العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دراسات ما بعد الكولونيالية الفرنسية: قراءة في خلفيات الموقف والتصور

دراسات ما بعد الكولونيالية الفرنسية: قراءة في خلفيات الموقف والتصور

French Post–Colonial Studies: A Reading of the Background and Perspective

مكي سعد الله *

Mekki Saadallah *

الملخّص

ظهرت دراسات التابع في المشهد النقدي، في رد فعلٍ على الخطاب الأنكلوسكسوني، مُنتجة أنساقًا معرفية وفكرية وتاريخية جديدة، تستهدف إعادة قراءة المُنجز المعرفي الاستعماري وفق مقاربات الهامش، مُجسَدًا في إنتلجينسيا أبناء المستعمرات القديمة من النخب المثقفة. وعلى عكس ذلك، تعرّضت مقاربات ما بعد الكولونيالية في الفضاء الفرنكفوني لعمليات تشويه علمية وتاريخية، باعتبارها أبحاثًا كرنفالية تسعى للاستعراض والانتقام من المركز، بعد العجز عن مواكبة سيرورة التقنية والحداثة. وتروم هذه الدراسة تبيان مرتكزات المنظومة المركزية الفرنسية واستقراءها في نقدها لمصنفات دراسات ما بعد الكولونيالية، التي تُعَدُّ خطابات تفكيكية للخطاب الاستعماري ونظرته المتعالية، وذلك في محاولة لتقويض سلطة وهيمنة النص الكولونيالي العاجز عن التخلص والتحرر من فكر الإمبراطوريات وتمثّلاتها للأنا والآخر، ولثقافة الاختلاف والغيرية.

Abstract

Abstract: Subaltern Studies appeared on the critical scene as a reaction to the Anglo–Saxon discourse, which produced new cognitive, intellectual and historical systems that aims at re–reading the colonial epistemic achievement in accordance with approach advocated by in the intelligentsia of the former colonies. In contrast to this kind of studies, the postcolonial approach in the Francophone space have distorted Subaltern Studies claiming that they are carnivalistic research that seeks to take revenge on the Center, not being able to keep pace with the process of technology and modernity. This research paper aims to explain the foundations of the French Centrism and its criticism of post–colonial studies–studies that deconstruct colonial discourse and its transcendent view, and attempt to undermine the authority and domination of the colonial text that has been unable to liberate itself from the imperial thought and its representations of the ego and the other, and the culture of difference and alterity.

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الكولونيالية
  • المركز
  • الهامش
  • الأنا
  • الآخر
  • الاستعمار
Keywords:
  • Post-colonialism
  • Center
  • Margin
  • Ego
  • The Other
  • Colonialism

مُنتجة أنساقًا معرفية وفكرية وتاريخية جديدة، تستهدف إعادة قراءة المُنجز المعرفي الاستعماري

وفق مقاربات الهامش، مُجسَدًا في إنتلجينسيا أبناء المستعمرات القديمة من النخب المثقفة.

وعلى عكس ذلك، تعرّضت مقاربات ما بعد الكولونيالية في الفضاء الفرنكفوني لعمليات

تشويه علمية وتاريخية، باعتبارها أبحاثًا كرنفالية تسعى لاستعراض والانتقام من المركز،

بعد العجز عن مواكبة سيرورة التقنية والحداثة. وتروم هذه الدراسة تبيان مرتكزات المنظومة

المركزية الفرنسية واستقراءها في نقدها لمصنفات دراسات ما بعد الكولونيالية، التي تُعَدُّ

خطابات تفكيكية للخطاب الاستعماري ونظرته المتعالية، وذلك في محاولة لتقويض سلطة

وهيمنة النص الكولونيالي العاجز عن التخلص والتحرر من فكر الإمبراطوريات وتمثّاتها

للأنا والآخر، ولثقافة الاختاف والغيرية.

مقدمة

إذا كانت مفاهيم "ما بعد الكولونيالية" Post–colonial ومصطلحاتها قد حجزت مكانها واحتلت منزلة مميزة في المشهدين النقدي، الإبستيمولوجي والأنثروبولوجي في العالم الأنكلوسكسوني، تحت صفة دراسات التابع Subaltern Studies، فإنها في المقابل تأخرت في الظهور في أوروبا عامة، وفرنسا خاصة. ويتجلّى تخلفها حتى قياسًا على دراسات آداب

الأقليات Littératures des Minorités التي ظهرت في الآداب الشمال – أميركية North American Literature. ويتمحور المفهوم الإبستيمولوجي لمصطلح دراسات ما بعد الكولونيالية Les études postcoloniales، شكليًّا على شقين: الأول منفصل يدلّ على الفترة التاريخية التي جاءت على أنقاض

مرحلة الاستعمار الأوروبي، والثاني متصل ويُعنى بالموضوعات والقضايا والتيمات والاستراتيجيات

الأدبية والفكرية، وكذا النقدية التي تبناها الباحثون من رعايا المستعمرات القديمة ومن المفكرين المتعاطفين معهم والمقتنعين بقضيتهم. وحقيق بنا الاعتراف هنا بأن هذه الدراسة لا تهدف إلى تتبع ظهور المصطلح والتأريخ له، وبيان مفهومه بالحفر في مُنجزه عبر عرض كرونولوجيا مقاربات المنظومات الفكرية والمعرفية المختلفة،

واستعراض ظهور المصطلح ونشأته وخصائصه الفنية ومعتقداته الفكرية ومرجعياته الثقافية والسياسية التي ساهمت في بنائه ورواجه. بل تذهب إلى استقراء المكتبة الفرنسية، وما تحتويه في حقل دراسات ما بعد الكولونيالية؛ للوقوف على الأسباب الموضوعية لمعاداة هذا النمط من الدراسات والمقاربات والأطروحات، ونعتها بمختلف التهم والتعرض لها بشتى ضروب النقائص. تعتمد الدراسة في عرضها للأطروحات على النهج التفكيكي Deconstruction والنقد الثقافي Cultural Criticism في التحليل والتأويل والكشف عن المضمرات في الرؤية الفرنسية لخطاب ما بعد الكولونيالية. فبين الدال والمدلول سلطة ذات محمولات دلالية مستترة، تستوجب التفكيك لرفع اللبس والغموض. فميتافيزيقا الحضور Metaphysics of Presence المتمثلة في جملة القرائن الرافضة لهذا الجنس من الدراسات ضعيفة، وهي عبارة عن خطابات وشعارات سطحية، تُعبِّر عن اضطراب فكري وهشاشة علمية وعشوائية منهجية تخلط بين الحقول المعرفية وتجمع بين

الاجتماعية والسياسية والأدبية والأيديولوجية. وإذا كانت دراسات التابع في الثقافة الأنكلوسكسونية Anglo–Saxon Culture قد شقّت طريقها إلى المجامع الأكاديمية والمحافل العلمية، وأصبحت حركة فكرية لها خصوصياتها ومناهجها وميادينها، فإن التسويق للنظرية في المنظومة الفكرية الفرنسية ما زال يراوح مكانه بعد موجات النقد والرفض والتشكيك والتسفيه الذي تعرّضت له النظرية، حتى يكاد الحجم

الكمي المعارض المنجز يتجاوز بأضعافٍ الدراسات التنظيرية والتطبيقيةح ف "على الرغم من الدراسات العالية توثيقًا وسياقًا لغويًا، والتي لم تتجاهل التداخات والتقاطعات المعرفية، فإن كل هذا جرى تجاوزه

وكأن الإشكالية المركزية تمثّلت في شرعية دراسات ما بعد الكولونيالية وكيفية استيرادها إلى فرنسا".

(1) Sarah Demart, "Au–delà de la controverse française: La critique postcoloniale dans le champ de la sociologie," SociologieS (2016), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/2RF8TU3

تختفي الرؤية الفرنسية الظاهرة والمضمرة للرفض تحت دثار الشرعية، فالحجية المعتمدة تستند إلى كونها نموذجًا بحثيًّا دخيلً على فرنسا، انفلت من المستعمرات البريطانية ومن الثقافة الأميركية. وتبنَّى

الموقف نخبة من الأكاديميين، ومنهم الباحث جون مارك مورا Moura Jean–Marc صاحب كتاب

Littératures francophones et théorie postcoloniale لآداب الفرنكفونية ونظرية ما بعد الاستعمار ا

(2013)، فصرح ب "إنها حركة نقدية متطوِّرة جدًا في الدول الأنكلوسكسونية، وتبقى مجهولة ومتجاهَلة

عندنا لأنها ليست فرنكفونية". إن حجج الاستيراد من الفضاءات الأنكلوسكسونية ومحاربة الحركة الفرنكفونية أسباب واهية، لا تستقيم علميًّا لدحض الحضور وتبرير الرفض الفرنسي لدراسات ما بعد الكولونيالية، بعد انتشارها

الواسع وشيوعها الكبير في الفضاءات العلمية. فإعداد فرنسا لهيئات أكاديمية متخصصة تتحمّل

مهمة الرد، وتتولّى وظيفة التسفيه والتمييع والتشكيك، يوحي بمسكوت عنه وبمسائل مخيفة ومرهبة للمركزية تتجاوز حدود النشأة والوسيلة اللغوية؛ ف "ما تزال نظرية ما بعد الكولونيالية تثير الجدل الكبير في الفضاء الأكاديمي الفرنسي، مع أنّها منهج حيوي في حقل العلوم الاجتماعية في العالم كله، حيث

البحوث في ديناميكيةٍ وتطورٍ في العديد من الدول؛ الولايات المتحدة الأميركي، وبريطانيا، والبرازيل، والهند، ومن ألمانيا إلى دول الشمال، وفي الجامعات الأفريقية، وجامعات أميركا الجنوبية. إنها حقيقة، فهي قضية في النقاش الفكري الفرنسي، على الرغم من احتالها مكانة مميَّزة فيه، ويأتي الموقف

الفرنسي منفردًا ومخالفًا ومعاكسًا للوضعية العلمية العالمية، حيث بقيت الدراسات مهمَّشة في الحقل

الأكاديمي وخاصة في ميدان العلوم الاجتماعية". تُحاول المركزية الثقافية الفرنسية تحصين ذاتها بتكوين وعي فرنسي أولً، وفرنكفوني ثانيًا يُناهض

دراسات ما بعد الكولونيالية، اعتقادًا منها بعدمية مفعولها وضعف نتائجها وارتباطها بحركات خارجية تُهدِّد الوحدة الوطنية الفرنسية، من خال مراجعات الفعل الاستعماري الفرنسي في أفريقيا وآسيا، وما يصاحب تلك الأفكار من انعكاسات على الهوية الفرنسية للشباب المُنحدر من حركات الهجرة،

مع أنّ أكاديميين فرنسيين أقرّوا بحقيَّة هذه الدراسات ومشروعيتها وانتشارها الكبير في الحقول المعرفية

والدوائر العلمية الفرنسية. فقد "أصبح اليوم من الصعب تجاهل دراسات ما بعد الاستعمار، على الرغم مما يحمله في طياته من توترات قوية للغاية، وخاصة في المجتمع الفرنسي". ولأن فرنسا عاجزة عن فتح ملفات ماضيها الاستعماري إراديًا، تجنبًا للمحاكمات وحفاظًا على

امتيازاتها الحالية في مستعمراتها القديمة، وخاصة امتدادها الثقافي واللغوي بعد اكتساح اللغة الإنكليزية فضاءات العولمة الثقافية، وتعميم النموذج الثقافي الأنكلوسكسوني والأميركي، فقد شكَّلت حالة استثنائية في عالم البحوث الأكاديمية العالمية، برفضها لقراءات ومقاربات دراسات ما بعد

(2) "La critique postcoloniale, étude des spécificités: Entretien de Boniface Mongo–Mboussa avec Jean–Marc Moura," Africultures , 30/4/2000, accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3bcgNLJ (3) Nicolas Bancel & Pascal Blanchard, "Un postcolonialisme à la française?" Cités , vol. 72, no. 4 (2017), p. 53. (4) Pascal Blanchard, Nicolas Bancel & Sandrine Lemaire (dir.), La fracture coloniale: La société française au prisme de l’héritage colonial (Paris: La Découverte, 2005), pp. 10–11.

الكولونيالية، حيث "تُدرَّس نظرية ما بعد الكولونيالية في الولايات المتحدة الأميركية بصفة أساسية منذ ثاثة عقود في مختلف أقسام الجامعات (الأدب، والتاريخ، والعلوم السياسية) إلى جانب تيارات فكرية أخرى (الدراسات الإثنية، والدراسات العرقية، ودراسات النوع)". وتكاد تشكِّل فرنسا الاستثناء الأوروبي، بعدم اعترافها بجرائمها الاستعمارية أو الاعتذار عنها سواء في أفريقيا أو آسيا. ولم يجد المؤرخون ودارسو الآثار ما بعد الكولونيالية أسبابًا علمية وموضوعية لتفسير هذا الموقف سوى سببين: أولهما نفسي يرتبط بنرجسية ترى في واقعيتها تفوقًا، وفي الإقرار بأخطائها ضعفًا معنويًا يُقلِّل من هيبتها ومن تاريخها الثوري والتنويري. والثاني براغماتي نفعي، تحتفظ من خاله باستثماراتها في مستعمراتها بعدما أعادت التموضع، بصياغة سياسية تبعية تصبح فيها دول الهامش استنساخًا ثانويًا للإمبراطورية، ونموذجًا لها في السياسة والتربية والاجتماع، بفضل

استراتيجيات وسياسات دقيقة تؤسس لاستمرارية الكولونيالية تحت أقنعة التعاون والمساعدة، وذلك بالترويج والتسويق لبرامج ومشاريع تعود بالفائدة والمنفعة على المتروبول قبل الأهالي. "إن

وضعية فرنسا في مواجهة ماضيها الاستعماري حالة استثنائية وفريدة. وفعلً فقد أُنجزت برامج (بحث، وتعليم، وفضاءات للذكرى)، في كل الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، وتأتي العاقة بين التاريخ والإمبراطوريات لتجاوز ازدواجية الرؤية بين فكر مناهضَة الاستعمار ومنطق المقدسات". تنفتح المكتبة الفرنسية على نصوص تأسيسية لخطاب ثقافي مركزي، يرفض "ثقافة الآخر" مع التأصيل لصورة فرنسية خاصة في فهم الاختاف والغيرية، وتجسيدًا لمركزية منغلقة ذاتيًا،

فكرًا وعقيدة ولغة ومنهجًا، بحيث تتحوّل المقاربات المختلفة إلى وسيلة وأداة للمؤامرة ضد

الثقافة/ الأم/ المركز، وبحكم مطلق الثقافة العقانية والإنسانية المتكاملة. تتنوع النصوص الممجدة لثقافة المركز واعتبارها رسالة حضارية؛ فقد "شجَّع الكتاب الرومانسيون الاستعمار، وقد وصف ألفريد دي فيني

Vigny De Alfred (863–17971) الهنود ب 'المتوحشين'، وحمَّل الحضارة الغربية مسؤولية تعليمهم

الحضارة [...] وكانت معظم كتابات هذه المرحلة تبرّر الاستعمار، لتعوِّض فرنسا خسائر الحرب

الفرنسية – البروسية Franc–Prussian (871–18701) وتدعو الكتاب الفرنسيين إلى مدح الاستعمار وترويجه، خاصة في أفريقيا والهند وجزر الأنتيل". تحتوي مصنفات أدبية وتاريخية وفكرية فرنسية على نصوص تمييزية وعنصرية، شكَّلت في الوعي الجمعي صورًا نمطية عنصرية، جعلت صورة "الآخر" عامة نموذجًا للوحشية والبربرية والتخلف، مع

ما يُصاحب هذه النمطية من أصداء وآثار، تُعوق المثاقفة لأنها ربطت الاختاف بالاعقانية والاإنسانية.

(5) Bancel & Blanchard, p. 53. (6) Blanchard, Bancel & Lemaire (dir.), p. 9. (7) Bernard Djoumessi Tongmo, De la critique de l’infrastructure colonial française à l’enchevêtrement des singularités culturelles dans Madame Bâ d’Erik Orsenna (Paris: Connaissances & Savoirs, 2017), pp. 13–14.

يُنظر ((:(

Glenn Loury, "Les stéréotypes raciaux," in: Magali Bessone & Daniel Sabbagh, Race, Racisme, Discriminations: Anthologie de textes fondamentaux (Paris: Hermann, 2015).

أحدث عدم الاعتراف الفرنسي بدراسات ما بعد الكولونيالية إشكالً في الحقل المعرفي الإنساني والعالمي. وأثبت، بالتوثيق الأكاديمي، العنصرية المعرفية والتحيّز العرقي للمركزية الثقافية الفرنسية،

بعد ضعف القرائن العلمية وغياب الموضوعية المنهجية؛ ذلك أنه "من الصعب أن نتخيّل في فرنسا

الأهمية التي يعرفها تيار دراسات ما بعد الكولونيالية، بتنوعه وتوقعاته واختافه. فصداه في أفريقيا وآسيا وأميركا الاتينية وفي الولايات المتحدة أيضًا، حيث يحتلُّ مكانًا بارزًا في العالم الأكاديمي وكذلك في بعض الدول الأوروبية؛ فهو عبارة عن موجة مدّ وجزر حقيقية رافقت وتلَت مرحلة إنهاء الاستعمار، ويتمظهر في خطاب يعود إلى المرحلة الاستعمارية، ودلالتها وعواقبها، وقد يتجلَّى أيضًا في أشكال أخرى منها الاقتصاد (العولمة)، والسياسة (استيراد نماذج مؤسساتية وقوانين نافذة)، والثقافة (تشويه الثقافات البدائية أو الموصوفة بالدونية)، واللغات (التقاطع اللغوي في أفريقيا بين الفرنسية والإنكليزية) والعلوم الاجتماعية (تطبيق المناهج الغربية على المجتمعات المستعمرة قديمًا".

أولا: الكتابة بصفتها فعلا مقاومًا

اتخذ بعض الأدباء الأفارقة الكتابة سلطةً للمقاومة وإثبات الذات وتفكيك ثقافة التماهي وأسطورة الاستعمار الناعم المهموم بمهمة تحضُّر "الآخر" وإخراجه من غياهب البربرية والجهل وبراثن التخلف. فكانت الكلمة بمنزلة الساح الذي فضح الصور الزائفة التي رسمها الاستعمار لنفسه عبر وسائله، والبروباغندا التي يوظفها، وأتباعه من أبناء مركزيته أو من أبناء مستعمراته الذين خانوا رسالة أوطانهم وتنكَّروا لتضحيات آبائهم وأجدادهم، فجاءت كتاباتهم خطابات تفكيكية لمنظومة كولونيالية رسمت في أدبياتها صورًا مائكية، مثالية وطوباوية؛ لتغطية جرائمها الاقتصادية والإنسانية والثقافية،

بمنهج نقدي ثقافي، كاشف عن حفريات البُعد الكولونيالي، بمنأى عن السردية الكرونولوجية التي

ترهن البحث التفكيكي وتقرنه بالمرجعيات التاريخية المتحيزة. إن التابع أو الهامش، وهو يكتب عن التاريخ الكولونيالي، لا يسعى لمحاكمة التاريخ والمركز بقدر ما يهدف إلى إثبات الذات والتعبير عن الكينونة في مرآة الغيرية الكولونيالية، وخلخلة خطابها الثقافي الذي استطاع صناعة صورة تتسم بموضوعية متصنِّعة، وبصدقية، بفضل سلطة المركزية والميديا الترويجية، إضافة إلى إعادة العاقة بين الأفريقي/ المُستعمَر وتاريخه الذي تعرض للطمس والتشويه والتحريف. ضمن آفاق هذا الفضاء الثقافي المقترن بقيم التسامح والتعاون والتجاوز نحو المُشترك الإنساني، ترتكز

استراتيجية الكتابة ما بعد الكولونيالية على نقد أسس العقل المركزي المُنتِج للفكر والثقافة التبريرية

والتسويغية للفعل الكولونيالي، باستغال وظيفة النص، باعتباره جهازًا عبر لغوي Translinguistique، بتعبير جوليا كريستيفا Julia Kristiva. فالنص الكولونيالي، خطاب مزدوج يجمع بين الخدعة والقناع: الخدعة من خال التضليل الثقافي وصناعة التزييف والتاعب بالمصطلحات والمفاهيم؛ والقناع بالتسويق للأفكار المدلّسة الكاذبة، للتاعب بعقول العامة ومعتقداتهم.

(9) Yves Charles Zarka, "Le postcolonialisme ou le crime inexpiable de l’occident," Cités , vol. 4, no. 72 (2017), p. 3.

1(((جوليا كريسطيفا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.)1997

يسعى كُتّاب "الزنوجة" Négritude خصوصًا، ومنهم إيمي سيزار Césaire Aimé)2008–1913(، والشاعر ليون غونتران داماس Léon–Gontran Damas)1978–1912(، والرئيس الشاعر ليوبولد سيدار سنغور Senghor Sédar Léopold)2001–1906(، لانتفاضة بالكتابة، لخلخلة الصورة المركَّبة التي صنعتها المركزية لنفسها، وأحاطت بها مشروعها الكولونيالي تحت قناع المهمة الحضارية والمسؤولية الإنسانية وسفينة النجاة الغربية، المنقذة للبشرية من وضعيات الفقر والجهل والتوحش. تأسَّس خطاب روّاد حركة الزنوجة على تفنيد خطاب المركزية، والرد على مفكريها الذين حاولوا تأييد مشاريعها الخارجية التوسعية، باعتبارها تعود بالمنافع والامتيازات على المتروبول. فقد جمع مثلً فيكتور هوغو Victor Hugo 885–1802(1) بين ثنائية الاستعمار والحضارة، واعتبر أن روسيا وبريطانيا قوتان استعماريتان، يجب إقصاؤهما من النظام السياسي الأوروبي، بينما يعدّ فرنسا قوة حضارية لها رسالة تنوير وتثقيف نحو المجتمعات المتخلفة، فيصرح بأنه "يجب أن لا تكون فرنسا قوة استعمارية، ف  بُدَّ من أن تكون قوة حضارية، إن إنكلترا وروسيا تحتان العالم المتوحش، ولكن فرنسا عليها تحمُّل مسؤولية تمدين هذا العالم المستعمَر". وقد كذَّب الشاعر ايمي سيزار هذه الرؤى، واعتبرها ضربًا من ضروب الخداع والمكر؛ فالحضارة تتناقض بمبادئها وقيمها مع ممارسات الاستعمار، وشتان بين نشر القيم والحداثة والتقنية وبين النهب والقتل والاضطهاد. فقد ندَّد في بحثه الموسوم ب "خطاب حول

(((1 كاتب وشاعر وسياسي من مستعمرة المارتينيك الفرنسية Martinique، يعتبر مؤسس الحركة الأدبية والسياسية الزنوجة

Négritude من أشهر مؤلفاته قصائده الموسومة ب  كراس العودة إلى أرض الوطن Cahier d’un retour au pays natal (9391)،

والذي أشارت قصائده فيه إلى اللَّمساواة بين السود والبيض، وخطاب حول الاستعمار Discours sur le colonialisme (1950)، والذي شرَّح فيه الاستعمار وكشف مناوراته وتستُّره تحت شعارات الحضارة والقيم الإنسانية.

(1((ليون غونتران داماس Léon–Gontran Damas (978–19121)، يعد عند نقاد الأدب الأفريقي الأب الروحي لحركة الزنوجة،

تعتبر أشعاره وثائق ودساتير للحركة ومبادئ سامية للمثاقفة، ورفضًا لكل تعصب وتمركز حول اللون ومن أشهر دواوينه: قصائد

1).948(Poèmes nègres sur des airs africains زنجية على إيقاعات أفريقية

(1((ليوبولد سيدار سنغور الشاعر/ الرئيس، أول رئيس لدولة السنغال المستقلة (980–19601)، وأول أفريقي يحظى بمقعد في الأكاديمية الفرنسية، ويُعدُّ من كبار مناضلي الحركة الفرنكفونية وهو عضو مؤسس للمجلس الأعلى للفرنكفونية. أسَّس مع إيمي

سيزان Cezanne Amy وليون غونتران Guntrand Leon مجلة الطالب الأسمر L’Étudiant noir سنة 9341، للتعبير عن الثقافة الزنجية ومقاومة العبودية والعنصرية. له مؤلفات عديدة في الدعوة إلى المساواة، ودواوين شعرية تتغنى بتضحيات أصحاب البشرة السمراء في حقل العدالة والحرية. (((1 لم تكن الفلسفة الغربية عمومًا بروّادها ومفكريها بريئة من وضع التقسيمات العنصرية؛ إذ صنفت البشر بحسب اللون والعرق،

وخصَّت الجنس الأبيض بالأفضلية والنقاء والتطور والقابلية للتحضُّر. وكانت هذه الأفكار سببًا في تبرير الاستعمار وإثارة النعرات

الطائفية والعرقية، ويكفي مراجعة الآثار الكاسيكية لكل من إيمانويل كانط Kant Emmanuel (804–17241)، وديفيد هيوم Hume David (776–17111)، وآرثر دي غوبينو Gobineau de Arthur (882–18161)، رينيه ديكارت Descartes René (0–1596165)،.)1778–1712(Jean–Jacques Rousseau وجان جاك روسو يُنظر:

Sylviane Agacinski, " Racisme: La responsabilité philosophique," Lignes , vol. 4, no. 12 (1990), pp. 139– 155. (15) Pascal Melka, Victor Hugo: Un combat pour les opprimés: Etudes sur l’évolution politique (Paris: la Compagnie Littéraire, 2008), p. 385.

(((1 للمركزية الغربية منظور خاص للحضارة، يُنظر: فصل "الحضارة باعتبارها أيديولوجية أوروبية" في: بروس مازليش، الحضارة

ومضامينُها، ترجمة عبد النور خراقي، سلسلة عالم المعرفة 24 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2014)، ص.61

الاستعمار" (9501)، بمظاهر القهر والتعذيب والعنصرية والاغتيالات والاستغال والتجنيد الإجباري للأفارقة، إضافة إلى الوصاية السياسية والثقافية التي حرمت الأفارقة من لغتهم ودياناتهم وثقافاتهم وهويتهم، ف "لا أحد يستعمر ببراءة، لا أحد يستعمر بحصانة، أمّة تستعمر، وحضارة تبرِّر الاستعمار،

إنها بالفعل حضارة مريضة". وعلى الرغم من انتقاداته التي تشمل خطاب ما بعد الكولونيالية، فإنه تمكن من تشكيل حقل معرفي رائد وإرساء رؤية ومقاربة جديدة في تفكيك خطاب الإمبراطوريات الكولونيالية العظمى؛ فقد كشفت كتابات التَّابع/ الهامش عن زيف المشاريع الاستعمارية وقناعاتها الوهمية وإنهاء أسطورة المهمة الحضارية؛ "إن المسافة بين الاستعمار والحضارة غير محددة، ففي كل الحمات الاستعمارية المتراكمة والمتتابعة، لم نعثر على قيمة إنسانية واحدة، سواء في القوانين المُشرّعة أو في التعليمات

الوزارية المُرسلة إلى المستعمرات ولا في غيرها".

ثانيًا: بيبليوغرافيا مصنّفات "ما بعد الكولونيالية" الفرنسية: مقاربات تفكيكية في المضمون والمنهج

لم تكن المكتبة الفرنسية ثرية ثراء المكتبة الأنكلوسكسونية في حقل دراسات ما بعد الكولونيالية والتابع؛ لاختاف المنظومتين فكريًا وأيديولوجيًا في التعامل مع المستعمرات ومخلفاتها الثقافية

والسياسية. فقد ناصبت المركزية الثقافية الفرنسية العداء للدراسات التاريخية التي تنقِّب في موروثها الاستعماري وتستنطق منظومتها الأدبية والفكرية، كاشفةً زيفَ تصوراتها واصطناع مرجعيتها وتكلف سلوكياتها. لذلك، سارعت إلى اتهام دراسات ما بعد الكولونيالية بجملة من الادعاءات والمغالطات، تقزيمًا

لرسالتها واختزالً لأهدافها واستصغارًا لروّادها واختراقًا لمناهجها؛ لتحقِّق استهجانًا أكاديميًا من جهة،

ورفضًا شعبيًا من جهة أخرى، بالترويج لتقاطع نتائجها مع الوحدة الوطنية وتهديدها وإثارة الاضطرابات

الاجتماعية داخل المتروبول. بدأت الكتابات الفرنسية تزدهر؛ ف "انطاقًا من سنة 2006 ازداد الإنتاج الفرنسي في موضوع ما بعد الكولونيالية؛ ما أثار فرحة أنصارها الذين يعتبرون أن المناقشات حول الظاهرة ضرورية لمعرفة أسباب انتشارها". شكلت جدلية المحتوى والمقاربة صدمة للمتلقي، وهو يستقرئ ويستعرض المكتبة الفرنسية في أبحاثها الأكاديمية في حقل دراسات ما بعد الكولونيالية؛ ذلك أن أغلب الدراسات وبنسب متفاوتة حاولت

(17) Pierre Akinwande, Négritude et francophonie: Paradoxes culturels et politiques , Collection: Études africaines – Afrique subsaharienne (Paris: L’Harmattan, 2011), p. 26. (18) Aimé Césaire, Discours sur le colonialisme (Paris: Editions Présence Africaine, 1955), p. 3. (19) Jim Cohen, "La bibliothèque postcoloniale en pleine expansion," Mouvements , vol. 3, no. 51 (2007), p. 166.

التقليل من القيمة العلمية وإثارة الشبهات حولها، سواء من حيث المضمون المعرفي أو الدوافع والحوافز المؤسسة لشيوع هذا الضرب من المقاربات. وقد انقسمت المعارضات والمراجعات إلى اتجاهات تختلف في المنهج وتشترك في النتيجة؛ حيث لم يتمكن الدارسون من التجرّد والتحرّر من سلطة التحيّز

الذي أقرَّته المركزية الثقافية، والتي دفعت الباحث إلى التحوّل من الوظيفة العلمية الموضوعية إلى الوظيفة

النضالية التي تتبنّى مواقف مبدئية أيديولوجية من المسائل والقضايا المرتبطة بالتاريخ الكولونيالي. ولم تكن المواقف أيضًا تجاوزًا للماضي ودعوة للمثاقفة مع الآخر/ الهامش والاعتراف بالجرائم المقترفة والمرتكبة في حقه، بقدر ما كانت إنكارًا كولونياليًا جديدًا لسلطة خطاب الهامش ومصادرة

لحقه في التعبير، كما هو شأن نظرائه في المستعمرات الأنكلوسكسونية من أمثال كتابات هومي بابا

Homi K. Bhabha، وراناجيت غوها Ranajit Guha.

تساءلت أغلبية الدراسات المنشورة في الأعداد الخاصة من المجات (تُشكِّل أغلبية المنشورات، قياسًا على المؤلفات الشخصية وأعمال الملتقيات) صدمة للمتلقي من أبناء المستعمرات أولً والقارئ

الفرنكفوني ثانيًا؛ ذلك أن العناوين اعتمدت الاستفزاز منهجًا للإثارة، فجاءت في معظمها صادمة من

حيث التشكيك في الغايات والأهداف والتضليل الفكري، بالخلط بين مفاهيم مقتربة من حقل التاريخ الاستعماري، كالميراث الكولونيالي، أو التاريخ الاستعماري، والإمبراطورية ومستعمراتها أو بالربط بين الاستعمار وازدواجية الجنسية وقضايا الهوية والهجرة والتطرف الديني، وما إليها من المسائل التي تتقاطع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مع الاستعمار وتمظهراته السياسية والاقتصادية والثقافية. فقد نشرت مجلة هيرودوت Hérodote عددًا خاصًا عن المسألة الاستعمارية Coloniale question La،

ولم يحظ موضوع ما بعد الكولونيالية من حيث هو منهج نقدي ثقافي بأي تحليل، ولم يُناقش ويُعِد بناء

مفهوم الاستعمار إلا في القليل النادر، بعدما سيطرت القضايا الهامشية والثانوية المتصلة بالمنظومة الاستعمارية، كقضايا الخلط بين الاستعمار القديم والحديث وعاقة ما بعد الكولونيالية باللغات، وانفجارات لندن وما إليها من القضايا التي لا تُطوِّر الأدبيات والمنطلقات الفكرية والمرجعية لتيار

ما بعد الكولونيالية. وربما يجري فهم المنهج وأصوله بطريقة سطحية لتأكيد ضعفه وفشله في مقاربة الظواهر التاريخية، ف "اليوم، مثلً، في فرنسا، وبسبب تزايد عدد السكان المنحدرين من الباد ذات الثقافة الإسامية، وبسبب تطوّر الأفكار، فإن عدد المستمعين لأغاني الراي Music Raï والذين يأكلون

الكسكسي Couscous ولهم عاقات صداقة مع العرب، هم أكبر عددًا مقارنة بالجزائر الفرنسية. وهذا دليل على أهمية العاقات ما بعد الكولونيالية". والحقيقة أن الانتشار العالمي في حقول ميادين الموسيقى والأكل والرياضة يرجع إلى أسباب أخرى غير الاحتكاك المباشر بأبناء المستعمرات. فالهجرات المتتالية وتطور وسائل الاتصال وثقافة العولمة، كلها آليات ساهمت في تقارب الشعوب وبداية تفكك الخصوصيات الثقافية وانقراضها بعد موجات التجديد والتحديث التي لامست مسائل الثقافة والفن والرياضة وغيرها.

(20) Yves Lacoste, "La question postcoloniale," Hérodote , vol. 1, no. 120 (2006), p. 15.

انتظر القارئ – وهو يتصفح العدد الخاص الرابع والعشرين لمجلة المتاهة Labyrinthe الذي صدر في عام 2006، والذي أفردته لموضوع ما بعد الكولونيالية الموسوم ب "هل يجب أن نكون ما بعد كولونياليين؟"Faut–il être postcolonial?" " – أن يعثر على المقاربة الفرنسية لحقل دراسات ما بعد الكولونيالية ويكشف عن رؤيتها وموقفها؛ ليستنبط الخصائص والمميزات والضوابط، ويستطلع المنهج والرؤية؛ ليقارنها بنظيراتها الأميركية والأنكلوسكسونية. ولكنه يتفاجأ بمجموعة من الدراسات والأبحاث تتعلق بالنوع والجنس الأدبيين القادمين من أميركا بخصائص سردية ووصفية مميزة، وبموضوعات استرجاعية تاريخية، كخصائص نمط تعليم الأهالي في الجزائر ومدغشقر، من خال المشروع الكولونيالي الفرنسي. إلا أن العدد احتوى على مقاربة قدمها الباحث غريغوار لوميناجي Leménager Grégoire موسومة ب "الدراسات ما بعد الكولونيالية على الطريقة الفرنسية" Des études (post) coloniales à la française" ". وعلى الرغم من الدافعية التي يثيرها العنوان، فإن الباحث استعرض تعامل المنظومة الفكرية الفرنسية مع هذا الحقل الجديد، من خال كتاب الشرخ الكولونيالي La fracture coloniale والذي أشار فيه الباحث إلى أنه "أصبح اليوم من الصعوبة تجاهل دراسات ما بعد الكولونيالية، على الرغم من أنها تحمل توترات قوية وغير عادية في المجتمع الفرنسي". ولعل ما يميِّز هذا العدد هو الإقرار الفرنسي بتأخر حقل دراسات ما بعد الكولونيالية في فرنسا، والإشارة

إلى التناقض والفجوة الكبيرة بين عالمين وفضاءين: الأول عالم يشهد مراجعات نقدية لفترات الكولونيالية وانعكاسات وجودها على المستعمرات وأبنائها، نفسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا؛ والثاني

عالم مركزي متعنِّت ومتصلِّب وعنصري رافض لكل حوار مع "الآخر" وثقافته ووجوده الإنساني

والحضاري. إن "كتاب الشرخ الاستعماريدعوة لتجاوز التأخّر المقصود في البحث، مقارنة بالبحوث الأنكلوسكسونية، وهو يكرر فكرة نيكولا بانسل حين أعلن تقييم الرؤية الدولية للبحث الفرنسي بالضعف في هذا الحقل المعرفي".

((2(لاطاع على محتويات هذا العدد، يُنظر:

"Faut–il être postcolonial?" Labyrinthe , vol. 24, no. 2 (2006), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3szwhTq (22) Blanchard, Bancel & Lemaire (dir.), p. 11.

صدر كتاب الشرخ الاستعماري: المجتمع الفرنسي من منظور الموروث الكولونيالي، سنة 2005، وهو عمل جماعي يقع في 322 صفحة من الحجم المتوسط تتوزع على مقدمة مشتركة بعنوان "الشرخ الاستعماري أزمة فرنسية"، وضحوا من خالها سبب تأليف الكتاب الذي يعود بحسب رأيهم إلى المناخ الفرنسي العام؛ إذ "لم تتوقف في السنوات الأخيرة المناقشات حول الماضي الاستعماري لفرنسا في الفضاء العمومي، وجاء هذا الانبثاق من أماكن متعددة وجمعيات متنوعة، منها المتصل بالتاريخ الاستعماري مثل المرحلين والحركى وقدماء محاربي ثورة الجزائر، ومنها ما يتصل بالدولة حين تشرع في التصويت على نصوص بناء الذاكرة الرسمية،

وأيضًا من الأكاديميين الجامعيين الذين ينشرون بحوثًا تتعلق بالفترة الاستعمارية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة". يُنظر: Ibid., p. 9. ثم تليها أربعة وعشرون بحثًا وملحقان في منهجية دراسة الذاكرات الثاث، الكولونيالية والهجرة والحضرية. تناولت المقالات جميعها عاقة الاستعمار الفرنسي بمستعمراته المستقلة، وانعكاس الوعي الوطني على الجمهورية مع ظهور الإسام السياسي، إضافة إلى إشكالات الهجرة من حيث الاندماج والانقسام بين أرض الاستقبال وأرض الأجداد والأصول. (2((نيكولا بانسول، صاحب مقال: "ماذا نفعل بدراسات ما بعد الكولونيالية؟" المنشور بمجلة القرن العشرين، يُنظر:

Nicolas Bancel, "Que faire des postcolonial studies? Vertus et déraisons de l’accueil critique des postcolonial studies en France," Vingtième Siècle. Revue d’histoire , vol. 3, no. 115 (2012), pp. 129– 147. (24) Grégoire Leménager, "Des études (post) coloniales à la française," Labyrinthe, vol. 24, no. 2 (2006), p. 86.

وتنتاب المركزية حالات فزع فكرية ومعرفية من دراسات ما بعد الكولونيالية ودعاتها، حتى إِن كانت انتماءاتهم فرنسية؛ فالولاء والانتماء الإداري لا يُعبِّر بالضرورة عن الوطنية الخالصة. لذلك تُحجَب

نصوص دعاة ما بعد الكولونيالية وروّادها الفرنسيين من الكتب والمراجع المدرسية الفرنسية، خوفًا

من اطاع الأجيال الصاعدة على التاريخ الاستعماري لبادهم، ومن ثم الدعوة إلى مراجعات علمية موضوعية تُنصف الثقافات والحضارات من هيمنة المركزية وسلطة الإمبراطورية الكولونيالية؛ إذ "تحتوي الكتب المدرسية على 23 في المئة من النصوص المتعلقة بإشكالات آداب ما بعد الكولونيالية، وقضايا الغيرية والعاقة بين تاريخ الاستعمار وما بعده. وعاوة على ذلك، لم يتم مطلقًا توظيف مصطلح ما بعد الكولونيالية للتعبير عن الظواهر السابقة". إن هيمنة الأيديولوجية المركزية على قراءة كتابات ما بعد الكولونيالية وتأويلها أنتجت أنساقًا ثقافية إقصائية وأنظمة فكرية عنصرية متعالية، ترى في المراجعة والإقرار بالذنب والخطأ نقصًا ودونية وضعفًا؛ ما دفع البعض إلى التساؤل: ماذا نصنع بدراسات ما بعد الكولونيالية؟ لأنها تحدث تمزقًا اجتماعيًا وخللً منهجيًا لتقاطعها مع مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، متجاهلة الفائدة المعرفية

لمنهج العلوم البينية L’interdisciplinarité بانفتاحها على مختلف العلوم، ومن ثم قراءة النص برؤى ومقاربات متعددة ومتنوعة، تجاوزًا للأحادية التأويلية والتفسيرية. وهو من المناهج الوظيفية في تناول القضايا والمسائل الهادفة إلى إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع الموروث المرجعي، و"تجدر الإشارة إلى أن الهجمات العامة ضد دراسات ما بعد الكولونيالية والتابع غريبة ومُريبة فهذا التيار يوصف عادة

بأنه منفتح، متعدد المناهج، مُتناقض ومُثير للجدل". والواقع الذي تهابه المركزية الثقافية وتخشاه هو إعادة قراءة التاريخ وظواهره ونتائجه، وفق مؤشرات ومعطيات جدليةِ الأنا والآخر وحوار الحضارات والمثاقفة الندية وثقافة التسامح، حيث يتمكن الهامش من تقويم وتقييم المركز، ف "تنظر دراسات ما بعد الاستعمار إلى مسألة نشأت عن قراءة كتاب إدوارد سعيد، وهي الآثار المترتبة على حقب الفترة الاستعمارية، وهل يستطيع الاستعمار، من هذا المنظور، أن يخبرنا عن تاريخ المتروبول نفسها؟ وهل يمكننا أيضًا تصوُّر تفكيك أوروبا مركزًا لإنتاج العقانية

'المهيمنة' التي تشجع الاستعمار من زاوية الغزو وتعلِّمها للأشكال الملموسة لممارسة السلطة، وكيفيات تطبيق العنف الرمزي وتهميش الثقافات وتخفيض قيمتها". تكمن رسالة الهامش، عبر تموقعه الجديد في السيرورة الحضارية، في دفع المركز إلى إدراك حجم المعاناة السيكولوجية والسوسيوثقافية التي مارستها المركزية الإمبراطورية، فكرًا وثقافةً وسياسةً عبر

قرون الاضطهاد والقهر. ويسعى أيضًا لإلغاء ثقافة التبعية والنفي والإقصاء، وهي الأدوات التي توظفها المركزية لإنتاج النموذج الأعلى والبديل، الذي يتحوَّل إلى معيار لتحديد مراكز الآخرين في هرم البناء

(25) Morgane le Meur, "Auteurs postcoloniaux et manuels scolaires: Un lien en construction," Africultures , 28/9/2014, accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3qoxaf4 (26) Bancel, p. 131. (27) Ibid., p. 135.

الحضاري وتقييم ثقافاتهم وحضاراتهم. و"يسعى فكر ما بعد الاستعمار إلى تفكيك الهيكل العظمي للوحش، لإخراج أماكن سكنه المتميزة، على نحوٍ جذري، ويسأل نفسه عن معرفة ظروف العيش في ظل نظام هذا الوحش، وعن نمط الحياة والموت في محرابه، إنه يكشف عن النزعة الإنسانية لاستعمار الأوروبي، وخاصة ذلك الشيء الذي يجب أن نسميه الحقد المكبوت في لاشعور 'الأنا'، فالعنصرية عمومًا والعنصرية الاستعمارية خصوصًا، هي انعكاس لما في نفس 'الأنا' على 'الآخر"'.

ثالثًا: برَدايم التشويه والتشكيك

شكَّلت الكتابات الفرنسية في حقل دراسات ما بعد الكولونيالية نموذجًا للرفض والإقصاء، وأسقطت على الكتابات التي لا تتناسب وتتوافق مع أدبياتها وأيديولوجيتها كلَّ أنواع التّهم والمغالطات الأكاديمية من الامتداد الماركسي/ الشيوعي الذي استرجعت المركزية الكولونيالية مواقفَه من حركات التحرر، ودعوته لاستقال البلدان المستعمرة في أفريقيا وآسيا. وهذا ما دفع بعض النخب الفرنسية إلى اعتبار دراسات ما بعد الكولونيالية خدعة إمبريالية؛ ذلك "إنّه من السهولة تصنيف دراسات ما بعد الكولونيالية وقراءتها بأنها 'حيلة إمبريالية' بسبب لغتها الإنكليزية وقدومها من الولايات المتحدة الأميركية". وبناءً على التراكمات التاريخية والمعرفية، لم تتمكن المركزية الثقافية الفرنسية من التكيُّف والتفاعل

مع تيار النقد ما بعد الكولونيالي الذي شرع في تفكيك المقولات الاستعمارية وإعادة بناء صورة معرفية جديدة، تستجيب لحقوق الإنسان في وجوب استمتاع الإنسانية جمعاء بالحرية والعدالة، من دون عنصرية أو تمييز عرقي وثقافي. فلجأت إلى الدعوة إلى ضرورة التخلص من هذا الضرب من الدراسات وحرقها؛ لأنها تهدِّد الوحدة الوطنية وتفكك النسيج الاجتماعي وتدعو إلى التفرقة والتطرف؛ إذ "يشكّل هذا النمط من الدراسات انحدارًا علميًا، لأنه يركِّز على الخطابات والتمثُّات، إضافة إلى

الاستخدام الكارثي لمفهوم الهوية، ما أدَّى إلى معالجة المسألة الاجتماعية والسياسية للضواحي بطريقة إثنيّة طائفية". وتبلغ ذروة التطرف مٌنتهاها، حين تنطلق المنظومة النقدية المركزية في تهميش دراسات ما بعد الكولونيالية (لم يقع الإجماع بين الباحثين على المصطلح وأدبياته ووظائفه)، والتشكيك في منهجها القائم على استنطاق التاريخ، وعدم التمييز بين الفعل الكولونيالي وخطابه، إضافةً إلى الاستعانة بمناهج مختلفة في تحليل الظاهرة الاستعمارية، بتوظيف لغة موازية تفرز أنظمة فكرية وخيالية، ولغة العنف المعرفي التي كان يستخدمها الاستعمار. لقد دفعت هذه التهم والادعاءات الباحثة الفرنسية لوتيسيا زيكيني في المركز الوطني للبحث العلمي CNRS إلى الاستفهام: "هل دراسات ما بعد الكولونيالية

(28) Achille Mbembe et al. (eds.), "Qu’est–ce que la pensée postcoloniale?" Esprit , vol. 12, no. 330 (December 2006), p. 119. (29) Boidin Capucine, "Etudes décoloniales et postcoloniales dans les débats Français," Cahiers des Amériques Latines , vol. 3, no. 62 (Janvier 2009), pp. 129– 140. (30) Xavier Molénat, "Faut–il brûler les études Postcoloniales?" Sciences Humaines , no. 217 (Juillet 2010).

تستعمر العلوم الاجتماعية؟". وتعتقد المركزية الفرنسية أن منهج دراسات ما بعد الكولونيالية يغزو الدراسات الإنسانية ويأسرها، وذلك بسبب اقترانها المطلق بالتاريخ والماضي، وتمنعها من التطور والانفتاح والاستفادة من فتوحات العولمة ومناهجها النقدية الحداثية. أنتجت الباحثة كريستين شيفالون في الحقل الجغرافي والأنثروبولوجي بالمركز الوطني للبحث العلمي بحثًا مثيرًا بعنوانه ومضمونه: "السعي المُثير للشفقة لدراسات ما بعد الكولونيالية أو الثورة المُغيَّبة".

استعرضت فيه المنطلقات والأصول الأولية لنشأة دراسات ما بعد الكولونيالية، مدعَّمة بشواهد نظرية عن مفهوم هذا النمط المعرفي وخصائصه وظروف ولوجه الفضاء الفرنسي ومنظومته الفكرية والمعرفية؛ فتقرر أنه "لا شكَّ في أن دراسات ما بعد الكولونيالية ببعدها الإبستيمولوجي النقدي قد دخلت الفضاء الفرنسي وأثَّرت بسياقها الفكري في أعمال الشغب لتشرين الثاني/ نوفمبر "2005. وعلى الرغم من ابتعاد دراسات ما بعد الكولونيالية عن المحاكمات التاريخية والدعوة إلى المحاسبة الجزائية عن الجرائم والإبادة الجماعية المُرتكبة ضد أصحاب الأرض في المستعمرات، والتي تبلغ

مستويات الجرائم ضد الإنسانية، وعلى الرغم من الاعتماد على انتقاد الخطاب الكولونيالي وتصوّراته

المتحيِّزة ضد "الآخر/ المُختلف"، فإن هذا لم يشفع لها أمام تصورات المركزية الثقافية ومعتقداتها.

فهي ترى أنها تيار متجرد من القيم والأخاق، وليس لها هيكلة مرجعية تتحكم في أطروحاتها، ف "لا تمتلك دراسات ما بعد الكولونيالية إطارًا إثنيًّا أو ثقافيًّا". وتستدعي الباحثة رأي الباحث

والسياسي الكاميروني أشيل مبامبي Mbembe Achille في أن دراسات ما بعد الكولونيالية "فكر حالم، حُلم شكل جديد من الإنسانية، إنسانية ناقدة، تهدف إلى تأسيس مشترك جامع لكل اختاف". تستعين المنظومات المتعصبة التي تعيش نوستالجيا المستعمرات إلى إسقاط ضعف المردود التعليمي لأبناء المهاجرين المنحدرين من المستعمرات القديمة؛ بدعوى عدم قابليتهم للحضارة واستعدادهم لفكر الأنوار، حيث تُثبت الدراسات الميدانية في الحقل المعرفي الديداكتيكي وتحليل النتائج المدرسية ارتفاع نسبة الرسوب والفشل الدراسي عند التاميذ والطلبة المهاجرين، لأسباب موضوعية تعود في عمومها إلى الاتوازن في المناهج التعليمية وبيداغوجيا التدريس ومراعاة الفروق الفردية، مما انعكس سلبيًا على المردود الدراسي والتعليمي، ف "يحقق التاميذ المنحدرون من الجيل الأول للهجرة

نتائج منخفضة ب 94 نقطة، مقارنة بتاميذ السكان الأصليين، ويحقق أبناء الجيل الثاني نتائج أضعف ب 32 نقطة قياسًا على تاميذ السكان الأصليين".

(31) Laetitia Zecchini, "Les études postcoloniales colonisent–elles les sciences sociales?" la vie des idees , 27/1/2011, accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3mz9iEi (32) Christine Chivallon, "La quête pathétique des postcolonial studies ou la révolution manquée," Mouvements , vol. 3, no. 51 (2007), p. 32. (33) Ibid., p. 32. (34) Mbembe et al., p. 117. (35) Programme International pour le Suivi des Acquis des élèves (PISA), "France: PISA 2012: Faits marquants," OCDE (2012), p. 13, accessed on 4/1/2022, at: https://bit.ly/3tSsPRA

يمكن أن تسهم دراسات ما بعد الكولونيالية في التنمية باستثمارها في الماضي من حيث إنها تجربة مريرة تكشف عن المعاناة النفسية والجسدية في ظل سيطرة الاستبداد والاستغال والاستاب. فتتحوَّل الفترة الاستعمارية إلى حافز إيجابي، دافع نحو تطوير الذات، وتخليصها من قيود الماضي سجنًا راهنًا للمستقبل. وتكمن أهمية المساهمة في حركية التنمية والنهضة، من خال التميُّز والتفرُّد والاستقالية عن الحقول والمناهج البحثية المتنوعة في حقل الاستعمار. فهو منهج حديث له هويته الخاصة في تقديم المقاربات ورفع الرهانات برؤية نقدية موضوعية للإرث الاستعماري؛ إذ "تُشكِّل دراسات ما بعد الكولونيالية حقلً جديدًا ومتميِّزًا عن دراسات الفعل الكولونيالي، ودراسات العالم الثالث، والدراسات المناهضة للإمبريالية، والاستعمار الجديد، برؤيتها الفكرية ومرجعية أدبها ومعجمها وبنظرتها المؤسساتية". وترى دراسات ما بعد الكولونيالية أن الفترة المعاصرة تستوجب رؤية جديدة وحديثة، تتماشى مع بناء مجتمعات عصرية بقيم الحداثة وحقوق الإنسان. فالمراجعات الكرونولوجية للتاريخ تختلف عن القراءة الجديدة لمفهوم الغيرية والمثاقفة في ظل تاريخ استعماري قديم وطويل ودموي؛ فتموضع المغلوب بعد انعتاقه واستقاله، يتطلّب بناء استراتيجيات جديدة ومتنوعة تؤهِّله للتغيّر والتطوّر لإثبات الذات والوجود ونفي ثقافة التبعية والوصاية. ففي تفكيك النمط الكولونيالي، وأدبياته، ومنظومته اللوجيستية، تمكينٌ للأنا المتحررة من التخلص من كل أشكال السيطرة واستعادة الثقة بالذات ورفض النموذج الكولونيالي. ذلك أنّ "دراسات ما بعد الكولونيالية ليست مدرسة ولا نموذجًا، كما أنها ليست مذهبًا، هي مجموعة متنوعة من الأعمال البحثية والكتابات النظرية والأعمال الأدبية والفنية التي ظهرت مع نهاية السبعينيات. وتهدف إلى نقد التأثيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية". وفي محور العاقة بين التنمية والتخلُّف في المستعمرات القديمة ودور الكولونيالية المركزي في استمرار الوضعية الاقتصادية المزرية بحمايتها للأنظمة الاستبدادية حفاظًا على امتيازاتها في فراديسها، نشر الباحث ديمتري دي  فاي دراسة موسومة ب "دراسات ما بعد الكولونيالية والتخلف"، قدّم فيها جملة من المقترحات للتنمية في المستعمرات، بالاعتماد على أدبيات ونتائج دراسات ما بعد الكولونيالية. وأهمُّ التدابير المقترحة لتسهيل عمليات

التعاون والتنمية بين المستعمَر والمستعمِر في اعتقاده هي: • المساهمة المزدوجة في فهم معنى التخلف والتنمية لإيجاد استراتيجيات للقضاء عليه. • تجاوز نقد دراسات التنمية والتخلف، لدراسات ما بعد الكولونيالية، باتهامها بالاعتماد على المراجعات التاريخية وتجاهل المستقبل والاستشراف وغياب الرؤية النهضوية.

(36) Dimitri della Faille, "Les études postcoloniales et le 'sous–développement'," Revue québécoise de droit international , hors–série (Novembre 2012), p. 17. (37) Ibid., p. 15.

• تجاوز انتقادات دراسات ما بعد الكولونيالية لدراسات التنمية باعتمادها خاصة تغليب الرؤى النظرية على تبني المشاريع التطبيقية والميدانية واستنساخ التجارب الفاشلة، إضافة إلى غياب سياسات وطنية لمحاربة الفساد. تستوقف المتلقي في هذه الأطروحة مقاربةُ تجديد المعجم اللغوي لدراسات ما بعد الكولونيالية؛ فبعض المفردات والألفاظ المتداولة أكاديميًا وبحثيًا تثير العنف وتستفزّ المشاعر وتدفع نحو القطيعة

بين المستعمَر والمستعمِر في اعتقاد الكاتب. والحقيقة العلمية واللغوية واللسانية تثبت أن لكل حقل معرفي معجمه الخاص والمميَّز، بشموليته للألفاظ والتراكيب، ويبقى السياق هو الآلية الوحيدة

لتحديد الدلالة، فالتعاون والاعتراف بالذنب والاعتذار عن الجرائم لا يستوجب معجمًا غزليًّا. وبعد

سلسلة الانتقادات الأيديولوجية التي رصدتها المنظومة المركزية الفرنسية، ابتداء من التشكيك في قيمتها وأهدافها وصولً إلى فائدتها، انعطف النقد المؤدلج نحو التأسيس لنظرية منهجية معاكسة تروّج لعدم علمية دراسات ما بعد الكولونيالية؛ باعتبارها موجة عاطفية مؤقتة، بارتكازها على الشعور الوجداني التاريخي لإثارة الوجدان الوطني لأبناء المستعمرات، واعتبار كتاباتهم نضالً واعترافًا بكفاح الآباء والأجداد. تعتبر المركزية موضوعات دراسات ما بعد الكولونيالية ضربًا من الإثارة وإعادة التمركز في فضاء النخبة الجديدة المؤهلة لبعث حركية النهضة؛ فقضايا الهوية الثقافية والاستاب ومسألة التخلف وتشجيع المركزية للفساد والتستُّر عليه في المستعمرات مع مواصلة الاستغال باستقطاب النخب وتشجيع هجرة الأدمغة وما إلى ذلك، هي انشغالات داخلية ومحلية نتجت من تراكم الفساد الإداري والسياسي. وتأتي دعوة تسفيه منهج دراسات ما بعد الكولونيالية في إطار استراتيجية هجومية من المركز؛ لتوجيه الرؤية والخطاب نحو ثقافة جديدة تعتمدها النخبة وتتبنَّاها، لمواجهة نظيرتها ضمن سياسة قديمة تسلكها المركزية الكولونيالية بإثارة التفرقة والانقسامات في المجتمع الواحد، بتوظيف معجم لغوي خاص، ومنهُ: الحرص على المصلحة الوطنية، والعمالة، والخيانة، وغيرها. ومجاراةً لمبدأ التسفيه والتمييع نشرت مجلة الأدب Littérature في عددها 154 (2009)، عددًا خاصًا عن دراسات ما بعد الكولونيالية عنوانه: "معابر: الكتابات الفرنكفونية، نظريات ما بعد الكولونيالية"

. وتضمَّن العدد مجموعة من " Passages: Écritures francophones, théories postcoloniales"

الأبحاث المهمة والمُثيرة من الناحيتين العلمية والوجدانية. وطرحت المجلة مجموعة من الدراسات تتعلق بأفكار وموضوعات الفرنكفونية وتشعُّباتها، وتعتقد المجلة أنها تتقاطع مع دراسات ما بعد الكولونيالية، فضم الفهرس بحوثًا عن عاقة ما بعد الكولونيالية الأفريقية بالفرنكفونية، والألغاز والإشكالات التي تُثيرها هذه الدراسات من حيث التأسيس الأجناسي والنوع والشكل. غير أن الدراستين المميَّزتين حَملتَا استفزازًا معرفيًا للمتلقّي، واستوجبتا التوقّف عندهما بالتحليل والدراسة

(38) Ibid., p. 20.

النقدية الموضوعية، أولهما: دراسة بعنوان "الأساس المستحيل لدراسات ما بعد الكولونيالية"، والتي كتبتها إدارةُ المجلة الحاملة لأفكار ومبادئ ورؤية المدرسة الفرنسية الثقافية والأدبية والفكرية لدراسات ما بعد الكولونيالية. فالإدانة الأولى لروّاد دراسات ما بعد الكولونيالية هي الافتقار إلى أداة تعبيرية خاصة تمكّنهم من التعبير

عن آرائهم؛ فهم يستخدمون ويوظفون اللغة الفرنسية وسيلةً لانتشار والنقد والتفكيك لمناهضة الدولة/ الأم، ف "من 9271 إلى 9471 تناضل الأوساط الأفريقية والكاريبية (الأنتيل) في باريس وفرنسا من أجل كرامة الرجل الأسمر، وعبّروا عن مخاوفهم ومعاناتهم من قوانين الدولة الفرنسية في دوريات: الزنجية،

والعرق الأسمر، والبرقية الأفريقية، والعالم الأسود ". وهي دوريات ناطقة بالفرنسية. فالفرنكفونية في عُرف المركزية الثقافية الفرنسية، ساح ذو حدين، ورؤية مزدوجة، تخضع لبراغماتية المركز، فالمنفعة هي التي تُحدِّد الأهمية والقيمة؛ فإذا كانت لصالح المتروبول فهي تمثيل لثقافة العقانية والحضارة، وحين تتحوّل إلى ساح لمحاربة الإرث الاستعماري وامتداده الثقافي فإنها تصبح تنكُّرًا للهوية الأصلية

وتحريفًا للبنية السياقية والدلالية. فاللغة تصنع التبعية الاستعمارية الإرادية لأنها تمثِّل حتمية حضارية لانتشار، فكل الأدب الأفريقي

مكتوب وموثق بلغة المستعمِر؛ فقد "نشأت وازدهرت معظم نظريات ما بعد الكولونيالية، والأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية في الأراضي الغربية [...] وهذا ما أسمِّيه مياد مجرَّة في مجرَّة أخرى". من هذه المنطلقات والمؤشرات تحوّلت دراسات ما بعد الكولونيالية إلى جناح من أجنحة الثقافة

الفرنكفونية، يهتم بقضايا الاستعمار وتاريخه ضمن منظومة متروبوليتية، ترعى وتحتضن وتراقب الانحرافات والانزلاقات التي تحاول الاستقال بالرأي والمنهج. فالتعبير بالفرنسية يتجاوز الوسيلة اللغوية البسيطة إلى الثقافة بصفة عامة كما أكَّده ليوبولد سيدار سنغور Senghor Sédar Léopold (2001–1906) في العديد من مقالاته والتي نذكر منها: "الفرنكفونية كثقافة" La Francophonie comme culture" "، المنشورة في العدد الأول من مجلة دراسات أدبية Études littéraires سنة 9681، والفرنكفوني كمساهمة في الحضارة

الإنسانية" La francophonie comme contribution a la civilisation de l’universel" "، وهي

منشورة في كتاب له بعنوان الحرية: الزنوجية والحضارة الإنسانية Liberté: Négritude et civilisation de l’universel، وصدر سنة 977.1 وبهذه التصوّرات والمعتقدات أصبحت دراسات ما بعد الكولونيالية

رمزًا للتيار والمدرسة "سيئة الاسم والمكان والزمان". هاجس آخر رفعته الباحثة في الأدب العالمي بجامعة أوكسفورد إليك بوهمر بشأن إمكانية انتقال الخطاب ما بعد الكولونيالي من السلمية إلى العنف والإرهاب؛ فبعد الإيمان بالجنوح نحو السلمية في البحث

(39) Zineb Ali–Benali, Martin Mégevand & Françoise Simasotchi–Bronès, "L’impossible fondement des théories postcoloniales: Le commerce du génie dans une société en devenir," Littérature , vol. 2, no. 154 (2009), pp. 67– 81. (40) Ibid., p. 68. (41) Ibid., p. 73. (42) Ibid.

والمنهج واستقبال النتائج من خال الابتعاد عن فكر المحاكمات وطلب القصاص والتعويضات والاكتفاء بالمقاومة بالكتابة، "قُبِلَت دراسات ما بعد الكولونيالية، في المؤسسات والأوساط الأكاديمية، مصطلحًا نقديًا في مواجهة حقل قوة مقاومة الإمبراطورية وما بعدها من إمبراطوريات إمبريالية، من حيث النظرية والكتابة". تُمجِّد كتابات ما بعد الكولونيالية الشعور بالوطن والوطنية، فهي مهد للعاطفة الوطنية الطبيعية، ولكن الأصولية الثورية تنحرف بالخطاب نحو العنف والإرهاب عند الخوف على زوال الهوية، فيندفع البعض إلى إنكار الحداثة ورفضها بمختلف أشكالها؛ ما يساهم في تقوية روح المقاومة التي تؤدي إلى الانزلاق نحو التطرف. ذلك أن "الكتابة ما بعد الكولونيالية، المعروفة بنموذج المقاومة أو بالهجمة الكوسموبوليتية، لا تُقدِّم مبررًا للإرهاب ولا تقلِّل بأي حال من الأحوال من المعاناة والتجاوزات التي يحدثها الفعل الإرهابي [...] أريد أن أقترح: يجب أن توفّر الكتابة ما بعد الكولونيالية وسائل التفكير في الإرهاب الذي تصنعه أو يصنعه غيرها، كما يجب أن تساهم في تطوير أجوبة (حلول) ناجعة سياسيًا وقابلة للتطبيق". إنّ أقنعة الهوية والتعصب لها، وتحويل ثقافة المراجعات للفعل الاستعماري إلى وعاء لاحتواء التمرد الاجتماعي والتطرف الديني والمذهبي، حجج وأدلة لم تتمكن المركزية الثقافية الفرنسية من خالها من إثبات رفضها لدراسات ما بعد الكولونيالية؛ فتحولت الادعاءات والتهم من انتقادات علمية ومنهجية في بعدها التأويلي إلى استعمار جديد في شكل ثقافي ومعرفي، وامتداد للوصاية. فالعقانية المنهجية لم تتمكن من إيجاد صلة بين تهمة الإرهاب ودراسات ما بعد الكولونيالية، ولم لم ترْقَ أيضًا إلى فهم العاقة بين الدراسات ونظرية الهيمنة؛ لأن مفهوم الهيمنة يوحي بالسيطرة وتكريس النموذج الأوحد والرؤية الفردية، في حين يسعى منهج دراسات ما بعد الكولونيالية إلى التوسع واكتساح حقول الموروث التاريخية بالمراجعة والتفكيك لأساطير السيطرة والاحتواء. هيمنت الأيديولوجيا على الكتابات المناهضة لدراسات ما بعد الكولونيالية، وتنوعت من حيث التحليل واختيار التّهم، واستثمار المشاعر الوطنية؛ فأصبحت الأبحاث تُمثِّل استفزازًا معرفيًا وإثارة بحثية تمجد الظلم وثقافة الإبادة والاستمرارية الاستعمارية للكولونيالية الجديدة. فمقال "هل يجب حرق دراسات ما بعد الكولونيالية؟"، تكريس للفكر الأحادي المركزي الاستعماري الذي يُحارب الهويات الوطنية ويرفض الوجود والتعايش خارج المركزية العنصرية. في حين أن بحث "لا وجود للنص ما بعد

(43) Elleke Boehmer, "Écriture postcoloniale et terreur," Littérature , vol. 2, no. 154, (2009), p. 84. (44) Ibid., p. 90. (45) Hélène L’Heuillet, "Les études postcoloniales, une nouvelle théorie de la domination?" Revue Cités , vol. 4, no. 72, vol. 4 (2017), p. 41. (46) Molénat.

الكولونيالي" يحيل على العدمية والنهاية. وإذا كانت فكرة النهايات وثقافتها تؤسس لأفكار وثقافات جديدة تتجلى في رهانات "الما بعد"، فإن النفي المطلق لوجود كتابات ما بعد كولونيالية، يرمي إلى إعادة الاستعمار في ثوب مفضوح، على الرغم من عمليات التجميل الاصطناعية التي تحاول التشكيك والترهيب من نتائجها على المستويين المحلي والعالمي. إن الرُهاب الذي يقطن في نفوس المناوئين لدراسات ما بعد الكولونيالية يكمن في النتائج الاستشرافية

التي تسعى لتحقيقها، من خال عمليات التفكيك وإعادة القراءة لأدبيات الخطاب الاستعماري، ووسائله الدعائية لشرعيته، من بيولوجيا عرقية عنصرية مكرسة للتفاوت الذكائي بين الأعراق، إلى أنثروبولوجيا استعمارية تؤمن بالتراتبية الإثنية والعرقية، وتسوّغ الاحتالَ تحت أقنعة الرسالة الحضارية

أو التبشير الديني خدمةً للرب واستجابةً لتكليفه. وهذه المخاوف هي التي تنبِّه إليها بعض الدراسات،

مثل دراسة "أين تذهب دراسات ما بعد الكولونيالية؟". كما أن الصدمة المعرفية للمتلقي الما بعد كولونيالي تنبع من المعجم اللغوي المقصود الذي توظفه المركزية الثقافية الفرنسية، والذي يحول الخطاب المجرد إلى إدراك واعٍ للفعل؛ لينتظر نتائج تستجيب لرسالته في التشكيك في منهج الدراسات، بالعزف على القيم الوطنية والترهيب من النتائج والانعكاسات على الوحدة الترابية والبنية الاجتماعية، ولذلك صرخَت "ماذا نصنع بدراسات ما بعد الكولونيالية؟". وبعد الانتشار الواسع لمنهج البحوث ما بعد الكولونيالية، وعجز المركزية عن تكميم وتشويه صوتها وخطابها، بدأت في تقديم الدعوات للإقرار والاعتراف بها تيارًا أكاديميًا له نخبته وجمهوره، "نحو

اعتراف فرنسي بدراسات ما بعد الكولونيالية"، وقرنت الاعتراف بجملة من الشروط والتحفظات التي تعرقل الانتشار والتوسع، ويتربع على قمتها الابتعاد عن المراجعات التاريخية التي تستدعي المحاكمات، وتجاوز دراسات الهوية والخصوصيات الثقافية التي يمكن أن يعتنقها أبناء المهاجرين، والإيمان بها بصفتها جذورًا تاريخية لأصولهم. تُعدُّ العناوين المرفوعة في الأبحاث الأكاديمية الفرنسية ضربًا من الاستفزاز الفكري، ونوعًا من الاعتباطية والعشوائية المنهجية والإثارة الوجدانية لشعوب المستعمرات القديمة، إضافة إلى الاستهتار بنخبتها. وهي تُنتج مُنجزًا تفكيكيًا علميًا لإرث كولونيالي جثم على ثقافة أمم وهوياتها لتاريخٍ تجاوز

قرونًا؛ ذلك أن التقاطع والجمع بين حركة فكرية، وتيار نقدي، وفعل دموي إرهابي، يعتبر تعبيرًا عن

حالة اضطراب فكري. فالمقاربات الأمنية العالمية، لم تدرج مطلقًا الدراسات الأكاديمية في حقل

(47) Dominique Combe, "'Le texte postcolonial n’existe pas', Théorie postcoloniale, études francophones et critique génétique," Genesis , vol. 33 (2011). (48) Clemens Zobel & Maria Benedita Basto, "Où vont les études postcoloniales?" Mouvements , vol. 3, no. 51 (2007), pp. 157–163. (49) Stéphane Dufoix, "Que faire des études postcoloniales?" Revue française de science politique , vol. 61, no. 4 (Août

(50) Alec G. Hargreaves, "Chemins de traverse: Vers une reconnaissance de la postcolonialité en France," Mouvements , vol. 3, no. 51 (2007).

التاريخ الاستعماري وجزئياته وفروعه، بصفتها أدوات تحريضية لإثارة النزاعات والعمليات المتطرفة في العالم. ولا تتحمَّل دراسات ما بعد الكولونيالية عبء فشل السياسات الاجتماعية وعنصرية الإدارة وصعود اليمين المتطرف وانتشار التطرف الديني والمذهبي؛ فالتراكمات الاجتماعية، وغياب سياسة عادلة لاندماج الاجتماعي، مع سيادة قوانين التمييز والتفرقة، كانت في عمومها سببًا مباشرًا في الانتفاضات

الاجتماعية والثقافية والدينية. في حين جاء الاعتراف الأكاديمي بعد مقاومة ونضال نخبوي، قدّم فيه روّاد تيار ما بعد الكولونيالية دراسات موضوعية، افتكوا بها الإقرار العلمي؛ فالشرعية ليست مِنَّة أو هبة من المركزية. لم تكن مجلة الروح Esprit استثناءً فرنسيًا في الحقل البحثي المتعلق بمراجعة التاريخ الاستعماري؛

فقد واكبت موجة الإنكار والتجاوز والتهميش، وسايرت نظيراتها من المجات الفرنسية في تناول الجوانب الثانوية من دراسات ما بعد الكولونيالية. فقد جاء العدد الخاص لشهر كانون الأول/ ديسمبر 2006، بعنوان: "لفهم الفكر ما بعد الكولونيالي"، وتوسم المتلقي الإضافة والتجديد في المنهج والرؤية والمكاشفة الصريحة لنقد حقبة تاريخية اتسمت بالدموية والإقصاء والتغييب المقصود لهويات شعوب وأمم متجذِّرة في التاريخ الحضاري، حيث لم يشفع لها هذا الرصيد في اقتناص حق مشروعٍ اغتالته المركزية. فقد تناول العدد سلسلة من المقالات عن التمييز السلبي والعنصري في الضواحي الفرنسية، وكيفية إعادة بناء التماسك الاجتماعي، وتجاوز مرحلة التشنجات والصدامات التي أخذت طابعًا إثنيًّا

بعدما فقد الشباب المنحدر من أصول مهاجرة الأمل في الأنظمة والتشريعات. غير أن العدد احتوى على بحثين مركزيين لهما صلة مباشرة بتيمة دراسات ما بعد الكولونيالية: الأول عمل مشترك بين مجموعة من الباحثين موسوم ب "ما هو الفكر ما بعد الكولونيالي؟"، وهو حوار مطول مع الباحث والسياسي الكاميروني أشيل مبامبي، أحد منظّري تيار ما بعد الكولونيالية، والذي اعتبر أن دراسات ما بعد الكولونيالية جاءت نتيجة نضالات ثقافية وأكاديمية كبيرة، بدأت مع كتاب الاستشراق Orientalism (9781) لإدوارد سعيد (2003–1935) ومقولاته في تفكيك خطاب الغرب عن صناعة الشرق المتخيَّل، إضافة إلى إنشاء وبناء أدبيات موضوع الكولونيالية مع رواية فرانز فانون

Fanon Frantz 961–1925(1) بشرة سمراء، وأقنعة بيضاء Black Skin, White Masks 1).952(وفي تفسيره لرسالة بحوث ما بعد الكولونيالية، وضح الباحث "أن فكر ما بعد الكولونيالية يتأسس مع مياد الإنسانية الجديدة التي سوف تولد مع انقراض الوجوه الاستعمارية التي تمثِّل الاإنسانية والتفرقة العرقية. هذا الأمل يبشِّر بنشأة مجتمع عالمي وأخوي". كما كشف أيضًا عن تناقض فكر المركزية الفرنسية في تعاملها مع فكرتَي العالمية والإنسانية؛ فالقيم في المنظورَين تختلف بين المركز والهامش.

(51) Achille Mbembe, "What is Postcolonial Thinking?" Eurozone , 9/1/2008, accessed on 6/1/2022, at: https://bit. ly/3qq9YwQ (52) Mbembe et al. (eds.), p. 118.

ويتنبَّأ الكاتب بمستقبل كبير لدراسات ما بعد الكولونيالية، لأنها تمثِّل ضمير النضال للمستضعفين؛

ف "ما يشكّل القوة السياسية للفكر ما بعد الكولونيالي هو ارتباطه بالنضال الاجتماعي والتاريخي للمجتمعات المستعمرة، مع إعادة قراءة للمنظور النظري للحركات المرتبطة بالتحرر". وفي النهاية يذكِّر الباحث بتأثير الفكر الفرنسي التنويري والإنساني وما بعد البنيوي في دراسات ما بعد الكولونيالية؛ إذ يقول "يجب أن نضيف تأثير مفكري الغيرية الفرنسيين، من أمثال Jean–Paul 1) وجان بول سارتر 961–1908(Maurice Merleau–Ponty موريس ميرلو بونتي Sartre (980–19051) وإيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas وغيرهم، ويدين فكر ما بعد الكولونيالية لتحليات ميشال فوكو Michel Foucault وجاك دريدا Jacques Derrida)2004–1930(وجاك لاكان Lacan Jacques (981–19011) [...]. والمفارقة هي أنه بسبب العزلة الثقافية والنرجسية النخبوية، حرمت فرنسا نفسها من هذه الرحات الجديدة للفكر العالمي". يُفرز البحث عن مفارقات أكاديمية عميقة، حيث اصطدمت النخبة بعقدها ومركّباتها المتعالية في التعامل والتفاعل مع ثقافة الاختاف؛ وخافًا لمرجعية الأنوار ورسائل التسامح لفولتير Voltaire (778–16941)، وجون لوك Locke John (704–16321)، ومبادئ الثورة الفرنسية والتحولّات العالمية في عوالم الاتصالات وفتوحات العولمة، فإن الذاتية والتمركز ظلَ يتحكَّمان في عمليات التواصل مع "الآخر". فلم تعترف المنظومة المركزية بتيار ما بعد الكولونيالية بصفته اتجاهًا حداثيًا في نقد المركزيات

والإمبراطوريات للكشف عن الأنساق المضمرة والمسكوت عنه كمبدأ استعائي، بل تجاوزت ذلك إلى نقد روّاد ما بعد البنيوية؛ نظرًا إلى تأثيراتهم المباشرة في أدبيات ما بعد الكولونيالية وفلسفتها. فقد

اعتبرت مواقفها ونقدها ومُنجزها التفكيكي امتدادًا لدعوات فاسفة ما بعد الكولونيالية. أما المقال الثاني، الذي ابتعد قليلً عن التنظير وقضايا التأثير المعرفي، فجاء محمَّلً بأعباء الماضي وثقل التاريخ، فحمل فكرة استفهامية "عن أي إرث استعماري نتحدث؟"، حيث جاءت المقدمة جامعة للمضمون وكاشفة عن المحتوى. فالماضي بمكوناته السلبية والإيجابية هو المتحكم في عاقات الحاضر، وبعبارة أخرى: لا يُفهم الحاضر إلا باستعراض الماضي الاستعماري لطرفَي المعادلة، فالتقارب الثنائي في مجال العاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مقترن بالماضي عامة وبالموروث الكولونيالي خاصة، فبعد الاستقالات بأربعين سنة "ما يزال موضوع الاستعمار يثير الجدل العمومي، ولفهم الظاهرة يجب صناعة الاستمرارية بين الماضي الاستعماري والحاضر، من أجل فهم أفضل للعاقات بين القوى الإمبريالية والمستعمرات بحسب حجم الماضي ودرجته".

(53) Ibid., pp. 120–121. (54) Ibid. (55) Johannes Angermuller, "Qu’est–ce que le poststructuralisme français? A propos de la notion de discours d’un pays à l’autre," Langage et société , vol. 2, no. 120 (2007), p. 17. (56) Bayart Jean–François & Bertrand Romain, "De quel 'legs colonial' parle–t–on?" Esprit (Decembre 2006), accessed on 6/1/2022, at: https://bit.ly/3yZdVwm

لقد شكَّلت بعض الدراسات بعناوينها الاستفزازية صدمة للمتلقي ولذاكرته التاريخية، وانعكست الآثار السلبية على الهوية التي اعتقد أبناء المستعمرات أنها تُهان وتُغتصب من جديد في ظل تعصّب المركزية

الثقافية وتمسّكها بثقافة الإقصاء والعنصرية. وكانت الاستجابة متفاوتة بين العامة والخاصة، فتبنّت

النخبة الرد بالكتابة كما يقول الناقد الأسترالي بيل أشكروفت Ashcroft Bill في كتابه الإمبراطورية تردُّ بالكتابة The Empire Writes Back (9891)، واختلفت مواقف وردود أفعال العامة، من السلبية الانعزالية والنأي عن المشاركة في الرد إلى أقلية اندفعت نحو التطرف سلوكًا تعتقد مشروعيته بعد اقتناعها بالخطاب البديل الذي يستثمر الشواهد والاستثناءات التاريخية، اعتمادًا على تقنيات الانتقائية من الحوادث التاريخية وتغليفها بالمقدس الديني والاجتماعي والثقافي. ففي مقال المؤرخ الفرنسي نيكولا بنسل Bancel Nicolas المختص في المستعمرات، والموسوم ﺑ "ماذا نفعل بدراسات ما بعد الكولونيالية؟"، والذي هو عرضٌ أكاديمي كرونولوجي لنشأة هذا النوع من الدراسات في فرنسا، وتتبُّع العديد من الكتابات الفرنسية المنشورة في المجات المختصة ليعلن "أن

تهميش دراسات ما بعد الكولونيالية ودراسات التابع في فرنسا تعود لأسباب غامضة حول الموضوع، كما يجب التساؤل عن ردود الأفعال العدائية عامة ولماذا اليوم؟ إن الكتابات الحجاجية تسعى لتجريد هذه التيارات من المزايا العلمية والمنهجية والسياسية". والحقيقة أن إثارة الإشكالات بالتشويش المعرفي والمنهجي تعود إلى أصول المركزية الثقافية وفوبيا مرآة الغيرية التي سوف تكشف جرائم الاستعمار وتجاوزاته في حق الإنسانية، وخاصة بعد التجارب السياسية لإمبراطوريات استعمارية غربية؛ من أجل إعادة بناء عاقات عقانية مع مستعمراتها القديمة بتقديم الاعتذارات والتعويضات (إيطاليا مع ليبيا، وألمانيا مع اليهود، مثلً). إن المقصود باللوائح الحجاجية هو تلك الادعاءات والمغالطات التي أسّستها المركزية لرفض المُنجز

المتصل بما بعد الكولونيالية، ويأتي على هرمها مسألة الوقتية أو الزمنية temporalité La، والتي تتصل بالعمر المعياري لهذه الدراسات، وترتبط بمراجعات كرونولوجية وتاريخية تنتهي صاحياتها بانتهاء الحقبة التاريخية.

خاتمة

كشف الخطاب المركزي الفرنسي في مواجهة دراسات ما بعد الكولونيالية عن هويته المعرفية والإبستيمولوجية، بأنه صورة لخطاب السيطرة الذي تبنّته الهيمنة الاستعمارية. فهو نسق وسياق ثقافي يُغيِّر الحقائق ويُحرِّفها ويُقصيها ويُضخِّم "العدو" المتوهَّم ويطمس الأفكار ويتحيَّز للمركزية في بُعدها

الاستغالي والانتهازي والتسلطي المتنكر للموضوعية. وأفرز خطاب التحيُّز للمركزية الثقافية الفرنسية أيضًا منظومات ومواقف ومشاهد ورؤى ونظريات

تختزل دراسات ما بعد الكولونيالية في آفاق عدوانية ترهيبية، تجعل من نتائجه خطرًا على النسيج

الاجتماعي المحلي، وربما العالمي، إضافة إلى ضعف حجيته ومنهجه ونياته. وقد تستخدم المركزية

(57) Bancel, p. 131.

وتوظف السخرية Ironie استراتيجيةً خطابية؛ لتقويض سلطة النص ما بعد الكولونيالي، كما فعل جان فرانسوا بايار Jean–François Bayart في كتابه دراسات ما بعد الكولونيالية، كرنفال أكاديمي

Les études postcoloniales. Un carnaval académique (2010)، فحقَّق بذلك الصدمة التي تصبو

إليها باغة السخرية من إثارةٍ واختزالٍ وتهميش. لقد كشفت المصنفات الفرنسية في ميدان دراسات ما بعد الكولونيالية عن عجز المنظومة الفكرية والمعرفية المركزية في الإقرار العلمي بمشروعية هذا النوع من الأبحاث والدراسات، بصفته خطابًا مناهضًا يسعى

للتحرر من سلطة النص الاستعماري. وبيّنت المواقف الفرنسية أيضًا إشكالات معرفية جوهرية تتعلق

وترتبط بالعاقة بين "الأنا" (المركز) و"الآخر" (الهامش)، بشأن بناء مفهوم للمثاقفة الندية التي تتجاوز الإقصاء والتماهي، وتؤصل لتكريس ثقافة الاختاف ونشر مبادئ الإنسانية في الحب والخير والجمال.

References

المراجع

العربية

كريسطيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. مراجعة عبد الجليل ناظم. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1997 مازليش، بروس. الحضارة ومضامينُها. ترجمة عبد النور خراقي. سلسلة عالم المعرفة 2.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2014

الأجنبية

Agacinski, Sylviane. "Racisme: La responsabilité philosophique." Lignes. vol. 4, no. 12 Akinwande, Pierre. Négritude et francophonie: Paradoxes culturels et politiques. Collection: Études africaines – Afrique subsaharienne. Paris: L’Harmattan, 2011. Ali–Benali, Zineb, Martin Mégevand & Françoise Simasotchi–Bronès. "L’impossible fondement des théories postcoloniales: Le commerce du génie dans une société en devenir." Littérature. vol. 2, no. 154 (2009). Angermuller, Johannes. "Qu’est–ce que le poststructuralisme français? A propos de la notion de discours d’un pays à l’autre." Langage et société. vol. 2, no. 120 (2007). Bancel, Nicolas & Pascal Blanchard. "Un postcolonialisme à la française?" Cités. vol. 4, no. 72 (2017). Bancel, Nicolas. "Que faire des postcolonial studies? Vertus et déraisons de l’accueil critique des postcolonial studies en France." Vingtième Siècle. Revue d’histoire. vol. 3, no. 115 (2012). Bessone, Magali & Daniel Sabbagh. Race, Racisme, Discriminations: Anthologie de textes fondamentaux. Paris: Hermann, 2015. Blanchard, Pascal, Nicolas Bancel & Sandrine Lemaire (dir.). La fracture coloniale: La société française au prisme de l’héritage colonial. Paris: La Découverte, 2005. Boehmer, Elleke. "Écriture postcoloniale et terreur." Littérature. vol. 2, no. 154, (2009). Capucine, Boidin. "Etudes décoloniales et postcoloniales dans les débats Français." Cahiers des Amériques Latines. vol. 3, no. 62 (Janvier 2009).

Césaire, Aimé. Discours sur le colonialisme. Paris: Editions Présence Africaine, 1955. Chivallon, Christine. "La quête pathétique des postcolonial studies ou la révolution manquée." Mouvements. vol. 3, no. 51 (2007). Cohen, Jim. "La bibliothèque postcoloniale en pleine expansion." Mouvements. vol. 3, no. 51 (2007). Combe, Dominique. "'Le texte postcolonial n’existe pas', Théorie postcoloniale, études francophones et critique génétique." Genesis. vol. 33 (2011). Demart, Sarah. "Au–delà de la controverse française: La critique postcoloniale dans le champ de la sociologie." SociologieS (2016). at: https://bit.ly/2RF8TU3 Dufoix, Stéphane. "Que faire des études postcoloniales?" Revue française de science politique. vol. 61, no. 4 (Août 2011). Faille, Dimitri della. "Les études postcoloniales et le 'sous–développement'." Revue québécoise de droit international. hors–série (Novembre 2012). "Faut–il être postcolonial?" Labyrinthe. vol. 24, no. 2 (2006). at: https://bit.ly/3szwhTq Hargreaves, Alec G. "Chemins de traverse: Vers une reconnaissance de la postcolonialité en France." Mouvements. vol. 3, no. 51 (2007). Jean–François, Bayart & Bertrand Romain. "De quel 'legs colonial' parle–t–on?" Esprit (Decembre 2006). at: https://bit.ly/3yZdVwm L’Heuillet, Hélène. "Les études postcoloniales, une nouvelle théorie de la domination?" Cités. vol. 4, no. 72 (2017). Lacoste, Yves. "La question postcoloniale." Hérodote. vol. 1, no. 120 (2006). le Meur, Morgane. "Auteurs postcoloniaux et manuels scolaires: Un lien en construction." Africultures. 28/9/2014. at: https://bit.ly/3qoxaf4 Leménager, Grégoire. "Des études (post) coloniales à la française." Labyrinthe. vol. 24, no. 2 (2006). Mbembe, Achille et al. (eds.). "Qu’est–ce que la pensée postcoloniale?" Esprit. vol. 12, no. 330 (Décembre 2006). Melka, Pascal. Victor Hugo: Un combat pour les opprimés: Etudes sur l’évolution politique. Paris: la Compagnie Littéraire, 2008. Molénat, Xavier. "Faut–il brûler les études Postcoloniales?" Sciences Humaines. no. 217 (Juillet 2010). Programme international pour le suivi des acquis des élèves (PISA). "France: PISA 2012: Faits marquants." OCDE (2012). at: https://bit.ly/3tSsPRA Tongmo, Bernard Djoumessi. De la critique de l’infrastructure colonial française à l’enchevêtrement des singularités culturelles dans Madame Bâ d’Erik Orsenna. Paris: Connaissances & Savoirs, 2017. Zarka, Yves Charles. "Le postcolonialisme ou le crime inexpiable de l’Occident." Cités. vol. 4, no. 72 (2017). Zecchini, Laetitia. "Les études postcoloniales colonisent–elles les sciences sociales?" la vie des idees. 27/1/2011. at: https://bit.ly/3mz9iEi Zobel, Clemens & Maria Benedita Basto. "Où vont les études postcoloniales?" Mouvements. vol. 3, no. 51 (2007).