثل الأفلاطوني، فإن ولوجه يبقى مقيَّدًا بعامل الزمان، فعلى الرغم من أن الفيلسوف

والمتدين والأخلاقي يعتقدون في وجود العالم الآخر، فإنهم يسلّمون بتحققه لاحقًا، في عالم ما بعد الحياة، ما بعد الممات. إنه عالم موعود به في الأصول المسيحية؛ إنه الجزاء ليس فقط لهؤلاء بل حتى للخطّاء المكفّر عن ذنبه. وسيكون العقاب عاقبة كل من أغفل هذا التكفير، فكل ذنب يستوجب العقاب. هذا ما يفيد به خطاب الوعد بالعالم الثاني، العالم الصادق. إن المسيحية، باختلاقها فكرة العالم الآخر «نفثت [بحسب رأي نيتشه] السم في الحياة، ونفت الواقع جرّاء فكرة الخطيئة، وهدمت نظام المراتب جرّاء

مساواة النفوس أمام الإله.» - نقض معيار الأفضلية: لما كانت المسيحية تُعلي من شأن العالم الموعود، بالنظرة الأفلاطونية نفسها، فإنها تحتقر بذلك عالم الحياة، عالم الصيرورة، معتبرة أنه عالم المعاناة والشرور والآلام، ومفضّ لة عالم الماوراء

الذي تنزله مرتبة عالم السكينة والثبات والدوام. فالحياة الأخرى هي «الحياة الأفضل»، خلافًا لنظرية العوالم الممكنة التي تسند الأفضلية إلى عالم الواقع. ولهذا يعتبر نيتشه «المسيحية مثل النباتات السامة التي تنمو من صلب التعفن، بظلها تسمم الحياة بأبخرتها على مدى آلاف السنين.»... لهذه الاعتبارات، يلخص زرادشت موقف نيتشه من العالم الصادق الثاني بادعائه أن العالم الثاني خفي جدًا عن الناس؛ فهو ليس سوى سماء من عدم. وولوجه غير ممكن الآن، ولا هو ممكن غدًا، إنه مجرد وعد

للإله المسيحي، لكن هذا «الإله مات»، فلم يبق إلا العدم. والنتيجة هي عدم تحقق العالم الآخر، حال

واستقبالً، أي إن العالم الصادق مستحيل.

(30) Nietzsche, La Généalogie de la morale , 3 ème dissertation, § 27.

هنا يبدو أن الجولة الثانية من ضربات نيتشه انتهت، لكن ما إن يهم الفيلسوف بمغادرة الحلبة حتى يضطر إلى العودة إلى جولة جديدة؛ فقد أدرك أن الإنسان الحديث، على الرغم من إعلانه «موت الإله»، بقي حبيس ظلال هذا الإله. وما إن حطم أوثان المسيحية حول العالم الآخر حتى سقط في الميتافيزيقا - المسيحية المتنكرة، فالإنسان سيعوض الإيمان بقناع العقل. هذا العقل الذي ليس إلا فكرة مسيحية محنّطة، مومياء -أعاد كانط إحياءها- وهو المسيحي المتنكر-لإعادة إنتاج العالم الصادق- في شكليه الأول والثاني - بأسلوب جديد. هنا يجد نيتشه- المحارب نفسه مرغمً على العودة إلى ساحة المعركة، بعد أن أمضى لحظة

مع المسيحية باعتباره امرأة. والمرأة لا تحب إلا رجلً محاربًا! كما يقول. سنكون مرة أخرى مشتاقين إلى متابعة معركة نيتشه مع حكاية - خرافة العالم الصادق. لكن الجولة الثالثة بطلها مصارع عتيد، فهو من أشهر دعاة الحداثة وأبرز المبشرين بالأنوار؛ إنه الفيلسوف كانط. فما هو موقف نيتشه من التأويل الكانطي للعالم الصادق؟

الاستحالة العقلية للعالم الصادق

نحن إذن أمام نص ثالث، إنه لقطة جديدة من مصارعة «الكاتش»، وهذا ما تتضمنه العبارة القصيرة التالية: «العالم الصادق، غير ممكن الولوج، غير مدرك، غير مثبت، غير موعود به، لكنه، بفعل التفكير فيه، عزاء، التزام وواجب.» (في العمق هي الشمس ذاتها، لكن من خلف الغيوم والريبة: الفكرة وقد أضحت شاحبة، شمالية، كونكسبوركية.) يتطلب تقريب معاني هذه العبارة الإشارة إلى أن نيتشه يعترف بإيجابيات النقد الكانطي؛ فنيتشه يذهب إلى أن أهمية كانط في تاريخ الفلسفة ترجع إلى كونه أول من قدّم نقدًا للعقل، العقل الخالص والعقل العملي؛ فبنقده ثوابت العقل يكون قد زعزع المعتقدات الميتافيزيقية والحقائق الأبدية للفكر الغربي. وقد بيّ التأويل الكانطي أن مقولات العقل، وجميع التصورات المستخلصة من العالم المحسوس عن

طريق الإدراك الحسي، لا يمكن أن تدّعي معرفة الشيء في ذاته، ولا أن يكون لها أي استعمال آخر غير جعل التجربة ممكنة. فلا يمكن -بحسب كانط- للعقل العلمي أو النظري أن يعرف الشيء في ذاته أو أن يتجاوز حدود الظواهر الحسية، ذلك لأن مقولاته المقتصرة فقط على إدراك الأشياء، من حيث هي في مكان وزمان معينين، لا يمكن استخدامها استخدامًا ترانسندتاليًا من أجل إدراك بواطن الأشياء

وجواهرها.

(31) La Femme n’aimera jamais qu’un guerrier. (32) Emmanuel Kant, Critique de la raison pure , Traduction Jules Barni (Paris: G. Baillière, 1869), introduction.

لكن هذا التقسيم بين عالم الحس، عالم الظواهر، وعالم الشيء في ذاته، عالم «النومين»، هو، بحسب نيتشه، تعبير عن عرض مرضَي، إنه الانحطاط ذاته. فكانط بهذا التقسيم لم يعمل سوى على إحياء التقسيم

الأفلاطوني والمسيحي للعالم: العالم الصادق والعالم الكاذب. - الاستحالة المطلقة للعالم الصادق: يتضح من خلال النص السابق أن العالم الصادق غير ممكن مطلقًا، فهو غير قابل للولوج قطعًا، ولا يستطيع العقل إدراكه. هذا هو التبرير الكانطي لإثبات استحالة هذا

العالم الصادق. ويفيد تفصيله بأن: • العالم الصادق لا نستطيع إقامة الدليل على وجوده ولا نتوفر على حجج تدعم هذه الإمكانية. • العالم الصادق غير موعود به كما هو الشأن في الإيمان الديني. • العالم الصادق هو عزاء وسلوى، إن قيمته تتجلى في العقل العملي، في الأخلاق، في الواجب والالتزام بمعناهما الأخلاقي. نستنبط من هذا الكلام أن التأويل الكانطي للعالم يقر بوجود عالم من القيم التي لا تقل حقيقة عن الأشياء المادية، وهذا ما يعنيه كانط بقوله: «... ومن هنا يتبع أن الإله والحياة الأخرى هما فرضيتان، لا يمكن، وفقًا لمبادئ العقل المجرد، فصلهما عن الواجب الذي يفرضه علينا ذاك العقل بالذات».... ومؤدى هذا أن عدم قدرة العقل المجرد على إدراك هذا العالم وتعذّر ولوجه لا يعنيان إطلاقًا عدم وجوده، وإنما يعنيان عدم قدرة العقل على تجاوز المحسوس إلى ما ورائه، فالإله والنفس وحرية الإرادة هي مسلمّات ضرورية لإقامة الأخلاق يسلّم بها العقل العملي، ولا يستطيع العقل النافد بلوغها ليتناولها على أساس من الفحص والبرهان. المعروف أن كانط آمن بوجود حقيقة كامنة لا زمانية، وهذا التصور للحقيقة يعلو على الحقائق الجزئية في أي ثقافة أو عند أي فرد. ولقد أطلق كانط على هذا المجال للحقيقة «اللازمانية» اسم «النومين»، أي الأشياء في ذاتها التي تعارض الظواهر التي تظهر لنا من خلال الحواس. ومهما نحاول استخدام عقولنا وإدراكاتنا الحسية، فلن نستطيع أبدًا أن نعرف عالم «النومين» اللازماني. وعلى الرغم من التشديد على وجوده، فإننا مستبعَدون عنه لقصور حواسنا من جهة، وحد الزمان والمكان والسببية من جهة أخرى.

لكن نيتشه رفض رفضًا قاطعًا فكرة الحقائق الأزلية، فكل فكرة تدور في هذا الإطار «اللازماني »

ليس لها معنى على الإطلاق. ووجّه نيتشه إلى كانط تهمة التعصب الأخلاقي الذي يرجع إلى غريزة

كانط اللاهوتية، فالفضائل الأخلاقية ينبغي أن تكون من ابتكارنا، وأن تكون دفاعنا وضرورتنا الشخصية.

(33) Christian Berner, «Nietzsche et la question de l’interprétation,» Papier présenté à: Conférence d’agrégation présentée le 10 novembre 2006 à l’Université de Bourgogne, et le 27 janvier 2007 à l’Université de Lille 3.

(((3 المصدر نفسه.

الاستحالة الكلية للعالم الصادق

بعد القطع مع التأويل الأخلاقي الكانطي للعالم الصادق، وهو ليس سوى تصور مسيحي متنكر، ينتقل نيتشه إلى النظر في التصور الحديث للعالم الصادق كما يتجسد في العلم، وبالضبط في الاتجاه الوضعي للعلم. ولما كان الإنسان الحديث -الإنسان المريض-، وكانت الحداثة بمؤسساتها وكل قيمها لم تسلم من ضربات مطرقة نيتشه، فإن نقده للعلم، وبالضبط التصور العلمي الحديث للعالم، لا يخرج عن محاولاته تجاوز معضلات الحداثة؛ فبعد جولات الصراع مع العالم الأفلاطوني والعالم المسيحي، ثم العالم الكانطي، لم يتغافل نيتشه في نصه عن تناول الطرح الوضعي لموضوع العالم الصادق. وهذا مختصره: «العالم الصادق، غير ممكن الولوج، على كل حال لم يدركه أحد بعدُ، وكعالم لم يدركه أحد، فهو مجهول

أيضًا. لذلك، فهو ليس عزاء وليس بمخلص أو ملزم: بأي شيء يمكن لشيء مجهول أن يلزمنا.» (صباح قائم، التثاؤب الأول للعقل، صياح ديك الوضعية) يلخّص الطرف الأول من هذا القول الأطروحة التي تدّعي أن العالم الصادق غير ممكن الولوج، لا

حالً ولا مستقبلً، لا بمعنى الإمكان القريب ولا الإمكان البعيد، فإمكانية الولوج متعذرة كليًا، بل هو

منعدم الإدراك مطلقًا، إنه عالم مستحيل بإطلاق، أي إن العالم المتعالي، العالم الآخر والبعيد، لا يمكن ولوجه، سواء على مستوى النظر الأفلاطوني، أو على مستوى العمل الكانطي، ولا حتى في الاعتقاد والإيمان المسيحيين. يمكن تفهّم هذا التوجّه العلمي الحديث في تأويل العالم الصادق؛ فميلاد الوضعية في التاريخ مؤسّس على

رغبتها في تجاوز التفكير الخرافي والمثالي في العالم، وكذا الاعتماد على تفسير مقْنع للظواهر، بالتوسل بالمنطق والتجريب والتحقيق والقياس، مع المصادرة على السببية والعلية والحتمية. ويُعتبر موقف أوغست كونت

شاهدًا على هذا المعطى. إن مبنى رفض العلم الوضعي للعالم الصادق يقوم إذن على انعدام الدليل على إدراكه، واقعيًا وتاريخيًا، فلا

يمكننا افتراض وجوده. وعدم إدراكه يستلزم خاصيته الأساسية والمتمثلة في كونه عالمًا مجهولً. فبمقتضى معيار اليقين، يرفض العلم العالم الصادق، العالم الآخر؛ فهذا العالم يفتقر إلى وسائل الإثبات اليقينية. فما صحة هذا الرفض الوضعي للعالم الصادق؟ لا يتنكر نيتشه للخلخلة التي أحدثها العلم الحديث لمجموعة من الثوابت؛ فحلول العلم هو إشعار بالتحرر من قيود الغيب، ذلك أن ليل الظلمة قد ولّ كما يبدو، وها هي بوادر الصباح بدأت تظهر، وصياح الديك هو إيذان بقرب الانبلاج. لكن تثاؤب العقل -كما ورد في النص- يشير إلى أن العلم الحديث ما زال مشدودًا إلى الماضي، وما زال يحمل شيئًا من ثقل الجُمل. والعلم كالعقل الحديث، لم يتحرر بعدُ من

ظل الإله على الرغم من إعلان موته. لذا، نصادف نيتشه يصوغ هذه المفارقة في التساؤل التالي: هل نجد في العلماء تصورًا يناقض المثل الزهدي، وهل يشكل العلماء ضدًّا لهذا المثل؟

مع أن العلماء يدّعون الوضوح الفكري، اعتقادًا منهم أنهم المفكرون الأحرار، والأحرار للغاية، فإنهم

يعتقدون أنهم منفصلون عن المثال الزهدي، وهُم، بحسب نيتشه، أبعد من أن يكونوا عقولً حرة، إذ ما

زالوا يؤمنون بالحقيقة، وهم لا يرتبطون فقط بالحقيقة بل يتقيدون بها. هذا كله يعبّ عن زهد في الفضيلة،

عن الإرادة المطلقة لامتلاك الحقيقة، هذه الإرادة التي هي بلا شك الإيمان بالمثل الزهدي نفسه. وبما أن دعاة العلم مهووسون بالإيمان بقيمة غيبية، بقيمة الحقيقة في ذاتها، فإنهم يرتبطون بالمثل الزهدي لأنه قيمة الحقيقة وحجّتها، فهو يضمنها ويرسخها، وهي تبقى ببقائه وتختفي باختفائه. المؤكد أن نيتشه لا يعترف بعلم وضعي؛ علم مستقل عن أي اعتقاد أو أي فلسفة، علم يقني خالص. ولا

يوجد، بحسب ادعائه، في المنطق السليم علم من دون فرضيات، ومن دون افتراضات لا يمكن تصور مثل

هذا العلم، فمثل هذا التصور يُعتبر مغالطة، حيث إن العلم يفترض بالضرورة وجود فلسفة أو وجود إيمان

سابق عليه، يعطيه قيمة، يضفي عليه معنى ويرسم له حدًّا ومنهجًا، بل يعطيه الحق في الوجود. وسيكون

على كل من يدّعي أن في إمكانه أن يفعل العكس ويقيم العلم على أساس يقيني محض أن يطلب المستحيل. يخصص نيتشه الفقرة 344 من مؤلّفه العلم المرِحلنقض إلغاء التصور الوضعي للعالم الصادق بمبرر كونه

مجهولً وغير مدرَك وغير واضح. وهنا ملخص قوله: «يثبت الرجل الصادق، بتطرفه وجرأته في صدقه بالشكل الذي يفترضه الإيمان بالعلم، إيمانه بعلم آخر غير عالم الحياة والطبيعة والتاريخ، وبإثباته هذا ‹العالم› ألا يكون واجبًا عليه أن ينفي نقيضه، أعني ‹هذا

العالم› الذي هو عالمنا نحن؟ لا يزال إيماننا بالعلم مبنيًا على اعتقاد غيبي عندنا نحن أيضًا مفكري الوقت

الحاضر الذين يبحثون عن المعرفة، نحن الذين لا إله لنا والمناهضون للماورائيين، نحن أيضًا نستمد شعلتنا

من تلك النار التي أشعلها اعتقاد عمره آلاف السنين، من هذه المسيحية التي كانت أيضًا عقيدة أفلاطون

والقائلة إن الرب هو الحقيقة وإن الحقيقة ربانية. ولكن ماذا لو أن الإيمان بهذه العقيدة صار يتناقص ولم يعد أي شيء يبدو ربانيًا عدا الخطأ والضلال والكذب، ماذا لو اكتشفنا أن الرب كذبة اختلقناها، كذبة

دامت أمدًا طويلً؟ يجدر بنا أن نتوقف هنا لحظة ونتأمل طويلً. يحتاج العلم نفسه إلى تبرير، لا يزال

العلم غير قادر على تعويض المثل الزهدي، فهو نفسه يحتاج إلى مثال للقيمة، إلى قوة مبدعة للقيم يستطيع خدمتها وتمنحه الثقة بنفسه. وليست لعلاقته بالمثل الزهدي علاقة عداوة، بل تسوّل لنا نفسنا اعتبار العلم

هو القوة المحركة للتطور الداخلي لهذا المثل. يوجد العلم والمثل الزهدي في نفس الميدان، ويجمع بينهما تقدير مبالغ فيه للحقيقة، بعبارة أدق: يجمعهما اعتقاد بأن الحقيقة يتعذر تقديرها، ولا يمكن انتقادها، بحيث إذا حاربناهما فلن نحاربهما إلا مجتمعين، وإذا سعينا إلى تقدير قيمة المثل الزهدي فسنضطر إلى تقدير قيمة العلم. هذا العلم الحديث هو الآن أفضل حليف للمثل الزهدي. مما لا شك فيه أن الانتصارات

الشهيرة التي حققها العلماء هي انتصارات فعلً، ولكن على ماذا؟ فالمثل الزهدي لم ينهزم أبدًا، بل على

العكس، كلما هاجمه العلم وهدم أحد أسواره، أي أحد الأعمال المتقدمة التي أحاط بها نفسه فجعلت مظهره بشعًا، تقوّى وأصبح أكثر دقة وروحانية وإغراء».

(35) Nietzsche, La Généalogie de la morale , 3 ème dissertation, § 24.

بعد هذه الجولات كلها، يُفهمنا نيتشه أنه أنهى المعركة؛ فقد كشف لنا عن المبررات التي استندت إليها

خرافة العالم الصادق بكل أشكالها، المجردة والخفية والمتعالية والوضعية. عوالم أماط اللثام عن استحالتها، فهي كلها تفضي إلى المحال، إلى العدمية. لهذا ينقلنا نيتشه إلى أرض جديدة، إلى لحظة الحسم مع العالم الصادق كفكرة وكمنظور. هذه اللحظة هي بمثابة تجاوز للكهنوت، للمثالية وللحداثة. هنا تنهض العقول الحرة، تبعث طيور الفينيق من جديد. إنه زمن الفلاسفة الجدد الذين سيعتبرون أن «العالم الصادق، فكرة لم تعد صالحة لشيء، وليست حتى بملزمة، غير صالحة؛ فكرة غدت فائضة عن اللزوم، وبالتالي، فكرة مدحوضة: لنلغها إذن»؟ نجد توضيحًا لهذا الموقف في موقع آخر من المتن النيتشوي، حيث نقرأ: «ما زلت محتفظًا ببعض الكلام اللاذع للفلاسفة الذين سيعاند غضبهم الأعمى بفكرة أنهم كانوا مخدوعين. ولم لا يُدعون؟ فالإيمان بأن للحقيقة قيمة أفضل من الظاهر، مجرد حكم أخلاقي مسبق...

علينا أن نعترف بأن الحياة غير ممكنة من دون منظور كامل من الاحتمالات والظواهر، وأنه إذا ما أردنا أن نلغي ‹العالم الظاهر› نهائيًا بالنقمة والسذاجة الفاضلة اللتين يزرعهما بعض الفلاسفة فيه. وافتراضًا أن

هذا الإلغاء ممكن، فإنه لن يتبقى من ‹حقيقتكم› أي شيء كذلك. بل ما الدافع في الواقع إلى إجبارنا على التسليم بأن هناك تعارضًا جذريًا بين ال‹حقيقي› وال‹كاذب›، ألا يكفي أن نقر بدرجات ما في الظاهر،

كما يقال، درجات ألوان وتآلفات شبه صافية وشبه داكنة، ن سب أضواء وظلال مختلفة، إذا شئنا استعمالِ لغة الفنانين التشكيليين.» لكن قرار إبطال العالم الصادق ليس عملية سهلة؛ فإلغاؤه قرار خطر لأنه لا يختلف عن قرار قتل الإلهِ. وإعلان موت الإله أوجد قيمً جديدة، لكنها لا تختلف عن سابقتها إلا في الشكل، أمّا المضمون فهو

نفسه. لقد تم فقط استبدال قيم عدمية، أوثان الإنسان الأخير، بقيم عدمية أخرى، أوثان الإنسان المتقدم. لفهم ذلك، يمكن أن تستعير مفهوم العوالم المتوازية المستعمل في نظرية العوالم الممكنة.

العالم الصادق كعالم متواز

إن تناول العالم الصادق، بالسلب أو الإيجاب، بإثباته أو بنفيه، يفترض استحضار عالم آخر، عالم مخالف،

مناقض للعالم الصادق من حيث مبادئه وخصائصه وقضاياه. فمثلً عالم المُثل الأفلاطوني يستدعي

افتراض عالم الكذب الذي يُعتبر عالمًا ناقصًا. وداخل الكهف تتخفى الحقيقة ويسيطر الوهم. ومع أن

أفلاطون لا يصرح بذلك، فإنه يفكر في العالم الصادق بصيغة التوازي مع العالم الكاذب؛ إنه نوع من التوازي العمودي. وعلى الرغم من أن عالم الفكرة والمثال يتجه إلى الأعلى وأن عالم الظاهر يتجه نحو الأسفل، نحو الأرض، فإن العالمين متاوزيان، بحيث إن إثبات أحدهما يستلزم بالضرورة إثبات الآخر، وأن نفي أحدهما يستلزم نفي الآخر. الشيء نفسه ينطبق على التصور المسيحي للعالم، فابتداع العالم الآخر، العالم الصادق الثاني، لا يتحقق إلا بنفي العالم الموازي له، عالم الحس والمظاهر. ولا يختلف الأمر عند كانط ولا عند الوضعية؛ فنكران العلم الوضعي للعالم الصادق ينتج منه نفي العالم الظاهر. والعلاقة المفترضة

بين العالمين هي علاقة التوازي، علاقة تتطلب التلازم بين العالمين كما لو كنا أمام شيء وظله. أما نفي هذا الشيء أو إلغاؤه، فيستلزم نفي ظله وإبطاله. هذه هي النتيجة التي خلص إليها نيتشه في نهاية حكايته لخرافة العالم الصادق، وهذا ما تقف عليه في هذه العبارة: «لقد ألغينا العالم الصادق، أي عالم سيظل هناك؟ ربما العالم الظاهري؟...كلا! فمع العالم الصادق ألغينا أيضًا عالم الظواهر!» (ظهيرة: لحظة الظل الأقصر، نهاية أطول خطأ، أعلى أعالي الفلسفة، هنا يبدأ زرادشت.) إن إلغاء أحد العالمين يستوجب إلغاء العالم الآخر، فيكون الحاصل هو العدم، أي إن موقف الإلغاء يسقطنا في العدمية، ولكنها عدمية إيجابية، لأنها استطاعت أن تقطع مع خرافة العالم الصادق وتضع حدًا لأطول غلط في تاريخ الفلسفة. العدمية في مظهرها الإيجابي تقتضي إرساء جغرافيا جديدة للتفكير

الفلسفي، فضاؤها ليس سماء المُثل الأفلاطونية، وإنما هو سطح المحايثة حيث يحدث الحدث وتتدفق الحياة. يقول نيتشه: «نحن نروم ونستهدف أرضًا بكرًا لا أحد وضع حدودها، إنه ما وراء كل الأراضي

والخبايا المعروفة إلى حدود الآن، عالم يفيض بأشياء جميلة، غريبة، مرعبة وإشكالية؛ وهناك كثير من الأراضي البكر التي يجب اكتشافها. لقد حان الوقت أيها الفلاسفة فلترضعوا مدادكم». ما هو العالم الممكن بالنسبة إلى نيتشه؟

الإمكان الجذري للعالم

لمّا كان العالم الصادق لا يوجد لا في الأذهان ولا في الأعيان، وكان مجرد خرافة استبدت بتاريخ الفلسفة

منذ أفلاطون حتى العصر الحديث، حين اختلق هؤلاء، إضافة إلى المسيحية، خيالات وأوهامًا بشأن العالم

الصادق، ظنًّا منهم أنه المخلّص من المعاناة والآلام التي هي من صميم هذا العالم، أي العالم الأفضل، وإذا كان نيتشه أعلن القطع الجذري مع الأغلاط التي وقع فيها كبار الفلاسفة في منظورهم للعالم، فإنه كان ملزمًا ببسط منظور جديد وتأويل مغاير للعالم الممكن. فما هو هذا العالم؟ تقتضي مقاربة هذا التساؤل أن نسجّل بعض اللوازم المترتبة عن المقدمات السابقة، وهي: - لا يقبل نيتشه تعويض العوالم المستحيلة -العوالم الصادقة- بعالم آخر، عالم خارج عن هذا العالم، عالم الأرض، هنا والآن. العالم عند نيتشه ليس «العالم المتسامي»، بمعنى العالم المتجاوز عالمنا، عالم الحواس، أي ليس عالم الأفكار والمثاليات والمطلقات والثوابت والقيم الأخلاقية. فما يطمح إليه نيتشه هو التخلص من التمييز القديم بين العالم الصادق، العالم الحقيقي، وعالم المظاهر، بإبقاء هذا العالم الأرضي فقط. بمعنى آخر، إن الفكر النيتشوي يقوم على رفض الفكر الآخر القائم على النظرة الثنائية التي فحواها أنه إلى جانب عالمنا الوهمي، المتغير، المتناهي، يقوم عالم حقيقي خالد، مناهض للعالم الظاهر.

(36) Nietzsche, Par-delà le bien et le mal , § 202.

- يشارك نيتشه دعاة نظرية العوالم الممكنة اعتقادهم أن هذا العالم هو أفضل العوالم. يبدو أننا على مرأى

عالم فيه وفرة كبيرة من الأشياء الجميلة، الغربية والمريبة، المرعبة والرائعة. عالم الصحة الكبرى، عالم

نستمتع فيه، عند كل محنة، بصحة أفضل. - لا تعني أفضلية العالم أنه عالم الثبات والهدوء، عالم الاستقرار والسكينة. العالم هو التغير والصيرورة

بلا ثبات. هنا نجد تصورًا جديدًا لهذا الوجود على نحو لا يُفهم فيه أنه عكس الصيرورة، بل يحمل

الصيرورة في داخله. وإذا كان التأويل الميتافيزيقي السابق ينم عن كراهية الصيرورة لمناقضتها للأبدي

والسرمدية ولمفارقتها لفكرة العالم الثابت، فإن نيتشه سيوحد بين الوجود والصيرورة، ويقرنهما معًا

بفكرة «العَود الأبدي». - خلافًا لخصائص العوالم الممكنة، ليس العالم عند نيتشه متسقًا، بل متناقض، وليس تامًا بل ناقص. إنه

عالم اللانظام؛ ففي العالم فوضى الوجود ومتاهته: «إن طبيعة كل العالم هي منذ الأزل طبيعة الفوضى،

ليس بسبب غياب النظام، التمفصل، الشكل، الجمال، الحكمة، وذلك مهما تكن مقولاتنا الجمالية

الإنسانية... فما هو بكامل ولا جميل ولا نبيل، ولا يريد أن يحاكي شيئًا من هذا القبيل، إنه لا يطمح لأن

يحاكي الإنسان... إنه لا يعرف قانونًا قط. لنحذر أن نعلن أن هناك قوانين في الطبيعة. ليست هناك إلا

حاجات.... منذ أن تعلم أنه ليست هناك غاية، فإنك ستعلم أن لا صدفة هناك. فكلمة الصدفة ليس لها

معنى إلا بالقياس إلى عالم الغايات». ويظهر هذا التناقض في شخصيه نيتشه وفي فلسفته؛ فهو يجمع

بين الانحطاط والصعود، بين المرض والصحة، بين المعاناة والمرح، بين ديونيزوس وأبولون، بين الظاهر

والعمق، بين اللذة والألم. - العالم هو الحياة؛ فعالم نيتشه يتأسس على الحياة باعتبارها قيمة القيم، والحياة هي مبدأ الكون، هي المنطلق

والمقصد في العالم. ولا نحتاج إلى البحث عن الحياة في الخارج، لا في عالم الفكر ولا في العالم الآخر ولا في

المتعالي، في «النومين». الحياة هي الحياة كما نحياها هنا والآن. - العالم هو «إرادة القوة»، الإرادة التي يكتسب الإنسان وفقها قيمته من خلال مقدار القوة التي يستطيع

تحصيلها والاستيلاء عليها. سيكون العالم المرئي من الداخل، العالم المعرَّف والمشار إليه انطلاقًا من

«خاصية معقوليته»، سيكون بالضبط «إرادة قوة»، لا غير. - في عالم نيتشه، تنعدم الحتمية والسببية بالمعنى الذي نجده في عالم الإمكان المنطقي، وهذا ما نقف عليه

عند نيتشه في هذا التصريح: «لا يجب أن نرد ‹السبب› و‹النتيجة› بطريق الغلط إلى جواهر، كما فعل علماء

(37) Frédéric Nietzsche, Le Gai Savoir («La Gaya Scienza») , Traduit par Henri Albert, 3eme ed. (Paris: Société du Mercure de France, 1901), § 382. (38) Comme le monde du devenir chez Héraclite. (39) Nietzsche, Le Gai Savoir , § 109. (40) Frédéric Nietzsche, Ecce Homo , trad. de l’allemand par Alexandre Vialatte, Collection Classiques de la Philosophie (Paris: Gallimard, 1937), livre «pourquoi je suis si long», § 2. (41) Guillaume Tonning, «Nietzsche, critique de la causalité,» Linx , no. 54 (2006), (mis en ligne le 1 Août 2007, consulté le 14 Octobre 2012), sur le Web: <http://linx.revues.org/513>.

الطبيعة أو من سار على منوالهم... لا يجب أن نستعمل اللفظين إلا كمفهومين خالصين، أي كفعلين

ناتجين عن التواضع والاتفاق وصالحين لتحديد والتفاهم لا لتفسير أي شيء ما. في ‹الشيء في ذاته›

لا وجود للعلاقة سببية ولا للاقتران الضروري، ولا للحتمية السيكولوجية. هنا لا تكون النتيجة تابعة

للسبب، لا يوجد ‹قانون›. نحن وحدنا من اختلق السبب، التعاقب، المماثلة، النسبية، الإكراه، العدد،

القانون، الحرية، العقل والغاية، كاصطلاحات. وعندما نقحم خطأ هذا العالم من الرموز المختلفة في

ال -أشياء- وندمجه فيها كما لو كان ينتمي إلى ‹الشيء في ذاته›، فإننا نتصرف، كما نفعل دومًا، أي إننا نخلق

ميتولوجيا ما.» ولإعفاء القارئ من حرقة السؤال عن إمكانية العيش في هذا العالم بهذه الصفات والخصائص، يجيبنا نيتشه

بأن ذلك ممكن بواسطة «حب القدر»، وأن نقول لهذا العالم «نعم!»