العودة إلى تفاصيل المؤلَّف منظورية نيتشه النقدية للديمقراطية الحديثة وجمهورها

منظورية نيتشه النقدية للديمقراطية الحديثة وجمهورها

The Critical Nietzchean Perspective on Modern Democracy and its Public

المولدي عزديني

Mouldi Ezdini

الملخّص

مثلت المسألة الديمقراطية مشكلًا في الفلسفة السياسية الغربية عقب شبه التحرر الحديث من طغيان السلطة الكنسية على المجتمع. وعلى الرغم من تقريظ معظم السياسيين لها، فإن الفيلسوف فريدريك نيتشه توجه بالكثير من النقد لا إلى الديمقراطية وحسب، وإنما أيضًا وفي الأساس إلى جمهورها. فهذا الأخير هو القوت شبه الدائم للمخاتلين من الديمقراطيين الليبراليين. وعلامة ذلك التنويع المعقلَن والمخَلْقَن في كيفيات استمالة ضمائر العوام في الفترات الانتخابية. بناءً عليه، مثل النقد الفلسفي النيتشوي للديمقراطية سانحةَ إعادةِ قراءة الوضع السياسي للنظام الديمقراطي، انطلاقًا من مسألة أساسية في تفكير نيتشه: الناس معادن مختلفة والعدالة بينهم تناسبية بالكيف وليست مساواةً بالمقدار. ومن ثم، يكون القول الفلسفي في السياسة، على نحوٍ ما، هو عين القول في الإنسان فردًا وجماعةً. أما هيئة الدولة المعاصرة، فهي الاكتمال الطبيعي لما قامت عليه منذ عصر الحداثة، ودامت. لقد أُخضعت الدولة والسياسة إلى تهجين ديمقراطي. وعُدة هذا التهجين التقوّلُ في كبرى مقولات الفلاسفة والتحوير فيها جزافًا. ومن تلك المقولات: التنوير والتحرير والحقوق والفعل في التاريخ من خلال زمنه الراهن. ومع ذلك، لا يعترض نيتشه على حقوق الناس في العيش والحياة، وإنما يعترض فحسب على المساواة الديمقراطية والقانونية بين الناس جميعهم؛ لجهة اعتبارهم أهل مقدرة على التدبير السياسي. والواقع، أن عوام الناس هم المتواطئون، عن قصور وجبن وسذاجة، مع الساسة المنكلين بهم.

Abstract

Abstract: After the modern quasi–liberation from the tyranny of the church’s authority over society, the democratic issue represented a problem in Western political philosophy. Although most politicians praised it, the philosopher Nietzsche

الكلمات المفتاحية:
  • الديمقراطية
  • الجمهور
  • العوام
  • الدولة
  • الأرستقراطية
  • الأخلاق
Keywords:
  • Democracy
  • the Public
  • Commoners
  • the State
  • Aristocracy
  • People's Caliber
  • Intolerance
  • Political Ideology
  • Ethics

الديمقراطيين الليبراليين. وعلامة ذلك التنويع المعقلَن والمخَلْقَن في كيفيات استمالة ضمائر

العوام في الفترات الانتخابية. بناءً عليه، مثل النقد الفلسفي النيتشوي للديمقراطية سانحةَ

إعادةِ قراءة الوضع السياسي للنظام الديمقراطي، انطلاقًا من مسألة أساسية في تفكير نيتشه: الناس معادن مختلفة والعدالة بينهم تناسبية بالكيف وليست مساواةً بالمقدار. ومن ثم، يكون

القول الفلسفي في السياسة، على نحوٍ ما، هو عين القول في الإنسان فردًا وجماعةً. أما هيئة

الدولة المعاصرة، فهي الاكتمال الطبيعي لما قامت عليه منذ عصر الحداثة، ودامت. لقد

أُخضعت الدولة والسياسة إلى تهجين ديمقراطي. وعُدة هذا التهجين التقوّلُ في كبرى مقولات

الفلاسفة والتحوير فيها جزافًا. ومن تلك المقولات: التنوير والتحرير والحقوق والفعل في التاريخ من خال زمنه الراهن. ومع ذلك، لا يعترض نيتشه على حقوق الناس في العيش والحياة، وإنما يعترض فحسب على المساواة الديمقراطية والقانونية بين الناس جميعهم؛ لجهة اعتبارهم أهل مقدرة على التدبير السياسي. والواقع، أن عوام الناس هم المتواطئون، عن قصور وجبن وسذاجة، مع الساسة المنكلين بهم.

Assistant Professor, Department of Philosophy, Faculty of Arts and Human Sciences, University of Sfax, Tunisia. mouldi.ezdini@gmail.com

directed a lot of criticism not only to democracy, but to its public as well. The latter is the permanent sustenance of the deceitful liberal democrats. The sign of this is the rationalized and ethicalized diversity of the methods they use to appeal to the public in electoral periods. Accordingly, the Nietzchean philosophical criticism of democracy represented an opportunity to re–read the political situation of the democratic system on the basis of a fundamental issue in Nietzsche’s thinking: people are made of different metals and justice is proportionality in quality and not equality in amount. Hence, the philosophical statement in politics is, in a way, the same about the individual and the group. As for the structure of the contemporary state, it is the natural completion of what has been established and what has persisted since the era of modernity. Together, the state and politics have been subjugated to democratic hybridization. The instrument of this crossbreeding is the prolongation of major concepts that are haphazardly changed by the philosophers who employ them. Among those concepts: enlightenment, liberation, rights, and action in history through its current time. However, Nietzsche does not object to people’s rights to live, but only to the democratic and legal equality between all people in terms of considering them capable of political management. In fact, lay people, in their failure, cowardice and naiveté, are complicit with the politicians who abuse them.

مقدمة

"ما من أحد يحمل إلى المسرح أنبه ما في فنه. ولا حتى الفنان الذي يعمل في هذا المسرح:

إنه مكان لسنا فيه سوى شعب، جمهور، قطيع، امرأة، مراءٍ، حيث لا نعود سوى بهيمةٍ انتخابيةٍ، ديمقراطي، 'قريب'، لدينا المواطنية عينها، حيث الوعي الأشد شخصية؛ ينهار أمام سحر 'الأكثرية' المهاود، حيث تشكل البلاهة موضوع اللذة الحسية المعدي". خلافًا لتوجه الفلاسفة في التفكير واعتراف معظمهم بالفرق والتراتب hiérarchie/ die Ordnung La، فإن أناس عصرنا يُجمعون، أو يكادون، على أفضلية الديمقراطية démocratie/ die Demokratie La

من جهة اعتبارها نظامًا للحكم السياسي وآلية إجرائية للتعايش المجتمعي والمؤسساتي. وعلى هذا

(((فريدريك نيتشه، العلم الجذل، ترجمة سعاد حرب (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 2001)، فقرة 683، ص.229 (((لمزيد من النظر والتعمق في مسألة الدرجة والرتبة والمسافة بين الناس، يمكن الرجوع إلى النص كامل في المصدر الأصلي في طبعته الألمانية:

Friedrich Nietzsche, Ecce Homo: Wie man wird, was man ist, XIII: Der Fall Wagner– Ein Musikanten–Problem , Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.), Sämtliche Werke, Kritische Studienausgabe, 6 th ed. (Berlin /New York: Deutscher Taschenbuch Verlag; München: Walter de Gruyter, 1988), § 4–10, pp. 362–364.

ويمكن الرجوع كذلك إلى مسألة المعيارية الفارقية différentielle normativité la لدى الفيلسوف من جهة، والناس العوام من جهة أخرى، للحكم على الفعل السياسي. يُنظر في هذا الغرض:

Stamatios Tzitzis, Nietzsche et les hiérarchies (Paris: L’Harmattan, 2008), p. 15.

النحو، يُعْتقَد في الفكر السياسي، الحديث منه والمعاصر، أن الديمقراطية الشعبية La démocratie

populaire/ die Volksdemokratie، محصّنةٌ من كل مؤاخذة فلسفية نقدية، مقارنةً بسائر الأنظمة

السياسية المعلِنة عن نفسها بدائل مباينةً لها. والحال أننا لو عدنا إلى أحد أعلامها الحديثين، وأعني جان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، لوجدنا لديه ما يفيد إلى حدٍّ ما وصراحة، بامتناع الديمقراطية عن التحققِ التام في الواقع البشري. فلقد بين ذلك بقوله: "لو كان هناك شعب من الآلهة، لحكم نفسه بنفسه بطريقة ديمقراطية. حكومةٌ على مثل هذا الكمال لا تلائم البشر". يتعلق الكمال الذي يتحدث عنه روسو حقيقةً بالنظر إلى ما هي عليه طبائع البشر من ميلٍ إلى الفعل والقول النزويَّيْنِ، والوقوع تحت وزر اجتذاب الأهواء السياسية. بناء عليه، فإننا سنتبين مع فريدريك نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844) كيف أن الديمقراطية التي باتت جاحدة لغيرها من المنظومات السياسية politiques systèmes Les، لمْ يتسن لها ذلك

إلا عندما أضحت تنال من العقل السياسي الحاكم بأمره مقدارَ ما تناله من عقول العوام، وقد سِيقَ بهم في الكثير من الأحيان إلى التعصب من أجلها. وتلكم الديمقراطية، في صيغتها الحديثة، هي في نظر نيتشه نسقٌ من التضليل الهادف إلى تثبيت وضعٍ سياسيٍ قائمٍ لا رادّ له. إنه نسق لصناعة إنسان الخمول وما سيترتب على ذلك من مقاصد استحسان ضمائر العوام وتملق مشاعرهم. ومن ثم، تبدو لنا، في هذا الاستهلال من البحث في نقد نيتشه للديمقراطية، كما لو كانت مفهومًا لغويًّا متوثنًا ونظامًا من الحكمِ المارجِ للأنفس السوية والتدبير السياسي لشؤون المجتمع. لقد حاز مفهوم الديمقراطية على ما يكفيه من ولاء السواد الأعظم، حدّ تشكيله مادةَ افتتانٍ، شأنُها شأن سائر المفاهيم النظيرة

من جهة التوثُّن في أنفس الرعايا المحكومين غِلًّ، والرعاة الحاكمين قسرًا. لذلك، نجد الفيلسوف

الألماني يحذر أولي النُهىُLa grande raison/ die grosse Vernunft من مغبة الوقوع في مأزق صناعة مفردات اللغة الخادمة مجانًا للأوهام، مثلما هي الحال في عالَمِ السياسة اليوم. يترتب على ما سلف، من تحذيرٍ نيتشوي، التنبيهُ على سبيل تحصيل المناعة السياسية اللازمة نفعًا

للناس؛ لئلا يقعوا في براثن سَقرطة Socratisation ال "نحن" المعبرة عن مفخرة النسب إلى فئة

اجتماعية وسياسية معتدّةٍ بذاتها، وهي على غير نسبٍ بالسلالاتِ النقيةِ. فمن شأن هذا

(((جان–جاك روسو، في العقد الاجتماعي: أو مبادئ الحق السياسي، ترجمة عمار الجلاصي وعلي الأجنف (تونس: دار المعرفة للنشر، 1980)، ص.60 (((ينظر فيما يتعلق بالمرَجِ ما أورده ابن منظور من تحديدٍ: "مرَجُ العهود: اضطرابها وقلة الوفاء بها؛ وأصل المرَجِ القلَقُ. وأمرٌ مريجٌ

أي مختلطٌ [...] وأمْرجَ عَهْدَهُ: لم يَفِ به. ومَرِجَ الناسُ: اختلطوا. ومَرِجَتْ أمانات الناسِ: فسدَتْ [...] والمرَجُ: الفتنةُ المشكِلَةُ.

والمرجُ: الفسَادُ". يُنظر: أبو الفضل جمال الدين بن منظور، لسان العرب، ج  2، ط 6 (بيروت: دار صادر، 1997)، ص.366–365 (((وفي ذلك يقول نيتشه: "يجب التخلص أخيرًا من تضليل الألفاظ". ينظر: فريدريش نيتشه، ما وراء الخير والشر: تباشير فلسفة

للمستقبل، ترجمة جيزيلا فالور حجار، مراجعة موسى وهبة (بيروت: دار الفارابي؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، 2003)، فقرة 16، ص.39 (((يقول نيتشه: "كان سقراط منتميًا، من حيث منشؤه، إلى أكثر الدهماء دونية". ينظر:

Friedrich Nietzsche, Crépuscule des Idoles ou Comment philosopher à coups de marteau , Jean–Claude Hémery (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 8 (Paris: Gallimard, 2004), § 3, p. 70.

الأمر الإسهامُ في رَبْوِ نزعةِ التباهي بالذات، هذه التي يعزو نيتشه خطأ الوقوع فيها إلى "سقراط Socrate (99–4693 ق.م.) الذي يملك حدًّا أقصى من النزعة الديمقراطية والبيداغوجية: الحاصل من ذلك تكوينُ النِّحَلِ، إذًا، حجةً عكسية"ً. لا يتقوّل نيتشه في التاريخ السقراطي للديمقراطية كما قد يبدو لذوي الأنفس السياسية المُرهفة، والذين قد تغويهم مقولة الديمقراطية الليبرالية المَصوغة أخلاقيًا على قاعدة التمذهب بثنائية خير وشر Bien et mal/ Gut und Böse، وإنما هو يترصّد منشأ عبثية

النظامِ الديمقراطي الغربي الذي بدأت تكتمل مفسدته للحياة في القرن التاسع عشر على نحوِ ما عاصره نيتشه. فيقول بشأنه: "ليست الديمقراطية الأوروبية أو 'هي فقط' من الجهة الأضعف تقطعًا للقوى forces Les، ولكنها قبل كل شيء تقطعٌ في السماح بالمرور، وفي البحث عن الرفاه، وفي الوهن الباطني. وكذلك الصحافة La presse/ die Presse ". ففيم تتمثل أهم مخاطر الحياة السياسية العامة من دمقرطة Démocratisation مؤسسات الدولتَيْن الحديثة والمعاصرة؟ وما الفكرة التي تشكل عُمْدةَ النقدِ

الفلسفي السياسي للديمقراطيةِ؟ أيتعلق الأمر بمجرد كراهة فلسفية لِما عزمت السياسات الحديثة على

تقريظه نظامًا للحكم أم لما في الديمقراطية من ثنايا تمكن بعض الحاكمين من التنكيل الديمقراطي بالجمهور La masse/ die Masse؟ وما آلية حمْل الناس على الاعتراف بالديمقراطية الليبرالية

المغشوشة نسيكةً سياسية للدولة État/ Staat غير العادلة؟

أولا: كيان الدولة ومشكل الحياة السياسية العامة

"يتوق الاشتراكيون إلى أن يكفلوا حياة هانئة لأكبر عدد ممكن من الناس. ولو تحقق ذلك بالفعل في مقر دائم للحياة الهانئة، أعني في الدولة الفاضلة، لقضى ذلك العيش الهانئ على التربة التي تنبت فيها العقول الكبيرة، والأفراد العظام بوجه عام، وأعني بهذه التربة الفاعليةَ الزائدةَ. فعندما تتحقق تلك الدولة، تكون الإنسانية قد أصبحت أكثر خمولً من أن تنجب العبقرية". ما الذي يشرع من ناحية الفلسفة السياسية اعتراض نيتشه على هيئة الدولة الحديثة، وصيغ حياتها السياسية المخاتلة؟ وهل كان من أهل البصيرة السياسية القادرة على توقُّع مآلات النظام السياسي

(7)  Friedrich Nietzsche, Le livre du philosophe: Études théorétiques , Angèle Kremer–Marietti (trad.) (Paris: Garnier Flammarion, 1991), § 175, p. 113.

(((ينظر قول أوليفر ربول (1992–1925): "وإنما هي أيضًا سياستنا، مجتمعنا، حضارتنا هي التي عليها يحتج."

Olivier Reboul, Nietzsche critique de Kant (Paris: PUF, 1974), p. 157. (9)  Friedrich Nietzsche, Fragments posthumes: Automne 1884 – automne 1885 , Michel Haar & Marc Buhot De Launay (trad.), Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 11 (Paris: Gallimard, 1982), p. 204.

ينظر كذلك المرجع نفسه، الفقرة التالية.

(10)  Friedrich Nietzsche, Fragments posthumes: Automne 1887–mars 1888 , Pierre Klossowski & Henri–Alexis Baatsch (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 13 (Paris: Gallimard, 2006), p. 144. (11)  Friedrich Nietzsche, Humain, trop humain: Un livre pour esprits libres , Robert Rovini (trad.), Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 3 (Paris: Gallimard, 1988), § 235, p. 183.

الأوروبي للمرحلة المعاصرة؟ يقول جان لوفران Lefranc Jean (2015–1927): "سنحتفظ، إذًا، بجعل نيتشه المستشرِف للسياسة 'الأوروبية' للقرن العشرين"!. يتمثل هذا الاستشراف في ما يمكن الاصطلاح عليه ب "الفوضى السياسية المعاصرة"؛ إذْ لم تكن الدول على ما يكفي من تملك المقدرة على رعاية مواطنيها وتدبير شؤونهم العامة، في الاتجاه الذي يخلق، في نظر نيتشه، حياةً حرة تتوفر على شروط الإبداع création la. وفي وسعنا القول بأن أوروبا الحديثة والمعاصرة قد انتهت إلى حدٍّ من التدني البيِّن، من خلال مخالفتها لمنطق التنوير Lumières/ die Aufklärung Les ونهجه

الفلسفي، وأفكار حركة التقدم progrès Le وتطلعاتها التاريخية. وهو ما جعل من إنسان أوروبا متصاغرًا، لا متعاظمًا كما بدا الأمر في قراءة جورج لوكاتش Lukacs György)1971–1885(. ففي

المجتمعات الأوروبية تشكلت دول أمْيَلُ إلى الاستعمار الخارجي، ومِراس الرقابة الداخلية، وطحن

إرادة التفرد التي تتوفر عليها بعضُ الذوات المؤهلة لتجاوز ذاتها المعتلة. ونحن نجده يعرف طاحونة الدولة الحديثة في كتاب جينيالوجيا الأخلاق Zur Genealogie der Moral قائلً: "لقد استعملتُ لفظةَ 'دولة': من البيِّن بذاته مَنْ هو مقصود بذلك؛ أي قطيع اتفق من الحيوانات المفترسة الشقراء، عرقٌ

من الغزاة والأسياد، منظم تنظيمًا حربيًا ويملك قوة التنظيم، ودونما ترددٍ، يضع مخالبَه المرعبة على

جماعةٍ سكانية، هي على الأرجح متفوقة في العدد بشكلٍ هائل، لكنها لا تزال بلا هيئة، لا تزال شاردة. فإنما على هذا النحو بدأت 'الدولة' على الأرض: أظن أننا قد انتهينا من تلك الحماسة التي جعلتها تبدأ بواسطة 'عقدٍ ما"'. وفي الحصيلة، لم يرَ نيتشه في ملامح عصره ومآلاته المرتقبَةِ إلا استمرارًا

"للسياسة بوصفها انحطاطًا". ولعل من أهم ما ميز تصوره في هذا المقام تخيُّرهُ لاستمرار الحياة

أفْقًا رَحْبًا للنظام الأرستقراطي الذي باتت تدينه أنظمةُ السياساتِ الديمقراطيةِ المتلفعَةِ بلوائح حقوق

الإنسان شعارًا نظريًا. فما هو الفارق بين حياةٍ سياسية ناشئة وأخرى في طور الاندثار؟ يتمثل الرد النيتشوي على هذا السؤال في دعوته ذوي الكياسة السياسية إلى التمييز التاريخي بين حياة الرِّقِ في عصر الإقطاعية Le féodalisme/ der Feudalismus وحياة الشغّيلة في عصر الرأسمالية

Le capitalisme/ der Kapitalismus. فهما نظامان اقتصاديان – سياسيان لعصرَيْن متعاقبيْن من جهة

(12)  Jean Lefranc, Comprendre Nietzsche (Paris: Armand Colin, 2003), p. 172.

((1(ينظر قوله: "لا تمثل الديمقراطية في نظر نيتشه 'سقوط الدولة'، وإنما أيضًا وقبل كل شيء 'إفساد أوروبا وتصغير الإنسان

الأوروبي'. تقود الديمقراطيةُ البشريةَ في مجموعها إلى دربِ الانحطاط؛ فمع تعديم اللامساواة يزول كل علو الإنسانية وعظمتها، وتظهر لامبالاة بليغة تجاه كل القيم".

"Nietzsche. L’antisystème," Philosophie Magazine , Hors–série, vol. 26 (été 2015), p. 121.

(1((فريدريتش نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، ترجمة فتحي المسكيني، مراجعة محمد محجوب (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2010)، فقرة 17، ص.118 ((1(نلاحظ أن نيتشه استخدم في النص الألماني صفة "الانحطاط" باللسان الفرنسي. ينظر:

Friedrich Nietzsche, Fragments posthumes: Début 1888– début janvier 1889 , Jean–Claude Hémery (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 14 (Paris: Gallimard, 2008), p. 221; Friedrich Nietzsche, Sämtliche Werke: Kritische Studienausgabe in 15 Bänden , Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.) (Munich: Deutscher Taschenbuch Verlag, 1980), p. 467.

(16)  Ibid.

بنيتَيْهما. ونجد نيتشه يقر في هذا السياق بأنه "ينبغي، مع ذلك، على كل امرئ أن يوقن بأن حياة العبيد

Les esclaves/ die Sclaven هي من جميع الأوجه آمَنُ وأهنأ من حياة العامل الحديث L’ouvrier

moderne/ der moderne Arbeiter، وأن الرق ينطوي على عملٍ أقلَّ بكثير مما تنطوي عليه حياة 'الشغّيل' Le travailleur/ der Arbeiter " المعاصر. أما السبب السياسي البيّن، بحسب مؤلف كتاب

إنساني، مفرط في إنسانيته Menschliches, Allzumenschliches، فهو أنّ مأتى فساد الحياة السياسية، كامن في تعميم الإيهام المُطبَّقِ على المواطنين بآليات الرياء الأخلاقي والإجحاف السياسي. ولعلنا

نلحظ، حتى فيما يسميه اليوم أهلُ الزلَلِ السياسي الفظيع "الديمقراطيات العريقة"، ما يفيد مداومتها على استحداث وسائلَ للتطويعِ الديمقراطي لأمزجة الناس. والواقع، في نظر نيتشه، هو ما صاغه على النحو التالي: "الطابع التضليلي ومسعى التأثير في الكتل هما حاليًا مُشْترَكُ جميع الأحزاب السياسية".

بناء عليه، كيفما كانت دورة الحياة السياسية داخل الدولة ومنقلباتها، فقد التقى معظم المقنعين بمقولة الديمقراطية، على الإمعان في تزيين توحش رجالات الدولة وإبراز حياة الرعية أنها في أبهى نعمةٍ مُواطنية. لذلك اعتبر "الدولة هي الاسم الأكثر صقيعًا للوحوش الباردة". وثمة يكمن الاعتبار الآخر

بعد أنْ شكّل موضة الحياة السياسية، الحديثة منها والمعاصرة. ومفاد ذاك الاعتبار: مقولةُ توازنِ القوى الاجتماعية والمدنية والمهنية، وتداوُلِ الأحزاب السلمي على السلطة. وفي تشخيصٍ نقديٍّ منه، يرى

نيتشه أن الأمر متعلقٌ، من جهة المنتهى، بترتيبات تجهد لإحداث ما يسمى "التوافقات السياسية"، من دون التقدم في اتجاه تأمين حياة المحبة البشرية والعظمة التاريخية historique grandeur La؛ إذ إن سلطان الأنانيات السيكولوجي يحول دون عافية الدولة والمجتمع على حد السواء. ومن ثم، نجده يعتبر "أن حياتَنا العامة، الحكومية والاجتماعية، تنقاد إلى توازن أنانيات: إجابةً عن سؤال: كيف نحقق وجودًا متسامحًا، ومن دون أيةِ قوةِ حب، بل حصرًا بتعقل الأنانيات المعنية". هكذا، إذًا، يكون تدبير

الحياة السياسية من قِبَلِ حكام يتفقون على استرقاق الذوات الحرة والمقْبِلَة على الحياة بمهابة العظمة

السياسية politique grandeur La و"الفضائل الذكورية" لواقعة المواطنة المتعينة. وفي كل هذا ينمو طحين الواقع الاجتماعي في اتجاه التهميش المُقْصِي لأنفاس التحرر، ربما هذا ما دفع زرادشت

Zarathoustra إلى إدانة أناسِ عصره وساسته، ويبدو أن الحكام والمحكومين، وقتئذٍ، هم أيضًا من جِنْسِ بعض المعاصرين لنا اليوم. فالمتحكمون في الأمر من أمور الناسِ، ما انفكوا عاملين بشعيرة

(17)  Nietzsche, Humain, trop humain , § 457, p. 273.

((1(باتت هذه العبارة التي يوظفها فقط بعض ساسة البلاد العربية في حاجة إلى الكثير من المراجعة. فكيف لديمقراطية عريقة أن تداوم على استعمار شعوب؟ وكيف لروح الديمقراطية أن تكون حضارة محليًا، منعدمة خارجيًا؟ ربما يحتاج هذا الخطاب إلى

مراجعة جنيالوجية لكونه إما قاصرًا عن فهم علمي للسياسة ومشاهدها الجيوستراتيجية الراهنة. وإما لكونه يغازل بالعبارة ود بعض

الأنظمة والقائمين على ثقافتها الإعلامية ليتموقع.

(19)  Nietzsche, Humain, trop humain , § 438, p. 261. (20)  Friedrich Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra: Un livre qui est pour tous et qui n’est pour personne , Maurice De Gandillac (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 6 (Paris: Gallimard, 2004), p. 61. (21)  Friedrich Nietzsche, Fragments posthumes: Été 1872–Hiver 1873–1874 , Pierre Rusch (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 2 (Paris: Gallimard, 1990), p. 195. (22)  Nietzsche, Crépuscule des Idoles , § 28, p. 65.

التقية السياسية، أي المخاتَلة، أو ما يسمى أحيانًا التكتيك؛ إذ يقرر الواحد منهم استقبالَ الشأن العام بنهمِ الإنسان الجشعِ وقد تظاهر بكونه راغبًا عن مغانم الحياة السياسية. وفي ما يناظر هذا السياق،

قال زرادشت: "أدرتُ ظهري للحاكمين عندما رأيتُ ما الذي يسمونه حُكْمًا: السمسرة والمساومة على

السلطة، مع الرعاع"!. فما الذي يوجد في آليات اشتغال الدولة من تشعبات خَطِرَةٍ؛ ليثير حفيظة

نيتشه السياسية؟ تتوفر الدولة الليبرالية الحديثة على مقصد الدفع بالناس إلى الإذعان السياسي، وهو مقصدٌ مقنعٌ بشتى

المقولات الطاحِنَةِ لهم، فالمَارِجَةِ لحياتهم. وذلك ما جرى على الدوام في نظر نيتشه، منذ بداءة الدولة

حتى عصرِنا. إن هيئة الدولة ودواليبَها هي ما دفع به لاعتبارها آلةً تسوق الناس إلى القبولِ بنكدِ الحياة

حين يستشعرون في أنفسهم مرارة الانتساب إلى بناية الدولةِ وظل مؤسساتها. تلك هي الدولة المستبدة التي ما ترددتْ قط في سحقهم بكل صنوف الدناءة والمهانة. وفي متابعته لمأتى هيئة الدولة يقول: "قد حدثت أقدم 'دولة' طبقًا لذلك في شكل طغيان مرعب، في شكلِ آلةٍ ساحقةٍ باطشةٍ، واستمرت في عملها حتى صارت تلك المادة الخام من الشعب وأنصاف الحيوانات ليس فقط مطحونةً وطوعَ العنان، بل  ومشكلةً أيضًا ". إن طاحونة العمل السياسي الليبرالي والمصوغ على نحوٍ ديمقراطي مارجٍ للمواطنِ بوِزْرِ المخاتلةِ لاصطياد المناصب والمغانم؛ هذه الطاحونة تنتج من ديمقراطية العسْفِ

مشتقات العنف السياسي المتلطف بمقولة الحقوق Rechte die / droits Les؛ لتفضي، بحسب نيتشه، إلى اعتلال السادة الكرام في مقابل تعافي العبيد اللئام؛ لأن "السيد في الأصل، هو ذاك الذي يتثبت بوصفه مقتدرًا، بوصفه محاربًا، بوصفه أرفعَ. إن الحسنَ مفهوم سياسي وإيجابي مباشرة؛ إنه إثبات

للذات. ولم يُسْتضعف هذا المفهوم إلا باستدخاله وباتخاذه هيئة ذاتية فتطلب غريمه كي يتموقع".

والخلاصة من السياسة النيتشوية، تبعًا لتشخيصه صلفَ الدولة الليبرالية المعاصرة، أن إشاعةَ الذكر

بأخلاقيات سياسة الخير والشر قد أفضت إلى "عصور فساد"ٍ. والآثم في عصور من هذا القبيل هو ما أقامه الديمقراطي مِنْ نشازٍ بين ما هو ثقافي وما هو حضاري في تقاليدِ عمَلِ الدوْلَة. ثمة،

إذًا، في نوع الدولة التي ينبه نيتشه إلى حِدة مخالبها وعسْفها وعُدّتها الاستعبادية، ما يفيد أنها تتستر

L’égalité/ die Gleichheit والمساواة La justice/ die Gerechtigkeit بحجب مقولات العدالة

والديمقراطية؛ لكي تُمعن في تثبيتِ روح الضغينة لدى السواد الأعظم. ولذاك الإمعان مسحة التنكيل

(2((فريدريش نيتشه، هكذا تكلم زرادشت: كتاب للجميع ولغير أحد، ترجمة علي مصباح (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2007)، ص.189 (2((نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، فقرة 17، ص.118–117

(25)  André Clair, Éthique et humanisme: Essai sur la modernité (Paris: Cerf, 1989), p. 118. (26)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 14, p. 239.

((2(وفي السياق ذاته من المسألة المطروحة قَبْلُ، يمكن العودة أيضًا إلى ما يدعم الموقف ذاته لديه: "الثقافة والدولة – ولندع

مغالطة النفس جانبًا – طرفان نقيضان: 'دولة الثقافة' ليست في الحقيقة سوى فكرة من نتاج الحداثة. فالواحدة منهما تمتص الحياة

من الأخرى، والواحدة تنتعش على حساب الأخرى. وكل العصور الثقافية الكبرى هي عصور انحطاط سياسي: كل ما هو عظيم من

وجهة نظر الثقافة يكون غير سياسي، بل ومناهضًا للسياسة". يُنظر: فريدريش نيتشه، غسق الأوثان: أو كيف نتعاطى الفلسفة قرْعًا

بالمطرقة، ترجمة علي مصباح (بيروت/ بغداد: منشورات الجمل، 2010)، فقرة 4، ص.90

الليّن الذي هو شرط ديمومة الديمقراطية الضاغطة la démocratie massive على العازمين التحرر

وانتزاع حقهم في التمتع بمشاعر الكرامة البشرية.

ثانيًا: تهافت تصور الديمقراطية الليبرالية للعدالة والمساواة

"الحكم. بعضُ الحكام يحكمون لأنهم يجدون في الحكم متعة، وآخرون يحكمون لكيلا يصبحوا محكومين؛ لقد اختاروا أهون الشريْن". يهزأ نيتشه من الصيغة التضليلية التي سيق بمقتضاها الكل تقريبًا في القرنين التاسع عشر والعشرين

إلى الاحتماء بأجوف مقولات السياسة الديمقراطية العرجاء من خطرِ انكشاف الضعف النفسي Psychique والعضوي Organique والإيتيقي Ethique الذي عليه الأغلبية من المواطنين ذات الآراء المارجة. فضلً عن الأخطاء النظرية شبه الدائمة في المقاربات المحلية والعالمية للاقتصاد السياسي L’économie politique. إن ما يبسطه نيتشه للتظنن به هو "نقد ل 'العدالة' ول 'المساواة أمام القانون' La loi/ das Gesetz. وبالفعل، ما الذي يجب أن يقصيه هذا؟ الضغط، الكراهية، الحقد، ولكن من الخطأ الاعتقاد أننا بهذا نزداد من 'السعادة "'. من المعلوم أن نيتشه، مثل غيره من الفلاسفة وأهل أرستقراطية الفكر، يعتقد وجوب إنزال الناس منَازِلَهم الحق؛ إذْ هم معادن

مختلفة مِنْ جِهَةِ اقْتِدَارَاتهِمْ العملية وفضَائلهِمْ الخلُقية ومستطاعهم الفكري. ويُرَدّ هذا إلى قدرة

المنهج الجنيالوجي généalogique méthode La معه على تشخيص هويات الجماعات البشرية وبِناها من خلال ما تختلقه من قيم، وتحديدًا من داخل الآفاق المعيشية التي تمكن الفيلسوف المشتغل على الأعراض symptômes Les من رصد "تكَون التراتبيات بين الأفراد". أما الذين يدينهم نيتشه سياسيًا، بناءً على إفسادهم الذوق السياسي المترفع بحكمته العاقلة، فهم جماعة

العبيد.

(2((فريدريك نيتشه، الفجر، ترجمة محمد الناجي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013)، فقرة 181، ص.131

(29)  Friedrich Nietzsche, Fragments posthumes: Automne 1885 –automne 1887 , Julien Hervier (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 12 (Paris: Gallimard, 2007), p. 227. (30)  Dorian Astor, Deviens ce que tu es: Pour une vie philosophique (Paris: Autrement, 2016), p. 59.

وللاطلاع أكثر على ما يتعلق بضرورة تميز الأفراد في توجهاتهم بما يُحررهم من تنزيل معظم الزعماء السياسيين لهم منزلة "البهائم"،

يُنظر: Ibid., pp. 72–73.

(3((لا يمثل العبيد طبقة بالمعنى الماركسي للكلمة، وإنما هم مجموع الناس الذين يرتضون الخنوع وعدم المقاومة. إنهم الذين

يَعْهَدُون لغيرهم بشأنهم الخاص. وما يتملكون من القوة سوى التعليل الأخلاقي لعجزهم عن ف عَالٍهم بها أجدر من الأوصياء

عليهم، وحتى معظم فلاسفة العرب نبهوا إلى خطورة هذه الجماعة. فمن خلال هذه الأخيرة، يتوسع مدار كل الاستبداد ويربو. ينظر

في هذا السياق استهانة أفلاطون بسلوكياتهم السياسية والأخلاقية والنفسية في قوله: "فإن وُجِد من هؤلاء الناس قلة في بلدٍ أغلبيته

من العقلاء، فإنهم يغادرون هذا البلد ليلتحقوا بخدمةِ طاغية آخر، أو ليعملوا مرتزقة في أية دولة أخرى تشن حربًا. أما إذا ساد السلام

والأمن في كل مكانٍ، فإنهم لا يغادرون وطنهم، بل يرتكبون عديدًا من الجرائم البسيطة فيه [...] أعني، مثلً، السرقة، ونقب

الجدران، واغتصاب أموال المارة وملابسهم، وبيع الأحرار على أنهم عبيد. فإذا كانوا بارعين في الحديث احترفوا الوشاية أو شهادة

الزور أو الاتهام الكاذب مقابل رشوة". ينظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا (الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2004)، ص.479

فهؤلاء يعلمون حقيقةَ ضَعْفهِمْ وما تُكِنّهُ أنفسهم من كراهةٍ للعظمة grandeur/ die Grösse La و"الأحداث الجسام"، وحتى لديمقراطية الأنداد الأسوياء. ولكنهم يأتون الكثير من الجحود والتنكر لطبائعهم، بالتجاسر على مغالبة الأسياد بالتنمق لغويًّا والتنزه أخلاقيًا، والتقول في نباهةِ الحكماء

سفاهةً. أما فضل الديمقراطية عليهم فمردُّه ما وهبه إياهم عددُهم الأوفر من "امتياز" أخلاقي، كالضغط على الذوق النبيل في السياسة وغيرها. إنه امتياز الأغلبية المطوَّعة حدَّ تليين عريكتها تبعًا لمفعول

"تدجين Elevage/ Züchtung وترويض Dressage/ Zähmung " هائلَيْن للوجدان والأمزجة

والأفكار. وفي الغالب يؤهل ذلك الامتياز كل تلك الأغلبية للعبث بالحياة السياسية في الانتخابات، والاستماتة في الدفاع عن مضطهِدهم، والسالبِ حريتَهم، والمستميل ضمائرَهم. أما الكذوب من

معطلي الحيوات السياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية فيتراصّون دفاعًا عنه. يقول نيتشه: "فعلً، المضطهَدون، أهل السفالة، والسواد الأعظم من العبيد وأنصاف العبيد يريدون بلوغ القوة". ولمّا كان الناس على غير ذات الشمائل الإيتيقية والسياسية، فإن معظمَهم، وهم شيعة الديمقراطية، يفتعلون معادلة سياسية مقيتة، قوامُها أنّ التساوي في الحقوق هو العدالة عينها. والواقع أن قراءة نيتشه النقدية لهذا التوجه السياسي الضال، تكشف عما في نزوع العبيد لاعتلاء سلم الحياة السياسية الأعلى من حقدٍ على الأسياد؛ لأن "الحيف لا يكمن البتة في عدم تساوي الحقوق، بل في المطالبة ب 'مساواة' الحقوق". يكشف نيتشه في هذا المقام عما بداخلِ نفس العبد من سيكولوجيا مرَضيّة، تتخفى وراء

معادلة أن التساوي في الحقوق هو أصل التوازن والتعايش السلمي. والحال أن ما عليه الأغلبية في الديمقراطيات الليبرالية من عرجٍ وهلامية في تفكيرها السياسي يَكفي لحبس أنفاس السيد الأرستقراطي

المهِيبِ بعظمةِ الرجال الكبار. ثَمةَ، إذًا، مشاعر دونية يجهد أصحابها في افتراء نظام مفردات سياسية خبيثة ومغالِطة؛ للاستيلاء على حق المقتدرين من المنظرين والفاعلين الحقيقيين في السيادة، التوجيه والتحكم. لذلك، يرى فيهم نيتشه الطائفةَ المرجئةَ للسياسة العظيمة. وهو ما نستنتجه من قوله: "أما أننا نُؤْثِرُ إرضاء غرورنا على كل إرضاء

آخر لمشاعرنا (مثل الاستقرار، وغيره من المزايا)، فهذا ما يتضح – على نحو يبعث على السخرية – من أن الجميع يرغبون في القضاء على الرق (ما لم يكن الأمر راجعًا إلى عوامل سياسية) ويجزعون أشد الجزع من أن يروا غيرهم في مكانة الرقيق". إن الغرض الفلسفي النيتشوي هو تحصين سبيلِ تعافي الإنسان، عسى أن يبلغ مرحلة التفوق وتجاوز الذات، وهذا ما يتنافى والخيارات السياسية للعبيدِ المتلاعب بهم.

(32)  Nietzsche, Ainsi parlait Zarathoustra , p. 151. (33)  Patrick Wotling, Le vocabulaire de Friedrich Nietzsche (Paris: Ellipses, 2007), p. 25.

(((3 نذكّر بتعريبنا لمفهوم Macht(/ Puissance) في هذا المقام تحديدًا بالقوة وليس بالاقتدار؛ إذْ لا يُحمل هذا الأخير على العبيد

كما هو بيّن في هذا السياق.

)53(Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 13, p. 144.

3(((فريدريك نيتشه، نقيض المسيح: مقال اللعنة على المسيحية، ترجمة علي مصباح (بيروت/ بغداد: منشورات الجمل، 2011)، فقرة 75، ص.134

3(7)  Nietzsche, Humain, trop humain , § 457, p. 273.

ومن فرطِ طَرْقِ الشعارات لعقولهم وتطويع أنفسهم؛ يستحيلون إلى أهل نفاقٍ أخلاقي وشقاقٍ سياسي.

وفي هذا المقام يقول أحد شراح نيتشه: "إنْ تُؤك د الإنسان الأعلى Le surhomme/ der Übermensch بوصفه هدفًا، هو أن تتعارض مع ضغينة القطيع، وليس فقط مع المسيحية، ولكن، أيضًا مع المساواة الحديثة التي اتخذت شَكلها اللائكي". فالخيار الفلسفي الإيتيقي لنيتشه هو المقاومة الفكرية من أجل إجلال الوجود وإعلاء شأن المعرفة المرحة die fröhliche Wissenschaft، والسياسة الكبرى. وشرط ذلك كله هو تعرية المقولة السياسية – الحقوقية: المساواة الليبرالية L’égalité libérale. فلا تجوز فكرة المساواة الحق إلا بين أندادٍ متساوين من جهة المعدن، منتمين إلى ذات المحفل الحياتي. فطرح الفلسفة جانبًا لمقولتَيْ "العدالة" و"المساواة" الليبراليتَيْن، هو نفسه من الكسب السياسي الأرستقراطي.

بناء عليه، لا يتوانى نيتشه في الإعلان عن تخيُّرِه الوقوفَ في صف المنكرين للعدالة على قاعدة المساواة

بين الجميع واعتبارهم من ذات المعدن. وهو ما عبر عنه بالقول: "لا أود أن أمْزَج بدعاة المساواة، ولا أنْ

يُخْلط بيني وبينهم؛ إذْ هكذا تحدثني العدالة: 'الناس ليسوا سواسية'. وينبغي لهم أيضًا ألّ يصبحوا كذلك!

إذْ ماذا عن حبي للإنسان الأعلى، إذًا، لو أنني تكلمت بغير هذا الكلام؟". فعن أيّ مساواة تتحدث الأغلبية المطوعة لاسترقاق الديمقراطية الليبرالية لها؟ إنها المساواة النظرية في العيش أمام الدولة والتحكمِ في آليات تدابيرها للشأن العام من قِبَلِ

"المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظل أمان الاستبداد". لذلك، يسارع المرضى من أهل السياسة والسواد الأعظم، وقد جُبِلُوا على محبةِ طبع السفالة وشجْبِ المهابة؛ يسارعون

إلى التماس مبررات الهيمنة على ما في الدولة من أجهزة وخيارات؛ بل إنهم يتضامنون في حالة واحدة، وعلى قاعدة القبول بالانتقام من كل عظيمٍ مَهيبٍ. فَهُمْ، بحسب نيتشه، نوع من "العناكب

تبتغي غير ذلك في الحقيقة، 'إن العدالة تعني لدينا أن تغمر العالَم عواصفُ انتقامنا'، هكذا يتحدثون فيما بينهم. 'انتقامًا نريد أن ننزل بكل الذين ليسوا مثلنا ونغمرهم بالشتائم'. ذلك هو الوعد الذي يأخذه ذوو قلوب العناكب على أنفسهم. 'إرادة المساواة؛ ذلك ما سيغدو من هنا فصاعدًا اسمًا

للفضيلة؛ وضد كل ذي قوة سنرفع صوتنا'! أيها الداعون إلى المساواة، إن الجنون الغاشم للعجز هو الذي يصرخ من خلالكم مطالبًا بال 'مساواة': هكذا تتنكر رغبات الاستبداد الأكثر خفاء في

دواخلكم تحت عبارات الفضيلة!". تبدو حجة نيتشه الفلسفية من طبيعةٍ إيتيقية. إنه ينكر على

(3((ينظر في هذا السياق ما ذكره عبد الرحمن الكواكبي: "العوام هم قوَّة المستبِد وقوتُه، بهم عليهم يصول، وبهم على غيرهم

يطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على

بعضٍ فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه: إنه كريم، وإذا قتلَولم يُمَثل يعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت

فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليهم منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة". يُنظر: عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد

ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني، ط 2 (بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 1986)، ص.52

3(9)  Reboul, p. 134. (40)  Nietzsche, Fragments posthumes, vol. 14, p. 377.

4(((نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.197–196 (4((الكواكبي، ص.80 (((4 نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.194

مفسدي الحياة السياسية تزكيتهم صلف التوجه "الأخلاقوي" الذي باتت عليه العامة من الناس، وهم منقادون قطيعًا يتدبر أمره الساسة. هو ذا العمل بمقولات الخير والشر والالتزام بها. إنهم يستمتعون بشتى ضروب الغلظة التي تُمَارَسُ عليهم بأسًا وتنكيلً. فالتقاليد السياسية للديمقراطية الليبرالية

تمنح العامةَ مبرِّرَ الثرثرة والتخفّي وراء مفرداتٍ من اللغة السياسية وقد نخرها الوهَنُ النفسي. لذلك،

انبرى زرادشت منبّهًا من خطورة ما سيقَت إليه العامة من تكيفٍ مع الغباء وقبولٍ طوعي بما يسميه

إميل ميشال سيورون (1995–1911) "امتيازات الغباوة" والاستعداد للدفاع عن التدبير السيئ. فترى العوام يرددون صنوف المقولات المتداوَلة، وخاصةً إذا نطق بها زعماء "الطبقات العليا". إنهم يجعلون من العدالة غرضًا يلهثون وراءه، ويتوهمون من حينٍ لآخر اقترابَهم من تجسده على يد

ساستهم من الديمقراطِيين المخاتلين بوساطة صورة الديمقراطية. وعلى هذا النحو صرخ زرادشت: "احذروا كل مَنْ كان لغريزة الانتقام سلطانٌ عليه! طائفة من نوع وأصل رذيليْن هم هؤلاء، وعلى

صفحات وجوههم تلتمع نظرة الجلاد وكلب الصيد. لترتابوا من كل أولئك الذين يُكثرون من الكلام عن عدالتهم". فإذا نظرنا إيتيقيًا إلى مذهب العدالة الذي يُنْكره نيتشه بناءً على صياغة السياسة

الديمقراطية الليبرالية له وباعة الرهانات السياسية الكبرى، فإننا نلاحظ عدم تقديره للفوارق بين الناس أو لزوم احترام تلك الفوارق. وإنه لمن الحماقة حقًا القبولُ بالتمثيلِ السياسي المتساوي بين العامة والخاصة من موقع التساوي في الحقوق؛ إذْ تشهد تجارب السياسة الديمقراطيةِ للدول الحديثة منها والمعاصرة على يسر التحكم في وجدان العوام وتوجيههم الوجهة المرجوة من قِبَلِ

المتاجرين بمقولات الديمقراطية وتوابعها. إن هم نيتشه هو المحافظة على خصوصية "الفوارق النوعية" البيّنة بين البهامة والمهابة. ولعلنا نجد،

في المقابل، كيف "ينفي مذهب العدالة الاختلافات بين الناس، حتى لا يُرى إلا تناظرهم، وبغرض تنزيلهم تحت مفهوم الإنسان. حسب نيتشه، العدالة مرادفة للوأد". يقيم صاحب نظرية السياسة الكبرى دعوةً صريحة للّمساواة الطبيعية بين الناس، وهي لامساواة مقبولة في نظر الثقافة العليا. وعلى قاعدتها، ينبغي تأسيس لامساواة سياسية بين الاجتماعيين، لأن معادن الناس والنفوس البشرية عمومًا قد أهلتها الطبيعة لإنجاز مهمات متفاوتة في الحياة، وهي على مقدار التفاوت بينهم من جهة الاقتدار والجسارة. فالرعاع والسوقة ومن جانسهم ليسوا من أهل الجدارة بالتقدير ولا هم مبجلون، بحسبه. ونتيجة لذلك، لا يقيم نيتشه في هذا المقام تقريظًا للاختلاف بقدر ما هو، خلافًا لذلك تمامًا، نَقْدٌ للعدالة. لأن مسألة التفاوت بين الناس تُرْجَعُ حقيقةً إلى واقع المراتبية الاجتماعية التي

(44)  Emil Michel Cioran, Précis de décomposition (Paris: Gallimard, 2007), p. 139.

(((4 ينظر تفصيلٌ نيتشويٌ للمسألة في:

Friedrich Nietzsche , Fragments posthumes: Été 1869–Printemps 1872 , Michel Haar, Philippe Lacoue–Labarthe & Jean– Luc Nancy (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 1 (Paris: Gallimard, 2008), § 7, pp. 430–431.

4(((نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.196

(47)  Gisèle Souchon, Nietzsche: Généalogie de l’individu (Paris: L’Harmattan, 2003), p. 19. (48)  Ibid., p. 21.

يفضلها نيتشه أساسًا لإقراره بتهافت التصور الديمقراطي الراعي للعدالة بين الناس. أضف إلى ذلك أن المراتبية لا تُنْسَبُ في الواقع إلى حصيلة التاريخ الثقافي والسياسي، وإنما إلى الطبيعة نفسها

التي وزعت القوى بين الناس على غير قسطاسٍ، "وبناءً عليه، تتأسس المراتبية الاجتماعية على الطبيعة، وأما العدالة فهي الاعتراف بالتوزيع غير العادل للقوى". يُرَد التعليل الإيتيقي للرفض السياسي للعدالة إلى أن هذه الأخيرة قد تم تقديرها بمقاييس الخير والشر الأخلاقية. بناء عليه، نستخلص دلالتَيْن للعدالة: تتمثل الأولى في ما يعكسه الانتقام من شعور بالضغينة لدى المتهاوين إلى السقوط والعجزة، وقد تعذر عليهم رؤية الحياة متعافية على النحو القويم لها. أما الدلالة الثانية فترتبط بالسادة والشجعان الذين لهم القدرة على سيادة ذواتهم والاكتفاء بها. فهم يتمتعون بسرعة البديهة والحكم على الأشياء باستقلالية تامة، علاوةً على أن نُبْلَهُمْ كامن في خصوصية نظرهم إلى الأشياء وطريقة تثمينهم لها. ففي مثل هذه الطريقة، إنما هم يثبتون اقتداراتهم ذات الرفعة المخصوصة، لأن "مفهوم العدالة مماثل لما هي عليه الحال في مفهومَيْ الخير والشر" المنافيَيْن

بدورهما لاستقامة الخلُقِ القويم.

ثالثًا: عُسْرُ منظومة الحكم الديمقراطي وعسْفُ جمهورها

"إن نشاط الفيلسوف لا يلفت أبدًا إليه انتباه "الجمهور"، ولا ينتزع له تأييد الجماهير أو حماسة معاصريه. إن شق الطريق وحيدًا يشكل جزءًا من وضع الفيلسوف. إن موهبته هي الأكثر ندرة، وبمعنى ما الأقل طبيعية، وهي بذلك تنفي المواهب القريبة من موهبته وتكون معادية لها". لا يعترض نيتشه على السياسة الديمقراطية المدعومة أوروبيًا لما تكنه من استخفاف بواقع المراتبية

الاجتماعية وحسب، وإنما أيضًا لما في ممارسة الحكم الديمقراطي نفسه من أوْزَارٍ حتى على القائمين عليه. يرى نيتشه "أن الأمر أكثر وطأة من الطاعة. ولا يعود ذلك فقط إلى أن الآمر يحمل عبء كل

(49)  Clair, p. 140.

(5((لمزيد التعمق ينظر أيضًا موقف نيتشه: "إن خاصية المقايضة هي الخاصية البدئية للعدالة. كل واحد يهب اكتفاء الآخر ويتقبل هو نفسه ما يجعل منه حالة أكبر من الغير. إننا نمنح كل واحد ما يريد حيازته وما سيكون بعدئذ له، ونتقبل منه ما نرغب فيه إيابًا.

فالعدالة هي إذًا تبادل وميزان كلما طُرح وجود علاقة قوى متساوية تقريبًا: وعلى هذا النحو تخارج الانتقام عن مدار العدالة، إنه

تبادل. إنه يثور ضد إرجاع كل الناس إلى نفس القاسم المشترك"، في: , pp. 88–89 Humain, trop humain Nietzsche,. (5((لمزيد التعمق ينظر قول نيتشه: "حينما نُظهر عن قربٍ قطع لحم دامية من الحيوان المفترس، ثم نسحبها عنه حتى يخور في النهاية: أتظنون أن هذا الخوار عدالة؟". ينظر: Ibid., § 451, p. 270.

5(2)  Clair, p. 142.

(((5 فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة سهيل القش، تقديم ميشال فوكو (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، 1983)، ص.64 (((5 أبدى نيتشه خشيةً من ذلك، فقال: "في حين ستفضي الحركة الديمقراطية الأوروبية بالتالي إلى جانب طرازٍ بشري مُعدٍ

للعبودية بألطف معاني اللفظ؛ فإن الإنسان القوي لا بد له من أن يصير، في حالات استثنائية وفريدة، أقوى وأغنى بكثير مما كان عليه يومًا من الأيام، بفضلِ تربيته الخالية من الأحكام المسبقة، وبفضلِ التنوع العظيم في التمرن والتفنن والتقنع". ينظر الفصل

الثامن في: نيتشه، ما وراء الخير والشر، فقرة 242، ص.216–215

المطيعين، وأن ذلك العبء يسحقه بسهولة". لكنْ ما الوهن الذي نال من الحاكمين بالديمقراطية، حدَّ قبولهم بتحمل وزر عيوب الحكم الديمقراطي؟ يتمثل هذا الوهن أساسًا في قواميْ الديمقراطية من

منظورية فلسفة نيتشه السياسية، وهما: أولً: انحطاط من أصلٍ كنسي برر، من الجهة الأخلاقوية Moralisme، الدعاية للديمقراطية الهادفة إلى تأبيد الطغيان. ثانيًا: انحطاط من أصلٍ أخلاقي تمثل، من الجهة السيكوفيزيولوجية Psycho–physiologique، في

ترويض العبيد، وجعلهم، تحت لافتة الحقوق، أهلَ قدرة على مغالبة الأسياد وهَتْكِ قيمهم. وكيفما كان الأمر، "لا تكون الأغلبية في السياسات الديمقراطية إلا ضاغطةً ضَغْط المستبدين

المدعومين من الفكر المسيحي؛ ذلك أن فعلَ الديمقراطية هو شكلٌ أكْثَرُ طَبِيعِيةً من (تشويه أخلاق

الحيوان القطيعي) وأقل كذبًا". ثمة رغبة حاصلة في المخاتلة أو في التفلت من المسؤولية المباشرة عما يهدد الكيان المجتمعي برمته في تبني الدول الحديثة والمعاصرة للنظام السياسي الديمقراطي. ومفاد التفلت ذاك هو أن المناخَ السياسي والجدلَ الفكري في ظل التأطيرِ الليبرالي للحكمِ الديمقراطي

يمنحان الجماهيرَ المدجّنةَ فرصة العبث بالمجتمع والدولة، وذلك بالاستناد إلى فِرْيَةِ أنّ لها حق

المشاركةِ والقولِ وحريةِ التعبيرِ. وهي مظاهر تُعَد، من الجهة العملية في نظر نيتشه، ثرثرةً سياسيةً يديرها بإحكام المستبدون من الساسة الطامحين إلى الأمجاد الوهمية. وعلته في ذلك أن "العصر هو عصر الجماهير. وتراها منبطحة أمام كل ما هو جمهري. كذلك الأمر في السياسة. فرجل الدولة يشيد لها برج بابل جديدًا أو أي مملكة جبارة قوية، يسمى عندها 'كبيرًا"'. فما القدرُ السياسي الذي

نزله التاريخُ الحديثُ على البشرِ، حتى يصدقوا أن الديمقراطيةَ هي الفضيلةُ السياسيةُ التي توصل إليها منظرو الدولة الليبرالية الحديثة؟ ومن ذا الذي شرع أنْ لا نظام سياسيًا أنفعُ للحرية البشرية من

الديمقراطية؟

(((5 نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.226 5(((يمكن العودة في هذا السياق إلى ما عرضه نيتشه من نقدٍ للكنيسة، وفي شأنها يقول: "كانت الكنيسة على مر العصور تريد إبادة أعدائها: أما نحن، نحن اللاأخلاقيون والمناهضون للمسيحية، فإننا نرى مصلحتنا في وجود الكنيسة [...] وفي المجال السياسي

أيضًا قد أصبحت العداوة اليوم أكثر تعقلً، أكثر ذكاء، وأكثر تفكرًا، وأكثر رفقًا [...] كل حزب تقريبًا غدا يدرك أن مصلحته الحيوية

المتعلقة ببقائه تتمثل في ألا تُسْتنفد مجمل طاقات الحزب الخصم، والأمر نفسه ينطبق على السياسة الكبرى". ينظر: نيتشه، غسق

الأوثان، فقرة 3، ص 3.8 5(((ينظر ما قصده نيتشه في هذا السياق: "أريد أن أقول: إن الحركة الديمقراطية الأوروبية هي كذلك، ومن دون قصدٍ، مشروع

لتربية طغاة، بكل معنى الكلمة، بما فيه المعنى الأكثر روحية". في: نيتشه، ما وراء الخير والشر، فقرة 242، ص.216 (5((ينظر ذاك التحالف بين السياسة الديمقراطية الليبرالية والثيولوجيا الكنسية لمحق الحرية والدوس عليها، في:

Nietzsche, Crépuscule des Idoles , § 38–39, pp. 133–135. (59)  Nietzsche, Fragments posthumes, vol. 13, p. 144.

(6((نيتشه، ما وراء الخير والشر، فقرة 241، ص.213 (6((وبحسب نيتشه، فإن "ذلك راجع إلى ما يعرض من التأثير الذي يمارسه الحكم المسبق الديمقراطي داخل العال م الحديث فيما

يتعلق بكل مسائل المصدر". ينظر: نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، فقرة 4، ص.48

لا تزال الديمقراطية تمثل قدَرًا نهائيًّا غير قابل للرد السياسي، خاصةً إذا استغفلتنا أقنعتها الليبرالية وآلياتها

المترجَمة في "قوة السيطرة على الفوضى الديمقراطية". فلا يبلغن تنزيه العصر حد مبايعتها معصومة

من كراهة بعض المفكرين لها؛ لكونها "ديمقراطية مجرمة". ولعل هذا ما استشرفه نيتشه منذ القرن التاسع عشر في قوله: "إني أتناول الحركة الديمقراطية بما هي شيء لا محيد عنه، ولكن بما هي شيء غيرُ قهارٍ، وخلافًا لذلك بوسعنا تأخيرُه. بيد أنه، في الجملة، تربو هيمنةُ الغريزةِ والتقويمات البدائية

بكيفية متضايفة مع الأبيقورية والإرادة الطيبة: فيصير الإنسان ضعيفًا، ولكنه طيب، ومتزن" السلوك السياسي. أليس الديمقراطي هو المعطل للحياة السياسية الطموحة إلى البناء؟ ثُم ما الاعتبارات – الأسانيد التي اعترض بمقتضاها نيتشه على القبول اللامشروط للعصر الحديث بالديمقراطية الليبرالية نظامًا سياسيًّا للحكم؟ ثمة أربعة اعتبارات سنتطرق إليها تِبَاعًا: • الاعتبار الأول: تثبيتُ أخلاقِ الانحطاطِ عبر "الأحكام الديمقراطية المسبقة". ولمّا كانت

أخلاقيات النظام السياسي الديمقراطي، في نظر نيتشه، ذات أصلٍ كنسي يقوم على قهر الرجال العظام والأحرار، ومغالبة فضائلهم الخلاقة، فإن خدعة الالتزام بالأخلاق السائدة والتحلي بها مظهرًا إيهاميًا؛

من شأنهما إضفاء طابع الاتزان على الضعفاء. ومن شأن ذلك أنْ يمكنهم أيضًا من الحق في القول كالأسياد على السويّة، بل والفعل في واقع الدولة السياسي أكثر، وخلافًا للسادة. فالأخلاق المنحطة،

إذًا، هي مطية العبيد للتحرر من وهنٍ مؤكدٍ هو حالٌّ في أنفسهم تبعًا لطبيعة التنشئة الاجتماعية –

الثقافية. وهذا ما جعل "نيتشه يعتبر أن الديمقراطية الحديثة لا تمثل فقط انعتاقَ العبيدِ القدامى، وإنما

الانتصار اللامشروط لهؤلاء العبيد أَنْفُسهِم، وتجسد نوعًا من أخلاقية دنيئة". ومن ثَم تعزِّز أنفاسُ

الحياةِ السياسيةِ الديمقراطيةِ في نفوس العبيد غريزةَ التضامن والاتحاد على غير بصيرة بمنطق العمليْن

السياسي والنقابي. فما المخاتلة السياسية في نفوس قطيع من هذا القبيل؟ أهو الطمع في المساواة؟ يرد لوفران كاشفًا "أن 'غريزة التجمع' L’instinct grégaire، الخاصة بالعبيد، تنتمي إلى الدائرة ذاتها

من 'إرادة المساواة' التي هي شكل معقلن من المثالِ الديمقراطي". • الاعتبار الثاني: الإدانة الذاتية من خلال استصغار الإنسانِلنفسه. يرى سياسي ما وراء الخير

والشر انسدادًا في أفُقِ الفعلِ السياسي المتحرر، وقد التف عليه دعاةُ الديمقراطيةِ من زعمائها

وأتباعِها على حد السواء. وبحسب أولئك الذين انتهجوا سبيل الفعل الحر، كأن صوت الواحد منهم

(6((جاك رانسيير، كراهية الديمقراطية، ترجمة أحمد حسان (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2012)، ص.16 ((6(المرجع نفسه، ص 13، ينظر أيضًا: ص.93–87

(64)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 11, p. 185.

((6(يمكن الرجوع إلى قول نيتشه: "الديمقراطيون الأربعة الكبار: سقراط وعيسى المسيح ولوثر وروسو". يُنظر:

Nietzsche, Fragments posthumes, vol. 13, p. 26. (66)  Paul Valadier, Nietzsche: Cruauté et noblesse du droit (Paris: Michalon, 1998), p. 13.

(6((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين، جميل قاسم ورضا الشايبي (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1993)، ص.32

(68)  Lefranc, p. 126.

يقول: "نحن الذين ننتمي إلى إيمانٍآخر، نحن الذين لا نأخذ الحركة الديمقراطية بوصفها طورًا

منحطًا من التنظيم السياسي وحسب، بل بوصفها أيضًا طورًا منحطًا حيثما يستصغر الإنسان ذاته،

يسقط في الوضاعة ويحط من شأنه، فأين سنضع نحن رجاءنا؟". إذا كانت التمثيليةُ البرلمانيةُ

parlementaire représentation La والانتخابُ من خصوصياتِ النظامِ الديمقراطي، فإنهما يقتضيان

تجميعًا لقوى الحشود والاستعداد والاستنفار الدائم للدفاع عن سياسةٍ ما أو طائفةٍ بعينها. يرى فرنسيس

فوكوياما Fukuyama Francis أنه لو "سلكنا خط نيتشه، لتوصلنا إلى طرح الأسئلة التالية: أليس الإنسان الذي يرضيه كليًّا الاعتراف الشامل والمتساوي – وليس أكثر من ذلك – هو ما دون الكائن

الإنساني الكامل بقليل، لا بل هو موضوع للاحتقار أي 'إنسان أخير' بلا بطولة ولا تطلعات؟". • الاعتبار الثالث: انكشاف وهم التوق إلى القوة، وتوهمُ تحصيلِ القوةِ من حميةِ الجماعةِ الديمقراطيةِ

والتبعية إليها. إن السياسي في الفضاءِ الديمقراطي شَأْنهُ شَأن الممثل في الفضاء المسرحي، بحسب نيتشه، فكلاهما منكشفان للعامة والجمهور. فليس تحصيل القوة من الألفة مع الديمقراطية، وإنما

تحصيلها من معاشرة المقتدرين على الفِعَال الكبيرة والجسورة. والواقع، في نظر نيتشه، "إن عصرًا

من الديمقراطية يحمل الممثل في عريه، في أثينا، مثل اليوم" يبسط صورةَ السياسي كما في

حقيقته. بناء عليه، يعيب "السيد نيتشه" على الأحزابِ كلها أنها تُسْرِفُ في المراهنةِ على العامةِ من

الجمهورِ، أملً في انتزاع تأييد منها أو إسناد لها في المناسبات السياسية، بل وتعتقد تلك الأحزاب أنها قادرة على سيادة نفسها بنفسها سياسيًا، وهذا تقدير غير متبصر لنظرٍ بصيرٍ. ذلك أن المبادرة

الفردية للعباقرة لا تحتاج جمهورًا مناشدًا. ثُم إن العظماءَ يَظْهَرُونَ تلقائيًّا من صلب المجتمع. وليس

تدبيرُ الديمقراطيين الليبراليين Democrats Liberal هو الذي سيولّد عباقرة. تسمح آليات النظام

السياسي الديمقراطي للسوقة وضعاف الأنفس بالتجاسر على الأسياد ذوي الرفعة العقلية والإيتيقية. بل إنهم ما يفتؤون، بمطية البهتان الديمقراطي، ينقضّون من حين لآخر على حق الحكماء من السادة في تصريف الشأن العام. يقول نيتشه في شأن تدرج تجمع السفلة ومخاطره على كل ما هو عظيم، ما يلي: "درجة أولى: إنهم يتحررون؛ إنهم يتفلتون بدءًا بطريقة خيالية، ويعترفون فيما بينهم وبعضهم

لبعض، فينتهون إلى الفرض. درجة ثانية: يدخلون في صراع، يريدون الاعتراف بتساويهم في الحقوق و'العدالة'. درجة ثالثة: يريدون الامتيازات (ويجتذبون إليهم متملكي القوة). درجة رابعة: يريدون القوة 'فقط' لأنفسهم 'فيتملكونها"'. ولما كانت العامة متوهمة للقوة في ذاتها، فإنها سرعان ما تجنح إلى

موقفٍ نكوصي يتمثل في حرصها على استجماع قوتها، من أجل رد الفعل ضد الأسياد، فتربو روحُ

الانتقام لديهم في تناسبٍ مع ربو الضغينةِ في أنفسهم. هؤلاء يصنفهم نيتشه في موعظةٍ منه لأولي

(69)  Friedrich Nietzsche, Par–delà bien et mal: Prélude d’une philosophie de l’avenir , Cornélius Heim, Isabelle Hildenbrand & Jean Gratien (trad.), Œuvres philosophiques complètes, vol. 7 (Paris: Gallimard, 2006), § 203, p. 116.

((7(فوكوياما، ص.32

(71)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 11, p. 181.

(7((تسمية أطلقها نيتشه على نفسه. يُنظر: نيتشه، العلم الجذل، فقرة 2، ص.7

(73)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 11, p. 144.

العزم في الأمرِ السياسي بالقول: "في كل أنّة من شكواهم يرن صوت الانتقام، وفي كل مديح من مدائحهم أذى مضمر، وأن ينصبوا أنفسهم حكّامًا، فذلك هو عين السعادة لديهم". • الاعتبار الرابع: الطابع التضخيمي الذي يحمله رجال الدولة على أنفسهم وما تحصنوا به من

مؤسسات. ويتمثل هذا في انتحال السياسي للأبّهةِ والوقوع في الانحلال. في الغالب، يسيء متوهمُ

الديمقراطيةِ تقديرَ مصادر القوة والأمور والأشياء والأحداث الجسام. يعلم الفلاسفة أن مصدر قوة

الدولة والمجتمع كامنٌ في عافية التدبير السياسي. ومن هذه العافية تتعين الحرية la Liberté/ die

Freiheit واقعةً متحققةً بالتوازي مع مسار تعافي الشعب عمومًا. أما نزعة تضخيم رجل الدولة لشخصه

وافتعال المهابة واصطناع التُبَّعِ من جمهور الخنَّعِ، فتهدف إلى الاستقواء بالوهم. ولكنه، في نظر نيتشه،

مفسدٌ للدولة، مهلكٌ لعافيتها. بناء عليه، "كانت الديمقراطية دومًا الشكل المنحط للقوة التنظيمية [...]

وبعدُ، لقد وسَمتُ الديمقراطيةَ الحديثةَ، بما في ذلك أشْبَاههَا، مَِنْ قَبِيلِ 'الرايخ الألماني'، بوصفها

. أما علاقة" Dégénérescence de l’État/ Verfallsform des Staats 'شكلً من 'انحلال الدولة

فساد الدولة بانحلال مؤسساتها، فمن استحالة أنفاس التحرر إلى أنفاسٍ للبطش. ذلك أن التحديد

النيتشوي للحرية لا يفصلها عن إرادة الاقتدار. ومن ثَم، يتحدد "'مفهومِي للحرية'. إن قيمة سببٍ ما لا تُقاسُ أحيانًا بما نبلغه به، بل بما ندفعه من أجله، وبما 'يكلفنا' إياه. هاكم المثال: إن المؤسسات

تكف عن أن تكون تحررية ما أن Les institutions libérales/ die liberalen Institutionen الليبرالية

تتمكن: وإضافة إلى ذلك، لا شيء منذر بنسف الحرية نسقيًا غير المؤسسات الليبرالية".

رابعًا: الحق الأرستقراطي في الاعترافِ بالفرق بين معادنِ الناسِ وتثبيتُه

"لماذا هو شديد الإباء؟ يتميز الطبع النبيل من الطبع الفظ بكونه لا يتوفر مثله على عدد من العادات ووجهات النظر: شاءت الصدفة ألا يرثها ولا يتلقاها عن طريق التربية". لماذا أعلنت الفلسفة السياسية النيتشوية عن أفكارها القائمة "ضد مذهب المساواة" بين كل الناس؟ كان نيتشه خبيرًا بصنوف الناس، المهيب منهم والمعيب، السليم والغليظ، الكريم واللئيم؛ فضلً

عن كونه داريًا بالهوة بين طرفَيْ كل زوجٍ مفهومي وخلطته. وذلك مفاد قوله: "إن أول شيء أحاول

أن أستشفه عندما أجري فحصًا دقيقًا على شخصٍ ما هو إذا ما كان يمتلك حسًّا بالمسافة، وإذا ما كان قادرًا في كل موضعٍ على 'تمييز' المستويات والدرجات والتراتب القائم بين البشر؛ إذْ ذلك هو ما يجعل

(7((نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.195

(75)  Nietzsche, Crépuscule des Idoles , § 39, p. 134. (76)  Ibid., § 39, p. 133.

(7((نيتشه، الفجر، فقرة 267، ص.178

(78)  Valadier, p. 70.

منه رجلً شريفًا Gentilhomme ". فمن المنظورية المراتبية، يرى نيتشه أن المواقع الاجتماعية في المجتمع هي عينها ما أهلتهم إليه الطبيعةُ، وتِلْكُم مرَاتِبهُمْ التي لا محيد عنها، وكل مسعى لتَحويرها

آيل بالضرورة إلى الفشل. غير أن هذا رَهْن بأن تحذو الإنسانية حذو "الجماعات الأرستقراطية على طريقة روما Rome وفينيسيا Venise ". يحذر نيتشه من هذا الذي أصاب الحياة السياسية بسبب من أنفاس الفكر الكنسي؛ لكونه يمثل خطرًا على شعور عظماء رجال الأرستقراطية بالمسافات تجاه

العامة. فالتشريع الذي استنّه الفيلسوف المشرع لنفسه هو ألّ تُحْبسَ المسافة، أي مسافة التوقير الذاتي

التي للأرستقراطي. فالكنيسة تهاب ما في نفوس الكبار من شجاعة واقتدار وإقدام على الجسيم من أحداث الرجل السديد. أما ما يعاضد الفكر الكنسي فهو الثقافة الليبرالية التي تنزل الجميع منزلة الكل المتساوي، وهو ما يتنافى وأنفاس الحس الأرستقراطي. فمجمل الأفكار الثيولوجية للمؤسسة الكنسية وقيمها الثقافية الساعية إلى إشاعتها في المجتمعات الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، يعمل بإحكام على تهديم بنى المجتمع التراتبي. فال "ديمقراطية"، كما يفقهها نيتشه، ليست شكلً للحكم ولا حالة للمجتمع أو واقعًا سوسيولوجيًا وأنثروبولوجيًا قريبًا من "تساوي الشروط" الموصوف من قِبَلِ

ألكسيس دي توكفيل (1859–1805)، والذي أساسه الفردانية. وهو ما يفسر، بحسب نيتشه، لماذا لا يكون التعارض بين الديمقراطيين والاشتراكيين والفوضويين إلا ظاهريًا. يرفض نيتشه تيسير الأمر

السياسي على باعة الهبات الديمقراطية كلما تحصنوا بسندٍ من ثقافة الكنيسة. وفي ذلك ينبه قائلً: لا نقلِّلنَّ من أهمية الكارثة التي تسللت من المسيحية لتشمل حتى المجال السياسي! إذْ لم يعد لأحدٍ في يومنا هذا من شجاعةٍ على المطالبة بحقوق امتيازية وبحقوق السيادة، وعلى فرض مشاعر الاحترام تجاه النفس والآخرين على حد السواء؛ الشجاعة على 'حس المسافة' [...] سياستنا مريضة بهذا الافتقار إلى الشجاعة"!. ثمة جانب آخر وهو الثروة التي في إمكانها تثبيت الطموح الأرستقراطي للإبقاء على مسافة التفاوت، بل الشعور الدائم بها بين البشر. فاليسار La richesse/ der Reichthum، بوصفهِ نوعًا من الثراءِ المتنعَّمِ

(7((فريدريك نيتشه، هذا هو الإنسان، ترجمة علي مصباح (كولونيا: منشورات الجمل، 2003)، فقرة 4، ص.148

(80)  Nietzsche, Crépuscule des Idoles , § 38, p. 134.

(8((ينظر تفصيل آخر لعلاقة التمايز البشري بالتراتب بما هو مسألة معادن بين الناس، في: عبد الرزاق بلعقروز، نيتشه ومهمة

الفلسفة: قلب تراتب القيم والتأويل الجمالي للحياة، تقديم عز العرب لحكيم بناني (الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص.190–186 (8((ينظر قول ألكسيس دي توكفيل: "لماذا تُظهر الشعوب الديمقراطية حبًا شديدًا وأَدْوَم للمساواة والحرية"، في:

Alexis de Tocqueville , De la Démocratie en Amérique Collection: Bouquins (Paris: Robert Laffont, 1986), p. 493. (83)  Brigitte Krulic, "Nietzsche et la critique de la modernité démocratique," Archives de Philosophie: Recherches et Documentation , vol. 64, no. 2 (2001), p. 311.

(8((لمزيد النظر في الموضوع يمكن الرجوع إلى ما تطرق إليه باردسوورث الذي بين كيف "أ دينت فلسفة نيتشه بسرعة، وباسم الذات الحديثة، لتحليلٍ منها كان يرغب في بيان أن ليس للقوي والضعيف من خيار سوى الفعل وفقا ل 'طبيعتيْهما'". ينظر:

Richard Beardsworth, Nietzsche (Paris: Les belles lettres, 1997), p. 34.

(8((نيتشه، نقيض المسيح، فقرة 43، ص.96

به لدى مَنْ يحوزونه، هو الذي تتحصن به الأرستقراطية عمدةً لدوام مرتبتها. وهو من بين ما ثَمّنه

نيتشه بالقول: "إن اليسار يُولِّد بالضرورة أرستقراطية عرقٍ، لأنه يُمكّن من اختيار أجمل النساء، ومن جلب خير المربين، وهو يُضفي الصفاء، ويمنح الوقت لخدمة الجسم، وخصوصًا إمكانية التفلت من العمل البدني الشاق". بناء عليه، تتضاعف فرص الفرد المتنامى الثراء من تأمين مظهره الاجتماعي والمحافظة على مرتبته، ومن ثَم سيادته على الرق والضعفاء. في الحصيلة، يترتب على ذلك القول بحق مطلقٍ للأرستقراطية في الدفاع عن نفسها بديلً لازمًا من الديمقراطية الجارحة لشعور القلة في العدد: الكرام المتفوقون. وفي المقابل، يشدد نيتشه على التساوق الخطير بين لبرلة Libéralisation قيم المسيحية وعدميتها، وسلب قيم الديمقراطية للعلو والسمو. ولهذا الاعتبار يمكن القول: "إن معاداة نيتشه للمسيحية ملازمة لمعاداته للديمقراطية" المتلاعبة هي ذاتها بجمهورها وآماله. وقد عمد التدبير السياسي الديمقراطي منذ بداية القرن التاسع عشر، أساسًا، إلى المماثلة الثيولوجية بين سلطتَيْ

الشعب والله. وهي صيغة مؤثرة في الوعي الحشدي للجمهور، فيظل مناوئًا لحكم النخبة المفكرة والمقتدرة على تحييد الحياة السياسية عن الآثار المجتمعية السلبية للاوعي السياسي، مثلما هو راسخ في أنفس العوام المهيئين بطبعهم للوقوع في المخاتلة الذكية لليبراليين.

خامسًا: فلسفة نيتشه والحق الفلسفي في الدفاع عن السياسة الأرستقراطية

"لقد حرمتنا المسيحية من جني ثمار الحضارات العتيقة، وفي ما بعد، حرمتنا مرة أخرى من جني ثمار الحضارة الإسلامية. لقد تم ازدراء ذلك العالَم الثقافي الموريسكي البديع الذي عرفته أسبانيا – ولا أقول تحت أي نوع من الأقدام تم الدوس على تلك الثقافة – والذي هو أقرب إلينا، ويخاطب حواسنا وذوقنا أكثر مما تفعل روما واليونان. لماذا؟ لأنها من منزلة نبيلة، ولأنها مشروطة في نشأتها بغرائز فحولية، ولأنها تقول: نعم للحياة، مع زيادة في الرهافة النادرة لبدائع الحياة الموريسكية". لا يمثل نقد نيتشه للديمقراطية ضربًا من الطوباوية أو الهدم العبثي، وإنما هو في الواقع طرح لبديل من جنس سياسي خاص. إنه بديل آخر يؤسس سياسة تقوم على الفكر والفنون والعمل الدؤوب في مناحي الحياة المتنوعة. إنها الدولة التي لأهل الفكر فيها منزلة. وهو ما حددته

(86)  Nietzsche, Humain, trop humain , § 479, p. 288. (87)  Brigitte Krulic, Nietzsche penseur de la hiérarchie: Pour une lecture "tocquevillienne" de Nietzsche , Collection: Ouverture philosophique (Paris: L’Harmattan, 2002), p. 117.

((8(يمكن الرجوع إلى هذه الفقرة المنتزعة للألماني كارل شميت Schmitt Carl (1985–1888): "يبقى صحيحًا أن الآثار اللاحقة

لفكرة الله ظلت لبعض الوقت معترفًا بها. في أميركا، تجلى ذلك في الاعتقاد المنطقي والعملي أن صوت الشعب هو صوت الله، وهذا الاعتقاد هو في أساس انتصار جفرسون في عام 1801. وقد لاحظ توكفيل في سرده للديمقراطية الأميركية أن الناس يحومون

فوق حياة الدولة السياسية برمتها في الفكر الديمقراطي، مثلما يفعل الله فوق العالَم، ومثل سبب الأشياء ونهايتها كلها، ومثل النقطة

التي تنطلق منها وتعود إليها جميع الأمور". يُنظر: كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/

بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 60،.118 (8((نيتشه، نقيض المسيح، فقرة 60، ص.142

أنجيل كريمر – ماريتي (2013–1927) في قولها: "تبدو دولة نيتشه، إذًا، قبل كل شيء، دولة الثقافة، يعني دولة أرستقراطية وفنية". إن الأرستقراطية نظامُ حكم سياسي يمنح كل التقدير لأهل الحصافةِ

والنباهةِ، من منتجِي الأفكار ومبدعِي الفنون، لأنهم أهل المقدرة والدراية بحسن التدبير. ويعمل أولو العزم التاريخي على خلق مجتمعٍ تُحْترم فيه معادن الناس، وهي المعادن التي هي، بحسب قراءة

نيتشه، حقيقةٌ طبيعيةٌ واجتماعيةٌ. ومن ثم، فلا يعترف من الجهة القيمية، بما يسمى: "كمال الوجود للجميع". فلا تاريخُ الطبيعةِ ولا تاريخُ المجتمعِ قد أهلّا "الكل المتساوي" في اختيار نظامِ الحكم. فالانحطاطُ الأخلاقي قيميًا، والانحطاطُ السياسي أيديولوجيًا، هما العوَزُ الذي سكن مَعْدنَ العامة من

الناس، وهُمْ، بلغةِ التمثيل الديمقراطي في البرلمانات، الأغلبيةُ المارجةُ بضَعفِها، ومن ثَم انحرافها عن

جادةِ الصوابِ السياسي. وعَيْبُ الأغلبية أنها تقع بكل يسرٍ في سجن محكوم بآلياتِ استمالةٍ يكشف

التاريخُ السياسي للقرنين الأخيريْن أنها تزداد عقلانية وعنفًا ماديًا مقنَّعًا بأخلاق الخير والشر، وحتى

بقوانين مقبولة من قِبَلِ معظم أعضاء المجتمع. لذلك، كانت "الديمقراطية هي المسيحية، وقد جُبِلت

على طبعها: نوع من 'العودة إلى الطبيعة' [...] النتيجة: زيادةُ تفسُّخٍ طبَع المثالَ الأرستقراطيّ لاحقًا".

وخطورة الكنيسة، من هذه الجهة، أنها شجعت السواد الأعظم على التطاول على أصحاب الأنفس النبيلة. وتبعًا لذلك، أضحت الكنيسة تستمتع بعذابات هاتيك الأنفس؛ من جراء التنكيل الثقافي والإعلامي بها. وهذا ما عبر عنه قول نيتشه: "أرستقراطية الرأي هي الشيء الذي تم اجتثاثه من الجذور عن طريق أكذوبة تساوي الأنفس". فما التأثير الخطير الذي لذوي الأنفس الدونية الذوق والتفكير، في سلامة الحياة السياسية؟ إنها الخطورة المتمثلة في قبولهم بالدناءة التي دفعهم إليها، وعن طيب خاطر، المستبدون المتملكون للسلطات السياسية والكهنوتية. إنهم أولئك الذين لم يتوانَ زرادشت في كشفهم بالقول: "بين شعوبٍ ذات لسانٍ غريبٍ، عشت بأذنيْن مسدودتيْن كي تظل بعيدة عن مسمعي سمسرتهم ومساوماتهم على

السلطة". إن الضعف كامن في معدن الساسة المفتعلين لمقولة الحقوق المتساوية بين الكل. إنهم يتصرفون في قطعان بشرية، هي في الأصل تدفع من لحمها ودمها مشقةَ الحياةِ ونكدها، وقد باركتها مقولةُ القبولِ بالقدر الذي سيق بهم إليه. إنه القدر السياسي الذي يؤمن به العوام دونما إدراك منهم لحقيقته. ثمة إذًا، صراعٌ لا ينكره نيتشه في تدبير السياسة من قِبَلِ المولعين بالرياسة. غير أنه لا يتردد

في إنكار المواقف التي أنتجتها ثقافةُ العمل السياسي الهجين للعصر التقني. لذلك، يعبر عن نزعة طبيعية في ما وراء افتراء اللغو الاحتفالي بإدارة شأن الجمهور وفقًا لديمقراطية مغشوشة. وفي هذا السياق، يقول نيتشه: "موقفنا أكثر طبيعية في السياسات politics In: إننا نرى ههنا مشاكل القوة،

(90)  Angèle Kremer–Marietti, Thèmes et structures dans l’œuvre de Nietzsche (Paris: Les cahiers des lettres modernes, 1957), p. 74.

(9((ستيبان أوديف، على دروب زرادشت، ترجمة فؤاد أيوب (دمشق: دار دمشق، 1983)، ص.69

(92)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 13, p. 145.

(9((نيتشه، نقيض المسيح، فقرة 43، ص.96 (9((نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص.190

من 'كَم'ٍّ Quantum من القوة، ضد كَمٍّ آخر. إننا لا نؤمن بحق لا يرتكز على قوة لتثبيت نفسه: إننا نبرهن على كل الحقوق بوصفها غزوات". يدافع نيتشه عن التمايز الحاصل في المجتمعات بين صنفَيْنِ من الوجود الاجتماعي للناس. أما اختلاط الرفيع منهم بالدنيء، فيفضي إلى الحط من مظاهر

الرفعة المأمولة لدى العظماء. وفي نظره: "لا يمكن أن تقوم ثقافةٌ رفيعةٌ إلا متى وُجد في المجتمع طبقتان متمايزتان: طبقة العمال وطبقة المترفين المهيأة لأفضل الترفيه؛ أو بتعبير أقوى: طبقة العمل الشاق وطبقة العمل الحر". فالأعمال الجسام موكَلة إلى رجال عظام ومقتدرين على التعامل مع البشر وعلى ممارسة السيادة عليهم وتطويعهم لخدمة مجتمع أرستقراطي. ومن ثَم، يُفْضِي الاختلاط بين الأنساب الدونية والأنساب الرفيعة وما يتبع ذلك من تعديم أخلاق الخير والشر للإيتيقا إلى نفي كلِّ "امتيازٍ، لتكون أسسُ الإيتيقا الجديدة، تلك التي تُعزى إلى مؤلفي الأنوار وفلاسفتها، قد غُربلت

وأُقصيت الواحدة تلو الأخرى". إن الاعتبار الإيتيقي القائمَ على حماية مظهر النبل والرفعة لدى خاصة الناس هو ما يستدعي الاحتجاج على توريث مظاهر الضعف والضعة المقبولة تحت عنوان المساواة، وحق الكل في التمثيل والمشاركة في الحياة السياسية. غير أن نيتشه يقصر الحق السياسي على فئةٍ مفكرة وفنانة تمرست بالشجاعة والفتوحات البطولية. فلا يُنْكِرُ على العوام بالمرة الحق في الحياة، وإنما فقط الحق في الاختلاط

بالحياة السياسية ما داموا على غير دراية بقوانينها. فالعوام لا يُحْسِنون التدبير ولا التمييز بين النافع

للحياة المجتمعية والمفسِد لها. فوَحْدهُم أهل البصيرة السياسية النافذة يُرْجَى منهم التميز السياسي.

و"لهذا السبب، في واقع الأمر، كان الإنسان المهاجم في جميع الأزمان، من حيث هو الأقوى والأشجع والأنبل، يملك أيضًا من جهته النظرة الحرة، والضمير الأنقى سريرة". ولمّا كانت أخلاق الخير والشر هي الأكثر استثمارًا سياسيًا، فإنها سرعان ما تتوافق وطموحات الكنيسة في إجلال أنفاس النكوص

العامي وأخلاقوياته. على هذا الأساس، تشكل الثقافة الكنسية سندًا حليفًا "للمضطهَدين بمختلف أصنافهم" في تجمعهم ضد رجال السياسة الأرستقراطيين. وبالنظر إلى خصوصية هذا الموقف النيتشوي المبجِّل للأرستقراطيين حكامًا وحيدين، فإن ذلك يجعل من الإنسان الذي قد تكون بصيرته السياسية أصدق من بصيرته الأخلاقية، أن يذهب إلى أن الأرستقراطية هي الحكومة المثالية، ولا أحد ينكر هذا. لكنْ هل من البديهي أن يكون اقتصار الحق في ممارسة التدبير على الأرستقراطيين نفيًا

للعدالة؟

(95)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 13, p. 132. (96)  Nietzsche, Humain, trop humain, § 439, p. 264. (97)  Jacques Domenech, L’éthique des Lumières: Les fondements de la morale dans la philosophie française du XVIII ème siècle (Paris: Vrin, 1989), p. 14.

(9((نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، فقرة 11، ص.103

(99)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 13, p. 144.

(10((ول ديورانت، قصة الفلسفة: من أفلاطون إلى جون ديوي، حياة وآراء أعاظم رجال الفلسفة في العالم، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، ط 6 (بيروت: منشورات مكتبة المعارف، 1988)، ص.549

إن إمكان العدالة بين الناس الذين هم من المعدن ذاته، هو التصور النيتشوي لإمكان القول بالإنصاف بين الناس. غير أنها عدالة في ما وراء اختبارات الديمقراطية الليبرالية لسذاجة فكر الأغلبية وعفويته. إن ما تتفرد به منظورية نيتشه السياسية، بشأن الحق الفلسفي لاستفراد أرستقراطية الفكر بالشأن السياسي، هو أن للمفكرين الممتازين تصورًا مخصوصًا للعدالة، وفي إمكانهم، في رأيه، تثبيت 'عدالة تناسبية'

justice proportionnelle بين المعادن البشرية المكوِّنة للمجتمع. فما العدالة الحق في نظره؟ يتكلم زرادشت داعيًا إلى طَرْقِ آفاق المنتظَرِ من مآلات المُقْبِل السياسي للبشرية، عسى أن تتحقق

"عدالة جديدة". وفي هذا المقام "لا نحتاج إلى معرفين ولا إلى معزمين ولا إلى مباركين لهم. ما يلزم هو عدالة جديدة! شعار جديد! وفلاسفة جدد! فالأرض الأخلاقية مستديرة شأنها شأن الأرض الأخرى! لديها كما الأخرى قطباها المتقابلان! والقطبان المتقابلان، شأننا نحن، لديهما الحق في الحياة! ثمة عالَم آخر للاكتشاف أيضًا! فاصعدوا أيها الفلاسفة إلى سفنكم"!. إلا أن التشريع للعدالة لا تقره مقولة ليبرالية مجردة تستهدف إيهام الكل بتساويهم في الحقوق والواجبات أمام قوانين الدولة والمجتمع. يقر نيتشه، خلافًا لذلك، بوجود أساس من طبيعة سيكولوجية وفيزيولوجية، وهو أساس يَلْقَى من الإجلال الإيتيقي ما يكفيه سياسيًا ليكون "أصلً للعدالة: تجد العدالة (الإنصاف) نشأتها

وسط أناس يتمتعون باقتدارٍ متساوٍ تقريبًا". إن معيار نيتشه هو الأهليةُ المفقودةُ لدى العامة المغفلة

سياسيًا؛ نتيجة تدجين الخطابة المغشوشة لها. أما الأهلية فهي ما تتوفر عليه، في المقابل، أرستقراطيةُ

أهلِ الوَجْدَيْن الفكري والفني. إنها المروءة وتقدير حقيقة التفاوت في القوى بين الناس. ثمة فرق بين

الناس في التعامل السياسي مع الحاجة إلى تدبير الشأن العام بناءً على خصوصية الرابطة بين الحاكم

والمحكوم. ومردُّ ذلك، وجود فرق بين الفعال L’actif والارتكاسي Le réactif من الناس. فالأول

مُخْلِصٌ للحق الإيتيقي الذي للحاكم في القيادة، أما الثاني فمخلص لحق الجمهور في تثبيتِ نسَبهِ

إلى التابعين بغير وجه دراية بمخاطر التبعية للمستبدين من الساسة.

خاتمة

"إن الإنسان الفاعل، المعتدي، الجائر، إنما يقف على الدوام، أقرب مئة خطوة إلى العدالة من الإنسان

الارتكاسي وما يجب عليه أن يصنع، لأن يحط من قدر موضوعه خطأً وتحيزًا". ما الخلاصة الفلسفية السياسية التي يمكننا استنتاجها من اعتبار نيتشه للديمقراطية عرَجًا سياسيًّا مردُّه

مرج الأغلبية المعتقِدة السويةَ في اختياراتها؟ مثلما يرى فرانسوا لاريال، "لا تُنْتِجُ أيّ كتابة مقاييسها

السياسية المحايثة مثل تلك التي لنيتشه". نسوق هذه الخلاصة في نتيجتيْن أساسيتَيْن استنادًا إلى

نيتشه، وثالثةٍ يدعمها موقف أحد كبار منظري الديمقراطية الحديثة:

(10((نيتشه، العلم الجذل، فقرة 289، ص.158

(102)  Nietzsche, Humain, trop humain , § 92, p. 88.

(10((نيتشه، في جنيالوجيا الأخلاق، فقرة 11، ص.103

(104)  François Laruelle, Nietzsche contre Heidegger: Thèses pour une politique nietzschéenne (Paris: Payot, 1977), p. 27.

• النتيجة الأولى متعلقة بنهج التدبير السياسي؛ إذْ يرى نيتشه أن هذا الأمر مكفول لمعدن خاص من البشر داخل المجتمع، وهو يقر في هذا السياق بأن الشأن السياسي يكاد يكون حصريًا من قبيل الأهلية

التي لأناسٍ تمرسوا بالسياسة من موقع الرفعة والاقتدار، وتداولوا على الفعل السياسي بالميراث

أو التحصيل الحياتي. فالانتساب إلى سلالةٍ بِعَيْنهَا هو مدار الأهلية المؤكدة التي للبعض دون الآخر،

"ولكن تدبير السياسة، في النهاية، هو أيضًا شأن 'وراثة': فما من مواطن عادي ينتظر أن يصير إنسانًا متمتعًا بأفق غير محدود". • النتيجة الثانية، وهي دعامة للأولى، تقوم على إنكار نيتشه للصيغة التمثيلية في البرلمانات المنتخَبة.

وذلك تبعًا لمفعولِتزوير آليات العمل الديمقراطي التي كشف عنها التأويل الجنيالوجي مما جعله

مناهضًا للديمقراطية. فضلً عما يتوفر عليه تشريع هذه الآليات المشوهة أيديولوجيًا وأخلاقيًا وماليًا

من صيغ تتيح لأهل المغانم من المطامع الجشعة التمكن من الجمهور. فلا يُنظر إلى هذا الأخير

بما هو موضوع خدمة سياسية، وإنما هو فريسة تبرر بصوتها الانتخابي حق العابثين بها مِرَاسَ جَوْرٍ

وقد تلبس بقناع الدفاع عن المغلوبين والمحرومين من الناس. وهذا ما تبيناه من خلال قول نيتشه: "على انفراد؛ البرلمانية، أي السماح الرسمي بالاختيار بين خمسة آراء سياسية أساسية، يغري العدد الكبير من أولئك الذين يحبون أن يظهَروا مستقلين ومنفردين ويدافعون عن آرائهم. إلا أنه قلما يهم

في النهاية أن يَفْرِضَ القطيعُ رأيًا واحدًا أو خمسةَ آراء مسموحة. فمن يبتعد عن الخمسة آراء الأساسية،

سيجد دائمًا القطيعَ بكامله ضده"!. • أما النتيجة الثالثة، فهي التي تكاد تكون عودًا على بدءٍ، تناسبًا مع ما ذُكر في استهلال هذا البحث

من أن روسو نفسه، وبالرغم من ازدراء نيتشه لديمقراطيته، كان قد أنكر إمكان تجسيم الديمقراطية بمقياس الدقة المفهومية، لو حاولنا التأكد من التناظر بين المفهوم في حرْفيَّته اللغوية وبين واقعه

ممارسةً. وفي هذا الغرض يقول: "لو أخذنا كلمة 'ديمقراطية' على وجه الدقة، لرأينا أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد ولن توجد أبدًا. فمما يُنافي نظام الطبيعة أن تحكم الأكثرية، وأن تُحْكم الأقلية".

) – 1527–1469(Niccolò di Bernardo dei Machiavelli ولعل روسو – شأنه شأن نيكولا ماكيافللي غير غافل عن دلالة الأرستقراطية الفكرية المحمولة على الأقلية – النخبة.

References

المراجع

العربية

أفلاطون. جمهورية أفلاطون. ترجمة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،.2004 أوديف، ستيبان. على دروب زرادشت. ترجمة فؤاد أيوب. دمشق: دار دمشق،.1983

(105)  Nietzsche, Fragments posthumes , vol. 11, pp. 185–186.

(10((نيتشه، العلم الجذل، فقرة 174، ص.134 ((10(ينظر ازدراء نيتشه لديمقراطية روسو مثلما وردت دراسة ذلك في: 178. p , Lefranc. ((10(روسو، ص.59

بلعقروز، عبد الرزاق. نيتشه ومهمة الفلسفة: قلب تراتب القيم والتأويل الجمالي للحياة. تقديم عز العرب لحكيم بناني. الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 ديورانت، ول. قصة الفلسفة: من أفلاطون إلى جون ديوي، حياة وآراء أعاظم رجال الفلسفة في العالم. ترجمة فتح الله محمد المشعشع. ط 6. بيروت: منشورات مكتبة المعارف،.1988 رانسيير، جاك. كراهية الديمقراطية. ترجمة أحمد حسان. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، روسو، جان–جاك. في العقد الاجتماعي: أو مبادئ الحق السياسي. ترجمة عمار الجلاصي وعلي الأجنف. تونس: دار المعرفة للنشر،.1980 شميت، كارل. اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين وجميل قاسم ورضا الشايبي. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993 الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. تقديم أسعد السحمراني. ط 2. بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع،.1986 نيتشه، فريدريتش. الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي. ترجمة سهيل القش. تقديم ميشال فوكو. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات،.1983 _______. العلم الجذل. ترجمة سعاد حرب. بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع،.2001 _______. ما وراء الخير والشر: تباشير فلسفة للمستقبل. ترجمة جيزيلا فالور حجار. مراجعة موسى وهبة. بيروت: دار الفارابي؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار،.2003 _______. هذا هو الإنسان. ترجمة علي مصباح. كولونيا: منشورات الجمل،.2003 _______. هكذا تكلم زرادشت: كتاب للجميع ولغير أحد. ترجمة علي مصباح. كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل،.2007 _______. في جنيالوجيا الأخلاق. ترجمة فتحي المسكيني. مراجعة محمد محجوب. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2010 _______. غسق الأوثان: أو كيف نتعاطى الفلسفة قرْعًا بالمطرقة. ترجمة علي مصباح. بيروت/ بغداد: منشورات الجمل،.2010 _______. نقيض المسيح: مقال اللعنة على المسيحية. ترجمة علي مصباح. بيروت/ بغداد: منشورات الجمل،.2011 _______. الفجر. ترجمة محمد الناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2013

الأجنبية

Astor, Dorian. Deviens ce que tu es: Pour une vie philosophique. Paris: Autrement,

Beardsworth, Richard. Nietzsche. Paris: Les belles lettres, 1997. Cioran, Emil Michel. Précis de décomposition. Paris: Gallimard, 2007. Clair, André. Éthique et humanisme: Essai sur la modernité. Paris: Cerf, 1989. De Tocqueville , Alexis. De la Démocratie en Amérique. Collection: Bouquins. Paris: Robert Laffont, 1986. Domenech, Jacques. L’éthique des Lumières: Les fondements de la morale dans la philosophie française du XVIII ème siècle. Paris: Vrin, 1989. Kremer–Marietti, Angèle. Thèmes et structures dans l’œuvre de Nietzsche. Paris: Les cahiers des lettres modernes, 1957. Krulic, Brigitte. "Nietzsche et la critique de la modernité démocratique." Archives de Philosophie: Recherches et Documentation. vol. 64, no. 2 (2001). _______. Nietzsche penseur de la hiérarchie: Pour une lecture " tocquevillienne" de Nietzsche. Collection: Ouverture philosophique. Paris: L’Harmattan, 2002. Laruelle, François. Nietzsche contre Heidegger: Thèses pour une politique nietzschéenne. Paris: Payot, 1977. Lefranc, Jean. Comprendre Nietzsche. Paris: Armand Colin, 2003. "Nietzsche. L’antisystème." Philosophie Magazine. Hors–série. vol. 26 (été 2015). Nietzsche, Friedrich. Sämtliche Werke: Kritische Studienausgabe in 15 Bänden. Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.). Munich: Deutscher Taschenbuch Verlag, 1980. _______. Fragments posthumes: Automne 1884 – automne 1885. Michel Haar & Marc Buhot De Launay (trad.). Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 11. Paris: Gallimard, 1982. _______. Ecce Homo: Wie man wird, was man ist, XIII: Der Fall Wagner– Ein Musikanten–Problem. Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.). Sämtliche Werke, Kritische Studienausgabe. 6 th ed. Berlin /New York: Deutscher Taschenbuch Verlag; München: Walter de Gruyter, 1988. _______. Humain, trop humain: Un livre pour esprits libres. Robert Rovini (trad.). Giorgio Colli & Mazzino Montinari (eds.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 3. Paris: Gallimard, 1988. _______. Fragments posthumes: Été 1872–Hiver 1873–1874. Pierre Rusch (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 2. Paris: Gallimard, 1990. _______. Le livre du philosophe: Études théorétiques. Angèle Kremer–Marietti (trad.). Paris: Garnier Flammarion, 1991. _______. Ainsi parlait Zarathoustra: Un livre qui est pour tous et qui n'est pour personne. Maurice De Gandillac (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 6. Paris: Gallimard, 2004.

._______ Crépuscule des Idoles ou Comment philosopher à coups de marteau. Jean–Claude Hémery (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 8. Paris: Gallimard,

_______. Par–delà bien et mal: Prélude d'une philosophie de l'avenir , Cornélius Heim, Isabelle Hildenbrand & Jean Gratien (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 7. Paris: Gallimard, 2006. _______. Fragments posthumes: Automne 1887–mars 1888. Pierre Klossowski & Henri–Alexis Baatsch (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol.13. Paris: Gallimard, 2006. _______. Fragments posthumes: Automne 1885 –automne 1887. Julien Hervier (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 12. Paris: Gallimard, 2007. _______. Fragments posthumes: Début 1888–début janvier 1889. Jean–Claude Hémery (trad.). Œuvres philosophiques complètes. vol. 14. Paris: Gallimard, 2008. _______. Fragments posthumes: Été 1869–Printemps 1872. Michel Haar, Philippe Lacoue–Labarthe & Jean–Luc Nancy (trad.). Œuvres philosophiques complètes, vol. 1. Paris: Gallimard, 2008. Reboul, Olivier. Nietzsche critique de Kant. Paris: PUF, 1974. Souchon, Gisèle. Nietzsche: Généalogie de l’individu. Paris: L’Harmattan, 2003. Tzitzis, Stamatios. Nietzsche et les hierarchies. Paris: L’Harmattan, 2008. Valadier, Paul. Nietzsche: Cruauté et noblesse du droit. Paris: Michalon, 1998. Wotling, Patrick. Le vocabulaire de Friedrich Nietzsche. Paris: Ellipses, 2007.