فضاءات متعددة، حراكات متجددة: تحولات مفاهيمية وأسلوبية في الفنون البصرية والعمارة في السودان 1980-2010
Multiple Spaces, Renewed Mobilizations: Conceptual and Stylistic Transformations in the Visual Arts and Architecture in Sudan 1980–2010
الملخّص
تتناول الدراسة الحراكات المكانية والسياسية المتعددة التي شهدها السودان في ثمانينيات القرن العشرين، والتي أعادت تشكيل الأوضاع الثقافية في إقليمه الأوسط، وترصد كذلك الكيفية التي حوّلت بها مفاهيم الفنون البصرية والعمارة وممارساتها، وساهمت في تحفيز مشاركة المثقفين والفنانين في ثورة 2019. وتعتمد الدراسة مادة ميدانية جُمِعت عن طريق المقابلة مع اثنين وعشرين فنانًا ومصممًا، مستعينين في ذلك بمنهج نوعي - كمي مركب، يعمد إلى تحليل أساليب بعض الفنانين الذين استُعين بهم في العينة. وتوصلت الدراسة إلى أن حراكات الثمانينيات أتاحت السبل لتجسير الهوة بين الفن والمجتمع، فحررت الفنانين من الالتزام السياسي المباشر، وواشجتهم بفضاء المجتمع الواسع، وذلك وفقًا لطرائق متنوعة، حسب تنوع الفئات العمرية للفنانين.
Abstract
Abstract: This study addresses the multiple geographical and political mobilizations witnessed in Sudan in the 1980s, which reshaped the cultural landscape of its central region. It also traces how these mobilizations stimulated the artists’ contribution to the revolution of 2019. The study employs fieldwork data collected via interviewing 22 artists and architects; the data are analyzed through combined qualitative–quantitative approach, which invlove the styles
- السودان
- حراك سياسي
- وعي اجتماعي
- الفنون البصرية والمكانية
- Sudan
- Political Movements
- Social Consciousness
- Visual Arts and Architecture
تحفيز مشاركة المثقفين والفنانين في ثورة 2019. وتعتمد الدراسة مادة ميدانية جُمِعت عن
طريق المقابلة مع اثنين وعشرين فنانًا ومصممًا، مستعينين في ذلك بمنهج نوعي – كمي
مركب، يعمد إلى تحليل أساليب بعض الفنانين الذين استُعين بهم في العينة. وتوصلت
الدراسة إلى أن حراكات الثمانينيات أتاحت السبل لتجسير الهوة بين الفن والمجتمع، فحررت
الفنانين من الالتزام السياسي المباشر، وواشجتهم بفضاء المجتمع الواسع، وذلك وفقًا لطرائق متنوعة، بحسب تنوع الفئات العمرية للفنانين.
Lecturer at Architecture department, Omdurman Ahlia University, Sudan. Email: shamaelrasheed9@gmail.com
والفنون (آفاق)، والمجلس العربي للعلوم الاجتماعية من خلال منحة مقدمة من مؤسسة أندرو وميلون. كما أن التصريحات والآراء الواردة هنا هي مسؤولية المؤلف وحده.
of some interviewed artists. The study concludes that the 1980s mobilizations bridged the gap between art and society by liberating artists from direct political engagements and committing them to the wide social space, depending on the variable of age.
مقدمة
شهد العقد الأخير من القرن العشرين بداية التأثير السلبي لليبرالية الجديدة Neoliberalism، التي نافحت لأجلها وتبنّتها جلّ دول العالم في ثمانينيات القرن المنصرم، فطُرِحت على
وهادها أسئلة جديدة على المشتغلين بالفنون خاصةً، وبشؤون الثقافة عامة، في شتى ربوع العالم؛ إذ مع تضاؤل إنفاق الدول الغنية (أوروبا الغربية وأميركا الشمالية) على مؤسسات الثقافة ونشاطاتها، تساءل المعنيون بصنعة الفنون في المجتمع عن وظيفة مؤسساتها في عصر العولمة والتغيرات الاجتماعية الجارية. وبعد عام 2008، وهو العام الذي اشتد فيه الانكماش الاقتصادي العالمي، انحسر الغوث الذي كانت تقدمه حكومات الدول الغربية لمؤسسات الثقافة عامة، والفنون البصرية خاصة، بسبب تكلفة هذه الأخيرة. وبما أن عصر رأسمالية الصناعة القومية National Industrial Capitalism لن يعود، فإن الإنفاق على الثقافة وتأهيل الإنسان سيستمر في الانحسار، ولا بد من مواجهته بأساليب جديدة في مجال العمل الثقافي وممارسة النشاطات الفنية التي منها تنمية وعي المجتمع بدور الثقافة وتغيير مفاهيم المنفعة المباشرة. وقد أثيرت أسئلة مماثلة في دول الجنوب، غيّرت الأطر النظرية التي
كانت تُفهم ضمنها الأدوار الاجتماعية للممارسات الفنية، حيث كانت دول الجنوب حتى الثمانينيات تركز جلّ اهتماماتها على دور الفن في إحداث تحولات اجتماعية تسهم في التنمية والتحديث، في ظروفٍ قرُب عهدُها بالتخلص من الاستعمار، لكن سرعان ما انقطع هذا التوجه مع تبنّي أنظمتها
السياسية وصفات المؤسسات المالية الدولية التي ربطت الاستمرار في تقديم القروض لتلك الدول بقبولها إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام Public Sector وتبنّي الخصخصة Privatization. فكان المشتغلون بصنعة الفنون في أوساط المثقفين من أبرز كابِي الزِّناد، من جراء صعود الليبرالية الجديدة؛ لأنهم فئة مهمشة في مجتمعات هي نفسها تحتل مكانة هامشية في النظام الاقتصادي العالمي، من واقع أنها تندرج في ما يمكن نعته ب "مجتمعات قبل رأسمالية" Pre–capitalist Societies. بناءً عليه، فإننا سنعمد في هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على تلك الفترة وما تلاها، أي تلك المتمثلة في
السنوات الثلاثين في الفترة 2010–1980، وهذا من أجل معرفة ما ترتب عليها من تحولات في المفاهيم والممارسات العملية لدى المشتغلين بالفنون في السودان، وعلاقة ذلك بالحراكات التي شهدتها تلك
(1) Asja Mandić & Patrick Roberts, "Museum Education in Times of Radical Social Change," Journal of Museum Education , vol. 37, no. 3 (Fall 2012), p. 10, accessed on 9/9/2021, at: https://bit.ly/3yWrHzr
(((للاطلاع أكثر على مكانة سؤال تحديث المجتمعات في الفنون التشكيلية العربية، ينظر الفصل الثاني من كتاب: محمد
عبد الرحمن حسن، الفنون التشكيلية وتحديث المجتمعات العربية: بين الحداثات المتعددة وتعدد المناظير المحلية (الشارقة: دائرة الثقافة،.)2019
الفترة، والحراك السياسي الذي أدّى إلى تغيير نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في نيسان/ أبريل 2019. وتتمفصل الدراسة في ثلاثة محاور. يتناول الأول الإطار النظري والموضوعي، ويعرض الثاني السياقات التي صاغت التحولات المدروسة، ويحلل الثالث مادة العمل الميداني، ويستخلص النتائج.
أولا: الإطار الموضوعي والنظري للدراسة
1. الإطار النظري
استندت دراستنا إلى الفنون البصرية والعمارة بوصفهما مجالين مهمّين لدراسة تجدُّد الحراكات السياسية في السودان، واستَجْلَت وجهين لدور الفنون في التغيير الاجتماعي يميزانها من الدور الذي تؤديه وسائط التواصل الأخرى، هما: المدى الزمني الطويل الذي يستغرقه ظهور تأثيراتها، واستنادها إلى أسس فكرية لدى الفنانين الناشطين في دعم الحراكات. فالتحولات في مجال الفنون قد تتطلب، أولً، حدوث تغيرات في النظرة إلى المجتمع نفسه ودوره في تسيير شؤونه، وهذا بدوره يتطلب حدوث تبدلات على مستوى المفاهيم وطرائق التفكير حول الواقع لدى الفنانين. وتتطلب أيضًا استيعاب تلك المفاهيم من جانب الجماعات التي تمارس الفن المعين لتقوم بنقلها إلى المجتمع الواسع، متوسطة بين الفنان والمجتمع. واستيفاءً للوجه الأول، اخترنا في هذه الدراسة حقبة زمنية
طويلة نسبيًا سبقت الحراك الأخير الذي شهده السودان، تمثِّلها ثلاث فئاتٍ عمرية من الفنانين،
تطورت تجربتهم خلال العقود الثلاثة الممتدة بين عامي 1980 و 2010. واستجابة للوجه الثاني، ركزنا في تحولات المفاهيم والأساليب لدى نوعين من الجماعات، هما: جماعات الفنون البصرية Visual Arts، وجماعات مصممي العمارة Architectural Designers، خلال تلك الفترة الزمنية.
2. أسئلة الدراسة وفرضياتها وأهميتها
نسعى في هذه الدراسة للإجابة عن السؤال الآتي: ما علاقة التحولات التي شهدتها الفنون البصرية وفنون العمارة في السودان بأشكال التعبير عن الحاجة إلى التغيير، بحسب بروزها في التحول السياسي في الفترة 2019–2018؟ ومحاولةً منّا مقاربةَ جوابٍ عن هذا السؤال المركزي، قدّمنا فرضية مفادها أن التحولات البيئية والاقتصادية والسياسية التي عاشها السودانيون أثناء ثمانينيات القرن العشرين، أنتجت حراكات مكانية أثرت في فنون العمارة، حتى من حيث أساليب التعبير والمفاهيم التي يتبناها الفنانون، وأن هذه التأثيرات برزت في حراك.2019–2018
(((درج في عُرف بعض علماء الاجتماع أن الفترة بين جيل وآخر تقدر ب 23 إلى 03 سنة، أي متوسط الحقبة الزمنية التي تتضمن
ولادة الآباء وولادة أبنائهم. للاطلاع أكثر ينظر:
Chris Gilleard & Paul Higgs, The Third Age: Class, Cohort or Generation ? (Cambridge: Cambridge University Press,
وبهذا المعنى، فإن الفترة المعتمدة هنا تمثل فترة فارقة بين جيلين، الأول هو الجيل الذي أنجز "انتفاضة أبريل" 1985، ضد نظام جعفر النميري فأسقطه وأقام الديمقراطية الثانية في تاريخ السودان (1989–1986)، والجيل الثاني هو الذي قاد حراك 19" ديسمبر"
الذي أسقط نظام عمر البشير في نيسان/ أبريل 2019، فالدراسة، إذًا، تعالج التحولات بين جيلين.
نظريًا، تستمد الدراسة أهميتها من معالجتها التحولات الفنية في سياقاتها الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية، التي تُعد محفزات لإنتاج الأعمال الفنية؛ فهذه مقاربة هجرها التفكير ما بعد الحداثي Postmodern. ففي حين تطالب اتجاهات ما بعد الحداثة في مجالَي الفنون البصرية والعمارة بالارتباط بالمحيط الخارجي والانفتاح عليه، وتميل إلى استضافة التقاليد الشكلية القديمة وأساليب الماضي التي تطورت عبرها الممارسات الفنية، فإن هذا يطبعها بتعارض ذاتي حينما نأخذ في الاعتبار أن تلك الأشكال والأساليب المستعادة ليست منفصلة عن المفاهيم والتصورات الأيديولوجية التي صيغت على أساسها، وأنها كانت استجابة لشروطها التاريخية. فالأساليب القديمة ترتبط بالظروف والسياقات التي ابتُكِرت فيها، والعلاقات الاجتماعية التي صاغتها. ولهذا، فإن فصل الفنون عن سياقاتها الخارجية
التي أنتجتها، ممثلة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، يطبع فكر ما بعد الحداثة، وخاصةً في مجال الفن، بتناقض واضح، كما يرى فريدريك جيمسون. هذا التناقض الذي لا يمكن تجاوزه إلا باستعادة مكانة التحليل الاجتماعي للفن، مأخوذًا في علاقته بالتاريخ. أما بالنسبة إلى الواقع العربي، فتكتسب الدراسة أهميتها من مفارقة المقاربات التي تركز على العوامل المباشرة للحراكات. فالأزمات الاقتصادية وانهيارات الأنظمة السياسية وانقسامات الفئات الاجتماعية المسيطرة وتصدعها، وغير ذلك مما يظهر على السطح في صورة حراك سياسي، ليست سوى محفزات تؤدي إلى انفجار الثورات. أما ما يسهم في تحفيز إرادة التغيير لدى الجماعات وتعبئتها، فلا بد من أنه يجرى على مستوى أعمق. إنها العوامل التي تشكِّل الوعي الاجتماعي وتُدرس ضمن فاعلية البنى الرمزية، التي ستُقصر هنا على مجالَي الفكر والفن. فأهمية هذا النوع من الرصد لتحولات الوعي هي في كونه يكشف عن تحولات أكثر توطنًا واستقرارًا، تعبّر عن نفسها لاحقًا في صورة حراكات، لا يمثل
الجانب السياسي إلا مظهرها القابل للملاحظة المباشرة. تتمثل أهمية الدراسة بالنسبة إلى المجتمع الذي أجرِيت عليه (مجتمع وسط السودان) في أنها تستوضح أثر التحولات التي تبدو في الظاهر بعيدة الصلة عن حراك 2019–2018، من الناحية الزمنية والموضوعية. فالتحولات الإيكولوجية Ecological Transformations التي ترتبت عليها حراكات مكانية قبل ثلاثين عامًا من المناطق الطرفية في السودان نحو وسطه، تبدو غير ذات صلة بهذا الحراك
السياسي الذي شهده السودان قريبًا، وأدى إلى سقوط نظام المخلوع عمر البشير. لكن بالانتقال إلى
مستوى أعمق، وهو مستوى المفاهيم التي تتبناها الجماعات وتنعكس في أشكال تعبيرها الفني، يمكن الكشف عن الحركة البطيئة لأنماط تشكُّل الوعي الاجتماعي المؤدية، على مدى بعيد، إلى تبلور وعي سياسي بضرورة التغيير. ففي غضون ستين عامًا تلت استقلال السودان عام 1956، خاض
مواطنوه ثلاث ثورات ضد الأنظمة العسكرية. ومن منظور سوسيولوجي، لا بد من العثور على ناظمٍ
(4) Fredric Jameson, Postmodernism or the Cultural Logic of Late Capitalism (New York: Duke University Press, 1995), p. 103.
(((من المظاهر الأخرى للحراكات التي تترتب على تحولات الوعي الاجتماعي: حراكات الانتماء؛ أي انتقال فئات اجتماعية معينة من مجموعات أيديولوجية إلى أخرى، مثل ميل الشبان في البلاد العربية إلى الانتماء إلى الجماعات الإسلامية في الربع الأخير من القرن العشرين، بعد أن كانت موجة الانتماء متجهة إلى اليسار بعد خمسينيات ذلك القرن.
لأيديولوجيا الثورة هذه، أي لا بد من النظر إليها بوصفها استمرارًا لوعيٍ اكتسبته وراكمته الفئات المؤثرة في المجتمع السوادني، خاصة على مستوى الوعي، ومنها فئة الفنانين. أيضًا، مما يستوجب البحث عن بنى عميقة لهذا الحراك، أنه كان متعدد الأوجه من النواحي الاجتماعية، ولم يكن حراكًا سياسيًا فحسب. ومما يضيف أهميةً إلى هذه الدراسة بروزُ دورٍ كبير لعدة فئات في
حراك 2018، لم يكن صوتها مسموعًا من قبل، كان أبرزها المرأة. فإضافةً إلى أنها اكتسبت حقوقًا كبيرة في المجال السياسي، صارت بموجبها ممثَّلةً في المجلس السيادي السوداني بعضوين، فقد تغيرت أيضًا صورة النساء في المجتمع السوداني؛ إذ استُعيد في الحياة العامة لقبُهنَّ الذي عُرفن به في تاريخ
السودان القديم: "الكنداكات". وكان من مظاهر تعدد أوجه الحراك أيضًا أن جماعةً دينيةً سودانيةً كانت مستبعَدة عن المجال السياسي فترة طويلة، هي جماعة الأقباط، حصلت على حق التمثيل بِعضوٍ في المجلس السيادي أيضًا. وهذا النوع من التحولات يوضح أن دوافع اجتماعية مختلفة، لدى فئات عديدة، كانت كامنة فترة طويلة خلف سطح الدوافع التي وجدت طريقًا للتعبير عنها في صيغة سياسية، فلا بد من أنها كانت ماثلة قبل ذلك في مجالات التعبير الرمزي التي يمكن رصد مراحل تشكّلها وتطورها فيها، والتي تشكل الفنون واحدة منها. من حيث المنهج؛ اعتمدت الدراسة مقاربة نوعية Qualitative Approach ذات مسار مركّب، يجمع بين تحليل السرديات ومقارنة محتوياتها لاستخلاص نقاط التوافق والاختلاف فيما بينها، وذلك على أساس كمي. ففي المرحلة الأولى، ينظَّم محتوى المقابلات (السرديات) في محاور رئيسة تُستخرج منها الثيمات التي يركز عليها أفراد العينة. وفي المرحلة الثانية تُرصد علاقات التماثل والتباين بين استجابات الأجيال الثلاثة لكل فئة، مستقلة عن الأخرى (فنانون تشكيليون/ مصممو عمارة)، وتُدرَج تحت صنفَي المفاهيم والأساليب. وأخيرًا تُختبر فرضيات الدراسة في ضوء النتائج المستخلصة من التحليل.
(((للتعمق أكثر في دور الإنتاج الرمزي في تشكيل الوعي الاجتماعي. ينظر: بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط 3 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.)2007 (((الكنداكة Candace or , Kandake لقبٌ مُلوكيٌّ للواحدة من ملكات مملكة مروي القديمة، التي حكمت منطقة شمال السودان
الحالي بين 750 ق.م. و 035 م. وورد ذكر أربع منهن عند قدامى المؤرخين الرومان من جملة ثماني كنداكات معروفات في التاريخ.
ومثال ذلك أن المؤرخ الإغريقي وعالم الجغرافيا سترابو Strabo (64 ق.م 24–. ق.م.) أورد في كتابه الشهير الجغرافيا Geographica Γεωγραφικά أن الكنداكة أماني ريناس Amanirenas (010–.5 ق.م ق.م.) هاجمت جنوب مصر الرومانية في سنة 25 ق.م. فهاجم الرومان عاصمتها. ينظر: مادة Kandakes، في:
Molefi Kete Asante & Mambo Ama Mazama (eds.), Encyclopedia of Black Studies (California/ London: SAGE Publications, 2005), p. 302.
(((أشارت بعض الدراسات التي تناولت علاقة الفنون بالمجتمع إلى صعوبة القبض على طبيعة الظاهرة الفنية في الدراسات الاجتماعية لطبيعتها الرمزية، ومن جهة أخرى فإن المقاربات النوعية تهمل الجانب الوضعي الضروري للتعرف إلى مواضع إجماع المستجيبين في حالة العينات الواسعة. بخصوص متطلبات التوفيق بين المقاربات النوعية والكمية في دراسة دور الفنون في المجتمع، ينظر:
Jennifer Spiegel & Stephanie Parent, "Re–approaching Community Development through The Arts: A Critical Mixed Method Study of Social Circus in Quebec," Community Development Journal , vol. 35, no. 4 (October 2018), p. 604, accessed on 9/9/2021, at: https://bit.ly/3fMjwhI
3. إجراءات الدراسة
جمعت الدراسة بين تحليل المفاهيم وتحليل الأساليب لدى عينة الفنانين؛ لأن التنظير قد لا يتطابق مع الممارسة في مجال الفن، فبعض الفنانين قد يتبنّون تصورات نظرية لا تعبّر عمّا تقوله أعمالهم؛ لأن للرموز
الجماعية واللاوعي والتقاليد الثقافية تأثيرًا واضحًا في الفن لا يقل عن تأثير الوعي، وقد يفوقه أحيانًا. تكونت عينة الدراسة من اثنين وعشرين فردًا، سبعة عشر منهم فنانون تشكيليون (خمسة عشر رسامًا، ومصوران فوتوغرافيان، واحد منهما يزاول الرسم والتصوير معًا)، إضافة إلى خمسة مصممي عمارة. قُسِّم الأفراد ثلاث فئات على أساس المدى الزمني لفترة المزاولة، وليس طريقة تعاملهم مع المزاولة الفنية (الاحتراف أو التفرغ)؛ لأن موضوع الدراسة هو التحول في المفاهيم والأساليب خلال الفترة المدروسة. والتقسيم على أساس العقود مطلبٌ إجرائي فرضته الحاجة إلى رصد الجوانب التفصيلية للتحولات،
وتتبُّعِ طابعِها التدريجي الذي يصعب ملاحظته إذا أخذت الثلاثون عامًا كتلةً زمنيةً واحدةً. ومن حيث
الواقع، لا شك في أن التحولات الفنية لا تلتزم بالعقود، وإنما تنساب ببطء إلى أن تتبلور في تحول شامل. أما أبرز الاعتبارات التي استدعت اختيار أفراد العينة، فهي: اتصال المزاولة والتجربة الفنية لدى أفرادها، بحيث لا تكون قد مرت بفترة انقطاع طويلة خلال الفترة المدروسة. ويضاف إلى ذلك أيضًا أن يتصف الأفراد بحضور مستمر في المشهد الثقافي من حيث المشاركة في الفعاليات الثقافية وتنظيم النشاطات الفنية والانشغال بالقضايا الاجتماعية. ورُوعي أيضًا في العينة تمثيلُها مناطق السودان المختلفة، وخاصة مجتمعات الأقاليم الطرفية التي عايشت تجربة الحراكات المكانية ومجتمعات الإقليم الأوسط التي تتركز فيها الحراكات السياسية. من حيث أداة جمع المادة، استُخدِمت "المقابلة المباشرة" اعتمادًا على أربعة أسئلة مختزلة، تتيح وضعَها في إطار الدراسة، وراعينا في ذلك ألّ تكون أسئلة إيحائية Suggestive Questions بخصوص أثر الحراكات. والأسئلة هي: ما مفهومك للفن؟ ما الذي تحاول تحقيقه في أعمالك؟ ما علاقة الفنان بالمجتمع؟ كيف يتأثر الفن بالتحولات الاجتماعية؟ والقصد هنا أن لا تتضمن الأسئلة ذكرًا صريحًا
للحراكات المكانية والسياسية؛ ليُكشَف عن مدى حضورها، أو انعدامها، في تجربة الفنان من خلال
عنايته هو بالإشارة إليها. وكان المؤشر الدال على انشغال الفنان بالتأثير في المجتمع، أو التأثر به، هو الموضع الذي يظهر فيه الربط بين الفن والمجتمع في إجاباته، ومدى تواتره في إجاباته الأخرى. فإن ربطَ بينهما في إجابته الأولى عن مفهومه للفن، فقدّم نفسه على أنه معنيّ بالتعبير عن قضايا اجتماعية
بعينها، وكذلك في الإجابة الثانية؛ فإن هذا مؤشر على عنايته بالمجتمع أكثر من الذي لا تتضمن إجابته ربطًا بين الفن والمجتمع إلا في إجابتيه عن السؤالين الثالث والرابع، اللذين يتساءلان صراحة عن علاقة الفن بالمجتمع. وكان من المؤشرات أيضًا نوع الإجابات: أتشير إلى علاقة الفن بالمجتمع بطريقة عمومية أم تتضمن إشارات تفصيلية؟ مثل المرات التي يشار فيها إلى قضايا اجتماعية بعينها يتركز عليها اهتمام الفنان، وأحداث محددة، ونشاطات ملموسة ساهم بها الفنان في مجتمعه.
ركزت العينة على الفنانين والمصممين المقيمين في السودان، لكنها شملت أربعة فنانين مقيمين في القاهرة؛ لتمثيل فناني المهجر في الفئات الزمنية الثلاث، وهم: محمد حامد شداد، وصلاح المر، ومعتز الإمام، وأمادو الفادني. وتبعت المقابلات زيارات لإستوديوهات الفنانين، ومكاتب مصمِّمي العمارة، وبعض المباني التي صمّموها، كما جرى تصوير عدد كبير من الأعمال الفنية والمباني، وأجريت عليها تحليلات الأساليب الفنية.
4. الدراسات السابقة
اقتصر معظم البحوث التي أجريت حول الفنون في السودان على فترة ما بعد الاستقلال، وتوقفتُ عند سبعينيات القرن العشرين. وركّز معظمها في بحث علاقة الفن بالهوية الثقافية وتحقيق الاندماج القومي، وغيرها من قضايا التحرر الوطني التي شغلت المثقفين والأدباء والفنانين في ذلك الوقت. وحاليًا، تفتقر مجالات الفنون في السودان إلى البحوث التي تتناول التحولات التي شهدها هذا القطر
في السنوات الأربعين الأخيرة، خاصة في مجالَي الفنون البصرية والعمارة. فالسودان يزوّد العالم العربي بسمة إيجابية كبيرة، قلّما تتوافر لدولة عربية أخرى، هي التنوع الإثني والثقافي الواسع الذي يربط البلاد العربية بأفريقيا جنوب الصحراء. وهذه السمة تجعل من اللازم مناقشة قضايا المجتمعات السودانية في صلة بمجتمعات المنطقتين العربية والأفريقية. تظهر ندرة البحوث التي تتناول القضايا السودانية في أن عدد الدراسات التي كُتبت حول التغيير السياسي الأخير في السودان (2019–2018) لا تتجاوز أصابع اليد، وأغلبها كان عبارة عن تقارير أو تحليل سياسات، وليس دراسات محكّمة صدرت عن مجلات علمية رصينة. منها، ما كتبه أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر أحمد إبراهيم أبو شوك بعنوان "تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان: التحديات والدروس المستفادة"، وهي ورقة تقييم حالة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، خلص فيها إلى أن "الأساس الهيكلي لدولة سودان ما بعد الاستعمار، يحتاج إلى إعادة بناء جذرية، يصحبها تطور في أنماط التفكير السياسي، بعيدًا عن سياسات المحاور ذات الحمولات الأيديولوجية (يسارية أو يمينية"). وهذه الخلاصة توافق ما بُنيت عليه فرضية هذه الدراسة التي ترى أن الفنون السودانية في فترة ما بعد ثمانينيات القرن العشرين يمكن أن توفر مؤشرات على حدوث تحول في الوعي في اتجاه التخلص من سلطة الانتماءات الأيديولوجية. وفي دراسة قصيرة أخرى، خلص عوض أحمد سليمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، إلى أن "ثورة ديسمبر" 2018 تتميز من سابقاتها من الثورات السودانية الحديثة، بأنها جمعت قوى مختلفة من مناطق السودان، غير
(((من أمثلة الدراسات التي تناولت الفنون البصرية في السودان مرتبطة بالفنون الأفريقية، ومن منظورين مختلفين، ينظر الكتابان:
Mercedes Carmona Andreu, The Identity of African Art in Relation with European Aesthetics: Modern African Painting (Khartoum: Dara Art Gallery, 2002; Clemmentine Deliss & Catherine Lampert (eds.), Seven Stories about Modern Art in Africa (London: Whitechapel, 1995).
(1((أحمد إبراهيم أبو شوك، "تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان: التحديات والدروس المستفادة"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019/5/1، شوهد في 2020/4/20، في: https://bit.ly/2W5Geq2
وسطه النيلي "الذي ظل يمثل المركز التقليدي لثقل السلطة في عهود الحكم السابقة"، بحسب تعبير الباحث. أما الدراسات الحديثة التي تتناول أوضاع الفنون البصرية في السودان، فأهمها كتاب صدر في عام 2012 عن متحف الفن الأفريقي بواشنطن The National Museum of African Art، من تحرير مؤرخ الفنون الأفريقية صلاح محمد حسن. ورغم أن الكتاب يقارب أعمال الفنان إبراهيم الصلحي من منظور فكرة الحداثات المتعددة Modernities Multiple التي استدعت إعطاء الكتاب عنوانًا دالً، هو: إبراهيم الصلحي: حداثي رؤيوي Ibrahim Al–Salahi: A Visionary Modernist (1983)، فإن قسمًا معتبرًا من الكتاب تناول التحولات التي شهدتها الفنون البصرية في السودان خلال الخمسين عامًا
المنصرمة. وإلى جانب ما كتبه نقاد أميركيون أمثال الفنان وأستاذ الفن الحديث والمعاصر افتخار دادي Iftikhar Dadi في جامعة كورنيل Cornell University بالولايات المتحدة، وشيكا أوكيكي– أغولو Chika Okeke–Agulu أستاذ تاريخ ونظرية فن الشتات الأفريقي والفن الأفريقي الحديث والمعاصر في جامعة برينستون بالولايات المتحدة، فقد شكلت الدراسة التي كتبها الفنان والناقد السوداني حسن محمد موسى أبرز المساهمات؛ إذ لخص فيها نتائج الجدالات الفكرية التي دارت في السودان في الفترة التي تبلورت فيها تجربة فناني حقبة ما بعد الاستقلال. ويبقى من أوجه القصور في الكتاب كونه لا يتناول تحولات أوضاع الفنون البصرية في السودان بعد ثمانينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي تشكل النطاق الزمني لهذه الدراسة. أما في ما يتعلق بالدراسات التي تتناول العمارة في السودان، فإن ندرتها تجعل تشابه أوضاع السودان مع الدول الأفريقية مدخلً لإدراج ما يتناول منها الأوجه المشتركة بين المدن الأفريقية، ضمن أدبيات هذه الدراسة. ففي كتاب صدر مؤخَّرًا، وصف ديميزي فاسيل Fassil Demizi مرحلتين مرّ بهما تطور
المدن الأفريقية الحديثة. الأولى هي مرحلة تأسيس العمران المديني الكولونيالي، وفيها تشكلت ملامح المدينة الحديثة. وركزت هذه المرحلة على إنشاء مبانٍ معينة، انتشرت في عواصم كل البلاد الأفريقية بالطريقة ذاتها، وضمت الثكنات العسكرية والكنائس والمستشفيات والمراكز التجارية ومكاتب الدولة والسجون والمدارس. وأنشأت هذه المباني نواة المدينة الكولونيالية التي استقطبت أعدادًا كبيرة من المواطنين، فأسسوا أحياء فقيرة نمت على هوامش المدن ببطء في البداية. ثم، مع توسع المدن وتعمق الاستعمار، جذبت هذه المدن أعدادًا كبيرة من المهاجرين من أرياف معظم البلاد؛ فشكّل هذا المركب، الذي يجمع بين العمارة والبشر، الأرضية التي تحققت عليها عملية إدماج الاقتصادات المحلية في
((1(عوض أحمد سليمان، "الثورات السودانية تغيير سياسي أم تحول ديمقراطي: قراءة في 'ثورة 19 ديسمبر' ونتائجها"، تحليل
سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019/7/15، ص 10، شوهد في 2020/4/20، في: https://bit.ly/35evVDY ((1(هو جزء من مؤسسة سميثسونيان Institution Smithsonian، ويقع مكانه في المركز التجاري بواشنطن، ينظر:
"National Museum of African Art: Museum, Washington, District of Columbia, United States," Britannica , accessed on 28/7/2021, at: https://bit.ly/2UOJzNG (13) Salah M. Hassan, Ibrahim El–Salahi: A Visionary Modernist (New York: Museum for African Art; Illustrated edition, 2012).
النظام الاقتصادي العالمي، عبر نمط الاقتصاد الكولونيالي. وبحسب تقسيم فاسيل، جاءت المرحلة الثانية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين مع تبنّي الدول الأفريقية سياسات التوافق الهيكلي، فأدت الخصخصة إلى تدهور الخدمات العامة بقدر أثّر كثيرًا في تنظيم المدينة. فحسب قوله: "دخلت المدن الأفريقية في أزمة جديدة، تتميز بانهيار الخدمات الحضرية وانتشار الفقر والمجاعة ومعدلات البطالة العالية وتفشي الأمراض والتحلل الحضري المرافق لظهور العنف الفيزيائي والرمزي". رغم أن هذا الوصف لنموّ المدن الأفريقية وتدهورها يماثل المراحل التي مرت بها المدن السودانية التي تأسست في حقبة الاستعمار الإنكليزي (1956–1898)، فإن ميكانيزمات تدهور الأرياف، ومن ثم أنماط انتقال سكانها إلى المدينة، وتشكل أطرافها وهوامشها، اتخذت مسارًا مختلفًا في مدن السودان. لقد أدّت العوامل البيئية دورًا مهمًا في إفقار الأرياف وتفكيكها، أكثر من عامل المنافسة الاقتصادية بين المواطنين والمستوطنين المستجلبين من الخارج، الذي يعزو إليه فاسيل تأثيرًا مهمًا في البلاد الأخرى. أما أدبيات دراسة العمارة العربية الحديثة التي تخدم موضوع هذه الدراسة، فهي أيضًا قليلة. ومنها مقاربة سامر عكاش لمشكلات العمارة العربية من منظور الهوية؛ إذ اعتبر أن استجابة المعماري العربي لخصوصية الأوضاع المحلية تنعكس في صورة هوية مميزة لفنون مجتمعه، تعبّر عن نظرته إلى العالم
ونمط إدراكه للواقع، فيكون هذا انعكاسًا لوعيه الذاتي. وبهذا فهو يقيم ارتباطًا بين العمارة والمجتمع من جهة، والعمارة والوعي الذاتي من جهة أخرى. ومن جهته، ناقش المعماري السعودي مشاري عبد الله النعيم الانفصال بين النمط العمراني المتَبنَّى في بلدان الخليج العربي والمحيط الاجتماعي والبيئي، ناظرًا إليه من زاوية التقابل بين القديم والحديث، وطارحًا فرضية أن "التهجين الثقافي" كفيل بتفسير نوع العمران الذي يتطور في الخليج. وهو أيضًا يربط قضية الهوية بالوعي، لكن من حيث إن الوعي نتاج اجتماعي قابل للتحول، وليس موروثًا روحيًا إستاتيكيًا. هذا التصور لوظيفة الثقافة وأشكال التعبير الفني، الذي يربط بين اتخاذها أداة اتصال واكتسابها وظيفة تحررية؛ يقارب إلى حد بعيد مضمون الفرضية المتبناة في هذه الدراسة التي تنسب إلى الفن، بوصفه أداة اتصال، دورًا مهمًا في تغيير اتجاهات المجتمع وتشكيل وعيه.
(14) Fassil Demissie, Postcolonial African Cities: Imperial Legacies and Postcolonial Predicaments (New York: Routledge, 2009), p. 8.
((1(نتيجة للمنافسة التي تعرضت لها مزارع المواطنين من جانب المزارع التي يديرها مستوطنون أوروبيون Farms Settler كانت تدعمهم الإدارات الاستعمارية، صاحبَ نمو المدن الأفريقية الحديثة تدهور الأوضاع البيئية في الأرياف بسبب موجات الجفاف
وانجراف التربة، فساهم ذلك في تدهور أوضاع عامة الريف الأفريقي. ينظر: Ibid.. (1((سامر عكاش، "البحث عن (ذات) ذات معنى: إشكالية الهوية في العمارة"، في: سامر عكاش [وآخرون]، الهوية وقضاياها في
الوعي العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.502 ((1(مشاري عبد الله "النعيم، تحولات الهوية العمرانية: ثنائية الثقافة والتاريخ في العمارة الخليجية"، في: عكاش [وآخرون]، ص.548
ثانيًا: من الإيكولوجيا إلى السوسيولوجيا: التحولات السياقية وتقاطعاتها في وسط السودان
1. خلفية التحولات السياقية (1990–1980)
شهدت فترة ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية في السودان، أثّرت في أوضاع كثير من الإثنيات التي يزخر بها هذا القُطر. فمن الناحية الاقتصادية – الاجتماعية شهدت تلك الفترة انحسارًا في نمط التحضر في منطقة وسط السودان، التي ظلت تعتمد حتى بداية السبعينيات على دور المتعلمين والمهنيين بوصفهم ناقلين لقيم الحداثة، بعد أن تولى هؤلاء إدارة مؤسسات الدولة، عقب خروج البريطانيين من السودان. فبعدها تبدّلت قوى التحديث الفاعلة في المجتمع، إذ شهدت أواخر السبعينيات وعقد الثمانينيات صعودًا واضحًا لنموذج التحديث القائم على دور الفرد، الذي جلبه العاملون في الخارج، خاصة في الخليج أثناء فورة إنتاج النفط في السبعينيات. وفي هذا النموذج، تراجع دور الطبقة الوسطى بوصفها قوةً اجتماعية حديثة، وصعد دور الوسطاء والتجار، وفي السودان تحديدًا تنامى دور ما سمي "الرأسمالية الطفيلية" Capitalism Parasitic. تزامن ذلك التحول مع تبنّي الدولة سياسات اقتصادية تتوافق مع الليبرالية الجديدة في بداية التسعينيات، تبعها تفكيك القطاع العام وتسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسساته، فبدأت هجرة كبيرة من المدن التي كانت تضم كثيرًا من تلك المؤسسات إلى العاصمة الخرطوم. وتخلّت الدولة عن التزامها
للمواطنين بتوفير احتياجاتهم الأساسية من تعليم وصحة. ولأن مؤسسات الثقافة والفنون كانت أولى القطاعات التي تخلّت الدولة عن رعايتها، بدعوى أنها غير منتجة ولا تستطيع تغطية نفقات تشغيلها؛ تراجعت مكانة الثقافة والفنون. ونتيجة لتلك السياسات وعوامل أخرى سبقتها، وكان من بينها تحول نظام النميري نحو تبنّي سياسات إسلاموية قمعية؛ شهد السودان تحولات سياسية متعددة. فكانت فترة الثمانينيات العقد الوحيد في تاريخ السودان الحديث الذي شهد أربعة أنظمة سياسية
متعاقبة. فقد استمر نظام النميري حتى أسقِط بانتفاضة شعبية في عامُ 1985، وتولى الحكم نظام انتقالي برئاسة المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب (2018–1934) استمر إلى عام 1986، فسلّم السلطة إلى نظام ديمقراطي استمر ثلاثة أعوام، انقلب بعدها عليه الجيش بقيادة المخلوع عمر البشير في عام 1989.
((1(يرى محمود عبد الفضيل أن الهجرة إلى البلاد النفطية تمثل أحدث وأهم قنوات الحراك الاجتماعي في الفترة الحديثة،
وأبعدها أثرًا في البنية الطبقية للمجتمعات العربية المرسِلة للعمالة، ينظر: محمود عبد الفضيل، التشكيلات الاجتماعية والتكوينات
الطبقية في الوطن العربي: دراسة تحليلية لأهم التطورات والاتجاهات خلال الفترة 1985–1945 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988)، ص.181 ((1(يرى الباحث جين ويب أن اهتمام المجتمعات الغربية الحديثة بالفنون ارتبط بنظام الدولة القومية التي كان عليها أن تتعامل مع الفنون بوصفها تعبيرًا عن خصوصية الأمة وتاريخها القومي. وبحسب هذا الرأي، فإن تخلي الدولة عن دعم الفنون ليس مصدره
فقط هيمنة الليبرالية الجديدة، بل عملية العولمة التي أضعفت القومية وسلطة الدولة القائمة عليها، ينظر:
Jen Webb, "Art in a Globalised State," in: Caroline Turner (ed.), Art and Social Change: Contemporary Art in Asia and the Pacific (Canberra: Pandanus Books, 2004), p. 30.
ومن الناحية البيئية، شهد السودان موجة جفاف واسعة النطاق، ضربت معظم بلاد منطقة شرق ووسط أفريقيا بين عامي 1985 و 1986، رافقتها حركة زحف واسع لرمال الصحراء من جهة الشمال، فتسبب ذلك في أنْ فقدت مجموعات كبيرة من الرعاة ماشيتها، ونزحت بأعداد كبيرة من منطقتي غرب السودان والنيل الأزرق نحو الخرطوم، فاستقرّت على أطراف العاصمة في أحياء شعبية اتصفت بالتعدد الإثني والثقافي
واللغوي. وفي عام 1988 حدثت موجة من السيول والفيضانات بسبب أمطار غزيرة شهدتها منطقة وسط السودان، فتحول عدد من أحياء العاصمة إلى مناطق منكوبة احتاجت إلى إعادة بناء جديد.
2. أثر تحولات الثمانينيات في الفضاءين الثقافي والبصري في وسط السودان
نتج من تلك التحولات تأثيرات واضحة في الفكر لدى أجيال المثقفين في مختلف المجالات. وفي مجال الفن طُرحت عدة تساؤلات، بعضها له طبيعة فلسفية، مثل: تعريف الفن، والغاية من ممارسته، وعلاقته بالمجتمع؛ وبعضها له طبيعة نقدية، مثل: علاقة الفكر بالفن، وقيمة الشكل الفني، ومدى ارتباطه بالمحتوى، وأسئلة غيرها لم تُناقش بطريقة كافية في فترة السبعينيات التي عُني فيها الفنانون
بمناقشة مقتضيات التحرر الوطني. وبالنسبة إلى الفنون البصرية والمعمارية، كان لطرح تلك الأسئلة تأثيرات واضحة في الفكر والممارسة لدى الفنانين والمصممين السودانيين، ظهرت في تنوع الأساليب الجديدة التي تبنّوها في أعمالهم. أما من حيث المظهر البصري، فنتيجة لتلك الحراكات؛ اكتسبت منطقة وسط السودان عمومًا، وخاصة
العاصمة المثلثة، طابعَ تعددٍ ثقافي واضح، نتج من تنوع الإثنيات والثقافات التي صاغت الصورة
الجديدة لمنطقة الوسط. ففي الشوارع ظهر تنوع الملابس، من حيث تصميم الأزياء وألوانها، وتغيرت واجهات المحلات وطرق تصميم الإعلانات التجارية في الأسواق الطرفية، ورُسمت البيئات الطبيعية
للمناطق التي وفدَ منها النازحون، وتبلوَرت طرق جديدة لتزيين وإدارة المقاهي والمطاعم وأماكن
الترفيه وما يمكن اعتباره ساحات للفضاء العام. ورافق ذلك أيضًا ظهور طرق غير مألوفة في تنظيم
الفضاءات الداخلية للمساكن الشعبية. أثّرت تلك التحولات مجتمعة في أساليب ومفاهيم أجيال الفنانين والمصممين الذين تطورت تجربتهم الفنية بعد ثمانينيات القرن العشرين، خاصة في مجالات الرسم والتصوير وتصميم العمارة والتصميم الداخلي. وكان التحول المهم أنهم في ظل هذا الثراء البصري، لم يقيدوا أنفسهم بالأساليب الجاهزة التي تصنّف ضمن مدارس فنية معينة، كما كان الحال عليه قبل الثمانينيات. وشكّلَ ذلك صعوبة لدارسي
الفنون في السودان؛ لأن مناهج دراسة الفن لم تكن معنية في ذلك الوقت بالتحليل النقدي للأعمال الفنية المرتبطة بفكر الحداثة، الذي شكّل إطار السياسات التعليمية الاستعمارية في مجال الفنون. ففي حين مورس الفن في تلك الفترة بوصفه محاكاة للاتجاهات الحداثية، فإن عملية تلقّي المجتمعات غير الغربية لتأثيرات الحداثة تُفهم اليوم بوصفها عملية ترجمة، وليس محاكاة لما يجري في الغرب.
((2(لم تعد الفنون والعمارة غير الغربية الحديثة تعتبر مجرد تقليد لنظيرتها الغربية، وإنما صارت تُفهم من حيث هي تحويل لما هو
استعماري ليخدم احتياجات تحديث المجتمعات المحلية، وهذا ما يُقصد بعملية "الترجمة الثقافية"، بوصفها موقفًا نقديًا من
الحداثة، التي تمثل الوجه الثقافي للكولونيالية. حول تطبيق نظرية العمارة بوصفها ترجمة ثقافية لتجسير الهوة الثقافية، ينظر:
Mushab Abdu Asy Syahid, "Translating Modern Ideas into Postcolonial Mosque Architecture in Indonesia," International Journal of Built Environment and Scientific Research , vol. 2, no. 1 (June 2018), pp. 39–46.
هذا ما يجعل الشروع في استجلاء الروابط بين الفنون والتحولات التي تجري في المجتمعات ضروريًا اليوم. فالفن فضاء لإنتاج المعرفة وتحويل الممارسات الاجتماعية، وليس مجال استنطاق لغة جمالية لا صلة لها بعمليات إنتاج الفكر وصناعة الوعي، كما ساد الاعتقاد حتى سبعينيات القرن العشرين في السودان. فالتجارب المعاصرة في مختلف البلاد كشفت عن مساهمات متعددة للفنون في مجال التغيير الاجتماعي، منها ما يقتصر أثره على المجتمع المعين، ومنها ما يعبر حدوده ويربطه بالمجتمعات الأخرى.
ثالثًا: تحليل مادة الدراسة
1. المفاهيم
يمكن استخلاص المفاهيم الفنية عند الأجيال الثلاثة لكل من الفنانين والمعماريين.
أ. مفاهيم مصممي العمارة
اتفق معظم أعضاء الفئة الأولى (الثمانينيات) على أن الدور الاجتماعي للمعماري هو إشراك أفراد المجتمع في عملية التصميم والبناء، وتعليمهم طرقها الملائمة، في حين رأى واحدٌ منهم أن دور المعماري يتعلق براحة المستخدم وحمايته، بمراعاة البيئة الطبيعية والاجتماعية. وفي ما يخص رأيهم في علاقة الفن بالحراكات وأثرها في أعمالهم، رأوا أن الحراكات المكانية المتمثلة في النزوح من المناطق الطرفية إلى العاصمة كان لها دور كبير في تغير شكل المدينة، خاصة العاصمة. ولاحظوا أن ذلك انعكس على تجاربهم؛ إذ بحثوا عن طراز عمارة جديد، حاولوا أن يبرزوا فيه روح العمارة السودانية المحلية. وشكّلت عمارة مدينة سواكن العتيقة ذات النمط المعماري العربي والتركي، والواقعة على ساحل البحر الأحمر شرق السودان، أساسًا للاقتباس لديهم، إضافة إلى الاستفادة من
إرث العمارة الكولونيالية. وأكدوا أن للعمارة دورًا كبيرًا في تنمية الوعي الاجتماعي وتطويره. لذا،
اهتموا بتوفير حلول لمشكلات المجتمع، واتجهوا إلى التصاميم قليلة التكلفة مع مراعاة مواصفات صحية، والبحث عن خيارات جديدة لإنتاج مواد إنشاء بديلة عوضًا عن الإسمنت والحديد، واستبدال مواد أقل تكلفة وذات ديمومة عالية، بها. وبالنسبة إلى مفهومهم للعمارة وما يحاولون تحقيقه للمجتمع من خلال أعمالهم، مال مصممو هذه الفئة إلى تأكيد علاقة العمارة بالخيال والابتكار الفني، فشرعوا يحاولون إنشاء مبانٍ موائمة للبيئة والمناخ، تعكس تعدد ثقافات السودان من الناحية الجمالية، واهتموا أيضًا بتوظيف الفضاءات المفتوحة بين المباني (الحوش)، واستخدام الأسقف المرتفعة؛ لارتباط هذا التصميم بنظام حياة الأسرة السودانية أولً، وثانيًا لأنه يقلل احتباس الحرارة داخل المبنى.
((2(من الأدوار التي يؤديها الفن في المجتمع: دعم عمليات التغيير الجارية، وتقوية الالتزامات وتعميقها، وتنوير المجتمع بالموضوعات الجديرة بالاهتمام، وخلق التوافق والتجانس بين الناشطين، وتعزيز القيم والأفكار التي تتبناها قوى التغيير. بخصوص هذه الأدوار، وأخرى مكملة، ينظر:
Melody Mibrandt, "Understanding the Role of Art in Social Movements and Transformation," Journal of Art for life , vol. 1, no. 1 (2010), p. 7.
ووجد مصممو العقد الثاني (التسعينيات) أن دور المعماري في المجتمع هو تحقيق التكيف مع البيئات الطبيعية والمناخية مع مراعاة الأبعاد الجمالية والثقافية التي توافق احتياجات الأسرة السودانية، وأن يتعامل المصمم مع العمارة على أنها ساحة لتحقيق العدالة الاجتماعية. وفيما يخص علاقة الفن بالحراكات التي شهدتها المجتمعات السودانية، وأثرها في أعمالهم، رأوا أنها مثلت تحديًا لهم؛ لأن أكبر التحديات التي يواجهها المعماري السوداني هي كيفية تدخله لدعم تماسك النسيج الاجتماعي المتعدد للمدن الكبيرة. وبالنسبة إلى مفهوم العمارة وما يحاولون تحقيقه عبر أعمالهم، رأوا أن للعمارة دورًا مهمًّا في المجتمعات التي تحتاج تنمية طويلة الأمد. وتمثلت مساهمتهم الأساسية في هذا الجانب في برامج التوعية التي قدمها منتدى السودان للعمارة Forum Architecture Sudan للمصممين الشبّان عن طريق الورشات والمنتديات، وكذلك تطوير المجلس السوداني للأبنية المستدامة
.Sudan Sustainable Building Council , SSBC
أما بالنسبة إلى مصممي العقد الثالث (العقد الأول من الألفية الثالثة)، فإن أهم دور يؤديه المصمم المعماري هو الاستفادة من إمكانيات المواد المحلية بالصورة القصوى؛ لإنتاج طراز عمارة محلي، يسهم في حل المشاكل الموجودة في المجتمع والبيئة المحيطة، ويلائم طبيعة كل منطقة ويستنطق خصائصها الجمالية وتنوع ثقافات مجتمعاتها. أما عن علاقة العمارة بالتحولات الاجتماعية وأثرها في أعمالهم، فقد رأوا أن الحراكات الاجتماعية التي أتت بمواطنين جدد للمدينة، طرحت عليهم تحديًا كبيرًا هو مستوى ثقافة العميل نفسه، ومدى معرفته باحتياجاته. فاحتلت عندهم عملية تثقيف المجتمع
المقام الأول، يليها تحسين مستوى تأهيل المقاولين والعمال والحرفيين العاملين في مجال الإنشاء والبناء، ويرتبط بذلك ضرورة تحسين قوانين المباني لتتوافق مع الأوضاع المحلية للمجتمعات. وبالنسبة إلى مفهوم الفن الذي يحاولون تحقيقه في أعمالهم، فقد اعتبروا أن إعطاء المبنى روحًا وبعدًا جماليًا محليًا هو الذي يحرره من قواعد الإنشاء الصارمة.
ب. مفاهيم الفنون البصرية
وفقًا لما أوضحته مادة المقابلات التي استعنّا بها، فقد رأى فنانو العقد الأول (الثمانينيات) أن دور الفن في المجتمع هو استيعاب البيئة المحيطة، سواء أكانت اجتماعية – سياسية أم طبيعية، وذلك عن طريق استيعابها وتحويلها إلى لغة بصرية، تخاطب المجتمع بغية تحريره من الطرق التقليدية في فهم العالم، ومن أنماط معرفته المستقرة. ورأى بعضهم أنه يمكن توجيه الفنون لمحاربة العادات السيئة وإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية التي ترتبط بالذائقة الجمالية والسلوك الجمعي، وطرح مشاريع
((2(لهذه التجربة التي تربط العمارة برفع الوعي الاجتماعي، مثيلات في مناطق مختلفة من العالم، حيث لم يقصر المعماريون عملهم على إنتاج التصاميم فقط، فسعوا لتغيير المفاهيم بتقديم نشاطات معرفية. ينظر: الفصل الخاص بدور الفن في:
Pep Dardanya & Carlos Cadena Gaitán; Culture and art as Factors for Social Cohesion and Sustainable Urban Development (Barcelona: Latin American Arts for Inclusive Cities, 2017), accessed on 9/9/2021, at: https://bit.ly/3ywRWfD
تتيح للمشاهد تغيير نظرته إلى الظواهر المعتادة، فيراها من زاوية نظر جديدة تحرر مخياله وعقله. في حين رأت أقليةٌ أن دور الفنان يكمن في التعبير عن أفكاره الذاتية بحرّية، ليسهم في توسيع نطاق حرية
المجتمع. وفي ما يخص علاقة الفن بالحراكات الاجتماعية وأثر التحولات في أعمالهم؛ فقد رأى معظم أفراد هذه الفئة أن الفن ناتج من تفاعل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وأن المجتمع هو المؤثر الأول في حركة الفنون وتشكيل اتجاهاتها، وأن القضايا التي اتُّخِذَت أولويةً في تفكيرهم كانت حول النزاع المسلح في جنوب السودان، وتهجير مواطني "حلفا" في شمال السودان، ولاحقًا نزوح مواطني دارفور بسبب الحرب الطاحنة. وكان أبرز ما نال اهتمامَهم تحوُّل نظام جعفر محمد النميري
(2009–1930) في بداية الثمانينيات، الذي نحا إلى تقييد الحريات وفتح الباب للإسلامويين، ومكّن لهم تصفية حساباتهم مع اليسار؛ فمارس نظامه قمعًا كبيرًا للسياسيين والمثقفين وكل دعاة الحرية. هذا، في حين رأت مجموعة أخرى أقل عددًا أن اهتمامها يتركز في ترقية الذوق العام، عبر التعرف إلى التكوين الثقافي الفريد للسودان وعكس تنوعه في أعمالهم. وبخصوص مفهومهم للفن الذي يحاولون تحقيقه، وجد فنانو هذه الفئة أن فنّهم يتطابق مع أسلوبهم الشخصي في الحياة، وأن الإنتاج الفني يمثل عملً ميدانيًا يشترك فيه أفراد المجتمع. في حين رأت قلة منهم أن الفن ساحة لممارسة
الحرية الشخصية، يكشف فيها الفنان عن اهتماماته الخاصة. ورأى الفنان التشكيلي محمد حامد شداد أن الفن يسهم في تذويب الحدود الموضوعية بتبنّي أساليب شكلية غير تقليدية تستهدف إثارة التساؤلات حول التقاليد الراسخة في فهم العالم والخروج عن المألوف، وذلك بكسر قواعد المنظور البصري الغربي وتبنّي المنظور الشرقي الحُرّ. انقسم فنانو الفئة الثانية (التسعينيات) مجموعتين؛ رأت الأولى أن الفنان جزءٌ من مسيرة تطور المجتمع،
سواء أكان ذلك يتم بصورة تلقائية أم ببذل مجهود يستهدف فهم الرموز التي يزخر بها المجتمع وتحليلها. وتوافقت المجموعة الثانية على أن دور الفنان هو إعادة تقديم التصورات والقصص الموجودة في محيطه بصيغ بصرية مبتكرة، تسهم في تثقيف المجتمع وفي تبسيط أساليب التعبير الفني، لكي يتذوقها المشاهد. وبالنسبة إلى علاقة الفن بالحراكات الاجتماعية وأثر التحولات في أعمالهم، رأت غالبية فناني التسعينيات أن الفن يتأثر بصورة مباشرة بالحراكات والأوضاع السياسية والاجتماعية. ويلاحظون أن أنظمة الحكم السياسي أثّرت بصورة كبيرة في هذه الفئة؛ إذ ساهم نظام المخلوع عمر البشير العسكري في قمع الفن وقطع قنوات التواصل وإفقار الثقافة الشعبية، فانتقل بعضهم إلى خارج السودان لمزاولة الفن في أجواء أكثر حرية. في حين وجدت فئة أخرى من فناني التسعينيات أن التهميش والصراعات المسلحة في بعض مناطق السودان أثّرت أيضًا في أعمالهم، فاهتم المصورون الفوتوغرافيون بوجه خاص بتوثيق الأماكن المهجورة، جاعلين منها ذاكرة بصرية جماعية للحروب الطاحنة والكوارث البيئية. وبخصوص مفهومهم للفن وما يحاولون إحقاقه في أعمالهم، أكّد جلّ أفراد هذه الفئة أن الفن إسقاط وتعبير عن الحياة، بكل ما يمارس فيها من نشاطات. اتفق معظم فناني العقد الثالث (العقد الأول من الألفية الثالثة) على أن دور الفنان هو التعبير عن الثقافة البصرية للمجتمع، ورفع الوعي الفني، وأن للفنان دورًا في نشر السلام والأمن، بتوظيف العمل
الفني أداةً للتواصل بين أفراد المجتمع. في حين اعتبر بعض فناني هذه الفئة أن الفنان ناشط اجتماعي يجب أن تكون له فلسفة يطرح من خلالها الأسئلة التي تواجه مجتمعه. وعن رأيهم في أثر التحولات الاجتماعية في أعمالهم، اتفقوا على أن الأوضاع السياسية والمعيشية الضاغطة على المواطن كانت من أبرز العوامل التي أثرت في أحوال المجتمعات السودانية، وأن قضايا البيئة ومشكلات المناخ كانت من القضايا التي تناولوها في أعمالهم. ويعتبرون أن ما يميز فترتهم اتجاهُ البعض إلى التعبير عن المكون الأفريقي في الثقافات السودانية. وحول مفهومهم للفن وما يحاولون تحقيقه في أعمالهم، رأى بعضهم أن الفن يمثل غاية في ذاته، وليس فقط وسيلة للتعبير عن احتياجات المجتمع، فهو أيضًا يثير قلقًا ويولّد أسئلة تحتم على الفنان أن يجد لها الإجابات.
2. تحليل الأساليب
أ. الفنون البصرية
في عقد الثمانينيات، اهتمّ الفنانون في أعمالهم بإثارة التساؤلات؛ لتغيير التفكير النمطي وتحرير الفرد من القمع الفكري. ورغم أن التجارب الأولى في أعمال هذه الفئة كانت متأثرة بصورة كبيرة بالمدارس الفنية الغربية، كالواقعية والتعبيرية، نجد أنه مع تطور تجربتهم، بدؤوا عملية بحث عن أساليب جديدة، واستوعبوا الرموز والعلامات البصرية للثقافات السودانية، فلم يقيدوا أنفسهم بقالب واحد، وانفتحوا على تعدد مصادر المعرفة العالمية أيضًا. وفي أعمال فناني التسعينيات، يبرز اهتمام بتاريخ السودان المرئي؛ فتظهر عناصر الحضارات السودانية القديمة والمباني والأزياء السودانية وعناصر الطبيعة المختلفة. وعلى الرغم من تأثرهم بالمدارس التشكيلية السودانية في بعض تجاربهم الأولى (مدرسة الخرطوم، والمدرسة الكريستالية تحديدًا)، فإن تحولً واضحًا، تضمّن انحرافًا عن تقاليدها الشكلية، ظهر في تجاربهم الأخيرة. أما فنانو العقد الأول من الألفية الثالثة فنجدهم قد عثروا على أسلوبهم الخاص، فتحرروا من نمطية التفكير والتأثر بالمدارس السودانية. ومن جانب آخر، فإنه رغم تقييد نظام الإنقاذ للفنون بأشكالها كافة، ما أدّى إلى ضعف الثقافة الفنية وقلّة المعارض، فإن انفتاح الفنانين على التقنيات الرقمية منحهم قدرة كبيرة على الوصول إلى مصادر المعرفة التي وفرت لهم إمكان تطويع الأساليب الفنية ودمج بعضها ببعض.
ب. العمارة
نجد أن معماريي الثمانينيات اهتموا بتأكيد حضور مفردات التراث والثقافة السودانية، وتميزت بعض أعمالهم بالتركيز على الطراز النوبي، واستخدام الشناشيل التي اشتهرت بها مدينة سواكن. وفي الوقت ذاته، اهتم بعض مصممي الثمانينيات بالمباني قليلة التكلفة وعمارة البسطاء، محاولين إيجاد
((2(وهي عبارة عن ظهور وبروز الغرف الموجودة في الطابق الأول من المبنى، وهو مصنوع من الخشب وتحيط به نقوش وزخرفات، وباطنُه من القوارير الملونة. ويمكن أن نعتبر الشنشول أو الروشان من عناصر العمارة الكلاسيكية في البلدان العربية التي
بدأ ظهورها في القرن الثالث عشر للميلاد؛ إذ ترجع تاريخيًا إلى العصر العباسي، واستمر استعمالها حتى بدايات القرن العشرين.
حلول لمصادر الطاقة البديلة وأنظمة التهوية الطبيعية، في حين ركز البعض الآخر على إنشاء المبنى بطرق مبتكرة وبمواد عالية الديمومة. أما مجموعة التسعينيات، فنجد أن التركيز الأكبر لديهم كان على الجانب المناخي وإيجاد حلول للطقس الحار الجاف في السودان. لذا، كان الاهتمام بفكرة إنشاء فناء داخلي مع استخدام نظام الحوائط المفرغة Wall Cavity والأسقف العالية المزدوجة لتقليل درجة الحرارة الداخلة إلى المبنى. وأما مصممو العقد الأول من الألفية الثالثة فكانت أغلب تصاميمهم ذات طبيعة معاصرة تمنح الثقافة المحلية حضورًا في الفضاء، باستيعاب ملامح المباني المحلية، وتحويلها إلى عنصر وظيفي في الفراغ، مثل كاسرات أشعة الشمس والسقوف المستعارة، واستضافة العناصر التي تمنح واجهة المبنى هيئة مميزة، مع المحافظة على ديمومة المبنى والاستخدام الأمثل للطاقة. بالنظر إلى توزيع أفراد العينة من فنانين تشكيليين ومصممي عمارة على العقود الزمنية الثلاثة، يكشف الاتجاه العام للأساليب عن نمو الميل إلى التفاعل مع المعطيات البصرية المحلية، والاهتمام بتنويع مصادرها. فقد تركز اهتمام فناني السبعينيات على رموز بصرية محدودة، اتُخذِت علامة على الهوية العربية – الأفريقية للمجتمعات السودانية، مثل: الحرف العربي والأقنعة الأفريقية، كما لدى إبراهيم الصلحي وأحمد محمد شبرين، أما في الحقبة المدروسة هنا، فإلى جانب الاستفادة من الفنون البصرية الشعبية مثل الزخارف وطرق تمثيل المشهد الطبيعي، استند الفنانون إلى خبرة بصرية متنوعة المصادر، تضم عناصر تاريخية وفولكلورية وواقعية وتزيينية. ومع أن هذه المصادر تتداخل عند فناني الثمانينيات، فإن مصدرًا معينًا يحظى في الغالب بمكانة مركزية أكثر من غيره لدى الفنان المعين؛ فآثار الحضارات السودانية القديمة لها حضور واضح في ملونات معتصم حسين، وتتخذ الأزياء والإكسسوارات مكانة مهمة في رسومات الفنان التشكيلي عصام عبد الحفيظ وصوره الفوتوغرافية، وتكتسب الأوشام وإيماءات الجسد أهمية في محفورات أستاذ الفنون الجميلة بجامعة السودان عبد الرحمن شنقل. وأما فنانو التسعينيات، فإن تعدد المصادر البصرية يظهر لدى الفنان الواحد، كما عند ليلى أحمد مختار، الأستاذة في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، التي تركز في خزفياتها على علاقة الأوضاع الجسدية بالحراك المكاني للجماعات المحلية، من حيث المواضع التي تحتلها وأنماط توزيعها فيها، ويظهر شيء مماثل في أعمال محمد شباب الفوتوغرافية التي تبرز علاقة الأفراد والجماعات بالمحيط المحلي. وبالنسبة إلى فناني العقد الأول من الألفية الثالثة، فإن مصادر الخبرة البصرية المحلية توظَّف بطرق متباينة توضح تركيزهم على استيعابها وإعادة إنتاجها، وليس اقتباسها المباشر، كما في أعمال المهندس المعماري محمد القاضي التي تخدم فيها العناصر المحلية مهمة التوافق مع البيئة الطبيعية والاجتماعية، ويظهر ذلك عند تشكيليي هذه الفئة في توظيف الجسد البشري للتعبير عن علاقة الإنسان بالمحيط الاجتماعي، كما لدى الفنان أمادو الفادني الذي ينبش فنه في خبايا الذاكرة الأفريقية والانتصار للرجل الأسود، وكذلك الفنان عوض عيسى.
3. النتائج
أنتج العمل الميداني حصيلة من المعلومات اتخذت صورة سرديات تلقائية عند ثمانية عشر فردًا، ومادة أقرب إلى الإجابات المنفصل بعضها عن بعض عند خمسة أفراد، مثلت استجابتهم للأسئلة
الأربعة التي طُرِحت عليهم. وظهر الربط بين الفن والمجتمع لدى أربعة عشر فردًا من مجموع العينة في السؤال الأول الذي يتناول مفهوم الفن، وظهر الارتباط بينهما في السؤال الثالث المتعلق بدور الفن لدى ثمانية عشر فردًا، أما السؤال الرابع فظهر فيه ارتباط الفن بقضايا المجتمع عند عشرين فردًا. وإضافة إلى مؤشر الربط بين الفن والمجتمع، تضمنت الإجابات تجارب شخصية لستة فنانين حول مشاركتهم في نشاطات تستهدف التصدي لمشكلات ملموسة (الحروب، والتشرد، واللجوء، والبيئة)، وتجارب شخصية مع الهجرة والنزوح بسبب مشكلات البيئة والصراعات المسلحة. ورغم أن السرديات تتضمن آراء يصعب تلخيصها بسبب الطبيعة الفلسفية للقضايا الفنية، التي تتطلب أحيانًا تأويل المحتوى؛ يمكن أن يُقسَّم الفنانون من حيث فهمهم لعلاقة فنهم بالمجتمع، مجموعتين: • المجموعة الأولى: معنية بالمجتمع بوصفه وجودًا موضوعيًا له احتياجات، على الفنان أن يدركها
ويستجيب لها. • المجموعة الثانية: ترى المجتمع موضوعًا لمخيلة فنية، تتصوره بحسب المثال الذي يراه الفنان. وينقسم مصممو العمارة مجموعتين أيضًا: • المجموعة الأولى: ناشطون يستهدفون تحويل العلاقة المباشرة بالمحيط الخارجي الطبيعي والاهتمام بالصحة والتوافق البيئي. • المجموعة الثانية: منشغلون بتحويل التصورات وطرق الإدراك لدى المجتمع. تستهدف المجموعة الأولى تحويل سلوك المجتمع تجاه البيئة المحيطة به، أما الثانية فمنشغلة بالوعي الاجتماعي. ومن ثم، يشترك التشكيليون والمعماريون في أنهم يتبنون مفهومين للمجتمع، يمكن وصف الأول بأنه موضوعي، يُرى فيه المجتمع كيانًا يوجه فكر الفنان ويعود الفنان ليؤثر في المجتمع بعد أن وعَب تأثيراته ليُسهم في تطوير معرفته بذاته وواقعه ومحيطه. أما المفهوم الثاني فيرى أن الفنان
يخاطب المجتمع انطلاقًا من ذاته المستقلة، معتبرًا نفسه قوة كاشفة عمّا يتطلبه تحويل الوعي الجماعي
من ريادة وطليعية. ومن حيث المفاهيم، يظهر الاختلاف بين الفئات الثلاث في بروز التأطير الأيديولوجي للتصورات والممارسة لدى فناني الثمانينيات، وتراجعه لدى فناني التسعينيات وغيابه الواضح لدى فناني العقد الأول من الألفية الثالثة. ففي حين استمر لدى فناني الثمانينيات تأثيرُ حقبة مقاومة الاستعمار والبناء
الوطني المتمثل في فهم مشكلات المجتمعات السودانية، في ضوء الأوضاع والسياسات الإقليمية والعالمية، والذي اتخذ صورة رد على الغرب بمحاولة إبراز الخصوصية الثقافية، فإن فناني التسعينيات انشغلوا أكثر بخصوصية مشكلات المجتمعات السودانية، ويظهر ذلك في تعبيرهم عن مقاومة نظام الحكم الشمولي بإبراز تنوع الثقافات السودانية وتعددها. أما فنانو العقد الأول من الألفية الثالثة، فقد أضافوا إلى النقلة التي حققتها فئة التسعينيات نقلةً أخرى تمثلت في التوجه إلى مخاطبة المشكلات الملموسة الملحة، خاصة مشكلات التهميش والنزوح والصراعات المسلحة.
وكما هو متوقع في حالة الدراسات التي تُجرى على مجتمعات المبدعين، وُجدت آراء محدودة
غير متوافقة مع الآراء السائدة (3 أفراد)، ركزت على الجانب الذاتي للفن ودوره في تذويب الحدود الموضوعية للظواهر، كما عبّر أحدهم، أكثر من جانبه الاجتماعي. وهنا، فإن التمييز التقليدي بين
الفنون الجميلة والفنون التطبيقية قد يساعد في تفسير هذا الرأي. وبما أن الأفراد الثلاثة ينتمون إلى عينة الفنانين التشكيليين وليس مصممي العمارة، فالراجح أن يكون اتساع نطاق حرية الابتكار والتحرر من القيود في الفنون غير التطبيقية يفتح المجال أمام التعبير عن الجوانب الذاتية والخصوصية الفردية؛ باعتبار أن الفن يتطلب دائمًا قدرًا من الخروج على الإجماع ومخالفة ما هو سائد، بخلاف الحال في
فن العمارة الذي هو فن تطبيقي. الخلاصة أن نتيجة تحليل مفاهيم الفنانين التشكيليين والمعماريين وأساليبهم لأدوارهم في المجتمع توافق فرضية الدراسة حول أن الحراكات التي شهدها السودان في ثمانينيات القرن العشرين أثّرت في التشكيل وفن العمارة، وأن التوجه نحو الارتباط بقضايا المجتمع يظهر بوضوح أكثر لدى الفئة الأصغر سنًا من الفنانين، ما يسمح بربطه بالبروز الواضح لدور الفنون البصرية في حراك 2019–2018، بحسب ما تمثَّل في الرسوم الإيضاحية المرافقة لشعارات الثورة، التي اضطلع بتنفيذها فنانون شُبَّان.
خاتمة
شهدت فنون التشكيل والعمارة في السودان، في الفترة 2010–1980، تحولات تزامنت مع معايشة الفنانين حراكات إيكولوجية ومكانية، دعمت استمرار حراكات سياسية متعددة، خُتِمت بإسقاط نظام عمر البشير في نيسان/ أبريل 2019. وخلصت الدراسة إلى أن التحول ظهر في جانبين: 1. الأول يخص الأساليب الفنية؛ إذ تحرّرت من الانتماء إلى الأساليب المدرسية والتقاليد الجماعية
التي سادت سبعينيات القرن العشرين، كما لدى مدرسة الخرطوم والمدرسة البلّورية وجماعة الجماليين، فصعدت أساليب فردية لا تتصف بالثبات حتى لدى الفنان الواحد، تستفيد من مصادر متعددة مثل التلقائية والتجريب الشكلي والثقافات المادية للجماعات المحلية. 2. أما الثاني فيخص المفاهيم، ويتركز في عدم التقيد بالأيديولوجيات، ونقد ميل الجماعات السياسية إلى التحكم في الحياة الاجتماعية، والتوجه إلى التفاعل المباشر مع انشغال المجتمعات بقضاياها الحية. والنتيجة أنه على جانبي الأساليب والمفاهيم، مال الفنانون إلى نقد تركُّز السلطة ودعم الميول التحررية. ويُعد الازدهار الواسع الذي لقيه فن الجداريات في مدينة الخرطرم، بعد نجاح ثورة ديسمبر 2018،
تجسيدًا لمخيلة فنية جماعية، ظلت تحتفظ بخبرة حراكات قديمة قابلة للتجدد. ولئن شكلت الساحات العامة الفضاء المادي لحراك القوى الثورية على المستوى السياسي، فإن الجداريات المنتصبة في تلك الساحات والرسومات على المباني العالية مثَّلت الفضاء الرمزي الذي عبَّرَ عن رغبة التغيير التي كانت
تسكن مخيلة الفنانين. ولأن الدراسة افترضت وجود ارتباط بين الرسم والعمارة في مجال التأثير في وعي المجتمع والتعبير عن حركيته؛ فإن الدور المؤثر الذي أدّته الجداريات بوصفها فنًا يعبّر عن التحام
الرسم بالعمارة، يدعم صدق هذه الجزئية المكملة لفرضية الدراسة. ولأن الجداريات تمثل خروجًا
للفن عن قيود المتحف وصالات العرض ومؤسسات تسليع الفن، فهي تصبح نوعًا من المقاومة داخل حقل الفن للسلطة المتمثلة في قوة المال، وتلتقي مع توجه الفنانين نحو نقد سلطة الجماعات الأيديولوجية والسياسية والسعي لتحويل وعي المجتمع. تتوافق هذه الخلاصة مع ما استخلصه بعض الباحثين المعنيين برصد حراكات المجتمعات العربية حول دور تفكيك سلطة المفاهيم في تحويل المجتمعات بطريقة غير التي سعى لها السياسيون والمثقفون في الفترات السابقة، ومن أولئك الباحثين برهان غليون. وعلى أساس تقارب هذه الخلاصات، يمكن لدراسة التحولات الفنية في المجتمعات العربية أن تسهم في الكشف عن المستوى العميق لتحولات الوعي التي مهدت لثوراتها الأخيرة، والتي تميزت أيضًا بنقد هيمنة الخطابات والأيديولوجيات التي سادت البلاد العربية في الربع الأخير من القرن العشرين. ويبقى هذا استنتاجًا يتطلب إجراء مزيد من
الدراسات في البلاد العربية الأخرى.
References
المراجع
العربية
أبو شوك، أحمد إبراهيم. "تجارب الانتفاضات الشعبية في السودان: التحديات والدروس المستفادة". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2019/5/1:. في 2 Geq 5 W /2 ly. bit:// https أحمد، حسن الحاج علي [وآخرون]. أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. بورديو، بيير. الرمز والسلطة. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. ط.3 الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،
حسن، محمد عبد الرحمن. الفنون التشكيلية وتحديث المجتمعات العربية: بين الحداثات المتعددة وتعدد المناظير المحلية. الشارقة: دائرة الثقافة،.2019 سليمان، عوض أحمد. "الثورات السودانية تغيير سياسي أم تحول ديمقراطي: قراءة في 'ثورة 19 ديسمبر' ونتائجها". تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2019/7/15.
في: evVDY /35 ly. bit:// https
((2(رأى برهان غليون أن حقبة ما بعد عام 1967 شهدت ولادة وعي نقدي عربي ركّز على النقد وأسهم في تطوير وعي المجتمعات
العربية بخصوصية واقعها. ينظر: إليزابيث سوزان كساب، الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 67–4654؛ وفي كتاب آخر له لاحظ غليون أيضًا أن الفكر العربي في حاجة إلى إبداع ممارسات ثقافية متنوعة وابتكار أشكال جديدة للاتصال الجماهيري تدعم التعبير والمشاركة في حياة الأمة الفكرية. ينظر: برهان
غليون، الوعي الذاتي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1992)، ص 112–111؛ ومن جهته، أشار حسن الحاج علي أحمد إلى ارتباط الثورات العربية بنقد دور الطبقة الوسطى التي تولت عملية التحديث ومنحت الدولة سطوة على المجتمع. ينظر: حسن الحاج علي أحمد، "مراحل انتقال الثورات العربية: مدخل مؤسسي للتفسير"، في: حسن الحاج علي أحمد [وآخرون]،
أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.76
عبد الفضيل، محمود. التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي: دراسة تحليلية لأهم التطورات والاتجاهات خلال الفترة 1985–1945. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 عكاش، سامر [وآخرون]. الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013. غليون، برهان. الوعي الذاتي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1992 كساب، إليزابيث سوزان. الفكر العربي المعاصر: دراسة في النقد الثقافي المقارن. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014.
الأجنبية
Andreu, Mercedes Carmona. The Identity of African Art in Relation with European Aesthetics: Modern African Painting. Khartoum: Dara Art Gallery, 2002. Dardanya, Pep & Carlos Cadena Gaitán. Culture and Art as Factors for Social Cohesion and Sustainable Urban Development. Barcelona: Latin American Arts for Inclusive Cities, 2017. Deliss, Clemmentine & Catherine Lampert (eds.). Seven Stories about Modern Art in Africa. London: Whitechapel, 1995. Demissie, Fassil. Postcolonial African Cities: Imperial Legacies and Postcolonial Predicaments. New York: Routledge, 2007. Gilleard, Chris & Paul Higgs. The Third Age: Class, Cohort or Generation? Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Hassan, Salah. Ibrahim Al–Salahi: A Visionary Modernist. New York: Museum of African Art, 2012. Jameson, Fredric. Postmodernism or the Cultural Logic of Late Capitalism. New York: Duke University Press, 1995. Mandić, Asja & Patrick Roberts. "Museum Education in Times of Radical Social Changes: International Perspectives and Problems." Journal of Museum Education. vol. 37, no. 3 (Fall 2012). Mibrandt, Melody. "Understanding the Role of Art in Social Movements and Transformation." Journal of Art for life. vol. 1, no. 1 (2010). Spiegel, Jennifer & Stephanie Parent. "Re–approaching Community Development through the Arts: A Critical Mixed Method Study of Social Circus in Quebec." Community Development Journal. vol. 35, no. 4 (October 2018). at: https://bit.ly/3fMjwhI Syahid, Mushab Abdu Asy. "Translating Modern Ideas into Postcolonial Mosque Architecture in Indonesia." International Journal of Built Environment and Scientific Research. vol. 2, no. 1 (June 2018). Turner, Caroline (ed.). Art and Social Change: Contemporary Art in Asia and the Pacific. Canberra: Pandanus Books, 2004.