تشكل الهوية في ظل المواجهة الكولونيالية
The Formation of Identity in the Context of Colonialism
الملخّص
تتناول هذه الدراسة تمثيل الهوية في رواية "أبواب الفجر"، من منظور سيميائي ما بعد كولونيالي، ركزنا فيه على تحليل البنية السردية والخطابية للحكي. وقد مكننا هذا التحليل من تعيين نمطين من السرديات الكبرى يتصارعان في النص: السرديات الكولونيالية و سرديات المقاومة ؛ وخلصنا إلى أن الهوية السردية للشخصيات تتشكل في سياق العنف الكولونيالي، وأن الرواية تعتمد منظورا ما بعد كولونياليا في استراتيجية التمثيل الثقافي لصور الذات والهوية والتاريخ.
Abstract
Abstract: This paper explores the representation of identity in the novel, Abwab al-Fajr from a post-colonial semiotic perspective, focusing on the story’s narrative and rhetorical structure. This analysis Identifies two types of major narratives that grapple with the text, the colonial and the resistance. The paper concludes that the characters’ narrative identities are formed in the context of colonial violence, with the novel adopting a post-colonial perspective in its cultural representation of images of the self, identity, and history.
- الكولونيالية
- السرد
- المقاومة
- العنف
- Violence
- Identity
- Narrative
- Colonialism
- Resistance
The Formation of Identity in the Context of
Colonialism
كولونيالي، ركزنا فيه على تحليل البنية السردية والخطابية لل «حكي». وقد مكننا هذا التحليل من تعيين نمطين من السرديات الكبرى يتصارعان في النص: السرديات الكولونيالية وسرديات المقاومة؛ وخلصنا إلى أن الهُوية السردية للشخصيات تتشكل في سياق العنف الكولونيالي،
وأن الرواية تعتمد منظورًا ما بعد كولونياليًا في إستراتيجية التمثيل الثقافي لصور الذات والهُوية
والتاريخ.
مقدمة
ارتبطت الرواية منذ بدايتها بتشكيل الأمم الحديثة، ومن ثمَّ كانت متورطة في تعزيز سردياتها
الكبرى التي تتصل بتأكيد هُوياتها القومية وتواريخها الخاصة. ويحيل مصطلح السرديات الكبرى على «الحكاية الشاملة أو الميتا حكائية التي تدعي صلاحية كونية، وتقدم على أنها خُطاطة أساسية تسوّغ وتفسر كل مظاهر المشروع الإنساني». بهذا المعنى تشكّل السرديات الكبرى أنساقًا
ثقافية كلية، توفّر للناس نموذجًا تفسيريًا لاعتقاداتهم وتجاربهم في الحياة. إنها تكتسب أهميتها الثقافية
والرمزية من كونها تمثّل مصادر وموارد للمشروعية، لتبرير أفعال الأفراد والجماعات ورهاناتهم، وتضفي عليها معنى ومعقولية. وهكذا، فإنها تنهض بوظيفة معيارية في المجتمع، تحدد القواعد «التي تدور عن الصدق وعن المعايير والأهداف»، ولذلك توسم بأنها «ميتا–سرديات » Meta-narratives، أي سرديات مفسرة. يعرض جون فرانسوا ليوتار في كتابه الوضع ما بعد الحداثي، في سياق فحصه طبيعة المعرفة الحكائية، نمطين للسرديات الكبرى في الثقافة الأوروبية، هما «خطاب التحرر الإنساني والسرديات الماركسية»؛ كلاهما يقدم تفسيرًا شموليًا للتاريخ الإنساني، ويبشر الإنسانية بمستقبل طوباوي تنتفي فيه كل الشرور،
وتتلاشى كل الاختلافات، ويحظى فيه الإنسان بكامل إنسانيته وكرامته. في هذا السياق، نعتبر السردية الكولونيالية أحد الأمثلة البارزة للسرديات الكبرى. فهي تقدم نموذجًا مُقَنعًا لحكاية التنوير المشروخة
بمفاعيل المفارقة الساخرة؛ إذ تبرر حكايتها الاستعمارية بدافع الرسالة التحضيرية الإنسانية، لكنها، تاريخيًا، مارست بعنصرية عرقية أفظع أشكال الاستغلال والقهر والاضطهاد ضد الشعوب المستعمرَة. لتوضيح أشكال العنف الإبستيمولوجي الذي تمارسه الكولونيالية على الذوات المستعمرَة، سيكون
موضوع هذه الدراسة تحليل إستراتيجيات بناء الهُوية في سياق العنف الكولونيالي في رواية أبواب
الفجر للروائي المغربي مصطفى الورياغلي، وذلك بالموازاة مع رصد الإستراتيجيات المضادة التي ترد بها الذات المستعمرَة على القوة الكولونيالية. والروائي مصطفى الورياغلي ينتمي إلى جيل
التسعينيات من الروائيين المغاربة، صدرت له روايتان، جنة الأرض (2013) وأبواب الفجر (2016)، إضافة إلى كتاب نقدي الصورة الروائية (2012)، وترجمة للرواية الإسبانية مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب). 2018(قبل أن نشرع في تحليل الرواية سنخصص مبحثًا لمعالجة علاقة الرواية بالسرديات الكبرى، باعتبار الأخيرة تمثّل نسقًا ثقافيًا مرجعيًا يتحكم في تشكّل هُويات الشخصيات في أبواب الفجر.
(1) Chris Barker, The SAGE Dictionary of Cultural Studies (London and Thousand Oaks & New Delhi: SAGE Publications, 2004), p. 79.
(((جيمس وليامز، ليوتار: نحو فلسفة ما بعد الحداثة، ترجمة إيمان عبد العزيز، مراجعة حسن طلب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003)، ص.48 (((المرجع نفسه، ص.58 (((مصطفى الورياغلي، أبواب الفجر (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.)2016
الرواية وسرديات الأمة
شكَّلت الرواية بصفتها جنسًا أدبيًا جديدًا، وُلد في الأزمنة الحديثة، أحد الأنساق التمثيلية الأساسية
بالنسبة إلى الأمم الحديثة، عبرت بواسطتها عن هوياتها وتجاربها وتواريخها. ففي المنعطفات التاريخية الفاصلة، تبتكر الأمم عددًا من المرويات السردية، تعيد بها ترميم علاقتها المضطربة بالزمن. إن الأمم في مواجهة التحديات التي تهدد وجودها بصفتها جماعةً تاريخيةً، تلجأ إلى سردياتها وأساطيرها المؤسسة لتستلهم منها موارد القوة الرمزية. من هنا تكتسب السرديات الكبرى قوتها الرمزية المؤثرة في حياة الأفراد والأمم من كونها «تنسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها وللعالم، تمنحها طبيعة الحقيقة التاريخية، وتمارس فعلها في نفوس الجماعة وتوجيه سلوكهم وتصورهم لأنفسهم وللآخرين، بوصفها حقيقة ثابتة تاريخيًا. وتدخل في هذه الحكاية، أو السرديّة، مكوّنات الدين، واللغة، والعرق، والأساطير،
والخبرة الشعبية، وكل ما تهتز له جوانب النفس المتخيلة». وبالنظر إلى هذا التكوين الخيالي لفكرة الأمة كجماعة مُتَخيلة، فإنّ الأمم هي سرديات مثلما يرى هومي بابا، «تتشكّل كنظام ثقافي للدلالة [...] وتمثيل للحياة الاجتماعية». إذا أخذنا في الاعتبار هذه الروابط التناصية والتاريخية بين الرواية والأمة، يمكن أن نسلم بوجود علاقة متبادلة منتجة بين الرواية والسرديات الكبرى. مثلما تستمد الرواية بعض مرجعياتها التخييلية من مستودع السرديات الكبرى بما تضمه من قصص وأساطير وتواريخ خاصة بكل جماعة، تستلهم منها الرواية بعض صورها وأنماطها القومية. وتغتني السرديات الكبرى، كذلك، بالحبكات السردية الجديدة التي تبتكرها الرواية في سياق تطور الأشكال السرديّة وتجديد أساليبها الجمالية، ما يفضي إلى تأويل جديد للسرديات الكبرى وتحيينها في السياقات الجديدة. وبهذا الفعل الإبداعي الخلّق تعمل الرواية على تجديد المُتخيّل الجماعي الخاص بالمجتمعات. من هنا يمكن أن نؤكد أن علاقة
الرواية بالسرديات الكبرى لا تقوم على قانون المحاكاة فحسب، أي استيحاء الرواية للمرجعيات الثقافية المتعددة التي تمدها السرديات، والتعبير عنها لتعزيز الهُوية، وإنما الأهم هو كيفية توظيفها لهذه المرجعيات الميتا سردية، وطبيعة الأسئلة والرهانات التي تحكم سياساتها النصية والسردية. هل يتعلق الأمر بسياسات تضمينية ديمقراطية أم بسياسات عرقية إقصائية؟ يوضح إدوارد سعيد، في كتابه الثقافة والإمبريالية، الصيرورة التي ارتبطت من خلالها الرواية الأوروبية بالسرديات الإمبريالية في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ وذلك بصياغة وجهات النظر والأفكار الاستعمارية حول تمثيلات الشعوب الأخرى غير الأوروبية التي صورت في هذه الروايات على أنها شعوب «متخلفة» و«بدائية». ويكمن الدور الإمبريالي الحاسم للرواية في تعزيز هذا السجل السردي والتخييلي من الصور والتمثيلات العرقية الذي اختلقته، وجرى استخدامه في عمليات بناء الآخر
(((من مقدمة كمال أبو ديب لكتاب: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة وتقديم كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب، 1997)، ص.17–16
(6) Homi K. Bhabha (ed.), Nation and Narration (London and New York: Routledge, 2000), pp. 1-2.
وتشويه صورته وازدراء ثقافته وتواريخه الخاصة؛ وهذا ما ترتب عليه إضفاء مشروعية ثقافية محبوكة بالجماليات المخاتلة على استعمار الشعوب واستغلال خيراتها وانتهاك إنسانيتها. ولقد جسدت رواية روبنسون كروزو، باعتبارها النموذج الأولي للرواية الواقعية الأوروبية في فترة التكوّن، هذا التبادل
المنتج بين الرواية والإمبريالية: «إن روبنسون كروزو عمليًا غير قابل للخطور ببال في غياب المهمة
الإرسالية الاستعمارية التي تسمح له بأن يخلق عالمًا جديدًا خاصًا به في أقاصي البراري النائية في
أفريقيا ومنطقة المحيط الهادي والأطلسي». غير أن هذا السرد الأوروبي الذي كان متموضعًا في التاريخ الإمبريالي للدول الأوروبية سيتعرض للتفكيك في المرحلة التالية لاستقلال الشعوب المستعمرَة. في هذه المرحلة ما بعد الكولونيالية،
ستتغير قواعد اللعبة السرديّة، وذلك حين أصبح في إمكان كُتّاب الشعوب المستقلة حديثًا أن يكتبوا رواياتهم الخاصة التي تستعيد هُوياتهم المسلوبة، وتقدم تواريخهم وثقافاتهم الخاصة بأصواتهم الأصيلة، ومن منظور يخدم مصالحهم وأهدافهم. والأهم في هذه الإزاحة السرديّة، أن هذه الأعمال
الروائية ما بعد الكولونيالية شكّلت سرديات بديلة من الروايات الأوروبية الكولونيالية، تولّد عنها نسق جديد في تمثيل البلدان المستعمرَة، على أنها شعوب تتمتع بثقافات وتواريخ وتجارب جديرة بالاحترام
والمساواة والعلاقات الإنسانية المتكافئة: «فللمرة الأولى يصبح الأفارقة والآسيويون [...] الذين كانوا موضوعًا لعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) الغربي، وللسرديات الغربية، والنظريات التاريخية والتكهنات اللغوية الغربية، كانوا في النصوص الثقافية الدليل السلبي على شتى أنواع الأفكار حول الشعوب غير الأوروبية الأقل تطورًا [...] خلّقين لآدابهم وتواريخهم الخاصة، كما يصبحون أيضًا قرّاء ناقدين
لسجل المحفوظات الغربي». إن ما يمكن اعتباره إبدالً جذريًا في هذه الإزاحة الخطابية، أي تحول التابعSubaltern (المستعمر السابق) إلى مُنتج للخطاب، بامتلاكه سلطة السرد والتمثيل، أنها ستفضي في مجال الكتابة الروائية إلى انبثاق سرديات بديلة تشكّلت، تاريخيًا وإبستيمولوجيًا، في سياق معارضتها للسرديات الغربية
الكولونيالية، في إطار عملية خطابية يسميها أشكروفت ب «الرد بالكتابة» على الإمبراطورية، قام خلالها كُتّاب المستعمرَات السابقة بالرد كتابةً على ما تضمنته السرديات الكولونيالية الغربية من نزعة عرقية
حكمت على مجتمعاتهم وثقافاتهم بالدونية والبشاعة والإذلال، وذلك من خلال إنتاج نصوص أدبية وروائية جديدة تحاور النصوص الغربية، «وتشترك هذه الآداب جميعها، بما يتجاوز طابعها الإقليمي الخاص والمميز، في أن شكلها الحالي انبثق من خبرة الكولونيالية، وأنها أكدت نفسها عن طريق
(((سعيد، ص.133–132 (((المرجع نفسه، ص.11 (((يستعمل مفهوم «التابع» لدى جماعة دراسات التابع الهندية لتعيين ذوات وكيانات تقع خارج النخبة، خاصة القطاعات الريفية، وقد توسع المفهوم وأصبح يدل على تعيين الذوات المضطهدة ثقافيًا وتاريخيًا. ونحن نوظف هذا المفهوم بالمعنى الموسع عند
سبيفاك لتعيين كل الذوات التي تقع على الهامش، ونعني ب «السرد التابع» الحكي الذي يشخص حكاية الذوات المستعمَرة في
السرديات الكولونيالية، انظر: بيل أشكروفت وغاريث غريفيث وهيلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان، تقديم كرمة سامي (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.319
إبراز التوتر مع القوى الإمبراطورية، وتأكيد اختلافاتها مع فروض المركز الإمبراطوري، وهو ما يجعلها متمايزة بوصفها ما بعد كولونيالية». يوضح، إذًا، التاريخ المتشابك والمطبوع بالعنف الإبستيمولوجي للإمبريالية الأوروبية أن السرد مارس دورًا حيويًا في تشكيل الأمم الحديثة، وضمنه اضطلعت الرواية بدور ثقافي أساسي في بناء
الأمم بوصفها «جماعات متخيلة»: «أما ما يجعل هذا التحول بالغ الأهمية بالنسبة لولادة جماعة الأمة المتخيلة فيمكن أن أراه على أفضل وجه في البنية الأساس لاثنين من أشكال التخيل لم يزدهرا في أوروبا إلا في القرن الثامن عشر: الرواية والصحيفة، حيث وفَّر هذان الشكلان التقنيات اللازمة ل ‘إعادة تقديم’ ذلك النوع من الجماعة المتخيلة الذي هو الأمة». إن التحول في الإدراك الزمني الذي واكب ميلاد الأمم الحديثة هو ما عكسته البنية السردية الزمنية للرواية؛ حيث يتم فيها تقديم ذلك المفهوم الجديد للأمة بوصفها جماعة متخيّلة، تفترض وجود أفراد
مترابطين فيما بينهم في الزمان، حتى وهم يوجدون في أماكن مختلفة من وطنهم القومي، وقد لا تكون لهم صلات مباشرة، ولكنهم موصولون بتصور للزمن موسوم «بالتوافق المؤقت، ويقاس بالساعة والروزنامة».
البنية الطباقية أو المواجهة الكولونيالية
قبل أن نشرع في تحليل تشكّل الهُوية في سياق العنف الكولونيالي في رواية أبواب الفجر، سيكون من المفيد منهجيًا أن نموضع هذه الرواية في تاريخ الرواية المغربية، حتى يتسنى لنا استخلاص طبيعة
المنظور الجديد الذي تعتمده في معالجة إشكالية الهُوية والآخر في السياق الكولونيالي. شكّلت المواجهة مع الغرب، سواء المواجهة الاستعمارية أم المواجهة الثقافية، أحد العوامل الأساسية في ظهور الرواية المغربية. ففي إطار المثاقفة مع الآخر، تكونت نخبة جديدة، بقدر ما ستقود النضال السياسي ضد الاستعمار، «ستكون هي طليعة التجديد الثقافي والفكري. ومن باب هذا التجديد اتجاه هذه النخبة نحو استدعاء أشكال أدبية مستحدثة لكي تكون مجالً لطرح مشاكل الهُوية والأنا ومشاكل العلاقة مع الآخر». في هذا السياق استوحت الرواية المغربية منذ بدايتها حقبة الاستعمار التي خضع لها المغرب من بداية القرن العشرين إلى عام 1956، لطرح أسئلة الهُوية ومآلات الاستقلال وتطلعات المستقبل؛ حيث عمل الروائيون على استعادة الماضي الاستعماري باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية وأفقًا لاستشراف
(1((بيل أشكروفت وغاريث غريفيث وهيلين تيفين، الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة شهرت العالم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006)، ص.17 (1((بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة (بيروت: شركة قدمس للنشر والتوزيع، 2009)، ص.65–64 ((1(المرجع نفسه، ص.64 (1((عبد الحميد عقار، «الرواية المغاربية الواقع والتجريب»، مقدمات، العدد 14/13 (1998)، ص.9
المستقبل. لكن ما يلاحظ في روايات هذه المرحلة المرتبطة ببداية الاستقلال أنها جنحت نحو الأسلوب المباشر في تقديم أطروحتها للتحرر من الاستعمار وبناء الأمة الوطنية الجديدة. إذا تأملنا رواية المعلم علي (1971 لعبد الكريم غلاب على سبيل المثال، وهي نص مؤسس في مدونة الرواية) المغربية، فإننا نلاحظ هيمنة هذه الأطروحة السياسية المباشرة: «تقدم المعلم عليرسالتها المباشرة من خلال شعارات وأفكار تدور حول الاستقلال الوطني والمطالب النقابية، ويمكن تلخيص أطروحتها المركزية في التأكيد على أن الاستقلال كهدف لا يمكن الحصول عليه إلا باتحاد الطبقة العاملة مع الطبقة البورجوازية المستنيرة في إطار وعي وطني يتجاوز الصراعات الطبقية». إذا كانت روايات الاستقلال تكتسب أهميتها التاريخية والثقافية من رصدها بدايات تشكل وعي وطني جديد في مواجهة الاستعمار الفرنسي، ووصفها أشكال الاضطهاد الاستعماري ضد المغاربة، فإنها من الناحية الفنية شابتها نزعة أيديولوجية مباشرة، بفعل هيمنة المضمون الوطني السياسي والاجتماعي على بناها الدلالية والسردية، واعتمادها السرد الأحادي الصوت في تمثيل الماضي الاستعماري؛ حيث يتم سرد هذا التاريخ المشترك من منظور واحد، هو منظور الحركة الوطنية. على خلاف ذلك، نسجل أن الروائي مصطفى الورياغلي، وهو يعود إلى فترة الاستعمار ليستوحي موضوع روايته أبواب الفجر في بداية الألفية الثالثة، كان واعيًا بحدود المسافة الزمنية التي تفصله عن فترة الستينيات من القرن
العشرين. والأهم أنه خلال هذه المسافة الزمنية الفاصلة تغيرت مسارات الأحداث والبنى الاجتماعية والسياسية، وتغيرت معها بالضرورة أنماط الوعي وأساليب الكتابة الروائية. وأبرز ملمح لهذا التغيير أن الورياغلي اختار أن يحفر في منطقة ظلت مهمشة ومنسية من تاريخ الاستعمار في المغرب هي منطقة المقاومة الريفية ضد الاستعمار الإسباني في شمال المغرب. إضافة إلى هذا الانزياح الدلالي، نجحت رواية أبواب الفجر في تجاوز شكل الرواية – الأطروحة المباشر الذي ميز روايات الاستقلال، وذلك بفضل خلقها محاورة تناصية مع الرواية الإسبانية الاستعمارية التي تناولت موضوع الحماية الإسبانية في شمال المغرب وهزيمة الجيش الإسباني في معركة «أنوال» التاريخية. وإذا كانت الرواية الإسبانية الاستعمارية اختارت الرؤية المنولوجية في تصويرها المغاربة، صوت السارد العليم الاسباني ولا يحظى فيها صوت المستعمَر المغربي بأي فرصة للكلام والحكي، فارضةً عليه صمتًا كولونياليًا قسريًا، فإن
رواية أبواب الفجر تخرق هذه البنية الأحادية؛ وذلك باعتمادها بنية سردية «طباقية »Contrapuntal، بتعبير إدوارد سعيد، يحضر فيها بصورة متزامنة صوت المستعمِر وصوت المستعمَر، وتتقابل فيها السردية الكولونيالية مع سردية المقاومة. هذه البنية الطباقية تشخصها تعددية منظورية تبرز من خلال تعدد الأصوات (صوت الكولونيالية، وصوت المقاومة، وصوت السلطة). يجسد صوت الكولونيالية وصوت السلطة «الكلام الآمر » بتعبير ميخائيل باختين، أي ذلك النمط من الكلام الذي يقتضي «أن نعترف به وأن نتمثله، وهو يفرض نفسه
(1((أحمد اليبوري، دينامية النص الروائي (الرباط: منشورات اتحاد كتّاب المغرب، 1993)، ص.39 ((1(سعيد، ص.118
علينا بغض النظر عن درجة إقناعه الداخلي لنا». في الرواية يتقدم خطاب الراوي الكولونيالي ومن ورائه الجهاز الإداري الكولونيالي (إدارة الشؤون الأهلية) إلى الأهالي في صورة كلام آمر؛ كلام القوة الإمبراطورية التي تتكلم لغة التهديد، وتضع الآخرين أمام خيار واحد هو التسليم بالأمر الواقع وتنفيذ الأوامر: «هز الجنرال كتفيه استهانة، وقال بلهجة الواثق من أمره، لكن إذا أبوا إلا الحرب فليتحملوا أوزارها. فلن تأخذنا بهم رأفة، ولن نراعي لهم حرمة، سنطلق فيهم أيدي جنودنا إلى أن يستسلموا وهم صاغرون». مقابل ذلك، يجسّد صوت المقاومة الكلام المُقْنِع، أي ذلك النمط من الكلام الذي يكون مقنعًا داخليًا،
لأنه يتشكّل في صيرورة الحوار، وغالبًا ما يكون «محرومًا من السلطة». ففي إطار تعبئة الناس
العاديين للانخراط في مشروع المقاومة، اضطرت حركة المقاومة إلى خلق جناح إعلامي من العلماء للتواصل مع الناس وإقناعهم انطلاقًا من عملية التواصل اليومية، من أجل تجاوز تناقضاتهم الداخلية والاصطفاف حول المقاومة لمواجهة عدوان الاستعمار. أدى هذا النزول إلى محافل الناس العاديين وتجمعاتهم والتواصل معهم إلى فتح نطاق للعمل المتبادل بين «سياسات الناس» و«سياسات النخبة» في إستراتيجية المقاومة. وتكمن أهمية هذا الفعل السياسي في أنه دفع النخبة إلى تكييف سياساتها النخبوية مع طبيعة التدخل السياسي للناس العاديين الذي يميل إلى أن يكون أكثر تحررًا من البنية الهرمية التي تحكم سياسات النخبة، ويقوم على ارتباطات أفقية تتجاوز التعقيدات التي تفرضها البنية العمودية التي تنظم مؤسسة المقاومة. من مظاهر هذا التكييف السياسي اتجاه نخبة من العلماء والقادة إلى «العمل من أسفل»، حيث كانوا يجوبون القبائل والأسواق ويقصدون الناس في تجمعاتهم ليتواصلوا معهم، ويشرحون لهم أهداف المقاومة ويفسرون لهم الأدوار التي يمكن أن يضطلعوا بها لدعم المقاتلين في الميدان: «أعظم إنجاز وفق إليه الأمير ابن عبد الكريم نجاحه في إقناع الناس بفكرة التغيير. لا أقصد نخبة القوم فحسب، بل حشود العوام كذلك». هذه الخاصية الحوارية في خطاب المقاومة تشخصها المناظرة التي جرت في ساحة عامة يتجمهر فيها الناس، بين الأمير عبد الكريم وجماعة «الفقهاء المتعصبين» حول واقعة «هل يجوز لنساء المسلمين أن يطبخن الطعام لأسرى الكفار» الذين أفتوا بتحريمه، لكن بعد المناظرة بينهما «لم يجدوا بُدًّا من الاعتراف بحجة الأمير»، أي جواز الأمر.
(1((ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة وتقديم محمد برادة (الرباط: دار الأمان للنشر والتوزيع، 1987)، ص.97 ((1(الورياغلي، ص.181 ((1(المرجع نفسه، ص.96
(19) Dipesh Chacrabarty, «A Small History of Subaltern Studies,» in: Henri Schwarz & Sangeeta Ray (eds.), A Companion to Postcolonial Studies (Malden, MA: Blackwell Publishing, 2005), p. 472.
((2(المرجع نفسه، ص.227
يترتب على التمييز بين هذين النمطين من الكلام في الخطاب تمييز آخر على صعيد البنية السرديّة بين نمطين متضادين من السرد، هما السرد الثنائي الصوت والسرد الأحادي الصوت. السرد الثنائي الصوت هو «دائمًا ذو حوار داخلي [...] حوار لصوتين، مفهومين للعالم، ولغتين»، ويعبر في الآن نفسه عن
قصدين مختلفين لمتكلمين مختلفين بطريقة حوارية، بينما يهيمن في السرد الأحادي الصوت منظور واحد ووجهة نظر واحدة. إن خطاب الراوي الكولونيالي في الرواية بتبنيه عن قصد صيغة الكلام الآمر يكرس سردًا أحادي الصوت، هو صوت القوة الكولونيالية المنتشية بقوتها وعظمتها التي لا تتصور الأهالي سوى صامتين وخاضعين. مقابل ذلك، يصوغ خطاب المقاومة بتبنيه صيغة الكلام المقنع سردًا ثنائي الصوت، تتحاور فيه جميع المنظورات، الأهالي والمستعمرِون، العلماء والناس العاديون، الرجال والنساء، بل إن خطاب المقاومة، كما سنوضح لاحقًا، لا يرى حرجًا في محاورة الآخر من خلال مبدأ التبادلية
البرغماتية؛ لأنه يميز الوجه التنويري للآخر (مجالات التقدم والعلم والتقنية) من وجهه الاستعماري. هكذا، تتأكد الأهمية السردية والثقافية للبنية الطباقية في رواية أبواب الفجر من منظور التناصية الثقافية، عندما نقارنها بالرواية الإسبانية الاستعمارية التي تناولت الموضوع نفسه، «بخطاب استعماري صريح، وأسلوب الشخصيات المرددة للصوت الروائي الوحيد الذي تزكيه الحقائق والمعطيات التقريرية». على خلاف ذلك، تستدعي أبواب الفجر الشكل الطباقي الحواري في منظورها السردي، لنقض الرؤية الأيديولوجية العرقية في الرواية الإسبانية الكولونيالية. ففي هذه البنية الطباقية، تتكلم أيديولوجيا الكولونيالية وأيديولوجيا المقاومة، ما يفضي إلى إقامة مواجهة سردية وخطابية بين الأيديولوجيتين، تتكشف خلالها الأنساق المضمرة والمزاعم غير المعلنة. وهذا يوفّر «إمكانية لبروز التضمينات الكولونيالية التي قد تظل من دون ذلك تضمينات مستخفية». تنبثق، إذًا، المواجهة الكولونيالية في النص من الصراع بين الصوت الكولونيالي الأحادي والصوت الوطني الثنائي، و«فوق ذلك يكون التجابه حواريًا: وجهة نظر ضد وجهة نظر، نبرة ضد نبرة، تثمين ضد تثمين»، هذا ما سنوضحه في العناصر التالية من خلال تطرقنا إلى إستراتيجيات تمثيل الآخر، ومنظور كل من المستعمِر والمستعمَر في استعادة التاريخ.
هُويات كولونيالية متصارعة
شكّلت الكولونيالية عنفًا إبستيمولوجيًا وماديًا ضد الهُويات الأخرى المستعمَرة؛ عنفًا ضد الهُوية
والتاريخ والجغرافيا. تؤشر هذه الخلفية الزمنية إلى طبيعة السياق الذي تتكون فيه هُويات الشخصيات
((2(باختين، ص.81 (2((محمد أنقار، بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإسبانية (تطوان: مكتبة الإدريسي للنشر والطبع، 1994)، ص.131 (2((أشكروفت وغريفيث وتيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية، ص.120 ((2(باختين، ص.72
الروائية؛ إنه سياق العنف الكولونيالي الذي يتمظهر في الحكاية، في سيناريو صراع على الأرض ومن أجل الأرض، وصراع هُويات وخطابات متعارضة. كيف تتشكّل، إذًا، هُوية الشخصيات داخل هذه الزمنية الكولونيالية؟ كيف تتمثّل ذاتها؟ وكيف ترى الآخر؟ بحكم المرجعية الكولونيالية، يستمد السرد في رواية أبواب الفجر قوته التمثيلية الرمزية من ديناميات الرغبة والقوة والأيديولوجيا التي تتداخل متضافرة في ما بينها في بناء صور الذات والآخر، واستعادة صور من الماضي، تستدعيها رهانات الحاضر. في سياق هذا المتخيل الكولونيالي، تتكون هُوية الشخصيات في الرواية، وتستمد معنى وجودها ورغبتها في سرد حكايتها من نسق تمثيلي كبير، هو السرديات الكبرى. وهي مرويات كبرى موضوع تبجيل وفخر من الجماعة، تبتكرها الجماعات لإضفاء المشروعية على وجودها والاستمرارية بين أجيالها، وتأكيد هُويتها واختلافها عن الآخرين. وتكتسب السرديات الكبرى هذه الوظيفة التفسيرية من كونها تمثل «ميتا – سنن»Meta-code، بمعنى أنها تنهض بوظيفة مزدوجة؛ إنها تمثيل حكائي لتجربة الشعوب وتفسير لهذه التجربة في الآن ذاته. وبواسطة هذه الإستراتيجية المزدوجة، يمارس التمثيل وظيفته الثقافية في السرديات الكبرى بإنشاء صور سردية ورسائل مُشَفّرة عبر ثقافية Transcultural عن الواقع والتجربة والعالم، تتجاوز الأفراد، وتكتسب سلطة النسق. تعمل السرديات الكبرى في رواية أبواب الفجر على محورين دلاليين متعارضين، كل محور يستدعي حكاياته الكبرى لتأكيد هُويته في مواجهة الآخر المعارِض؛ بحيث يمثل التعارض بين المستعمِر والمستعمَر النواة الدلالية العميقة المولدة للصيرورة الحكائية. على صعيد الحكاية تنقسم الشخصيات إلى محورين متقابلين: الشخصيات المغربية والشخصيات الإسبانية. لا يحضر هذا التصنيف في الرواية، بوصفه مجرد علامة سيميائية عابرة تشير إلى انتماء الذات، بل إنه يشكّل بؤرة مركزية لتشييد تعارضات موضوعة عبر فعل تصنيفي يستدعي شفرة العرق Race في ترميز التصنيفات والتمثيلات؛ وتفسير ذلك أن الكولونيالية ليست مجرد عملية تاريخية، بل تمثّل نظامًا للتمثيل يتأسس على أيديولوجيا عرقية. إذا بدأنا بتحليل حكايات الشخصيات الإسبانية، نرى أن الذات الفاعلة فيها تستمد قيمتها من استلهام قصص الإمبراطورية الإسبانية في الأقاليم المستعمَرة التي تقع خارج حدود إسبانيا، ومن
الدور الذي تُكلّف به الذات في المغامرة الإمبراطورية. في هذا السرد الإمبراطوري، يجري تبئير المحكي على نمط خاص من القصص الإمبراطورية، هي قصص الجنود والحملات العسكرية في بلاد المغرب، قصص القوة العسكرية. هذه البنية الحكائية الإمبراطورية هي التي تحكم بنية السرد، في مذكرات الصحافي الإسباني الذي أرسلته إدارة صحيفة لابنغوارديا الإسبانية، لمصاحبة الجيش الإسباني في حملته العسكرية ضد المقاومة. يقول: «في طريقي إلى أفريقيا. أخيرًا يتحقق حلمي
الكبير. حلم كل صحافي ناشئ يتوق إلى المجد والشهرة، سيتردد اسمي على لسان جميع الإسبان،
(25) Hayden White, The Content of the Form (Baltimore and London: John Hopkins University Press, 1987), p. 1.
مصحوبًا بأخبار البطولة والتضحية من أجل شرف إسبانيا الخالدة. يكفي أن تنظر إلى وجوه هؤلاء الجنود الأشداء، ليغمرك حماس لا حدود له، ولتوقن أنهم في سبيلهم إلى صنع ملحمة جديدة سيردد صداها التاريخ وتتغنى بأمجاد الأجيال. لا أشك أن العناية الإلهية هيأت لي أسباب هذا الشرف العظيم». في هذا السرد الإمبراطوري لا تتحدد حكاية الصحافي في شكل حكاية شخصية، بل بوصفها جزءًا
من حكاية الإمبراطورية الإسبانية (شرف إسبانيا الخالدة)، عبر فعل تخيّلي يدمج قصة الفرد في قصة
الجماعة. هذا الدمج للقصة الفردية في قصة الجماعة/ الأمة يتأسس على استدعاء التخيلات القومية: مرويات البطولة والتضحية، صور الجنود والسفن الحربية وهي تغادر البلد الأم في مهمة قومية مقدسة «من أجل شرف إسبانيا الخالدة». من منظور السيميائيات السردية، يخضع المسار السردي لقصة الصحافي لما نسميه التحفيز الكولونيالي. تدشن قصة الصحافي انطلاقتها بمغادرة الوطن الأم إسبانيا، وانتهاك حدود بلد آخر هو المغرب «في طريقي إلى أفريقيا»؛ بحيث لا تبدأ هُويته السردية داخل النص في التكون إلا حين يجتاز الحدود الإسبانية، ويسافر رفقة كتيبة الجنود الإسبان إلى المغرب. إن قصته تتشكّل في أرض الآخرين، وفي زمن الكولونيالية الإسبانية، وفي المستعمرَة الإسبانية. وهذا ما سيؤدي إلى تحول في الدور الثيماتي
Thématique للصحافي، بالمعنى السيميائي، من صحافي مدني في وطنه الأم (إسبانيا/ المتروبول) إلى مراسل حربي في المغرب (المستعمرَة الإسبانية.) يمثل هذا الفعل السردي، انتهاك الحدود في حكاية الصحافي معادلً حكائيًا للعملية الكولونيالية،
بوصفها غزوًا واعتداء على حدود الأمم. على مستوى التصوير الخطابي، يتمظهر سرد الأمة في حكاية الصحافي، على أنه قصة اعتداء تتعرض له الأمة الإسبانية من «الهمج المغاربة». ويصور التمثيل هذا الاعتداء على أنه إساءة لعظمة الأمة، وليس مجرد اعتداء مادي. نلاحظ هنا كيف أن فعل «الاعتداء» يتم ترميزه سيميائيًا، على أنه «فعل إساءة»
صادر عن دائرة المعتدي أو الشرير (المغاربة) ضد ذات خَيِّرة/ الإسبان. تتأسس، إذًا، البنية السردية لحكاية الأمة على بنية دلالية عميقة محكومة بالتعارض الدلالي: الخير مقابل الشر. وتفسير دلالة هذه الحبكة الخرافية التي يستدعيها سرد الصحافي في زمن غير خرافي، هو زمن الكولونيالية الإسبانية، أي زمن تاريخي، يكشف لنا التضمينات الأيديولوجية الإمبريالية الكامنة في حكاية الصحافي؛ حيث يتم إضفاء المشروعية على الكولونيالية بتصويرها على أنها مواجهة أخلاقية
((2(الورياغلي، ص.55
(27) Joseph Courtés, Indroduction à la sémiotique narrative et discursive: méthodologie et application, Préface de A. J. Greimas (Paris: Librairie Hachette, 1976).
(2((فلاديمير بروب، مورفولوجية الخرافة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب (الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)، ص.83
«الهمج المغاربة».
النموذج العاملي للحكاية الكولونيالية وفق الخطاطة التالية: المرسِل الاعتداء على الجنود الإسبان
الذات الأمة الإسبانية
المساعد وحدة الشعب الإسباني
الجيش
إسبانيا».
((2(الورياغلي، ص.66 (بيروت/ طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة/ دار أويا، 2006)، ص.75 الرواية يحدث نتيجة التغيرات في مسار الأحداث الإنسانية والتاريخية، وليس نتيجة المصادفة.
بين الأخيار (الإسبان) والأشرار (المغاربة)، بين المتحضرين والهمجيين، تستدعي «تأديب» هؤلاء
كما أشرنا سابقًا، يصور التمثيلُ الحملةَ العسكرية الإسبانية على المغرب على أنها حكاية اعتداء ضد الأمة الإسبانية، يستدعي فعلً للرد على هذه الإساءة، يتم توزيع الأدوار فيها تراتبيًا وأكسيولوجيًا؛ بحيث
يكون المستعمِر الإسباني في موقع المعتدى عليه، والمستعمَر المغربي في موقع المعتدي. يتوزع، إذًا،
الموضوع
المرسل إليه
إنقاذ شرف إسبانيا
الأمة الإسبانية
المعارض الهمج المغاربة
كما توضح البنية العاملية، تمثّل «الأمة» – سيميائيًا – الذات الفاعلة في حكاية الصحافي الإسباني.
فالبؤرة التي تحرك مساراتها السردية وصورها الدلالية، هي الأمة بوصفها «ذاتًا جماعية» فاعلة في الحكاية والتاريخ؛ حيث يجري دمج قصة الفرد في قصة الجماعة عبر فعل تخيّلي يحقق هذا الدمج
باستدعاء التخيلات القومية: «الكل جسد واحد، وروح واحدة، وعلم إسبانيا يخفق عاليًا فوق الجميع.
فهمت حينئذ أن الوطنية الحقَّة لا تصنعها الخطب الرنانة في المجالس والساحات العمومية، وإنما تصهرها وتشكلها هذه المواقف البطولية، لتعمِّد أرواح شباب وكهول يسترخصون الموت في سبيل الوطن. أمام كل ذلك الجمال الطافح لم نكن نملك إلا أن نصيح تحية لأولئك الشجعان: لتحيا
يبدأ التاريخ في الحكاية الكولونيالية ملحميًا مدفوعًا بالحماس القومي، وانصهار الذات والجماعة في
وحدة متجانسة طوباوية. غير أن هذا التدشين الملحمي لحكاية الأمة لا يلبث أن يتعرض مع المواجهة المباشرة بين الجيش الإسباني والمقاومة لانقطاع صادم في صيرورة الحكي؛ إذ يتعرض لنموذج «التحول المأساوي»، أي التحول من الحالة إلى نقيضها الذي يقلب الحماس الملحمي إلى مأساة مروعة، نتيجة التغيرات اللامتوقعة في مسار الأحداث التي تنتهي بهزيمة الجيش الإسباني على يد المقاومة: «عندما
3(((بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي، ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم، راجعه عن الفرنسية جورج زيناتي وإذا كان ريكور يرى أن التحول في المأساة يحدث نتيجة انقلاب الحظ من السعادة إلى الشقاء، فإننا نرى أن التحول المأساوي في
وصل دورنا في الخروج كان المشهد في الطريق مروعًا [...] الموت في كل مكان، والجنود يهربون، كل يبحث عن خلاصه ولا يلتفت إلى غيره، والمغاربة يصطادوننا كأنهم في مهرجان [...] لا أعلم كيف أفلتُّ من الموت، فأنا لا أذكر سوى أني قطعت جحيمًا بعد جحيم [...] انتهت مأساتي الشخصية، لكن مأساة من خلفتهم في الجبهة المشتعلة لم تكن قد انتهت بعد فصولها. سقطت كل المعسكرات في أيام قليلة. القتلى بالآلاف [...] والأسرى بالمئات، والمآسي يعجز عن وصفها السرد». يتسم المنطق البنيوي الذي يحكم تطور حكاية الأمة بصيرورة ارتكاسية؛ حيث تدشن الحكاية الكولونيالية مشهدها الملحمي بنموذج التوافق الذي يتجسد في توافق الذات والكلية، أي انصهار قصة الفرد (الشخصية) في قصة الجماعة (الأمة الإسبانية)، وتختم مسارها بنموذج التنافر المأساوي في نهاية الحكاية، حيث تتصدع الكلية وتتحطم الأحلام الإمبراطورية في كابوس الهزيمة. هذه النهاية المأساوية ستشكّل من الناحية السردية السبب في انفراط عقد الرواية الكولونيالية؛ إذ تتكسر السببية السردية بفعل التفكك المأساوي للذوات في رعب الموت: «لا أعلم كيف أفلتُّ من الموت، فأنا لا أذكر سوى أني قطعت جحيمًا بعد جحيم [...] والمآسي يعجز عن وصفها السرد». إذا كانت هُوية الشخصيات الإسبانية تكتسب معناها من السرديات الكولونيالية، فإن الشخصيات المغربية تستمد معنى وجودها من نمط مضاد، هو «السرديات الجليلة للتحرر والتنوير». تمثّل قصة المقاومة بحكايات أبطالها وتضحياتهم نموذجًا ملهمًا للشخصيات التي تستمد قيمة وجودها ومعنى حياتها من مشاركتها في مشروع المقاومة؛ سواء بالدعم المالي، أو النشاط السياسي، أو الانخراط العسكري في صفوفها. وبالمفهوم السيميائي، يمثل مشروع المقاومة البرنامج الحكائي الكبير الذي تصب فيه البرامج الصغرى للشخصيات: «العدو محيط بنا، يحتل بعض سواحلنا، ويتربص بنا الدوائر. لم يعد الإسبان يقنعون بمدينتي سبتة ومليلية، وبالجزر التي يحتلونها على مرمى حجر من الساحل، بل صارت أطماعهم تتطاول إلى قراكم وحقولكم. غدًا تصبحون خدامًا للنصارى فوق أرضكم. فوق أرضكم هذه التي لم يطأها محتل منذ أن خلقها الله. قصدتكم لحشد الرجال، وجمع المال والعتاد، لتكوين حَرْكَة ضد
قوات الاحتلال في مدينة مليلية، فبعد استشهاد شيخ المجاهدين الشريف سيدي محمد أمزيان، حسب المستعمرون الإسبان أن الساحة قد خلت لهم، وأن استشهاده سيضعف من عزيمة المجاهدين». تعمل قصة المقاومة، بوصفها نموذجًا تشييديًا للهُوية على مستويين: المخيال الجماعي والتخييل الحكائي. في المستوى الأول يدمج السرد قصة الأفراد في قصة الأمة/ المقاومة عبر إستراتيجية التخيلات الوطنية التي تستدعي إلى الذاكرة الرموز الوطنية والتاريخية (رجال المقاومة)، وتستعيد ماضي الأجداد المجيد، وتُذكر برمزية الأرض المقدسة (أرضكم لم يطأها محتل منذ خلقها الله). يقوم سرد المقاومة بربط الأفراد بتاريخهم وذاكرتهم، باستدعاء قصص المجاهدين والمقاومين، وتصويرهم
(3((الورياغلي، ص.215–214 (3((سعيد، ص 58 (((3 الورياغلي، ص.139–138
الأمة، ومن ثمّ فهي جديرة بأن تروى للناس والأجيال.
مني إدمانًا».
والشرف، فإن كل واحد منهم يخرج خير ما فيه؟».
خطاطة النموذج العاملي: المرسل الاحتلال الإسباني
الذات
المساعد
وحدة القبائل
السلاح والوعي
(((3 المرجع نفسه، ص.166 (3((المرجع نفسه، ص.227–226
في صورة نماذج قياسية للتضحية الوطنية، ينبغي الاحتذاء بها. إنهم أبطال الأمة، وقصصهم هي قصص
لقد كانت المقاومة واعية بأهمية الحكي في التأثير في الناس وإقناعهم بمشروع المقاومة، لذلك راهنت على عملية نشر قصص المجاهدين وروايتها للناس، باعتبارها وسيلة فعالة في المقاومة الثقافية، تستمد قيمتها في الصراع مع المستعمِر من دورها الثقافي في تغذية المخيال الجماعي للأمة بالتخيلات الوطنية التي تعزز الهُوية الجماعية التي سعى المستعمِر لتفكيك روابطها: «صار كل يوم، عندما يخلو إلي في غرفتنا، يحدثني بحماس عن رفاقه من الشباب المجاهدين من تلاميذ الفقيه الشهيد سيدي محمد بن أحمد العزوزي، كيف يجولون الأسواق يدعون الناس إلى جهاد الإسبان، الذين أخذوا يتوغلون في أراضينا يحتلونها مرحلة بعد مرحلة [...] صرت مدمنة على أحاديثه، ولم يكن أقل
لتعزيز هذا الدور التشييدي لقصص المجاهدين في المقاومة الثقافية وترسيخها في المخيال الجماعي، يجري تصوير قصة المقاومة وترميزها على أنها قصة مآثر ملحمية، أي قصة تمجيدية، قصة بناء أمة جديدة في مجرى النضال: «يا لها من أيام. كلها ملاحم متصلة متلاحقة. ست سنوات اختصرت العمر كله، عشناها بكل جوارحنا وأرواحنا. ذات واحدة. لا أبالغ ولا أختلق. كل واحد منا كان يحرص ويجهد في أن يبذل ما يستطيع، وأكثر مما يستطيع. شعارنا كان تجاوز الذات. عندما يتحد الناس في عمل، ويجتمعون بإيمان على قضية، لا يرجون منها ربحًا ولا مصالح، إلا حفظ الدين والوطن
على المستوى السردي، تتمظهر قصة المقاومة بالتضاد مع القصة الكولونيالية الإسبانية. إنها قصة احتلال للأرض، تستدعي فعلً للرد على هذا الاعتداء، تكون فيه الذات/ المغاربة في موقع المعتدى عليه، والاحتلال الإسباني في موقع المعتدي، ويكون موضوع القيمة هو تحرير الأرض، كما توضح
الموضوع
المرسل إليه تحرير الأرض
الأمة/ المغاربة
الأمة/ المغاربة
المعارض
الاحتلال والخونة
ومن أجل خدمة أيديولوجيا المقاومة، وإضفاء المشروعية على برنامجها، ينزع السرد إلى تخصيص هذه المواقع السردية للفاعلين على المستوى الدلالي بصور دينية، عن طريق تشخيصها في أدوار ثيماتية تعكس الأيديولوجيا الوطنية؛ حيث يتم تصوير الصراع في قصة المقاومة على أنه صراع بين «الإسبان النصارى» و«المغاربة المسلمين»، من أجل «حفظ الدين والوطن والشرف». وهكذا، فإن البنية الدلالية العميقة لقصة المقاومة تبنى على التعارض الأساسي (المسلمون مقابل النصارى) الذي يعتبر مصدرًا لمجموعة القيم المضمونية التقابلية في القصة. إذا كانت الثنائية العرقية (المتحضرون الإسبان/ الهمجيون المغاربة) تحكم النسق الدلالي لسرديات الاحتلال الإسباني، فإن سرديات المقاومة تواجهه بنموذج الثنائية الوطنية التي تستدعي الخطاب الديني في تعبئة مواردها الذاتية، وإضفاء المشروعية على فعلها التاريخي. وعلى خلاف المنطق الارتكاسي في الحكاية الكولونيالية، يخضع منطق السرد في قصة المقاومة لصيرورة حكائية تبدأ بنموذج التنافر (العصبية القبلية)، وتنتهي بنموذج التوافق (الوحدة): «قال انظروا إلى حالنا. كل قبيلة تعادي جارتها وبينها أحقاد وثارات قديمة وحديثة. وكل قبيلة تمزق فرقها العداوات، ويقتل أبناء الفرقة الواحدة بعضهم بعضًا من أجل قطعة أرض، أو مساحة مرعى. يأكل الناس بعضهم، ويضيع الشباب في معارك بليدة، لا تجلب إلا الدمار والعار للجميع. غارات واغتيالات لا تنتهي. والعدو محيط بنا، يحتل بعض سواحلنا، ويتربص بنا الدوائر. لم يعد الإسبان يقنعون بمدينتي سبتة ومليلية [...] بل صارت أطماعهم تتطاول إلى قراكم وحقولكم. غدًا تصبحون خدامًا للنصارى فوق
أرضكم. فوق هذه الأرض التي لم يطأها محتل منذ أن خلقها الله». إن وضع الكولونيالية كان عنفًا إبستيمولوجيًا وماديًا ضد المغاربة، سلبهم حريتهم وكرامتهم، أي عائقًا
تاريخيًا أمام تطورهم، بقدر ما كان – في الآن ذاته – دافعًا لهم بضرورة إعادة بناء الذات في ضوء
تحديات الشرط الكولونيالي. بدأ هذا الوعي الجديد يتكون، حين انتبه زعماء المقاومة إلى أن الشرط التاريخي الكولونيالي يقتضي تجاوز حالة التناحر بين القبائل وتوحيد صفوفها، وتوجيه قوتها الموحدة ضد العنف الكولونيالي. في هذه اللحظة الفاصلة في تطور الوعي التاريخي للذات (القبائل) بضرورة إحداث تغيير في الوعي والبنى الاجتماعية التقليدية، يتغير مسار الأحداث في ثورة الريف لصالح المقاومين: «أعظم إنجاز وفّق إليه الأمير ابن عبد الكريم نجاحه في إقناع الناس بفكر التغيير. لا أقصد نخبة القوم فحسب، بل حشود العوام كذلك. كان الإسبان أنفسهم يراهنون على تشرذم قبائل الريف [...] الأمير عبد الكريم أمضى أكثر من سنة يجول بين القبائل [...] يدعو إلى الوحدة، ونبذ البغضاء والتقاتل [...] كانت خطبه ودروسه تسلك سبلً كثيرة [...] ما فعله عبد الكريم أذاب كل تلك الضغائن، وجعلنا لا ننظر إلى الماضي، بل إلى المستقبل فحسب [...] سمعت الأمير بنفسي يقول للناس: اليوم انتصرتم على عدوكم».
(3((الورياغلي، ص.139–138 (3((المرجع نفسه، ص.228
يمنحنا هذا الفعل الثقافي لسياسات المقاومة مؤشرًا لتأكيد أنّ المقاومة لم تكن مجرد رد فعل عنيف
ضد المستعمِر، ولا مجرد عمل مسلح من دون وعي ثقافي واجتماعي وسياسي؛ إنها مثلت في المقام الأول نضالً ثقافيًا عملً على الذات؛ إنها عملية «ابتكار ذوات جديدة» في مجرى النضال. لقد شكلت هذه اللحظة الفاصلة في «تنوير الوعي» عاملً حاسمًا في انتصار المقاومة في معركة أنوال، بما
أفضت إليه من استبدال لثقافة الثأر والعنف بمنظومة قيم جديدة مؤسسة على عقد اجتماعي جديد متوافق عليه. وهذا يكشف أن المقاومة كانت على وعي بأن النضال المسلح وحده غير كاف لتحقيق مشروعها، لأنه يحتاج إلى تنوير الوعي الذي يستبدل ثقافة الثأر بوعي جديد، يفضي إلى تكوين بنى اجتماعية جديدة مؤسسة على قيم جديدة لتدبير النزاعات المحلية، تحلّ محل البنى القبلية التقليدية. لقد شكّل هذا الوعي الجديد الرد السياسي للمقاومة على المشروع السياسي الكولونيالي الذي كان يغذي النزاعات بين القبائل، عملً بسياسة «فرّق تسد»، من أجل إضعاف مشروع المقاومة. وتجسد
هذا الرد السياسي على الأرض في إستراتيجية المقاومة بتحويل العنف القبائلي الداخلي في اتجاه المستعمِر، وكما عبر عن ذلك فانون من خلال القول: «إن جزءًا من المشروع السياسي لخلق المواطن
الأصلاني هو توجيه رد الفعل العنيف ضد العنف الكولونيالي باتجاه الداخل، إلى مجالات يمكن فيها ‘تنفيس’ هذه الطاقة المدمرة من دون التأثير في المشروع الكولونيالي أو الوضع القائم. وباختصار فإن طاقة المواطن الأصلي توجه أو بالأحرى تُحرَف نحو الذات». بهذا المشروع الثقافي المقاوم تجاوزت المقاومة تلقائية رد الفعل ضد العنف الكولونيالي، لتعمل على دمج المجتمع في عملية ثقافية مصحوبة بتنوير الوعي، قادت إلى بناء نموذج جديد إيجابي للذات وللعلاقات الاجتماعية. إن هذا التحول التاريخي في وعي المقاومة هو ما يفسر تحول المنطق البنيوي الذي يحكم صيرورة تطور قصة المقاومة في النص، التي تبدأ بنموذج التنافر (العصبية القبلية)، وتنتهي بنموذج التوافق (الوحدة)، الذي شكّل عاملً حاسمًا في تغيير مسار الأحداث، سواء على صعيد الحكاية أم التاريخ. تكشف هذه التحليلات السردية والسيميائية أن الهُوية السردية للشخصيات في رواية أبواب الفجر تتشكّل في إطار سرد كبير هو سرد الأمة، بوصفه «إستراتيجية سردية» ملهمة لأحلام الأفراد ومغامراتهم وقصصهم، تستمد جاذبيتها من سحر التخيلات القومية المؤسسة للمخيال الجماعي للأمة. يتصل سرد الأمة في قصص الشخصيات الإسبانية بسرديات إمبراطورية، تضفي المشروعية على حروب الاحتلال والهيمنة التي عملت المخيلة الكولونيالية على تمثيلها وتعزيزها ثقافيًا، على أنها
قصص شرف وبطولات وأمجاد قومية. في المقابل يتصل سرد الأمة في قصص الشخصيات المغربية بسرديات وطنية تحررية تنويرية، تنبثق من حالة الاضطهاد التي فرضها عليها الاستعمار، ساعية إلى بناء
3(((نايجي سي. غبسون، فانون: المخيلة بعد–الكولونيالية، ترجمة خالد عايد أبو هديب، مراجعة فايز الصياغ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.183 (3((المرجع نفسه، ص.179
هُويتها الوطنية الجديدة وتاريخها، خارج فروض الأرشيف الكولونيالي؛ وفي هذا الانبثاق الملحمي تبتكر ذاتها الجديدة. هذا الاختلاف الخطابي، الذي يرتبط بالتعارض التاريخي بين أنماط السرديات الكبرى في تحققها التاريخي، ينبغي لنا أن نضعه في الاعتبار، حين نحاول فهم النسق الدلالي للسرديات الكبرى؛ لأنه لا يمكن أن نساوي بين أشكال السرديات المختلفة، حتى في حال الاتفاق في معايير المشروعية (معيار الأمة)، بل ينبغي لنا أن نموضع المفهوم في سياقه التاريخي، وألّ نتعامل معه على أنه مفهوم إبستيمولوجي مجرد، صالح للتطبيق على جميع ممارسات السرديات على الصعيد الإمبريقي. في هذا الإطار، تقدم الكولونيالية، باعتبارها نمطًا تاريخيًا للسرديات الكبرى، نموذجًا لتجسيد هذا الاختلاف
الدلالي. ينبني سرد الأمة في سرديات المستعمِر على سياسات عرقية إقصائية. وفي المقابل، ينهض سرد الأمة في سرديات المستعمَر على سياسات تحررية تنويرية، تستهدف بناء أمة جديدة، خارج النسق الدلالي الكولونيالي. بسبب هذا التعارض في الإستراتيجيات والسياسات؛ يستمد السرد ديناميته السردية والثقافية في الرواية من منطق الصراع الجدلي بين سرديات وطنية مترعة بطموحات وأحلام فجر جديد «طرقنا أبواب الفجر بقبضاتنا حتى دميت، فلما انفتح، وهلت أنواره علينا، فصبرنا وثبتنا وانتصرنا، وعشنا معنى الحرية والكرامة»، وبين سرديات إمبراطورية متسيدة، تعمل على منع هذه السردية المنبثقة من البروز إلى الوجود، وانتزاع مكانة لها بين الأمم. هذا التعارض في البرامج السردية يفسره تعارض المصالح الأيديولوجية في النظام الكولونيالي.
إستراتيجيات مانوية متعارضة
رأينا في تحليلنا البنية السرديّة لسرديات الكولونيالية، وسرديات المقاومة، أنها تبنى على تعارضات دلالية جذرية؛ والسبب في ذلك، أن المجتمع الكولونيالي هو مجتمع مانوي؛ أيْ تنقسم فيه العلاقات الاجتماعية بصورة جذرية بين المستوطنين والأهالي، وأيُّ تواصل بينهما تضبطه السلطة الكولونيالية – وفق شروط قسرية تخدم مصالحها – وتراقبه. فالعلاقة الوحيدة التي تسمح بها الكولونيالية بين المستوطنين والأهالي هي علاقة السلطة التي تستدعي ثنائية السيد والعبد، المستعمِر والمستعمَر، ولا تسمح بأي مطابقة بينهما: «إن الاستعماري لم يقرر أبدًا أن يحول المستعمرَة على صورة وطنه الأم،
وأن يحول المستعمَر على صورته. إنه لا يستطيع القبول بمثل هذه المطابقة التي من شأنها تحطيم مبدأ
امتيازاته ». يجري تمثيل الشخصيات الإسبانية للمغاربة في صيغة مانوية كولونيالية. وهي إستراتيجية تحكمت في تمثيل الأدب الاستعماري للشعوب الأخرى غير الأوروبية، ينزع فيها الكاتب الاستعماري «إلى
4(((ألبير ميمي، صورة المستعمِر والمستعمَر، تعريب جيروم جاهين، تقديم جان بول سارتر (بيروت: دار الحقيقة للطباعة والنشر،
1980)، ص.96
إرساء تعارض غير جدلي، ثابت بصورة مطلقة بين الذات والسكان الأصليين. ويرتد بسرعة إلى تجانس جماعته، مهددًا بنوع من الغيرية الميتافيزيقية التي يخلقها. ونتيجة لذلك، تميل نفسيته ونصه إلى الالتصاق بأيديولوجية جماعته، والانغلاق داخلها بشكل كلي». في محكي الصحافي الإسباني والجاسوس الكولونيالي، ينطق الراوي بصوت السيد الأوروبي الأبيض، مُقسِّمًا العالم إلى محورين دلاليين متناقضين: الإسبان المتحضرون، والمغاربة المتوحشون: «يبدو أن
الموروس المغاربة الهمج، في جبالهم المتوحشة، لا يملكون ذاكرة ليعتبروا ويستخلصوا الدروس مما جنوه على أنفسهم، عندما تجرأوا على النيل من رعايا إسبانيا في الأراضي الإسبانية خلف البحر، سواء في مدينتَي سبتة ومليلية أو الجزر القريبة منهما». يرشح المقطع بالتخيلات الإمبراطورية، حين يتحدث عن «رعايا الأراضي الإسبانية خلف البحر»، في بلد المغرب، على أنها أراض إسبانية. كما ينبثق صوت السيد الإمبراطوري في صوت الراوي من قوة النبرة السلطوية التي يتكلم بها عن «الموروس المغاربة الهمج»، وفي نبرة الاستعلاء والغطرسة «عندما تجرأوا على النيل». تنبع التضمينات العنصرية للخطاب الكولونيالي في سرد الراوي من الصور التحقيرية التعميمية التي يتحدث بها عن المغاربة. فهم مجموعة من الهمجيين، «لا يملكون ذاكرة ليعتبروا ويستخلصوا الدروس». إنهم لا يرقون إلى مرتبة السيد الأبيض، لأنهم يفتقدون الملكات العقلية (الذاكرة والفهم والتعلم). وهذا الأمر مؤسِّس لتراتبية عرقية تموضع المغاربة في مرتبة أدنى من مرتبة الإسبان على صعيد القيم الحضارية،
بل إن الطبيعة نفسها لا تنجو من عنصرية هذه المانوية الكولونيالية (جبالهم المتوحشة). تستعيد المانوية العرقية في خطاب الراوي أيديولوجيا الخطاب الكولونيالي عن «الشعوب البدائية». في هذا الخطاب الذي احتكر نظام التمثيل عن المستعمَرين، تُستخدم الحضارة على نحو أيديولوجي
كولونيالي مفارق، يكون فيه ظاهر الخطاب التنويري (الرسالة الحضارية) مفارقًا لمضمره الكولونيالي (الإخضاع والسيطرة). يتسلل هذا الصوت الاستعماري إلى النص في محكي الصحافي: «ولم يكن في وسعنا، معشر الصحافيين إلا أن نحيي تلك الروح الوطنية الحضارية، التي جسدها التحام القوى المدنية والعسكرية، من أجل هدف نبيل يؤكد شموخ إسبانيا، وتفوق قيمها الحضارية الخالدة التي لا تستسلم أمام الهمجية والبربرية». حتى عندما يتم الاعتراف بخصلة حميدة للآخر/ المغاربة، يتم الاعتراف بها بطريقة بلاغية مخاتلة، تمارس المكر الدلالي؛ بحيث ترتد لتنفي اعترافها، ولا تثبت سوى صور التحقير الاستعمارية بطريقة ماكرة: «انصرمت الساعات الأولى، وانتصف النهار، دون أن يظهر حس للمقاتلين الموروس [...]
(41) Abdul R. JanMohamed, «The Economy of Manichean Allegory,» in: Bill Ashcroft, Gareth Griffiths & Helen Tiffin (eds.), The Post-colonial Studies Reader (London and New York: Routledge, 1999), p. 19.
(4((الورياغلي، ص.56 (((4 المرجع نفسه، ص.63
وهذا يدل على أنهم، على الرغم من جهلهم وتوحشهم، لا يخلون من ذكاء. ذكاء الضباع التي تدرك، وتقدر متى تقبل على الطريدة، ومتى تتراجع متربصة عن بُعد فرصة الانقضاض». بهذه الإستراتيجية المخاتلة تمارس البلاغة الاستعمارية مكرها الدلالي في خطاب الراوي. يعترف الراوي الكولونيالي بذكاء المغاربة (المقاومين)، ليس اقتناعًا، ولكن بقوة الوقائع الميدانية، حيث يتفاجأ الجنود الإسبان بالخطط الذكية لإستراتيجية المقاومة، لكن الخطاب يرتد على نفسه، ويسحب اعترافه بهذه الخصلة بطريقة بلاغية مخاتلة (لا يخلون من ذكاء؛ ذكاء الضباع). الصورة التشبيهية (ذكاء الضباع) ترشح بالحقارة والوضاعة. إن ذكاء المغاربة ليس ذكاءً إنسانيًا، إنه ذكاء حيواني، وليس أي
حيوان. إنه ذكاء حيوان من سماته أكل الجيفة. الانتقاء البلاغي الذي يمارسه خطاب الراوي يخفي مقصدية مضمرة ماكرة؛ ذلك أن اختيار فئة الضباع، وليس النسور أو الأسود مثلً، وغيرها من الفئات التي تتضمن رمزية إيجابية، يؤكد المغزى البلاغي الأيديولوجي لهذه الصورة البشعة (المغاربة ضباع) التي ترشح بالروائح العنصرية النتنة. تجتمع شبكة هذه الصور العرقية في النص حول صورة نمطية، تشكل إطارًا مرجعيًا لكل الصور التي
أنتجها السرد الإسباني حول المغاربة. هي صورة «الموروس» التي ترد في سرد الشخصيات الإسبانية: «المقاتلين الموروس»، «الموروس المغاربة الهمج»، «ضد الموروس المعتدين». في الثقافة الإسبانية، تختزل صورة «الموروس» مخزون الدلالات التحقيرية حول المغاربة؛ ولذلك يتم الاكتفاء بها وحدها في وصف المغاربة (المقاتلين الموروس)، لأنها تستدعي ضمنيًا كل الإيحاءات
التحقيرية الأخرى. بسبب هذه الحمولة الثقافية النسقية التي اكتسبتها صورة «الموروس» في تاريخ السرد الإسباني، نعتبرها الصورة السردية الكلية التي تتفرع منها الصور الأخرى، لأنها تختزل جميع الإمكانات الدلالية لصورة المسلم عامة، والمغربي على وجه الخصوص، في الثقافة الإسبانية؛ من أجل تحقيره والحط من إنسانيته «واستثمار ملامحه في ترسيخ الثقافة العرقية». لقد اكتسبت صورة «الموروس» النمطية قوتها التخيلية في الثقافة الإسبانية من تجذرها في تاريخ الأدب الإسباني. إنها تعود إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر في قصائد الرومانثيرو، والقصص الموريسكي بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر. وعلى الرغم مما كان يطرأ من تباينات في الصيغ الأسلوبية والأدبية على ميراث صورة «الموروس» في تاريخ السرد الإسباني، تقتضيها السياقات التاريخية وطبيعة الأعراف الخاصة بكل نوع سردي، فإنها لم تفرز «على مستوى الثوابت الموضوعية إلا صورة مركزية أساسية عن ‘المورو’، من حيث هو عنصر أجنبي، وسيظل أجنبيًا، مهما صدر عنه من
أفعال إيجابية. إنه ‘الآخر’ الغريب عن الذات، والأسطورة المبهمة الرهيبة، القابعة ‘هناك’ في أعماق اللاشعور الجمعي».
(((4 المرجع نفسه. (4((أنقار، ص.104 (4((المرجع نفسه.
نخلص إلى أن المانوية الكولونيالية، أداةً للتمثيل في قصة المستعمِر، تتأسس في الرواية على «تقاطب جذري يؤكد بجرأة أن مجرد الانتماء إلى أحد الأعراق يحدد مكانك في المجتمع. إن واقعه وأيديولوجيته هما انعكاسات لعالم مقلوب: المستعمِر يمثّل كل شيء جيد وإنساني وحيّ؛ ويمثل المستعمَر كل
شيء سيئ ووحشي وخامل». ولتعزيز هذه الأيديولوجيا العرقية تستدعي القصة الكولونيالية مخزون التخيلات العرقية المنحطة التي تبلورت حول إطار الصورة النمطية «المورو» في الثقافة الإسبانية. هل توجد فسحة لبناء الآخر/ المستعمَر ذاتًا إنسانية في المانوية الكولونيالية؟ وهل يسمح إطار المانوية
الكولونيالية بأي منفذ لانبثاق نوع من العلاقة التبادلية بين المستعمِر والمستعمَر؟ لا تقدم القصة الكولونيالية في سرد الشخصيات الإسبانية أي احتمال لمثل هذا الأفق الإنساني، حيث تعمل المانوية الكولونيالية في سرد المستعمِر، سواء على صعيد وعي الشخصيات أم سلوكها، في صورة إطار معرفي مغلق، يعزز علاقة الانقسام الجذري؛ فالآلة الكولونيالية لا تعمل على تكريس علاقة الانقسام في مجال الوعي فحسب، بل تتعداه إلى مجال الجغرافيا؛ حين تعمل على فرض جغرافيا كولونيالية، تفصل بين مناطق عيش المستوطنين ومناطق الأهالي، في خطوط التقسيم العسكرية التي شكّلت مواقع للتوتر بين الجيش الإسباني والمقاومة. لا مجال في المانوية الكولونيالية للاعتراف بالآخر ذاتًا إنسانية مكافئة للمستعِمر، ولذلك لا تسمح بأي فرصة لنمط من العلاقة التبادلية مع الآخر، خارج سياسات العلاقات الكولونيالية القهرية. يتعلق الأمر، إذًا، في نموذج تمثيل الهُوية عند المستعمِر وبناء المعرفة بالعالم بمانوية متمركزة عرقيًا، لا مكانة
للآخر فيها إلا بصفته موضوعًا كولونياليًا، موضوعًا للإخضاع والقهر، لا يسمح بإنشاء أي منفذ لانبثاق
علاقة إنسانية، يحظى فيها الآخر بالاعتراف به كائنًا إنسانيًا: «لا أرى سببًا يجبرنا على أن نسالم حشودًا
من المتوحشين الذين لا يراعون عهدًا ولا قانونًا. كيف يمكن أن نأمن لجوارهم ووعودهم وهم لا يخضعون حتى لسلطانهم». في مقابل المانوية الكولونيالية العرقية، يحضر الآخر الإسباني في منظور الذات المستعمِرة، من خلال مانوية معارضة، يشكّل الخطاب الديني فيها مرجعية قيمية في ترميز علاقة الذات بالآخر (المسلمون في مواجهة النصارى). يجري استدعاء الخطاب الديني أداةَ سلاح ثقافي في المعركة ضد الاحتلال، فالخطاب هنا «ليس فقط هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من أجله، ما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها». إن التعارض الدلالي الأساسي الذي تبنى عليه قصة المقاومة يجري تشخيصه حكائيًا من المنظور
السيميائي، في مسارات تصويرية وسردية، لا تخرج عما يقترحه السنن الديني من أدوار وصور دلالية:
(4((غبسون، ص.185 (4((الورياغلي، ص.60 4(((ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا (بيروت: دار التنوير، 1984)، ص.10
• «الأجانب النصارى»، «بلاد المغرب المسلم.» • «الجهاد ضد قوى النصارى الغاشمة. بهذا سمعت الفقيه المجاهد سيدي محمد بن أحمد العزوزي يحدث الناس في أحد الأسواق الأسبوعية ويحثهم على الجهاد وعدم مهادنة المحتلين الإسبان أعداء الله المعتدين». إذا كان السنن الديني يمثّل مصدرًا مولدًا لمجموع التقابلات الدلالية بين الذات المستعمِرة والذات المستعمَرة في قصة المقاومة، فإنه على مستوى الخطاب بالمعنى الاجتماعي، كان بالنسبة إلى
أيديولوجيا المقاومة أداةَ سلاح في معركتها الثقافية ضد الاحتلال. فالكلمة الدينية تستمد أهميتها في الصراع من قوة التأثير الرمزي الذي تحدثه في النفوس. تأسيسًا على ذلك، يكتسب الخطاب الديني
قوته في خطاب المقاومة من الأدوار التي ينهض بها في المقاومة الثقافية: • إنه ما تصارع المقاومة من أجله (تحرير أرض المسلمين). • إنه تصارع به (الخطاب الديني أداة سلاح ثقافي). • إنه السلطة التي تمتلكها في إضفاء المشروعية على أيديولوجيتها (سلطة النص الديني). بهذه الأدوار الثلاثة المتداخلة شكّل الخطاب الديني إستراتيجية أساسية في المقاومة الثقافية والسياسية، إلى جانب المقاومة المسلحة، في دعم مواردها البشرية؛ وذلك عبر عمليات التعبئة والتوعية والتنوير: «تتشكل الحَرْكَة عادة من متطوِعَة القبائل الذين يتقاطرون على معسكرات المجاهدين، متأثرين بخطب
العلماء العاملين، وعلى رأسهم الفقيه العالم سيدي محمد بن أحمد العزوزي، الذي لم يترك، سوقًا، ولا موسمًا، ولا احتفالً، إلا استغله لدعوة الناس إلى الجهاد، وذكرهم بفضائله على المسلمين». هنا لا بد من تأكيد فرقٍ مهمٍ متعلق بكيفية اشتغال المانوية الوطنية في قصة المقاومة، يميزها من المانوية الكولونيالية في قصة المستعمِر. إذا كانت المانوية الكولونيالية في سيرورتها الخطابية، بحكم نزعتها المتمركزة عرقيًا، لا تسمح بأي منفذ لعلاقة إنسانية مع الآخر المستعمَر، أو بانبثاق شكل من التبادلية
بين المستعمِر والمستعمَر، فإن المانوية الوطنية في سيرورتها الخطابية، وبحكم انفتاحها النسبي على
الآخر، تتيح بناء صيغة من التبادلية المشروطة بالبرغماتية مع الآخر المستعمِر. فالأيديولوجيا الوطنية لخطاب المقاومة لم تكن ترى في المستعمِر «شرًا مطلقًا» أو «اختلافًا وحشيًا»، لا سبيل إلى التعامل
معه خارج العلاقات الكولونيالية، المحكومة بحدود العنف الإبستيمولوجية والدموية. وإذا كانت المانوية الكولونيالية، لا تتخطى في تمثيل المستعمَر حدود العنف الكولونيالي، فإن المانوية الوطنية
في خطاب المقاومة، استطاعت أن تنفلت من الإطار العنيف للعلاقات الكولونيالية، وتدشن أفقًا ممكنًا لشكل من التبادلية الإنسانية، قوامها العلاقات العلمية والثقافية. بهذا الانفتاح البرغماتي تجنبت المانوية الوطنية السقوط في شراك العمى المطلق في رؤية الآخر؛ لأنها لا تختزل ثقافة الآخر/ المستعمِر في الوجه الكولونيالي البشع، ولم يمنعها الشرط الكولونيالي
((5(الورياغلي، ص.138
من رؤية وجهه التنويري، في مجال التقدم العلمي، حيث عملت على الاستفادة منه في تطوير الذات: «في الضفة المقابلة، في بلاد النصارى، قد بلغوا في العلم شأوًا بعيدًا. لقد جلسنا منذ أيام إلى السي محماد الخطابي، أخ محمد بن عبد الكريم، صديقي ورفيقي في غربة الدراسة بفاس، وقد عاد لتوه من إسبانيا، حيث أرسله والده الفقيه السي عبد الكريم الخطابي ليدرس هناك علمًا يسمونه علم هندسة المناجم. تصوري؟ التراب الذي ندوسه نحن كل يوم بأرجلنا وبغالنا غير آبهين، يخصصون له سنوات من حياتهم يدرسون كيف يستخرجونه، وكيف يبنون المناجم في بطن الأرض [...] قال لنا كيف نترك الإسبان يتمتعون بخيرات أرضنا من معادن وغيرها ونحن قاعدون؟ علينا أن نتعلم علومهم ونتقنها. لا شيء بدون علم. لقد ملكوا بعلمهم البر والبحر والسماء». تختلف المانوية الوطنية عن المانوية الكولونيالية، بهذه الفسحة النسبية التي تسمح بها في صميم المطلق (التعارضات الثنائية)، وتؤسس لانبثاق شكل من التبادلية الإنسانية بين الذات/ المستعمَر
والآخر/ المستعمِر في صميم العنف. ويكشف هذا الطابع النسبي عن خاصية مميزة للمقاومة، باعتبارها عنفًا مضادًا للعنف الكولونيالي؛ إنها لم تكن مجرد رد فعل معكوس للعنف الكولونيالي، عنف أعمى، بل كانت عنفًا مستنيرًا، تنير ممارسته ثقافة تحررية عادلة تتشكل في مجرى النضال ضد الاستعمار،
وتجتذبها قيم الحرية والمساواة والكرامة. هذا ما يؤكده فانون، مُشخّصًا طبيعة العنف المناهض للاستعمار: «والعنف المضاد، أي العنف المناهض للاستعمار، يختلف عن العنف الكولونيالي، لأنه يحول المستعمِر والمستعمَر [...] ويصبح المستوطن الذي كان لا يقهر في ما مضى، والمستعمَر المنزوع الإنسانية متساويين. العنف الكولونيالي هو عنف السيد، يمكنه خلق نسق جديد: أما العنف المناهض للكولونيالية، عنف المستعمَر، فهو ديالكتيكي، ويؤسس للاعتراف المتبادل».
تواريخ متنازع عليها
أشرنا سابقًا، حين تطرقنا إلى البنية السردية في رواية أبواب الفجر، إلى أنها تعتمد إستراتيجية طباقية في تشخيص تاريخ الكولونيالية بالمغرب؛ حيث تستدعي سرديات الاستعمار وسرديات المقاومة صوت المستعمِر (الإسبان) وصوت المستعمَر (المغاربة) في صيغة تزامنية، من دون أن تستغل سلطة السرد في قمع الصوت الكولونيالي الذي كان المستعمَر ضحية لعنفه الإبستيمولوجي والمادي في الحقبة الكولونيالية. هكذا، تقدم الرواية من دون إقصاء منظورين في تمثيل حقبة من التاريخ الكولونيالي المشترك بين المغرب وإسبانيا: – منظور المستعمَر: بإسناد الرواية إلى المستعمَر سلطةَ سردِ حكايته، ينبثق نسق جديد، كان مقموعًا في الرواية الإسبانية الاستعمارية، جرى إقصاؤه بالقوة، التاريخ السابق لاستعمار إسبانيا للمغاربة،
((5(المرجع نفسه، ص.165 ((5(غبسون، ص.195
بتواريخهم وثقافتهم ومعتقداتهم. يتعلق الأمر، إذًا، في حكاية المستعمَر بتواريخ منبثقة وجديدة تحررية، متطلعة إلى المستقبل، مدفوعة بزخم الرغبة في تقرير المصير ومعانقة الحرية. يستعيد المستعمَر سلطة السرد التي سلبتها منه الرواية الإسبانية الكولونيالية، وينتقل من موقع الموضوع الكولونيالي إلى موقع الذات/ الراوي الذي يروي حكايته بصوته، ويبني هُويته السردية والوطنية. إن استعادة التمثيل تُعدّ «علامة على الهُوية والصوت، ومن ثم امتلاك القوة». بهذه الإزاحة السردية يحطم الراوي/ المستعمَر وضعية الصمت التي فرضها عليه الراوي الكولونيالي، يتكلم ويروي حكايته متخلصًا من الوصاية الكولونيالية، ويقوم بتمثيل هُويته السردية وثقافته وتاريخه وجغرافيته، خالقًا زمنية جديدة هي الزمنية ما بعد الكولونيالية «فيها ينطق الأصلاني الذي كان صامتًا في
السابق ويمارس الفعل على أرض استعادها، كجزء من حركة مقاومة شاملة، من المستعمِر المستوطن». إن ما يميز هذه الزمنية الجديدة هو انبثاق نسق جديد في السرد، هو نسق السرد التابع الذي جسدته سرديات الشعوب المستعمَرة في فترة الاستقلال وما بعدها. من هذا المنظور ما بعد الكولونيالي،
يمكن اعتبار ما ترويه الذوات المستعمَرة في الرواية بمنزلة تجسيد حكائي لصوت الراوي التابع الذي يستعيد تواريخ ما قبل الاستعمار، تواريخ الأجداد؛ من أجل تفكيك الأرشيف الكولونيالي، الذي يصور الشعوب المستعمَرة على أنها شعوب بلا تاريخ، ونقضه: «ثم إن القبائل المرابطة على الساحل، دأبت على الجهاد ضد قوى النصارى الغاشمة لقرون، منذ سقوط الأندلس. بهذا سمعت الفقيه المجاهد سيدي محمد بن أحمد العزوزي يحدث الناس في أحد الأسواق الأسبوعية، ويحثهم على الجهاد وعدم مهادنة المحتلين الإسبان [...] لقد دوخ أجدادكم سفن الأعداء، وأرهبوهم في عرض البحر، بل كثيرًا ما امتدت غزواتهم إلى سواحل دار الحرب في الأندلس [...] حتى صارت نساؤهم يخوفن
أبناؤهن ب ‘الموروس’، ويقصدن بذلك المسلمين، و‘البيراتاس’ أي القراصنة، وهو النعت الذي يطلقونه على المجاهدين الأبطال». في الوقت الذي تعمل فيه الكولونيالية ضمن أهدافها الإستراتيجية على فصل الشعوب المستعمرَة عن
تاريخها بعملية محو للذاكرة، يناضل السرد التابع على استعادة التواريخ المحلية المقموعة؛ من أجل ربط الناس بذاكرتهم وتنوير الوعي بالذات والهُوية وامتلاك القوة. تتحدد إذًا، علاقة السارد التابع بالسارد الكولونيالي على نحو متعارض. إذا كان التاريخ الذي ترويه الكولونيالية عن المستعمَرات هو تاريخ النسيان والغياب والمحو، فإن الراوي التابع في نقلته الخطابية المعاكسة يكتب تاريخ الذاكرة والهُوية والحضور. ويفضي السرد في حالة الراوي التابع إلى توليد تواريخ بديلة من التاريخ الكولونيالي، تعمل بإستراتيجية خطابية مناقضة، تهدف إلى زحزحة بنى القوة
(5((هيلين جلبرت وجوان تومكينز، الدراما ما بعد الكولونيالية: النظرية والممارسة، ترجمة سامح فكري (القاهرة: أكاديمية الفنون، مركز اللغات والترجمة، 2000)، ص.6 ((5(سعيد، ص.270 ((5(الورياغلي، ص.90
التي فرضتها الكولونيالية على تواريخ المستعمَرات وثقافاتها، وتستمد زخمها من سرديات التحرر والحرية والاستقلال. – منظور المستعمِر: يحضر منظور المستعمِر في الرواية من خلال صوت الشخصيات المستعمِرة؛ فهي لا تنتقم منه وتجرده من حق الكلام والسرد، كما فعلت الرواية الإسبانية الكولونيالية التي فرضت وضعية الصمت على المستعمَرين. وميزة هذا الإسناد الصوتي للشخصيات الإسبانية في اللعبة السردية أنه يفضي إلى تعزيز السرد التخييلي للتاريخ الذي ترويه؛ حيث يتم استدعاء التاريخ الكولونيالي في الرواية بطريقة تخييلية في قصص الشخصيات الإسبانية: في يوميات الصحافي العسكري، وفي مذكرات خوان خوسيه بيريث «جاسوس إدارة الشؤون الأهلية». في الوهلة الأولى، وبقراءة سيميائية لوظائف الشخصيات الإسبانية، نستشف طبيعة التاريخ الذي ترويه في حكايتها. فهي في معظمها يمكن تصنيفها على أنها شخصيات عسكرية وليست شخصيات مدنية؛ ذلك أن الصحافي الإسباني هو مراسل عسكري، وخوان خوسيه بيريث هو «جاسوس كولونيالي». وهكذا، ينبثق الخطاب في محكي الشخصيات الإسبانية من الجهاز الإداري الكولونيالي، حيث تتماهى المعرفة بالقوة. ما ترويه إذًا، حكاية المستعمِر في النص هو التاريخ الكولونيالي، تاريخ الحملات العسكرية التأديبية التي شنها الجيش الإسباني على القبائل الريفية انتقامًا من الضربات القوية للمقاومة. إنه تاريخ القوة الإمبراطورية: «عبرت السفينة مضيق جبل طارق، وصارت تمخر المتوسط شرقًا في اتجاه شواطئ أفريقيا، كانت السفينة ما يزال يتردد فيها صدى ذلك الحماس العارم الذي غمر نفوس الجميع عندما صعد إليها [...] الجنرال مونروي ليودع الجنود والضباط، ويبث فيهم عزيمة النصر والوطنية. ردد الجميع بصوت واحد ‘عاشت إسبانيا’ [...] وقد كان المشهد رائعًا ومؤثرًا
في القلوب بشكل لا يوصف. الجنود يطلون، متزاحمين، من أعلى السفينة، يلوحون بمنديل بيضاء، هاتفين عاشت إسبانيا [...] حماس لا مثيل له، وعزم، وإقدام، في نظام وانضباط». كما يوضح هذا المقطع، يتميز سرد المستعمِر للتاريخ بالاستيهامات الكولونيالية الملحمية. إنه تاريخ القوة الإمبراطورية المنتشية بفتوحاتها. فلا مكانة للتواريخ المحلية للمستعمَرين في هذا التاريخ الكولونيالي؛ حيث يعمل الخطاب على إسكات صوتهم، وتجريدهم من الصفات الإنسانية، لا هُوية لهم ولا أسماء ولا ثقافة ولا تراث، يتم اختزالهم في صور نمطية تعميمية: «قبائل الريف الهمجية»، «المغاربة الهمج»، دون أن يُمنحوا هُويةً فردية، أو يتمتعوا بوجود إنساني. و«هذا معادل أدبي بكلمات إريك وولف... ل ‘بشر بدون تاريخ’، بشر يعتمد عليهم الاقتصاد والدولة اللذان تعززهما الإمبراطورية، لكن واقعهم لمَّا يقتضِ الاهتمام تاريخيًا أو ثقافيًا». في هذا التاريخ الكولونيالي تُجرد الذات المستعمرَة من هُويتها الإنسانية، وتُمنع من حقها في الوجود،
وتتحول إلى موضوع للاستغلال «يجب أن نكسب ثقة الأهالي [...] يجب أن يفهموا أن إسبانيا
((5(المرجع نفسه، ص.65–58 ((5(سعيد، ص.132
لا تريد أن تنزع منهم أراضيهم أو تستفرد بخيراتهم. نحن لا نريد إلا مصلحتهم. نستطيع أن نوفر لهم الدواء، والمستشفيات، والمدارس، والطرق». أو تتحول إلى موضوع للتأديب العسكري «قررت إدارة الصحيفة إيفاد صحافي إلى عين المكان، لينقل عن كثب تفاصيل الحملة العسكرية التأديبية التي قررت الحكومة توجيهها إلى قبائل الريف الهمجية، لردعها عن التفكير مرة أخرى في إراقة قطرة دم إسباني». باتخاذ الراوي المستعمِر موقعًا له في الجهاز الإداري الكولونيالي، فإن ما يرويه من حكايات عن المغاربة المستعمَرين تصدر مدموغة بأختام القوة. يتعلق الأمر بتواريخ كولونيالية يختزل فيها المستعمَرون إلى
موضوعات صامتة، «عن طريق إنتاج معارف بالمستعمِر والمستعمَر قائمة على الصور النمطية، لكنها تُقوَم وتٌثَمن على نحو متضاد ومتناقض». في خطاب اقتصاد القوة الذي يميز سرد المستعمِر، لا يكون الهدف من الخطاب هو المعرفة، بل الهيمنة، أو بالأحرى إنتاج معرفة تعزز الهيمنة، من أجل فرض تاريخ واحد هو تاريخ المستعمِر، لأنه التاريخ الوحيد الجدير بأن يروى. إنه التاريخ الإمبراطوري للأمة الإسبانية الذي يشق طريقه موشحًا
بالرسالة التحضيرية، من أجل «تأديب» بشر لا تاريخ لهم، عالقين «وسط جبال الجهل والتخلف»: «ها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى. فمثلما لبى الشعب الإسباني كله يومئذ، نداء ليوبلدو أودونيل رئيس الحكومة وتوحدت الأحزاب المتناحرة والكنيسة والجيش والشعب من أجل هدف نبيل، لا يسمو فوقه صوت أو خلاف، الانتقام لشرف إسبانيا الذي خدشته قبائل الموروس باعتدائها على ساكنة سبتة المسيحيين، كذلك تتوحد اليوم إسبانيا لإغاثة أبنائها في مدينة مليلية قلعة الحضارة وسط جبال الجهل والتخلف». الملاحظ أن منظور المستعمِر، في صياغته لموضوعه، يقع في مفارقة خطابية تنتج من مفارقة الخطاب للسياق الذي يتكلم منه. إنه يتكلم على المستعمَرين وهو يوجد على أرضهم المستعمَرة (سياق
الخطاب)، إلا أنه ينتج خطابًا مفارقًا لحقيقة الموضوع. إنها مفارقة الداخل والخارج التي تجعله ينتج موضوعًا خارج السياق. فهو داخل «المستعمرَة الكولونيالية»، إلا أنه يتحدث عن سكانها وتاريخها
وجغرافيتها من موقع خارج التاريخ، لا يوجد إلّ في مخيلة المستعمِر الكولونيالية، يلغي الحقائق الجغرافية والتاريخية والثقافية، لتحل محلها استيهامات الصور النمطية الكولونيالية. يختزل التاريخ في محكي الصحافي والجاسوس الكولونيالي في تاريخ «إسبانيا العظيمة»، ويتم تصويره في حبكة ملحمية، تخضع فيها الذات الإسبانية لاختبار تمجيدي، تؤدي فيه دور البطل الذي يتلقى تكليفًا من الأمة من أجل إنقاذ الحضارة من جماعة المغاربة الهمجيين. لكن المفارقة الخطابية
((5(الورياغلي، ص.59 ((5(المرجع نفسه، ص.56 (6((هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.141 ((6(الورياغلي، ص.57
والتاريخية التي تشرخ وحدة هذا الخطاب في ادعاءاته الحضارية، تمدين الشعوب «المتخلفة»، تنبثق من «تحوله الهزلي من مثُل الخيال الكولونيالي الرفيعة» إلى ممارساته الدنيوية الوحشية، في الإخضاع والقهر والاستغلال؛ وهذا ما يكشف تضميناته الأيديولوجية المتحيزة؛ إنه يستخدم الحضارة مقولةً أيديولوجية عرقية، من أجل الهيمنة والسيطرة، وشعار «الرسالة الحضارية» ما هو إلّ حيلة بلاغية لممارسة المكر الدلالي. هكذا، يتنازع في الرواية نمطان من التواريخ المتصارعة: تواريخ الاحتلال وتواريخ المقاومة، ويتصارع صوتان: صوت الراوي التابع وصوت الراوي الكولونيالي؛ كل واحد منهما يقدم نسخته المختلفة للتاريخ، في صيغة حوارية عنيفة، تكشف الصراع الجدلي بين سرديتين متناقضتين في الإستراتيجيات والرهانات، سرديّة منبثقة تتطلع إلى استعادة حريتها وتقرير مصيرها، مدفوعة «بالسرديّات الجليلة الكبرى للتحرر والتنوير»، ممثلة لأيديولوجيا المقاومة، وسرديّات كولونيالية سائدة، مدفوعة بالإستراتيجيات الكبرى للهيمنة الإمبراطورية، تعمل على منعها من أن تحقق حريتها وتقرر مصيرها. هذا التعارض، كما أوضحنا، ينعكس على الإستراتيجيات السرديّة والخطابية التي تتحكم في منطق كل سرديّة. إذا كانت سرديّة المقاومة تدشن حكايتها بنموذج التنافر وتُتَوج بنموذج التوافق، فإن سرديّة الكولونيالية – على العكس – تبدأ بنموذج التوافق وتنتهي بنموذج التنافر. هذا الاختلاف في المنطق الحكائي البنيوي للسرديتين يفسره التناقض التاريخي بين المستعمِر والمستعمَر، في الزمنية الكولونيالية الذي
يموضع المستعمِر في علاقة تناقض جذري مع المستعمَر: إن المجتمع الكولونيالي، مجتمع المستعمِر
والمستعمَر، هو مجتمع انفصال كامل «ليس في خدمة توليف أعلى». على هذا الصعيد الثقافي والأيديولوجي، تنبع أهمية الرواية من المواجهة السرديّة والخطابية التي
تقيمها بين سرديات المستعمِر وسرديات المقاومة، متجاوزةً البنية السرديّة والدلالية المنولوجية للرواية الإسبانية الاستعمارية التي حكمت على أصوات المستعمَرين وتواريخهم بالصمت، فارضة سردًا
أحاديًا إقصائيًا.
خاتمة
من خلال تحليلنا للإستراتيجية السرديّة والخطابية التي اعتمدتها الرواية في بناء هُويات الشخصيات وصور التاريخ، وتميزت بإستراتيجيتها الطباقية، ما أتاح للروائي تمثيل مختلف الأصوات والذوات والتواريخ المتصارعة في الزمنية الكولونيالية بمنظور حواري نقدي، مكّنه من كشف الافتراضات الأيديولوجية الكامنة في الخطاب الكولونيالي، يمكننا – استنادًا إلى هذه الخلاصات – تأويل رواية أبواب الفجر على أنها رواية ما بعد كولونيالية، مارست حقها في الرد بالكتابة على الرواية الإسبانية الكولونيالية، من دون أن تتعسف في ممارسة هذا الحق، بقمع الصوت الكولونيالي. وهي بذلك لا تشكّل مجرد نسخة معكوسة للرواية الإسبانية الاستعمارية، بل تمثّل نصًا حواريًا نقديًا، يطرح سرديات
((6(بابا، ص.166 ((6(غبسون، ص.186–185
بديلة من السرديات الكولونيالية، تتميز بإستراتيجيتها الحوارية والتضمينية التي تستوعب ثقافة الذات وثقافة الآخر على الرغم من تاريخ العنف بينهما، برؤية ثقافية نقدية، مستشرفة أفقًا إنسانيًا قوامه صيغة
واقعية من التبادلية المتكافئة بينهما، تصنعها ثقافة الاعتراف بالآخر كائنًا إنسانيًا مساويًا. وهي بذلك
تتحيز لصيغة العلاقات الإنسانية المشتركة بين الشعوب والثقافات والهُويات بديلً من العلاقات الكولونيالية القهرية، وتطرح نموذج الاختلاف الثقافي بديلً من نموذج الاختلاف العرقي في التواصل بين الثقافات.
References
المراجع
العربية
أشكروفت، بيل وغاريث غريفيث وهيلين تيفين. الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة. ترجمة شهرت العالم. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2006 ________. دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية. ترجمة أحمد الروبى وأيمن حلمي وعاطف عثمان. تقديم كرمة سامي. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم عزمي بشارة. بيروت: شركة قدمس للنشر والتوزيع،.2009 أنقار، محمد. بناء الصورة في الرواية الاستعمارية: صورة المغرب في الرواية الإسبانية. تطوان: مكتبة الإدريسي للنشر والطبع،.1994 بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 باختين، ميخائيل. الخطاب الروائي. ترجمة وتقديم محمد برادة. الرباط: دار الأمان للنشر والتوزيع،
بروب، فلاديمير. مورفولوجية الخرافة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب. الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين،.1986 جلبرت، هيلين وجوان تومكينز. الدراما ما بعد الكولونيالية: النظرية والممارسة. ترجمة سامح فكري. القاهرة: أكاديمية الفنون، مركز اللغات والترجمة،.2000 ريكور، بول. الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي. ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم. راجعه عن الفرنسية الدكتور جورج زيناتي. بيروت/ طرابلس: دار الكتاب الجديد المتحدة/ دار أويا،.2006 سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة وتقديم كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب،.1997 عقار، عبد الحميد. «الرواية المغاربية الواقع والتجريب». مقدمات. العدد).1998(14/13
غبسون، نايجي سي. فانون: المخيلة بعد–الكولونيالية. ترجمة خالد عايد أبو هديب، مراجعة فايز الصياغ. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 فوكو، ميشيل. نظام الخطاب. ترجمة محمد سبيلا. بيروت: دار التنوير،.1984 ميمي، ألبير. صورة المستعمِر والمستعمَر. تعريب جيروم جاهين. تقديم جان بول سارتر. بيروت: دار
الحقيقة للطباعة والنشر،.1980 الورياغلي، مصطفى. أبواب الفجر. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2016 وليامز، جيمس. ليوتار: نحو فلسفة ما بعد الحداثة. ترجمة إيمان عبد العزيز. مراجعة حسن طلب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003 اليبوري، أحمد. دينامية النص الروائي. الرباط: منشورات اتحاد كتّاب المغرب،.1993
الأجنبية
Ashcroft, Bill, Gareth Griffiths & Helen Tiffin (eds.). The Post-colonial Studies Reader. London and New York: Routledge, 1999. Courtés, Joseph. Indroduction à la sémiotique narrative et discursive: méthodologie et application. Préface de A. J. Greimas. Paris: Librairie Hachette, 1976. Bhabha, K. Homi (ed.). Nation and Narration. London and New York: Routledge, 2000. Barker, Chris. The SAGE Dictionary of Cultural Studies. London and Thousand Oaks & New Delhi: SAGE Publications, 2004. Schwarz, Henri & Sangeeta Ray (eds.). A Companion to Postcolonial Studies. Malden, MA: Blackwell Publishing, 2005. White, Hayden. The Content of the Form. Baltimore and London: John Hopkins University Press, 1987.