العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفضاء العمومي المغاربي في فرنسا اليوم:رؤية مفكّر فرنسي: ميشال دو سارتو

الفضاء العمومي المغاربي في فرنسا اليوم:رؤية مفكّر فرنسي: ميشال دو سارتو

Maghrebian Public Space in France Today: A French Thinker ʼ s Vision: Michel de Certeau

محمد شوقي الزين

Mohammed Chaouki Zine

الملخّص

يتوجّه فكر ميشال دو سارتو نحو بناء تصوُّر للفضاء العمومي وُفقاً لثنائية الاستراتيجية والتكتيكية. هذه الثنائية تَعمل كطريقة داخل الممارسات اليومية للفاعلين في «نظم السلوك الاجتماعي». في عرضِ وجه التضاد بين عالمين مختلفين في البيئة السوسيولوجية، يُحاول دو سارتو أن يُنجز مُقاربة مُقارنة للفضاء العمومي المغاربي باعتباره تكتيكية ونظيره الفضاء العمومي الفرنسي الذي يُعرّفه بأنّه استراتيجية؛ الاستراتيجية كنسق يَرْصُد الممارسات والتمثّلات، والتكتيكية فعل مُقاومة لهذا النسق، ترتادهُ ﻛ«قُبالةٍ» في «مكانٍ خاص». لكن يبدو أنّ «المجتمع بوصفه حقلاً للصراع» هو تعبير عن فكرة الاختلاف حول «رؤية العالم»، عند نقل التمثّلات إلى ممارسات. وهذا ما تعكسه فَرضية توسّع وانتشار الثقافة المغاربية بما هي اختلاف في فرنسا، بالرغم من وجود قَدْرٍ كبير من التفاعل والتواصل يَفرضُه الفضاء العمومي المُهيمن.

Abstract

*** Translated by Mohammed Amine Bendjilali | ترجمة محمد أمين بن جيلالي

Abstract: Michel de Certeau's thinking is geared towards constructing a vision of public space in accordance with the dichotomy of the strategic and the tactical. This dualism acts as a method within the daily practices of actors in «systems of social behavior.» In displaying the contradictory features of two different worlds in the sociological environment, De Certeau tries to achieve a comparative approach to Maghrebian public space that he regards as a tactic and its counterpart French public space that he defines as a strategy - strategy understood as a system that detects practices and representations, and tactic as an act of resistance to this system, played out as «opposition» in a «private place».

الكلمات المفتاحية:
  • استراتيجية
  • تكتيكية
  • فضاء عمومي
  • ميشال دو سارتو
Keywords:
  • Strategy
  • Tactic
  • Public Space
  • Michel de Certeau

Maghrebian Public Space in France Today: A French

Thinker ʼ s Vision: Michel de Certeau

والتكتيكية. تعمل هذه الثنائية بوصفها طريقة داخل الممارسات اليومية للفاعلين في « نظم

السلوك لاجتماعي ». في عرض وجه التضاد بين عالمين مختلفين في البيئة السوسيولوجية، يحاول دو سارتو أن ينجز مقاربة مقارنة للفضاء العمومي المغاربي بوصفه "تكتيكية" ونظيره الفضاء العمومي الفرنسي الذي يعرّفه بأنّه إستراتيجية؛ الإستراتيجية نسق يرصد الممارسات

والتمثلّات، والتكتيكية فعل مقاومة لهذا النسق، ترتاده ﻛ « قبالة » في « مكان خاص ».

المغاربية» (أيام 7-16-151 آذار/ مارس 0112)، بإشراف مركز البحث في الأنثروبولوجيا لاجتماعية والثقافية، (وهران، الجزائر) ومخبر دراسات مغاربية (جامعة تونس)، والدراسة بالفرنسية، انظر: Mohammed Chaouki Zine, «L’espace public maghrébin

en France d’aujourd’hui. Le regard d’un intellectuel français: Michel de Certeau,» in: Les espaces publics au Maghreb , sous la direction de Hassan Remaoun &  Abdelhamid Henia (Oran: CRASC & Diraset, 2013), pp. 79-91.

Doctoral researcher in comparative political studies at the University of Oran 2, Algeria.

تمهيد

ميشال دو سارتو عالم أنثروبولوجيا، ومؤرّخ ومفكّر فرنسي (986-19251) تطوّر في اتجاه

متعدّد الأشكال تقريبًا: ضمن منجزاته العلمية، مدينون له بعمل موسوعي حول المتصوّفة

اليسوعيين الأمر الذي أفضى به إلى تأليف الحكاية العرفانية ونشرها La fable mystique عام 9821؛ والعمل الإبستيمولوجي حول النشاط الإسطوغرافي مع كتابة التاريخ l'histoire de L'écriture؛ وأخيرًا

العمل الأنثروبولوجي حول الممارسات اليومية مع ابتكار الحياة اليومية quotidien du L’invention. من النظرة الأولى، يبدو أنّ هذا التطوّر يسلك مسارًا مترددًا، وممزّقًا بين الولاء للالتزام (الرجل والعمل

المكرّس للانتماء إلى اليسوعية)، والوفاء الصارم والدقيق لمهنته (الحقل التاريخي) ولاستجوابات

الدائمة للكائن الحاضر (لانخراط في الحداثة). ولكن عند إمعان النظر، يُبنى عمله، بالأحرى، على

افتراض الوحدة الضمنية Intrinsèque L’unité؛ أي لاستمرارية من وراء القطيعات (يتحدّث من خلالها عن «الوحدة في لاختلاف»)، والقطيعة خلف لاستمراريات (التي يؤكّد ضمنها «القطيعة التأسيسية»)، فالديمومة لا تعني استدامة القديم، ولكن «غيرية المثيل». في العصر الذي شهد تلاشي البراديغم البنيوي Structuraliste Paradigme في فرنسا، كان دو سارتو على اتصال بالتيارات السوسيولوجية والفلسفية الأميركية، إضافةً إلى تشتّت تطلعاته المتنوعة والواعدة على غرار الإثنوميتودولوجيا Ethnométhodologie L' والتفاعلية الرمزية والألسنيات لاجتماعية والتداوليات، وأمور أخرى. لقد استفاد من هذه الأدوات التحليلية ليضفي نفَسًا جديدًا على الدراسات

لاجتماعية في فرنسا. اشتغل دو سارتو أستاذًا في جامعة سان دييغو (كاليفورنيا) قبل أن يكون، في عام 9841، خلال عامين فقط قبل وفاته، مديرًا للدراسات في مدرسة الدراسات العليا في العلوم

لاجتماعية EHESS في باريس. يتحدّث العنوان المذكور عند فرانسوا دوس Dosse François السائر الجريح Un Marcheur Blessé كثيرًا عن مسار دو سارتو ومهنته. ويستحضر بول رابينوفPaul Rabinow أيضًا حلقة من النفي الكاليفورني لكاتبنا، تذكّر بمتاعب الهجرة L’immigration De Vicissitudes Les التي تشغل حيّزًا من تفكيرنا. يتعلّق الأمر بالتوفيق بين

«دالّين» لهما مدلولان مختلفان أو التموضع على حافة عالمين، وهذا في ذاته محنة، أو ما أطلقت عليه فلسفة التاريخ الألمانية Weltanschauungen (رؤى العالم).

الفضاء العمومي بين الإستراتيجية والتكتيكية: مقتطف من تعريف

تُعدّ مفاهيم «الإستراتيجية» Stratégie و«التكتيكية» tactiqueأساس فكر ميشال دو سارتو. تحيل الإستراتيجية إلى فكرة وجود نسق أكثر تماسكًا أو أقل ومتناظم النسقArchitectonique تخضع له

(((للسيرة المُفصّلة، أُحيل إلى المرجع المكثّف والموثّق بشكلٍ كافٍ:

- François Dosse: Michel de Certeau, le marcheur blessé , (Paris: La Découverte, 2002). (2) Paul Rabinow, «Un prince de l’exil,» in: Luce Giard (éd.), Michel de Certeau, Cahiers pour un temps (Paris: Centre Georges Pompidou, 1987), pp. 39-43.

جملة الممارسات والتمثلات. أمام هذا النسق، تقوم التكتيكية ك «قُبالة» تقاومه في صيغة «موضوع»، وتتردد على المكان الخاص والمحصور لهذا النسق: «إذا كانت الإستراتيجية في المقام الأوّل مفهومًا مستعارًا من علم الحرب، أيضًا هو من المفاهيم الأساسية لعلم الفعل». يتبنّى دو سارتو هذا التعريف، بنقله من علم الحرب إلى الممارسات لاجتماعية بما أنّه يتصور المجتمع بوصفه حقلً للصراع. يكتب عن ذلك في ردّه على رسالة إلى لويس كيري: «ينبغي لنا أن نعيد لاعتبار للمظهر ‘الصراعي ’ Polémologique في كل تحليل ثقافي. عندما نعرض مسألة الممارسة، بمعنى العمليات، فإننا نسلّط الضوء على مشكل الصراع. هذا ما تبيّنه مثلً

الإبستمولوجيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مع ماركس وفرويد. لا يمكن إجراء أيّ تحليل (علمي أو نقدي) بغض النظر عن الصراع. فالصراع هو أمر أساسي مثل الأبعاد لاقتصادية والأخلاقية والجمالية للممارسات اليومية. يتجاوز الصراع هنا الإطار التنظيمي الوحيد لعلم الحرب. تعرض دراسات الحرب ملامح علم الصراع بصورة عامة. ويبدو أنّ أفكار ميشال دو سارتو حول الصراع تتوافق مع ما نجده في الفكر القديم، خصوصًا مع هيرقليطس الذي يرى أنّ الصراع «أب كلّ الأشياء» Pater Mèn Pantôn Polemos الصراع هو الخالق لنظام جديد عن طريق دمج الأضداد أو لانسجام بين التناقضات. فالتناقض المولّد للصراع موجود في قلب التطور: «أسمّي إستراتيجية حساب العلاقات في القوة الذي يصبح ممكنًا عندما تُعزَل ‘ذات لها إرادة’ عن بيئتها (مهما كان شكل هذه الذات: شركة، أو حاضرة، أو مؤسسة علمية). نحصل إذًا على محل خاص تتصل من خلاله القوى المحسوبة بالخارج: يتعلّق الأمر بالموديل المكيافيلي Machiavélique Modèle Le الذي يميز المكان عن الفعل. بناءً على هذا النمط الإستراتيجي شُيدت العقلانية الرسمية، والسياسية،

والعلمية ولاقتصادية». يتوافر عدد من العناصر يتعلق بالإستراتيجية يعود إلى: - أوّلً، هناك «حَوسبة علاقات القوة» وفقًا لسبب تصنيفي (الجداول، والشبكات، والتصنيفات) يعزل «موضوع الإرادة والسلطة». يأخذ هذا الموضوع المتعلق بالإرادة والسلطة صيغة أكثر شمولً، المؤسسية أو التواطئية، نظرًا إلى أنّها شراكة، أيًّا كانت طبيعتها: جيش، أو مدينة، أو إدارة أو مؤسسة علمية. على

الفور، ينضوي دو سارتو ضمن أفق نظرية الخيار العقلاني Rationnel Choix Du Théorie La لأنّ الإستراتيجية، بطبيعة الحال، «اختيار بين الممكنات»، هي أفضل وسيلة لتحقيق الغاية النهائية من

(3) R. Daval, «Stratégie» [soc.], Notions philosophiques , Dictionnaire encyclopédique de philosophie, p. 2463. (4) Louis Quéré, «Les sciences sociales face à la rationalité des pratiques quotidiennes. Questions à Michel de Certeau,» in Problèmes d’épistémologies en sciences sociales, II-Sociologie, pratique et politique (Paris: Cems Ehess, CNRS, 1983) , p. 86. (5) Michel de Certeau, «Pratiques quotidiennes,» in: G. Poujol et R. Labourie (éd.), Les cultures populaires (Toulouse: Privat, 1979), p. 29; M. de Certeau, L’Invention du quotidien , I (Paris: Gallimard/Folio, 1990), p. XLVI, 59.

خلال المداولة. يستعمل الفاعل العقلاني وسائل الخيار والمشاورة من أجل تحقيق أقصى قدر من الربح، في الحين الذي يعي وجود مخاطر واحتراسات يمكن أن تحبط اختياره. يعود ذلك إذًا إلى براعة الممارسة أو التعقل. الخطر شيء محتمل ينبغي للفاعل أخذه في الحسبان، بحكم أنّه يتوقّف على مختلف حوادث العالم. - ثانيًا، هناك «مكان خاص» يحافظ على العوامل الخارجية بعيدًا عن العزل والتصنيف (الجيش

ضد العدو، والمدينة مقابل الريف، والمؤسّسة العلمية في مواجهة الموضوع المعالج). هذا معنى «الهوية» Identité في تطويقها «الآخر» Altérité. ويُعرف هذا المكان الخاص بأنّه «مكان الفعل» Lieu L’action De، حيث تتركّز الأفعال الفردية أو الجماعية في مَنح أو مواجهة مؤسسة المعرفة أو السلطة. والغرض من ذلك، هو طريقة أداء وظائفها. هكذا يحدث للعقلانية السياسية، والعلمية ولاقتصادية، مع منافسة الأفعال. تحدّث دو سارتو عن المكان الخاص بوصفه مكانًا للتداول والقرار. فالعقلانية تسمح للفاعل بأن يختار، مع مراعاة إدراكه الوضع مع محدوديته إزاء لاحتم لات الذي يكشف لاستخدام الأمثل للموارد، والقدرة المثلى لاستثمار المعطيات البيئية. - وأخيرًا، هناك أولوية المكان بالنسبة إلى الزمن. فالعديد من العوامل هي لمصلحة المكان بوصفه

موقعًا إستراتيجيًا: أ) رسملة Capitalisation La القوى للمزيد من التوسّعات والمكاسب؛ ب)

الممارسة البانوبسية Panoptique Pratique La، «أرى ولا أحد يراني»، ميزة هذه الملاحظة، القياس والتحكّم في الموضوع. هذه الممارسة هي «رؤية» Vision (تنظير) و«توقّع» Prévision (استشراف)، بمعنى أنّ الأفعال تطور أمكنة نظرية (المعرفة) وتضمن التفوّق والهيمنة (سلطة). «أسمّي بالمقابل تكتيكية حساب القوى التي تفتقر إلى محلّ خاص وإلى حد يميّز الآخر بوصفه كلية

مرئية أو جليّة. فليس للتكتيكية من مكان سوى مكان الآخر. فهي تؤدّي أدوارها داخل نص الآخر أو

نسقه. فهي تتسلّل فيه تسللً متشظيًا دون أن تقبض عليه تمامًا، بمعنى دون أن تستبعده. فليس لها قواعد

يمكن من خلالها أن تموّل فوائدها. فهي تنحصر في اللحظة، بينما الإستراتيجية هي دومًا انتصار المكان (المكان الخاص) على الزمان. عند غياب المكان الخاص، وانعدام إمكانية تخزين المواد، والمعلومات، تغدو التكتيكية حذرًا في جميع اللحظات، فورية في تسريب الفهم لاحتمال وقوع انقلاب: كالرجل الذي يسير في الشارع، ربّة البيت التي تعدّل برنامجها وفقًا للبضائع الجيدة في السوق اليومية». من خلال هذا التعريف نستخلص العناصر التأسيسية لنموذج التكتيكية: - عدم وجود المكان الخاص: وفقًا لقانون الآخر، بحيث تلعب التكتيكية في ميدان ما يفرضه هذا القانون. يقول دو سارتو أيضًا: إمكانية أن يستفيد «الضعيف » Faible من «القوي»ّ Fortوفي ظرف قياسي، فجأةً،، هناك فرصة لقلب الوضع لمصلحته. تقدَّم التكتيكيةك «دخيل » Intrus يشغل ميدانًا ليس ملكه. - غياب الشمولية البانوبسية: فالتكتيكية لا تقدّم نظرة شاملة، لأنّها ضرورية لتنظيم «المرئي» وجعله «مقروءًا».

(6) De Certeau, L’invention du quotidien , p 60.

فهي حركة باطنية وصامتة، في تعارض مع العلو من زاوية تلك النظرة التي تحتضن الحجز الكامل. هذا هو السُّلم «المجهري» Microscopique (الميكروسكوبي) الذي تعمل التكتيكية ضمنه، في تشتت دون وحدة، لاستكشاف كل لاتجاهات، فقط مع النظرة الجزئية والدقيقة القريبة من لاتجاه المحلي. - أوّلية الفرص: تمثّل التكتيكية فضاءً دون قاعدة صلبة، وتفضَّل على النمط الهيرقليطي الذي يتألف

من لحظات وفرص ثمينة. من وجهة النظر هذه، ترتبط التكتيكية ارتباطًا وثيقًا بالفرصة «غير منفصمة » Indissociablement عن «كايروس» Kairos الثمين في الفكر الإغريقي، في الوقت الملائم. هي في اللحظة وفي أيّ شيء يستلزم دلالة الصدفة، غير متوقعة، غير دائمة، وعابرة. تُختزل التكتيكية في اللعب. هي صورة للفعل الذي لا يَتبع عملية عُرفية متّبعة عند الفعل: لاختيار، والمداولة، والقرار. هذه الصورة من الفعل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكل ما يدلّ على أسلوب متقن للفعل. وبناءً على قاعدة التمييز بين الإستراتيجية والتكتيكية، يُبنى «الفضاء العمومي» Public L’espace

بالأسلوب نفسه. لكن إذا تقدّمنا بفكرة أنّ الفضاء العمومي يمثّل «التكتيكية»، ماذا يمكن أن نعدّ الإستراتيجية؟ هل هي الدولة؟ أم الإدارة؟ بمعنى آخر كل ما هو مستقر في أساساته القانونية والمؤسسية؟ لنفهم سبب وضعنا الفضاء العمومي في فئة «التكتيكية». يجب أن نعرف أنّ مفهوم «الفضاء العمومي» يدلّ في هذه الحالة على صورة. تُعد الأعمال في هذا المجال متعددة ومتشجرة. ويكفينا بعض المعالم التي تساعدنا على فهم أفضل لهذا المفهوم ووضعه في أفق منظورنا، لنكشف عن الفضاء العمومي المغاربي الذي عالجه ميشال دو سارتو. كان الفضاء العمومي ممَوضعًا، كما اعتزم تحديده هابرماس في «تكتّل» Conglomérat من أشخاص تجمّعوا حول مصالح معيّنة واعتادوا على لاستعمال العام للعقل. ببساطة، القيم الإيتيمولوجية

Etymologiques للعقل هي السائدة، لأنّ المصطلح اليوناني لوغوس Logos يدلّ على كلٍّ من اللغة والعقل، وبوجه آخر أقول التبادل الخطابي (المناقشة، والحوار) والحجّة (استخدام المنطق، والعمليات المنطقية، وغيرها) يحيل هابرماس أيضًا إلى النص التأسيسي لكانط «ما التنوير؟» Was Aufklärung? ist الذي كان يُعدّ «البيان» الحقيقي للتنوير؛ الأمر نفسه عند هيغل الذي يوافق تحديده فضاء «البورجوازية» Bourgeois لاتصال لمواجهة السلطة المطلقة للدولة. ومع ذلك، لم يكن هذا التصوّر «الثنائي » Dichotomiqueعلى مذاق هابرماس الذي قدّم في مقالته في القانون والديمقراطية Droit et Démocratie عام 9921، «تصويبًا» Rectificatif بإضافة عنصر أكثر اتساعًا استفادت منه

الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر، خصوصًا مع ديلتاي وهو «عالم المَعيش».(Lebenswelt)

(((لمزيد من التفصيل، انظر:

Jürgen Habermas, L’espace public: archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise , Marc Buhot de Launay (trad.), (Paris: Payot, 1978).

(((نفضّل مصطلح «الأشخاص» المعنى المجازي اللاتيني لكلمة persona (قناع بالمعنى المسرحي)، في حين يكون لمصطلح

«الأفراد» القدر نفسه من الأهمية، ولكن ليس بالمحتوى المعرفي والرمزي الذي تتضمنه كلمة «شخص.»

(9) J. Habermas, «L’espace public: 30 ans après,» Quaderni , no. 18 (Automne 1992), p 119.

وتهدف هذه الفكرة إلى تعزيز تصوّر أكثر مرونة حيث قيم الفعل التواصلي التي تُمثّل مثالً معياريًا،

وهو نمط من التصرف في المشترك (الوجود - مع.)Mitsein يتميز الفضاء العمومي ببعدين متناقضين، لكن متكاملين: من جهة، البعد «الرمزي» Symbolique الذي يعني التبادل التخاطبي وتقاسم الخبرات، ومن جهة أخرى البعد «المادي» Matérielle الذي يمثّل الموقع الجغرافي (مكان، وأغورا، ومقر حزب، واتحاد نقابي، وغيره) حيث يجتمع الأشخاص ويتشاورون. سنأخذ هذا البعد المزدوج المتعلّق بثنائية «المكان» و«الفضاء» من منظور ميشال دو سارتو. في الواقع، يمثّل «المكان»، وفقًا لكاتبنا، بنية هندسية وجغرافية محضة عندما يتعلّق الأمر بتوزيع الإحداثيات وعلاقة القرب أو البعد التي توجد مشتركة فيه، في حين أنّ «الفضاء» هو حركة هذه الإحداثيات وتفاعلها الفعّال: «يوجد نظام المكان (مهما يكن) حيث العناصر موزّعة في علاقات التعايش. ولذلك أستبعد ذلك لأمرين، أنْ تكون في المكان نفسه. يسود القانون ‘الخاص’: العناصر التي تُعدّ وحدات متراصّة في بعضها البعض، كلٌّ متعيِّن في مكان ‘خاص’ ومتميز ومحدّد. المكان إذًا صورة لَحظية من المواضع.

تنطوي على إشارة للاستقرار. يوجد فضاء حينما يؤخذ في الحسبان قوى التوجيه ومقدار السرعة ومتغير الوقت. الفضاء هو تقاطع قابل للحركة. هو في بعض الأحيان ضرب حيوي من مجموع حركات تنتشر. الفضاء هو التأثير الذي تنتجه العمليات الموجِّهة، الظرفية، والزمانية للمبادرة في العمل في وحدة متعددة البرامج المتضاربة أو المتقاربة والمشتركة». الفضاء هو المكان كما اللغة هي الكلام، لاستعارة تشبيه دو سارتو تمّ إعادة النظر باستمرار في جميع أعماله. إذا كان الكلام هو ممارسة فعّالة للغة، في حالة العبارة هو رهان في الفعل له نسقه الشكلي، والفضاء أيضًا هو الممارسة الحقيقية والملموسة للمكان، أصبح ممكنًا بالنسبة إلى الحركة أن تُدخل

تأسيس عمليات تشريعية حول المِلكية، والتحيين والعلاقة. «باختصار، الفضاء هو مكان ممارَس»، قول دو سارتو في الصميم. وهكذا، المكان الحضري (حيثما كان) يمثّل تحوّله إلى فضاء عمومي،

للمشي وللاجتماع وللتخاطب، وغير ذلك. تعيد الممارسات التي تقام في المكان المتغيرات إلى وضعياتها الثابتة حيث يمكنك أن ترى نظامًا متغيرًا ومتطوّرًا. يدلّ المكان، في التعريف، على أنّه «موقع» Site في وظيفة تُموقع الأشياء في علاقة

ببعضها البعض. عندما قدّمنا الحركة على أنّها لابتكار، هذا يعني أنّ المكان الذي أصبح ممارسة،

(1((أغورا Agora ساحة عامة في اليونان القديمة (المترجم.)

(11) De Certeau, L’invention du quotidien , I, pp. 172-173.

(((1 على غرار تصريحه في نظام اللغة استنادًا إلى العناصر التي تحدّد بنيته ووظيفته، مصرّحًا بالفضاء الحضري الذي يخضع

للعمليات نفسها:.1 المِلكية: كاستيلاء المتكلّم على اللغة والممارسة في وضعها المحلي، السائرون يمتلكون الفضاء الحضري،

فهم مهووسون بإدارته..2 التنفيذ: كما الكلمة هي تحقيق لفظي للغة، السير هو تحقيق مكاني للنظام الحضري..3 العلاقة: كما أنه يوجد عقد بين المتكلمين داخل نظام اللغة، هناك علاقات طوبوغرافية معدّة في وضعية عقود براغماتية بين السائرين حيث يتم

تعريف كل موقف من حيث دور المواقف المتاخمة.

يغدو فضاءً. الفضاء، في التعريف، هو الذي يتيح الفاصل أو المسافة: التباعد بين الأشياء. ربما يتنوع

هذا التباعد وفقًا للحركة المقدَّمة. ومن هنا، فالفضاء العمومي لديه كل خصائص الثبات والتغيّر وإعادة

التشكيل للممارسات التي تمارس وفقًا للتنافس بين العناصر التعبيرية والمؤشرة.

الفضاء العمومي المغاربي في فرنسا: ثقافة شعبية

بناءً على القاعدة الثنائية إستراتيجية/ تكتيكية التي اشتغل عليها ميشال دو سارتو وأعادها في انعكاس

اجتماعي سياسي كبير، هل الفضاء العمومي الفرنسي هو «إستراتيجية» بدلً من الفضاء العمومي المغاربي الذي يتعيّن في «التكتيكية»؟ لم يتم التفكير في هذا السؤال من حيث التناقض لاصطلاحي،

لكن بالأحرى لاشتراك، والتداخل أيضًا. في تحرّيه لاجتماعي والأنثروبولوجي الذي أسفر عن

تحرير مجلدين من ابتكار اليومية، ركّز دو سارتو في معظمها على ما يسميه «الثقافة الشعبية» culture populaire La عن طريق إفراغ الكلمة من محتوياتها ووَصْمها بعار «الأيديولوجية». كان ينبغي أن

يكون نوعًا من التصويب النقدي لجعل شرعيتها الإبستيمولوجية ضمن مفهوم مستمر ومضلَّل بواسطة « لافتتان» Ensorcellements بنمط السياسة ووسائل الإعلام. ما الذي يجعلنا نتعرّف على الثقافة

الشعبية؟ ما هي المقوّمات والتحديات؟ يعرّف دو سارتو الثقافة الشعبية بسمتين كبريين: - السمة الأولى: الشفوية L’oralité بوصفها إطارًا تفسيريًا لتنفيذ التبادلات الخطابية والرمزية، التجارة

في الأفكار، وعقود الكلام والتأويل. هذا هو، باختصار، لاستعمال اليومي للّغة العادية مع كل ما يستلزم من عمليات خطابية واستعارية وتصريحية. - السمة الثانية: العملياتية L’opérativité بوصفها إطارًا تطبيقيًا من شأنها أن تؤدّي إلى استعم لات

من أيّ نوع. ارتكز ميشال دو سارتو على مسلّمة «النشاط/ الكسل»، بوصفها واحدة من الأفكار

الأساسية في فكره، عكس ثنائية «الإنتاج/ لاستهلاك»، في معرفة مصلحة الطرف الآخر الذي يأخذ في الحسبان استعم لات الذكاء بوصفه نشاطًا ضمنيًا وإبداعيًا. فالممارسات ليست انقيادًا لرمز

اقتصادي يحكمها. على الرغم من أنّها مصنوعة داخل هذا الرمز، فهي تتطلّب نوعًا من التحكم الذاتي

(13) De Certeau, L’invention du quotidien , pp. 36-37; M. De Certeau, La prise de parole et autres écrits politiques (Paris: Seuil, 1994), pp. 178-179.

(((1 ونحن هنا نأخذ كلمة «تجارة» بمعناها الإيتيمولوجي الذي كان بالفعل في رواج خ لاا عصر التنوير، مثل اجتماع الناس

والمشادة الكلامية، قبل أن يحتلّ اليوم أهمية اقتصادية وتجارية. (((1 يكتب دو سارتو في موضع آخر: «فئة خاصة من لغة تخدم (كما تم تعريفها في القاموس النحوي للغة) استعم لات في واقع الأمر، سلوكيات رب العمل اجتماعيًا، نماذج العمل، بروتوكولات، خبايا و‘طرق الخير’، ضبط اللغة في متاهة الملابسات العارضة،

نقص في اقتصاد تبادلات اللغة»، انظر:

De Certeau, La prise de parole , pp. 260-261. (16) De Certeau, L’invention du quotidien , chapitre III est entièrement dédié à la question de l’usage: «Faire avec: usages et tactiques,» pp. 50-68.

الذي ينظر متفرّدًا في طرق استعمال هذا الرمز لاقتصادي، يَفترض أو يَفرض. وبعبارة أخرى، لا تظهر

الممارسات الخاصة في لانقياد للقواعد التي ينظّمها الرمز، ولكن في لاستعمال الذي وقع. وينطبق هذا على أيّ نوع من الإنتاج، مادي أو رمزي. وبناءً على هاتين الخاصيتين من الثقافة الشعبية، يُعرف الفضاء العمومي المغاربي في فرنسا بأنّه «شفهية»

مشبعة بالخلط اللغوي. هذه هي الحال في «الكلام» حول اللهجة العربية أو البربرية «المفرنسة»، أو على العكس، الفرنسية «المعرّبة» أو «البربرية». قامت «العملياتية» النسبية أيضًا بدور خاص في التراث

أو التقاليد التي يدعوها بورديوBourdieu لقة أو عادة خِ L’habitus، يتعلّق الأمر بانتشار العادات المغاربية في الأماكن العمومية في فرنسا. يُنظر إلى هذه العادات في أنماط الإدراك والحكم المرتبط على وجه التحديد بتاريخ الأفراد وممتلكاتهم الشخصية (اللغات، والمعتقدات، والخرافات، وغيرها). في مقاربته للأقليات غير المرئية التي تشمل التجمعات المغاربية، يضع دو سارتو هذا «الغير» من أيّ مكان آخر، أو حتّى المثيل هو نتيجة انبثاق من الداخل (البريتونيون، والباسك، وكورسيكا Bretons, Corses Basques,)، في اتصال مع «الهوية» بحثًا عن لاستقرار السياسي ولاجتماعي. هذا كلّه نسق الفكر «الغربي» الذي يسعى إلى تحديد العلاقة ب «الغير» في دائرته: «يعكس حضور ‘الأجانب’ عندنا تدريجيًا، العلاقة الإثنولوجية أو لاستعمارية Colonisateur ou Ethnologique التي تسمح بإعادة

النظر في لافتراضات. وكيفية التعامل معها بوصفها معطى داخل تاريخنا، يُعبّر عن الوضع لاقتصادي،

وبوصفه ‘جسمًا غريبًا’ ضمن تحليل عرقي. البديل غير مقبول (على الرغم من أنّه متكرر). فالعلاقة

تتطلّب إعادة النظر في التقسيم الغربي للمعرفة». إذا تبدّت المعرفة الغربية بوصفها «إستراتيجية» للتهيئة والتوسّع، يبدو الفضاء العمومي المغاربي

«تكتيكية»، لأنّه يقاس بأهمية لاستعمال الذي يجعل المغاربة ضمن هذه الإستراتيجية: «يبقى المهاجرون في وضع متبادل. يعود المقيمون في أقاليمنا الإبستيمولوجية لاستيعاب الرموز وفي كثير من الأحيان، تنتشر تجربتهم حتّى في البلد الأصل وفقًا للفجوة التي توجد في التعارض بين لاقتصاد والثقافة، أو العمليات الإنتاجية مع التمثّل الرمزي، تحوّلت تقاليد المهاجرين في الماضي مقارنةً

بالحاضر لكن ظلّت لا يتم التفكير فيها وصامتة». سأعرض هنا العناصر التكتيكية للفضاء المغاربي والإزاحات والفجوات الدلالية، نظرًا لأهمية العادات

المنتشرة في ح لات التفاعل، أو ما يدعوه دو سارتو ﺑ «نظم السلوك لاجتماعي Régimes de» Socialité. يتجلّى هذا النظام لاجتماعي بوصفه «صورة لتنسيق الأفعال» بعد إدخال التعديلات اللازمة بحسب المواقع (الأسرة، والمقهى، والمصنع، وغير ذلك) وفقًا لح لات آنية:

(17) De Certeau, La prise de parole , p. 237. (18) Ibid, p. 238.

(1((في سجل مماثل، كان بولتانسكي وثيفنوت يوصيان بسوسيولوجيا نظم الفعل في:

Thévenot & Boltanski, Les économies de la grandeur (Paris: Gallimard, 1991); Albert Ogien & Louis Quéré, Le vocabulaire de la sociologie de l’action (Paris: Ellipses, 2005), pp. 105-110.

«لكن يمكنهم أيضًا استيعاب الأنظمة غير المتجانسة للسلوك لاجتماعي في مواقع منفصلة (على سبيل المثال، من جهة، العائلة أو المقهى، ومن ناحية أخرى، المكتب، والمصنع والإدارة)، ويستمر في الترميزات الأخرى والسائدة والممارَسة التي لديها تأثير في الكشف في سابقة استثنائية ووظائف خفية [...] أعتقد أنّ تجربة الأعراق تطمس وضوح فوارقنا العرقية (الفكرية، والإدارية) ما يفضي إلى مراجعات مبكرة في تصوّراتنا». وهكذا، فإنّ الفضاء العمومي المغاربي هو استعمال مختلف الترميزات السائدة. إنّه يدرج عوالم غريبة عن هذه الترميزات، طقوس ذات صلة بالحياة اليومية في المنزل، والمطبخ، للوصول إلى المعلومات، وتحليل الحقائق. في حين يتصرّف في إقليم ترميزاته (اﻟ «إستراتيجية»)، وإعادة استعمال

التطبيقات المحدّدة والمحدودة بوجه آخر عند لانتهاء من ح لات الفعل (اﻟ «تكتيكية»). أقول إذًا، يوجد استعم لات مختلفة للرمز السائد نفسه. يتناول دو سارتو المسألة قيد لاستعمال والمتصلة هنا بالرمز الإستراتيجي، والتكيّف الذي يحدّد نوعًا من لاستعمال المختلف والمتقاطع مع القيم المشتركة.

دون رفضٍ أو تبنٍّ، يمكن المرء الحديث عن التكيّف في حالة: «هذه المجتمعات، في التمثّل هي

متحوّلة بعمق ومغيّبة عن ساحتنا الوطنية من آثار لاستيعاب التي هي أيضًا في حد ذاتها، بسبب الهجرة

والتهميش، متحوّلة بواسطة تكيّفهم مع الأوضاع الجديدة، هذا يعني آثار التكيّف [...] لا نستطيع

حصر استيعاب البلد المُضيف (ظاهرة ‘وحشية’) الجسم الغريب، فقدرات التكيّف بين أعضاء هذا

الجسم هي التي تثبت ذلك، بالنسبة إلى الديناميكية، تترجمها إلى سلسلة من التكتيكات أو الوسائل لإعادة استخدامها لأغراضهم الخاصة من أجل فرض نظام معيّن». تتعدّد أشكال هذا التكيّف، على سبيل المثال إقامتها في مبنى هندسة هوسمانية Haussmannienne،

لكن في الداخل يتمّ ترتيبها وفقًا للذوق المحلي للبلد الأصل: النمط الموريسكي Mauresque

والمؤثّث في خشب صلب. كذلك، يكيَّف الفضاء العمومي بأنماط أي مكان آخر، في البلد الأصل،

سواء كان ذلك في المقاهي أم الأسواق. يجد المغاربة في هذه الأماكن فضاءً للتبادل الثقافي والخطابات

المتعلقة بالنشاطات اليومية، السياسية ولاجتماعية الجديدة. على حدّ تعبير ميشال دو سارتو، لخلق أنماط خاصة، مُشربة البراعة والمبادرة الحرة: «يمكننا السعي لإضافة تحليل الخطوات نفسها التي من

خلالها تَنزع ‘الأقليات’ Minoritaires، إلى تغيير الأوضاع المفروضة عليها وتحسينها. وليست هي أكثر من الأوضاع التي يوجدون فيها، لكن العمليات التي جعلت تاريخهم، ليس في أكثر الح لات، ولكن في أفعال وأنماط محددة». هنا، لا يمكن إنكار أنّ سارتو نقَل الإشكالية من التمثلّات إلى الممارسات، أو من «علم النفس لاجتماعي» Sociale Psychologie إلى «براغماتية لاستعم لات» Usages Des Pragmatique، لأنّ ما طُرح هو أنّ المغاربة يعتقدون أكثر ممّا يفعلون أو يبتكرون أساليب وطرقًا للفعل. ومن المؤكد أنّ

(20) De Certeau, La prise de parole , p. 238. (21) Ibid., p. 248. (22) Ibid., p 260.

التمثلّات ليست مستبعِدة تمامًا حقيقة أنّه من المستحيل فصل الممارسات عن أطرها العقلية. ولكن

يتمّ التركيز على الممارسات والطرق المستعملة في الفضاء العمومي السائد. من السهل الإشارة إلى

الدلالة والتحدّي المتمثّل بالعالم من طرف العمليات المتخذة، فقط من خلال التوقعات التي تتناول النوايا أو الظواهر النفسية.

الخلاصة: بعض الآفاق المستقبلية

ينطوي عمل ميشال دو سارتو على هدف إمبريقي وبراغماتي يطبع الفعل المغاربي الممارَس في حالة

معطاة. وفي وقت قياسي، لفت دو سارتو لانتباه إلى الدور الذي يمكن أن يقوم به المغرب العربي، ليس فقط في تعريف الهوية الفرنسية (لأنّ أيّ هوية تعرَف دائمًا من الآخر الذي يكون خارجيًا عنها)،

ولكن أيضًا في ترقية نظام سلوك اجتماعي مختلف، هجين وفسيفسائي: «وُضعْتُ عند تَمفصل عالمين: ممارَس، مفروض وفوضوي، ولكن ممارسة لغتين أو ثقافتين، يدلّ

على أنّه لا يزال من الممكن التنقّل بين الماضي والحاضر، بين هنا وهناك، يمكننا خلق معادلِات للرموز، تنظيم أنساق للترجمة [...] إنّ قبول الوجود الحقيقي للمهاجرين، في الواقع، يفتح فضاءً حرًّا

للكلام والتعبير، بحيث يعطيه ثقافة للمعرفة؛ هذا في حالة التوقّف عن السخرية أو عن احتقار علامات لاختلاف، ولكنّه يسعى إلى استعادة أهمية الإنسانية، ردة فعل معيّنة». كانت دعوة دو سارتو لتأكيدات خاصّة إذًا، تدور حول وجود مجال لإعطاء المغرب العربي الرؤية من

خلال الفضاء العمومي حيثما كانت ممارسة الكلام بحرية ومسؤولية. هذا الفضاء ليس بعدًا «مسرحيًا»

scénique فقط يمكن أن يتحقّق من خلال نظام «أشعّة» Scopique لنَرى أو نُرى. لكن يهدف هذا الفضاء ليصبح أيضًا بعدًا «إبستيمولوجيًا» Epistémique حيث تُعدّ قيم المعرفة جزءًا رئيسًا. لأن

الرهانات على فضاء عمومي مغاربي معزول أو متفاعل مع فضاءات أخرى مهيمنة (الفضاء العمومي الفرنسي) أو مجاورة (الفضاء العمومي الصيني، والبرتغالي، والبولندي، وغيرها) التي تُعرف بثقافة، تجَسّد هذه الثقافة في مظاهر متعدّدة ذات سمات ثقافية أو بيداغوجية. هذه هي الحال، على سبيل

المثال «العيد في المدينة» Cité la dans l’Aïd في مرسيليا، بمبادرة من جمعيات المغرب العربي، كل عام وأثناء احتف لات العيد، وتنظيم لاحتف لات بالمشاركة من خلال العروض المسرحية، والموسيقى، والرسم، والسينما، والمؤتمرات، وغير ذلك. إذا كان الفضاء العمومي المغاربي يضفي على الكلام أشكالً متعددة للتعبير (الرقص، والغناء، وغيرها)، فإنّها لم تعد موجودة، لكن لا تزال محصورةً عند الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا الفضاء، بل تمتدّ إلى أشخاص آخرين يملكون آفاقًا في لاهتمام المعرفي المذكور. إذا كان دو سارتو يذكّر بالمغرب العربي خلال سنوات السبعينيات من القرن العشرين، فماذا عن اليوم؟ هل تطوّر هذا الفضاء؟ أم هل تدهور؟ وما هي لاضطرابات والتحديات؟ من المستحيل أن نتناول في

بضع صفحات تاريخ هذا الفضاء الخاضع لمتطلبات سكان الجيل الثاني والثالث، مع لاضطرابات

(23) Ibid., p 217.

التي تعيشها فرنسا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. ولكن لمحة موجزة تبيّن أنّ الفضاء المغاربي

ليس كيانًا معزولً، بل يجب أن يرتبط بالرهانات الوطنية والدولية. إذا كانت الضرورات لاقتصادية العامل الأساسي لتنامي الهجرة في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (الفترة التي يشير إليها سارتو في كتاباته)، هناك ضرورات أخرى، سياسية وأمنية، طغت على الفترة الممتدة خلال التسعينيات حتى عام 000.2 في الواقع، تَشبُّع سوق العمل في فرنسا بالتطور لاقتصادي

والسياسي في العالم (الأزمات لاقتصادية، والأسلمة، وعودة الحساسيات القومية، وغيرها) أدّى إلى تباطؤ هذا التسارع في الهجرة، نقلنا كلُّ هذا من القضية لاقتصادية البحتة (العمالة الأجنبية، ومواقع البناء، وغيرها) إلى القضية السياسية (يضطرّ كل سياسي في فرنسا إلى أن يستعمل سياسة

الهجرة في مشاريعه لأغراض انتخابية) والأمنية (منذ فترة الثمانينيات والتسعينيات وقت صعود الجماعات الدينية والإسلام السياسي، باسم «السلفية» Salafisme وارتفاع العنف في ضواحي باريس عام 0052، وغيرها). لا يهمّ هنا أن نصدر حكمًا على سياسات الهجرة المعتمدة (نجاح، أم فشل)، ولكن لتقييم مكانة الفضاء العمومي المغاربي في رقعة شطرنج الأحداث و لاضطرابات. أوّلً وقبل كلّ شيء، يجب أن نشير إلى أنّ الفضاء العمومي المغاربي ليس منسجمًا ولا متجانسًا. إذا كانت التقاليد التي تمارسها الأسر، قوية في استعم لاتها المختلفة، مع إمكانية وجود تمازج للأجناس، يُعدّ ذلك تصحيحًا ورفضًا صريحًا. هذا واضح في الجيلين الثاني والثالث اللذين تردّدا على المدرسة الفرنسية (خلافًا لآبائهم) واختلطا مع الخلفيات والثقافات الأخرى (الصداقة، والزواج، وغير ذلك). تمّ دمج جزء كبير من هذه الأجيال، فهي تلتزم قيم الأجداد، لكن تلتزم قيم الحداثة والعلمنة بعمق، وتتطلّع إلى مستقبل التكنولوجيات الجديدة. ومن هنا، يقع الفضاء العمومي المغاربي في تحوّل، لأنّ القيم حتى الآن علامات مميزة للأشخاص الذين يتعرّفون إلى أنفسهم في هذا الفضاء الذي يخضع لتعديلات من خلال تقديم أنماط مختلفة

واستعم لات متباينة. لأنّ الفكرة التي ندافع عنها هنا هي: إذا كان الفضاء العمومي المغاربي هو « لاختلاف» في الفضاء العمومي السائد، فهو لا يحمل أقل علامات « لاختلافات» في شروطها وعلاقاتها، وتصبح القيم عرضةً للتعديل بتأثير لاتص لات والتبادلات والتفاعلات.

References

المراجع

De Certeau, Michel. L’invention du quotidien. Paris: Gallimard/Folio, 1990. ________. La prise de parole et autres écrits politiques. Paris: Seuil, 1994. Dosse, François. Michel de Certeau, le marcheur blessé. Paris: La Découverte, 2002. Giard, Luce (éd.). Michel de Certeau. Cahiers pour un temps. Paris: Centre Georges Pompidou, 1987.

Habermas, Jürgen. L’espace public: archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise. Marc Buhot de Launay (trad.). Paris: Payot, 1978. ________. «L’espace public: 30 ans après.» Quaderni , no. 18 (Automne 1992). ________. Droit et démocratie. Paris: Gallimard, 1997. Poujol G. & Labourie, R. (éd.). Les cultures populaires. Toulouse: Privat, 1979. Ogien, Albert & Louis Quéré. Le vocabulaire de la sociologie de l’action. Paris: Ellipses, 2005. Quéré, Louis. Problèmes d’épistémologies en sciences sociales, II-Sociologie, pratique et politique. Paris: Cems Ehess, CNRS, 1983. Thévenot & Boltanski. Les économies de la grandeur. Paris: Gallimard, 1991.