الحقيقة والخيال في أدب الهولوكوست: مقارنة بين آن فرانك وسِتلا شتاينباخ
Fact and Fiction in Holocaust Literature: A Comparison between Anne Frank and Settela Steinbach
الملخّص
أثار أدب الهولوكوست جدلًا واسعًا حول إمكان محاكاة ما لا يمكن محاكاته، باعتبار أن الهولوكوست حدثٌ فريد في تاريخ البشرية، استهدف استئصال الوجود اليهودي في أوروبا. ويتلخص هذا الجدل في أن الأدب قد يعجز عن تصوير حقائق الحدث التاريخي، بل ربما يزيفها. وتدور الإشكالية الرئيسة حول شرعية مزج التاريخ والأدب، وتداعيات هذا المزج، وملاءمة المحاكاة وحدودها. وتهدف الدراسة إلى استكشاف هذه الإشكالية في علاقتها بالحقيقة والخيال، وذلك من خلال المقارنة بين نصين أدبيين عن الهولوكوست؛ هما يوميات فتاة صغيرة لآن فرانك Anne Frank، وسِتلا لآد فاغنار Aad Wagenaar. ويتبين من المقارنة أن اقتصار تعريف الهولوكوست على الجماعات اليهودية قد فرض حدوده على الكتابة الإبداعية. ويتضح أن سرد تفاصيل القصة الصغرى في كل نص (حياة كل فتاة ومصيرها) يأتي في إطار قصة كبرى (الهوية اليهودية المقهورة). وتكشفت المقارنة عن طبيعة "سياسة الذاكرة" أو الوظيفة المزدوجة للذاكرة، فربما تكون الذاكرة أداة للتمجيد والأيقنة Iconizationأو التوثين والتقديس الأعمىIdolization ، وربما تكون أداة للتهميش أو التمكين؛ ومع ذلك، يعجز النصان عن تجاوز دائرة تخصيص الهولوكوست وخصخصتها: خصخصة التجربة اليهودية (يوميات فتاة صغيرة)، وخصخصة تجربة الغجر (سِتلا).
Abstract
Abstract: Holocaust literature has given rise to wide controversy about representing the unrepresentable, seeing the Holocaust as a unique event in
- أدب الهولوكوست
- آن فرانك
- آد فاغنار
- الهوية اليهودية
- سياسة الذاكرة
- الغجر
- Holocaust Literature
- Anne Frank
- Aad Wagenaar
- Jewish Identity
- Memory Politics
- Gypsies
حجاج أبو جبر | Hajjaj Abu Jabr * ((5(
Fact and Fiction in Holocaust Literature:
A Comparison between Anne Frank and
Settela Steinbach
أن الهولوكوست حدثٌ فريد في تاريخ البشرية، استهدف استئصال الوجود اليهودي في أوروبا. ويتلخص هذا الجدل في أن الأدب قد يعجز عن تصوير حقائق الحدث التاريخي، بل ربما يزيفها. وتدور الإشكالية الرئيسة حول شرعية مزج التاريخ والأدب، وتداعيات هذا المزج، وماءمة المحاكاة وحدودها. وتهدف الدراسة إلى استكشاف هذه الإشكالية في عاقتها بالحقيقة والخيال، وذلك من خال المقارنة بين نصين أدبيين عن الهولوكوست؛ هما يوميات
فتاة صغيرة لآن فرانك Anne Frank، و سِتلا لآد فاغنار Aad Wagenaar. ويتبين من المقارنة أن اقتصار تعريف الهولوكوست على الجماعات اليهودية قد فرض حدوده على الكتابة الإبداعية. ويتضح أن سرد تفاصيل القصة الصغرى في كل نص (حياة كل فتاة ومصيرها) يأتي في إطار قصة كبرى (الهوية اليهودية المقهورة). وتكشفت المقارنة عن طبيعة «سياسة الذاكرة» أو الوظيفة المزدوجة للذاكرة، فربما تكون الذاكرة أداة للتمجيد والأيقنة Iconization أو التوثين والتقديس الأعمى Idolization، وربما تكون أداة للتهميش أو التمكين؛ ومع ذلك، يعجز النصان عن تجاوز دائرة تخصيص الهولوكوست وخصخصتها: خصخصة التجربة اليهودية (يوميات فتاة
صغيرة)، وخصخصة تجربة الغجر (سِتلا.)
Assistant Professor in Critical Theory, Academy of Arts, Egypt.
human history, which aimed at the eradication of Jewish presence in Europe. This controversy might be summarized in the belief that literature may fail to represent the facts of this historical event, and even to falsify it. The major research problem revolves around the legitimacy of blending history and literature, the implications of such a blending, and the appropriateness of representation and its limits. This papers aims to explore this problem in relation to fact and fiction in Holocaust literature. To this end, two literary texts on the Holocaust will be compared: Anne Frank’s Diary of a Young Girl , and Aad Wagenaar’s Settela. The comparison shows that confining the definition of the Holocaust to Jewish communities has imposed its limits on creative writing. It also becomes clear that narrating the small story in each text (the life of each girl and her fate) is written within a grand story (the oppressed Jewish identity). The comparison also reveals the nature of memory politics or its double function; it can be an instrument of promoting icons or idols, empowerment or marginalization. Both texts, however, fail to go beyond the privatization of the Holocaust: the privatization of the Jewish experience (The Diary of a Young Girl), and the privatization of the experience of the gypsies in Europe (Settela).
مقدمة
ظهرت إشكالية المحاكاة الأدبية للهولوكوست بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة عندما قال تيودور أدورنو Adorno. W Theodor مقولته الشهيرة: «إن كتابة الشعر بعد أوشفيتس عملٌ بربري»، واشتد الجدل حول شرعية مزج التاريخ والأدب، وماءمة المحاكاة وحدودها، وإمكان اعتبار الهولوكوست تجربةً تاريخية فريدة تختص بالجماعات اليهودية دون غيرها. وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف إشكالية المحاكاة الأدبية للهولوكوست في عاقتها بالحقيقة والخيال من خال المقارنة بين نصين أدبيين مختلفين: يوميات فتاة صغيرة The Diary of a Young Girl لآن
فرانك، وسِتلا لآد فاغنار، وتقوم المقارنة على ثاثة محاور: 1. طبيعة النوع الأدبي بين الحقيقة والمجاز، 2. البنية السردية بين القصة الصغرى والقصة الكبرى، 3. الهولوكوست بين الأيقنة والتوثين.
أولا: طبيعة النوع الأدبي
تشير الهولوكوست (بالعبرانية «شوعاه») إلى عمليات الاضطهاد والإقصاء والتدمير التي تعرضت لها الجماعات اليهودية في أوروبا إبان الحقبة النازية في الفترة 1945–1933. وهذا الوصف الذي تُورده موسوعة أدب الهولوكوست يفرض حدوده على كتابة التاريخ اليهودي لتلك الحقبة، كما يفرض حدودًا على الكتابة الإبداعية. فثمة توجس من الحديث عن ضحايا آخرين إبان الحقبة النازية، وثمة تخوف واضح من الجماليات والتخييل والمجاز في أدب الهولوكوست، فربما تصرف هذه الأمور
(1) S. Lillian Kremer (ed.), Holocaust Literature: An Encyclopaedia of Writers and their Work (New York: Routledge, 2003), p. 21.
الانتباه عن الموضوع التاريخي، وتجذب الانتباه إلى نفسها، وربما لا يستطيع المجاز أن ينقل الحقائق بدقة، بل ربما يزيفها، ولكن مُحررة موسوعة أدب الهولوكوست ليليان كرمر Kramer Lillian تؤكد أن
أستاذ الدراسات اليهودية جيمز ينغ Young James يعترف في نهاية المطاف بأن المجاز لا يهدد حقائق الهولوكوست، وأنه «طريقنا الوحيد إلى الحقائق التي لا يمكن أن توجد في انفصال عن الصور المجازية التي تنقلها لنا». ويشتمل أدب الهولوكوست على أنواع أدبية متنوعة: اليوميات، والشعر، والدراما، والرواية، والأنواع الأدبية الهجينة؛ مثل الصحافة الأدبية. والنص الأول محل الدراسة (يوميات
فتاة صغيرة) ينتمي إلى اليوميات، أمّا النص الثاني (سِتلا) فينتمي إلى الصحافة الأدبية، وهي كتابة
هجينة تعكس نقاط التماس بين الصحافة والأدب.
1. يوميات فتاة صغيرة
اليوميات هي «أكثر الأنواع الأدبية مرونة»، وهي «حوار شخصي بين الكاتب وصوته السردي الخاص Persona Private، وفيه يمكن مناقشة كل شيء بعيدًا من سطوة التنقيح والتحرير. كما أن الحكي عن الجنس هو موضوع مهم متواتر في اليوميات الأدبية». وهذا التعريف ينطبق على يوميات آن فرانك، وخاصة أن الفترة الزمنية التي تقع فيها يومياتها هي فترة المراهقة والبلوغ. وتعد اليوميات «الشكل الأمثل» لتطوير الأمور المستحوذة على الفكر، وتتراوح الكتابة بين الكآبة المهيمنة واللحظات النقدية أو الشخصية، وتظهر فيها سلسلةٌ من صات متعارضة ومتقابلة. وهذا ينطبق على يوميات آن فرانك؛ وذلك لأن الجو الحزين الكئيب في يومياتها تتخلله لحظات الفرح والاحتفال والنكات والتخييل الجنسي. تتطلب اليوميات قدرًا من الصدق Truthfulness، ولا بد لكاتب اليوميات من أن يتخلى عن التكلف
في استخدام الصور الباغية والمجازية المرتبطة بالتأليف الأدبي، ولا بد من أن يفكر وحده ببساطة من دون مساعدة من هذه الأدوات، فاليوميات «نوعٌ أدبي غائب، وتقديسٌ ما قبل أدبي لتجربة الكاتب
ومخاوفه وتحيزاته في شكل خام جزئيًّا». وتتخذ اليوميات شكل أُفقيًّا، فا تقوم على بنية خطية
تراتبية، بل تعتمد على بنية مائعة غير مكتملة، ولا تتوالى الأحداث بحسب أهميتها، بل وفق ترتيبها الزمني، وهكذا يمكن أن تشتمل اليوميات على تفاصيل متنوعة وسرديات صغرى وسرديات كبرى من دون تراتبية. إن النسخة الأولى من يوميات آن فرانك هي تلك النسخة التي كتبتها الفتاة الهولندية آن فرانك بنفسها ومن تلقاء نفسها، من دون تنقيح أو تحرير. وأمّا النسخة الثانية، «الملحق الخلفي»، فهي تلك النسخة
التي أعادت كتابتها وتحريرها في أثناء فترة اختبائها وأسرتها من البوليس السري النازي (الجستابو)،
(2) Ibid., p. 26. (3) Bruce Merry, «The Literary Diary as Genre,» The Maynooth Review , vol. 5, no. 1 (May 1979), p. 3. (4) Ibid., p. 12. (5) Ibid., pp. 14–18.
وكانت تأمل في نشرها في إطار مسابقة أدبية أعلنت عنها الإذاعة الهولندية في منفاها من لندن، وكان ذلك في آذار/ مارس 1944، وقد كان الهدف من المسابقة الكشف عن معاناة الهولنديين تحت وطأة الاحتال النازي ونشر الخطابات واليوميات الدالة على ذلك بعد انتهاء الحرب. وأمّا النسخة الثالثة،
يوميات فتاة صغيرة، فهي النسخة التي حررها والدها أوتو فرانك بالإضافة والحذف والتنقيح والتحرير بعد انتهاء الحرب وبعد موت آن فرانك بمعسكر برجن بلسن، وقد صدرت النسخة الإنكليزية عام 1952، ونعتمد في هذه الدراسة على الطبعة الصادرة عام.1997 ساعد اكتشاف ألبوم صور آن فرانك وأسرتها بعد الحرب العالمية الثانية في ترويج يومياتها وانتشارها، وبِيع من النسخة الإنكليزية منذ صدورها في بداية خمسينيات القرن العشرين ما يقرب من عشرين مليون نسخة حتى عام 1993، واهتم النقاد بالقيمة الاجتماعية والنفسية والتاريخية لهذه اليوميات. وأثقل النقاد أنفسهم بعبء كبير في التعامل مع هذه اليوميات على أنها وثيقة تاريخية، مع أن تواريخ كتابة هذه اليوميات تدل على أن صاحبتها لم تكن مهتمة، في المقام الأول، بتقديم وثيقة اجتماعية أو تاريخية أو سيكولوجية، والدليل على ذلك الشخصيةُ المتخيلة التي تخاطبها آن فرانك (دميتها المفضلة كيتي Kitty)، فهي تعكس حاجة آن فرانك إلى كاتمة أسرار، وإلى مساحة وجدانية خاصة تناسب جو السرية الذي تتسم به اليوميات حتى تتحول «كيتي» إلى صديقة متخيلة، وقد ظلت آن فرانك تخاطبها في يومياتها وتعيد الكتابة حتى استقرت على أسلوب الرسائل الذي ينتهي بتوقيعها في كل مرة تكتب فيها إليها.
2. سِتلا
سِتلاSettela نصٌّ من تأليف الصحافي الهولندي آد فاغنار Wagenaar Aad، وهو يحكي عن رحلة
بحثه عن فتاة يهودية مجهولة الاسم تظهر في لقطة في فيلم وثائقي عن ترحيل الجماعات اليهودية إلى المعسكرات إبان الحقبة النازية، ويكتشف فاغنار في نهاية المطاف أن الفتاة المجهولة ليست يهودية كما ساد الاعتقاد على مدار عقود من الزمان. وقد سجّل فاغنار رحلته في قالب أدبي يتسم بحبكة
جيدة تقوم على التشويق عبر إثارة أسئلة استقصائية تحتاج إلى إجابات وافية. ويمكن تصنيف هذا النص ضمن الصحافة الأدبية Journalism Literary، وهو نوع أدبي قديم يتصل بنقاط التماس بين الصحافة والأدب، وهو يقوم على بناء المشاهد، والحوارات الواقعية، والوصف المفصل، وغالبًا ما يُطلق عليه «الصحافة السردية» Journalism Narrative، و«أدب الواقع»
Reality of Literature، و«الصحافة الواقعية الإبداعية»Journalismm Non–Fiction Creative.
(6) Daniel Donnell, «The Diary of Anne Frank as Bildungsroman,» Can. J. of Netherlandic Studies/ Rev. Can. D’études Néerlandaises , vol. 32, no. 2 (2011), p. 54. (7) Ibid., pp. 69–70. (8) Aad Wagenaar, Settela, Janna Eliot (trans.), (Nottingham: Five Leaves Press, 2005). (9) Monica Martinez, «Literary Journalism: conceptual review, history and new perspectives,» Intercom – RBCC São Paulo , vol. 40, n. 3 (2017), pp. 23–28.
كما يُسمّى «القص الصحفي» Fiction Journalistic، و«الواقعية الإبداعية» Non–Fiction Creative،
حيث يمكن أن تتاشى الفجوة بين الحقيقي Factual والخياليFictional، وأحيانًا ما يُطلق عليه
«الخيال الواقعي» Fiction Factual، و«الواقعية الفنية» Fiction Non Artistic، وتعود جذور هذا
النوع المميز من الكتابة إلى القرن التاسع عشر على الأقل، ومن بين الك تاب المشهورين الذين مارسوا تلك الكتابة دانيل ديفو Defoe Daniel، ومارك توين Twain Mark، وستيفن كرين Crane Stephen، وإرنست همنغواي Hemingway Ernest، وجون شتاينبكSteinbeck John. إن الصحافة الأدبية «كتابة هجينة» Writing Hybrid تستعير من تقنيات الصحافة والسرد الأدبي،
ويؤمن أنصارها بأهمية الموضوعية ودور الراوي باعتباره وسيطًا للواقع، وهي ترقى إلى أن تكون «روايات واقعية» Novels Fiction Non، حيث يضع الصحافي الحقائق في مشاهد، وحوارات، وشخصيات، ولحظات تنوير، وبذلك يعيد خلق القصص الحقيقية في الشكل السردي بعيدًا من النص الذي يسرد قائمة جافة بالوقائع والحقائق والأرقام، وهذا يعني أن الصحافة الأدبية تتطلب الدقة والبناء السردي الدقيق حتى يمكن وصفها بأنها أدب أو فن: «ولا بد أن يتسم أسلوب الصحافة الأدبية، مثل أسلوب اليوميات، بالبساطة والوضوح والإمتاع». وتكشف الصحافة الأدبية عن تحول نماذجي Shift Paradigm، حيث يتم التخلي عن فكرة الموضوعية، بل الشك في وجودها أصل، وذلك لمصلحة مفاهيم من قبيل المعقولية Plausibility، والمصداقية Credibility، والثقة Trustworthiness، والصدق Truthfulness، وهذا التحول النماذجي يشمل مفاهيم الحقيقة Fact والخيال Fiction، بحيث تسود حالة من المرونة، وتتاشى الحدود.
ثانيًا: البنية السردية
1. البنية السردية في يوميات فتاة صغيرة
تبدأ أحداث يوميات آن فرانك من 12 حزيران/ يونيو 1942 (عيد مياد آن فرانك الثالث عشر)، حتى 1 آب/ أغسطس 1944. وتُروى الأحداث من منظور آن فرانك نفسها بضمير المتكلم، وهي تسرد الأحداث والخواطر لدُمية تحبها اسمها «كيتي»، فهي تثق بدميتها، وتأمل أن تجد راحة كبيرة في الكتابة لها، بل تتحول اليوميات نفسها إلى صديقة لها، وكأن الدمية هي القارئ المتوقع، الذي لا بد من أن يجد صلة حميمة، وثقة كبيرة بينه وبين الراوية التي تفصح با تردد عن مشاعرها وأحاسيسها وعواطفها وأفراحها وأحزانها وأسرارها كلها.
(10) Gurpreet Kaur, «Narratives and Real Stories: Rules Governing Literary Journalism,» International Journal of Management and Social Sciences Research , vol. 1, no. 1 (October 2012), p. 55. (11) Kobie Van Krieken, «Framing Narrative Journalism as a New Genre: A Case Study of the Netherlands,» Journalism , vol. 18, no. 10 (2017), p. 1366. (12) Kaur, p. 57. (13) Krieken, p. 1374.
تكشف بداية اليوميات عن القصة الصغرى، حيث تسلط الضوء على الطبقة التي تنتمي إليها صاحبة اليوميات، وذلك من خال الحديث عن احتفال آن فرانك بعيد ميادها، وعاقتها بقطتها، وفضِّها الهدايا الجميلة، وخاصة المابس والكتب. إن القارئ يلتقي بفتاة من أسرة أرستقراطية مثقفة، فتاة مطلعة وقارئة نهمة، وهذا يبعث الثقة بكتابتها والاستمرار في قراءة يومياتها. وتحتوي الصفحات الأولى من اليوميات على عدد كبير من الصفات لزمياتها وزمائها في المدرسة؛ فمنهم الظريف والممل، والجميل والقبيح، والكسول والنشيط، ولا يفوت صاحبة اليوميات الإشارة إلى الأولاد المعجبين بها، لتأكيد سمات فترة المراهقة التي تمر بها، وهي جزء محوري في البنية السردية لهذه اليوميات. تكشف بداية اليوميات أيضًا عن السردية الكبرى، عن الهوية اليهودية المقهورة، فيعلم القارئ أن صاحبة اليوميات وُلدت في ألمانيا، وأن أسرتها اضطرت إلى السفر إلى هولندا في عام 1933 لأنهم
كانوا من اليهود. كما يعلم القارئ أن القلق لم يفارق أسرتها؛ لأن أقاربها في ألمانيا كانوا يعانون القوانين المعادية لليهود، عاوة على معاناة اليهود في هولندا مع وصول النازيين في عام 1940، وهنا تتسع البنية السردية في النسخة الثالثة المنقحة إلى الكشف عن القوانين المعادية لليهود، وهي قوانين إقصائية تسردها آن فرانك في صفحة كاملة، وكان من بينها منع اليهود من قيادة السيارات، وإن كانت سيارات خاصة. تبدأ العقدة عندما تتلقى أختها الكبرى مارغوت Margot (16 عامًا) استدعاءً من فريق «الإس إس»
المكلف بحماية هتلر وإدارة المعسكرات، وتقرر الأسرة الرحيل إلى مخبأ سري مع صديق الأب وزميله في العمل السيد فان دان Dan Van وأسرته، وهكذا يرحلون جميعهم وهم يرتدون مابس عليها النجمة الصفراء. ولم تنس آن فرانك القطة «مورتجي» فعهدت برعايتها إلى الجيران، ويعلم القارئ أن المخبأ هو مبنى مكتب أبيها في شركة هولندية لصنع المربَّى، وأنه ملحقٌ سريٌّ خلف
المبنى، وأنه يضم غرفة معيشة، وغرفة نوم، وحمامًا، وغرفةً لآن فرانك وأختها مارغوت، وغرفة أخرى
واسعة تصلح للمعيشة والقراءة للجميع، وغرفة أخرى لعائلة فان دان، وهكذا تصف آن فرانك هذا الملحق السري بأنه مكانٌ مثاليٌ لاختباء، وأكثر أماكن الاختباء راحةً في أمستردام، بل ربما في هولندا
بأسرها، وكان في وسع المختبئين تخزين مئات المعلبات، والبيض والزبدة، والخبز والشوكولاتة والكتب، والاستماع إلى الراديو وقراءة الكتب ومسرحيات غوته وشيلر، وإن كانوا لا يستطيعون النظر من النافذة أو الذهاب إلى الخارج، عاوة على قلق آن فرانك وحزنها على قطتها وانشغالها بها وبكائها عليها والحلم بلقائها مرة أخرى. تقوم البنية السردية على رسم العاقات بين الشخصيات من منظور آن فرانك، فيعلم القارئ أن عاقتها بأبيها على ما يرام، وأن عاقتها بأمها ليست على ما يرام. وهذا الشعور بالغربة والاغتراب عن أمها
(14) Frank, pp. 8–12. (15) Ibid., p. 40.
يكشف عن صراع داخلي يبعث على محاولة فهم الآخرين والتعامل معهم، رغم كل ما تلقاه من نصح وتوبيخ. ويسود القصة الصغرى تفاصيل عن المصاعب اليومية، وخاصة صعوبة الاستحمام في هذا المكان الضيق وإمكان الانكشاف للآخرين، ويتخلل القصة الصغرى ومصاعبها احتفالات بأعياد المياد والهدايا. كما تتواتر القصة الكبرى كاشفةً عن اضطهاد الجماعات اليهودية؛ إذ تصل إلى آن فرانك والمختبئين معها أخبارٌ سيئةٌ عن ترحيل أصدقاء وأقارب يهود في عربات الماشية إلى معسكر فستربورك Westerbork، حيث الجوع والعطش، وحلق شعر النساء والأطفال، واستحالة الهرب. وكأن العداوة الكبرى إبان الحرب العالمية الثانية كانت بين اليهود والألمان. وتلخص آن فرانك حُسن حظها، وتمزج القصة الصغرى بالقصة الكبرى قائلة:ً «إننا محظوظون جدًا هنا، بعيدًا عن الاضطراب العنيف، لم نكن لنبالي بكل هذه المعاناة لولا أننا قلقون جدًا على أعزائنا الذين نعجز عن مساعدتهم. إنني أشعر بالذنب وأنا أنام في فراش دافئ، بينما يسقط أعز أصدقائي من الإنهاك أو من الضرب الشديد. إنني أشعر بالرعب عندما أفكر في أصدقائي الأقربين الذين هم الآن تحت رحمة أشرس الوحوش الضارية في الأرض. وكل ذلك لأن أصدقائي يهود». «إننا محظوظون تمامًا، إننا أفضل حظ ا من مايين الناس، فالمكان هنا آمن وهادئ، وننفق أموالنا في شراء الطعام، إننا أنانيون جدًا، حتى إننا نتحدث عمّا بعد الحرب، ونتطلع إلى مابس وأحذية جديدة،
والأجدر بنا أن ندخر ما نملك لمساعدة غيرنا عندما تنتهي الحرب، لننقذ ما يمكن إنقاذه». «عندما أفكر في حياتنا هنا، عادةً ما أخلص إلى أننا نعيش في جنّة مقارنةً باليهود الذين لا يجدون
ملجأً يختبئون فيه ». تقوم البنية السردية المائعة على الإثارة، وذلك عبر موضوع متكرر تخوض فيه آن فرانك، وهو التغيرات البيولوجية التي تطرأ عليها وإحساسها بجسدها أثناء المراهقة. وهكذا تخفف آن فرانك من كآبة الموضوعات والنبرة الحزينة للقصة الصغرى والقصة الكبرى عبر الكشف عن خيالها الجنسي وانجذابها نحو الصبي بيتر فان دان الذي يختبئ هو وأسرته مع أسرتها. واستخدمت آن فرانك أسلوب «الفاش باك»، وذلك للحديث عن الجنس بوصفه موضوعًا يحرُم على
الفتيات والأولاد معًا الخوض فيه.
(16) Ibid., p. 53. (17) Ibid., pp. 68–69. (18) Ibid., p. 79. (19) Ibid., p. 98 (20) Ibid., p. 170.
يبدو أنه كلما تفككت البنية السردية، عادت آن فرانك إلى موضوع الجنس، باعتباره الموضوع المهم المتكرر في اليوميات، وبوصفه أحد التابوهات التي لا بد للمجتمع من أن ينفتح عليها، فقد علمت بعض الأمور عن الجنس وهي في سن الحادية عشرة. إن الأحداث داخل الملحق السري تتوقف، ويدور الحدث حول التقاء العيون وتحديقها في عيون بيتر. ويجري الحديث معه عن البلوغ. وتشير آن فرانك إلى تغير موازٍ للتغير البيولوجي، أي التغير في الآراء والأفكار ورؤيتها للناس والعالم، وإن كان القارئ لا يلمس أي تغير واضح، ولئن كان هناك تغير فهو كام تقوله هي، ولا نجده في أفعالها مع من حولها، وإن كان الناقد دانيل دونيل يصر على وصف هذه اليوميات بأنها تمثل نوعًا أدبيًّا يُطلق عليه «رواية التربية والتكوين» (بالألمانية Bildungsroman.) ويبدو أيضًا أنه كلما تفككت البنية السردية، ظهر الحديث عن الهوية اليهودية المقهورة في صفحات كاملة: «لا يمكننا أبدًا أن نكون هولنديين فحسب أو إنكليزيين فحسب، أو أي جنس آخر، سنكون دومًا يهودًا أيضًا، وعلينا أن نبقى يهودًا، ونرغب أن نكون يهودًا [...] فلنتمتع بالشجاعة! ولنتذكر واجبنا ونؤديه من دون شكوى، سنجد مخرجًا، فلم يتخلَّ الله أبدًا عن شعبنا. صحيح أن اليهود عبر العصور كُتبت عليهم المعاناة، ولكنهم استمروا في العيش عبر العصور، وما زادتهم قرون المعاناة إلا قوة. سيسقط الضعيف، وسيبقى القوي ولن ينهزم»!. تظهر فكرة الهوية المزدوجة قرب نهاية اليوميات، في إرهاص بنهاية آن فرانك نفسها، حيث الجمع بين القومية الحديثة والإثنية اليهودية: «تلك الليلة خطر ببالي حقًا أنني سأموت، وانتظرت وصول الشرطة
وكنت مستعدة للموت مثل مُحاربةٍ في ساحة المعركة، كنت سأضحي بنفسي بكل سرور في سبيل وطني». واقع الأمر أن صاحبة اليوميات نفسها تدرك أن كتابتها صارت مضطربةً تمامًا، وأنها تقفز من موضوع إلى آخر من دون تكثيف لموضوع بعينه: «أعتقد يا عزيزتي كيتي أنني غريبة إلى حد ما اليوم، ولا أعلم السبب. إن كتابتي مضطربة تمامًا، أقفز من موضوع إلى آخر، وأحيانًا أشك بشدة إذا ما كان أحد سيهتم بهذا الهراء».
(21) Ibid., p. 220. (22) Ibid., p. 225. (23) Ibid., p. 230. (24) Ibid., p. 234. (25) Donnell, pp. 49–88. (26) Frank, pp. 258–259. (27) Ibid., p. 259. (28) Ibid., p. 261.
2. البنية السردية في سِتلا
الضحية من أهم النماذج الأصلية التي تهتم بها الصحافة الأدبية. يبدأ فاغنار سرديته عن س تا بصورة الضحية، حيث تظهر الصورة الوحيدة للفتاة المجهولة على غاف الكتاب، وتستدعي صورة الغاف مقارنةً بين الفتاة المجهولة وآن فرانك. إن مامح الفتاة المجهولة مختلفة تمامًا عن مامح آن
فرانك. فإذا كانت آن فرانك، في صورتها على غاف اليوميات وفي ألبوم الصور داخل اليوميات، تبدو ذات نسب ومال وجمال، ومن بيئة غربية وطبقة ثرية، ومن أهل المدن، ومن أسرة على قدر من العلم والثقافة، فإن مامح الفتاة المجهولة تكشف عن سمات مختلفة تمام الاختاف، فربما كانت من بيئة غربية، لكن مامحها توحي بأنها من بيئة ريفية، ومن طبقة معدمة، وتكشف عيناها عن شقائها، ومثابرتها على المحن والصعاب. وإذا كان المرء منا يرى معظم صور آن فرانك وهي تنطلق في خفة، وتبتسم في اطمئنان، وتضحك في
ثقة، وتلهو في حرية، فإن الفتاة المجهولة تظهر ساكنة، تتحرك شفتاها قليل في حذر ورهبة حتى تتجلى بعض أسنانها العلوية، لكنها تعجز عن التعبير عما يدور في خلدها من مشاعر وأحاسيس، حتى إنها تنسى نفسها ومصيرها، وتظل عيناها في حَيرة وترقب. وإذا كان المرء منا يرى شَعر آن فرانك
ينسدل حينًا، ويرفرف حينًا آخر في قصات مختلفة، فإننا لا نرى شعر الفتاة المجهولة أبدًا، بل نرى
شالً أبيضَ يغطي رأسها ويكسو عنقها، وينسدل قليلً بدفتيه على صدرها، فيتجلى وجهها كاملً بعينين حائرتين وفَمٍ يختزن كلمات صامتة تقبع خلف أسنانها العلوية ولا يستطيع المرور بشفتيها من
هول ما تشعر به. والأهم من ذلك كله أن صور آن فرانك إنما هي صور فوتوغرافية احتفالية التقطتها لها أسرتها وهي في سن صغيرة للذكرى الجميلة، أمّا الصورة الوحيدة الكاشفة عن الفتاة المجهولة، فإنها ليست صورة
فوتوغرافية، بل هي صورة حية لا تدوم سوى بضع ثوان في فيلم وثائقي حول ترحيل الجماعات اليهودية إلى معسكرات الموت في عام.1944 إننا لا نرى الفتاة المجهولة في غرفة فخمة، ولا في استوديو أنيق، ولا بين مناظر الطبيعة الخابة، بل
تظهر في لقطة حية في عربة قطار مخصصة لنقل البضائع والماشية، حيث ينفتح باب العربة قليلً، وتظهر الفتاة، وتتساوى فتحة الباب وحجم جسدها، وفي أقل من ثانيتين، تلتفت عيناها إلى اليسار
وإلى اليمين، وإلى اليسار، وإلى اليمين، وكأنها تنظر إلى شيء ما في رهبة وترقب. وبعد سبع ثوانٍ، تنتهي اللقطة، وتظهر لقطات أخرى للقطار وهو يغادر هذا المعسكر المؤقت إلى معسكرات الموت. يضفي فاغنار لمسة واقعية موضوعية على النص، فيضع قائمةً بمحتوياته، ويقع بين المقدمة والخاتمة
خمسة عشر فصلً. ويتضح أن لقطة الثواني السبع هي محور الأحداث، إنها محور رحلة البحث الاستقصائي المثير عن هوية فتاة مجهولة تلفت الانتباه وهي تنظر في حيرة وخوف من عربة قطار للبضائع قبل أن يغادر الرصيف. وفي الفيلم الوثائقي نفسه، لا تكاد تنتهي لقطة الثواني السبع، حتى
(29) Krieken, p. 1374.
تظهر لقطات أخرى للهرج والمرج الذي يصاحب رحيل قطار طويل من معسكر فستربورك الانتقالي، ماضيًا في طريقه إلى معسكر أوشفيتس أو زوبيبور أو برجن بلسن أو ترزينشتات في ربيع 1944، حيث
الحل النهائي للمسألة اليهودية. فلم يشكّ فاغنار في بداية سرديته في أن هذه الفتاة ربما تكون غير يهودية؛ لأن الخريطة الإدراكية السائدة وضعت الجماعات اليهودية في بؤرة الضوء والاهتمام، وجزمت، على مدار عقود، أن هذه الفتاة المجهولة الاسم والأصل إنما هي ضحية يهودية لجرائم النازية. يبدأ النص من النهاية، من نهاية الرحلة التي بدأها الصحافي فاغنار بحثًا عن هوية الفتاة المجهولة، فيصف لنا منزلً ريفيًّا له روعة القصور في قرية بسيطة تسمى غرفنبشت Grevenbicht، وكان يسكن
هذا المنزل طبيب اسمه فيكتور دويسنز Duysens Victor وزوجته آنا ماريا Maria Anna منذ عام 1919. وعلى بعد ثاثة كيلومترات من هذه القرية، يقع مرعى مفتوح تعسكر فيه عربة «كرفان» بضعة أشهر، وهذه العربة هي بيت هاينريش شتاينباخ Heinric Steinbach وزوجته إميليا Emilia وأبنائهما الستة، وهم ينتمون إلى جماعات الغجر الذين عبروا الحدود الألمانية في القرن التاسع عشر، واستقروا في إقليم ليمبورغ Limburg. وكان شتاينباخ يكسب رزقه من عزف الكمنجة في المقاهي والموالد. وكان كانون الأول/ ديسمبر هو الشهر المفضل لدى آنا ماريا، حيث تستمتع فيه بتزيين شجرة الكريسماس الطويلة، وتوزيع الحلوى على كل أطفال الأسر الفقيرة. وكانت آنا ماريا تفرح لرؤية الأطفال الغجر المتنقلين في عربات الكرفان أو الذين يعسكرون في المنطقة؛ مثل أطفال أسرة شتاينباخ الذين يقضون وقتًا في قرية بوختن Buchten المجاورة. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1934، وُلدت طفلة جديدة لأسرة شتاينباخ في العراء تحت عربة الكرفان وفق تقاليد
الغجر، وكفلت آنا ماريا الطفلة وعمّدتها وسمتها آنا ماريا شتاينباخ المعروفة أيضًا باسم «س» تا
Settela التي لم يكتب لها أن تعيش إلا عشر سنوات. يأتي السرد في هذا النص من منظور المتكلم «أنا»، ويكشف عن حيرة السارد الذي رأى صورة الفتاة ما يقرب من خمسين مرة منذ ستينيات القرن العشرين حتى تسعينيات القرن العشرين، حيث ظلت صورة الفتاة تطارده كلما شاهد فيلمًا وثائقيًّا أو برنامجًا تليفزيونيًّا أو معرضًا تاريخيًّا عن الهولوكوست.
وتقوم البنية السردية وتوالي الأحداث على إثارة مجموعة من الأسئلة التي تدفع الراوي إلى الفعل والبحث، وخاصة زيارة الأماكن المهمة وإجراء الحوارات الواقعية مع الأشخاص الذين يمكن أن يساعدوه في مهمة البحث عن هوية الفتاة المجهولة: «من هذه الفتاة؟ ما اسمها؟ أماتت أم ما زالت من الأحياء؟ ما أصلها؟ وما عمرها عندما كانت في عربة القطار حينما التقطت الكاميرا نظرتها وحركتها الساكنة؟ أقُتلت أم أصابها الجوع والعطش والإعياء حتى فارقت الحياة مثل آن فرانك؟ ومتى ماتت إن كانت من الأموات؟».
(30) Wagenaar, p. 8.
يؤدي المكان دورًا مهمًا في دفع الأحداث وتطورها، ففي كانون الأول/ ديسمبر 1992 علم فاغنار أن
المركز التذكاري لمعسكر فستربورك اهتم بقضية هذه الفتاة المجهولة في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، وأن المركز أعطى صورتها الوحيدة لفنانين يعيشون في قرية دوينتا حتى يستوحوا منها صورًا
جديدة لمعرض خاص. وهناك وقع في يد فاغنار دليلٌ إرشاديٌّ لمعرض 1990، وتصف مقدمة الدليل هذه الفتاة بأنها تجسد أكثر من مئة ألف يهودي تعرضوا للترحيل، حيث جرى تجميعهم في معسكر فستربورك، وجرى طردهم دفعة واحدة إلى الشرق، ولم يعد منهم سوى بضعة آلاف، وهكذا فإن الفتاة المجهولة الاسم تحددت هويتها في إطار تلك السردية بأنها يهودية، وصارت أيقونة تعبر عن اضطهاد آلاف اليهود الهولنديين إبان النازية. ويبدو أن إثارة الأسئلة هي الأداة البارزة الأولى من أدوات الصحافة الاستقصائية الأدبية، حيث يستمر فاغنار في إثارة الأسئلة والافتراضات بشأن الفتاة ومصيرها: «هل الفتاة الموجودة في الصورة ضمن مَن
كُتب لهم النجاة؟». أمّا الأداة الثانية فهي قراءة الكتب، وهي خيط مهم في رحلة البحث عن المعلومة الدقيقة التي ربما تفك اللغز. وهكذا كان الخيط الأول في رحلة البحث هو كتاب أدبي وتاريخي لجاك برسر Parser Jack بعنوان السقوط: اضطهاد يهود هولندا وإبادتهم. وفعلً، وجد فاغنار أن جاك برسر قد ذكر الفتاة في كتابه في الصفحة، ووصف فيه فيلمًا عن الحياة في
معسكر فستربورك الذي تم إنتاجه بطلب من قائد وحدة «الإس إس» ألبرت غميكر Albert Gamaker، ولكن جاك هو الآخر لم يكن يعرف هوية «الفتاة اليهودية البائسة». ولعل الأداة البارزة الثالثة هي الحوارات الواقعية مع الشخصيات المهمة التي قد تعين بخبرتها على الوصول إلى معلومات تاريخية دقيقة. ففي بداية 1993، اتصل فاغنار بمسؤول الإعام عن المركز التذكاري لمعسكر فستربورك ألبير جلبير، وحاول أن يعرف إذا كانت هناك أبحاث عن المعسكر وعن هوية الفتاة أو عن الفيلم نفسه، وكانت الإجابة بالنفي. وياحظ القارئ أن عدم الحصول على إجابات شافية أو الحصول على إجابات بالنفي، إنما يحبط توقعات الراوي والقارئ على السواء، ولكنه أسلوب مهم في عملية الإثارة والتشويق لاستمرار في قراءة النص والتطلع إلى معرفة هوية الفتاة المجهولة. إن رحلة البحث عن هوية فتاة مجهولة (القصة الصغرى) يتم استخدامها لإظهار القصة الكبرى (الهوية اليهودية المقهورة). ففي رحلته، لا ينسى فاغنار أن يُذكّر القارئ بالفتاة آن فرانك، وهو يُورد اسمها في
الصفحة الأولى من سرديته، وفي الصفحة الثانية من الفصل الثاني، ويُذكِّر القارئ بأن معسكر
فستربورك تحول إلى مكانٍتذكاريٍ قوميٍّ ومتحفٍ تعليميٍ بحلول عام 1982. وهو متحف يعيد إلى
الذاكرة «قطار البؤس»، وبقايا غرف التعذيب وآثارها، ولا سيما الثكنة رقم 67 التي كانت آن فرانك
(31) Ibid., p. 10.
سجينة فيها من 8 آب/ أغسطس إلى 3 أيلول/ سبتمبر 1944، وهكذا تتأسس عاقة التماهي بين آن فرانك والفتاة المجهولة التي يبحث فاغنار في هويتها. وهنا تطغى التفاصيل والأرقام التي تحاول أن تضفي لمسةً موضوعيةً على السرد، وأن تبرز حقائق القصة الكبرى، وهكذا يتوقف الحدث، وتتدفق المعلومات التاريخية عن معسكر فستربورك الذي كان بمنزلة ترانزيت يهيئ السجناء للرحيل إلى مواقع «الحل النهائي للمسألة اليهودية». ويعلم فاغنار في رحلته، ويعلم القارئ معه، أنه في الفترة 1944–1942 تم نقل أكثر من 100 ألف يهودي، و 245 من الغجر، وانتهى مصير أكثر من 90 ألفًا منهم إلى معسكر أوشفيتس وزبيبور، والباقي إلى معسكر ترزينشتات وبرجن بلسن. وبعد تحرير معسكر فستربورك على أيدي الجنود الكندية، لم ينجُ من
اليهود سوى ما يقرب من خمسة آلاف (من أصل ما يزيد على 100 ألف)، ولم ينجُ سوى 40 من
الغجر، من أصل ما يزيد على 245 شخصًا. تقوم البنية السردية على إثارة الشك والحيرة ووضع الافتراضات التي قد تفك اللغز، فعند فحص المونتاج الذي جرى تجميعه باستخدام مشاهد من فيلم «فستربورك»، وجد فاغنار لقطات لنساء يزرعن الحقول، وأناس يلعبون كرة قدم، وأناس يغنون ويرقصون على مسرح القاعة الكبيرة بالمعسكر، ثم يظهر قطار آخر ينقل سجناء من اليهود، ثم يظهر قطار ثالث، وتبرز الكاميرا تفاصيل الأعمال الاعتيادية للترحيل الأسبوعي، ومساعدات يهوديات على الرصيف، ثم تظهر الفتاة في لقطة الثواني السبع. وهكذا افترض فاغنار أن هذه اللقطة لا تنتمي إلى الفيلم، بل تبدو خارج السياق، وأنها من فيلم آخر. وتطغى القصة الكبرى (الهوية اليهودية المقهورة) على البنية السردية عبر لحظات الكشف المتعددة، حيث يتبين أن الجماعات اليهودية شاركت في حفر قبورها بنفسها وهي مدفوعة بغريزة البقاء، فيدرك فاغنار أن العامات اليهوديات كنّ يشاركن على أرصفة القطارات في عمليات الترحيل إلى معسكرات الموت، كما يعلم أن الفيلم من إخراج رجل يهودي اسمه رودولف برساور Breslauer Rudolf، وهو مصور من ألمانيا، وكان برساور مسؤول عن قسم التصوير بالمعسكر، وخاصة صور الهوية الشخصية للسجناء، ويفترض فاغنار أن برساور تلقى عرضًا لتسجيل حياة المعسكر، وأن قائد المعسكر وجد في ذلك فرصة ذهبية لتصوير مفهوم «العمل يمنحك الحرية» Frei Macht Arbeit، باعتبار أن المعسكر هو معسكر صناعي قائم على العمل والترفيه الذي يمنح الحرية. وإلى جانب الافتراضات التي تقوم عليها البنية السردية، يستعين فاغنار بالذاكرة الأرشيفية، حيث يزور معهد الدولة الهولندية لتوثيق الحرب، ويضع كل المراسات حول الفيلم أمامه، ويعلم أن أحد المديرين اليهود هيانتس تودمان Todtmann Heinz قد ساعد برساور في إعداد مقترح لإنتاج الفيلم
(32) Ibid., p. 13. (33) Ibid., p. 15.
عن المعسكر، وخاصة عن الجمع بين العمل والترفيه، وبين الإنتاج والاستجمام، ومقتضيات الشقاء وآفاق الحرية. يتوالى فعل القراءة، كأنها فعل الكشف عن المجهول، عن تورط الجماعات اليهودية نفسها في جرائم الهولوكوست، ويعلم فاغنار أن المخرج وجد مساعدة من كارل جوردون Jordon Karl، وهو رجل
يهودي في سن الأربعين هرب من ألمانيا إلى هولندا، وأُخذ إلى فستربورك في عام 1942، عاوة على ثاثة آخرين من اليهود من أعضاء مكتب الاتصال في أمستردام. وبمساعدة مدير أرشيف الأفام والصور، توصَّل فاغنار إلى هوية إحدى الفتيات اليهوديات المساعدات في عمليات الترحيل على
أرصفة قطارات الموت، وكان اسمها ليني كوهين، وكان يأمل أن تسعفها ذاكرتها، وأن تساعده في تحديد هوية الفتاة المجهولة، لكنها لا تؤكد ما يريده، وتتحدث عن تجربتها بضمير المتكلم عن سردية غريزة البقاء والتضحية بالأقارب والأحباب من أجل النجاة: «صاحبت جدتي إلى القطار[...] وأخذت أبي وأمي إلى الرصيف [...] والناس الذين يلوموننا على عملنا لا يعلمون واقع الحال في معسكر فستربورك، فلو أنني رفضت العمل، لاضطررت أنا إلى ركوب القطار». يستمر فعل القراءة لتظهر الأسرار، وتزداد الإثارة والرغبة في معرفة المجهول؛ ففي أثناء قراءة فاغنار كتابًا من تأليف المؤرخة كارين فان كوفردن Coeverden Karin، يعلم أن فيم لوب Loeb Wim كان
أحد مساعدي برساور، فيتساءل: هل ما زال حيّا؟ وعندما ينجح في الوصول إليه ينبش الذاكرة
ويسمح للناجين من الهولوكوست بالتعبير عن أنفسهم من ذاكرتهم الفردية لتأكيد سردية البقاء، يقول فيم لوب: «أتذكر أنني نقحت صورة الفتاة بين بابي عربة القطار على أنها لقطة نهاية للفيلم [...] على أي حال، صورة الفتاة لم تحرك مشاعري كثيرًا آنذاك، لم تحرك مشاعري كما تفعل الآن، لقد جذبتني
فقط من الناحية المهنية كلقطة جيدة، ولكنني أنا نفسي عانيت كثيرًا حتى عجزت عن الإحساس
بوحدة هذه الفتاة وفقدانها للأمان وخوفها الممكن». في منتصف النص تقريبًا، يسأل فاغنار نفسه: «هل كانت الفتاة [...] فتاةً مثل آن فرانك؟»، ويتذكر
فاغنار أن مخرج أفام وثائقية قد تمكن من العثور على سبع نساء قابلن آن فرانك في معسكر فستربورك، أو معسكر أوشفيتس، أو معسكر برجن بلسن. أمّا ظهور الفتاة المجهولة في هذا الفيلم،
فلم يدفع أي أحد ليقول: «أنا أعرف تلك الفتاة»، وهكذا بقيت فتاة با اسم وبا هوية، حيث تقوقعت جماعات الغجر بعد الحرب، ولم يتقدم أحد منهم لإظهار هويتها. ويتوقف الحدث ولا يدفعه إلا فعل التذكر والقراءة، حيث يتذكر فاغنار أحد أصدقائه الصحافيين ممن كانوا مهتمين بموضوع الغجر، ويعيد قراءة مقالة له في هذا الموضوع، ثم تحيل المقالة على أطروحة جامعية، ثم على كتاب من تأليف جان بكرز Beckers Jan يتحدث عن حوارات شخصية مع الغجر
(34) Ibid., p. 33. (35) Ibid., p. 51. (36) Ibid., p. 70.
في الحقبة 1950–1940. ويتوصل في نهاية المطاف إلى امرأة اسمها كارسار فاغنار تؤكد أن الفتاة التي يبحث عنها هي إحدى بنات شتاينباخ، وأنها لاقت حتفها في أوشفيتس، وهنا يخاطبها فاغنار متسائلً: «الصورة، ولقطة الفيلم، مشهورتان في العالم، كيف لم تخبري أحدًا أبدًا أن الفتاة هي إحدى بنات شتاينباخ؟»، فردت قائلةً: «لأن أحدًا لم يسألني قط». ولما كان فاغنار يعتقد منذ البداية أن الفتاة يهودية، فقد كان يسجل كل ما يتوصل إليه عنها في ملف
في جهاز الكمبيوتر الخاص به بعنوان «إستر»، ومع لحظة التنوير غيّر اسم الملف إلى «س.» تا
ثالثًا: الهولوكوست بين الأَيقنة والتوثين
ثمة فرق بين الأَيقنة والتوثين، وهو فرق دقيق جدًا. أمّا الأَيقنة فهي توظيف ناجح لعمل بارع تذكاري
لا يُسقط الماضي وهو يؤسس عاقة به، وتؤدي الأيقونات دور الوسائط التي تُفعِّل الذاكرة، وأمّا
الأوثان فهي آلهة زائفة تتطلع إلى تخليد ذكراها. وتعبر أيقونات الهولوكوست عن شيء من معنى الماضي من دون تشويهه كثيرًا، وأمّا أوثان الهولوكوست فهي التصويرات التي تتطلب ولاءً للصورة
نفسها وطريقة عرضها بدلً مما ترمي إلى تصويره. وهكذا يمكن أن تتحول الأيقونات إلى أوثان عندما نخلط الأمور، عندما نخلط بين الجزء والكل، عندما تحل الأيقونة محل الخطاب الذي أفرزها، وهكذا يتم حوسلة الأيقونات (تحويلها إلى وسائل)، وتوثينها، وتحويلها إلى آلهة زائفة.
1. أيقنة آن فرانك
بعد انتهاء الحرب والقول بموت آن فرانك في معسكر برجن بلسن، جاء اكتشاف ألبوم الصور الخاص بها وأسرتها ليجعل وجهها أيقونة القرن العشرين المشهورة عبر العالم، وصارت يومياتها عامة في تاريخ أدب الهولوكوست. وعندما نُشرت اليوميات أول مرة في أميركا عام 1952، ثار الجدل حول اليوميات، وخاصة حول درجات التخصيص والتعميم، أي ما تمثله الهولوكوست من تأكيد الخصوصية اليهودية والتاريخ اليهودي أو المعاناة الإنسانية العامة والتاريخ العالمي. كما اهتمت الشاعرة والروائية مارجوري أغوزين Agosin Marjorie بشخصية آن فرانك، وخصصت لها مكانة معتبرة في أشعارها وكتاباتها، وخاصة في ديوان شعر بعنوان عزيزتي آن فرانك (1994)، وهي تستخدم حوارها المتخيل مع آن فرانك من أجل الكشف عن تجارب المعاناة تحت وطأة الدكتاتورية اليمينية المتطرفة في أميركا الاتينية، وهي تعقد موازاة بين ضحايا الهولوكوست وضحايا الدكتاتورية العسكرية في أميركا الاتينية؛ بحيث تتحول آن فرانك إلى رمز لجمال الروح الإنسانية، وللذاكرة الفردية
(37) Ibid., p. 95. (38) Oren Baruch Stier, Committed to Memory: Cultural Mediations of the Holocaust (Amherst & Boston: University of Massachusetts, 2003), pp. 31–33. (39) Martha Ravits, «Anne Frank,» in: Kremer, p. 372.
والجمعية، والمعاناة من الظلم الاجتماعي والعذاب الإنساني، ولا يفوت الشاعرة تأكيد خصوصية التجربة اليهودية التي تمثلها آن فرانك. تؤكد موسوعة أدب الهولوكوست أن تأمات آن فرانك في المعاناة البشرية، ومعاداة اليهود، والظلم إنما ترقى بيومياتها إلى مرتبة الأدب الجاد، وأنها تعبر عن صراع من أجل الاحتفاظ بالأمل وسط ظروف صادمة. وجرى تفسير اليوميات في أميركا على أنها دعوة عالمية لاحترام حقوق الإنسان، وخاصة في المعالجة المسرحية والسينمائية لها في الفترة 1959–1955، حيث حُذفت أحاديث آن
فرانك عن معاداة اليهود ووحشية النازيين ليحل مكانها كامٌ عامٌّ عن الطبيعة العامة للقمع. وأثار هذا
الأمر جدلً واسعًا، فقد وجد الكاتب اليهودي الأميركي ماير لفين Levin Meyer أن هذه المعالجة
هي قمع للمضمون اليهودي. وثمة توثين لصورة آن فرانك وقصتها، ويظهر ذلك في الإصرار على تأكيد هويتها اليهودية وخصوصية
المعاناة اليهودية إبان النازية، ودار الجدل حول الأ سئلة التالية: فيم تكمن يهودية آن فرانك؟ أليستَ من أسرة غير ملتزمة بممارسة العبادات والشعائر والطقوس اليهودية؟ أليست مراهقة تكتب يومياتها؟ أليست كتابة الحياة نوعًا أدبيًّا أقرب إلى تسجيل التغير الدائم للكاتب منه إلى اتخاذ مواقف أيديولوجية
حاسمة؟ وهكذا ثار الجدل حول إمكان الجمع بين النزعة العالمية الإنسانية والخلفية الإثنية اليهودية. ولكنْ ثمة جدلٌ آخر حول تداعيات أيقنة آن فرانك وتوثينها باعتبارها نموذجًا أصيلً للضحية إبان
النازية، وهو إمكان وجود معاداة خفية لليهود في تفضيل هذا النمط من اليهودي الغربي المتعلم والمندمج في الثقافة الغربية؛ وذلك لأن آن فرانك تنتمي إلى أسرة ثرية ومتعلمة ومثقفة ومندمجة تمامًا
في الثقافة الغربية.
2. أ يقنة سَِتلا شتاينباخ
قادت فاغنار في بحثه ورحلته خريطة إدراكية سائدة وثابتة متمثلة بافتراض أن الفتاة المجهولة يهودية الأصل، وأن الهولوكوست إنما تشير إلى الإبادة النازية لليهود وحدهم، ويكشف ذلك عن الوضع المهمش الذي يشغله الغجر وغيرهم في الذاكرة الثقافية الأوروبية. ولولا أن سأل فاغنار نفسه عن هوية الفتاة، وإذا ما كانت قد لاقت مصيرًا مماثلً لمصير آن فرانك، لبقيت هويتها مجهولة إلى الآن.
(40) Darrell B. Lockhart, «Marjorie Agosin,» in: Kremer, p. 3. (41) Ravits, p. 374. (42) Ibid. (43) Ibid. (44) Ibid., p. 375. (45) Donnell, p. 52. (46) Talitha Hunnik, «Wandering Memories: Marginalizing and Remembering the Porrajmo s ,» MA Thesis, Utrecht University, Utrecht–The Netherlands, 2015, p. 20.
تكمن المشكلة في أن الذاكرة الجمعية تحددها الحاجات الاجتماعية والسياسية والثقافية الراهنة، في حين أن الذاكرة الفردية تشكلها هذه الأطر وتتأثر بالمصالح والآراء الشخصية. كانت صورة الفتاة المجهولة منتشرة على أنها فتاة يهودية، مع أنه لا أحد يعلم هويتها، مع استبعاد تامٍ أن تكون غير
يهودية؛ ومن ثمَّ ضرورة إعادة نقش الماضي المهمش في الذاكرة الثقافية. رغم ذلك، ما زالت س تا
غير معروفة، في الغالب، إذا ما قورنت بآن فرانك التي يتم الاحتفاء بها في المتاحف والمواقع الإلكترونية والمجات والكتب الدراسية والأبحاث الجامعية. إن المقارنة بين سِتا وآن فرانك تثير أسئلة كثيرة: لماذا استغرق الأمر ما يقرب من خمسين سنة للكشف عن هوية سِتا؟ لماذا لا تحظى سِتا بالقدر نفسه من الاحتفال والتذكر؟ لماذا بقيت إبادة الغجر غائبة عن ذكرى الهولوكوست زمنًا طويلً؟ فلم تصبح صورتها أيقونة إلا عندما ساد الاعتقاد أنها فتاة يهودية، والآن يجري توظيفها لتخليد ذكرى ضحايا الهولوكوست من الغجر، وهنا يظهر الحديث عن «سياسة الذاكرة» Politics Memory أو الوظيفة المزدوجة للذاكرة، فربما تكون الذاكرة أداة للإسكات والتهميش والتمييز والإقصاء، وربما تكون أداة لتمكين المهمشين والمستضعفين والاعتراف بهم. فليست سِتا «رمزًا لشعبها الهولندي فحسب، بل هي أيضًا، مثل آن فرانك، أيقونة لجميع الأطفال الذين لاقوا حتفهم آنذاك». عندما جزم فاغنار أن «الفتاة اليهودية» ليست يهودية، بل فتاة من فتيات الغجر، وأن اسمها س تا شتاينباخ، اهتزت وظيفة أيقنة الهولوكوست اليهودي، إن لم تكن قد انهارت تمامًا، حيث تسبب توظيف صورة هذه الفتاة في طمس إبادة أخرى لأناس آخرين. وما زاد الطين بلة، الكشف عن تواطؤ أفراد من الجماعات اليهودية وتعاونها ومشاركتها في مراقبة المعسكرات والجيتوات وإدارتها، حيث كانوا وسطاء في الأنشطة والاختصاصات جميعها، وخاصة بشأن تحديد قوائم بأسماء الضحايا الذين سيجري ترحيلهم إلى معسكرات الموت. ولكن أيقنة سِتا يصاحبها توثين الغجر، باعتبارهم ضحايا من ضحايا الهولوكوست إبان النازية، فا نخرج من دائرة التخصيص، ولا نخرج عن إطار التاريخ اليهودي والتجربة اليهودية، ولا نخرج عن تاريخ الغجر وتجربتهم الأوروبية، ولا ننتقل من الجزء إلى الكل للكشف عن الأسباب التي دفعت الحضارة الغربية إلى سفك دماء المايين في أوج ازدهارها.
(47) Ibid., p. 21. (48) Ibid., pp. 29–30. (49) Esther Lipton, «Settela by Aad Wagenaar,» Exiled Ink! (Winter 2006), p. 38, accessed on 24/10/2018, at: https:// bit.ly/2uFbcYw (50) Thomas Elsaesser, German Cinema–Terror and Trauma: Cultural Memory since 1945 (New York: Routledge, 2014), p. 247.
خاتمة
في يوميات فتاة صغيرة، يتبين اقتصار تعريف الهولوكوست على الجماعات اليهودية دون غيرها، وهذا الأمر فرض حدوده على المرونة المفترضة التي تتسم بها الرخصة الأدبية، فلم تلجأ آن فرانك إلى المجاز والتخييل، واقتصرت اليوميات على سرد تفاصيل قصتها الصغرى (حياتها وعاقتها بمن حولها)، مع إشارات متواترة إلى القصة الكبرى (الهوية اليهودية المقهورة). وكلما تفككت البينة السردية في يوميات آن فرانك، لجأت إلى الحديث عن اضطهاد الجماعات اليهودية، وخصوصية المعاناة اليهودية، وكأن العداوة الكبرى في أثناء الحرب العالمية الثانية كانت بين الألمان واليهود، ولم تركز آن فرانك في سرديتها على ضحايا آخرين من قوميات وخلفيات أخرى، ولا على المعاناة الإنسانية العامة، باستثناء «الصديقة المتخلية كيتي» وأسلوب الرسائل، فقد اجتنبت آن فرانك الجماليات والتخييل والمجاز، ولجأت إلى ذلك في أضيق الحدود، كما تبين أنها لجأت إلى التخييل الجنسي كلما تفككت البنية السردية، وخاصة أن النسخة التي تناولناها بالنقد والتحليل هي النسخة الثالثة التي حررها والدها بالإضافة والحذف. وفي حين تؤكد موسوعة أدب الهولوكوست أن يوميات آن فرانك صارت عامة في تاريخ أدب الهولوكوست، وأن تأماتها في المعاناة البشرية، ومعاداة اليهود، والظلم إنما ترقى بيومياتها إلى مرتبة الأدب الجاد، وأنها تعبر عن صراع من أجل الاحتفاظ بالأمل وسط ظروف صادمة، تؤكد
صاحبة اليوميات أنها كانت تعيش «في جنة مقارنةً باليهود الذين لا يجدون ملجأ يختبئون فيه»، كما يتضح أنها مثال للفتاة اليهودية الثرية المتعلمة المثقفة المندمجة في الثقافة الغربية، وأنها، بوصفها فتاة مراهقة، لا تكشف عن سمات بارزة للهوية اليهودية ولا الخصوصية اليهودية في التشكيل الحضاري الغربي. أمّا في سِتلا، فقد فضح فاغنار زيف تلك الخصوصية اليهودية في رحلة بحثه عن الفتاة المجهولة التي
ساد الاعتقاد أنها فتاة يهودية على مدار خمسين عامًا، وجمع فاغنار بين تقنيات الصحافة والسرد
الأدبي، وحاول تقديم رؤية موضوعية أدبية، حتى إن النص الذي قدمه يرقى إلى أن يكون رواية واقعية؛ إذ وضع الحقائق والتفاصيل والأرقام في مشاهد، وحوارات، وشخصيات، ولحظات تنوير، وأعاد خلق القصة الحقيقية في بنية سردية تقوم على الجمع بين السرد التاريخي والسرد الأدبي. كشفت المقارنة عن «سياسة الذاكرة»، أو الوظيفة المزدوجة للذاكرة، فربما تكون الذاكرة أداة للأيقنة أو التوثين، أداة للتهميش أو التمكين. ويعجز النصان عن الخروج من دائرة التخصيص: خصخصة
التجربة اليهودية (يوميات فتاة صغيرة)، وخصخصة تجربة الغجر (سِتا). وإن كان نص سِتلا يعزز الخصوصية اليهودية باعتبار الجماعات اليهودية ضحايا أساسيين للحكم النازي. ويمكن القول إن
أيقنة سِتا يصاحبها توثين الغجر؛ باعتبارهم ضحايا الهولوكوست إلى جانب الجماعات اليهودية، فا نخرج من دائرة التخصيص والخصخصة، ولا ننتقل من الجزء إلى الكل للكشف عن الأسباب التي دفعت الحضارة الغربية إلى سفك دماء مايين البشر في أوج ازدهارها.
References
المراجع
Donnell, Daniel. «The Diary of Anne Frank as Bildungsroman.» Can. J. of Netherlandic Studies/ Rev. Can. D’études Néerlandaises. vol. 32, no. 2 (2011). Elsaesser, Thomas. German Cinema–Terror and Trauma: Cultural Memory since 1945. New York: Routledge, 2014. Frank, Anne. The Diary of a Young Girl. Susan Massotty (trans.). Otto Frank & Mirjam Pressler (eds.). New York: Bantam Books, 1997. Hunnik, Talitha. «Wandering Memories: Marginalizing and Remembering the Porrajmo s.» MA thesis, Utrecht University. Utrecht–The Netherlands, 2015. Kaur, Gurpreet. «Narratives and Real Stories: Rules Governing Literary Journalism.» International Journal of Management and Social Sciences Research. vol. 1, no. 1 (October 2012). Kremer, S. Lillian (ed.). Holocaust Literature: An Encyclopaedia of Writers and their Work. New York: Routledge, 2003. Krieken, Kobie Van. «Framing Narrative Journalism as a New Genre: A Case Study of the Netherlands.» Journalism. vol. 18, no. 10 (2017). Lillian Kremer (ed.). Holocaust Literature: An Encyclopaedia of Writers and their Work. New York: Routledge, 2003. Lipton, Esther. «Settela by Aad Wagenaar.» Exiled Ink! (Winter 2006). at: https://bit. ly/2uFbcYw Martinez, Monica. «Literary Journalism: conceptual review, history and new perspectives.» Intercom – RBCC São Paulo. vol. 40, no. 3 (2017). Merry, Bruce. «The Literary Diary as Genre.» The Maynooth Review. vol. 5, no. 1 (May 1979), p. 3. Stier, Oren Baruch. Committed to Memory: Cultural Mediations of the Holocaust. Amherst & Boston: University of Massachusetts, 2003. Wagenaar, Aad. Settela. Janna Eliot (trans.). Nottingham: Five Leaves Press, 2005.