العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الطابع ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية قراءة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

الطابع ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية قراءة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

The Post-Modern Nature of the Post-Colonial Novel: A Reading of Season of Migration to the North

أبوبكر عبد الرازق

Abu Bakr Abdel-Raziq Mohammed

الملخّص

تتناول هذه الدراسة إشكالية التمثيل والهيمنة التي يجسدها فكر الحداثة، من خلال مقاربة تتوخى البحث عن الطابع ما بعد الحداثي الذي يسم الرواية ما بعد الكولونيالية، بوصفها طريقة لمقاومة هذا التمثيل المجحف، وخطابًا مغايرًا وبديلًا من الحداثة الأوروبية وتقاليدها الكولونيالية، إذ تشتغل هذه الدراسة على نص رواية موسم الهجرة إلى الشمال ، ومقابلتها بفلسفة تيار ما بعد الحداثة ومقولاته، لتخلص إلى تحديد سمتين مركزيتين تعيدان تعريف ما يمكن تسميته بـ "الرواية ما بعد الكولونيالية".

Abstract

Abstract: This paper investigates representation and hegemony as embodied within the idea of modernity through showing how the post-modern nature of the post-colonial novel is used to resist this unfair representation, and as an alternative discourse to European modernity and its colonialist traditions. The study explores this through a close reading of the novel Season of Migration to the North and compares its text and discourse(s) it to the philosophy and propositions of the post-modern trend. The paper concludes by demarcating two central features that redefine the post-colonial novel.

الكلمات المفتاحية:
  • الرواية ما بعد الكولونيالية
  • ما بعد الحداثة
  • صناعة الآخر
  • الحداثة
Keywords:
  • Post-Modernism
  • Post-Colonial Novel
  • Modernism
  • Other

قراءة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

«في العالم الحديث الذي هجرته الفلسفة، والمقسم إلى مئات التخصصات العلمية، تظل الرواية مرصدًا أخيرًا لنا يُمكِّ ننا من احتضان الحياة اإلنسانية بوصفها كلً».

أرنستو ساباتو - رواية الملاك المُهلِك

بوصفها طريقة لمقاومة هذا التمثيل المجحف، وخطابًا مغايرًا وبديً من الحداثة الأوروبية

وتقاليدها الكولونيالية، إذ تشتغل هذه الدراسة على نص رواية موسم الهجرة إلى الشمال، ومقابلتها بفلسفة تيار ما بعد الحداثة ومقولاته، لتخلص إلى تحديد سمتين مركزيتين تعيدان تعريف ما يمكن تسميته ب «الرواية ما بعد الكولونيالية».

مقدمة

مثلت حالة ظهور أدب ما بعد الكولونيالية Post-colonialism ودراساتها، بوصفها موضوعات وأساليب وتقنيات ومعالجات أدبية ومعرفية مغايرة، لحظةً فارقة وجوهرية؛ ليس فقط من خ لاا طرحها الرافض موضوعيًا لنموذج الإنتاج الأدبي والمعرفي ضمن الشرط الحضاري للحداثة

الكولونيالية، بل في اتكائها كليًا على براديغم جديد ومتفرد، مناف تمامًا لماهية الحداثة، ومعارضًا لها

منذ بداياته حال كونه أدبًا «ما بعد حداثيًا» في جوهره. ولئن كان الطابع ما بعد الحداثي في مجمل

أدب ما بعد الكولونيالية، من المسائل التي يُجادل حولها، كونها غير واضحة بذاتها، ما لم يعقبها جهدٌ

نظري يسعى لإبرازها وتوضيحها، وبخاصةٍ أن عدم وضوح الطابع ما بعد الحداثي يصدق على معظم صنوف أدب ما بعد الكولونيالية؛ فإنه لا يبدو كذلك في الرواية ما بعد الكولونيالية، لعدة أسباب تعود في الأساس إلى الخصوصية التي يكتسيها هذا النوع، في موضوعه وأساليبه في المعالجة الروائية، بما ينسحب على العملية السردية وتقنياتها، وعلى مجمل المعمار الروائي فيها، منتجًا خطابًا روائيًا متميزًا،

منح الرواية ما بعد الكولونيالية طابعها ما بعد الحداثي الواضح، وهو ما حاولت الإستراتيجيات المبكرة للحداثة (المركزية الأوروبية وصناعة الآخر) في طورها الكولونيالي، وتطورها الإمبريالي ال حق، إلغاءه وطمس معالمه؛ طورًا بإنكار اختلافه وغمره في سياقات واسعة من الوصف ضمن

أنواع من الأدب مختلفة، وتارةً بمنحه اعترافًا غير كامل، سرعان ما يتوارى أو يُغلف، خلف الأساليب

البلاغية المخاتلة للخطاب النقدي الحداثي/ الكولونيالي المسيطر. عطفًا على ما سبق، يعالج هذا المقال موضوعه من خلال عرض حجته المركزية، القائلة بأن الرواية ما بعد الكولونيالية هي رواية ما بعد حداثية بامتياز، استنادًا إلى تحديد جوهري وبسيط، ينظر إلى ما

بعد الحداثة بوصفها خطابًا نقديًا متميزًا، مغايرًا ومضادًا للحداثة، وهو ما سنبرهن عليه بتحليل رواية

موسم الهجرة إلى الشمال نصًا ومنطوقًا وتقنيات، ومقابلتها بنصوص ومقولات تشتغل على مفاهيم

ما بعد حداثية؛ إذ سيحتل هذا الجزء إجرائيًا القسم الثاني من المقال، أما القسم الأول فمخصص

لتجلية شبكة المفاهيم التي يقارب من خلالها المقال موضوعه.

البناء النظري والمفاهيمي: حالة ما بعد الحدثة؛ محاولة للفهم

«فلتكن لديك الشجاعة والجرأة لاستخدام عقلك». حينما أورد كانط هذه العبارة في مقاله الشهير «ما هو التنوير؟» في العام 7841، لم يكن ليعرف، أنه سيتم النظر إلى هذا المقال وباستمرار،

(((صدرت أول طبعة لرواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمالعام 9661 عن دار العودة ببيروت، وهو لم يكن أول روائي

يكتب بالعربية متناولً سؤال العلاقة بين الشرق والغرب، فقد سبقه الروائي المصري توفيق الحكيم 987-1898(1) برواية عصفور من

الشرقالمنشورة عام 9381، والروائي والكاتب المصري يحيى حقي (992-1905 1) في روايته قنديل أم هاشمالمنشورة عام 9441،

وكتب عن هذه العلاقة أيضًا الروائي اللبناني سهيل إدريس (2008-1925) في روايته الحي اللاتينيالمنشورة عام 953.1 إلا أن أهم ما يميز رواية صالح عن سابقاتها، هو ما يسميه الناقد والكاتب المصري رجاء النقاش ب «الموقف الحضاري للكاتب الفنان». انظر:

أحمد سعيد محمدية (إعداد وتقديم)، الطيب صالح عبقري الرواية العربية (بيروت: دار العودة، 9761)، ص.88-80 (((إيمانويل كانط، جواب عن سؤال ما هي الأنوار؟، ترجمة حسين حرب، موقع حكمة، شوهد في، في:2017/2/28

goo.gl/evkbdh

على مدى القرون القادمة بوصفه بيانًا تأسيسيًا لعصر الأنوار، لا في ألمانيا فحسب، بل في كامل

أوروبا وبقية العالم. كان كانط يسطر رده على سؤال تقدم به رجل دين مسيحي، تولت إحدى الصحف طرحه، فجاءت الإجابة بهذا المقال، الذي سيُشرع أبواب التاريخ أمام عصر كامل، غيرت

فلسفته وأفكاره وجه العالم وإلى الأبد، وسيُمهِّد لحداثة أطلقت مارد العقل من قمقمه، ف سلطة

تعلو فوق سلطته المطلقة، عصر سينطلق منتشيًا ترفرف فوقه كلمات وشعارات كبيرة، من قبيل

«العق نااية»، و«الحرية»، و«المعرفة»، و«التقدم»، من دون أن تعوق مسيرته أي عقبة، وقد تجاوز كل السلطات، سلطة الخرافة وال مااعقول وأوهام العجز البشري، بل وسلطة الطبيعة نفسها، كما تخلص أيضًا من أكبر العقبات؛ فأصبح بمقدوره أن يفكر بشجاعة وجرأة. يستشهد ديفيد هارفي بكلمات هابرماس في وصف حالة الانبهار بالحداثة التي فجرتها أفكار التنوير: «[كانوا] مأخوذين بتوقع مفرط مؤداه أن الفنون والعلوم ستجلب ليس فقط السيطرة على قوى الطبيعة، وإنما كذلك فهم العالم والذات، والتقدم الأخ قااي والعدالة في المؤسسات، بل والسعادة لبني البشر». تُشخِّص كلمات هابرماس حقبة الحداثة Modernity المتفائلة بتحطيم قيود العقل وقهر سلطة

اللامعقول، إذ غدا الإيمان بقدرة العقل البشري حقيقةً لا مِراء فيها، وأداة لمعيارَيِ الصِّحة والخطأ،

إيمانًا لا تحده حدود، ويصبح معه العقل والمعرفة العلمية – بحسب المعايير الموضوعية آنذاك - هما لاهوت الحداثة المتعطشة للحرية والتقدم. وحده القرن العشرين، كان قمينًا بإثبات العكس.

يشير هارفي إلى أن تجربة الحربين العالميتين ومعسكرات الموت وفِرَقه، وخطر الفناء النووي في

كارثتي هيروشيما ونغازاكي؛ كلها كانت كفيلة بتمزيق ذلك التفاؤل المشبوب بالحداثة، ليصاغ السؤال الأشدّ وضوحًا وصرامة: هل كان المنطق الذي يقبع خلف عقلانية التنوير هو منطق هيمنة

واضطهاد؟ ومن ثم تبدأ سلسلة التشكيكات التي لن تسلم منها جميع قيم التنوير والحداثة، رياح جديدة تمامًا، حملت أفكارًا مختلفةً جذريًا، هبت على أوروبا، مهد الحداثة وراعي

قيمها السامية. وقد كانت هذه الأفكار قد وجدت لها – قبل كارثة الحربين - صدى مبكرًا في الأعمال الفلسفية

لنيتشه، حينما كتب على نحو نبوئي باسم القرون التي ستشهد الكارثة: «ما أرويه لكم هنا هو تاريخ القرنين القادمين، أصف ما سيأتي، ما لن يأتي مخالفًا لما أقول، إنه تنامي العدمية [...] ما الذي يجعل الآن العدمية حتمية؛ لأن قيمنا ذاتها التي سادت حتى الآن تستخلص آخر استنتاجاتها من خ لاا

العدمية، لأن العدمية هي آخر مآل منطقي لقيمنا الكبرى، ولمثلنا الأعلى، لأنه علينا أولً أن نجتاز

(((ديفيد هارفي، حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي، ترجمة محمد شيا (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص.31 (((المرجع نفسه، ص.31 (((هناك مساهمات عدَّة سعت لتقديم مقاربات نقدية للحداثة من منظور جديد ومغاير، كونها تنطلق في هذه المهمة من مواقع

التخوم لتناقش سؤال الإنتاج المعرفي في سياق الحداثة، حول ذلك انظر: إسماعيل ناشف، العتبة في فتح الإبستيم، ط 2 (بيروت: دار الفارابي، 2014)، ص 93، 94،.95

العدمية لكي ندرك القيمة الحقيقية لهاته ال (قيم) التي سادت فيما مضى. مهما تكن هاته الحركة فإننا سنحتاج يومًا ما إلى قيم جديدة». ولكنها أيضًا – أعني هذه الأفكار الناقدة والرافضة لقيم الحداثة - ستجد صداها أكثر في أعمال فلاسفة ومفكرين لاحقين؛ كهوركهايمر وأدورنو وألتوسير ودريدا وفوكو وليوتار، وآخرين غيرهم؛ إذ بينما كان انشغال جميع هؤلاء من داخل تخصصاتهم، فعالجوا الفلسفة وعلم الاجتماع والنقد الثقافي من منظور ما بعد حداثي، فإن ليوتار اتخذ من ما بعد الحداثة موضوعًا للاشتغال المعرفي ومشروعًا لحياته يجب التعريف به في آن، إلى الدرجة التي حملتْه على كتابة كتاب بعنوان شرح ما بعد الحداثة للأطفال، نشر في العام 9861، ولم يكن ذلك مستغربًا من فيلسوف ينظر إلى ما بعد الحداثة Postmodernity

على أنها «تهذب حساسيتنا تجاه الفوارق والاختلافات وتقوي قدرتنا على التسامح». وعلى الرغم من أن ما بعد الحداثة - بوصفها موضوعًا للدراسة والتفكير - قد حظيت بهذا الزخم

الكبير الذي لم يحظَ به موضوع آخر في القرن العشرين، فإنها ظلت وباستمرار على تضاد مع أي محاولة للحصر أو القولبة المفاهيمية، تلك التي تسعى لوضع كل شيء في قالب مفاهيمي ضيق، وإيجاد تعريف محدد له. كتبت برندا مارشال معبرة عن ذلك: «[أن] إحدى نتائج النظر إلى ما بعد الحداثة بوصفها وعيًا بالوجود، داخل طريقة للتفكير، هو الاعتراف بأن هذا الوعي ينكر على المتكلم

طمأنينة تحديد مصطلحات هذه اللحظة تحديدًا قاطعًا»، ما يعني أن ما بعد الحداثة تظل وفية

بقوة لذاتها كبراديغم بديل في المعرفة، ينهض على قيم معرفية مغايرة وبديلة هي الأخرى لكل ما هو حداثي. وتستطرد مارشال بأن حالة اللاطمأنينة في التحديد الاصطلاحي لما بعد الحداثة «لا تعني نوعًا ما من العجز المعرفي، وإنما [هي] ببساطة تخلٍّ واعٍ عن ترف الحقائق المطلقة»، لذلك ربما لن تجد في وصف حالة ما بعد الحداثة، أفضل من نص هو ذاته يتضمن وعيًا ما بعد وعيًا ما بعد

حداثيًا، وهذا ما قدمته برندا مارشال نفسها، في وصف حالة ما بعد الحداثة بأنها لحظة منطقية أكثر

منها زمانية، فهي لحظة قطيعة وتغير، في أشكال وعينا، إنها ذات علاقة بالكيفية التي نقرأ بها الحاضر،

(((فريدريك نيتشه، إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم، ترجمة محمد الناجي (المغرب: دار أفريقيا الشرق للطباعة والنشر، 2011)، ص 7،.8 (((لمزيد من التفصيل حول نقاشات ما بعد الحداثة خصوصًا لدى ليوتار، انظر:

Jean-Francois Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge (Manchester: Manchester University Press, 1984); D. Harvey, The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change (Oxford: Blackwell, 1990).

(((أحمد عبد الحليم عطية وآخرون، ليوتار والوضع ما بعد الحداثي، سلسلة أوراق فلسفية (بيروت: الفكر المعاصر/ دار الفارابي، 2011)، ص.17 (((ليندا هتشيون، سياسة ما بعد الحداثية، ترجمة حيد حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.22 1(((برندا مارشال، تعليم ما بعد الحداثة: المتخيل والنظرية، ترجمة السيد إمام (القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2010)، ص.13 (((1 المرجع نفسه، ص.14

وكذلك الكيفية التي نقرأ بها الماضي، وفي الإمكان وجودها في رواية من القرن الماضي، بالقدر الذي لا يمكن معه وجودها في مجلة نيوزويك، أو المتخيل السردي لجون جيكس. يبدو أن هذا الفهم المتماسك لما بعد الحداثة، لا يكتفى فقط بمراجعة تجربة الحداثة الأوروبية ونقدها، ومحصلاتها الكارثية، في المجالات السياسية والاجتماعية والمعرفية، أو حتى يطرح ما بعد الحداثة نفسها بديلً من الحداثة، وإنما يمضي أبعد من ذلك ليُنمِّي وعيًا كونيًا يتجاوز المركزية الأوروبية، ويُفرد

طاقاته موسعًا مفاهيم مثل المجال السياسي والاجتماعي والمعرفي، تلقاء فهمٍ كونيٍ شامل، لا تتجزأ

فيه هذه المجالات إلا لتضمن معرفة كونية أوسع شمولً من ضيق الأطر المعرفية للحداثة. إن حالة ما بعد الحداثة، كما تم فهمها من خلال القراءات والتفسيرات التي مرت معنا، وكما يتم فهمها وتوظيفها في هذه الدراسة، يمكن أن تدرك كعقلانية بديلة من الحداثة، وكحالة معرفية ومزاج فكري وبراديغم علمي، أكثر من كونها حقبة يمكن تحديدها كرونولوجيًا. وهي – حال كونها براديغم وحالة معرفية وعقلانية بديلة - صاغت ما بعد الحداثة، أنموذجها الخاص للإنتاج المعرفي، ومهَّدت لظهور تيارات أدبية ونقدية؛ كانت لها مساهماتها الأصيلة والمركزية في

تدعيم حالة التشكيك في الحداثة، وتقوية النزوع تجاه البحث عن صيغ عقلانية بديلة، فجاء تيار ما بعد الكولونيالية في النظرية النقدية والرواية، أحد أهم الأوجه المعرفية الجديدة لحالة ما بعد الحداثة، وهو ما سنعمل على فهمه وتجليته في ما يأتي.

ما بعد الكولونيالية ومفاهيم أخرى

ظهر مصطلح ما بعد الكولونيالية بداية ليشير إلى تأثيرات الاستعمار في ثقافات المجتمعات التي خضعت له، ويتضمن المصطلح معنىً تسلسليًا تاريخيًا واضحًا؛ إذ تم استخدامه ضمن تحقيب

تاريخي معين، ليصف مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ضمن سياق مثلته دول ما بعد الاستعمار. وتعدّ غاياتري سبيفاك أول من استخدمت المصطلح في سلسلة مقاب ت أجريت معها نشرت عام 9901 بعنوان «النقد ما بعد الكولونيالي» The post-colonial critic، وتعدّ دراسة سبيفاك «هل بإمكان التابع أن يتكلم؟» أولى البدايات الجدية داخل نسق أكاديمي في اجتراح ما يسمى اليوم بدراسات ما بعد الكولونيالية. ويرى أشكروفت وآخرون أن ما بعد الكولونيالية جاءت نتاج لدراسة قوة التمثيل

(1((المرجع نفسه، ص.16-15 (1((بخصوص دراسات التابع وقضايا النسوية ونقد الحداثة والمركزية الأوروبية، ومراجعات سبيفاك لدراستها الأساسية، يحسن الرجوع إلى:

Gayatri. Ch. Spivak, A Critique of Postcolonial Reason (Massachusetts: Harvard University Press, 1999), pp. 198-311; Gayatri. Ch. Spivak, «Subaltern Talk, An interview with the editors,» in D. Landry & G Maclean, The Spivak Reader (NY.: Routledge, 1996), p. 307; Gayatri. Ch. Spivak, «Can the Subaltern Speak?» in C. N. Lawrence et al, Marxism and Interpretation of Culture (Chicago: University of Illinois Press, 1988), p. 271; D. Chakravarty, Provincializing Europe: Postcolonial thought and historical difference (Princeton: Princeton University Press, 2000); R. J. C. Young, Pos-tcolonialism: A historical introduction (London: Blackwell, 2001).

المسيطرة داخل المجتمعات المُستعمرة أواخر السبعينيات. ويعتقد العديد من الدارسين، أن صدور

كتاب إدوارد سعيد الاستشراقفي 9781 كان له تأثيره الواضح في بروز تيار ما بعد الكولونيالية في النظرية النقدية. وقد جرى دائمًا الإصرار على وضع الواصلة بعد السابقة post- تمييزًا لدراسات

ما بعد الكولونيالية، بوصفها حقً معرفيًا قائمًا بذاته، موضوعه هو نظرية الخطاب الاستعماري

نفسه، بينما عُنيت في موضوعاتها بالتعبير عن الأعمال الأدبية للعالمين الثالث والرابع، كما وُظفت

إستراتيجية ما بعد الكولونيالية في تناول الخطاب الاستعماري وفحص تأثيراته في المجتمعات المستعمرة واستجاباتها له، في العديد من الأعمال الروائية. ومن خ لاا تتبع مساهمات إدوارد سعيد وسبيفاك، يمكن ملاحظة الثراء النوعي الذي ساهم الاثنان في إضافته إلى دراسات ما بعد الكولونيالية وأدبها، إذ يعدّهما حميد دباشي مؤسسَين لهذا التيار النقدي،

وخصوصًا سبيفاك، التي يصف دورها بأنه كان طوق النجاة الذي أنقذ كتاب تيار ما بعد الكولونيالية

ومثقفيه، من السقوط في مطب النعرة المحلية الموهنة، فهي لم تعلمهم فقط كيف يتم استئناف نقد موضوع السيادة، على أثر إدوارد سعيد، من موقع الذات الخاضعة وداخل حدودها الوطنية، ولكن فوق ذلك بينت سبيفاك كيف يمكن نصب الكمائن والفخاخ للعدو في أرضه، باستخدام مصطلحاته، وأسلحته.

المركزية الأوروبية واختراع الآخر، أو الروح الحداثية لأوروبا

عُرفت المركزية الأوروبية Euro-centrism بأنها عملية أو إستراتيجية واعية أو غير واعية، جرى من

خ لااها تشكيل أوروبا والافتراضات الثقافية الأوروبية، بوصفها المألوف الطبيعي أو العالمي، أي بوصفها الحقيقة التي تكتسب صفة الصحة، وإذًا، هي المقياس أو المعيار لكل ما عداها. وبحسب خوسيه راباسا فإن أوّل الع مااات على المركزية الأوروبية وأقواها، كان هو المسقط الخاص الذي

استخدم لتصميم أطلس ميركاتو، وهو مسقط تحيز للأراضي المعتدلة في القارة الأوروبية، في توزيع

حجم المناطق على الخارطة. فبدلً من كون خارطة العالم مخططًا موضوعيًا للقارات المكتشفة،

أصبحت تجسيدًا أيديولوجيًا وميثولوجيًا للمساحة «تتيح أراضي العالم للسيطرة والاستغ لاا» من

خلال وضع أوروبا على قمة الخريطة. في الاتجاه الثاني، كانت صناعة/ اختراع الآخر Othering هي الذراع الثانية للآلة الاستعمارية الأوروبية، فهي أشبه بإستراتيجية استعمارية تشتغل على عملية تشكيل الآخر/ صناعته/ اختراعه، لامتلاكه ونبذه،

(((1 بخصوص إسهامات إدوارد سعيد حول نقد الاستشراق والهيمنة والاستعمارية، انظر:

Edward W. Said, Orientalism (New York: Vintage Books, 1994); Edward Said, The World, The Text, The Critic (Cambridge: Harvard University Press, 1983); Edward Said, Culture and Imperialism (New York: Vintage Books, 1994).

1(((بيل أشكروفت وآخرون، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وآخرين (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.286-282 1(((حميد دباشي، ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب (دراسات)، ترجمة باسل عبد الله وطفة (إيطاليا: منشورات المتوسط، 2015)، ص.171 (1((المرجع نفسه، ص.164

وتشير أيضًا إلى العملية التي بواسطتها يخلق الخطاب الاستعماري «آخرين» بالنسبة إلى ذاته، وهي تماثل الآخر (الأم/ أو الآخر بحده الأكبر M-Other أو الأب أو الإمبراطورية) التي يتم إنتاج الذات من خلال العلاقة بها، وهي علاقة تسيُد يخلقها خطاب القوة، وتصف صناعة الآخر مختلف الطرائق التي

يخلق بها الخطاب الاستعماري تابعيه، وهي في تفسير سيبفاك عملية ديالكتيكية؛ لأن الآخر المُستعمِر

ينشأ في الوقت نفسه الذي يتم فيه إنتاج المُستعمرين أتباعًا له، ويتم تجسيد هذه «الآخرية» الأبوية، من

خلال الوظيفة التربوية للقوة الاستعمارية. عملت هاتان الإستراتيجيتان، المركزية الأوروبية واختراع الآخر، كحدَّيْ نصل واحد لعملية الاستعمار

الأوروبي، ليس على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، بوصفهما خادمين مركزيين للنظام الرأسمالي، في مراكمة الثروة وخلق حالة تمايز طبقي بين المجتمعات المختلفة، وتركيز السلطة السياسية في يد طبقات محددة، كما لاحظت الماركسية فحسب، بل عملت على إعادة توزيع القيم الثقافية بفرض معايير محددة عليها، معاييرها هي؛ فأصبح المعيار السائد في تقييم جميع هذه القيم وتفضيلها، ابتداءً من الفنون الموسيقية والبصرية (تصوير ونحت ورسم) مرورًا بالآداب (السرد والشعر)

انتهاءً بطرق اللباس والغذاء والترفيه، هو معيار المركزية الأوروبية.

المركزية الأوروبية واختراع الآخر: نماذج من الفن والأدب

يحتجُّ الفنان التشكيلي السوداني والكاتب المنشغل بهموم النقد الثقافي، حسن موسى، على ظاهرة

- تبدو بالنسبة إليه محيرة ومُريبة في الوقت ذاته - ما يُسمَّى في أوروبا وأميركا بالفن الأفريقي، ينتظم

فيها فنانون تشكيليون من أنحاء العالم كافة لا رابط بينهم البتة، سوى سواد البشرة، وأحيانًا الموقع الجغرافي، حتى يشمل التصنيف تشكيليين من شمال أفريقيا، هذا بالطبع في مقابل فن عالمي لن يحلم هؤلاء بأن تدرج فنونهم ضمنه؛ فهو يخص فناني أوروبا وأميركا، أو البيض إن صح التعبير.

يستغرب موسى أولً سهولة قبول من تتم تسميته فنانًا أفريقيًا، بهذا التصنيف المُجحف، ويكتشف

الفنان والكاتب أثناء استضافته في أحد مهرجانات الفن الأفريقي المعاصر، هذا النوع الفني الفريد المخترع أوروبيًا والذي يسميه هو ب «الفنأفريقانية» Artafricanism. ويشرح الكاتب حقيقة هذا الاختراع، فيروي قصة نموذجية، عن نوع آخر من الاختراعات الثقافية، حدثت في العاصمة السودانية (الخرطوم)، منتصف سبعينيات القرن الماضي، والبلاد لم تكمل بعد عقدًا على استقلالها من الاستعمار البريطاني؛ إذ أرادت شركة فرنسية فتح فندق كبير بالخرطوم هو فندق مريديان، جزءًا من سلسلة الفنادق المنتشرة في عواصم العالم بالاسم ذاته. يقول الكاتب إن

مدير الفندق قرر أن يفتتح في إحدى الصالات ما أطلق عليه اسم Sudanese Coffee Corner فزُيِّنت

(1((المرجع نفسه، ص.265-264 (1((لمزيد من الاطلاع حول إشكالات الحداثة والهيمنة، انظر على سبيل المثال:

Nandy Ashis (Ed), Science, Hegemony, and Violence: A Requiem for Modernity (Tokyo: The United Nations University, 1988); M. Berman, All That is Solid Melts Into Air: The Experience of Modernity (London: Penguin, 1988); A. Appadurai , Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996).

الصالة بديكور شرقي من عوالم ألف ليلة وليلة، بينما تنكرت العاملات في المقهى (إريتريات) في هيئة وصيفات، وبزي شهرزادي كما وصفته السينما المُستشرقة تمامًا. كل شيء كان على ما يرام

بالنسبة إلى السائح الأوروبي، لكن كانت المفاجأة أن السودانيين أنفسهم من رواد هذا المقهى، أي مَنْ

يفترض بهم أن يكون هذا الجو الشرقي جزءًا من مناخهم الثقافي، قد تقاسموا مع السياح الأوروبيين

ذات الدهشة الأكزوتية، التي بذلها لهم وكيل رأسمالي أوروبي عادي، لم يكن هنالك ما يُميِّزه عن

غيره، سوى أنه كان يتمتع بخيالٍاستشراقيٍ جامحٍ. وهكذا يكتشف الفنان التشكيلي السوداني، بعد تجوال في أروقة مهرجان الفن الأفريقي، أن هنالك مؤسسات ضخمة لها وك ءاا، لم يكونوا أقل دهاءً من الوكيل الرأسمالي الذي اخترع ركن القهوة

السودانية بالخرطوم، ويعمل هؤلاء الوك ءاا على نشر صيغتهم لماهية الفن الأفريقي، ويسهرون على حراسة هويته وم مااحه التي يُخشى عليها من الانطماس، هذا الفن الذي يقول عنه الكاتب

إنه «نوع جديد يتطور بين حواضر أوروبا وأميركا وأفريقيا، لأن بعض السلطات هنا وهناك تجد فيه مصلحة ما، أخ قااية وسياسية أو حتى اقتصادية، باسم القارة المظلمة ». وعلى الجانب الآخر يرى الكاتب أن الحرية والعفوية التي يدير بها الأفارقة شؤون ميراثهم الثقافي، لم تكن لتُعجِبَ

القائمين على «بيزنس الجمالية العرقية، أو الفنأفريقانية»، الذي يؤسس رأسماله الثقافي، بل السياسي العالمي، على صورة ثابتة ومبهمة ل صأأالة الثقافية الأفريقية. لذلك ستجد على الدوام أوروبيين يترصدون الأفارقة في «أركان القهوة الفنأفريقانية» ليُعبِّروا عن قلقهم وإشفاقهم على

مصير الأصالة الثقافية الأفريقية، وهم بذلك القلق والإشفاق إنما يعبرون عن مخاوفهم الخاصة إزاء «حقيقة بديهية غير مريحة على الإط ق، وهي استحالة إلزام الأفارقة بممارسة ‹دور‘ الأفارقة كما عرّفه الأوروبيون، انط قااًا من المفهوم الأوروبي المُحافظ للعالم، واستحالة تثبيت الثقافة

- الأفريقية وغير الأفريقية - ضمن مفاهيم ضيقة مُستعلية على التاريخ ومُستعصية على قوانين

التحول الاجتماعي». إن البحث عن أمثلة لقوة التمثيل المسيطر التي انتقدها كل من إدوارد سعيد وسبيفاك، وظل يحاربها فنانون تشكيليون، أراد العقل الحداثي الأوروبي أن ينمذجهم وفقًا لخياله، ليس بالأمر العسير، ولا تقتصر هذه الأمثلة على أفريقيا وآسيا فقط، فالمثال التالي يحوم حول تخوم المركز الأوروبي، في محاولة لاكتشاف المدى المؤثر لقوة الطرد المركزي للمركزية الأوروبية، حيث الروائي والناقد التشيكي الأصل مي ن كونديرا، لن يكون هو الوحيد الذي يجأر بالشكوى من هذه القوة النابذة التي تنفيه لتعيد اختراعه على هواها، لكنه بلا شك من أفضل الذين عبَّروا عن ذلك، وصوَّبوا نقدهم

للمركزية الأوروبية، يكتب في الجزء الثاني من كتابه الستارة، بعنوان «الأدب العالمي»؛ أنه فوجئ في

((2(حسن موسى، «من اخترع الأفارقة؟ - الحلقة الأولى» في: الفنأفريقانية. كوم، الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، شوهد في 2017/2/12، في:

goo.gl/AbELy0

((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه.

أيامه الأولى في فرنسا بأنه مجرد (رجل منفي من الشرق)، يقصد شرق أوروبا، فكتب يستعيد ذكرى خريف 9381 بميونخ، حينما تفاوض الأربعة الكبار (ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا) على مصير بلده التشيك، من دون أن يسمحوا لمفاوضي هذا البلد الصغير البتّة، بحقهم في حضور المفاوضات أو في الكلام، فظل دبلوماسيو بلاده ينتظرون طوال الليل، حتى تم اقتيادهم في الصباح عبر ممرات طويلة إلى قاعة، ليخبروهم بمصيرهم، الذي يعدّه الكاتب حكمًا بالموت «بلد بعيد، لا نعرف عنه إلا

القليل». يقول كونديرا إن ما أخبر به الأربعة الكبار مفاوضي تشيكوسلوفاكيا كان صحيحًا إلى حد

بعيد، ففي أوروبا أمم كبيرة، هي التي تفاوض، وأخرى صغيرة تنتظر طوال الليل في الردهة، من دون أن يكون لها حق الكلام. ويمضي الكاتب ليضرب مثالً غاية في الإجحاف، بطله هذه المرة فن الساقا، بوصفه أول الأجناس السردية التي عرفتها أوروبا، فلا الفرنسيون ولا البريطانيون ابتكروا مثله في لغاتهم الوطنية، فقد تشكل في أصغر البلدان الأوروبية (أيسلندا) حيث عدد السكان لا يزيد على ثلاثمئة ألف نسمة حتى الآن؛ يحاول الكاتب أن يتخيل أن الساقا، نثر أوروبا الأول والعظيم، كُتب بالإنكليزية، يقول: «لكانت أسماء أبطالها مألوفة اليوم كما هي أسماء تريستان أو دون كيشوت، ولكان طابعها الجمالي الفريد، المتأرجح بين مجموعة أخبار وقصص خيالية، أثار كومة نظريات؛ ولأثيرت جدالات لتقرير ما إذا كان فن الساقا يمكن اعتباره [بمنزلة] روايات أوروبية أولى أم لا». فبالقدر نفسه الذي لا يفترض فيه الفنان التشكيلي والكاتب حسن موسى، حُسن النية في إستراتيجيات

عمل المركزية الأوروبية باختراعها أسطورة الفن الأفريقي، فإن كونديرا الذي يعدّ شعوب أوروبا الوسطى نفسها ساهمت بقدر كبير في تضخم قوة المركزية الأوروبية، وأبعدت نفسها عنوةً عن هذا المركز، من خ لاا نزعة تملكية ذاتية خاصة بها، تختصر كل عمل أدبي إلى الدور الذي يؤديه في بلده الأم، كونه يُزوِّدُها بالكبرياء إزاء عالم عدائي استعماري يحيط بها، إلا أنه لا يستبعد كذلك، أن

[أوروبا] والعالم ظلا يقبلان بتهذيب أو بخبث التفسير المحلي الذي قدَّمته بلدان وسط وشرق أوروبا

لأعمال فنانيها، بوصفها أعمالً محليةً أو شعبية/ وطنية. على هذا المنوال، كانت المركزية الأوروبية - وما تزال - تعمل على صناعة/ اختراع الآخر، وتسويق

هذا الاختراع له هو نفسه أولً، ومن ثم للعالم، من دون أن يكون هذا الآخر قادرًا على رفضه، إذ يؤدي

تمركز رأس المال بوصفه نتيجة لازمة لأي مركزية، دورًا فعالً في تسويق هذا الاختراع، واستدامته من

دون أي إخلال بتكويناته ومواصفاته، تمامًا كأي سلعة أخرى مصنعة تُباع في الأسواق. وبالعودة أخيرًا إلى الإشارة الخاطفة التي وردت في المقدمة، لدور بيل أشكروفت وغاريث غريفث

وهيلين تيفين، وخدماتهم الجليلة لحقل دراسات ما بعد الكولونيالية - وقد جرى الاستشهاد

(2((ميلان كونديرا، الستارة: بحث من ستة أجزاء، ترجمة معن عاقل (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2015)، ص.37 ((2(المرجع نفسه، ص.38-36 ((2(المرجع نفسه، ص.44-42

بمساهماتهم في أكثر من موضع في هذا المتن - يقول أشكروفت وزم ؤااه في وصف أدب ما بعد الكولونيالية إنه «يشير أساسًا إلى أنواع من الآداب تجاوزت طابعها الإقليمي الخاص والمميز، وعنيت

بعكس تجربتها مع الاستعمار لتبرز التوتر القائم مع القوى الإمبراطورية، وتؤكد اختلافها مع فروض المركز الاستعماري وهو ما يجعلها متمايزة بوصفها ما بعد كولونيالية». على الرغم من هذا الاعتراف الواضح بتميُّز دراسات ما بعد الكولونيالية وأدبها، يُصر أشكروفت

والدارسون الآخرون، على عدِّ أدب الكومنولث البذرة التأسيسية المُبكِّرة لأدب ما بعد الكولونيالية، لا

لأيِّ سبب آخر يُميِّز أدب الكومنولث في ذاته، إلا لأنه كتب بالأساس في اللغة الإنكليزية، سنظلُّ نقرأ

باستمرار مع أشكروفت وهو يكتب عن الروائي والكاتب المسرحي النيجيري وولي سوينكا، عبارات من شاكلة «يرفض سوينكا بشدة [...] يخفق سوينكا في أن يرى كيف تثبت هذه الصورة أنها أكثر

قبول »، ولْننتبهْ جيدًا إلى هذا التعبير «الإخفاق» إخفاق شخص ما، في أن يرى شيئًا محددًا واضحًا

بذاته، إنه من أنصع الدلائل على عدم الكفاءة علميًا ومعرفيًا، وإن شئنا توخي حسن الطوية، فضيق

الأفق والانغ ق. وستظل الصورة التي يُخفق سوينكا في رؤيتها هي دومًا الصورة التي ينحاز إليها

الكاتب الأوروبي بالطبع، أما حينما يصطدم مركب أشكروفت وزم ؤااه، بصخرة صلدة، في مساره وهو ينساب بسهولة ويسر عابرًا في مياه وديعة، مجتازًا أراضي ما بعد الكولونيالية الزاخرة بالعجائب،

وهم يعبون غير آبهين، من ذخائرها؛ صخرة لم يكن وجودها ملائمًا البتة، لأجواء الرحلة تلك التي

مثلها موقف الكاتب والروائي الكيني نغوغي واثينغو، الرافض مبكرًا تجربة الكتابة بالإنكليزية، مُفضِّلً

عليها لغته الأم السواحيلية، فإن تجربة واثينغو لا تعدو أن تكون أكثر من تذكير لأشكروفت وزملائه

«بالمشك ت غير المحلولة بالنسبة إلى الكُتَّاب الأفارقة، الذين يكتبون بالإنكليزية، ويرغبون في الحديث إلى الناس ومن أجلهم، وليس للنخبة المتعلمة والقراء الأجانب فقط»! قد يعود هذا الخلط الذي ارتكبه أشكروفت وزم ؤااه، أساسًا، إلى طبيعة الكتاب الذي كتباه، كونه

يحمل العنوان الفرعي «النظرية والتطبيق في أدب المستعمرات القديمة»، فوضعوا كل بيض الطيور الخرافية المسماة «المستعمرات القديمة»، في سلة واحدة، إضافة إلى أن الكتاب لم يكن مخصصًا

بالتحديد لأدب ما بعد الكولونيالية، ما يجعل الإشارة إلى السمات ما بعد الحداثية لهذا الأدب، ليست موضوعًا مطروقًا، ويظل هذا الاحتمال أشدّ رجحانًا، حينما ننظر إلى مقاربة مؤلفيه لمسألتي ما بعد

الحداثة وما بعد الكولونيالية، فقد جرى المرور عليهما سريعًا من دون تأنٍّ، وتم وصفهما بأنهما [ما

بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة معًا] اشتغلا على موضوعة الاستعمار، وأن أدب ما بعد الكولونيالية

كمادة تم امتصاصها ضمن تقاليد أدب ما بعد الحداثة».

(2((بيل أشكروفت وآخرون، الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق في أدب المستعمرات القديمة، ترجمة شهرت العالم (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية / المنظمة العربية للترجمة، 2006)، ص.17 ((2(المرجع نفسه، ص.215 ((2(المرجع نفسه، ص.219 ((2(المرجع نفسه، ص.258

لكن حتى حينما نُقلِّب عنوانًا صريحًا لأشكروفت وزملائه الدارسين لتيار ما بعد الكولونيالية، ككتابهم

المعنون ب  دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، فإن طموحنا لا يرقى إلى أن ينتبه أشكروفت وبقية الدارسين إلى الطابع ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية، دع عنك مجمل أدب ما بعد الكولونيالية ودراساتها. فمهما بحثنا لن نعثر على أكثر من هذه الإشارة العابرة: «تتراوح المعاني التي يضمها مصطلح ما بعد الكولونيالية المُتقلِّب، بين التأكيد على التأثيرات الخطابية والمادية للإمبريالية

كواقع تاريخي ودمج الاخت ف الثقافي والتهميش في قالب من ما بعد الحداثة المتزامنة »، هذه الإشارة السريعة وغيرها من إشارات مقتضبة وعجولة، سرعان ما تتوارى خلف أسوار البلاغة الكلامية للخطاب النقدي المسيطر، دونما أي تركيز على السمات المهمة والجوهرية لهذا التيار الأدبي وخصائصه المميزة، الناقدة والمتجاوزة لقيم الحداثة.

الطابع ما بعد الحداثي في تضاعيف الرواية ما بعد الكولونيالية

تطبيق على رواية موسم الهجرة إلى الشمال

يحتاج القارئ إلى مستوى عالٍمن التركيز ليتمكَّن من تحديد هوية من يتكلم، في هذه الرواية، ليس

تعدد الأصوات وحده، بوصفه سمةً مركزية ومميزة للطابع ما بعد الحداثي للرواية؛ هو ما يسيطر هنا، بل تعدد بؤَر السرد هو ما سيشدك، فالراوي الذي يفتتح السرد في الفصل الأول، ولن نعرف له

اسمًا البتّة، حتى نهاية الرواية، وهو الحاضر في أهم تفاصيلها، سيظل غُفً. ومع ذلك، لن تحتاج

إلى أن تتساءل عن اسمه. لننتبه في البداية؛ فهذا الراوي ليس هو الكاتب (الطيب صالح) الذي لن تجد له أثرًا، سوى اسمه الذي يُزيِّن غلاف الرواية، فالراوي هنا هو أحد شخوص الرواية المركزيين،

وسنقرأ معه في مفتتح الرواية سردًا بصيغة الماضي النحوي يبدأ ب «عُدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبع سنوات على وجه التحديد»، وعلى الرغم من صيغة الماضي النحوي في السرد، فإن القارئ بقدر جموح خياله، يستطيع أن يتصور الراوي هنا، وهو قد عاد إلى أهله، وهم يتحلقون حوله، يستطيع أن يتخيله وهو يعانق الناس ويبتسم في وجوههم، فرحًا بهم، لأن هذه الصيغة، صيغة الماضي

النحوي، هي وحدها ما سمح بتحويل رواية الأزمنة الحديثة إلى واقع مرئي يمكن مشاهدته، لكن ليس هذا هو فقط ما يكسو هذه الرواية سمْتها ما بعد الحداثية، وليس «التبئير؛ بمعنى إكساب كل ما يسرد

أو يوصف وجهة نظر محددة لأحد شخوص الرواية، كما استعمله كل من كلينث بروكس وروبرت وارن»، إنما تعدد بؤَر السرد هو ما يكسب هذه الرواية صفة ما بعد الحداثية.

((3(أشكروفت وآخرون، ص.44 (3((حول مفاهيم التبئير والخطاب السردي، وهو ما سيمر معنا لاحقًا، انظر: يان مانفريد، علم السرد: مدخل إلى نظرية السرد، ترجمة أماني أبو رحمة، (دمشق: دار نينوى للدراسات والنشر، 2011)، ص 64-63، 79-77،.143 (3((الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال (رواية)، ط 14 (بيروت، دار العودة، 9871)، ص.5 (3((محمد القاضي وآخرون، معجم السرديات (تونس: دار محمد علي ودور نشر أخرى، 2010)، ص.49

سيأخذ بيدك مباشرة في الفصل الثاني من الرواية مع راوٍ آخر، ليس هو الراوي الأول الذي لا يحمل اسمًا، فهذا الأخير الذي افتتح السرد في الفصل الأول بصيغة الماضي النحوي، يحدث معه شيء

يمهد لخروجه من بؤرة السرد، ويمهد لدخول راوٍ آخر، يتولى السرد بدلً منه في الفصل الثاني. حدث هذا التمهيد وسط جلسة احتساء الخمر التي خصصها صديق الراوي منذ الطفولة (محجوب)، للاحتفاء بقدومه، حينما سمع الراوي الأول الصديق المشترك بينه ومحجوب (مصطفى سعيد)، الوافد حديثًا إلى القرية من دون أن يعلم أحد شيئًا عن ماضيه، يتلفظ بشعر إنكليزي، عن أمجاد الحرب

العالمية الأولى، صُعِقَ الراوي وانتفض، وقام من مجلسه ممسكًا ب «سعيد» من تلابيبه، طالبًا منه أن

يُطلعه على حقيقة أمره. يرضخ سعيد لطلب الراوي ويكشف له عن حقيقة شخصيته، لينتهي الفصل

الأول، وقد علم الراوي حقيقة هذا الوافد الجديد. يُنهي الراوي سرده عند هذا الحد، لينتهي الفصل

الأول بآخر جملة يسردها الراوي الأول على مسامعنا: «ولا بد أن وجهي كان مشحونًا بالترقب حين نظرت إليه، ومضى مصطفى ينفث في دخان سيجارته برهة، ثم قال: »[...]. لن نسمع في الفصل الثاني صوت ذلك الراوي الأول. وكأي قارئ عادي للرواية، يسرع لقلب الصفحة التالية، ليعرف بقية القصة. إن الراوي الأول الذي لا يحمل اسمًا، يتأهب هو نفسه لسماع

قصة سيرويها له راوٍ آخر، وكل ما فعله في الأخير، هو أن مهَّد لهذا الراوي الثاني الدخول إلى موقع

السرد بهذه الجملة «ثم قال: [...]» الجملة التي انتهى بها الفصل الأول، من دون أن نعرف من لسان الراوي الأول ماذا قال «سعيد». تتيح الرواية لسعيد نفسه فرصة سرد قصته، من دون أي وساطة من راوٍ آخر، وحده هو من سيرتفع صوته في الفصل الثاني، ليحكي مأساته؛ لن يمثلك أحد، أنت

وحدك ستمثل نفسك، وما من أحدٍ جديرٍ بتمثيل أحد إلا نفسه، ورواية قصته بنفسه، عند هذا الحد من التأويل للمنطق الروائي في موسم الهجرة إلى الشمال، نستطيع أن نحس مع هذه الرواية ونلامس ذرى المنطق ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية، الذي يسيج الانتقال بين بؤَر السرد في مختتم الفصل الأول. يستخدم الكاتب الطيب صالح إستراتيجية تعدد بؤَر السرد في هذه الرواية، بوصفها حيلة وتنويع مركزي، ليس فقط لإضفاء طابع من التجديد والمتعة في العمل الروائي، وإنما – وبالتأكيد - لكسر مركزية الصوت الواحد في العمل الروائي، ولزيادة الابتعاد عن أسطورة الحقيقة الصمدية، وفك طوق احتكارها لطرف واحد، إنه تنويع يرمي بشباكه بعيدًا إلى عمق لم تصله الحداثة التي تطرب فقط لسماع صوتها هي، حابسةً نفسها بين جدران، مهمتها فقط ترديد صدى الصوت الواحد المتلفظ بالحقيقة الصمدية، بينما هي مهمة الرواية ما بعد الكولونيالية/ ما بعد الحداثية، هدم هذه الجدران وإشعال بؤر مختلفة للقول وللحقيقة، وجعل العالم بألسنة متباينة يتكلم بأكثر من حقيقة واحدة. كان كنز السرديات الشرقي (ألف ليلة وليلة) أول ما سُبِق فيه إلى هذا النوع من تعدد بؤَر السرد،

وذلك حينما كان «الراوي من خارج الحكاية يروي قصة من شخصياتها شهرزاد، التي تستلم الخيط

((3(صالح، ص.22

كراوٍ ثانوي إلى أن تترك موقعها للسندباد، فيصبح راويًا من المستوى الثالث»، فقط مع اختلاف

وحيد، لكنه جوهري، وهو أن السرد في (ألف ليلة وليلة) لا رابط منطقيًّا يجمع بينه، سوى وحدة

من يستمعون إليه، ما يعنى أنها وحدة خارجية ليست لها ع قااة بمنطق السرد في ذاته، أو القصة الداخلية والوقائع التي تُسرد، على عكس المنطق السردي في رواية موسم الهجرة، فالرابط المنطقي لتعدد الأصوات وبؤَر السرد ضمني وداخلي. وسينتبه الأكاديمي والناقد جيرار جينت لاحقًا، إلى هذه الإستراتيجية السردية التي وظفت في هذه الرواية، ليدشن مبحثًا نقديًا جديدًا في النظرية السردية بعنوان

المستويات السردية. وبخ ف ما هو معهود، فإن الراوي في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، لم يقطع قط، حبل السرد على «مصطفى سعيد»، كيف يفعل وهو لم يكن هناك البتّة؟ لم يكن في موقع السرد ليقطع دفقه،

بل كان جالسًا يستمع إلى «سعيد»، وإن أطول فصول الرواية سيترك «سعيد» وحده ليروي فيه قصته،

كيف أنه تحول من معجب بالنموذج الأوروبي، إلى كاره له، وساعٍ للانتقام منه، وحتى بعد موته أثناء

فيضان النيل، من دون أن يتم العثور على جثته، ستظل خيالاته وعباراته وصور سرده التي كونتها حكايته، باستمرار تغزو ذاكرة الراوي، ويستعيد مشاهدها، فتقطع على الراوي الغُفل تدفقات السرد، وتمتلئ صفحات الرواية بوجوه عشيقاته، ووصف الأماكن التي كان يرتادها في لندن، على الرغم مما بين القرية التي ترقد على منحنى نهر النيل، وبين عالم «جين مورس» اللندني من تباعد واختلاف، ستظل هذه الرؤى والصور تتداخل وتتقاطع في ذهن الراوي، حتى يخال نفسه أصبح مهووسًا بقصة

«مصطفى سعيد»، الذي أضحى يسكن المكان تمامًا، ليأتي مجددًا ومن دون استئذان هذه المرة،

ويتولى زمام السرد في الفصل قبل الأخير، فيحكي قصة لم نسمعها نحن؛ قصة عن إحدى مغامراته الجنسية مع فتياته البريطانيات، وحده الراوي هو من سمعها، لأنه يستدل على وجه الفتاة التي تؤدي دور الضحية فيها، بواسطة صورتها الموجودة في غرفة «سعيد». يخمن الراوي هنا، أن هذه هي «آن همند» ويؤكد تخمينه التوقيع الذي يزين أسفل الصورة، ليختتم الراوي كلامه بعد أن يصف ملامح وجهها، بالقول: «واضح كل هذا في الصورة برغم تقادم العهد عليها. [ويفتح الكاتب الأقواس بهذا الشكل] »...((، تمهيدًا لكلام «سعيد» الذي سيروي لنا القصة التي لم نسمعها من قبل حينما قصها للراوي الأول.

الرواية التي ترسم صورة/ الصورة التي ترسمها رواية

تعمل الصورة في هذه الرواية كلاحقة للسرد، بالمعنى اللغوي للاحقة التي تأتي بعد كلمة، لتضيف إليها معنى جديدًا، يحدث ذلك حينما تبدأ الرواية بمقطع سردي ينتهي إلى الوصف فيخلق صورة، ينتجها العمل الروائي/ الجملة الرواية أو القول السردي، وتأتي كذلك لتشتغل كبادئة سردية، بالمعنى

ذاته، وهو ما توظفه الرواية في المقطع الذي يبدأ ب «وصف/ صورة، تصبح مبتدأً أو مفتتحًا للسرد»،

((3(القاضي وآخرون، ص.392-391 ((3(المرجع نفسه, ص.391 ((3(صالح، ص.143

فتشعل الخيال الروائي ليرسم صوره متخيلة، من خ لاا السرد الذي تحفزه الصورة، وهو ما تدلل عليه الأمثلة التالية: لا يكاد «سعيد» يُنهي سرد قصته القديمة جدًا بالنسبة إليه، والقديمة نوعًا ما على الراوي، كونه سمعها

من «سعيد» وأتت لتدخل في الزمن الحاضر للقصة، والزمن الماضي للسرد، قصةً جديدةً علينا، لا يكاد كل ذلك ينتهي حتى تدخل علينا قصة أخرى، جديدة كليًا، ولكنها ليست كذلك بالنسبة إلى

الراوي، كونه جزءًا من تفاصيلها، لكنه لم يحكِها، ومرة أخرى يكون المُحفِّز إلى بعثها صورة أحد

شخوص الرواية، لكن ليس «سعيد» من سيتولى سردها هذه المرة، بل صاحبة الصورة نفسها «مسز روبنسون» هي من ستخرج من بين الإطار، فيترك الراوي هذه المرة موقعه لشخصها القادم من الصورة، وصوتها الخارج من صفحات رسالة، يقول: «تقول في رسالتها إليّ: ‹لا أستطيع أن أعبر لك عن مدى

امتناني [...] بلغ حبي لمسز سعيد، أنها تستطيع أن تعتبرني أمًا [...] وكم أنني سأكون سعيدة لو أنهم

أتوا وقضوا معي عطلة الصيف القادم [...] إنني أعيش وحيدة هنا في آل أوف وايت [...] إنني أشغل نفسي بتأليف كتاب عن حياتنا؛ ركي وموزي وأنا (تقصد زوجها ومصطفى ونفسها) [...] سأكتب عن الخدمات الجليلة التي أداها ركي للثقافة العربية». يتكرر دخول «سعيد» واحت لااه بؤرة السرد مرات عدّة، هو ومعه شخوص آخرون، إذ تعمل الصورة

كثيمة مركزية في العمل الروائي، على تحفيز ذاكرة الراوي ليضيف تفاصيلَ وأوصافًا، بعضها سمعها من «سعيد» وبعضها تكشفها له ملامح الفتيات ووجوههن في الصور، ففي الفصل قبل الأخير يدخل «سعيد» مرة أخرى ليروي جانبًا من حياته مع زوجته السابقة جين موريس، حتى لحظة قتله إياها؛ ما

يجعل الأزمان تتداخل في هذه الرواية بصورة مكثفة، وليس الماضي النحوي وحده هو المسيطر على السرد، بل هناك الزمن الحاضر والمستقبل أيضًا، إذ لم يكن ممكنًا قط في السابق في روايات الأزمنة الحديثة، الجمع بين هذه الأزمان في رواية، إلا من خلال الحوار فقط، لكن حتى الحوار لن يستطيع أحد تقديمه في رواية، إلا في صيغة الماضي النحوي، بمعنى أن يأتي محكيًا، وحدها هي الرسالة، ما

يمكنها أن تتولى السرد بجميع هذه الصيغ في آن واحد. رأينا من خ لاا الأمثلة السابقة، كيف تعمل الرواية في عدة مواضع على الصورة الراكدة، في زمنها السكوني/ الصفري، الوصفي، من حيث كون الصورة تثبيتًا للحظة ماضية، بالنسبة إلى منطق الحداثة، فتقوم بتحريك تلك الصورة الساكنة، لتجعل منها صورة منثالة ومتوهجة بالحركة، هذا التحريك يعمل على تحويل حالة السكون/ الحداثة، للحظة ما بعد حداثية منثالة ومتدفقة وغير قارة، ولا يمكن في الأخير الإمساك بها إلى الأبد، وتبدو هذه العملية هنا كلعب صوري، أو صورة لعبية، تعمل على تشظية هذا السكون وإيقاف ركوده وتحريكه في الفضاء السردي الذي لا يتوقف، إلا ليستأنف حركته من جديد.

(3((انظر على وجه الخصوص: جيل دولوز، الصورة –الحركة أو فلسفة الصورة، ترجمة حسن عودة (دمشق: منشورات وزارة

الثقافة/ المؤسسة العامة للسينما، 997 1)؛ فرانسيس أدلين وآخرون، بحث في العلامة المرئية: من أجل بلاغة الصورة، ترجمة سمر محمد سعد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012 ((3(صالح، ص.150-148

لا يتبع منطق السرد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، كما مر معنا، المنطق السائد للقصة، أو لرواية الأزمنة الحديثة، فهو يصنع منطقه وحده، منطق يقوم على تشظية الأحداث، وتقطيع الوقائع، وقطع تدفقات السرد بشكل غير عادي، وغير منطقي، حتى لا يعتمد تراتبًا منطقيًا أو عقليًا خارجي،

هو شكل في الأخير ينهض على الضد من سلطة المنطقي والعقلي، إنه ببساطة يُقوِّض السمة

الحداثية القائمة على التسلسل المنطقي ل حأأداث، وهو يُقوِّض كذلك المعقول الذي تنهض

عليه سلطة الحداثة، فيُهشِّم أغلى ذخائر الأزمنة الحديثة وأيقونتيها الأثيرتين؛ العقل والمنطق،

ليصنع منطقه الذاتي الداخلي، والخاص به كليًا، منطق الرواية ما بعد الكولونيالية، وهو منطق

ما بعد حداثي بامتياز. تسمح هذه الإستراتيجيات والتقنيات المستخدمة في رواية موسم الهجرة (تعدد بؤَر السرد، ومستوياته، وتداخل الأزمان السردية، وتقنيات السرد الارتدادي وتعدد الأصوات والصور اللعبية)، تسمح بخلق مناخٍ روائيٍ عامرٍ بالاختلاف والتضاد والتنوع، ما يُكسب العمل الروائي سمته ما بعد

الحداثية الواضحة، إذ تعمل جميع هذه الإستراتيجيات، على تحطيم سلطة الرأي الواحد/ الراوي الواحد، والحقيقة الواحدة الواضحة بذاتها/ القصة الواحدة، لتحل محلها الحقائق المتعددة والنسبية في اقترابها من الواقع، كونها فقط تمثل منظورات مختلفة لواقع واحد، وتُفسح المجال للقصص المتعددة؛ الكل لديه ما يرويه هنا، لن نسمع مع الراوي الذي لا يحمل اسمًا، وغير المسيطر مطلقًا

على الأحداث في الرواية، أي تأكيدات قطعية، بل هو دائمًا ما يلجأ إلى التسويات مع هذا الواقع،

وحتى حينما يتحدث عن الاستعمار تبدو نظرته مختلفة تمامًا عن الآخرين: «مجيئهم لم يكن مأساة

كما نُصوِّر نحن، ولا نعمة كما يتصورون هم، كان عمً ميليودراميًا سيتحول مع مرور الزمن إلى

خرافة عظمى»، وحده المنطق ما بعد الحداثي ومقولاته، ما يحرك هذا العمل، إنه يحكم نظرته عبر هذه الرواية، ويطلق من خلالها تسديداته التي لا ترتد. لنستمع لصوت الراوي الغُفل الذي يرتفع مجددًا: «كونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا؟ هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا؟ إنهم

سيخرجون من ديارنا أن عاجلً أم أجلً، سكك الحديد والبواخر والمصانع والمستشفيات والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل، سنكون كما نحن، قومًا عاديين». يشتبك المقطع السابق كمنطوق وخطاب قائم بذاته ومخالف للثنائيات الضدية السائدة، مع خطابات محايثة ومناقضه لمنطقة، ليفككها ويقترح مخرجًا منها. إنه يقترح تسوية، قد تكون غير مرضية لمن

يرغب فقط في النصر الكامل، من الطرفين، المُستعمَر الساعي لاسترداد كرامته بالنصر أو بالمقابل

عدم الخروج من كهف ذلك الماضي وذكرياته المريرة، والمُستعمِر المنتشي بنصره السابق، والمُلتذ

باستمرار هذه الثنائية، لكن وحدها هذه التسوية التي يقترحها الراوي هي من سيكسب الرهان هنا، كونها تكفلت بكسر حلقة هذه الثنائية وخرجت من نيرها إلى الأبد.

(4((المرجع نفسه، ص.63 (((4 المرجع نفسه، ص.53

يطرح ماكهايل، مستعينًا بمصطلح ميشيل فوكو اليوتوبيا غير المتجانسة، في توصيفه للرواية ما بعد

الحداثية، كونها احتفاءً بالآخر واستضافةً له، تصورًا في غاية الشمول والوضوح، هو تمامًا ما كشفت

عنه قراءتنا لرواية موسم الهجرة إلى الشمال، يقول: «إن مصطلح فوكو ‹اليوتوبيا غير المتجانسة‘ هو صورة ملائمة تمامًا لما تحاول رواية ما بعد الحداثة إنجازه أو تحقيقه، وفوكو يعني تساكن عدد كبير

من العوالم المتشظية الممكنة في فضاء مستحيل، أو وجود فضاءات متجاورة ومفروض بعضها على البعض الآخر، ولا تتوقف الشخصيات كثيرًا عند كيفية حل أو إيضاح الأسئلة المركزية، إلا أنها ملزمة

بالتساؤل؛ أي عالم هذا الذي نحياه، وما العمل حياله؟».

دلالة الجنس المفرط في الرواية

يؤدي الجنس كثيمة أو ثيمات مركزية في رواية موسم الهجرة، دورًا محوريًا ليس فقط في إثراء عوالم

الرواية، وشحذها بخيال أيروسيّ صافٍ، بل بخطاب منفصل أو متضمن داخل الخطابات المتعددة

التي تزخر بها عوالم الرواية، ففي الإمكان تمييز نوعين من الجنس في هذه الرواية، أحدهما هو جنس عادي ليس فيه ما يميزه عن الأنواع الأخرى من المشاهد الجنسية العادية، وهو متضمن في الخطابات الأخرى للرواية وفي حياة شخوصها، هذا النوع نرى طرفًا منه في القرية، حينما كان الراوي يتجول

ليلً في قريته، بعد أن خرج من بيت «سعيد» فمر ببيت ود الريس «الوطيء»، وسمع زوجة هذا الأخير تصرخ باللذة مع زوجها، يقول إنه أحس بالخجل كونه سمع ما لا يجب عليه سماعه، كما يبرز هذا النوع من الجنس في حكايات ود الريس عن مغامراته الجنسية وحياته الزوجية المتعددة، وحكايات بت مجذوب عن تجاربها الجنسية مع أزواجها الذين ماتوا عنها، أو حتى حُب الراوي لزوجة

«سعيد» بعد وفاة هذا الأخير، وإن لم يكن هذا الأخير متضمنًا فعلً جنسيًا، أما النوع الآخر فهو جنس

مفرط، ومختلف، بوصفه رغبة، وينهض خطابًا قائمًا بذاته. هذا النوع يمثله النشاط الجنسي المحموم

والمتتابع بلا ارتواء عند «سعيد». على التضاد مع النوع الأول، يأتي الجنس الذي يمثله «سعيد»، وهو جنس مبني في الأساس على الخداع والاستدراج، يسمي «سعيد» بيته الذي يستدرج إليه عشيقاته «وكر الأكاذيب الفادحة»، يقول واصفًا هذه الأكاذيب: «بنيتها عن عمد، أكذوبة أكذوبة، الصندل والند وريش النعام وتماثيل العاج والأبنوس، والصور والرسوم لغابات النخل على شطآن النيل، وقوارب على صفحة الماء أشرعتها كأجنحة الحمام، وشموس تغرب على جبال البحر الأحمر، وقوافل من الجمال تخب السير [...]، أشجار التبلدي في كردفان، فتيات عاريات من قبائل الزاندي والنوير والشلك، حقول الموز والبن في خط الاستواء، المعابد القديمة في منطقة النوبة، الكتب العربية المزخرفة لأغلفة مكتوبة بالخط الكوفي المنمق».

(4((هارفي، ص.71 (4((صالح، ص.51 (((4 المرجع نفسه، ص.87-78 (4((المرجع نفسه، ص.147

كل هذه الأكاذيب تستجيب للصورة النمطية التي كونها خيال الآخر/ المُستعمِر المفترِس- الذي يصبح

فريسة لسعيد في هذه اللحظة - لشرقٍغير موجودٍ البتة، بينما يأتي الديكور الباذخ في خياله، والموكل إليه مهمة تغذية الخيال الأيروسي المفرط، يأتي في خدمة نوع من الجنس هو كذلك مفرط، إذا ما حاولنا احتسابه أداءً رياضيًّا جسمانيًّا، يقول «سعيد» إنهم حينما أتوا ليخبروه بوفاة أمه وجدوه سكرانًا

في حضن امرأة لا يتذكر الآن من هي. وفوق ذلك لم يكن هذا الجنس يشتمل في حد ذاته، على أي متعة أيروسية، إنما كان ينتشي بلحظة الأكاذيب التي يلفقها «سعيد» فتصدقها فتياته، يقول في تجربته مع آن همند: «كانت تكذب وكنت أكذب، فكانت لحظة من لحظات النشوة النادرة التي أبيع بها عمري كله، لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينيك لحقائق». ومع إيزابيلا سيمور المتزوجة، وأثناء لهاث الرغبة المصروعة بإحساس الجنس الذي يصل ذروته، تقول له: أحبك فيجاوبها الصمت، إنه جنس ينتشي فقط بلحظة اقتناصه الفريسة، كأنه يبحث في فعل الجنس عن شيء آخر خلاف المتعة الجنسية، من دون أن يكون مُدركًا بالضبط ماهية هذا الشيء الذي يبحث عنه، ودون أن يجده البتّة،

وحتى اللحظات الحميمة مع زوجته جين مورس يقول عنها: «تزوجتها، غرفة نومي صارت ساحة

حرب، فراشي كان قطعة من الجحيم، أمسكها فكأنني أُمسك سحابًا، كأنني أُضاجع شهابًا، كأنني

أمتطي صهوة نشيد عسكري بروسي [أو حينما يقول] وقد كانت لحظات النشوة نادرة بالفعل، وبقية الوقت نقضيه في حرب ضروس لا هوادة فيها». إن فهم التمييز المركزي بين هذين النوعين من الجنس، اللذين أشرتُ إليهما، جزء حاسم في تفكيك

مضمون هذا الجنس بوصفه خطابًا. ومن ثمّ فهم مجمل العمل الروائي وتحليله، ولا سِيٌما أن هذا

التمييز يتضمن فهمًا للجنس كما يمثله «سعيد»، ينهض نوعًا متميزًا وغريبًا من أنواع الخطاب، فهو

غير باحث عن اللذة الجنسية داخليًا في العملية الجنسية، بل نجده يلتمسها في حواشي هذه العلاقة،

ويبلغ بها أقصى حدودها، في الاستدراج والاصطياد، من دون يُعنى كثيرًا بمتونها، وهو جنس يظهر

مهمةً قائمةً بذاتها، وغير مرتبطة بموضوعاتها الجنسية، تصل حد أن يشبه «سعيد» دوره فيها، بوقائع الطبيعة، حينما كان يحدث نفسه بعد الفراغ من الأداء الجنسي أو أثناء ذروته، فيقول وهو يخاطب إيزابيلا سيمور في دخيلته، وهم في أوج ذروة الفعل الجنسي: «ولهذا فأنا لا أنوي بك شرًا إلا بقدر

ما يكون البحر شريرًا حين تتحطم السفن على صخوره، وبقدر ما تكون الصاعقة شريرة حينما تشق

الشجرة نصفين [...] (وحين استطرد متسائلً في نفسه أيضًا) هل الشمس شريرة حين تحيل قلوب م يااين البشر إلى صحارى تتعارك رمالها ويجف فيها حلق العندليب »، بل ويذهب إلى حد إشراك نهر النيل معه في مهمة اصطياد أولئك الفتيات، سألته هذه الأخيرة: هل تسكن بجانب النيل؟ فأجابها: إني أخرج يدي من شباك غرفتي في الليل فألامس ماء النيل وهو يجري، فلما أحس بأنها

(4((المرجع نفسه، ص.161 (4((المرجع نفسه،.145 (4((المرجع نفسه، ص.142 (4((المرجع نفسه، ص 37،.163 ((5(المرجع نفسه، ص 45،.47

وقعت في شباكه قال لنفسه: «الطائر يا مستر مصطفى وقع في الشرك، النيل ذلك الإله الأفعى قد فاز بضحية جديدة». بالعودة إلى إستراتيجية صناعة الآخر كما مرت معنا، فإن الاستعمار في هذه الإستراتيجية لا يبدو إلا

كحالة خصاء كامل لأمة، بالمفهوم الفرويدي لعُقدة الخِصاء، فهو خِصاء يتم دائمًا بواسطة الأب،

وبالوعي بسلطته، حينما يفهم الصغير المهدد بالخصاء، فهمًا طفوليًا مؤداه؛ أن عضو الذكورة الذي

يملكه هو - دون الإناث - قابل للانفصال عن جسده، وهي عقدة ستظل ملازمة للصغير طوال حياته إن لم تحل. لا يحاول «سعيد» بواسطة هذا الجنس المفرط، إلا أن ينفي عن ذاته عُقدة الخِصاء، في مواجهة (الآخر/

الأب/ الإمبراطورية)، فهو دائمًا وأبدًا في أوقات أفعاله الجنسية المفرطة، في حالة استحضارٍ محمومٍ

لمشاهد الأب/ الإمبراطورية وجرائمها في البلدان المُستعمَرة، حتى وهو في أوج مراحل مطارداته

لفرائسه، نشهد معه إحساسًا عميقًا بالخصاء وحضورًا ملحميًا لمهمته المقدسة، نفي الخصاء عن ذاته،

يقول وهو يقترب من اصطياد جين موريس: «أنا الغازي الذي جاء من الجنوب وهذا هو ميدان معركتي الجليدي الذي لن أعود منه ناجيًا، أنا الملاح القرصان وجين موريس هي ساحل الهلاك ولكنني لا

أبالي»، بينما حملت الكتب التي ألفها عناوين مثل: اقتصاد الاستعمار، الاستعمار والاحتكار، الصليب والبارود، اغتصاب أفريقيا. يغدو النيل شريكًا ل «سعيد» في هذه المهمة المقدسة، وليس ثمة فرق بين ما يقوم به «سعيد» وبين

حوادث الطبيعة العادية التي على الإنسان أن يتقبلها بجلَد. ببساطة؛ لأنه لا يد له ولا لغيره في وقوعها،

لأنها تمامًا مثل الاستعمار، بوصفه هو الآخر مهمة مقدسة في نظر من قاموا به. لذلك سيكون هذا

هو منطق «سعيد» دائمًا، حتى في قاعة المحكمة، بعد أن قتل زوجته جين موريس، وقاد بمحاولاته

نفي الخصاء عن نفسه/ أمته، أربع فتيات ل نااتحار، إحداهن كانت متزوجة، نجده يقول: «إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ

أرض القدس، البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، وسكك الحديد أُنشئت

أصً لنقل الجنود، وهم أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول: نعم بلغتهم، إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي [...] نعم يا سادتي إنني جئتكم غازيًا في عقر داركم، قطرة من السم الذي حقنتم به

شرايين التاريخ».

((5(المرجع نفسه، ص.43 (5((سيغموند فرويد، أفكار لأزمنة الحرب والموت، ترجمة سمير كرم، ط 3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1986)، ص 99،.101 (5((سيغموند فرويد، محاضرات جديدة في التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، ط 3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2007)، ص.120 ((5(صالح، ص.162 ((5(المرجع نفسه، ص.139-138 ((5(المرجع نفسه، ص.98-97

بينما تبدو المهمة الاستعمارية مهمة مقدسة، وعبئًا على الرجل الأبيض من وجهة نظره، فهي في نظر «سعيد» شيء آخر، شيء تم حقنه به وهو يجري في عروقه مجرى الدم، وسيظل يؤرقه إن لم يشف منه، شيء ليس أقل من عقدة خصاء لازمته مُذ أن شب صغيرًا وتعلم وتربَّى على يد المستعمر، كما

لازمت كثيرين غيره، من دون أن ينجح في التخلص منها.

بمنزلة تأسيس وخاتمة

تأتي هذه الخلاصة هنا، إلى جانب كونها خاتمة، محاولة لتعريف ما يمكن أن نطلق عليه صفة الرواية ما بعد الكولونيالية؛ إذ يبدو لنا من خلال التحليل الذي أجريناه، مفاهيميًا، عبر المقاربة التي سعت

لصوغ نسيج مفاهيمي، يعيد رسم حالة الحداثة الأوروبية في مبتدئها، في مواجهتها مع بقية أجزاء العالم، ومواجهتها مع ما بعد الحداثة بديلً معرفيًّا لها، وما بعد الكولونيالية اقترابًا تأسيسيًّا نظريًّا داخل

تقاليد ما بعد الحداثة، مع أمثلة من الفن والأدب والرواية ما بعد الكولونيالية كممارسات وتطبيقات لمنطق ما بعد الحداثة في الإنتاج المعرفي، وتطبيقيًا، من خلال تشريح أو آليات النص الروائي، وفتح

طاقة الإمكان داخل مفاهيم ما بعد الكولونيالية كحقل معرفي وأدبي، ينهض موضوعيًا كوعي، مناقض

وبراديغم بديل للحداثة، أي ما بعد حداثي بامتياز، في مواجهة الحداثة الأوروبية بوجهها الكولونيالي، يبدو لنا من خ لاا كل ذلك، أن هنالك سمتين مركزيتين تطبعان الرواية ما بعد الكولونيالية، هما خصائص الرواية ما بعد الحداثية ومنطقها المتجلي في أدواتها، وإستراتيجيات عمل الخطاب ما بعد الكولونيالي ومنطقه، كما جرى الكشف عنه من خلال محاولات القراءة والتأويل التي قمنا بها للنص والخطاب/ المنطوق لرواية موسم الهجرة للشمال، وهو ما سنعمل على تلخيصه هنا. السمة الأولى: إن ما يجعلنا نطلق على رواية ما، صفة ما بعد الكولونيالية، ليس فقط وقوعها ضمن حقبة تاريخية جاءت مباشرة بعد تجربة الاستعمار، ولا حتى اشتغالها على الاستعمار موضوعًا

وتجربة معيشة لمجتمعات مُستعمَرة، أو تفريعاته والأسئلة التي انبثقت منه، مثل الاستغلال والهيمنة

والخضوع وغيرها، وإنما كيفية تناولها لموضوعة الاستعمار، وطرحها هذه الأسئلة، هل نجحت كرواية في الإف ت من فخ الملحمية؟ بمعنى أنها لم تذعن لإغراء تقديم مأساة الشعوب المستعمرة في شكل ملحمي بطولي، يحاكي النموذج الحداثي السيد، ولكنه في الأخير ينهزم أمامه بشرف بطولي، باحث عن نموذجه الحداثي المضيع هو الآخر، أم أنها فككت هيمنة هذا النموذج الحداثي وبينت هشاشته؟ حينما استدعته تخييليًا ليجاور عوالم مضطهدة وخاضعة له، لتعري ضعفه وتبرز قلة حيلته

وتهافت مقولاته، جنبًا إلى جنب مع مقولات العوالم الخاضعة لسيطرته، وهل في الأخير قدمت

لهذين العالمين درسها الأخير؟ من خلال ما شيدته من بناء تخييلي لا تسوده حكمة واحدة ويرتفع فيه صوت واحد، بل هو في حد ذاته مجموعة عوالم يجمعها عالم تخييلي، يبدو للناظر بالعين الوحيدة للحداثة أنه عالم واحد؟ السمة الثانية: ليس في إمكان أي رواية تحقيق شرط السمة الأولى، ما لم تتوسل تقنيات لها القدرة، ليس فقط على احتواء هذا التناقض الذي تثيره خطابات الهيمنة والخضوع، وإنما أن تكون كذلك قادرة

على تفكيك هذه الخطابات وتعريتها، وإبراز مكامن ضعفها، ومن ثم نسفها، مرة وإلى الأبد، باقتراح أسئلة مغايرة، وإيجاد طرق بديلة من طرح الأسئلة الملحة - كالتقنيات الموظفة في العمل الروائي الذي درسناه - وهي تقنيات تستمد فلسفتها من ينبوع الحكمة ما بعد الحداثية متعددة المشارب والألسن. إذًا، لا مجال هنا، سوى الإقرار بحالة التضافر، التي تجمع هاتين السمتين، الأولى والثانية، شرطين لازمين للرواية ما بعد الكولونيالية/ ما بعد الحداثية، بما يزيد على كونهما توأمين لا يعيش أحدهما دون الآخر في عمل روائي منفردًا فحسب، إلى عدّهما طابعًا مميزًا ومتواشجًا، يشكل هذا الطابع

المُميز والمتواشج عصب الخطاب ما بعد الحداثي للرواية ما بعد الكولونيالية، بما يجعلها توفر أفقًا

ومشهدًا ما بعد حداثيًّا بديلً، يتكلم فيه المستعمر سابقًا لغة مستعمِريه السابقين «دون إحساس بالذنب

ولا إحساس بالجميل»، مشهد من عالمٍ لأناسٍ عاديين فقط، وهو ما حاولت هذه الدراسة إضاءة بعض جوانبه المركزية. References

المراجع

العربية

أشكروفت، بيل وآخرون. دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية. ترجمة أحمد الروبي وآخرين. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 ________. الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق في أدب المستعمرات القديمة. ترجمة شهرت العالم. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية/ المنظمة العربية للترجمة،.2006 إيكو، أمبرتو. آليات الكتابة السردية. ترجمة سعيد بنكراد. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2009 دولوز، جيل. الصورة – الحركة: أو فلسفة الصورة. ترجمة حسن عودة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة/ المؤسسة العامة للسينما،.1997 دباشي، حميد. ما بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب (دراسات). ترجمة باسل عبد الله وطفة. إيطاليا: منشورات المتوسط،.2015 صالح، الطيب. موسم الهجرة إلى الشمال (رواية). بيروت: دار العودة،.1987 عطية، أحمد عبد الحليم (محرر). ليوتار والوضع ما بعد الحداثي. الفكر المعاصر، سلسلة أوراق فلسفية. بيروت: دار الفارابي،.2011

((5(إن أفضل التوصيفات لما نسميه هنا بحالة التضافر في استجابة العمل الروائي لشروط سابقة له، هو ما سماه أمبرتو إيكو بإكراهات العملية السردية، المتولدة من عالم ضمني، وهو ما شرحه سعيد بنكراد بوضوح في مقدمة ترجمته لكتاب إيكو آليات الكتابة السردية، انظر: أمبرتو إيكو، آليات الكتابة السردية، ترجمة سعيد بنكراد (ال ذااقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2009)، ص 16-10، 36، 94،

والنشر،.1986

والنشر،.2013

للطباعة والنشر،.2007

العربي،.2015

للترجمة.2010

والنشر،.2011

ناشف، إسماعيل. العتبة في فتح الأبستيم. ط 2. بيروت: دار الفارابي،.2014

الشرق للطباعة والنشر،.2011

دراسات الوحدة العربية،.2005

مركز دراسات الوحدة العربية،.2009

الأجنبية

فرويد، سيغموند. أفكار لأزمنة الحرب والموت. ترجمة سمير كرم. بيروت: دار الطليعة للطباعة

________. ث ثااة مباحث في نظرية الجنس. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة

________. محاضرات جديدة في التحليل النفسي. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة

القاضي، محمد وآخرون. معجم السرديات. تونس: دار محمد علي ودور نشر أخرى،.2010 كونديرا، مي ن. الستارة: بحث من ستة أجزاء. ترجمة معن عاقل. الدار البيضاء: المركز الثقافي

مارشال، برندا. تعليم ما بعد الحداثة؛ المتخيل والنظرية. ترجمة السيد إمام. القاهرة: المشروع القومي

مانفريد، يان. علم السرد: مدخل إلى نظرية السرد. ترجمة أماني أبو رحمة. دمشق: دار نينوى للدراسات

محمد، الشيخ الشيخ. التحليل الفاعلي وتحديات النهضة. الخرطوم: دار مدارات للنشر والتوزيع،

نيتشه، فريدريك. إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم. ترجمة محمد الناجي. المغرب: دار أفريقيا

هارفي، ديفيد. حالة ما بعد الحداثة: بحث في أصول التغيير الثقافي. ترجمة محمد شيا. بيروت: مركز

هتشيون، ليندا. سياسة ما بعد الحداثة. ترجمة حيد حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة/

Appadurai, A. Modernity at Large: Cultural Dimensions of Globalization. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1996. Ashis, Nandy (ed.). Science, Hegemony, and Violence: A Requiem for Modernity. Tokyo: The United Nations University, 1988. Berman, M. All that is Solid Melts into Air: The Experience of Modernity. London: Penguin, 1988.

Chakravarty, D. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton: Princeton University Press, 2000. Harvey, D. The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change. Oxford: Blackwell, 1990. Jameson, F. The Political Unconscious: Postmodernism or, the Cultural Logic of Late Capitalism. Durham: Duke University Press, 1992. Landry, D. & G Maclean. The Spivak Reader. NY.: Routledge, 1996. Lawrence, C. N. et al. Marxism and Interpretation of Culture. Chicago: University of Illinois Press, 1988. Lyotard, J. F. The Postmodern Condition: A Report on Knowledge: Theory and History of Knowledge. Translated By: G. Bennington & B. Massumi. vol. 10. Minneapolis: Minnesota University Press, 1984. Said, Edward. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1994. ________. The World, the Text, the Critic. Cambridge: Harvard University Press, 1983. Spivak, G. Ch. A Critique of Postcolonial Reason. Massachusetts: Harvard University Press, 1999. Young, R. J. C. Post-colonialism: A Historical Introduction. London: Blackwell, 2001.