العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المراجعة الأخلاقية للبحث العلمي: الحاجة إليها وحدودها الأخلاقية في السياق العربي

المراجعة الأخلاقية للبحث العلمي: الحاجة إليها وحدودها الأخلاقية في السياق العربي

Research Ethics Review: Its Need and Ethical Limitations in the Arab Context

مضر قسي س *

Mudar Kassis *

ماهر الحشوة **

Maher Hashweh **

ريتا جقمان ***

Rita Giacaman ***

الملخّص

تسعى هذه الدراسة لتوسيع النقاش حول ضرورة إيجاد تنشئة سياقية عربية مستقلة لمنظومة أخلاق البحث العلمي، تتلاءم وتطلعات المجتمعات في العالم العربي وأولوياتها المعرفية. وتدافع الدراسة عن الحاجة إلى إنشاء منظومة سياقية تُجنب العبء الاستعماري والمركزية الأوروبية، وتنطلق نحو منظومة أخلاقية تشكل مكونًا عضويًا في العلم تضمن قيام عملية إنتاج المعرفة بخدمة المجتمع والإنسانية، وتتجاوز علاقات الهيمنة التي لا تزال تكبل إنتاج المعرفة في العالم العربي. كما تعمد إلى الدفاع عن تصورٍ تغدو الممارسة الأخلاقية في العلم، بموجبه، ممارسة عقلانية، قادرة على حفظ الكرامة الإنسانية، وصون الحرية والعدالة. وتدمج الدراسة نقاش هذه القضايا بنقاش عمليات المراجعة الأخلاقية التي تفرضها أخلاق البحث العلمي، وتناقش أهمية المراجعة الذاتية ومركزيتها، والحاجة إلى المراجعة المستقلة والممأسسة. وتعالج التوترات المفاهيمية والعملية المرتبطة بها، والإجراءات والقيود، والشروط، والمحاذير المرتبطة بهذه العملية.

Abstract

Associate Professor at the Department of Philosophy and Director of Muwatin Institute for Democracy and Human Rights at Birzeit University. mkassis@birzeit.edu

Professor at the Department of Education at Birzeit University. mhashweh@birzeit.edu

Professor at the Institute of Community and Public Health, Birzeit University. rita@birzeit.edu

الكلمات المفتاحية:
  • أخلاق البحث العلمي
  • المراجعة الأخلاقية
  • تعلم أخلاق البحث
  • العالم العربي
  • لجان المراجعة الأخلاقية
Keywords:
  • Research Ethics
  • Ethical Review
  • Learning Research Ethics
  • the Arab World
  • Research Ethics Boards (Committees)

المرتبطة بهذه العملية.

العربي، لجان المراجعة الأخلاقية.

المعرفة بخدمة المجتمع والإنسانية، وتتجاوز علاقات الهيمنة التي لا تزال تكبل إنتاج المعرفة

في العالم العربي. كما تعمد إلى الدفاع عن تصورٍ تغدو الممارسة الأخلاقية في العلم، بموجبه، ممارسة عقلانية، قادرة على حفظ الكرامة الإنسانية، وصون الحرية والعدالة. وتدمج الدراسة نقاش هذه القضايا بنقاش عمليات المراجعة الأخلاقية التي تفرضها أخاق البحث العلمي، وتناقش أهمية المراجعة الذاتية ومركزيتها، والحاجة إلى المراجعة المستقلة والممأسسة. وتعالج التوترات المفاهيمية والعملية المرتبطة بها، والإجراءات والقيود، والشروط، والمحاذير

Abstract: This paper aims to broaden the discussion on the need to develop a context–sensitive research ethics system in the Arab World which can respond to the hopes and aspirations of Arab societies and their epistemological priorities. It defends the position that such a system should be locally and contextually nourished in order to avoid the burdens of colonial and Eurocentric traditions. It launches an effort to establish a research ethics tradition which is designed to be an organic component of science, a tradition which will ensure that the knowledge production process serves society and humanity, and transcends the hegemonic relations that continue to hinder the production of knowledge in the Arab World. Such an ethics system will put in place a rational practice that protects human dignity, freedom, and justice. The paper combines discussion of the aforementioned issues with a discussion of the review processes that research ethics requires. It focuses on the importance and centrality of self–review, and the need for independent institutionalized review. It also addresses the conceptual and practical tensions, limitations, conditions, and fears that accompany this process, and related procedures.

مقدمة

تزداد عملية المراجعة الأخلاقية، التي تمارسها لجان المراجعة في الجامعات والمؤسسات البحثية، انتشارًا في الآونة الأخيرة؛ لأنها أضحت شرطًا للقيام بأبحاث مع مشاركين في بعض الدول

والمؤسسات العلمية منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم صارت شرطًا لنشر نتائج الأبحاث في بعض المجلات العلمية وبعض دور النشر، كما ازدهرت في الجامعات واحتكمت إليها دول من مشارب شتى وأصبحت إجراءً قياسيًا. ثم إن قضايا العلم تشعبت، وتطورت التكنولوجيا، وأدى تطورها إلى

ازدياد المخاطر الأخلاقية، حتى بلغت من الأهمية درجة تتطلب الالتفات إليها على نحوٍ خاص. وصار موضوع أخلاق البحث العلمي يكتسب أهمية متزايدة في المجتمع الأكاديمي، إلى درجة بات معها ممكنًا الافتراض "أننا متفقون مسبقًا على تنقية المناهج العلمية وتقنياتها من التجاوزات الأخلاقية أثناء استخدامها، ولا سيما في مجال التجارب على البشر". لكنّ تطوّر موضوع أخلاق البحث العلمي

ما زال في طوره الجنيني في العالم العربي. تتجه الجامعات ومراكز الأبحاث العربية نحو استحداث وتطوير لآليات المراجعة الأخلاقية، وهي تواجه في هذه العملية أسئلة صعبة حول أمور من قبيل: ماهية الأخلاق التي يجب أن تستند إليها وتحميها عمليات المراجعة، والمواءمة بين عالمية القيم الأخلاقية وارتباطها بطبيعة المجتمعات الإنسانية وتجلياتها المختلفة في المجتمعات ذات الثقافات والمنظومات القيمية المتنوعة. ويعبّر أيضًا

(((من أبرز هذه الخطوات قيام الجمعية العمومية للرابطة الطبية العالمية بتبني تعديل على إعلان هلسنكي سنة 1975، ينص على ضرورة الحصول على ردة فعل من لجنة مستقلة تقوم بالنظر في كل بحث يشمل تجارب على البشر، والتعليق عليه، والإرشاد بشأنه. يمكن الاطلاع على نص إعلان هلسنكي Helsinki of Declaration (نسخة 1975:)، في https://bit.ly/3dLtrTE (((عزمي بشارة، "في أولوية الفهم على المنهج"، تبين، مج  8، العدد 03 (خريف 2019)، ص.23

الكثير من المفكرين، خاصة في مجالات العلوم الاجتماعية، عن قلقهم من إمكانية تحول عمليات المراجعة الأخلاقية إلى آلية إضافية لإقصاء وتهميش وجهات النظر والمقاربات المعرفية التي لا تروق لحرس المعرفة، إن صح هذا التعبير، ومن تحول لجان المراجعة الأخلاقية في المؤسسات العلمية (المؤسسات التي تنتج المعرفة العلمية، وتعمل على تأهيل منتجي المعرفة) إلى ما يُشبه شرطة أخلاق Morality Police تسهر على رعاية مصالح البلاط الأكاديمي أو السياسي. وللمساهمة في نقاش هذه القضايا، تقدم هذه الدراسة رؤية تبلورت وشُح ذت في خضم عمل فريق الباحثين على تطوير منصة تخدم قضايا أخلاق البحث العلمي في العالم العربي، جارٍ العمل على تأسيسها في جامعة بيرزيت ضمن مشروع تقوم به مبادرة كرامة Karama Initiative. وهي إحدى المبادرات التي يستضيفها معهد "مواطن" للديمقراطية وحقوق الإنسان في الجامعة، وتسعى لتطوير إنتاج المعرفة متداخل الحقول، والذي من شأنه المساهمة في صون كرامة البشر، وترسيخ قيم العدالة والمساواة.

أولا: منظومة أخلاق بحث علمي عربية

تشكل هذه الدراسة مسعى لتوسيع النقاش حول القضايا المشار إليها؛ بغية الوقوف على منظومة أخلاقية للبحث العلمي تلائم تطلعات المجتمعات في العالم العربي وآمالها وأولوياتها المعرفية. هناك تصورات متنوعة مستخدمة في عمليات مراجعة أخلاق البحث العلمي وتحديد السلوك البحثي، وتوجد وفرة من الأدبيات حول موضوع أخلاق البحث العلمي والقضايا المتعلقة به، فضلً عن الأدبيات في مجال الأخلاق. وفي الوقت الذي نعتقد فيه أهمية السجال مع هذه الأدبيات التي اتخذت غالبيتها طابعًا "حداثيًا" مركزيًا أوروبيًا، أو منتميًا إلى دراسات التابعSubaltern Studies، فإننا في هذه الدراسة لا نزمع الخوض في هذا السجال. ويعود ذلك إلى الاقتناع بإمكانية التأسيس المستقل نسبيًا لموضوع أخلاق البحث العلمي بالانطلاق من واقع العالم العربي وليس من منطلق تطبيق التصور الحداثي الغربي الدارج واستعارته في العالم العربي أو تبيئته الإقليمية. ما نرمي إليه هو تنشئة منظومة فكرية وقيمية عربية لأخلاق البحث العلمي، بدلً من احتضان وتحوير (وحتى توطين) المنظومة التي نشأت في بيئة تتبنى مجتمعاتها ومؤسساتها منظومات قيمية غير متطابقة مع تلك السائدة في العالم العربي. ورغم أن التقاطعات بين المنظومات القيمية الإنسانية كبيرة وواسعة، ورغم اقتناع فريق الباحثين المنجزين لهذه الدراسة بمركزية العقلانية في كل ما يخص العلم، بما في ذلك أخلاقه، فإن هناك أيضًا إجماعًا على تخصيص تطبيق المبادئ العالمية في السياقات الثقافية والسياسية

(((يُنظر: "مبادرة كرامة"، جامعة بيرزيت، شوهد في 2021/9/29، في: https://bit.ly/3f6ipZe (((الهدف من وراء هذا الضرب من الدراسات هو بسط وتقديم قراءة تاريخية ترتكز في جوهرها على صوت المهمشين أو التابعين في المجتمعات كاستعاضة عن وجهة المثقفين ورؤيتهم. وتعود أصول هذا اللون من الدراسات إلى مطلع الثمانينيات على يد جماعة من الباحثين الهنود.

بطرائق وقواعد مختلفة. ونعتقد أن هناك عددًا من الاختلافات الجوهرية يجعل من الضروري تطوير

منظومة قيمية أخلاقية علمية عربية تساجل مثيلاتها بدلً من النشوء كنسخة معدلة عنها عن طريق إنشاء حاضنات محلية لمنظومات مقتبسة من سياقات اجتماعية أخرى، حتى لو جرى قلبُها. وترتبط

الحاجة إلى التنشئة السياقية العربية بقضايا جوهرية في صميم المنظومة الأخلاقية، من قبيل قيمة

الفرد مقارنةً بقيمة الجماعة (المجتمع)، وضرورة مكافحة الإرث الاستعماري في العالم العربي، الذي تغلغل في بنى إنتاج المعرفة بما في ذلك العلوم وأخلاق البحث العلمي. وترتبط أيضًا الحاجة إلى

التنشئة السياقية العربية بوجود تصورات مختلفة عن الحرية في العالم العربي مقارنةً بمناطق أخرى. هناك ثلاثة أسباب جديرة بأن تؤخذ في الحسبان، تدعم الاقتناع بضرورة تنشئة سياقية عربية مستقلة نسبيًا، ولو بصورة مؤقتة، لأخلاق البحث العلمي. يرتبط السبب الأول بكون الممارسات الدارجة في

المجتمع العلمي حاليًا تشهد في كثير من الحالات عرضًا لما هو حداثي أو غربي أو ليبرالي على أنه

عالمي. أما السبب الثاني، فينبع من التجربة العملية التي تشير إلى أن بعضًا من عناصر المقاربات الدارجة في مناطق ومدارس أخرى تخلق أحيانًا قيودًا وتناقضات يمكن تلافيها؛ إذ إنها ليست ضرورة،

وليست ذات جدوى للمجتمعات والجماعات والأفراد في العالم العربي. ويتعلق السبب الثالث بعدم وجود منظومة راسخة لأخلاق البحث العلمي في العالم العربي، وبالمفاضلة بين تنشئة وترسيخ منظومة مناسبة للسياق العربي واستجلاب منظومة جاهزة والعمل على توطينها. ولمختلف الأسباب الواردة، وغيرها مما سيتم التطرق إليه في سياق هذا النص، تكتسب أخلاق البحث العلمي مكانة خاصة في الدول التي رزحت تحت الاستعمار، وتلك التي نُهبت ثرواتها، والتي تعاني الاستعمار الجديد. كما تؤدي أخلاق البحث العلمي دورًا مهمًا في توجيه عملية إنتاج المعرفة نحو

العدالة والمساواة والحرية. لذلك، فإن السؤال المنهجي، المتعلق بشروط ومواصفات عملية التنشئة السياقية العربية لمنظومة أخلاق بحث علمي، يكمن في معالجة التوتر بين ما هو عالمي في مبادئ أخلاق البحث العلمي، ويمكن أن ينتمي إلى المنظومة المعرفية العلمية العالمية، وإلى ما هو عمومي في الإنسانية، وبين ما هو انعكاس لعملية إضفاء طابع العالمية على كل ما هو غربي، ولكنه لا يتوافق مع السياق العربي من حيث تطلعات المجتمعات العربية. ولمقاربة هذا السؤال، سنمسّ المفاصل الرئيسة لأخلاق

البحث العلمي، ونؤكد مبادئها العالمية، ونشدد على سياقية قواعد تطبيقها، وعلى ضرورة تقييد عملها في حدود الحاجة المجتمعية.

المنهجية والأدوات المفاهيمية

استند فريق الباحثين، الذي يمتلك تجارب متنوعة في البحث العلمي، وفي عمليات المراجعة الأخلاقية، في كتابة هذا النص، إلى حوار على مدى عدد من الأشهر، مكنهم من معالجة القضايا التي تطرقها الدراسة بالاعتماد على المنطق والتجربة. وقد كشف دمج التجربة مع النقاشات الجماعية، واستخدام المناظير

(((حول أثر الفروقات الثقافية في تطبيقات أخلاق البحث العلمي، يُنظر مثلً:

Silvia Mulder et al., "Unethical Ethics? Reflection on Intercultural Research Practices," Reproductive Health Matters , vol. 8, no. 15 (May 2000), pp. 104–112.

المتنوعة فكريًا، والمنبثقة عن الخبرة العملية في حقول معرفية مختلفة، عن معضلات وتحديات عديدة تواجه تطبيق مبادئ وأطر مراجعة أخلاق البحث العلمي التي تطورت إلى حد كبير في الدول الغربية. أما الأدوات المفاهيمية المستخدمة في المعالجة، فيمكن وصفها بالتي تبحث عن الوسط بين الحرية والواجب (حرية الباحث وواجبه إزاء المجتمع والإنسانية)، وبين العالمي والمحلي، وبين القطعي والظني، وبين الانصياع للقواعد الآمرة وإحكام العقل، وبين الآني والمستقبلي، وبين الاستقلال واحترام الآخر. وتتخذ منهجية نقاش هذه القضايا التموضع الاجتماعي العربي (بتاريخه وجغرافيته) مرجعًا في حسم التوتر بين المتضادات المشار إليها، بما يبتعد عن تأطير الباحث من جهة أولى، وضمان العقلانية العلمية من جهة ثانية، والحفاظ على استقلال الباحث من جهة ثالثة، والحفاظ على الهوية بذلك القدر الذي لا يضع الباحث في موضع التضحية بالعام في سبيل الخاص، وصون ذاتية الباحث والمشارك في البحث من دون التضحية بموضوعية البحث أو نتائجه. وتتسم المنهجية المستخدمة في هذه الدراسة بكونها لا تنتمي إلى حقل معرفي بعينه، وبكونها تنحو منحى فلسفة التطبيق العملي Praxis. سنعرض، باقتضاب، المفاهيم الرئيسة التي تشكل ركيزة لنقاش قضايا أخلاق البحث العلمي، ونتطرق إلى عملية المراجعة الأخلاقية، من حيث طبيعة القضايا التي تعالجها أخلاق البحث العلمي، ومفهوم الأخلاق في سياق البحث العلمي، وجوانب ومفاصل العملية البحثية التي تتوقف المراجعة الأخلاقية عندها. كما سنناقش الحاجة إلى لجان أخلاق البحث العلمي في المؤسسات العلمية بصفتها مُراجِعًا مستقلً عن الباحث، يقتصر تدخله على المراجعة القبلية (السابقة لعملية تنفيذ البحث)، وتبعات ومخاطر إخضاع الأخلاق للمعالجة البيروقراطية، والآليات والقيود المستخدمة (أو الواجب استخدامها) لتجنب هذه المخاطر. كما أسلفنا، تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في تنشئة عربية لأخلاق البحث العلمي تؤسس للمراجعة الأخلاقية للأبحاث، وتبين حدودها الأخلاقية. ولا يعني هذا تنشئة منظومة أخلاقية انعزالية أو استثنائية، بل محاولة للإجابة عن السؤال: ماذا ستكون عليه هذه المنظومة لو أنها نشأت في العالم العربي؟

ثانيًا: تاريخ عملية تحول الأخلاق إلى مكون عضوي في المنظومة العلمية

يعود نشوء معايير ومبادئ لأخلاق البحث على الأقل إلى القرن التاسع عشر، حيث نشأت التزامات مهنية طبية وقيود على الممارسة الطبية في أماكن مختلفة، كان من أشهرها كتاب مدخل إلى دراسة

الطب التجريبي An Introduction to the Study of Experimental Medicine)1957(، للطبيب

والنفساني الفرنسي كلود برنارد Bernard Claude (1878–1813) الذي أشار إلى ضرورة الامتناع عن إجراء التجارب على المرضى، إلا حين يكون ذلك في صالحهم بوضوح، وأشار إلى ضرورة قيام الطبيب بإجراء التجارب على نفسه أولً. وقد تلت ذلك، في نهاية القرن التاسع عشر وفي الثلث الأول

(6)  Claude Bernard, An Introduction to the Study of Experimental Medicine (New York: Dover Publications, 1957).

من القرن العشرين، إشارات وقرارات تفيد بضرورة الحصول على موافقة المريض قبل إجراء التجارب عليه، وإلى مسؤولية الطبيب عما يجري في عيادته، وما يشبه ذلك في النرويج، وألمانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وبروسيا. بيد أن إعلان مبادئ نيورمبرغ Principles Nuremberg كان الأول الذي أضفى طابعًا عالميًا على هذه المبادئ. ومن اللافت وجود بعض أوجه الشبه بين تطور آليات

كبح الحروب والدمار والتسلح، وتطور متطلبات أخلاق البحث العلمي. فالنظام الدولي المعاصر نشأ بعد الحرب العالمية الثانية للحد من إمكانية تكرارها، وتشكلت منظومة أخلاق البحث العلمي في ذات السياق في تزامن مع صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان Human of Declaration Universal Rights (1948)، على سبيل المثال، وتزامن تبني إعلان هلسنكيHelsinki of Declaration حول مبادئ أخلاق البحث العلمي في الأبحاث الطبية على البشر (1964) مع توقيع أول اتفاقية للحد من تجارب السلاح النووي بين ثلاثٍ من الدول العظمى (1963)، تحت ضغط شعبي عالمي عارم. اقتصرت عمليات المراجعة الأخلاقية الممأسسة للأبحاث العلمية، فترة طويلة، على مجالات علمية محددة، مثل العلوم الطبية والدوائية؛ نتيجة للطريقة التي نشأت فيها ممارسة المراجعة الأخلاقية ردةَ فعل على الصورة غير الإنسانية للكثير من ممارسات العلماء التي تكشّفت خلال محاكمات نيورمبرغ لمجرمي النازية التي تلت الحرب العالمية الثانية، وشملت محاكمة 23 طبيبًا ومسؤولً لارتكابهم

جرائم حرب، خلال قيامهم بأبحاث طبية. إلا أن نطاق عمليات المراجعة توسع مع مرور الوقت؛ ليشمل غالبية الحقول المعرفية. ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة، ليس آخرها الانتقادات التي وجهت إلى محاكمات نيورمبرغ نفسها. ومن بين هذه الأسباب: الطريقة التي جرى بها التأريخ للجرائم المرتكبة على أيدي علماء قاموا بتجارب غير إنسانية، والتي اقتصر عرضها على النموذج النازي، على الرغم من وجود تجارب علمية غير إنسانية قبل نشوء النازية، وغير مقتصرة على ألمانيا. ولكن فظاعة الجرائم المرتكبة تحت مظلة النظام النازي، والتي سعت لتحقيق الرؤية الفاشية لهذا النظام وأهدافه، أدت إلى قبول عام لاستخدامها مثالً ساطعًا على الممارسات التي يجدر بالعلم وبالعلماء تفاديها. هكذا اتضح أنه من الضروري إجراء مراجعة أخلاقية لعملية التأريخ، وعملية المحاكمة، وآليات فرض سيادة القانون، وغيرها. وباتت واضحةً ضرورةُ توسيع نطاق المراجعة الأخلاقية إلى حقول غير تلك التي تم اكتشاف الجرائم الأخلاقية للعلماء من خلالها، وما ارتبط بها مباشرة.

(((لاستعراض تاريخ تطور عناصر المراجعة الأخلاقية للبحث العلمي يُنظر:

Knut W. Ruyter, "The History of Research Ethics," The Norwigian National Research Ethics Commmittees, 3/12/2019, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3vAYvfg

(((هي البنود الأساسية التي وضعتها الأمم المتحدة (لجنة القانون الدولي فيها)، من أجل تحديد ما يُمثل جريمة حرب.

(9)  The World Medical Association, Wma Declaration Of Helsinki – Ethical Principles For Medical Research Involving Human Subjects (Ferney–Voltaire: 9/7/2018), accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/2r86hvg (10)  "Nuclear Test–Ban Treaty," History , 9/11/2009, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/2S3aALD (11)  "The Nuremberg Code (1947)," British Medical Journal , vol. 313, no. 7070 (December 1996), accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/2ZJlr0T (12)  Major Dan, "December 9, 1946: Nuremberg Nazi 'Doctors' Trials," History & Headlines, 9/12/2013, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3i9bD7w

وجاءت النقاشات بين العلماء المشاركين في مشروع مانهاتن Project Manhattan لإنتاج القنبلة النووية، حول الجوانب الأخلاقية للمشروع وتبعاته، بعد ضرب مدينتي هيروشيما وناغازاكي؛ لتشكل دافعًا لتوسيع نطاق قضايا أخلاق البحث العلمي إلى مجال أوسع من الأبحاث الطبية. وتجسد القلق الأخلاقي عبر مبادرات عدد من العلماء، كان أبرزها ما عُرف ببيان رسل – أينشتاين Russell–Einstein Manifesto (1955)، والذي تأسست على إثره منظمة باجواش Pugwash (1957)، والتي أدّت دورًا في توسيع نطاق عمل مفهوم أخلاق البحث العلمي. ومن الأمور التي كانت دافعة لتوسيع نطاق المراجعة الأخلاقية: ازدهار الأبحاث متداخلة الحقول، وتلاقح مناهج الحقول المعرفية المختلفة أو ما يعرف ب "استعارة المناهج"، وإقبال حقول المعرفة كافة على استحداث تطبيقات للمعرفة العلمية لها آثار مباشرة في حياة الناس، وتطور حقول معرفية تدرس تاريخ العلوم وفلسفتها، ونشوء وتطور المدارس النقدية في شتى العلوم، بما في ذلك فلسفة العلوم وتاريخها، وخصوصًا ما بات يعرف بالنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت School Frankfurt The.

وقد ساهمت كلها في إظهار آفات كثيرة في آليات إنتاج المعرفة العلمية وفي أهدافها. فلم يكن من المتوقع، على سبيل المثال، أن تحتاج مشاريع إنشاء القواميس اللغوية إلى مراجعة أخلاقية، بيد أن مجموعة من المباحث التي تنتمي إلى الدراسات النقدية، لفتت النظر إلى أن معاني الكلمات ليست حقائق مُسلّمًا بها، وأنها تخفي وراءها أيديولوجيات استُخدِمت في تزوير التاريخ، وخلق

الوعي الزائف، على نحو متعمد أحيانًا، وحملت في طياتها انحيازات تعكس التمييز والتعالي العرقي، والطبقي، والذكوري، وغيرها من أدوات تبرير وتعزيز عدم المساواة بين الناس. فبات من الضروري أن نفحص ذلك في كل مرة؛ لنتأكد من تخلصنا من هذا الإرث السلبي الذي رافق المؤسسة العلمية، والذي لا يتوافق مع التصور القائل بضرورة أن يخدم العلمُ الإنسانيةَ.

(13)  Paul Ham, "As Hiroshima Smouldered, Our Atom Bomb Scientists Suffered Remorse," Newsweek , 8/5/2015, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3uBWoX9 (14)  "London launch of the Russell–Einstein Manifesto," Pugwash Conferences on Science and World Affairs, 9/7/1955, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3yPPAZn. (15)  "About Pugwash," Pugwash Conferences on Science and World Affairs , accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/2SICSeC

((1(يمكن الافتراض أن نقاش ماكس فيبر Weber Max (1920–1864) النقدي لمبدأ "الحياد الأخلاقي"، كان منطلقًا لا يستهان به في توسيع رقعة النقاش الأخلاقي لتصل إلى العلوم الاجتماعية. يمكن الرجوع إلى موقف فيبر في مقالته "معنى 'الحياد الأخلاقي' في علم الاجتماع والاقتصاد"، في:

Max Weber, The Methodology of Social Sciences , Edward A. SHILS & Henry A. Finch (trans.) (Glencoe, IL: The Free Press, 1949), pp. 1–47.

((1(لنقاش مقتضب حول قضايا أخلاق البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانيات يمكن الرجوع إلى:

Helene Ingierd, "The Social Sciences, the Humanities, Law and Theology," The Norwigian National Research Ethics Commmittees, 3/12/2019, accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3fA56B8

((1(يشار هنا إلى اتجاهات مختلفة مثل دراسات ما بعد الكولونيالية التي تُعنى جزئيًا بآليات الاستعمار الجديد واحتياجات

الاستقلال الوطني الفعلي، ونقد الاستشراق الذي كشف النقاب، من بين أمور أخرى، عن تسخير المعرفة لأهداف استعمارية، ودراسات التابع، التي شكلت محاولة لمواجهة الاستشراق، وغيرها من المدارس النقدية التي انبثقت بطرائق مختلفة من تشعبات الماركسية، التي وجهت نقدًا صارخًا إلى النظام الرأسمالي المهيمن في العصر الحديث الذي ازدهرت فيه العلوم المعاصرة.

حملت الحداثة في طياتها الازدهار وتقدم المعرفة والعلوم من جهة، والهيمنة والعنصرية وتدمير الطبيعة من جهة أخرى. فقد اكتسى هذا العصر بنمط من تسخير العلم لأهداف استعمارية، ولأهداف استغلال الشعوب للسيطرة عليها، وما يتصل بذلك من الدمار، والتحايل، والتجسس، وغير ذلك. وقد برهنت الدراسات النقدية على وجود علاقة راسخة بين وجهي الحداثة، وأن مستقبل البشرية بات محفوفًا بالمخاطر، وأن العلوم متورطة في هذه المخاطر من جهة، وهي السبيل إلى درئها من جهة أخرى. فكما يقول إدوارد سعيد (2003–1935): "ليست الإمبريالية ولا الاستعمار مجرد عملية تراكم واكتساب. كلاهما مدعوم وربما مدفوع من تشكيلات أيديولوجية لا يستهان بها، تتضمن تصورات حول كون بعض المناطق والشعوب تتطلب الهيمنة وتتوسل من أجلها، وترافق هذه التصورات أشكال للمعرفة مرتبطة بالهيمنة". وتشكل أخلاق البحث العلمي إحدى الأدوات التي تمكننا من المفاضلة بين المخاطر ودرئها، وهي بذلك تُعَدّ عنصرًا منهجيًا تحرريًا في المنظومة العلمية المعاصرة.

ثالثًا: ما أخلاق البحث العلمي؟

في الإمكان تعريف أخلاق البحث العلمي بأنها "مجموع المعايير الأخلاقية التي ينجم عن انتهاكها أثناء ممارسة البحث العلمي خطرٌ على البشر أو على بيئتهم". ويمكن فهم هذا الخطر بأنه كل ما من شأنه أن يحدث تغييرًا يخل بالوحدة والاتساق العضويين للإنسان ولمتطلبات صون حياته ووجدانه في مجتمعه وبيئته. ويمكن أن تتعلق المتطلبات التي يجب الحفاظ على استقامتها بصحة الإنسان البدنية والنفسية، والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الضرورية لحياته، ورفاهه. ولا تقتصر أهمية الالتزام بهذه القضايا الأخلاقية على درء الخطر، بل يمثّل هذا الالتزام بوصلة تدفع البحث العلمي في اتجاه تعظيم فائدة إنتاج المعرفة العلمية للمجتمع ومكوناته. وتكتسب أخلاق البحث العلمي أهمية استثنائية لارتباطها بالعلم، ولأنها صارت جزءًا منه، وشرطًا لمأسسته، وذلك لعدة أسباب: 1. أن الآثار المترتبة على الممارسة العلمية تشمل فئات واسعة من الناس، وقد يكون لها آثار في الطبيعة، وهي في نهاية الأمر تلحق البشرية كلها وبيئتها. ومن ثم، فإن تجاوز التزامها بالمبادئ الأخلاقية يشكّل خطرًا على البشرية. 2. لأن تجاوز أخلاق البحث العملي يمكن أن يُفقد المجتمع ثقته بالعلم، فالمجتمع ينظر إلى العلم

بارتباطه بالمؤسسة العلمية ذات الأثر الكبير في حياة المجتمع المعاصر، ويعتبرها مصدرًا موثوقًا

للارتكاز إليه في القرارات التي يأخذها الناس، وعليها أن تكون جديرة بالثقة..3 لأن العلم قادر على خدمة مختلف أنواع الأهداف. ولا شك في أنه من الصعب، في المرحلة التاريخية التي يعيشها العالم اليوم، ضمان عدم تحول المعرفة العلمية إلى سلعة يجري إنتاجها وتكييفها، بحسب رغبات أولئك القادرين على دفع ثمنها؛ ما يجعل من عملية الإنتاج المعرفي عملية

(19)  Edward W. Said, Culture and Imperialism (New York: Vintage Books, 1994), p. 9.

خطرة على المجتمع. وهذا الخطر قد يضاهي خطر المرتزقة، وخطر الاستبداد. ولذلك تنشأ حاجة إلى ضبط البحث العلمي بمعايير أخلاقية..4 لأن استقلال العلم، والحاجة إلى الحفاظ على هذا الاستقلال، يعنيان أن تكون ضوابط البحث العلمي وقيوده داخلية، أي ممأسسة داخل المنظومة العلمية، وأن تكون جزءًا من قيمها. فاستقلال

المؤسسة العلمية عن السلطات المختلفة وعلاقات القوة، والسمو المعرفي للعاملين في المؤسسة العلمية، يجعلان من ضمائر العاملين فيها، ومن مناهجها، الآلية الرئيسة لضمان قيام هذه المؤسسة بوظيفتها. فالرقابة الخارجية تضر بها، وهي أصلً غير ممكنة. وينتج من ذلك ضرورة التأكد من احتواء المنظومة العلمية على ضوابط أخلاقية داخلية. هناك تداخل بين المنظومات القيمية غير المادية المختلفة المستخدمة في المجتمعات، علمًا أنها

جميعها تعمل على تقييد جزء من نشاط الناس الفكري والعملي. فإلى جانب الأخلاق، هناك القانون، والدين، وآداب التصرف، والعادات والتقاليد، والمعتقدات المختلفة، وكلها تتقاطع، وتقاطعاتها كثيرة، ويجري الخلط بينها في كثير من الأحيان. عادة ما يتم التركيز على توافق المنظومات القيمية على الكثير من القضايا، إلا أننا في حالات كثيرة نجد أن هذا التوافق غير تام، بل إن هذه المنظومات قد يقف بعضها على النقيض من بعض، أحيانًا. ففي حين أن التوافق على تقييم فعل السرقة مثلً هو توافق تام، فهذا الفعل مخالف للقانون ومنافٍ للعادات والتقاليد، ومخالف لآداب التصرف، ومحرم في الأديان وغير أخلاقي؛ نجد أن التوافق حول أفعال مثل القتل والربح الفاحش هو توافق غير تام. فالقتل، والربح الفاحش مشروعان قانونًا في بعض الأحيان، إلا أنهما فعلان غير أخلاقيين بالنسبة إلى الكثيرين. وفي حين يحمي القانون الملكية المادية أو الفكرية، فهناك من يعتقد أن الالتزام بهذا القانون غير أخلاقي إذا ما كانت الملكية تحجب المعرفة عن الدارسين (في حال الملكية الفكرية)، أو تحرم العطشى أو المزارعين من المياه (في حالة ملكية بئر ماء).

((2(توجد نقاشات كثيرة حول ماهية استقلال العلم، وقد تناولها الكثير من المفكرين والمهتمين بفلسفة العلوم. وفي حين قامت التصورات الدارجة فترة طويلة نسبيًا على استنباط ارتباط استقلال العلم من "نقائه" (كارل بوبر Popper Karl 1994–1902 على سبيل

المثال)، فقد تطورت هذه التصورات لتناقش نسبية الاستقلال، وخروج انطباقه على خارج نطاق العلوم البحتة. وفي مرحلة لاحقة، بدأ هذا النقاش يشمل ربط عقلانية العلم وأخلاقيته، واستخلاص قيمه الأخلاقية من داخله. للاطلاع على أحد النقاشات المبكرة نسبيًا لهذه القضية يمكن الرجوع إلى:

James C. Gaa, "Moral Autonomy and the Rationality of Science," Philosophy of Science , vol. 44, no. 4 (December 1977), pp. 513–541.

((2(تجدر الإشارة إلى أن الطبيعة الداخلية Intrinsic للضوابط الأخلاقية للعلم، لا تحجب الوقع الخارجي لهذه الضوابط الداخلية على أثر العلم خارج مؤسسته. لنقاش موسع حول القيم والعلم يمكن الرجوع إلى:

Larry Laudan, Science and Values: The Aims of Science and their Role in Scientfic Debate (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1984).

((2(لنقاش رؤية الشعوب الأصلانية للقانون في إطار أخلاق البحث، يمكن الاطلاع على:

Linda Tuhiwai Smith, Decolonizing Methodologies: Research and Indigenous Peoples , 2 nd ed. (London: Zed Books,

وتنشأ من هذا التنوع والاختلاف معضلات لدى كثيرين، عند اتخاذ قرارات بشأن أمور مختلفة. فيلجأ الناس إلى تفضيلات متباينة، عند اختيارهم المنظومة القيمية التي يعتمدون في قراراتهم، وتكون خياراتهم خيارات ذاتية (فردية، أو شخصية، أو عائلية، وما شابه)، ولا يُتوقع أن تتسم خياراتهم بالموضوعية؛ فهي قرارات ذاتية يطبقها أصحابها ويتحملون بصفة ذاتية تبعاتها، وتختلف أيضًا باختلاف الأشخاص. ولكن ذاتية القرارات لا تعفي أصحابها من إدراك المسؤولية تجاه الآخرين والطبيعة (التي غالبًا ما يتم التعبير عنها بعبارات من نوع "لا تعامل غيرك بما لا تقبل أن يعاملوك به"، ومن قبيل: "يكون

فعلك أخلاقيًا إذا وافقتَ أن يقوم الناس جميعهم بالفعل نفسه"). فما الأخلاق التي نتحدث عنها حين نتحدث عن أخلاق البحث العلمي؟ يمكن النظر إلى المنظومات القيمية غير المادية ضمن تصنيف يشمل أربعة أنواع، كما في الجدول (1). وتتوزع المنظومات القيمية المختلفة بين نوع أو أكثر من الأنواع الأربعة، وتتقاطع أحيانًا. الجدول (1) أنواع المنظومات القيمية من حيث شموليتها وآليات عملها تعمل بوازع ذاتي (آليات داخلية)

تعمل بآليات خارجية

تعمل بوازع ذاتي (آليات داخلية)تعمل بآليات خارجية
كلية (مبادئ يمكن لكل
األبشر الإجماع عليها)
الأخلاق (((2القانون
جزئية (مبادئ فردية
أو خاصة بفئة محددة من
اإلناس)
المعتقدات الضميرية (مثل اللاعنف،
أو النباتية، وغيرها)
الإيمان الديني والانتماء الوطني
وما شابه ذلك
الدين
آداب التصرف
العادات والتقاليد
قواعد السلوك المهني

المصدر: من إعداد الباحثين.

يتضح أنه من غير الممكن استخدام المعايير الجزئية، ولا المعايير التي تعمل بآلية خارجية، في الحكم على نجاعة أهداف المعرفة العلمية والبحث العلمي وجدواها. فالمعايير الجزئية لا تصلح لأن تكون مرجعية للقرار البحثي؛ لانعدام شموليتها وعالميتها. أما المعايير العاملة بآليات خارجية، فلا يمكن فرضها على الباحثين؛ لأن الاستقلال الذاتي للباحثين يمنحهم نوعًا من الحصانة، يجعل من غير الممكن نقاش مشاريعهم البحثية من وجهات نظر مفروضة من خارج المنظومة الأكاديمية مثل القانون أو آداب التصرف. نستعرض في ما يلي هذه المنظومات (ما عدا الأخلاق)، وأسباب عدم صلاحيتها لتكون مرجعية في الحكم على البحث العلمي.

((2(يشار إلى أن هذا الفهم للأخلاق متوافق مع نظرة كانط المعروفة ب "الأمر المطلق"، والذي يصفه بأن طريق تمثل ما هو بالضرورة

غاية لكل إنسان؛ لأنه هو نفسه غاية في ذاته، بحيث يكون المبدأ الموضوعي للإرادة، ومن ثم ما يصلح أن يكون قانونًا عمليًا شاملً.

يُنظر: إيمانويل كانت، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، مراجعة عبد الرحمن بدوي، ط 2 (القاهرة: الهيئة

المصرية العامة للكتاب، 1980)، ص.72

يمثّل إقحام القانون في العملية البحثية تهديدًا لاستقلاليتها، وتقويضًا لحصانة المؤسسة العلمية ونشاطاتها، ويعود ذلك لأسباب مختلفة؛ أهمها أن القانون يعدّ جزءًا من النظام السياسي الذي يجب

الحفاظ على استقلال البحث العلمي عنه. أما إخضاع البحث لقواعد السلوك المهني، فيمكن أن يؤدي إلى تأثر البحث باعتبارات سياسية أو إدارية أو بيروقراطية أو أيٍّ من أشكال علاقات القوة التي على

الباحث تجنب تأثيرها في مجريات البحث العلمي. ورغم أهمية العادات والتقاليد لما تمثّله من حكمة المجتمع المتراكمة عبر الأجيال، فإنها تتصف بمحافظتها وجمودها وتكريسها لعلاقات القوة في المجتمع، فضلً عن خصوصيتها الثقافية؛ ما يجعل منها معيقًا لتقدم البحث العلمي، وخصوصًا إذا ما أشرنا إلى أن البحث يسعى لما هو جديد. وينطبق الأمر ذاته على آداب السلوك، والتي رغم أهميتها في الحفاظ على التناغم الاجتماعي، فإنها تقيد المعرفة العلمية. لا يمكن النظر إلى المعتقدات الضميرية بوصفها مبادئ أخلاقية عامة، فهي مواقف فردية لا يمكن تعميمها. وهناك عدد كبير من الأديان في العالم، يتقاطع ويختلف في قضايا كثيرة، ولا توجد إمكانية لإيجاد منصة دينية واحدة تشكل منظومة قيمية عالمية بدرجة عالمية المعرفة العلمية نفسها (فالعلم يمتاز بأن نتائجه لا تعتمد على منتجيه؛ أي أن في إمكان أي شخص أو مجموعة مؤهلة إعادة إنتاجه). أما ما يمكن أن يمثّل فعليًا دافعًا للباحث فهو الإيمان. ويُعَدّ قبول دوافع الباحث المنبثقة عن إيمانه

وعن أي معتقدات ضميرية أخرى، معيارًا أخلاقيًا. كما يُعدّ التأكد من عدم فرض هذه الدوافع على

الآخرين معيارًا آخر. ولهذا السبب، لا يمكن قبول أيٍّ من منظومتَي الدين والإيمان ضمن الضوابط

القيمية للبحث العلمي، إلا بالقدر الذي ينعكس في القيم الأخلاقية التي تتسم بالشمولية من حيث إمكانية إجماع جميع الناس عليها. بيد أن هذا لا يعني بالضرورة عدم احترام هذه المنظومات واحترام التزام أصحابها بها. بل يجب تأكيد أن احترام الديانات، والإيمان، وعادات المجتمعات وتقاليدها، وآداب السلوك، وقواعد السلوك المهني، والمعتقدات الضميرية على اختلافها، يبقى واجبًا أخلاقيًا على الباحث، من دون أن يتحول

إلى قيد فكري أو نظري على تطوير المعرفة العلمية، ويجب التحرر منه كلما مثّل إقحامًا لعلاقات القوة

في عملية الاستنتاج العلمي. ويشار هنا إلى أن المكونات التي يلتزم بها الباحث من هذه المجموعات القيمية تبقى، كلما كان ذلك متاحًا علميًا، ضمن الاعتبارات الأخلاقية؛ لأنها تشمل احترام إرادة

الباحث أسوة باحترام إرادة أي مشارك في العملية البحثية. تنشأ مشكلات المنظومات القيمية التي ناقشناها سابقًا (فيما يتعلق بالبحث العلمي)، حينما تُستخدم العملية البحثية لفرض هذه القيم على آخرين، أو عدم احترام قيمهم. ولضمان الابتعاد عن القسر القيمي، نستخدم التقييم الأخلاقي للبحث العلمي؛ فهو قادر على احترام هذه القيم الأخرى وصونها كلما كان ذلك ضروريًا، بوصفه جزءًا من التزامه الأخلاقي الذي يمثل الاحترامُ أحد أهم عناصره. المتوقع من نتائج العملية المعرفية هو اتسامها بالموضوعية، أي كونها قابلة لإعادة إنتاجها بصفة مستقلة عن منتجيها. ولذلك نحتاج إلى معايير أو ضوابط قيمية "موضوعية"، أو قابلة للانطباق على الجميع وتحترمهم، ومن المتوقع أيضًا أن تكون مقبولة لديهم. ولذلك، على هذه المعايير والضوابط أن تتسم

بالمرونة، وأن تطبق بحيث يمكن طلب الالتزام بها من الجميع. يعني ذلك أن يكون الحكم الأخلاقي على البحث العملي عقلانيًا، يفحص عملية البحث وتبعاته المتوقعة (نتائجه وأثره). أي إنّ أخلاق

البحث العلمي تسعى لاستثناء أي عملية بحثية من المتوقع أن تكون تبعاتها غير أخلاقية. ولذلك يجب أن تتم عملية التقييم من خلال تحكيم العقل واستخدام المنطق وبموضوعية، وتتسم بنظرة شاملة للأمور. ويُتوقع أن يصل إليها المقيِّم باستخدام المعطيات والمبادئ نفسها المستخدمة في الحكم على

أخلاقية التصرفات والأفعال؛ فالبحث العلمي هو فعل اجتماعي بالتأكيد. ويمكن إجمال الأهداف الأخلاقية للبحث العلمي بعبارة مجردة نسبيًا: ضرورة مساهمة البحث (على نحوٍ مباشر أو غير مباشر)

في "تحسين حياة البشر". ولكن، كيف نحدد الأفضل للبشر؟ يمكن تصور "الأفضل للبشرية"، ومن ثم معنى "تحسين حياة البشر"، بطرائق متنوعة بتنوع الذوات. هذا هو مكمن القضية الرئيسة في موضوع أخلاق البحث العلمي: في عملية إنتاج المعرفة يجري إخراج مفاهيم، ورؤى، وقراءات، وأفكار ذاتية، إلى الحيز العام في شكل "معرفة علمية". يتسم هذا الشكل من أشكال المعرفة بدرجة عالية من السطوة، بسبب الثقة الاجتماعية بالعلوم وبالمؤسسات العلمية، وبسبب عدم صلاحية الحوار المجتمعي العام في أغلب الأحيان لنقاش "الحقائق" التي يقدمها الإنتاج المعرفي العلمي. ولذلك يصبح من الضروري إيجاد وسائل لضمان عدم طغيان المصالح الخاصة للباحث وتصوراته، أو مصالح مؤسسته، على الصالح العام (صالح البشر) في ظل صعوبة تحديد الصالح العام على نحو يمكّن الناس من الحكم على البحث العلمي ونتائجه بوضوح وتلقائية. لذلك تتم معالجة عملية الحكم من خلال إنشاء آليات (سنناقش صلاحيتها وجدواها لاحقًا) تحث الباحث على التفكير المتعمق في هذا الحكم، وإخضاعه في بعض الحالات إلى المراجعة المستقلة من طرف جهات محايدة إزاء الموضوع وإزاء شخص الباحث. وهنا بالتحديد، يأتي دور المراجعة الأخلاقية التي من شأنها أن تمثّل آلية لحث الباحثات والباحثين على التأكد من عدم خروج مسار أبحاثهم عن مسارات تحسين حياة البشر، والتأكد من استدامتها. أخذت عملية تحسين حياة البشر، وهي مستمرة منذ القدم، مع الحداثة وتطور العلم، منحى "السيطرة على الطبيعة". ورافقت هذا المنحى صفات الحداثة الرأسمالية التي كثيرًا ما تتسم بالجشع، وبالعمل

على تسليع الأشياء، والإمكانات، والقوة (بما في ذلك المعرفة). وتُعدّ هذه الممارسات نقيضًا لتحسين حياة البشر. فلا يمكن تصور أن يكون هدر موارد الطبيعة، واستغلال الإنسان (أو استعباده)، والتلوث

((2(اتسم فكر النهضة الأوروبية عامة بتصور مفاده أن مهمة العلم تكمن في السيطرة على الطبيعة، وبرزت هذه الفكرة عند

فرانسيس بيكون Bacon Francis (1561–1626)، الذي قال في كتابه: الأورغانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة

Novum Organum, sive indicia vera de Interpretatione Naturae (1620)، إنه لكي تُؤمَر الطبيعة يجب أن تُطاع. ثم برزت عند

رينيه ديكارت Descartes René (1596–1650)، في الجزء السادس من كتابه مقال عن المنهج لأحكام قيادة العقل وللبحث عن

الحقيقة في العلوم Le Discours de la méthode pour bien conduire sa raison et chercher la vérité dans les sciences (1637)،

مشيرًا إلى أن من شأن ممارسة الفلسفة أن تجعلنا "سادة ومسخرين للطبيعة". يُنظر: رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود

محمد الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، سلسلة روائع الفكر الإنساني، ط 3 (القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، [د. ت])، ص 191. وفي مرحلة لاحقة تناولت الحركة الرومانسية الألمانية Romanticism German فكر النهضة إزاء العلوم بالنقد (مع فريدريك فيلهلم شيلنغ Schelling Wilhelm Friedrich (1854–1775) على سبيل المثال).

البيئي، والاستعمار، والسيطرة، والهيمنة، وحجب الحرية، والاستبداد، والمعاملة اللاإنسانية، والتدمير، والحروب، والعبث بمصائر الناس، وقهر إرادتهم، وإيذاؤهم، وإيلامهم، وقتلهم، تحسينًا لحياتهم. لذلك، يمكن، في سياق نقاش أخلاق البحث العلمي، تلخيص القيمة الأخلاقية الكامنة في تحسين حياة البشر، والتي يمكن تصور إجماع حولها، في الحفاظ على حياة البشر، وحريتهم، وفي توفير وصون سبل ديمومة الحياة الحرة، ومتطلباتها. ويتبع ذلك ما ينجم عنه من متطلبات ومواصفات تتعلق بضمان استدامة الجنس البشري، مثل تمكينه من البقاء على النحو الذي يعبر عن إرادته الجمعية عن طريق الحفاظ على حياة الناس، وضمان حريتهم، وضمان استقلالهم الذاتي Autonomy (أفرادًا، وجماعات)، وصون كرامتهم (احترامهم)، وتثمين واحترام حريتهم في التعبير عن فكرهم والقيام بالأفعال التي تحقق إرادتهم، والإقرار بالمساواة بين الناس (بما يشمل ضمان عدم التمييز)، والتأكد من الحفاظ على مواردهم (الطبيعية وتلك التي أنتجها البشر)، وتعزيز سعيهم نحو السعادة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحييد علاقات القوة غير المتكافئة. هذه هي الأمور التي تمثّل الإطار الناظم لأخلاق البحث العلمي. تفترض أخلاق البحث العلمي أن للعلم أهدافًا، وأن الباحث مؤتمن على القيام بعمله بما يحقق هذه الأهداف. وفي الأبحاث، غالبًا ما تتم صياغة سؤال البحث، والذي يكون البحث إجابة عنه، صياغةً

من شأنها أن تحقق هدف البحث. ولذلك يبدأ فحص أخلاقية البحث بفحص أخلاقية سؤاله. فالبحث الذي يسأل كيف يمكن السيطرة على أكبر عدد من الناس والتحكم في تصرفاتهم هو بحث غير أخلاقي بالضرورة. أما البحث الذي يسأل كيف يمكن التقليل من عدد المصابين بمرض معين، أو التعجيل في شفائهم، أو تقليل ألمهم، فيقوم على سؤال أخلاقي. نتحدث هنا عن النموذج السائد للبحث العلمي (أي البحث العلمي الذي يبدأ بسؤال أساسي يسعى للإجابة عنه، ويقوم على فرضية يسعى للتأكّد من صحتها عبر منهجية لجمع المعلومات وتحليلها، من أجل الإجابة عن السؤال ومعاينة صحة الفرضية، ويخرج في نهاية الأمر بحقائق واستنتاجات علمية). لكن ذلك لا يعني أن من غير المطلوب من الباحثين، الذين لا تتبع أبحاثهم هذا النموذج، الالتزام بمبادئ أخلاق البحث العلمي أيضًا، بل على جميع الباحثين تطبيق هذه المبادئ في أبحاثهم على اختلافها. وبعد التأكد من أخلاقية السؤال البحثي يجب الانتقال إلى فحص أخلاقية منهجية البحث (والإجراءات التي تنبع عنها)، فهذه يمكن أن تسبب خطرًا على حياة المشاركين في البحث (أشخاص سيتلقون

علاجًا تجريبيًا على سبيل المثال). وعمومًا، هناك عدد من الأمور التي على الباحث فحصها لضمان

أخلاقية البحث. ومنها: التأكد من الحاجة الأكيدة إلى البحث وإلى التجارب التي يمكن أن يشملها،

((2(حول مركزية الديمومة لمفهوم "الحقل العام" وحتمية ارتباط الأخير بالمستقبل يمكن الرجوع إلى عدد من كتابات حنة أرندت، وخصوصًا:

Hannah Arendt, The Human Condition (Chicago: The University of Chicago Press, 1998); Hannah Arendt, The Promise of Politics (New York/ Toronto: Schocken Books, 2005).

والتأكد من إطلْاع المشاركين على أهدافها، وعلى المخاطر والفوائد المجتمعية المتوقعة من إجرائها. ويمثّل التأكد من ملاءمة المنهج المتبع (علميته وكفايته) موضوعًا أخلاقيًا بامتياز. فالافتراض

الأساسي هو أن المشاركين في البحث يثقون بمعرفة الباحث ومهارته، ويعتقدون أن مشاركتهم ستسهم في حل مشكلة ما للبشرية، أو للمجتمع، أو لفئة من الناس. ولذلك، فإن عدم كفاية المنهج والتزامه بالمعايير العلمية خيانة للثقة التي يضعها المشاركون في الباحث وفي مؤسسته الأكاديمية. إن المنهجية هي الحارس الأمين لتحييد جميع الانحيازات، ولضمان سير العملية البحثية بأمان. وهناك عدد من القواعد التي على الباحث اتباعها لضمان أخلاقية البحث. وهي قواعد يجري من خلالها توخي ضمان الالتزام بالمنهجية التي فُحِصت أخلاقيتها، والتعامل مع أي قضايا غير متوقعة أو لم تعالج منهجيتها لأي سبب كان. وتشمل هذه القواعد ضرورة الحصول على موافقة المشاركين في البحث بعد عرض أهدافه ومخاطره عليهم وعلى المجتمع الذي يُتوقع أن تؤثر فيه نتائج البحث، والتأكد من الأهلية المعرفية، والمهارة الضرورية لكل من أعضاء الفريق البحثي للقيام بالمهمات الواقعة عليه، والتأكد من توافر الموارد الضرورية لإتمام البحث وللقيام بكل خطواته بالتزام صارم بالمواصفات العلمية الضرورية، وغير ذلك. يعلمنا التاريخ أن النتائج المرجوة من البحث ونتائجه الفعلية قد تفترق لأسباب مختلفة. وفي عملية مراجعة أخلاق البحث العلمي، لا يمكننا نقاش ما لا نتوقعه. وفي حال حصول غير المتوقع، يكمن الضمان للتعامل مع المتغيرات والمعطيات الجديدة أخلاقيًا في وعي الباحث والتزامه المهني أساسًا.

لا يمكننا التحكم في تبعات البحث العلمي جميعها. كما أننا نجد، تاريخيًا، نتائج أخلاقية لمشاريع

بحث غير أخلاقية. فالكثير مما يتم تطويره من تقنيات لأغراض عسكرية، يجد طريقه إلى الاستخدام في صالح البشر بطريقة ما. ثم إن هناك مشاريع بحثية مهمة نجحت قبل أن تكون استخداماتها معروفة، مثل إنتاج أشعة الليزر التي عرفت بين العلماء بعد إنجازها سنة 1960 بأنها "حل يبحث عن مشكلة"، بيد أنها باتت تستخدم اليوم في تكنولوجيا الاتصالات، وفي الصناعة، وفي الطب، وفي الطباعة، وفي تخزين المعلومات (القرص المدمج). أما في المجالات العسكرية، فتستخدم "من قبل الجنود في الوجهات الليزرية، والمشاهد، ومحددات النطاق، وفي أمن الحدود لاكتشاف التهديدات وأجهزة الكشف عن اختراقات الحدود، وفي تخفيف التهديدات وتوجيه الأسلحة". ولحسن الحظ، يبدو أن استخدامها حتى هذه اللحظة في المعدات العسكرية ما يزال متواضعًا نسبيًا. ولهذه الأسباب، على الباحث التفكير مليًّا في التبعات الممكنة لنتائج البحث. كما عليه الحفاظ على

استقلالية عملية البحث العلمي، وعدم المساس بحرية المشاركين والباحثين أنفسهم وباستقلالهم.

((2(تعني كفاية المنهج أنه مصمم بحيث يضمن الإجابة عن سؤال البحث بصورة موثوقة علميًا.

(27)  "Developer of the Laser Calls It 'A Solution Seeking a Problem'; President of Korad Spends Spare Time Gardening and Fixing TV Sets," The New York Times, 9/4/1964, accessed on 29/9/2021, at: https://nyti.ms/3uN7Qj7 (28)  Military Laser Systems Market – Growrh, Trends, COVID–19 Impact, and Forecasts (2021–2026) , Mordor Intelligence , accessed on 29/9/2021, at: https://bit.ly/3Csbcg9

يجدر الانتباه إلى أن تكلفة الأبحاث هي تكلفة اجتماعية (يدفعها المجتمع في نهاية الأمر). وينطبق ذلك على تمويل الأبحاث من مصادر عامة (مثل الصناديق التي توفر منحًا بحثية)، وعلى الموارد التي توفرها المؤسسات البحثية (مثل الجامعات)، وعلى التمويل من القطاع الخاص (الذي ينعكس في أسعار المنتجات التي يشتريها الناس أو الحكومات)، وهو ينطبق أيضًا على وقت فريق البحث وبقية المشاركين. لذلك، فإن على الباحث أن يتفحص جدوى العملية البحثية وتفاصيلها من حيث تكلفتها الاجتماعية. فالفوائد المرجوة والمتوقعة للبحث، يجب أن ترجّح كفة الميزان مقابل التكلفة الاجتماعية مضافة إلى أي مخاطر أخرى. ومن الجدير هنا التذكير بأن من شأن منهجية البحث المدروسة جيدًا الاعتماد على الخبرات والتجارب السابقة؛ لتفادي هدر الرصيد الاجتماعي نتيجة للقيام بأبحاث لا تنجح في الوصول إلى أهدافها، فتضيع تكلفتها هدرًا بسبب سوء تصميمها. من الوارد ألا يكون في استطاعة الباحث تقدير جميع الأمور المتعلقة في بحثه على نحوٍ حاسم وهامش ضيق من الخطأ. وينتج من ذلك دخول المقيِّم في حالة من الشك، وغياب اليقين. ويمكن التغلب

على هذه الحالة، من خلال اللجوء إلى ما يسمى الخطأ المحسوب، أي الانتقال من حساب المخاطر والتكلفة إلى حساب التبعات، من خلال بناء السيناريوهات والوقوف على أسوئِها وتقييمه مع تقييم احتماليته. إن على الباحث في هذه الظروف عدم الاكتفاء بالتقييم الذاتي والمراجعة الأخلاقية الذاتية، بل تصبح المراجعة المستقلة هنا شرطًا أخلاقيًا. تتعرض العملية البحثية في كثير من الأحيان إلى مستجدات ناجمة عن تغيرات في بيئة البحث، أو عن تجاوب المشاركين (من قبيل نسبة أقل من تلك المتوقعة للتجاوب الإيجابي)، أو عن اكتشاف وقائع لم تكن مأخوذة في الحسبان، وغير ذلك من أمور. وفي هذه الحالة، يضطر فريق البحث أحيانًا إلى إحداث تغيير في منهجية البحث أو في بروتوكولات التنفيذ، أو في الفرضيات، أو غير ذلك. وعندئذ، فإن على الباحث فحص أثر هذه التغيرات في الاعتبارات الأخلاقية، وتقييمها. وفي حال اتضح أن التقييم اختلف عن ذلك الذي حصل البحث بموجبه على الموافقة الأخلاقية، فإن على الباحث الرجوع إلى عملية المراجعة وفقًا للإجراءات المتبعة في مؤسسته. يمكن أن يؤدي إهمال فحص سؤال البحث، ومنهجيته، وآليات تنفيذه، وتفاصيله من منظور أخلاق البحث العلمي، إلى الانخراط في بحث غير أخلاقي. ولكن عملية المراجعة من جانب الزميلات والزملاء في لجان البحث أو خارجها يمكن أن تساعد في تجنب ذلك، سواء كان هذا ناجمًا عن إغفال أمر ما أو عن عدم المعرفة أو الدراية الكافية. بيد أن هناك عوامل من شأنها أن تشكل مغريات للقيام بأبحاث غير أخلاقية. وكما هي الحال في كثير من أشكال الفساد، فإن المغريات تتوزع على أربعة أنواع يمكن عرضها من خلال الجدول.)2(

الجدول (2) أنواع مغريات القيام بأبحاث غير أخلاقية من حيث ماديتها ومنبعها منبعها خارجي

ممنبعها داخلي (ذاتي)منبعها خارجي
(قسري أو شبه قسري)
ماديةالرغبة في زيادة الدخلالعمل لحساب جهة تفرض مواضيع وأسئلة
البحث لدوافع سياسية
العمل لحساب جهة ترغب في زيادة أرباحها
الحاجة إلى تمويل له شروط تشمل أسئلة بحثية
أو تتطلب منهجيات غير أخلاقية
معنويةالرغبة في الشهرة والترقية
والحصول على ألقاب علمية
وتسجيل براءات وما شابه
ضغط المؤسسة العلمية لاستمرار التعاقد
أو للتعيين في مناصب معينة

المصدر: من إعداد الباحثين.

من غير الممكن إنكار وجود المغريات، ولكن من غير المقبول أن يكون البحث العلمي سبيلً إلى بلوغها. ويمكن نقاش الفصل بين ما هو مادي وما هو معنوي، وبين ما هو ذاتي وما هو خارجي، والاعتراض عليه، ولكن الغرض من التصنيف الوارد هنا هو الفصل بين ما يمكن معالجته ذاتيًا،

وما يحتاج عملً جماعيًا، وتنظيمًا وتأطيرًا، وربما نضالً جماعيًا. وكما يتضح، فإن المراجعة الأخلاقية كفيلة بكبح المشاريع البحثية غير الأخلاقية النابعة من دوافع ذاتية معنوية. وتبدو الحاجة إلى الدخل الإضافي أصعب بعض الشيء من ناحية معالجتها. فواقع الدخل المرتبط بالبحث العلمي في العالم العربي لا يسر الناظر. بيد أن الدافع والواقع شبيهان بما يدفع الموظف إلى الفساد، ولا يمكن تبريره بوضع الموظف المادي. أما عند العمل لحساب جهات أخرى، فيجب التأكد من علمية أهداف البحث وفحص موضوعه وسؤاله ومنهجيته. وفي هذه الحالة، يجب توخي الحذر الشديد، وخصوصًا حين تتداخل صفة الباحث الأكاديمية مع مهمته التعاقدية: السياسية، أو التجارية، أو غيرها. ويكمن الحد الأدنى الضروري أخلاقيًا

هنا في الإعلان عن أهداف البحث للمشاركين، وللمؤسسة العلمية التي ينطلق منها الباحث، ولأي جهة أخرى تساهم في البحث أو تستخدم نتائجه. وينطبق الأمر ذاته على التمويل المشروط، حتى لو كان شكل الشروط لا ينم عن ذلك. ولكن حين يكون التمويل موجهًا إلى مواضيع وقضايا محددة، فيجب الوقوف على أسباب تحديد المواضيع والقضايا، والتأكد من أخلاقيتها في البيئة البحثية التي سيعمل فيها الباحث، ومن كونها لا تتناقض مع أولويات المجتمع. عمومًا، يمكن تلخيص القاعدة الأخلاقية في هذا الصدد بأن المنفعة الذاتية (سواء المادية أو المعنوية) للباحث نفسه، أو للمؤسسة التي تكلفه بإجراء البحث، لا تمثّل سببًا لتجاوز الالتزام بالمبادئ الأخلاقية

للبحث العلمي. بيد أنه من المفهوم أن نتائج البحث يمكن أن تؤدي إلى نتائج (ثانوية أو عرضية) من شأنها تحسين دخل الباحث أو المؤسسة، وترفع من المكانة والسمعة. وليس في ذلك ضير، بل هو استحقاق إيجابي يشير إلى احترام الإنتاج العلمي ويعبر عن العرفان لمساهمة الباحث في تحسين الحياة. بيد أن ذلك يجب أن يكون نتيجة للبحث، وليس دافعًا له. ويبقى النوع الرابع من المغريات (متطلبات المؤسسات) هو الأشدّ إيلامًا؛ لأنه يمثّل خطرًا على مستقبل

المؤسسة الأكاديمية، ويحتاج إلى معالجة على نطاق أوسع من هذه الدراسة. ولكننا نشير إلى بعض معالم هذه المعالجة على المستوى المؤسسي. هكذا، يمكن أن نجمل أن هناك حاجة إلى إدماج أخلاق البحث العلمي مكونًا عضويًا في المنظومة

العلمية، لأجل الحفاظ على استقلال إنتاج المعرفة العلمية، من دون اغتراب عملية الإنتاج هذه عن هدفها الأصيل الكامن في تحسين حياة البشر، والذي يشترط الحفاظ على الحياة، وعلى مقوماتها، وضمان استدامتها، ودرء المخاطر والآلام عنها على المستويات الفردية، والجماعية، والاجتماعية، والبشرية عامة. وتكتسب في هذا السياق قضية التنشئة العربية المستقلة أهمية إضافية؛ من شأنها أن تساهم في توفير منظومة متحررة، وربما منيعة، من بعض الآفات التي أفضت إلى انسلاخ العلم عن الأخلاق في بعض الأحيان؛ نتيجة لتسليع المعرفة، وإقحام علاقات السوق في عملية إنتاج المعرفة بصفة مفرطة، وعلى نحوٍ جعل استقلال الباحث مبتسرًا أحيانًا في ذاته. أما اجتثاث هذه الآفات من المجتمع العلمي من

خلال منظومة أخلاقية داخل المنظومة العلمية، فمن شأنه تمكين الباحث من استدخال هذه المنظومة لمقاومة الاغتراب عن إنسانيته أو، بحسب تعبير إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، "جعل العقل العملي الموضوعي ذاتيًا في الوقت نفسه". ولكي يتحقق شرطُ تماهي الذاتي مع

الموضوعي – وهو شرط لا بد منه من أجل ضمان احترام استقلال الباحث والمشارك من جهة – واستقلال العلم وموضوعيته من جهة أخرى، فإن من الضروري أن تكون منظومة الأخلاق العلمية عقلانية ونابعة من ذات الباحث، وقادرة على احترام المنظومات القيمية الأخرى، من دون المساس باستقلال البحث وموضوعيته. كما أن هناك شرطًا لتحقيق التماهي، وهو الحفاظ على الطابع الاجتماعي لعملية إنتاج المعرفة وعدم الانزلاق في الفردانية بحجة الإبداع الفردي؛ إذ على الإبداع أن يتجسد جزئيًا في المنفعة العامة. ويتطلب تحقيق الاتجاه الأخلاقي في البحث العملي وتعميمه تدرجًا في إدماج الفردي في الجماعي،

والخاص في العام، من دون إلغاء الخاص والفردي والذاتي، في بيئة تمكن عملية الانسجام والتماهي، وهو ما على المؤسسة العلمية أن توفرها. إن العالم العربي جزء متفاعل مع العالم الأوسع، وهو منخرط حاليًا في نمطه الاستهلاكي، وهو جزء من النظام العالمي، غير أن تاريخه ومستقبله ليسا مرتبطين بجذور

التشكلات التي سيطرت على المؤسسات العلمية الغربية، والتي تعود إلى النهضة الأوروبية والحداثة

(29)  Immanuel Kant, Critique of Practical Reason (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 121.

الرأسمالية. ولهذا السبب، فإن في إمكانه أن يؤدي دورًا في تشكيل معالم المستقبل ما بعد الحداثي، الذي يراهن عليه المفكرون في هذه الأيام، والذي يحتوي بالضرورة على مكون أخلاقي مركزي.

رابعًا: البيئة المؤسسية الضرورية لضمان الالتزام بأخلاق البحث العلمي وتعزيزه

شهدت العقود الأخيرة نموًّا غير مسبوق في البحث والنشر العلميين. ويجمع المراقبون على أن النمو

الكمي كان، جزئيًا، على حساب نوعية البحث العلمي، ويحمل هذا الاتجاه خطرًا أخلاقيًا،

يكمن في هدر الموارد المعرفية والاجتماعية؛ لتحقيق كم من الإنتاج ذي جدوى علمية واجتماعية متدنية. وتُعتبر بنية المؤسسة العلمية عاملً مركزيًا في هذا التوجه، حيث تنشأ ضغوط تعكس الروح

التنافسية داخل المؤسسات العلمية وفيما بينها، تصبح معها المعايير الشكلية، من قبيل عدد المقالات التي ينشرها الباحث ومؤشراتها المتعلقة ب "مكانة أوعية النشر" أو "مؤشر الاقتباسات" وما شابه، طاغيةً على الاعتبارات الأخلاقية والعلمية، وعلى مواءمة احتياجات المجتمعات؛ ذلك أن هذه المعايير تدفع عمليات البحث والنشر في اتجاهات تفرضها تصورات "معولمة"، وهبّات آنية ليست منابعها أخلاقية

بالضرورة. ومن الدوافع الخطرة أخلاقيًا في السياق العربي، نذكر على سبيل المثال: طغيان تصورات أيديولوجية

(مثل الليبرالية Liberalism، أو الليبرالية الجديدة Neoliberalism) في الجامعات والمؤسسات العلمية، وتقديمها على أنها مسلمات معرفية، أو طغيان التصورات المركزية الأوروبية، أو طغيان تصورات سياسية معينة بشأن الاستعمار وتبعاته، أو التخلف أو العالمثالثيةThird–Worldism وغيرها الكثير. وهكذا، فإن إخضاع معايير التقييم لهذه الاعتبارات، تحت شعار عالمية المعرفة العلمية، ينقل الجهد المعرفي والعمل العلمي للباحث العربي، من نطاق المساهمة في توسيع عالمية المعرفة والإنتاج المعرفي إلى حصر هذه العالمية في أطر ضيقة، أي في عالمية زائفة. أما الخطر الثاني الناجم عن هذه التوجهات، فيكمن في دفع الباحثين إلى معالجة قضايا ليست ذات أولوية في مجتمعاتهم. ذلك أن الاتجاه للنشر في "أوعية النشر العالمية" ينتج قيودًا على المواضيع التي لا يعتبرها القائمون على هذه الأوعية أولوية أو ليست ذات أهمية كافية. ولا يؤدي هذا الخطر إلى التقليل من الفائدة المرجوة اجتماعيًا من عملية البحث فحسب، بل ربما يؤدي إلى تجنيد العملية

البحثية لصالح أهداف مناقضة لتوجهات المجتمعات المحلية ومخلة بحقها في تقرير مصيرها.

(30)  Donna Ellen Frederick, "Scholarly Communications, Predatory Publishers and Publish or Perish Culture in the 2020s," Library Hi Tech News (February 2020), pp. 1–11

3(((لنقاش الأخطار الأخلاقية لسياسة "تنشُر أو تَهلَك" يمكن مراجعة:

Imad A. Moosa, Publish or Perish: Perceived Benefits versus Unintended Consequences (Northampton: Edward Elgar Publishing, Inc., 2018), pp. 56–75.

(3((مصطلح سياسي ذو حمولة أيديولوجية، تجلت معالمه في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي إبان الحرب الباردة. ويُشير

أساسًا إلى منطلقات عدم الانحياز.

وينبع الخطر الثالث من إمكانية توجه المؤسسات العلمية للاشتغال بالقضايا التي يمكن من خلالها الحصول على تمويل للعمليات البحثية، من دون أن تكون هذه القضايا متقاطعة مع الاحتياجات المعرفية المدروسة والمقرة محليًا. وتتطلب مواجهة هذه المخاطر عددًا من الأمور: الأول، هو البحث عن أماكن وأوعية نشر نزيهة ومحايدة فعلً، والعمل على تطويرها؛ الثاني، هو العمل على مواجهة سياسات المؤسسات العلمية (مثل الجامعات) التي تبنت مقاربات تسويقية لتقييم البحث العلمي؛ الثالث، يكمن في إنشاء منظومات تقييم بديلة تأخذ فائدة البحث في السياق المجتمعي في الاعتبار وتعلي شأنها؛ الرابع، يكمن في التأكد من أن منظومة التقويم تفحص العملية البحثية ونتائجها وليس تسويقها أو تسويق نتائجها (أي فحص جودة عملية البحث، وجودة نتائج البحث، وليس فحص سمعة المكان الذي تعرض فيه نتائج البحث). إن الحد الأدنى من مواجهة هذه المعضلات، والذي يقع على عاتق لجان المراجعة الأخلاقية، هو عدم إيلاء الاعتبارات التنافسية، والمعايير الشكلية، وما شابه، أي دور في عملية التقييم.

خامسًا: من أين تنبع الحاجة إلى لجان المراجعة الأخلاقية؟

إن الحفاظ على خير البشرية يتضمن الحفاظ على المساواة بين البشر في إمكانية مساهمتهم في تقرير مصير المجتمع، بيد أن هناك صعوبة في عملية الحفاظ على المساواة في الأدوار خلال عملية إنتاج المعرفة العلمية، وذلك على ثلاثة مستويات: 1. يرتبط المستوى الأول بعلاقة الباحث بالمجتمع. وتنشأ المعضلة، على هذا المستوى، من كون الدور الذي يمكن أن يؤديه الباحث، من خلال إنتاجه العلمي، له وزن أكبر من حصته الاجتماعية (لكون مفعوله الاجتماعي أعلى من متوسط مفعول أدوار أعضاء المجتمع الآخرين). وينجم عن ذلك أن عدم الالتزام بمبادئ أخلاق البحث العلمي (التي تأخذ مصير المجتمع في الاعتبار) يشكّل استبدادًا معرفيًا، ويعزز علاقات القوة التي تضر بالنسيج الاجتماعي، وتشكّل تهديدًا للحريات. 2. ويرتبط المستوى الثاني بصعوبة الحفاظ على المساواة بعلاقة الباحث بالمشاركين في البحث. وتنشأ الصعوبة من الخطر الذي يشكّله عدم التزام الباحث بمعايير أخلاق البحث العلمي؛ لأنه يزيد فرص إخضاع المشاركين في البحث لسطوة الباحث المعرفية ومكانته الاجتماعية، ما يؤدي إلى خلق طبقة إضافية من علاقات القوة، ومن شأن ذلك الإضرارُ باستقلالية المشاركين وصون حريتهم وكرامتهم..3 ويرتبط المستوى الثالث من الصعوبات بعلاقات القوة والهيمنة داخل فريق البحث، والتي يمكن أن تتجسد في نشوء ديناميكيات غير متكافئة داخل الفريق الذي غالبًا ما يتشكل من أشخاص متفاوتي

الخبرة والمكانة والموقع؛ ما يؤدي إلى خلق علاقات قوة تضر باستقلال بعض أعضاء الفريق، وتقلل من فرص اكتشاف الأخطاء، وتلغي عمليات التدقيق والمساءلة داخل الفريق. إن خطر الإجحاف بالمساواة، في ظل الدافعية الذاتية للباحث وإمكانية وجود مصالح ذاتية من البحث، ووجود حالات صارخة من الاستخدام المجحف للبحث العلمي، يجعل من عملية المراجعة الأخلاقية

المستقلة آلية ضرورية في العمل الأكاديمي. وليست هذه العملية إضافة استثنائية إلى العمل العلمي الذي يتضمن بالضرورة عمليات النقد الذاتي والنقد من جانب الزملاء. لذلك فإن لجان مراجعة أخلاق البحث العلمي هي إحدى آليات العمل لضمان تسخير البحث العلمي لخدمة الإنسانية من خلال درء المخاطر عنها. إن المعضلة الكامنة في جدلية ذاتية الباحث وأفكاره من جهة، والموضوعية المرجوة من المعرفة العلمية التي ينتجها الباحث من جهة أخرى، تتطلبان الاهتمام الشديد بالموقف الأخلاقي للباحث في مراحل البحث كافة: الفكرة، والمشروع، والمنهجية، والتنفيذ، والنتائج، والعرض. وتقع المسؤولية والعبء الأساسيان في ذلك على الباحث نفسه. هناك معضلة أخرى تكمن في مسؤولية المؤسسة الأكاديمية والمجتمع العلمي عما ينتجه أعضاؤه. فالمجتمع العلمي لا يستطيع أن يقوم إلا على الثقة المتبادلة بين أعضائه. بيد أن هناك أيضًا تقاليد تتعلق بالتقييم الجماعي للإنتاج العلمي. والمجتمع العلمي ليس مجتمعًا ديمقراطيًا، فهو موبوء بعلاقات القوة،

والتراتبية، وهيمنة الأنماط المعرفية الدارجة في كل حقل وحقبة (البراديغمات)، وغير ذلك من ظروف. وبقدر ما تعتبر هذه الأنماط (بحق أو من دون حق) ضرورية للمؤسسة الأكاديمية وللمجتمع العلمي، فإنها تتطلب الحرص وابتداع أشكال من الرقابة الذاتية، والداخلية من جانب أعضاء المجتمع العلمي، ومن مؤسساته، ويمثّل ذلك جزءًا من شروط شرعية الحصانات التي يتمتع بها هذا المجتمع وأعضاؤه.

سادسًا: مبررات الحاجة إلى المراجعة الأخلاقية المستقلة

يمكن أن يقوم الباحث بأغلب ما يخص عملية المراجعة الأخلاقية ذاتيًا. بيد أن إمكانية وجود مخاطر

جسيمة تجعل من الضروري عدم الاكتفاء بالمراجعة الذاتية في كثير من الأحيان. ويُعتبر وجود لجان المراجعة في المؤسسات، والتي تقوم بإنتاج المعرفة، حلًّ معقولً لهذه الحاجة، من دون انتهاك لاستقلال عملية إنتاج المعرفة العلمية، واستقلال الباحث. وفي حال غياب لجان المراجعة المستقلة، يجدر اللجوء إلى المراجعة من جانب زملاء، وتوخي الموضوعية بأكبر قدر ممكن. وفي جميع الأحوال، فإن من شأن التفكير والتحضير لعرض مشروع البحث على جهة مستقلة أن يساهم في توسيع نطاق تأمل الباحث في الجوانب الأخلاقية للبحث؛ وهو ما من شأنه أن يعزز الشبكة العلائقية للقضايا التي يطرقها البحث، ويوسع آفاق مجالات الفائدة منه. إن التشكيك في قدرة الباحث على تقييم بحثه أخلاقيًا، وبصفة ذاتية، أمر خطير، وقد يتحول إلى أمر

غير أخلاقي إذا ما تصرفت لجان المراجعة ك "شرطة الأخلاق". ولأن عمل لجان الأخلاق حساس وذو تأثير كبير داخل المؤسسة العلمية، فمن الضروري وضع ضوابط على عملها، وإعلان الأصول

(((3 هناك نقاش واسع ونقدي لدور لجان المراجعة في تعزيز علاقات القوة في المجتمع العلمي. ينظر على سبيل المثال:

Truls Juritzen, Harald Grimn & Kristin Heggen, "Protecting Vulnerable Research Participants: A Foucault–inspired Analysis of Ethics Committees," Nursing Ethics , vol. 18, no. 5 (June 2011), pp. 640–650.

التي تعمل وفقها. يشبه دور لجان أخلاق المراجعة دور المشرّع، ودور القاضي، وغيرهما من أدوار

حساسة. ويمثّل الخلل في تنظيم هذه الأدوار وعدم ضمان حيادها، وقلة تأهيلها، خطرًا جسيمًا على

المجتمع. ورغم ما قد يعتري هذه الأدوار من خلل، فإن المجتمع يحتاجها ويحافظ عليها، ويعمل على ضمان نزاهتها. وفي داخل المؤسسة العلمية، تكون مهمة ضمان نزاهة هذه اللجان والحفاظ عليها أقرب إلى التحقيق، بيد أنه من الضروري الانتباه لها باستمرار. لا شك في أن تشكيل لجان المراجعة الأخلاقية، ووضع آليات لعملها، وجعلها ممرًا إجباريًا للباحث

في بعض الأحيان يجعلها جزءًا من بيروقراطية المؤسسة. والأخيرة سيئة الصيت. وما من شك في

أن إخضاع البحث العلمي لإجراءات بيروقراطية مضافة، يعدّ تراجعًا وخطَرًا. بيد أن للبيروقراطية

وجهًا آخر، يكمن في مغزاها الأصلي (سبب اختراعها)، وهو إيجاد وسيطٍ ليس شخصًا، بين المواطن

والدولة. وفي الجامعة، تشكّل اللجان (على تنوعها) وسيطًا بين الباحثين والمؤسسة الأكاديمية. وإذا عملت هذه اللجان وفقًا لاجتهادها العقلاني، وعلى أسس منظمة على نحوٍ معلن، وإذا احترمت إدارات الجامعات قراراتها ودرست تبريراتها، فستكون آلية الوساطة هذه إحدى طرائق الحد من سطوة السلطة. ولذلك، من الأهمية القصوى أن تعمل لجان المراجعة الأخلاقية بطريقة مؤسسية (لا يعير اهتمامًا للأشخاص)، وأن تبتعد عن البيروقراطية بمعناها السيئ الذي يشير إلى الإعاقة، والتأخير، والتحول إلى بوابة لعودة علاقات القوة.

سابعًا: عناصر المراجعة الأخلاقية للبحث العلمي

ناقشنا في ما مضى ضرورة الالتفات إلى الجوانب الأخلاقية في مراحل البحث كافة من الفكرة إلى تبعات المنتج العلمي، ولكن هناك ضرورة لتحديد الجوانب التي على لجان المراجعة أن تفحصها وتلزم نفسها بعدم الخروج عنها. ويمكن حصر هذه الأمور فيما يلي: • الموضوع: التأكد من أن موضوع البحث (والسؤال البحثي) ناجم عن حاجة بحثية فعلية، وليس وسيلة لتحقيق منافع مناقضة للصالح العام. • المعلومات: التأكد من أن عملية جمع المعلومات للبحث، أو استخدام المعلومات المتاحة، لا تؤدي إلى الإخلال بإرادة أي من المشاركين في البحث، أو يضر نشرها بأي فئة من فئات المجتمع، إلا بذلك القدر الذي يثبت أن فوائده المرجوة أكبر من مخاطره. • الحصانات: التأكد من عدم قيام أعضاء فريق البحث باستخدام مكانتهم العلمية للحصول على حصانات لا تنجم عن عملهم العلمي، وأن مكانتهم والحصانة المرتبطة بها لا تُستخدم أداةً لإنشاء علاقات قوة مع أي جهة كانت.

(((3 تمثّل حرمة المؤسسات الأكاديمية ومبدأ استقلال البحث درجة من الحصانة Immunity شبيهة إلى درجة تسمح بالمقارنة

بالحصانة التي يحصل عليها السياسيون المنتخبون، من حيث كونهم لا يحاسبون جنائيًا على اجتهادهم ضمن إطار عملهم. ويجب

ألا تُعدّ هذه الحصانة الضرورية هروبًا من المساءلة Impunity.

• صالح الباحث والمشاركين والمجتمع: التأكد من مراعاة صالح الأطراف المشاركة في البحث، ويشمل ذلك السلامة البدنية والنفسية، ويشمل أيضًا ضمان المساواة في توزيع المنفعة والضرر، والعمل على المساهمة في معالجة المشكلات الناجمة عن غياب المساواة والعدالة الاجتماعية كلما كان ذلك ممكنًا في نطاق العملية البحثية، وبالقدر المتاح. • الإنسان والبيئة (تشمل الكائنات): التأكد من أن الاعتبارات الأخلاقية أخذت في الاعتبار تحسين حياة البشر واستدامتها للأجيال المقبلة، ويشمل ذلك، إضافةً إلى الإنسان، الطبيعة والكائنات التي تعيش فيها وتشكلها. على لجان المراجعة الأخلاقية ألّ تخرج عن نطاق الصلاحية المنوطة بها. ويمثّل هذا الشرط اعتبارًا أخلاقيًا رئيسًا لعمل لجان المراجعة، تسقط في غيابه شرعيتها. ولذلك يجب ألّ تشمل المراجعة أي

اعتبار غير الاعتبارات الأخلاقية، وأن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يحوّل دورها إلى "شرطة أخلاق"، وأن تترك جانبًا أي قضية تُنشئ معالجتها تبعات إدارية أو قانونية، غير تلك المرتبطة بتقييم البحث من

حيث التزامه بأخلاق البحث العلمي. وعلى الرغم من الوقع الأخلاقي لأمور معينة خارجة عن نطاق صلاحيات اللجان، فإن على لجان المراجعة الأخلاقية تجنب معالجتها، وإحالتها، عند الضرورة، إلى جهات أخرى. ومن هذه القضايا: • النزاهة العلمية: فمن غير الأخلاقي، بالتأكيد، سرقة النصوص، وتزوير المعلومات، وانتحال الشخوص، وما شابه ذلك من مظاهر ممكنة للفساد لدى الباحث. بيد أن هذه القضايا تخرج عن اختصاص لجان المراجعة الأخلاقية؛ لأن لها بالضرورة تبعات إدارية، ومن ثم فيجب أن تحال إلى جهات أخرى لكي تتجنب لجان المراجعة أداء دور يغذي علاقات القوة في المؤسسة العلمية. • السلوك المهني: يمكن لجان المراجعة أن تكتشف خللً في السلوك المهني، من قبيل استخدام باحث معلومات أو استنتاجات لزملائه أو طلابه. كما يمكن أن تلاحظ انعكاسات علاقات القوة في داخل فريق البحث. ويبقى واجبها الأخلاقي أن تنبه أصحاب البحث أو جهة ذات صلاحية لهذه المعطيات. ولكن، يجب أن تبقى هذه القضايا مستقلة عن عملية المراجعة التي تتم على أسس غير متعلقة بشخص الباحث وتفترض أنها تجهل معرفتها بالأشخاص (مع العلم أن ذلك غير ممكن في أغلب الحالات داخل المؤسسات العلمية).

ثامنًا: القيود الضرورية لضمان أخلاقية عمل لجان المراجعة الأخلاقية

تشكّل الحرية حجر الأساس في إنتاج المعرفة لمصلحة البشرية، ولا يمكن في أي حال من الأحوال، التنازل، أو الاعتداء على حرية الباحث أو التقليل من شأنها. ولكن مهمة عملية المراجعة هي التأكد من أخلاقية عملية البحث ونتائجها، وتبعاتها المتوقعة.

ولهذا الغرض يجب أن تتسم لجان المراجعة بالمعرفة الكافية، والمهنية الضرورية للارتقاء فوق الدوافع والانحيازات الشخصية والفئوية، والبراديغمية لأعضاء اللجان، وألا تقف عثرة في طريق التغيير، بما في ذلك في داخل المنظومة الأكاديمية. اتخذت المنظومة القيمية التي نطلق عليها "مبادئ أخلاق البحث العلمي" طابعًا شكليًا، يتطلبه تعميم

هذه المنظومة على شكل مجموعة من القواعد والمحاذير. بيد أن الميزة الأهم لهذه المنظومة تكمن في عقلانيتها. ويتطلب ذلك الإدراك المستمر أن قيمة القواعد تكمن في خدمة الأهداف الأخلاقية، وليست في حد ذاتها قيمة عليا. ولأن تطبيق هذه القواعد على نحوٍ فعّال يتطلب تحليلً عقلانيًا، فإن وضع

المعضلة البحثية، والقرار بشأنها في السياقات التاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية، يعتبر قاعدة القواعد. ولضمان أخلاقية العملية البحثية شرط رئيس، يتمثّل في الحفاظ على استقلال الباحث الذي هو بدوره شرط لإنتاج معرفة مستقلة. ولذلك على لجان المراجعة احترامه بصفة مطلقة، وضمان صون استقلال المشاركين في العملية البحثية. وباختصار، فإن أخلاقية عملية المراجعة الأخلاقية تخضع لشروط أخلاقية البحث العلمي ذاتها.

تاسعًا: تعلّم أخلاق البحث العلمي

ليس التعرّف إلى منظومة أخلاق البحث العلمي، واستيعاب المبادئ أو القواعد الأساسية، عملية

صعبة. ويساعد على تعلّمها التعرف على أمثلة، أو حالات، تصف الجوانب الأخلاقية للبحث العلمي، وتتطلب تطبيق هذه المبادئ في سياقات مختلفة. ولكن الباحث سيواجه، في أحيان أخرى، معضلات أخلاقية صعبة عند تصميم مشروع البحث أو في أثناء تنفيذه. أي إنه، عندما يفكّر في الجوانب الأخلاقية لمشروع بحث ما وبكيفية القيام بالبحث، فإن هذا يتطلب أكثر من تطبيق مباشر لمبدأ أخلاقي معين. ولا يقتصر الأمر على استخدام تعليمات وإجراءات ولوائح رصد تمكن الباحث من التأكد من أخلاقية مشروعه البحثي. فدراسة مدى أخلاقية مشروع بحث محدد تتطلب، أولً، أن يكون الباحث قد استدخل أو استبطن هذه المبادئ، بحيث تصبح جزءًا من تفكيره. وتتطلب، ثانيًا، إضافة إلى المعرفة

النظرية (معرفة أهمية وضرورة المفاضلة بين المخاطر والفوائد، على سبيل المثال)، التفكير والحكم من أجل اتخاذ قرارات توجه الفعل أو الممارسة في لحظة معينة. وما يميز المهن كافة، بحسب كثير من المنظرين، هو الحاجة إلى الجسر بين النظرية والممارسة. ويساعد الباحث على تطوير هذا النوع من المعرفة أن يحاول، أثناء التعلّم، الربط بين مبادئ وقواعد أخلاقية عامة وحالات محددة لأبحاث قام بها أو عرف عنها. فاستخدام الحالات يساعد على وضع المبادئ والقوانين العامة في سياقات لحالات وأحداث محسوسة؛ ما يساهم في الوقوف على حدود العام وتفرد الخاص.

(35)  Lee. S. Shulman, "Those who Understand: Knowledge Growth in Teaching," Educational Researcher , vol. 15, no. 2 (February 1986), p. 13.

وبصفة عامة، يتوقع أن يطور الباحث المعرفة والمهارات الفكرية والتوجهات الآتية نتيجة لتعلّمه أخلاق البحث العلمي: 1. استيعاب مبادئ أخلاقية نظرية عامة واستخدامها في تبرير قرارات عملية معينة. فقد يقرر الباحث أن مشروعة لا يتلاءم مع مبدأ العدالة؛ ومن ثم يقوم بتعديل مشروع البحث ليصبح أكثر انسجامًا

مع هذا المبدأ. ولكن قد يواجه الباحث حالات مرتبطة بأكثر من مبدأ، والمبادئ قد يتعارض بعضها مع بعض. فعلى سبيل المثال، قد يجد الباحث أن مبدأ مشاركة باحثين آخرين بالمعطيات المتوافرة لديه مبدأ مهم، ولكن هذه المشاركة للمعطيات قد تمثّل خطرًا على المشاركين في البحث أو على

مجتمعهم. ليست عملية المفاضلة بين المبدأين يسيرة، وقد يكون هنالك أكثر من حل يمكن الدفاع عنه من منظور أخلاقي. 2. معرفة تجارب سابقة ترشِّد الممارسة. فمن المفيد أن يصبح الباحث على دراية بحالات يمكن أن تكون نموذجًا لكيفية تصرفه في أبحاثه، وهنا يجري استخدام القياس في الانتقال مباشرة من حالة

محسوسة إلى أخرى، كما يحصل أحيانًا في مجال المحاماة والقضاء، وذلك من دون الانتقال إلى المجرد. ولكن هذا لا يمنع أن يتم التعميم من حالة معينة، وأن يتم استخدام التعميم المجرد في التعامل مع حالة محسوسة جديدة. وتساعد دراسة الباحث لحالات أبحاث محددة، تتطلب أحكامًا

أخلاقية، على تطوير التفكير والمبادئ الأخلاقية..3 تطوير استراتيجيات وتوجهات وتأمل وعادات فكرية. فمن المفيد تدرّب الباحث الناشئ على

التفكير كما يفكر الخبراء، أي اكتساب استراتيجيات عامة أو توجهات أو عادات فكرية مرتبطة بممارسة البحث العلمي. فالحالات التي ستواجه الباحث "فوضوية"، أي لا يمكن تصنيفها تحت مبدأ محدد، وقد لا يكون لها حل واحد مقبول. ويرتبط هذا بطبيعة البحث العلمي والتخصصات المعرفية المختلفة، والتي كثيرًا ما تتسم بعدم اليقين (أو بالشك) والحاجة إلى التفكير وإصدار الأحكام. ومن

المفيد أيضًا أن يتعود الباحث على التأمل في تفكيره وممارسته..4 تطوير رؤية لما هو ممكن. فإن إطلْاع الباحث على حالات وكيفية قيام آخرين بمواجهة الجوانب الأخلاقية المرتبطة بها، يعرض صورًا لما هو ممكن. فمن الممكن أن تمثّل الحالة نموذجًا يمكن

تقليده لممارسةٍ لم يكن الباحث قد فكّر أنها ممكنة. يجب التذكير بثلاثة جوانب أخرى من الضروري توافرها لدعم تعلّم أخلاق البحث العلمي. يتعلق الجانب الأول بأهمية التفاعل الاجتماعي في عملية التعلّم، وهو ما تركّز عليه النظرة

(3((هذه المقاربة تستند جزئيًا إلى مقاربة لي شولمان التي عرضها في دراسته:

Lee. S. Shulman, "Toward a Pedagogy of Cases," in: Judith H. Shulman (eds.), Case Methods in Teacher Education (New York: Teachers College Press, 1992).

3(((لنقاش موسع لهذه الجوانب، يُنظر: ماهر الحشوة، التربية الديمقراطية: تعلم وتعليم الديمقراطية من خلال الحالات (رام الله:

مواطن،.)2004

البنائية – الاجتماعية Social–constructivism في علم النفس. وتركز هذه النظرة على دور المتعلم الفرد في بناء المعرفة أثناء محاولة الفهم والبحث عن المعنى، ولكنها تعطي أيضًا أثرَ المجتمع والتفاعل

الاجتماعي في بناء وتكوين المعرفة الفردية الأهميةَ نفسها. ويساعد استخدام الحالات المتعلّم على إيجاد معنى للمعرفة النظرية. كما أن الاطلاع على تحليل خبراء مختلفين لكيفية التعامل مع الحالات يساعد على خلق تفاعل اجتماعي. ولكن تبقى هنالك ضرورة للباحثين للتداول حول القضايا الأخلاقية المرتبطة بأبحاثهم مع زميلاتهم وزملائهم. أما الجانب الثاني الضروري لدعم التعلّم، فهو دراسة أخلاق البحث العلمي في سياقات حقيقية أصيلة. فدراسة التفكير في سياقات الحياة اليومية العادية، بدلً من دراسة التفكير في مختبر علم النفس، أظهرت أن التعلم مرتبط بالسياق. ومن الأمثلة الشهيرة على هذه الظاهرة استخدام العمليات الحسابية في الحياة اليومية. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الأطفال الذين يعملون في شوارع البرازيل يقومون بعمليات حسابية معقدة بسرعة وكفاءة أثناء عمليات البيع والشراء، رغم أنهم لم يدخلوا المدارس. ولكن هؤلاء الأطفال أنفسهم لم يستطيعوا أن يحلوا مسائل حسابية ذات البنية الرياضية نفسها عندما أعطيت لهم على شكل شبيه بما يعطى في المدارس. ويبدو أن هؤلاء الأطفال قد طوَّروا استراتيجيات

حل تصلح فقط للمسائل التي تواجههم في عملهم في الشوارع، ولكنهم لم يستطيعوا تعميم هذه المعرفة أو نقلها إلى سياقات أخرى. وفي دراسات أخرى للتعلم في المدارس، تبيّن أيضًا أن الطلبة كثيرًا ما يمتلكون المعرفة، ولكن

لا يستخدمونها عندما تلزم، حيث تبقى هذه المعرفة خاملة Knowledge Inert. وأظهرت دراسات أخرى كثيرة أن ما يدرسه الطلبة في سياق المدرسة لا "يطبق" أو ينقل إلى سياقات أخرى، أي لا يستخدم في الحياة اليومية على نحوٍ فعّال. فالطلبة، في كثير من الأحيان، يحملون مفاهيم محدودة أو "بديلة" حول الظواهر الطبيعية يستخدمونها في حياتهم اليومية، ولا يربطونها بالمفاهيم العلمية التي يدرسونها في غرفة الصف، حيث يقتصر استخدام الأخيرة في مهمات شبيهة بالتي تواجههم في غرفة الصف. وفي ضوء هذه الدراسات، برزت دعوة إلى تطوير التعليم بحيث تيسّر عملية نقل المعرفة واستخدامها خارج سياق

التعلم، وذلك من خلال مواجهة الطلبة بمهمات أصيلة Authentic تماثل تلك التي قد يواجهون في حياتهم اليومية. كل هذا يدعم ضرورة استخدام سياق حقيقي في أثناء تعلّم أخلاق البحث العلمي، وهذا يمكن تحقيقه من خلال استخدام حالات أصيلة لأبحاث علمية تتضمن قضايا أخلاقية. والجانب الثالث، والذي ترافق مع هذه الدعوة إلى استخدام المهمات الأصيلة، هو الدعوة إلى التعلّم عن طريق التلمذة على أيادي الخبراء Apprenticeship، كما يحدث في الحياة اليومية. ومن هنا فإن دراسة حالات أصيلة (حقيقية أو واقعية)، والاطلاع على كيفية تعامل الباحثين الخبراء مع جوانبها الأخلاقية، تبقى من أفضل الطرائق لتعلّم أخلاق البحث العلمي.

(3((المرجع نفسه.

(39)  Jean Lave, Cognition in Practice: Mind, Mathematics and Culture in Everyday Life (Cambridge: Cambridge University Press, 1988).

خاتمة

إنّ علاقة البحث العلمي بأخلاق البحث العلمي تشبه علاقة السيارة بمقودها. فلن تصل السيارة إلى هدفها من دون توجيه مقودها في الاتجاه الضروري، بل إن إهمال المقود يمكن أن يؤدي إلى كارثة تضر بالسيارة نفسها، وبما يحيط بها. ناقشنا في هذه الدراسة، بدرجة من التجريد، معنى وماهية أخلاق البحث العلمي، والبيئة المؤسسية الضرورية لضمان الالتزام بها وتعزيزها، والحاجة إلى المراجعة الأخلاقية المستقلة عن الباحث وعناصرها وشروطها وقيودها، وناقشنا أيضًا ما وجدناه (وفقًا لتجربتنا) السبل الأكثر نجاعة لتعلُّم أخلاق البحث العلمي. وقد عرضنا لهذه القضايا وفي ذهننا السياق العربي لتطبيقها، وذلك دونما مغالاة في عروبتها، بل بناء على قناعة راسخة بعالميتها بما هي مبادئ، ونسبيتها في كل السياقات، وبينها السياق العربي. وعلى الرغم من إمكانية وصف وتصنيف عناصر أخلاق البحث العلمي ومبادئها ومحدداتها، فإن استدخال مفهومها في وجدان الباحث يُعتبر ضرورة أساسية في تسيير عملية إنتاج المعرفة العلمية وتوجيهها. وتتطلب عملية الاستدخال من الباحث التأمل والتفحص النقدي للبحث، هدفًا، ومنهجية، ونتاجًا. تُعتبر الممارسة العقلانية القادرة على حفظ الكرامة الإنسانية (ضمان المعرفة، والإرادة، والفعل الإرادي) محورًا للتصور الذي عرضت له هذه الدراسة؛ فقد انطلقت من العقلانية الملازمة للعلم، ومن الكرامة الإنسانية التي تجسد الانعكاس الواسع لإنتاج المعرفة على المجتمع والجماعات والأفراد مع أخذ ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم في الاعتبار. ولذلك فإن أخلاق البحث العلمي تشترط الموضوعية وشيئًا من نكران الذات الضروري لكل مشتغل بالعلم في جميع الأحوال. إن تنشئة منظومة أخلاق بحث علمي عربية ليست مشروعًا إثنيًا أو ثقافيًا، أو إقصائيًا، أو انعزاليًا،

بل هي مشروع إنساني علمي تحرري، يهدف إلى استدامة المكون التحرري في عملية إنتاج المعرفة، التي نعتقد أنها باتت تتسارع في عالمنا العربي. تبني المنظومة المنشودة على الإرث العلمي العالمي، وتعمل على إعادة إنتاجه بأكثر عالمية من خلال إنتاج منظومة قيمية معرفية قادرة على تنقية ما هو سائد من المركزية، والاستشراق، والهيمنة المعرفية، والأيديولوجية، لا عن طريق محاولة قلب علاقات القوة، بل عن طريق تحييدها، وصولً إلى إضافة أداة تساهم في ضبط إيقاع الإنتاج العلمي في العالم العربي، بحيث تتعزز مساهمته في إنتاج المعرفة العالمي، ليس بصفتها معرفة بديلة، ولكن بصفتها معرفة عالمية أنتجت في هذا الجزء من العالم، واستدخلت المكون الأخلاقي عنصرًا عضويًا في منظومتها. إن من شأن تنشئة منظومة من هذا القبيل أن تؤدي دورًا أساسيًا في إعلاء شأن العقلانية، ومعالجة

التوترات بين المنظومات القيمية المختلفة التي تشكّل مكونًا أصيلً في الثقافة العربية، وفي تأطير معالجة التوترات بين استقلال الباحث والبحث من جهة، وانتمائهم المؤسسي والوطني من جهة

أخرى، وفي تأسيس آليات ممأسسة للمراجعة الأخلاقية المستقلة (كلما كان ذلك ضروريًا)، وفي تحصين هذه الآليات من الممارسة السلطوية في مؤسسات إنتاج المعرفة. ليس الاهتمام بأخلاق البحث العلمي جهدًا فائضًا عن الحاجة، ولا زخرفة للعلم، بل هو اهتمام يضمن أن يخدم العلم أهدافه ولا يحيد عنها، ويساهم في إثارة الأسئلة الأعمق والأبعد نظرًا التي يحتاجها

البحث العلمي الذي يتسم بالأصالة. ولذلك فإن تأصيل أخلاق البحث العلمي في العالم العربي ربما يكون منطلقًا لتأصيل المعرفة التي ننتجها في عالمنا العربي، وبوصلة لنمائنا.

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "في أولوية الفهم على المنهج". تبين. مج  8، العدد 03 (خريف.)2019 الحشوة، ماهر. التربية الديمقراطية: تعلم وتعليم الديمقراطية من خلال الحالات. رام الله: مواطن،

ديكارت، رينيه. مقال عن المنهج. ترجمة محمود محمد الخضيري. مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي. سلسلة روائع الفكر الإنساني. ط.3 القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، [د. ت]. كانت، إيمانويل. تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة عبد الغفار مكاوي. مراجعة عبد الرحمن بدوي. ط 2. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1980

الأجنبية

Arendt, Hannah. The Human Condition. Chicago: The University of Chicago Press,

_______. The Promise of Politics. New York/ Toronto: Schocken Books, 2005. Bernard, Claude. An Introduction to the Study of Experimental Medicine. New York: Dover Publications, 1957. Frederick, Donna Ellen. "Scholarly Communications, Predatory Publishers and Publish or Perish Culture in the 2020s." Library Hi Tech News (February 2020). Gaa, James C. "Moral Autonomy and the Rationality of Science." Philosophy of Science. vol. 44, no. 4 (December 1977). Ingierd, Helene. "The Social Sciences, the Humanities, Law and Theology." The Norwigian National Research Ethics Commmittees. 3/12/2019. at: https://bit.ly/3fA56B8 Juritzen, Truls, Harald Grimn & Kristin Heggen. "Protecting Vulnerable Research Participants: A Foucault–inspired Analysis of Ethics Committees." Nursing Ethics. vol. 18, no. 5 (June 2011). Kant, Immanuel. Critique of Practical Reason. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.

Laudan, Larry. Science and Values: The Aims of Science and their Role in Scientfic Debate. Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1984. Lave, Jean. Cognition in Practice: Mind, Mathematics and Culture in Everyday Life. Cambridge: Cambridge University Press, 1988. "London Launch of the Russell–Einstein Manifesto." Pugwash Conferences on Science and World Affairs. 9/7/1955. at: https://bit.ly/3yPPAZn. Moosa, Imad A. Publish or Perish: Perceived Benefits versus Unintended Consequences. Northampton: Edward Elgar Publishing, Inc., 2018. Mulder, Silvia et al. "Unethical Ethics? Reflection on Intercultural Research Practices." Reproductive Health Matters. vol. 8, no. 15 (May 2000). "Nuclear Test–Ban Treaty." History. 9/11/2009. at: https://bit.ly/2S3aALD Ruyter, Knut W. "The History of Research Ethics." The Norwigian National Research Ethics Commmittees. 3/12/2019. at: https://bit.ly/3vAYvfg Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Vintage Books, 1994. Shulman, Judith H. (eds.). Case Methods in Teacher Education. New York: Teachers College Press, 1992. Shulman, Lee. S. "Those who Understand: Knowledge Growth in Teaching." Educational Researcher. vol. 15, no. 2 (February 1986). Smith, Linda Tuhiwai. Decolonizing Methodologies: Research and Indigenous Peoples. 2 nd ed. London: Zed Books, 2012. "The Nuremberg Code (1947)." British Medical Journal. vol. 313, no. 7070 (December 1996). at: https://bit.ly/2ZJlr0T The World Medical Association. Wma Declaration Of Helsinki – Ethical Principles For Medical Research Involving Human Subjects (Ferney–Voltaire: 9/7/2018). at: https://bit.ly/2r86hvg Weber, Max. The Methodology of Social Sciences. Edward A. SHILS & Henry A. Finch (trans.). Glencoe, IL: The Free Press, 1949.